البَدْرُ التمام شرح بُلوغ المرام
للإمامِ القاضِي الحسَين بن محمد المغربي
(١٠٤٨ هـ - ١١١٩ هـ)
تحقيق
علي بن عبد الله الزبن
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
قدم له
فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان
رئيس مجلس القضاء الأعلى
الجزء السابع
стр. 2592
البَدرُ التمام شرح بُلوغ المرام
стр. 2593
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٨ - هـ-٢٠٠٧ م
стр. 2594
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب النكاح
النكاح في اللغة: الضم والتداخل، وقال الفراء (١): النُّكْح بضم ثم سكون: اسم الفرج، ويجوز كسر أوله، وكثر استعماله في الوطء، وسمي به العقد لكونه سببه. وقال أبو القاسم الزجاجي (١): هو حقيقة فيهما. وقال الفارسي (١): إذا قالوا: [نكح] (أ) فلانة أو بنت فلان. فالمراد العقد، وإذا قالوا: نكح زوجته. فالمراد الوطء. وقال آخرون: أصله لزوم شيء بشيء مستعليًا عليه، ويكون في المحسوسات وفي المعاني. قالوا: نكح المطر الأرض. ونكح النعاس عينه. ونكحتُ القمح في الأرض. إذا حرثتها وبذرته فيها. ونكحت الحصاة أخفاف الإبل.
وفي الشرع حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الصحيح، ويدل على ذلك كثرة وروده في الكتاب والسنة للعقد حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن (ب) إلا للعقد، ولا يَرِدُ مثلُ قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢). لأن شرط الوطء في التحليل إنما يثبت بالسنة، وإلا [فالعقد] (جـ) لا بد منه؛ لأن قوله ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾. معناه: حتى تتزوج. أي: يعقد عليها. ومفهومه أن
стр. 2595
ذلك كافٍ بمجرده، لكن بينت السنة أنه لا عبرة بمفهوم الغاية بل لا بد بعد العقد من ذوق العُسَيلة، كما أنه لا بد بعد ذلك من التطليق، ثم العدة، نعم أفاد أبو الحسين بن فارس أن النكاح لم يرد في القرآن إلا للتزويج إلا قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (١). فإن المراد به الحلم. والله أعلم. وفي وجه للشافعية كقول الحنفية أنه حقيقة في الوطء، مجاز في العقد. وقيل: مقول بالاشتراك على كل منهما. وبه جزم الزجاجي، وهو الذي يترجح في نظري، وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد، ورجح بعضهم الأول، فإن أسماء الجماع كنايات لاستقباح ذكره، فيبعد أن يستعير من لا يقصد فحشًا اسم ما يستهجنه لما لا يستهجنه، فدل على أنه في الأصل للعقد، وهذا يتوقف علي تسليم المدعي أنها كلها كنايات، وقد جمع أسماء النكاح ابن [القطاع] (أ) فزادت على الألف.
٧٩٣ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "يا [معشر] (ب) الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء". متفق عليه (٢).
قوله: "يا [معشر] (ب) الشباب". المعشر جماعة يشملهم وصف ما،
стр. 2596
فالشباب مَعْشر، والشيوخ معشر، والكهول معشر، وجمعه على معاشر، ولفظ "الصحيحين" بصيغة معشر، والمعنى هنا متساوي، والشباب جمع شاب، ويجمع أيضًا على شيبة وشُبّان بضم أوله وتشديد الباء الموحدة آخره نون، وذكر الأزهري (١) أنه لم يجمع فاعل على فعلان غيره. ويرد عليه: مثل صحبان في صاحب. وأصله الحركة والنشاط وهو اسم من بلغ إلى أن يكمل ثلاثين، هكذا أطلق الشافعية. وقال القرطبي في "المفهم": يقال: حَدَثٌ. إلى ست عشرة سنة ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين ثم كهل. وكذا ذكر الزمخشري. وقال ابن شاس المالكي في "الجواهر" أنه يقال: شاب. إلى أربعين. وقال النووي (٢): الأصح المختار أن الشباب من بلغ ولم يجاوز الثلاثين، ثم هو كهل إلى أن يجاوز الأربعين، ثم هو شيخ. وقال الرُّوياني وطائفة: من جاوز الثلاثين يسمى شيخًا. زاد ابن قتيبة: إلى أن يبلغ الخمسين. وقال أبو إسحاق الإسفراييني عن أصحاب الشافعي: المرجع في ذلك إلى اللغة، وأما بياض الشعر فيختلف باختلاف الأمزجة.
خصّ الشباب بالخطاب؛ لأن الغالب وجود قوة الداعي إلى النكاح فيهم بخلاف الشيوخ، فإذا وجد في غيرهم فالحكم واحد لوجود المعنى المقتضي.
وقوله: "من استطاع منكم الباءة". هي بالهمزة والمد وتاء التأنيث، وفيها لغة بغير همز ولا مد، وقد تهمز وتمد بلا هاءٍ، ويقال لها أيضًا: الباهة. مبدل عن الهمزة هاء، وقيل: بالمد القدرة على مؤن النكاح، وبالقصر الوطء. قال الخطابي: المراد [بالباءة هنا النكاح] (أ). انتهى. ولعله
стр. 2597
أراد مؤن النكاح. قال: وأصله الموضع الذي يتبوءه ويأوي إليه. وقال المازري: اشتق [العقد] (أ) على المرأة من أصل الباءة؛ لأن من شأن من يتزوج المرأة أن يتبوأ بها منزلًا. انتهى. ولابد من تقدير مؤن العقد. وقال النووي (١): اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى قول واحد، أصحهما أن معناها المراد اللغوي وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه -وهي [مؤن] (٥) النكاح- فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم؛ ليدفع شهوته، ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء. وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء ولا ينفكون عنها غالبًا. والقول الثاني أن المراد هنا مُؤَن النكاح، سميت باسم ما يلازمها. وتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع فليصم لتندفع شهوته. والذي حمل القائلين بهذا على ما قالوا قوله: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم". قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن. وانفصل القائلون بالأول عن ذلك بالتقدير المذكور. انتهى. والتعليل المذكور للمازري. وأجاب عنه عياض (٢) بأنه لا يبعد أن تختلف الاستطاعتان، فيكون المراد بقوله: "من استطاع الباءة". أي بلغ الجماع وقدر عليه "فليتزوج". ويكون قوله: "ومن لم يستطع". أي من لم يقدر على التزويج. ومع هذا التأويل يصح أن يكون معمول الاستطاعة المحذوف
стр. 2598
هو الباءة أو التزويج، ويكون ما ذكر تفسير المراد، وقد جاء مصرحًا بذلك في رواية الترمذي (١): "ومن لم يستطع منكم الباءة". وعند الإسماعيلي (٢): "من استطاع منكم أن يتزوج فليتزوج". فيقدر فيمن لم يستطع لفظ التزويج؛ لدلالة المثبت على المنفي.
وقوله: "فليتزوج". فعل أمر وظاهره الوجوب، فيقتضي أن النكاح واجب على الإطلاق مع القدرة على أسبابه وهو تحصيل المؤن. وقد ذهب إلى هذا داود ومن وافقه من أهل الظاهر، ورواية عن أحمد، وذهب إليه أبو عوانة الإسفراييني من الشافعية وصرح به في "صحيحه"، ونقله المصعبي في "شرح مختصر الجويني" وجهًا. قال أهل الظاهر: إنما يلزم العقد دون الوطء. وروي عن أحمد أنه يجب عند خشية العنت. وعبارة ابن تيمية في "المحرر" (٣): النكاح للتائق سنة مقدمة على نفل العبادة إلا أن يخشى الزنى بتركه فيجب، والوجوب عند خوف العنت وجه في مذهب الشافعي.
حكاه الرافعي عن "شرح مختصر الجويني". وقال النووي في "الروضة" (٤): لا يتحتم النكاح، بل يخير بينه وبين التسري. وجزم به أبو العباس القرطبي، وهو من المالكية، بل زاد فحكى الاتفاق عليه، فإنه قال: إنا نقول بموجب هذا الحديث في حق الشاب المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزبة، بحيث لا يرتفع عنه إلا بالتزويج. وقال ابن حزم في "المحلى" (٥): وفرض على كل قادر على الوطء إن وجد أن يتزوج أو يتسرى، فإن عجز عن
стр. 2599
ذلك فليكثر من الصوم. ثم قال: وهو قول جماعة من السلف. وذهب الجمهور إلى أن الأمر في الحديث محمول على الندب، قالوا: لأن الله خير بينه وبين التسَرّي في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. ثم قال: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١). والتسري ليس بواجب إجماعًا فكذا النكاح، لأن التخيير بين الواجب وغيره يرفع الوجوب. والمسألة مبسوطة في الأصول إلا أن دعوى الإجماع غير مسلمة، فإن فيه الخلاف السابق في أن التسري واجب، ثم قوله تعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٢). فإن قوله: ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. يدل على عدم الوجوب إذ لا يقال للواجب: إن فاعله غير ملوم. ثم الحديث متأول بأن ذلك في حق المستطيع الذي يخاف الضرر من العزبة، ثم إن القائلين بالوجوب إنما يجب عندهم العقد دون الوطء، وظاهر الحديث في الوطء، لأن العقد لا يحصل شيئًا من الفوائد المرتبة عليه. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٣). فهو لا يدل على وجوب التزويج، وإنما يجب على الولي الإنكاح عند طلبه منه، ولم يقل أحد بوجوبه على النساء، وقد صرح بذلك ابن حزم (٤) فقال: وليس ذلك فرضًا على النساء. وقال أبو إسحاق الشيرازي صاحب "التنبيه" (٥): إن النكاح للنساء مستحب عند الحاجة ومكروه عند عدمها. وقال الشيخ عماد الدين الريحاني في "شرح الوجيز" المسمى بـ "الموجز": لم يتعرض الأصحاب
стр. 2600
للنساء، والذي يغلب على الظن أن النكاح في حقهن أولى مطلقًا، لأنهن يحتجن إلى القيام بأمورهن والستر من الرجال، ولا يحصل فيهن الضرر الناشئ من النفقة. وقال ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" (١): قسم بعض الفقهاء النكاح إلى الأحكام الخمسة، وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت وقدر على النكاح وتعذر التسري. وكذا حكاه القرطبي عن بعض علمائهم وهو المازري قال (٢): فالوجوب في حق من لا ينكف عن الزنى إلا به كما تقدم. قال: والتحريم في حق من يخل بالزوجة في الوطء والإنفاق مع عدم قدرته عليه وتَوَقانه إليه، والكراهة في حق مثل هذا حيث لا إضرار بالزوجة، فإن انقطع بذلك عن شيء من أفعال الطاعة من عبادة أو اشتغال بالعلم اشتدت الكراهة. وقيل: الكراهة فيما إذا كان في حال العزوبة أجمع منه في حال التزويج. والاستحباب فيما إذا حصل به معنى مقصود، من كسر شهوة، وإعفاف نفس، وتحصين فرج، ونحو ذلك. والإباحة فيما إذا انتفت الدواعي والموانع. ومنهم من استمر بدعوى الاستحباب فيمن هذه صفته للظواهر الواردة في الترغيب فيه. قال عياض: هو مندوب في حق كل من يرجى منه النسل ولو لم يكن له في الوطء شهوة، لقوله ﷺ : "فإني مكاثر بكم" (٣). ولظواهر الحض على النكاح والأمر به، وكذا في حق من له رغبة في نوع من الاستمتاع بالنساء غير الوطء، فأما من لا يغسل ولا أرب له في النساء ولا في الاستمتاع فهذا مباح في حقه إذا علمت المرأة بذلك ورضيت. وقد يقال: إنه مندوب أيضًا لعموم قوله ﷺ : "لا رهبانية في الإسلام" (٤).
стр. 2601
وقال الغزالي في "الإحياء" (١): من اجتمعت له فوائد النكاح وانتفت عنه آفاته فالمستحب في حقه التزويج، ومن لا فالترك له أفضل، ومن تعارض الأمر في حقه فليجتهد ويعمل بالراجح. ومثل التقسيم الذي ذكر تقي الدين ذكر الهدوية.
وقوله: "ومن لم يستطع". في رواية: "ومن لم يقدر" (٢).
وقوله: "فعليه بالصوم". هذا من باب الإغراء، مثل قولك: عين زيدًا. أي الزمه. والإغراء للمخاطب؛ لأن الضمير في قوله: "فعليه". وإن كانت صيغة غائب لعوده إلى "مَن"، فهو في المعنى مخاطب بقوله: "من استطاع منكم". وقد وهم أبو عبيد وقال: "فعليه بالصوم". هو إغراء غائب، ولا تكاد العرب تغري إلا [المشاهد] (أ) تقول: عليك زيدًا. ولا تقول: عليه زيدًا. إلا في هذا الحديث. وقد عرفتَ الجواب عنه.
وكان الصوم واقيًا لمضرة العنت؛ لما فيه من الأسباب الكاسرة للشهوة، وتقليل مادة الماء؛ لترك الطعام والشراب وقمع النفس عن كثير من المقويات للشهوة وإدْماجًا لتحصيل عبادة هي في نفسها مطلوبة. وفيه إشارة إلى أن الغرض من الصوم قمع النفس من العادات وكسر الشهوة، ولا يقوم مقامه تقليل الطعام وحده من دون صوم.
قوله: "فإنه". أي الصوم، "له وِجاء". بكسر الواو والمد، أصله الغمز، ومنه: وَجَأَه في عنقه. إذا غمزه دافعًا له، و: وجأه بالسيف. إذا
стр. 2602
طعنه به، و: وجأ أنثييه. غمزهما حتى رَضَّهما. ووقع في رواية ابن حبان (١) تفسير الوجاء، قال: وهو الإخصاء. وهي زيادة مدرجة في الخبر لم تقع إلا في طريق زيد بن أبي أنيسة، وتفسير الوجاء بالإخصاء فيه نظر؛ فإن الوجاء رضُّ الأنثيين، والإخصاء سلهما، وإطلاق الوجاء على الصيام من مجاز المشابهة على قول بعض المحققين، أو من باب التشبيه البليغ على قول الأكثر، وحكى أبو عبيد (٢) عن بعضهم وَجَا بفتح الواو مقصور، والأول أكثر. وقال أبو زيد (٣): لا يقال وجاء إلا فيما لم يبرأْ وكان قريب العهد بذلك.
وفي الحديث إرشاد للعاجز عن مؤن النكاح إلى الصوم؛ لأن شهوة النكاح تابعة لشمهوة الأكل؛ تَقْوى بقوته وتَضْعُفُ بضعفه. واستدل به الخطابي (٤) على جواز المعالجة لقطع شهوة النكاح بالأدوية. وحكاه البغوي في "شرح السنة" (٥). وينبغي أن يحمل على دواء يسكن الشهوة دون ما يقطعها بالأصالة؛ لأنه قد يقدر بعدُ فيندم لفوات ذلك في حقه. وقد صرح الشافعية بأنه لا يكسرها بالكافور ونحوه، والحجة فيه أنهم اتفقوا على منع الجب والخصاء، فيلحق بذلك ما في معناه من التداوي بالقطع أصلًا، واستدل به الخطابي أيضًا على أن المقصود من النكاح الوطء، ولهذا شرع الخيار في العُنَّة.
وفيه الحث على غض البصر، وتحصين الفرج بكل ممكن، وعدم التكلف بغير المستطاع. ويؤخذ منه أن حظوظ النفوس والشهوات لا تقدم
стр. 2603
على أحكام الشرع، بل هي دائرة معها. واستدل به القرافي أن التشريك في العبادة لا يضر بخلاف الرياء، ولكنه يقال: إن كان المشرك عبادة كالشرك فيه مثل ما هنا فإنه يحصل الصوم وتحصين الفرج وغض البصبر، وأما تشريك المباح؛ كلو دخل في الصلاة لِتَرْكِ خطاب من يحل خطابه فهو محل نظر؛ يحتمل القياس على ما ذكر، ويحتمل عدم صحة القياس. واستدل به بعض المالكية على تحريم الاستمناء؛ لأنه لو كان الاستمناء مباحًا لأرشد إليه لأنه أسهل، وتعقب بأنه لا يسلم كونه أسهل إذ هو فعل، والصوم يستلزم الترك والترك أسهل، وقد أباح الاستمناء طائفة من العلماء، وهو عند الحنابلة وبعض الحنفية.
واعلم أنه قد ورد في الترغيب إلى النكاح أحاديث كثيرة؛ منها من حديث أنس: "تزوجوا الولود الودود؛ فإني مكاثر بكم يوم القيامة". أخرجه ابن حبان (١)، وذكر الشافعي (٢) بلاغًا عن ابن عمر بلفظ: "تناكحوا تكاثروا، فإني أباهي بكم الأمم". وللبيهقي (٣) من حديث أبي أمامة: "تزوجوا فإني مكاثر بكم الأم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى". وورد: "فإني مكاثر بكم" أيضًا من حديث الصنابحي بن الأعسر (٤)، ومعقل بن يسار (٥)، وسهل بن حنيف (٦)، وحرملة بن النعمان (٧)، وعائشة (٨)، وعياض
стр. 2604
ابن غَنْم (١)، ومعاوية بن حَيْدة (٢)، وغيرهم. وأما حديث: "لا رهبانية في الإسلام". فلم يوجد في شيء من الأصول المعتبرة بهذا اللفظ، لكن في حديث سعد بن أبي وقاص عند الطبراني (٣): "إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة". وعن ابن عباس ﵄ رفعه: "لا صَرُورَة (أ) في الإسلام". أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم (٤). وفي الباب حديث النهي عن التبتل، أخرجه البخاري (٥). وحديث: "من كان موسرًا فلم ينكح فليس منا". أخرجه الدارمي، والبيهقي (٦) من حديث أبي نجيح وجزم بأنه مرسل، وقد أورده [البغوي] (ب) في "معجم "الصحابة". و (جـ) حديث طاوس: قال عمر بن الخطاب لأبي الزوائد: إنما يمنعك من التزويج عجز أو فجور. أخرجه ابن أبي شيبة وغيره (٧). وفي حديث عائشة: "النكاح سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني". أخرجه البخاري (٨). وأخرج الحاكم (٩) من
стр. 2605
حديث أنس رفعه: "من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني". وهذه الأحاديث وإن كان في الكثير منها ضعف، فمجموعها يدل على الترغيب في النكاح، وأن لذلك أصلًا، لكن في حق من يتأتى منه النسل. والله أعلم.
٧٩٤ - وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ حمد الله وأثنى عليه وقال: "لكني أنا أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". متفق عليه (١).
٧٩٥ - وعنه قال: كان رسول الله ﷺ يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا ويقول: "تزوجوا الولود الودود، إني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة". رواه أحمد وصححه ابن حبان (٢). وله شاهد عند أبي داود والنسائي وابن حبان (٣) أيضًا من حديث معقل بن يسار.
حديث أنس أورده المصنف بلفظ مسلم، وأصل الحديث (أ): جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؛ قد غفر الله له ما تقدم من
стр. 2606
ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدًا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل [النساء] (أ) فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". هذا لفظ البخاري.
قوله: حمد الله وأثنى عليه. فيه دلالة على أنه يقدم الحمد والثناء على الله عند إرادة التكلم في أمر مهم من أمر الدين أو الدنيا وبيان أحكام المكلفين وإزالة [الشبهة عن] (ب) المجتهدين.
وقوله: "لكني أنا أصلي" إلى آخره. دلالة على أن المشروع هو الاقتصاد في العمل دون الانهماك والإضرار بالنفس وهجر المألوفات كلها، وأن الحنيفية مبنية على التسهيل والتيسير، لا تعسير فيها ولا تنفير، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١). وقد ورد في الاقتصاد في العمل أحاديث كثيرة أخرجها البخاري (٢) في "الصحيح" وغيره. قال الطبري (٣): في الحديث الرد على من منع من استعمال الحلال من الأطعمة والملابس وغيرها. قال عياض (٣): وهذا مما اختلف فيه السلف؛ فمنهم من نحا إلى ما قال الطبري، ومنهم من عكس واحتج بقوله تعالى:
стр. 2607
﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (١). قال: والحق أن هذه الآية في الكفار، وقد أخذ النبي ﷺ بالأمرين، والأولى التوسط في الأمر وعدم الإفراط في ملازمة استعمال الطيبات، فإنه يفضي إلى الترفه والبطر، ولا يأمن من الوقوع في الشبهات، فإن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحيانًا، فلا يستطيع الانتقال عنه، فيقع في المحذور، كما أن منع تناول ذلك أحيانًا يفضي إلى التنطع المنهي عنه. ويرد عليه صريح قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٢). كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها، وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلًا وترك النفل يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة، وخير الأمور الوسط.
وقوله: "فمن رغب عن سنتي فليس مني". المراد بالسنة الطريقة، لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره، وأراد ﷺ : من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني. ولمح بذلك إلى طريقة الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى، وقد عابهم بأنهم ما وفوا بما التزموه. وطريقة النبي ﷺ الحنيفية السمحة؛ فيفطر ليقوى على الصوم، وينام ليقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل.
وقوله: "فليس مني". إن كانت الرغبة لضرب من التأويل يعذر صاحبها فيها فالمعنى: ليس مني: أي على طريقتي، ولا يلزم أن يخرج عن الملة، وإن كانت إعراضًا وتنطعًا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله، فمعنى
стр. 2608
"ليس مني": ليس على ملتي؛ لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر.
وقوله في الحديث الثاني: وينهى عن التبتل. التبتل هو الانقطاع عن النساء وترك النكاح انقطاعًا إلى عبادة الله تعالى. وأصل التبتل القطع، ومنه: مريم البتول؛ لانقطاعها عن نساء زمانها دينًا وفضلًا ورغبة في الآخرة. و "الولود" كثيرة الولد، وقد ورد مصرحًا به في أول حديث معقل بن يسار في نكاح العاقر التي لا تلد ولم يجبه في الثالثة إلا بهذا الأمر. و "الودود" هي المودودة لما هي عليه من حسن الخلق والتودد إلى الزوج، فهو فعول بمعنى مفعول. والمكاثرة يوم القيامة بكثرة الأمة.
٧٩٦ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تنكح المرأة لأربع؛ لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك". متفق عليه مع بقية السبعة (١).
٧٩٧ - وعنه أن النبي ﷺ كان إذا رَفَّأ إنسانًا إذا تزوج قال: "بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير". رواه أحمد والأربعة وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان (٢).
стр. 2609
الحديث ذكر فيه أربع، وفي رواية مسلم (١) عن جابر بإسقاط حسبها. وأخرج الحاكم وابن حبان (٢) من حديث أبي سعيد: "تنكح المرأة على إحدى ثلاث خصال؛ جمالها ودينها وخلقها، فعليك بذات الدين والخلق".
وروى ابن ماجه والبزار والبيهقي (٣) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "لا تنكحوا النساء لحسنهن فلعله يُرديهن، ولا لمالهن فلعله يطغيهن، وأنكحوهن للدين، ولأمة سوداء خرقاء ذات دين أفضل". وروى النسائي (٤) من طريق سعيد المقبُري عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، أي النساء خير؟ قال: "التي تسره إذا نظر، وتطعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره". الحديث معناه الإخبار منه ﷺ بما يفعله الناس في العادة، فإنهم يقصدون هذه الخصال الأربع وآخرها عندهم ذات الدين، فاظفر أنت أيها المسترشد بذات الدين، لا أنه أمر. قال شِفرٌ (٥): الحسب الفعل الجميل للرجل وآبائه. انتهى. وفي حديث بريدة مرفوعًا: "إن أحساب أهل الدنيا الذين يذهبون إليه هذا المال". أخرجه ابن حبان في "صحيحه" وقال الحاكم (٦): هذا على شرط الشيخين. وهو يحتمل أن يكون خرج مخرج الذم، لأن الحسب إنما هو بالأنساب لا بالمال، ويحتمل التقرير والإعلام بصحته إذ لا فائدة لرجوعه إلى نسبه مع فقره وهو لا يحصل له مطلبًا، وإنما يكون حسبه بماله، فهو الذي يرفع من شأنه عند الناس كان لم يكن له شرف
стр. 2610
النسب، ويدل على ذلك حديث سمرة (١) مرفوعًا: "الحسب المال، والكرم التقوى". حسنه الترمذي. وقد دل الحديث على أن مصاحبة أهل الدين في كل شيء هي الأولى؛ لأن صاحبهم يستفيد من أخلاقهم وبركتهم وطرائقهم، ويأمن المفسدة من جهتهم.
وفي قوله: "تربت يداك". أي التصقت بالتراب من الفقر، لم يقصد حقيقة الدعاء عليه بذلك. وهو خارج مخرج ما يعتاده الناس من إلهاب الخاطب والتزامه بما أريد منه.
وحديث: كان إذا رَفَّأ ... إلخ. وأخرجه الدارمي (٢) وصححه أيضًا أبو الفتح في "الاقتراح على شبرط مسلم". وفي الباب عن عقيل بن أبي طالب. رواه الدارمي وابن السني (٣) وغيرهما من طريق الحسن، قال؛ تزوج عقيل بن أبي طالب امرأة من بني جُشَم، فقيل له: بالرفاء والبنين. فقال: قولوا كما قال رسول الله ﷺ : "بارك الله فيكم وبارك لكم". واختلف فيه على الحسن. أخرجه بقي بن مخلد (٤) من طريق غالب عنه عن رجل من بني تميم قال: كنا نقول في الجاهلية: بالرفاء والبنين. فعلمنا رسول الله ﷺ فقال: "قولوا ... ". فذكره. وفي حديث جابر أخرجه مسلم (٥)، قال لي رسول الله ﷺ : "تزوجت؟ ". قلت: نعم يا رسول الله. قال: "بارك الله لك". وزاد الدارمي: "وبارك عليك".
стр. 2611
قوله: كان إذا رَفَّأ. الرفاء: الموافقة وحسن المعاشرة، وهو من رفأ الثوب، وقيل: من رفوت الرجل، إذا سكّنت ما به من روع. وقولهم: بالرفاء والبنين. في محل النصب على الحال؛ أي هذا النكاح ملتبسًا بالرفاء والبنين، وإنما نهي عنه؛ لأنه كان من شعار الجاهلية، فكره لذلك. وفي الحديث دلالة على شرعية الدعاء للناكح.
٧٩٨ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الحاجة: "إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". ويقرأ ثلاث آيات. رواه أحمد والأربعة، وحسنه الترمذي والحاكم (١).
والآيات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا
стр. 2612
عَظِيمًا﴾ (١). وجاء في رواية لأبي داود (٢) بعد قوله: "ورسوله". "أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسَه ولا يضر الله شيئًا". وفي رواية للنسائي (٣): قال: علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة. وذكر الحديث. وجاء في رواية (٤) بحذف "إن"، وكذا في رواية البيهقي (٥) من حديث أبي داود الطيالسي بحذف "إن" وإثباتها بالشك، وفي آخره: قال شعبة: قلت لأبي إسحاق: هذه في خطبة النكاح وفي غيرها؟ قال: في كل حاجة. وفي إسناد الحديث إرسال؛ لأنه من حديث أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود. وهو لم يسمع من أبيه، إلا أن الحاكم (٦) رواه من طريق أخرى عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن ابن مسعود. وليس فيه الآيات. ورواه (٧) أيضًا من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص وأبي عبيدة أن عبد الله قال. فذكر نحوه. ورواه البيهقي (٥) من حديث واصل الأحدب، عن شقيق، عن ابن مسعود بتمامه.
الحديث فيه دلالة على شرعية ما ذكر من التحميد والتشهد عند إرادة النكاح، وأنه غير شرط في النكاح، وشرطه بعض أهل الظاهر، وهو قول شاذ.
стр. 2613
٧٩٩ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل". رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات، وصححه الحاكم (١). وله شاهد عند الترمذي والنسائي (٢) عن المغيرة. وعند ابن ماجه وابن حبان (٣) من حديث محمد بن مسلمة. ولمسلم (٤) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل تزوج امرأة: "أنظرت إليها؟ ". قال: لا. قال: "اذهب فانظر إليها".
قوله: تزوج امرأة. أي أراد. وتمام حديث جابر قال: فخطبت جارية، فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها. حديث جابر أخرجوه من حديث ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن واقد بن عبد الرحمن (٥). ورواه أحمد من هذا الوجه، وفيه أن المرأة من بني سلمة. وأعله ابن القطان (٦) بواقد بن عبد الرحمن بأنه غير معروف، والمعروف واقد بن عمرو (٧)، وهو في رواية الحاكم كذلك، وكذا في رواية الشافعي وعبد الرزاق (٨)، وحديث المغيرة أنه ﷺ قال للمغيرة وقد خطب امرأة:
стр. 2614
"انظر إليها فإنه أحرى أن يؤْدم بينكما". أخرجه النسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان (١).
والحديث فيه دلالة على ندبية تقديم النظر إلى التي يراد نكاحها، وهو مذهب الجماهير من العلماء وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسائر أهل الكوفة. وحكى القاضي عياض (٢) كراهته، وهو خطأ مخالف لصريح الحديث، ومخالف لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة، والنظر يباح إلى الوجه والكفين، لأنه يستدل بالوجه على الجمال أو ضده، وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمها، وهذا مذهب الأكثر. وقال الأوزاعي: ينظر إلى مواضع اللحم. وقال داود: ينظر إلى جميع بدنها. والحديث لا يدل على خلافه، بل قد يدل عليه إذا لم يحصل له المقصود بنظر البعض وكان الداعي إلى زواجها نظر جميع الجسد، ويدل على ذلك ما رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي عمر (٣) أن عمر كشف عن ساق أم كلثوم بنت علي لما بعث بها إليه علي لينظرها. ولا يشترط رضا المرأة بذلك النظر، بل له أن يفعل ذلك في غفلتها، ومن غير تقدم إعلام. لكن قال مالك (٤): أكره نظره في غفلتها؛ مخافة من وقوع نظره على عورة. وعن مالك رواية ضعيفة أنه لا ينظر إليها إلا بإذنها. وهو ضعيف لأن الحديث يدل على أنه مأذون له مطلقًا. ولأنها تستحي في
стр. 2615
الغالب من الإذن، ولأنه قد يحصل بسبب ذلك أذى، فإنه إذا ترك النكاح لعدم إعجابه تأذت منه في الغالب، ولذلك ذكر أصحاب الشافعي أنه ينبغي أن يكون نظره إليها قبل الخطبة حتى إن كرهها تركها من غير إيذاء بخلاف بعد الخطبة. وإذا لم يمكنه النظر استحب له أن يبعث امرأة يثق بها تنظر إليها وتخبره بصفتها، كما روى أنس أنه ﷺ بعث أم سليم إلى امرأة فقال: "انظري إلى عرقوبيها وشمي معاطفها". أخرجه أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي (١) من حديث أنس، واستنكره أحمد، والمشهور فيه من طريق عمارة عن ثابت عنه. ورواه أبو داود في "المراسيل" (٢) عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن ثابت. ووصله الحاكم من هذا الوجه بذكر أنس فيه، وتعقبه البيهقي بأن ذكر أنس فيه وهم. قال: ورواه أبو النعمان عن حماد مرسلًا. قال: ورواه محمد بن كثير الصنعاني عن حماد موصولًا. وفي قوله: "وشمي معاطفها". في رواية الطبراني، وفي رواية أحمد وغيره: "شمي عوارضها". والمعاطف: ناحيتا العنق، والعوارض: الأسنان التي في عرض الفم، وهي ما بين الثنايا والأضراس، واحدها عارض، والمراد اختبار رائحة نكهتها. كذا في "النهاية" (٣)، ويثبت مثل هذا الحكم للمرأة أن تنظر إلى خاطبها؛ فإنه يعجبها منه مثل ما يعجبه منها، وقد روي مثل هذا عن عمر (٤). قال المصنف (٥) ﵀: لم أجده عن عمر.
стр. 2616
٨٠٠ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له". متفق عليه (١) واللفظ للبخاري.
وذكر البخاري في ترجمة الباب: لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع. وأورده في حديث أبي هريرة (٢) بلفظ: "أو يترك". وأخرجه مسلم (٣) من حديث عقبة بن عامر بلفظ: "حتى يذر". وأخرجه أبو الشيخ (٤) في كتاب "النكاح" من طريق عبد الوارث، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة بلفظ: "حتى ينكح أو يدع". وإسناده صحيح. الحديث فيه دلالة على أنه منهي عن الخطة إذا قد سبق بها أحد، وظاهر النهي التحريم، وادعى النووي (٥) الإجماع على التحريم. وقال الخطابي (٦): النهي للتأديب وليس للتحريم، يُبطِل العقدَ عند أكثر الفقهاء. ويقال: لا ملازمة بين تحريم الخطبة وبين العقد؛ فإن ذلك منفصل، وإن ادعى أن العقد منهي عنه لوقوعه بعد الخطبة المنهي عنها فلا دليل على ذلك. وظاهر الحديث إطلاق النهي قبل الإجابة وبعدها، ولم أطلع على قول في ذلك إلا في أحد قولي الشافعي، كما سيأتي قريبًا، وأما بعد الإجابة فإجماع
стр. 2617
على أنه منهي عنها (أ) إذا كانت الإجابة [تصريحًا] (ب)، وهي من المرأة المكلفة في الكفؤ، ومن الولي في حق الصغيرة، وأما غير الكفؤ فلا بد من إذن الولي على القول بأن له المنع. وأما إذا كانت الإجابة بالتعريض، فالأصح عند الشافعية عدم التحريم، وهو قول الهدوية، وقول للشافعي التحريم، وحجة من جوز الخطبة قبل الإجابة ما ورد في قصة فاطمة بنت قيس (١) فإنها قالت: خطبني معاوية وأبو جهم. ولم ينكر عليهما النبي ﷺ ذلك، بل خطبها لأسامة، وأشار النووي (٢) إلى أنه لا حجة، لاحتمال أن يكونا خطبا معًا أو لم يعلم الثاني بخطبة الأول، والنبي ﷺ لم يخطب وإنما أشار بأسامة، وعلى فرض أنه خطب، فلعله لما ذكر لها ما في معاوية وأبي جهم ظهر منها الرغبة عنهما فخطبها لأسامة، ولكنه بقي الكلام هل إضرابها يقوم مقام ترك الخاطب كما هو المعني به في الحديث؟ ولعله يقاس عدم رغبتها إلى التمام، بترك الخاطب للتمام، إذ العقد متوقف على إتمامهما جميعًا لما أراداه. وأما إذا لم يحصل من المرأة إجابة ولا رد، فقطع بعض الشافعية بالجواز، وبعضهم أجرى القولين للشافعي في ذلك، وقصة فاطمة تحتمل ذلك وأنه لم يسبق منها إجابة لأيهما. ونص الشافعي أن سكوت البكر رضا بالخاطب، والعقد مع التحريم يصح عند الجمهور. وقال داود: يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده. وعند المالكية خلاف كالقولين، وقال بعضهم: يفسخ قبله لا بعده.
стр. 2618
وحجة الجمهور أن المنهي عنه هو الخطبة، والخطبة ليست شرطًا في صحة النكاح، فلا يفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة. وحكى الطبري أن بعض العلماء قال: إن النهي منسوخ بقصة فاطمة. وهو غلط، وصرح الرُّوياني بأن الخطبة التي تحرم بعدها الخطبة إنما هي إذا كانت جائزة، فلو كانت محرمة كالخطبة للمعتدة لم يكن لها حكم، وهو واضح؛ لأن الأول لم يثبت له حق، وكذا إذا لم يعلم الخاطب بما وقع من الإجابة أو الرد فإنه يجوز الخطبة؛ لأن الأصل الإباحة، وعند الحنابلة في ذلك روايتان.
وقوله: "حتى يترك أو يأذن له". فيه دلالة على الحل للمأذون له. وهل يختص ذلك بالمأذون له أو يتعدى إلى غيره؛ لأن مجرد الإذن المصادر من الخاطب الأول دال على إعراضه عن تزويج تلك المرأة، وبإعراضه يجوز لغيره أن يخطبها، الظاهر الثاني، فيكون الجواز للمأذون له بالتنصيص ولغيره بالإلحاق. ويؤيده قوله في حديث أبي هريرة: "أو يترك". واستدل بقوله: "على خطبة أخيه". بأن محل التحريم إذا كان الخاطب مسلمًا، فلو خطب الذمي ذمية فأراد المسلم أن يخطبها جاز له ذلك مطلقًا، وهو قول الأوزاعي ووافقه من الشافعية ابن المنذر وابن [حَربُويه] (أ) والخطابي. وكذلك حديث: "فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبته حتى يذر". قال الخطابي (١): قطع الله الأخوة بين المسلم والكافر، فيختص
стр. 2619
النهي بالمسلم. وقال ابن المنذر: الأصل في هذا الإباحة حتى يرد المنع. وقد ورد المنع مقيدًا بالمسلم في حديث عقبة بن عامر أخرجه مسلم (١): "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبته حتى يذر". وذهب الجمهور إلى إلحاق الذمي بالمسلم في ذلك، وأن التعبير بالأخ خرج على الغالب فلا يعمل بالمفهوم. وقال بعضهم: الخلاف راجع إلى أن النهي هل هو من حقوق العقد و [احترامه] (أ)، أو من حقوق المتعاقدين؛ فعلى الأول الراجح ما قال الخطابي، وعلى الثاني الراجح ما قال غيره، ومثل هذا شفعة الكافر؛ فمن جعلها من حقوق الملِك أثبتها له، ومن جعلها من حقوق المالك منع، وقريب من هذا ما ذهب إليه الأمير الحسين في "الشفاء"، ونقل عن ابن القاسم صاحب مالك أن الخاطب الأول إذا كان فاسقًا جاز للعفيف أن يخطب على خطبته، ورجحه ابن العربي منهم، وهو متجه فيما إذا كانت المخطوبة عفيفة، فيكون الفاسق غير كفؤ لها، فتكون خطبته كلا خطبة، ولم يعتبر الجمهور ذلك إذا صدرت منها علامة القبول، وقد حكى بعضهم الإجماع على خلاف هذا القول، وكذلك يحرم على المرأة أن تخطب على خطبة المرأة الأخرى إذا قد أجاب الخطوب، إلحاقًا لحكم النساء بحكم الرجال، ويشير إليه أيضًا ما مرّ من حديث أبي هريرة في كتاب البيع (٢): "ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في إنائها". فإنه منهي عن سؤالها الطلاق لأختها ليتزوجها، فكذلك خطبتها لخطبة أختها، وهذا إذا كان في عزم المخطوب ألا يتزوج إلا واحدة، فأما إذا كان عزمه
стр. 2620
الجمع بينهما فلا تحرم. والخِطبة بكسر الخاء في النكاح.
٨٠١ - وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، جئت أهب لك نفسي. فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعَّد النظر [فيها] (أ) وصَوَّبه، ثم طأطأ رسول الله ﷺ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جلست، فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوِّجنيها. قال: "فهل عندك من شيء؟ ". فقال: لا والله يا رسول الله. فقال: "اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئًا". فذهب ثم رجع فقال: لا والله ما وجدت شيئًا. فقال رسول الله ﷺ : "انظر ولو خاتمًا من حديد". فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتم من حديد، ولكن هذا إزاري -قال سهل: ما له رداء- فلها نصفه. فقال [رسول الله] (ب) ﷺ : "إما تصنع بإزارك؟ إن لَبِسْتَه لم يكن عليها منه شيء، وإن لَبِسَتْه لم يكن عليك منه شيء". فجلس الرجل، حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه رسول الله ﷺ . مولِّيًا فدعا به، فلما جاء قال: "ماذا معك من القرآن؟ ". قال: معي سورة كذا وسورة كذا. عدَّدها، فقال: "تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ ". قال: نعم. قال: "اذهب فقد ملّكتُكها بما معك من القرآن". متفق عليه واللفظ لمسلم (١). وفي رواية له (٢): قال:
стр. 2621
"انطلق فقد زوَّجتُكها، فعلِّمها من القرآن". وفي رواية للبخاري (١): "أمكناكها بما معك من القرآن". ولأبي داود عن أبي هريرة (٢) قال: "ما تحفظ؟ ". قال: سورة "البقرة" و (أ) التي تليها. قال: "قم فعلمها عشرين آية".
قوله: جاءت امرأة. هذا اللفظ في معظم الروايات، وقد جاء في رواية: إني لفي القوم عند رسول الله ﷺ إذ قامت امرأة. وفي رواية: أتت امرأة إليه. ويمكن الجمع بأن معنى قامت: وقفت. والمراد أنها وقفت بعد أن جاءت لا أنها كانت جالسة في المجلس فقامت. وفي رواية سفيان الثوري عند الإسماعيلي (٣): جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ وهو في المسجد. فأفاد تعيين المكان الذي وقعت فيه القصة. قال المصنف رحمه الله تعالى (٤): ولم أقف على اسمها، ووقع في "أحكام ابن الطلاع (ب) " أنها خولة بنت حكيم أو أم شريك. وهذا هو تعيين الواهبة نفسها التي أريدت في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ (٥). وهذه غيرها.
стр. 2622
وقوله: جئت أهب. هكذا في رواية الثوري (١)، وقد جاءت ألفاظ غير هذا، ولابد من تقدير مضاف؛ أي: أمر نفسي. لأن رقبة الحر لا تملك، والمراد: أتزوجك من غير عوض.
وقوله: فنظر إليها. فيه دلالة على جواز نظر المرأة لمن أراد أن يتزوج.
وقوله: فصعَّد النظر إليها -بتشديد العين- أي رفع. وصوَّب -بتشديد الواو- أي خفض، والتضعيف إما للمبالغة في التأمل وإما لتكرير النظر، وبالثاني جزم القرطبي في "المفهم"، قال (٢): أي نظر أعلاها وأسفلها مرارًا. ووقع في رواية (٣): فخفَّض فيها البصر ورفَّعه. وهما بالتشديد أيضًا. وطأطأ رأسه: أي لم يرفعه بعد ذلك.
وقوله: لم يقض فيها شيئًا. جاء في رواية الكُشْمِيهَني والمستملي (٤) أنها قامت ثلاث مرات تعرض نفسها عليه. وفي رواية الطبراني (٥): فصمت، ثم عرضت نفسها عليه فصمت، فلقد رأيتها قائمة مَلِيًّا تعرض نفسها عليه وهو صامت. وفي رواية مالك (٦): فقامت طويلًا. وهو منصوب صفة لمصدر محذوف أو زمان محذوف. وفي رواية (٧): فقامت حتى رثينا لها من طول القيام، ويجمع بينها وبين رواية الكُشميهني أنها قامت ثلاث مرات، باستمرار قيامها مدة الثلاث العرضات، فسمى كل عرضة قيامًا مستقلًّا،
стр. 2623
وليس المراد أنها قامت بعد أن قعدت.
والمراد بأنه لم يقض فيها: هو ما فُهم من صمته من عدم رغبته فيها.
وفي رواية حماد (١): قال: "ما لي في النساء حاجة". ويجمع بينها وبين غيرها أنه قال ذلك في آخر الحال، فكأنه صمت أولًا ليُفْهِم (أ) أنه لم يُردها، فلما أعادت الطلب أوضح لها باللفظ. ووقع في حديث أبي هريرة عند النسائي (٢): جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فعرضت نفسها عليه فقال لها: "اجلسي". فجلست ساعة ثم قامت، فقال لها: "اجلسي بارك الله فيك، أما نحن فلا حاجة لنا فيك".
ويؤخذ منه وفور أدب المرأة مع شدة رغبتها؛ لأنها لم تبالغ في الإلحاح في الطلب، وفهمت من السكوت عدم الرغبة، لكنها لما لم تيأس من الرد، جلست تنتظر الفرج. وسكوته ﷺ ؛ إما حَيَاءً من مواجهتها بالرد، وكان ﷺ شديد الحياء جدًّا كما ورد في صفته أنه كان أشد حياءً من العذراء في خِدرها (٣)، وإما انتظارًا للوحي، وإما تفكرًا في جواب يناسب (أ) المقام.
وقوله: فقام رجل من أصحابه. قال المصنف رحمه الله تعالى (٤): لم أقف على اسمه، ووقع في رواية معمر والثوري عند الطبراني (٥): فقام رجل
стр. 2624
أحسبه من الأنصار. وفي رواية زائدة عنده (١): فقام رجل من الأنصار.
ووقع في حديث ابن مسعود (٢): فقال رسول الله ﷺ : "من ينكح هذه؟ ". فقام رجل.
قوله: فقال: زوِّجنيها. هكذا في رواية مالك (٣).
وقوله: إن لم يكن لك بها حاجة. زيادة في الاحتياط، لِما عسى أن يتجدد له فيها رغبة بعد أن لم يكن.
وقوله: فقال: لا والله يا رسول الله. في رواية هشام بن سعد (٤) زيادة بعد هذا: قال: "فلا بد لها من شيء". وفي رواية الثوري عند الإسماعيلي (٥) زيادة: قال: "إنه لا يصلح".
وقوله: فقال: "اذهب إلى أهلك". إلى قوله: ولا خاتم من حديد. لفظ "خاتم" في قوله: "انظر ولو خاتمًا". منصوب بفعل مقدر تقديره: [أَصْدِق] (أ).
وقوله: ولا خاتم. جاء فيه النصب على أنه مفعول: وجدت، مقدرًا. والرفع بتقدير: ولا حصل في خاتم من حديد.
стр. 2625
وقوله: ولكن هذا إزاري. إلى آخره. وقع في رواية مالك تقديم ذكر الإزار على قوله: فقال: "اذهب إلى أهلك". إلى تمام ذكر الخاتم، وفي رواية غيره تقديم ذلك على ذكر الإزار كما في هذا المختصر. والإزار يذكر ويؤنث، وقد وقع هنا مذكرًا.
وقوله: قال سهل. أي: ابن سعد الراوي.
وقوله: فلها نصفه. من كلام الرجل، وقد وهم القرطبي فجعله من كلام سهل، وقد جاء مصرحًا بالمراد في رواية أبي غسان محمد بن مطرف، ولفظه: ولكن هذا إزاري ولها نصفه. قال سهل: وما له رداء.
وقوله: "إن لبسْتَه" إلى آخره. أي إن لبسته كاملًا. وإلا فمن المعلوم من ضيق حالهم وقلة الثياب عندهم، أنها لو لبسته بعد أن شقه لم يسترها، ويحتمل أن يكون المراد (أ) نفي كمال الستر، لأن العرب قد تنفي جملة الشيء إذا انتفى كماله، والمعنى: لو شققته بينكما نصفين لم يحصل كمال سترك بالنصف إذا لبسْتَه ولا هي. وفي رواية معمر عند الطبراني (١): والله ما وجدت شيئًا غير ثوبي هذا، اشْقُقْه بيني وبينها. قال: "ما في ثوبك فضل عنك". وفي رواية فُضَيل بن سليمان (٢): ولكني أشق بردتي هذه فأعطيها النصف وآخذ النصف. وفي رواية الدراوردي (٣): قال: ما أملك إلا إزاري
стр. 2626
هذا. قال: "أرأيت إن لَبِسَتْه، فأي شيء تلبس؟ ". وفي رواية مبشر (١): هذه الشملة التي عليَّ ليس عندي غيرها. وفي رواية هشام بن سعد: ما عليه إلا ثوب واحد عاقد طرفيه على عنقه. وفي حديث ابن عباس ﵄ وجابر (٢): والله ما لي ثوب إلا هذا الذي عليَّ. فكل هذا مما يرجح الاحتمال الأول.
قوله: سورة كذا وسورة كذا. وقع في رواية أبي هريرة تعيين ذلك؛ قال: ما تحفظ من القرآن؟. قال: سورة "البقرة" [أو] (أ) التي تليها. كذا في كتابي أبي داود والنسائي (٣) بلفظ: "أو".
قال المصنف رحمه الله تعالى (٤): وزعم بعض من لقيناه أنه عند أبي داود بالواو وعند النسائي بلفظ: "أو". ووقع في حديث ابن مسعود (٥): قال: نعم، سورة "البقرة" [وسور المفصّل. وفي حديث ضُميرة أن النبي ﷺ زوَّج رجلًا على سورة "البقرة"] (ب) لم يكن عنده شيء. وفي حديث أبي أمامة (٦): زوَّج النبي ﷺ رجلًا من امرأة على سور من المفصل
стр. 2627
جعلها مهرها، وأدخلها عليه وقال: "علِّمها". وفي حديث أبي هريرة الذكور: "فعلِّمها عشرين آية وهي امرأتك". وفي حديث ابن عباس (١): "أزوجها منك على أن تعلمها أربع أو خمس سور من كتاب الله". وفي مرسل أبي النعمان الأزدي عند سعيد بن منصور (٢): زوَّج رسول الله ﷺ امرأة على سورة من القرآن. وفي حديث ابن عباس وجابر: "هل تقرأ من القرآن شيئًا؟ ". قال: نعم، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾. قال: "أصدِقْها إياها". ويجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعض، أو أن القصص متعددة.
وقوله: "تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ ". المراد به حفظهن.
وقوله: "اذهب فقد ملكتكها". إلى آخره، وقد جاء ألفاظ في الروايات المختلفة وهي: "أنكحتكها بما معك من القرآن". أخرجها البخاري (٣)، وفي رواية مالك: قال: "زوجتكها على ما معك من القرآن". وفي رواية الثوري عند الإسماعيلي (٤): "أنكحتكها بما معك من القرآن". وفي رواية معمر عند أحمد (٥): "قد أملكتها". وقال في آخره: فرأيته يمضي وهي تتبعه. وفي رواية أبي غسان (٦): "أمكناكها". وفي حديث ابن مسعود (٧):
стр. 2628
"قد أنكحتكها على أن تُقرئها وتعلِّمها، وإذا رزقك الله عوَّضتها". فتزوجها الرجل.
الحديث فيه دلالة على أحكام؛ منها: حلّ الموهوبة للنبي ﷺ ، وقد نص الله على ذلك الحكم وجعله خاصًّا بالنبي ﷺ ، فينعقد النكاح في حقه بلفظ الهبة وتصير زوجة له. وظاهره أنه لا يحتاج إلى مهر ليفارق النكاح. وحكى الخياطي من أصحاب الشافعي وجوب المهر وجعَل الخصوصية في الانعقاد بلفظ الهبة، وقد وقع ذلك في غير هذه التي لم يقبل النبي ﷺ هبتها.
واختُلف في تعيين الواهبة نفسها للنبي ﷺ ؛ فقيل: هي خولة بنت حكيم. أخرجه البيهقي من حديث عائشة في رواية أبي سعيد المؤدب (١)، وكذا ابن مردويه، وعلقه البخاري ولم يسق لفظه (٢)، وبه قال عروة وغيره. وقيل: أم شريك. ورواه النسائي (٣) من طريق حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن أم شريك، وبه قال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل. وقيل: هي زينب بنت خزيمة أم المساكين. قاله الشعبي، وروي ذلك عن عروة أيضًا، وقيل: ميمونة بنت الحارث. رُوي ذلك عن ابن عباس وقتادة.
ومنها: أنه ينبغي للمرأة عرض نفسها على الرجل ليتزوجها لا سيما إذا كان من أهل الصلاح.
стр. 2629
ومنها: جواز النظر من الرجل وإن لم يكن خاطبًا لإرادة التزوج، فإنه ﷺ صعَّد النظر، وهو يدل على المبالغة في الاستقصاء لمعرفة مخايلها وما يرغب في نكاحها. ويمكن الانفصال عنه بدعوى الخصوصية له لمحل العصمة. قال المصنف رحمه الله تعالى (١): والذي تحرر عندنا أنه ﷺ كان لا يحرُم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات بخلاف غيره. انتهى. ويحتمل أن ذلك كان قبل الحجاب، أو بعده وهي متلفعة.
ومنها: أن الهبة لا تتم إلا بالقبول. ومنها: جواز الخِطبة على الخطبة إذا عرف رغبة الأول عن المخطوبة. ومنها: ثبوت ولاية الإمام على المرأة التي لا قربها لها إذا أذنت، وإن كان في بعض الألفاظ التي مرت ما يدل على أنها فوضت النبي ﷺ في شأنها، والتفويض توكيل.
ومنها: أن النكاح لا بد فيه من صداق، وأنه لا حد لأكثره، وأما أقله فالحديث يدل على أنه يصح أن يكون شيئًا يسيرًا، فإن قوله: "ولو خاتمًا من حديد". مبالغة في تقليله، فيصح بكل ما تراضى عليه الزوجان أو مَن العقد إليه مما فيه منفعة كالسَّوط والنعل وإن كان قيمته أقل من درهم، وضابطه أن كل ما جاز أن يكون قيمة وثمنًا لشيء صح أن يكون مهرًا. ونقل عياض (٢) الإجماع على أنه لا يصح أن يكون مما لا قيمة له، ولا يحل به النكاح. وقال أبو محمد بن حزم (٣): يصح بكل ما يسمى شيئًا ولو حبة من شعير؛ لقوله:
стр. 2630
"هل تجد شيئًا؟ ". ويجاب عنه (أبأنه مخصص أ) بقوله: "ولو خاتمًا من حديد". لأنه ورد مبالغة في التقليل وله قيمة. وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري وأبو الزناد وربيعة وابن أبي ذئب وغيرهم من أهل المدينة غير مالك ومن تبعه، وابن جريج ومسلم بن خالد وغيرهما من أهل مكة، والأوزاعي في أهل الشام، لليث في أهل مصر، والثوري وابن أبي ليلى وغيرهم من العراقيين غير أبي حنيفة ومن تبعه، الشافعي وداود وفقهاء أصحاب الحديث، وابن وهب من المالكية، ورواية عن الناصر. وذهبت طائفة إلى تحديد أقله؛ فذهبت العترة جميعًا وأبو حنيفة وأصحابه إلى أن أقله عشرة دراهم، قالوا: لقوله ﷺ : "لا مهر أقل من عشرة دراهم" (١). وقياسًا على المال الذي يقطع السارق به بجامع استباحة عضو محرم في كل منهما (٢). وأجاب الجمهور عن ذلك بأن الحديث لو كان ثابتًا لكان نصًّا في محل النزاع، لكنه غير ثابت، فإنه يرويه مبشر بن عبيد عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن جابر، ومبشر والحجاج ضعيفان (٣)، وعطاء أيضًا لم يلق جابرًا، فبطل الاحتجاج به لا سيما مع معارضته للحديث الصحيح المتفق على صحته. وأما القياس فكذلك لا يصح؛ لمصادمته النص ولفساده، وذلك أن اليد