← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بيانا للجواز، وهذا في حق المستيقظ، وأما من أراد الوضوء من غير نوم فالغسل مستحب لما مر في صفة وضوء النبي ﷺ (١)، ولا يكره الترك لعدم ورود (أ) النهي فيه، وإن كان قد روي عن أبي هريرة "أنه كان يفعله ولا يرى تركه" (٢) واتفقوا على أنه لو غمس يده لم يضر الماء (٣). وقال إسحاق وداود والطبري (٤): بل يتنجس للأمر بإراقته في رواية أخرجها ابن عدي ولكنه حديث ضعيف (٥)، ولا تزول الكراهة عند الجمهور بأقل من ثلاث غسلات للتصريح بها في رواية مسلم، وإن كانت رواية مالك أخرجها البخاري: "فليغسل يده قبل أن يدخلها". من دون ذكر عدد، وحديث "لا يغمس": أبين في المراد من حديث: "لا يدخل"، فإن مطلق الإِدخال لا يترتب (ب) عليه كراهة كما إذا كان الإِناء واسعا واغترف منه بآلة من دون أن يلامس (جـ) الماء. وقوله: في الإِناء، المراد به إناء الوضوء، وكذا قد ورد التصريح بالوضوء في رواية البخاري، قال (د): في وضوئه (٦)، أي الإِناء الذي أعد للوضوء ويلتحق (هـ) به إناء الغسل وسائر الآنية استحبابًا من دون كراهة، وخرج بذكر

стр. 247

الإِناء البرك والحياض التي لا تفسد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها فلا يتناولها النهي. وقوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده"، فيه إشارة إلى أن العلة احتمال النجاسة، فيحمل عليه من شك في يده ولو كان مستيقظا بجامع الاحتمال ويقتضي أن من علم أين باتت يده، كمن لف عليها خرقة فاستيقظ وهي على حالها أن لا كراهة وإن كان (أ) غسلها مستحبا كما في المستيقظ، ومن قال بأن الأمر للتعبد (١) فلا يفرق بين شاك ومتيقن. وقوله: "أين باتت لِده"، يعني من جسده، قال الشافعي (٢): كانوا يستجمرون وبلادهم حارة فربما عرق أحدهم إذا نام فيحتمل أن تطوف يده على المحل أو (ب) على بثرة أو دم حيوان أو قذر غير ذلك. وفي الحديث الأخذ بالوثيقة، والعمل بالاحتياط في العبادة. والكناية عما يستحيى منه إذا حصل الإفهام بها، وغسل النجاسة ثلاثا استحبابا لأنه أمر بالتثليث عند توهمها فعند تيقنها أولى، واستدل به على التفرقة بين ورود الماء على النجاسة، وورود النجاسة على الماء وهو ظاهر (٣)، وعلى أن النجاسة تؤثر في الماء وهو صحيح وإن لم يتغير، وقد استنبط (جـ) قوم منه فوائد منها: أن موضع الاستنجاء مخصوص بالرخصة في جواز الصلاة مع بقاء أثر النجاسة عليه. قاله (د) الخطابي (٤): ومنها: إيجاب الوضوء من النوم. قاله ابن عبد البر (٥): ومنها:

стр. 248

تقوية من يقول بالوضوء من مس الذكر، حكاه أبو عوانة في صحيحه عن ابن عيينة. ومنها: أن القليل مستعمل بإدخال اليد فيه لمن أراد الوضوء، قاله الخفاف صاحب الخصال من الشافعية (١). ٣٥ - وعن لَقِيط بن صَبِرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَسْبِغ الوضوء، وخلِّل بيْن الأصابع، وبالغْ في الاسْتِنْشاق إلَّا أن تكون صائما" أخرجه الأربعة وصححه ابن خزيمة (٢). ولأبي داود في رواية: "إذا توضأت فمضمض" (٣). هو لقيط (أ) بفتح اللام وكسر القاف، ابن صبرة بفتح الصاد الهملة وكسر الباء الموحدة ابن عبد الله بن المنتفق بضم الميم وسكون النون وفتح التاء الفوقية وكسر الفاء وبعدها قاف، كنيته: أبو رزين صحابي مشهور عداده في أهل الطائف، هكذا نسبه غير واحد من الأئمة، ومنهم من يجعل (ب) لقيط بن عامر غير لقيط بن صبرة وليس بشيء، وعامر هذا المنتسب إليه هو (جـ) أبو المنتفق. روي عنه ابنه عاصم وابن عمر وعمرو بن أوس ووكيع بن عديس، ورزين بفتح الراء وكسر الزاي وبالياء بعدها نون (٤).

стр. 249

الحديث أخرجوه وأحمد والشافعي وابن الجارود وابن حبان والحاكم والبيهقي من طريق إسماعيل بن كثير المكي عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه مطولا ومختصرا، قال الخلال: عن أبي داود عن أحمد: عاصم لم يسمع منه بكثير رواية. انتهى. ويقال: لم يرو عنه غير إسماعيل وليس بشيء، لأن روى عنه غيره وصححه الترمذي والبغوي وابن القطان، وهذا اللفظ عندهم من رواية وكيع عن الثوري عن إسماعيل بن كثير عن عاصم، وروى الدولابي (١) في حديث الثوري من (أ) جمعه، من طريق ابن مهدي عن الثوري ولفظه: "وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما". وقوله: أسبغ الوضوء، (الإِسباغ في اللغة الإِتمام) (ب)، والمراد بالإِسباغ: الإِيفاء واستكمال الأعضاء والحرص على أن يتوضأ على وجه يصح عند جميع العلماء، ولا يترخص بالاختلاف، ويغسلها ثلاثا، وهذا أتم الوضوء، وقد أجمع (٢) العلماء على كراهة الزيادة على الثلاث، فلو شك: هل غسل ثلاثا أو اثنتين جعل ذلك اثنتين، وأتي بثالثة إذ الأصل عدم الغسل، وهذا هو الصواب الذي قاله الجماهير من العلماء،. وقال الشيخ (٣) أبو محمد الجويني: يجعل ذلك ثلاثا، ولا يزيد عليها مخافة (جـ) من ارتكاب البدعة، (وقد روى ابن المنذر بإسناد صحيح أن "ابن عمر كان يغسل رجليه في الوضوء سبع

стр. 250

مرات" (١) (أ) وكأنه بالغ فيهما دون غيرهما لأنهما محل الأوساخ غالبا، لاعتيادهم المشي حفاة. والله أعلم) (ب). وقوله: وخلل بين الأصابع، ظاهره أصابع اليدين والرجلين جميعا وقد ورد مصرحا به في حديث ابن عباس: "إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك" (٢). قال الرافعي (٣) رواه الترمذي. وقال المصنف (٤) -رحمه الله تعالى- ورواه أيضًا أحمد وابن ماجه والحاكم (٥) وفيه صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف، ولكن حسنه البخاري لأنه من رواية موسى بن عقبة عن صالح، وسماع (جـ) موسى منه قبل أن يختلط (٦). وكيفية تخليل أصابع الرجلين أن يخلل بيده اليسرى بالخنصر منها ويبدأ بأسفل الأصابع، وقد روى ذلك أبو داود (٧) والترمذي من حديث المستورد بن شداد قال: "رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره"، وفي

стр. 251

رواية لابن ماجه (١): يخلل بدل يدلك، وفي إسناده ابن لهيعة (٢) لكن تابعه الليث بن سعد وعمرو (أ) بن الحارث أخرجه البيهقي وأبو بكر الدولابي والدارقطني في غرائب مالك من طريق ابن وهب عن الثلاثة (٣)، وأما كونها اليد اليسرى فقال الغزالي (ب) في الوسيط (٤) (جـ) مستندهم القياس على الاستنجاء. وفي الباب حديث عثمان أنه خلل أصابع قدميه ثلاثا، وقال: "رأيت رسول الله ﷺ فعل كما فعلت" (٥) رواه الدارقطني. وقوله: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما"، وإنما كره ذلك للصائم خشية أن ينزل إلى حلقه ما يفطره. وفيه دلالة على أن المبالغة ليست بواجبة، إذ لو كانت واجبة لوجب عليه التحرز ولم يجز له ترك المبالغة وقوله: في رواية أبي داود: "إذا توضأت فمضمض" (٦)، فيه دلالة على وجوب المضمضة، وأما المبالغة فلا، ولذلك قال الماوردي: إن المبالغة فيها غير مشروعة لأنه لم يرد فيه الخبر ولكن رواية الدولابي المذكورة واردة عليه، وأما الوجوب ففيه دلالة على وجوبهما (د) وفي ذلك خلاف والناس على أربعة مذاهب، وقد تقدم ذكر الخلاف في وجوبهما في الغسل والوضوء وعدمه، هذان مذهبان والثالث أنهما

стр. 252

واجبان في الغسل دون الوضوء وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري، والمذهب الرابع وجوب الاستنشاق فيهما دون المضمضة فهي سنة فيهما، وهو مذهب أبي ثور وأبي عبيد وداود الظاهري وأبي بكر بن المنذر ورواية عن أحمد واتفق الفقهاء الثلاثة وجماعة على أنه يكفي في غسل الأعضاء في الوضوء والغسل جريان الماء على الأعضاء ولا يشترط الدلك. وقال أكثر الأئمة من أهل البيت علهم السلام ومالك والمزني بل يشترط الدلك. وقال المؤيد بالله: قوة جرى الماء كالدلك (١). ٣٦ - وعن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ : "كان يخلِّل لحيته في الوضوء" أخرجه الترمذي وصححه ابن خزيمة (٢). (هو أبو عبد الله وأبو عمرو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب الأموي القرشي، يقال: كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو فلما ولدت له رقية بنت النبي ﷺ عبد الله اكتنى به، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أسلمت، وكان إسلام عثمان في أول الإِسلام على يد أبي بكر قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، ولم يشهد بدرا لأنه تخلف يُمرض رقية بنت النبي ﷺ ، وضرب له النبي ﷺ فيها بسهم، ولم يشهد بالحديبية (أ) بيعة الرضوان لأن النبي ﷺ بعثه إلى مكة في أمر الصلح، فلما كانت البيعة ضرب النبي ﷺ يده على يده

стр. 253

وقال: هذه لعثمان (١)، ويسمى ذا النورين لجمعه بين بنتي رسول الله ﷺ رقية وأم كلثوم، استخلف أول يوم من المحرم سنة أربع وعشرين، وقتل: يوم الجمعة لثماني عشرة خلت (أ) من ذي الحجة (ب)، سنة خمس وثلاثين، وقيل: لثلاث عشرة خلت منه، وقيل: لثلاث بقين. قتله الأسود التجيبي بضم التاء فوقها نقطتان وكسر الجيم وسكون الياء بعدها باء موحدة من أهل مصر، وقيل: غيره، ودفن ليلة السبت بالبقيع، وقيل: إن قبره خارج البقيع في أقصاه وله اثنتان وثمانون سنة، وقيل: ثمان وثمانون، وقيل: تسعون وصلى عليه حكيم بن حزام، وقيل: الزبير، وقيل: جبير بن مطعم، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا أياما. روى عنه ابن الزبير، وأنس بن مالك وزيد (جـ) بن خالد الجهني وأبان ابنه وحمران مولاه ومروان بن الحكم وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم) (٢) (د). وأخرجه الحاكم والدارقطني وابن حبان من رواية عامر بن شقيق عن شقيق (هـ) بن سلمة عن عثمان. وعامر قال البخاري: حديثه حسن، وقال الحاكم: لا نعلم فيه طعنا بوجه من الوجوه. كذا قال. وقد ضعفه يحيى بن معين (٣) وأورد له الحاكم شواهد عن أنس وعائشة وعلي وعمار.

стр. 254

قال (أ) المصنف -رحمه الله تعالى-: وفيه أيضًا عن أم سلمة وأبي أيوب وأبي أمامة وابن عمر وجابر وجرير (ب) وابن أبي أوفى وابن عباس وعبد الله بن عكيرة وأبي الدرداء. وقد تكلم على جميعها إلا حديث عائشة واستوفى ما عليها في التلخيص (١) فليرجع إليه. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس في تخليل اللحية شيء صحيح، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا يثبت عن النبي ﷺ في تخليل اللحية شيء، وأخرج ابن ماجه والدارقطني والبيهقي وصححه ابن السكن من حديث الأوزاعي عن عبد الواحد بن قيس عن نافع عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك ثم يشبك لحيته بأصابعه" (٢)، وقد علل بالإِرسال والوقف (٣)، وعبد الواحد مختلف فيه (٤).

стр. 255

وهذا الحديث يدل على مشروعية تخليل اللحية، ولا خلاف فيه. وأما الوجوب فقد اختلف فيه، فمذهب العترة وأبي ثور والظاهرية والحسن بن صالح أنه واجب كقبل نباتها. قال في البحر: لقوله ﷺ من حديث أنس: "خلل لحيتك" (١)، ولفظه: قال: "أتاني جبريل فقال: إذا توضأت فخلل لحيتك". وروي عن علي ﵇: "ما بال أقوام يغسلون وجوههم قبل أن تنبت اللحية، فإذا نبتت اللحى ضيعوا الوضوء". حكاهما في أصول الأحكام وأخرج أبو داود حديث أنس (٢) وفي إسناده الوليد بن زوران (أ) (٣)، وهو مجهول الحال، ولفظه "كان إذا توضأ أخد كفا من ماء (ب) فأدخله تحت حنكه فخلل به (جـ) لحيته وقال: هكذا أمرني ربي" وله طرق أخرى ضعيفة (٤). وذهب الفريقان إلى أنه غير واجب، لحديث وضوئه ﷺ في رواية ابن عباس: "ثم أخذ أخرى فجمع بها يديه ثم غسل وجهه" (٥) والغرفة الواحدة لا تصل باطن الشعر الكثيف. وأجيب بأن حديث أنس فيه زيادة وهي معمول بها. والحق أن ذلك مع صحة الرواية صحيح وقد عرفت ما فيها والله أعلم. ٣٧ - وعن عبد الله بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ أُتِيَ بثُلُثَي مُدِّ فجعل يدلِّك ذراعيه. أخرجه أحمد وصححه ابن خزيمة (٦).

стр. 256

وأخرج أبو داود والنسائي بإسناد حسن من حديث أم عمارة الأنصارية (أن النبي ﷺ "توضأ (أ) بإناء فيه قدر (ب) ثُلَثَي مُدٍّ" (١) ورواه البيهقي من حديث عبد الله بن زيد. وروي البيهقي من طريق ابن عدي وضعفه من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ توضأ (ب) بنصْفِ مُدٍّ (٢) ورواه البيهقي (٣) أيضًا بلفظ بقسط من ماء. وهو ضعيف أيضًا، والقسط: نصف مد. في هذا المذكور رد على ابن شعبان (٤) من المالكية حيث قال: "لا يجزئ أقل من مُدٍّ في الوضوء وصاعٍ في الغُسْل لحديث أنس المتفق عليه" (٥) وحكي مثل قوله عن محمد بن الحسن من الحنفية قال صاحب التقريب (جـ): وذكر أصحابنا في كتب الفقه حديثًا آخر أنه توضأ بثلث مد وحديثا آخر "أنه توضأ بما لا يلت الثري" (٦) ولا أصل (٧) لهما. وقد عرفت من اختلاف هذه

стр. 257

الأحاديث وإمكان الجمع بينها أن ذلك إنما هو تقريب لا تحديد وأن الجميع يقضي بعدم الإِسراف في الوضوء والتخفيف، وذلك يختلف باختلاف الأوقات والأشخاص ونعومة الجسم (أ) وقشافته وعظمه وصغره وقال ابن عبد السلام (١) (ب) الاقتصار في ذلك القدر المروي لمن كان حجم جسمه كبدن النبي ﷺ وإلا اعتبرت النسبة زيادة ونقصانا وهو حسن، ووافقه في الإِقليد، وقد روي عن تقي الدين السبكي أنه توضأ بثمانية عشر (٢) درهما وهو أوقية ونصف، والمستحب الاقتصار على ذلك لقوله ﷺ : "سيأتي أقوام يستقلون هذا، فمن رغب في سنتي وتمسك بعث معي في حظيرة القدس" (٣). والحديث غريب، ولكنه (جـ) في بعض الأجزاء من رواية أم سعد كذا حكاه الدميري (د) في شرح (هـ) المنهاج (٤). وحظيرة القدس (٥) بالظاء المشالة (٦) الجنة وسيأتي الكلام في تحقيق المد في حديث أنس (و) قريبا إن شاء الله تعالى (٧).

стр. 258

٣٨ - وعنه ﵁ أنه "رأى النبي ﷺ يأخذ لأذُنَيْه ماء خلاف الماء الذي أخذه لرأسه" أخرجه البيهقي (١). وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: "ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وهو المحفوظ". الضمير في عنه عائد إلى عبد الله (أ) بن زيد بن عاصم. وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في الحديث الخامس وهو حديث عبد الله بن عمرو فليرجع إليه. ٣٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أُمَّتِي يأتون يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلين من أثرِ الوُضُوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّتَهُ فلْيَفْعل" متفق عليه واللفظ لمسلم (٢). قوله: إن أمتي، المراد بالأمة هنا أمة الإِجابة وهم المسلمون، وقد يطلق أمة محمد ويراد بها الدعوة، وليست مرادة هنا، ويأتون أي إلى المحشر أو إلى الحوض ويدل عليه الرواية بأنه يذاد (٣) بعضهم عنه، وفي رواية للبخاري يدعون بضم أوله، أي ينادون أو يسمون. وغُرًّا بضم المعجمة وتشديد الراء جمع (ب) أغر أي

стр. 259

ذو غرة وأصل الغرة (١) لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس ثم استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر، والمراد بها هنا: النور الكائن في وجوه أمة محمد ﷺ . وغرا منصوب على الحالية، وعلى رواية يدعون يحتمل المفعولية: أي أنهم إذا نودوا على رؤوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف وكانوا على هذه الصفة، ومحجلين بالمهملة والجيم من التحجيل (٢) وهو بياض يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس وأصله من الحِجل بكسر المهملة وهو الخلخال والمراد به هنا (أ) النور. واستدل الحليمي بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة وفيه نظر، لأنه ثبت عند البخاري في قصة سارة (٣) ﵍ مع الملك الذي أعطاها هاجر، "أن سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي". وفي قصة جريج (٤) الراهب أيضًا، "أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام". فالظاهر أن الذي اختصت به هذه الأمة هو (ب) الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء. وقد صرح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة مرفوعًا قال: "سِيما ليست لأحد غيركم" (٥)، وله من حديث حذيفة نحوه (٦) والسيما بكسر السين المهملة: العلامة، وقد اعترض (جـ) على الحليمي بحديث: "هذا وضوئي ووضوء

стр. 260

الأنبياء (أ) قبلي" (١) وهو حديث ضعيف لا تقوم به الحجة (ب) ولاحتمال أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلا هذه الأمة ومن آثار الوضوء بفتح الواو لأنه الماء ويجوز الضم عند البعض كما تقدم. وقوله: فليفعل، أي فليطل الغرة والتحجيل واقتصر على أحدهما لدلالته على الآخر نحو ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (٢)، واقتصر على ذكر الغرة وهي مؤنثة دون التحجيل وهو مذكر لأن محل الغرة أشرف الأعضاء وأول ما يقع عليه النظر من الإِنسان. على أن في رواية مسلم من طريق عمارة بن غزية ذكر الأمرين ولفظه: "فليطل غرته وتحجيله" (٣). وقال ابن بطال (٤): كنى أبو هريرة بالغرة عن (جـ) التحجيل لأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله، وفيما قال نظر لأن الإِطالة ممكنة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلًا، ونقل الرافعي عن بعضهم أن الغرة تطلق على كل من الغرة والتحجيل، ثم أن ظاهره أنه بقية الحديث، (أي قوله: فمن استطاع. . الحديث) (د)، لكن رواه أحمد من طريق فليح عن نعيم (٥)، وفي آخره قال نعيم: لا أدري قوله: من استطاع إلى آخره من قول النبي ﷺ -أو من قول أبي هريرة غير رواية نعيم هذه والله أعلم.

стр. 261

واختلف العلماء في القدر المستحب من التطويل في التحجيل فقيل إلى المنكب والركبة، وقد ثبت عن أبي هريرة رواية ورأيا (١) وعن ابن عمر (٢) من فعله. أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد بإسناد حسن. وقيل: المستحب الزيادة إلى نصف العضد والساق، وقيل إلى فوق ذلك و (أ) قال ابن بطال (٣) وطائفة من المالكية لا تستحب الزيادة على الكعب والمرفق، لقوله ﷺ : "من زاد على هذا فقد أساء وظلم" (٤)، وكلامهم معترض من وجوه، ورواية مسلم صريحة في الاستحباب فلا تعارض بالاحتمال. وأما دعواهم اتفاق (ب) العلماء على خلاف مذهب أبي هريرة في ذلك فهي مردودة بما نقلناه (ص) عن ابن عمر وقد صرح باستحبابه جماعة من السلف وأكثر الشافعية (٥) والحنفية، وأما تأويلهم الإِطالة المطلوبة بالمداومة على الوضوء فمعترض بأن الراوي أدرى بمعنى ما روي، "كيف وقد صرح برفعه إلى الشارع ﷺ (د) في الحديث (هـ) يعني ما ترجم له من فضل الوضوء" (٦). لأن (و) الفضل الحاصل بالغرة والتحجيل من آثار الزيادة على

стр. 262

لواجب فكيف الظن بالواجب وقد وردت فيه أحاديث صحيحة صريحة أخرجها مسلم وغيره. ٤٠ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يعجبُه التَّيمن في تَنَعُّلِه وتَرَجُّلِه وَطَهوره وفي شأنِه كلِّه" متفق عليه (١). قوله (أ): يعجبه التيمن، قيل: إنه كان يحب الفأل الحسن، إذ أصحاب اليمين أهل الجنة. وزاد البخاري في كتاب الصلاة عن شعبة (٢): "ما استطاع" فنبه على المحافظة في ذلك ما لم يمنع مانع. وقوله: في تنعله: أي لبس نعله، وترجله: أي ترجيل شعره: وهو تسريحه ودهنه. قال في المشارق (٣): رجَّل شعره إذا مشطه بماء أو دهن ليلين ويرسل الثائر ويمد المنقبض. زاد أبو داود (٤) عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة: وسواكه. وقوله: وفي شأنه كله: ثبت بالواو في رواية أبي الوقت (ب). قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد (٥): هو عام مخصوص، لأن دخول الخلاء والخروج

стр. 263

من المسجد ونحوهما يبدأ فيهما باليسار، وقد يعترض (أ) عليه بأن التأكيد بكل يقتضي بقاء التعميم ودفع التجوز عن البعض، ويمكن أن يقال: حقيقة الشأن ما كان فعلا مقصودا، وما يستحب فيه التياسر (ب) ليس من الأفعال المقصودة بل هي: إما متروك أو إما غير مقصودة، وهذا على تقدير ثبوت الواو، وأما على تقدير حذفها، وهي رواية الأكثر للبخاري، فالجار متعلق بيعجبه، أي يعجبه التيمن (جـ) في شأنه كله، التيمن (د في تنعله د) إلى آخره أي لا يترك ذلك سفرا ولا حضرا ولا فراغا ولا شغلا ونحو ذلك، وقال الطيبي: هو بدل مما قبله، بدل الكل من الكل لأنه لما ذكر الترجل لتعلقه بالرأس، التنعل لتعلقه بالرجل، والطهور لكونه مفتاح أبواب العبادة فكأنه نبه على جميع الأعضاء فصح البدل. انتهى. ووقع في رواية لمسلم (٥) بتقديم (في شأنه كله) (١)، وفي البخاري في الأطعمة من طريق عبد الله بن المبارك عن شعبة أن أشعث شيخه كان يحدث به تارة مقتصرا على قوله: في شأنه كله، وتارة على قوله: في تنعله إلى آخره (٢)، وزاد الإِسماعيلي (٣) من طريق غندر عن شعبة أن عائشة كانت تُجْمِله تارة وتبينه أخرى، فعلى هذا يكون أصل الحديث ما ذكر من التنعل وغيره، ويؤيده رواية مسلم من طريق أبي الأحوص (٤)، وابن ماجه (٥) من طريق عمرو بن عبيد كلاهما

стр. 264

عن أشعث بدون قوله في شأنه كله، وكأن الرواية المقتصرة على قوله: في شأنه كله من الرواية بالمعنى، ووقع في رواية لمسلم: في طهوره ونعله، بفتح النون وإسكان العين أي هيئة نعله وفي رواية ابن ماهان في مسلم: ونعله بفتح العين (١). وفي الحديث استحباب البداءة بشق الرأس الأيمن في الترجل والغسل والحلق. وقد ثبت البداءة بالأيمن في الحلق أيضًا في البخاري (٢). وفي البخاري أيضًا إزالة النعل باليسرى (٣) وفيه "البداءة باليمنى في الوضوء (أ)، وبالشق الأيمن في الغسل" (٤)، واستدل أيضًا به على استحباب الصلاة عن يمين (ب) الإِمام وفي ميمنة المسجد، وفي الأكل والشرب باليمين، وقد أورده البخاري في هذه المواضع كلها. قال النووي: قاعدة الشرع المستمرة البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، ما كان يضدها استحب فيه التياسر. قال: وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين في الوضوء سنة، من خالفها فاته الفضل وتم وضوءه انتهى (٥). وفي دعوى الإِجماع نظر، إذ خالف في ذلك العترة والإِمامية (٦) فقالوا: يجب الترتيب بينهما، وقد نسب المرتضي ذلك إلى الشافعي (٧) وهو غلط، والحجة على (جـ) وجوب الترتيب بينهما أنه لم ينقل عن أحد

стр. 265

ممن روى وضوء النبي ﷺ أنه رآه توضأ معكوسا أو مقدم اليسرى على اليمني، وفي بعض الروايات أن تلك الصفة وقعت منه بيانا لآية الوضوء فلا يقال: إن ذلك عمل بالأفضل وليس بواجب. وأجيب بأن الآية أجمل فيها اليدان والرجلان ولم يبين، وقال النبي ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" (١) فهو قرينة على حمل الفعل على الوجه المستحب ولا خلاف في الاستحباب، ولقول علي ﵁ "ما أبالي بيميني (أ) بدأت أم بشمالي إذا أكملت الوضوء" (٢) أخرجه الدارقطني. وكذا في أصول الأحكام. قلت ذلك (ب) معارض بالحديث الآتي: "ابدأوا بميامنكم" (٣) وهو لم يتكلم عليه بما يقدح، وهو أرجح مما ذكر، فالواجب المصير إليه، وفيه بيان للآية (جـ)، وقد نسب العمراني في البيان القول بوجوب ترتيبها إلى الفقهاء السبعة. قال المصنف (٤): وهو تصحيف من الشيعة، وفي كلام الرافعي (٥) (د) لما يوهم أن أحمد قال بوجوبه، ولا نعرف ذلك عنه، بل قال الشيخ الموفق في المغني: لا نعلم في عدم الوجوب خلافا (٦) والله أعلم.

стр. 266

٤١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا توضأتم فأبدأوأ بميامنِكُم" أخرجه الأربعة وصححه ابن خزيمة (١). وأخرجه (أ) أحمد وابن حبان والبيهقي (ب) (جـ)، كلهم من طريق زهير عن الأعمش وعن أبي صالح عنه، زاد ابن حبان والبيهقي والطبراني (جـ): "وإذا لبستم". قال ابن دقيق العيد: هو حقيق بأن يصحح وللنسائي والترمذي من حديث أبي هريرة: "أنَّ النبي ﷺ كان إذا لبس قميصا بدأ بميامنه" وقد تقدم الكلام على فقه الحديث قريبا. ٤٢ - وعن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ : "توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والحفين". أخرجه مسلم (٢). هو أبو عبد (٣) الله، وقيل: أبو عيسى المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي، أسلم عام الخندق، وقدم مهاجرا، وقيل: أول مشاهده الحديبية، نزل الكوفة

стр. 267

ومات بها سنة خمسين وهو ابن سبعين سنة، وهو أميرها لمعاوية بن أبي سفيان. روى عنه من أولاده: عروة وحمزة ومولاه وراد وأبو بردة بن أبي موسى. والحديث أخرجه مسلم من رواية حمزة بن المغيرة بن شعبة ولم يخرجه البخاري (١). قال المصنف (٢) -رحمه الله تعالى- ووهم (أ) المنذري فعزاه إلى (ب المتفق، وتبع في ذلك ابن الجوزي (٣) فوهم، وقد تعقبه ابن عبد الهادي، وصرح ب) عبد الحق في الجمع بين الصحيحين بأنه من أفراد مسلم. انتهى. وأقول: لعل من جعله من المتفق هو بالنطر إلى الاتفاق في متن الحديث دون إسناده، فقد أخرج البخاري من حديث عمرو بن أمية عن أبيه: رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته وخفيه. من رواية الأوزاعي. قال البخاري: وتابعه معمر وعن يحيى عن أبي سلمة عن عمرو: رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته وخفيه (٤). وفي الحديث دلالة على جواز الاقتصار على مسح (٥) الناصية، وقد قال به زيد بن علي ﵇ وأبو حنيفة (٦)، واختلف العلماء (٧) في معنى المسح على

стр. 268

العمامة فقيل: إنه كمل (أ) عليها بعد مسح الناصية كما في رواية مسلم، وإلى عدم الاقتصار على المسح عليها ذهب الجمهور. وقال الخطابي (١): فرض الله مسح الرأس. والحديث في مسح العمامة محتمل التأويل فلا يترك المتيقن للمحتمل، قال: وقياسه على مسح الخف بعيد لأنه يشق نزعه بخلافها، وتعقب بأن الذين أجازوا الاقتصار على مسح العمامة شرطوا فيه المشقة في نزعها كما في الخف، وطريقه أن تكون محكمة (ب) كعمائم العرب، وقالوا: عضو يسقط فرضه في التيمم فجاز المسح على حائله كالقدمين، وقالوا: الآية لا تنفي ذلك ولا سيما عند من يحمل المشترك على (معنييه بحمل (جـ) اللفظ على) (د) حقيقته ومجازه لأن من قال: قبلت رأس فلان يصدق ولو كان على حائل، وإلى هذا ذهب الأوزاعي والثوري في رواية عنه وأحمد وأبو إسحاق وأبو ثور والطبري وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهم، وقال: ثبت ذلك عن أبي بكر وعمر وقد صح أن النبي ﷺ قال: "إن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا" (٢) والله أعلم. انتهى كلامه (٣). قال المصنف (٤) -رحمه الله تعالى- وحديث المغيرة ذكر البزار أنه رواه عن ستين رجلا. قال: وقد (هـ) لخصت مقاصد طرقه الصحيحة في هذه القطعة وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في المسح على الخفين.

стр. 269

٤٣ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ في صفة حج النبي ﷺ قال ﷺ : "أبْدأوا بما بدأَ اللهُ به" أخرجه النسائي (١). هكذا بلفظ، الأمر، وهو عند مسلم بلفظ الخبر. هو أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بالحاء المهملة والراء المهملة المفتوحتين الأنصاري السلمي، من مشاهير الصحابة، وأحد المكثرين من الرواية (أ) عن رسول الله ﷺ ، شهد هو وأبوه العقبة الثانية ولم يشهد الأولى وشهد بدرا. وقيل لم يشهدها وشهد بعدها مع النبي ﷺ ثماني عشرة غزوة. وقدم الشام ومصر، وأبوه أحد النقباء الاثني عشر، وكف بصر جابر في (ب) آخر عمره. روى عنه أبو (جـ) سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن علي الباقر وعطاء بن أبي رباح وأبو الزبير فأكثر ومحمد بن المنكدر وخلق سواهم كثير. مات بالدينة سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة سبع وسبعين وقيل: سنة ثمان وسبعين، وصلى عليه أبان بن عثمان (د) وهو أميرها وله أربع وتسعون سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة في قول (٢).

стр. 270

الحديث رواه مسلم (١) بطوله في صفة حج النبي ﷺ قال (أ): "ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٢) أبدأ بما بدأ الله به" بلفظ الخبر الفعل المضارع فبدأ بالصفا لأن الله تعالى قدمه في التنزيل فقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ. . .﴾ الآية. وذكره (ب) المصنف هنا لأن اللفظ عام والعموم لا يقصر على سببه كما هو المعمول به عند الجمهور، فآية الوضوء مندرجة في ذلك العموم فيجب البداءة بما بدأ الله به فيها من تقديم الوجه إلى آخره، وهذا حجة الجمهور (٣) على القول بوجوب الترتيب في الوضوء، فعلى رواية الأمر، الوجوب ظاهر، وعلى رواية الخبر فلأن الظاهر من فعله ﷺ هو بيان المناسك وقد قال: "خذوا عني مناسككم" (٤) فالظاهر (جـ) إنما هو بيان الواجب لا بيان الأفضل والله أعلم. وذهب جماعة منهم أبو حنيفة (٥) وأصحابه وابن مسعود (٦) -ومالك وغيرهم إلى (د) أن الترتيب ليس بواجب لرواية ابن عباس: "أن النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه ويديه ثم رجليه ثم مسح رأسه بفضل وضوئه" (٧) هكذا في الانتصار، وروت الربيع بنت معوذ "أنه مسح رأسه بفضل

стр. 271

وضوئه" (١) قلنا: حجتنا أقوى وأصرح، ولعله مسح تبركا بآخر الوضوء أو تسوية لناصيته، قالوا كالغسل. قلنا: الجسد كالعضو الواحد. ٤٤ - وعنه ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا توضأ أدارَ الماء على مِرفقيه"، أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف (٢) وأخرجه البيهقي أيضًا كلاهما من حديث القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد (أ) بن عقيل عن جده عن جابر بلفظ "يدير الماء على المرفق" (٣) والقاسم (٤) متروك عند أبي حاتم، وقال أبو زرعة (ب): منكر الحديث، وكذا ضعفه (جـ أحمد وابن معين وانفرد ابن حبان بذكره في الثقات (٥)، ولم يلتفت إليه في ذلك وقد صرح بضعف جـ) هذا الحديث المنذري وابن الجوزي وابن الصلاح والنووي وغيرهم (٦). قال المصنف (٧) ﵀ -ويغني عنه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة

стр. 272

أنه توضأ حتى أشرع في العضد ثم قال: "هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ" (١). وتقدم الكلام على هذا الحكم في حديث عثمان فليرجع إليه. ٤٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا وُضوءَ لمن لَّم يذكر اسم الله عليه". أخرجه أحمد أبو داود وابن ماجه بإسناد ضعيف" (٢). وللترمذي عن سعيد بن زيد وأبي سعيد نحوه (٣). قال أحمد: لا يثبت فيه شيء (٤). حديث أبي هريرة أخرجوه من طريق محمد بن موسى المخزومي عن يعقوب بن سلمة، (أعن أبيه (أ) عن أبي هريرة بلفظ: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" ورواه الحاكم من هذا الوجه إلا أنه قال: يعقوب بن أبي سلمة وادعى أنه الماجشون فصحح الحديث لذلك (٥) فوهم. قال المصنف ﵀: والصواب أنه الليثي بإسقاط أبي، قال

стр. 273

البخاري: لا يعرف له سماع من أبيه ولا لأبيه من أبي هريرة (١)، وأبوه ذكره ابن حبان في الثقات و (أ). قال: ربما أخطأ (٢). وهذه عبارة عن ضعفه، فإنه قليل الحديث جدا (٣) ولم يرو عنه سوى ولده (٤) فإذا كان يخطئ مع قلة ما روى فكيف يوصف بكونه ثقة؟ وله طريق أخرى عند الدارقطني والبيهقي (٥) من طريق محمود بن محمد الظفري، وهي ضعيفة (ب) أيضًا بمحمود (٦) وشيخه أيضًا أيوب بن النجار. وقد ورد الأمر بذلك من حديث أبي هريرة، ففي الأوسط للطبراني من طريق علي بن ثابت عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا هريرة إذا توضأت فقل: بسم الله، والحمد لله فإن حفظتك لا تزال تكتب لك الحسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء" (٧). قال: تفرد به عمرو بن أبي سلمة عن إبراهيم بن محمد (٨) عنه وسنده واه، وفيه أيضًا من طريق الأعرج عن

стр. 274

أبي هريرة رفعه (١) "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإِناء حتى يغسلها، ويسمي قبل أن يدخلها". تفرد بهذه الزيادة عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة (٢) وهو متروك عن هشام بن عروة عن أبي الزناد عنه. وأما حديث سعيد بن زيد فرواه الترمذي والبزار وأحمد وابن ماجه والدارقطني، والعقيلي والحاكم (٣) من طريق عبد الرحمن بن حرملة عن أبي ثفال عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب عن جدته عن أبيها قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره، لفظ الترمذي قال: وقال محمد: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح (٤) ولكنه ضعيف (٥). قال أبو حاتم وأبو زرعة: أبو ثفال ورباح (أ) مجهولان (٦)، وزاد (ب) القطان أن جدة رباح أيضًا لا يعرف اسمها ولا حالها (٧) كذا قال: فأما هي فقد عرف اسمها من رواية الحاكم (٨)، قال: حدثتني جدتي أسماء بنت سعيد بن زيد بن عمرو أنها سمعت

стр. 275

رسول الله ﷺ فأسقط منه ذكر أبيها، وكذا البيهقي (١)، وأما حالها فقد ذكرت في الصحابة (٢)، وإن لم يثبت لها صحبة فمثلها لا يسأل عن حالها، وأما أبو (أ) ثفال فروى عنه جماعة (٣)، وقال البخاري: في حديثه نظر وهذه عادة فيمن يضعفه وذكره ابن حبان في الثقات (٤) إلا أنه قال: لست بالمعتمد على ما تفرد به، وكأنه لا يوثقه، وأما رباح فمجهول فتبين ضعف الطريق. وأما حديث أبي سعيد فقد أخرجه الترمذي (٥) وغيره من طريق كثير بن زيد عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد بلفظ حديث الباب. قال ابن معين: كثير (٦) بن زيد ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: صدوق فيه لين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ليس بالقوي، يكتب حديثه، وربيح قال أبو حاتم: شيخ، وقال الترمذي (٧) عن البخاري: منكر الحديث، وقال أحمد: ليس بالمعروف (٨)، وقال المروزي: لم يصححه أحمد، وقال: ليس فيه شيء يثبت، فهذه الطريق موضع اجتهاد في الترجيح.

стр. 276

وقد روي أيضًا من حديث عائشة وسهل بن سعد وأبي سبرة وأم سبرة وعلي وأنس (١) وفي الجميع مقال، ولكن هذه الروايات يقوي بعضها بعضا فلا تخلو عن قوة، ولذا قال ابن أبي شيبة (٢): ثبت لنا أن النبي ﷺ قاله. وقال البزار: لكنه مؤول ومعناه: أنه لا فضل لوضوء من لم يذكر اسم الله، لا على أنه لا يجوز وضوء من لم يسم. والحديث يدل على اعتبار التسمية في الوضوء وأنه لا يصح من دونها، وقد اختلف في ذلك بعد الاتفاق على مشروعيتها فمذهب العترة أنها فرض على الذاكر فقط والظاهرية (٣) وأحد قولي ابن حنبل بل وعلى الناسي فالظاهرية لظاهر هذا حديث (أ) الباب والعترة له في حق العامد وعدم الشرطية في حق الناسي لحديث أبي هريرة قال: سمعته ﷺ يقول (ب): "من ذكر الله في أول وضوئه طهر جسده، وإذا لم يذكر اسم الله لم يطهر منه إلا موضع الوضوء". أخرجه الدارقطني والبيهقي (٤) (جـ)، وهو ضعيف (بمرادس (٥) بن محمد) (د) وبمحمد بن أبان (٦) ورواه الدارقطني والبيهقي (جـ) من حديث ابن مسعود بزيادة: "فإذا فرغ من طهوره فليشهد" (٥) أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا قال ذلك فتحت له أبواب السماء" (٧). وفيه يحيى بن هاشم (و) السمسار وهو

стр. 277

متروك (١). قال الإِمام في البحر (٢): فجمعنا بين الحديثين فحملنا الحديث الأول على العامد، وهذا على الناسي وذهبت الحنفية والشافعية وربيعة ومالك وأحد قولي الهادي ﵇ (٣) إلى أنها سنة استدلالًا بحديث أبي هريرة الأخير، وقد عرفت ما فيه. وأقوى منه قوله في حديث الأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" (٤)، ولم يذكر التسمية، وقد مر، وتأولوا حديث الباب بالوضوء الكامل، وإذا عرفت ما تأولناه في الخبرين فالأول أرجح لكثرة المتابعات، وتقوية الطرق بعضها بعضًا. والحديث الثاني ليس في قوته وأيضًا فإنه إذا تعارض الموجب وغيره، يرجح الموجب على المختار، والأول موجب لها، والثاني غير موجب، فيترجح العمل بالأول. وأما حديث "توضأ كما أمرك الله" فإن هذا مثبت لزيادة كحديث المضمضة، والنظر إنما هو في صحة القدر الذي يجب معه العمل فيعمل به، ولكنه قد روى الرافعي (٥) زيادة في حديث الباب: لا وضوء كامل. فمع وجود هذه الزيادة وفرض صحتها فلا حجة فيه إلا أنه قال المصنف -رحمه الله تعالى- لم يره هكذا (٦) بهذا اللفظ، والله سبحانه أعلم. ٤٦ - وعن طلحة بن مصرف ﵁ عن أبيه عن جده قال: "رأيت رسول الله ﷺ يفصل بين المضْمضَة والاسْتِنْشاق" أخرجه أبو داود بإسناد ضعيف (٧).

стр. 278

هو أبو محمد -ويقال أبو عبد الله- طلحة بن مصرف بن كعب بن عمرو (١) -ويقال: ابن عمرو بن كعب- اليامي الهمداني الكوفي أحد الأعلام الأثبات من التابعين، روى عن عبد الله بن أبي أوفى وأنس بن مالك، روى عنه ابنه محمد وأبو إسحاق السبيعي وشعبة، وهو ممن فات الثوري من أئمة الكوفة. مات سنة اثنتى عشرة ومائة. مصرف بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الراء المشددة والفاء، واليامي بالياء تحتها نقطتان، والسبيعي بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة والعين المهملة. والحديث ضعيف بليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم. تركه يحيى بن القطان وابن مهدي وابن معين وأحمد بن حنبل، وقال النووي في تهذيب الأسماء: اتفق العلماء على ضعفه (٢). وللحديث علة أخرى ذكرها أبو داود عن أحمد قال: كان ابن عيينة ينكره ويقول: إيش بهذا طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده، وكذا حكى عثمان الدارمي عن علي بن المديني، وزاد (أ): سألت عبد الرحمن بن مهدي عن اسم جده فقال: عمرو بن كعب أو كعب بن عمرو (ب)، كانت له صحبة، وقال الدوري عن ابن معين: المحدثون يقولون: إن جد طلحة رأى النبي ﷺ وأهل بيته يقولون: ليست له صحبة (٣). وقال الخلال عن أبي داود: سمعت رجلا من

стр. 279

ولد طلحة يقول: إن لجده صحبة، وقال ابن أبي حاتم في العلل: سألت أبي عنه فلم يثبته، وقال: إن طلحة هذا يقال: إنه رجل من الأنصار، ومنهم من يقول: طلحة بن مصرف (أقال: ولو كان طلحة بن مصرف أ) لم يختلف فيه (١) وقال ابن القطان: علة الخبر عندي الجهل محال مصرف بن عمرو ووالد طلحة، وصرح بأنه طلحة بن مصرف بن السكن وابن مردويه في كتاب "أولاد المحدثين" ويعقوب بن سفيان في تاريخه وابن أبي خيثمة أيضًا. والحديث يدل على أنه يندب الفصل بين المضمضة والاستنشاق بأن يؤخذ لكل منهما ماء، وقد ذهب إلى ذلك الناصر وأحد. قولي الشافعي (٢) وروي مثل ذلك من حديث علي وعثمان من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة قال: شهدت عليا وعثمان توضئا ثلاثا ثلاثا، وأفردا المضمضة والاستنشاق ثم قالا: "هكذا رأينا رسول الله ﷺ توضأ" رواه أبو علي بن السكن في صحاحه، وذهب الهادي والشافعي (٣) إلى أن الجمع بينهما أفضل، وذلك لما روي في صفة وضوء النبي ﷺ ، ففي مسند أحمد عن علي ﵁ أنه دعا بماء فغسل وجهه وكفيه ثلاثا وتمضمض فأدخل بعض أصابعه في فيه واستنشق ثلاثا" (٤) وفي ابن ماجه أصرح من هذا بلفظ "فمضمض واستنشق ثلاثا من كف واحد" (٥) وأخرج أبو داود حديث الجمع عن علي ﵁ من ست طرق (٦)،

стр. 280

وأخرج أبو داود من حديث عثمان: "ثم أدخلها في الإِناء فتمضمض ثلاثا واستنثر ثلاثا" (١) وحديث عثمان متفق عليه، وحديث عبد الله بن زيد بن عاصم المتفق عليه وسيأتي، وفي رواية لابن حبان "ثلاث مرات من ثلاث حفنات"، وفي لفظ للبخاري "ثلاث مرات من غرفة واحدة" (٢). وفي الباب عن ابن عباس "وجمع بين المضمضة والاستنشاق" رواه الدارمي وابن حبان والحاكم (٣)، والجواب عن رواية طلحة بن مصرف بأن فيها ما سمعت، ومعارضة بما ذكر قال الإِمام المهدي في البحر (٤) قلت: والحق ما ذكره الإِمام يحيى أنه مخير فكلاهما (أ) سنة ثابتة. والله أعلم. وقد عرفت من بعض ما ذكر في الجمع أن الظاهر أن تثليثهما بغرفة واحدة، فلا وجه لاستبعاد الإِمام المهدي لذلك في الغيث مع وروده (٥). ٤٧ - (وعن علي ﵁ في صفة الوضوء": "ثم تمضمض ﷺ واسْتَنْثَرَ ثلاثًا يمضمض وينثر من الكف الذي يأخذ منه الماء" أخرجه أبو

стр. 281

داود والنسائي (١) تقدم الكلام على فقه (أ) الحديث) (ب). ٤٨ - وعن عبد الله بن زيد بن عاصم (جـ) ﵁ (د) - في صفة الوضوء: "ثم أدخل ﷺ يده فمضمض واستنشق من كف واحدة يفعل ذلك ثلاثا" متفق عليه (٢). هو عبد الله بن زيد بن عاصم وقد تقدم الكلام عليه. والحديث يدل على أن الأفضل جمع المضمضة والاستنشاق بماء واحد، وهذا صريح في هذه الرواية، وهي لفظ مسلم، وفي لفظ للبخاري (هـ) "فتمضمض واستنشق ثلاثا بثلاث غرفات" وفي رواية لهما: "من ثلاث غرفات"، والكلام عليه قد تقدم (٣). ٤٩ - وعن أنس ﵁ قال: "رأى النبي ﷺ رجلا وفي قدمه مثل الظفر، لم يصبه الماء، فقال: ارْجِع فأحْسِنْ وُضُوءَكَ" أخرجه أبو داود والنسائي (٤). الحديث أخرجه أبو داود من طريق ابن وهب عن جرير بن حازم وقال: ليس

стр. 282

هذا الحديث بمعروف عن جرير بن حازم، ولم يروه إلا ابن وهب (١)، (أوأخرج من حديث عمر عن النبي ﷺ نحوه قال: "ارجع فأحسن وضوءك" (٢). وهو أ) في صحيح مسلم من حديث جابر عن عمر وأبهم المتوضئ ولفظه: فقال: "ارجع فأحسن وضوءك" قال البزار (٣): لا نعلم أحدا أسنده عن عمر إلا من هذا الوجه. قال أبو الفضل الهروي: إنما يعرف هذا من حديث ابن لهيعة، ورفعه خطأ، فقد رواه الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن عمر موقوفًا، وكذا روى (ب) هشيم عن عبد الملك عن عطاء عن عبيد بن عمير نحوه في قصة موقوفة. وقال الدارقطني: "تفرد به جرير بن حازم عن قتادة، وهو ثقة" (٤). وأخرجه أبو داود (٥) من طريق خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي ﷺ : أن النبي ﷺ رأى رجلا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة قال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: هذا إسناد جيد قال: نعم. وأعله الترمذي بأن بقية قال عن يحيى: وبقية مدلس لا يزول ضعفه إلا بالتصريح بالتحديث والسماع، لكن في المستدرك (٦) تصريح بذلك، فزال الضعف، وأخرج في المستدرك نحوه عن

стр. 283

بعض أزواج النبي ﷺ ، وأجمل النووي (١) القول في هذا فقال في شرح المهذب: هو حديث ضعيف الإِسناد، وفي إطلاقه نظر لما عرفت من الطرق. والحديث دليل على وجوب استيعاب جميع أعضاء الوضوء نصا في الرجل وقياسا فيما عداها، وذهب إلى (أ) ذلك الجمهور، والخلاف لأبي حنيفة فقال: يعفى في الوضوء عن قدر الدرهم وفي التيمم عن قدر ربع العضو، هكذا حكى الخلاف الإمام الهدي في البحر (٢)، والنووي صرح في شرح مسلم بالاتفاق على أنه لا يعفى عن شيء في الوضوء (٣). قال: وفي التيمم ثلاث روايات عن أبي حنيفة، إحداها (ب) يعفى عن أقل (جـ النصف، الثانية أقل من جـ) الدرهم، الثالثة: من الربع فما دونه. هكذا حكى الخلاف (٤) والله أعلم. ودليل الجمهور ما مر ذكره، ولعل مستنده على رواية أقل من الدرهم حديث خالد بن معدان (٥)، وهو لا يدل على ذلك، إذ ليس فيه تصريح بأن ما دونه يعفى عنه، وقد استدل بالحديث على وجوب الموالاة في الوضوء، حيث قال: أحسن وضوءك، وأصرح منه أمره أن يعيد الوضوء، ولم يقل اغسل ما تركت، ويجاب عنه: أما حديث أحسن وضوءك فإن من الإِحسان الاستكمال

стр. 284

فلا دلالة على ذلك، وأما الأمر بالإِعادة فلأنه يحتمل أنه أراد التشديد عليه في الإِنكار والتنبيه على أن من ترك شيئًا فكأنه تارك للكل، وفيه ما فيه (١). . وفي الحديث أيضًا أن الجاهل والناسي حكمهما في الترك حكم العامد، وفيه تعليم الجاهل بالرفق. وفي قوله: مثل الظفر، الظفر فيه لغات أجودها بضم الظاء والفاء، وبه جاء القرآن العزيز (٢)، ويجوز إسكان الفاء، وبكسر الظاء مع إسكان الفاء وكسرهما، وقريء بهما في الشواذ، ويقال أيضًا أظفور ويجمع الظفر على أظفار جمع الجمع أظافير (٣). ٥٠ - وعنه ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يتوضّأ بالمُدِّ ويغتسل بالصَّاعِ إلى خمسةِ أمْداد" متفق عليه (٤). المد رطل وثلث بالبغدادي، والصاع أربعة أمداد، وأبو حنيفة (٥) يخالف في هذا المقدار، ولما جاء أبو يوسف (٦) إلى المدينة وتناظر مع (أ) مالك في المسألة استدل مالك بصيعان أولاد المهاجرين والأنصار الذين أخذوها من آبائهم، فرجع إليه أبو يوسف.

стр. 285

وقيل: المد والصاع في الوضوء غير المذكور في الزكاة وهو أن المد رطلان والصاع ثمانية أرطال، لما روى البخاري عن عائشة "أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ من إناء واحد يقال له: الفرق" (١) بفتح الراء، وهو إناء يسع ستة عشر رطلا، وأما سكون الراء فيسع مائة وعشرين رطلا. كذا نقله ابن الصباغ عن الشافعي (٢) رحمه الله تعالى. وظاهر حديث أنس أنه لم يطلع على أنه زاد على خمسة أمداد لأنه جعلها النهاية، والظاهر أن ذلك تقريب لا تحديد، ويدل عليه ما في (أ) رواية أبي داود والنسائي بإسناد حسن من حديث أم عمارة الأنصارية: "أن النبي ﷺ توضأ بإناء فيه قدر ثلثي مد" (٣) ورواه البيهقي (٤) من حديث عبد الله بن زيد، (ب والأولى الحمل على استحباب ذلك القدر فإن ب) أكثر من قدر وضوءه ﷺ من الصحابة قدرهما بذلك، ففي مسلم عن سفينة مثله (٥)، ولأحمد وأبي داود بإسناد صحيح عن جابر (٦) مثله، وفي الباب عن عائشة وأم سلمة مثله (جـ) وابن عباس وابن عمر وغيرهم وأشار إلى ذلك البخاري في أول كتاب الوضوء بقوله: وكره أهل العلم الإِسراف فيه، وأن يجاوزوا فعل النبي ﷺ (٧).
следующие страницы →