هذا. قال: "أرأيت إن لَبِسَتْه، فأي شيء تلبس؟ ". وفي رواية مبشر (١): هذه الشملة التي عليَّ ليس عندي غيرها. وفي رواية هشام بن سعد: ما عليه إلا ثوب واحد عاقد طرفيه على عنقه. وفي حديث ابن عباس ﵄ وجابر (٢): والله ما لي ثوب إلا هذا الذي عليَّ. فكل هذا مما يرجح الاحتمال الأول.
قوله: سورة كذا وسورة كذا. وقع في رواية أبي هريرة تعيين ذلك؛ قال: ما تحفظ من القرآن؟. قال: سورة "البقرة" [أو] (أ) التي تليها. كذا في كتابي أبي داود والنسائي (٣) بلفظ: "أو".
قال المصنف رحمه الله تعالى (٤): وزعم بعض من لقيناه أنه عند أبي داود بالواو وعند النسائي بلفظ: "أو". ووقع في حديث ابن مسعود (٥): قال: نعم، سورة "البقرة" [وسور المفصّل. وفي حديث ضُميرة أن النبي ﷺ زوَّج رجلًا على سورة "البقرة"] (ب) لم يكن عنده شيء. وفي حديث أبي أمامة (٦): زوَّج النبي ﷺ رجلًا من امرأة على سور من المفصل
стр. 2627
جعلها مهرها، وأدخلها عليه وقال: "علِّمها". وفي حديث أبي هريرة الذكور: "فعلِّمها عشرين آية وهي امرأتك". وفي حديث ابن عباس (١): "أزوجها منك على أن تعلمها أربع أو خمس سور من كتاب الله". وفي مرسل أبي النعمان الأزدي عند سعيد بن منصور (٢): زوَّج رسول الله ﷺ امرأة على سورة من القرآن. وفي حديث ابن عباس وجابر: "هل تقرأ من القرآن شيئًا؟ ". قال: نعم، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾. قال: "أصدِقْها إياها". ويجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعض، أو أن القصص متعددة.
وقوله: "تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ ". المراد به حفظهن.
وقوله: "اذهب فقد ملكتكها". إلى آخره، وقد جاء ألفاظ في الروايات المختلفة وهي: "أنكحتكها بما معك من القرآن". أخرجها البخاري (٣)، وفي رواية مالك: قال: "زوجتكها على ما معك من القرآن". وفي رواية الثوري عند الإسماعيلي (٤): "أنكحتكها بما معك من القرآن". وفي رواية معمر عند أحمد (٥): "قد أملكتها". وقال في آخره: فرأيته يمضي وهي تتبعه. وفي رواية أبي غسان (٦): "أمكناكها". وفي حديث ابن مسعود (٧):
стр. 2628
"قد أنكحتكها على أن تُقرئها وتعلِّمها، وإذا رزقك الله عوَّضتها". فتزوجها الرجل.
الحديث فيه دلالة على أحكام؛ منها: حلّ الموهوبة للنبي ﷺ ، وقد نص الله على ذلك الحكم وجعله خاصًّا بالنبي ﷺ ، فينعقد النكاح في حقه بلفظ الهبة وتصير زوجة له. وظاهره أنه لا يحتاج إلى مهر ليفارق النكاح. وحكى الخياطي من أصحاب الشافعي وجوب المهر وجعَل الخصوصية في الانعقاد بلفظ الهبة، وقد وقع ذلك في غير هذه التي لم يقبل النبي ﷺ هبتها.
واختُلف في تعيين الواهبة نفسها للنبي ﷺ ؛ فقيل: هي خولة بنت حكيم. أخرجه البيهقي من حديث عائشة في رواية أبي سعيد المؤدب (١)، وكذا ابن مردويه، وعلقه البخاري ولم يسق لفظه (٢)، وبه قال عروة وغيره. وقيل: أم شريك. ورواه النسائي (٣) من طريق حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن أم شريك، وبه قال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل. وقيل: هي زينب بنت خزيمة أم المساكين. قاله الشعبي، وروي ذلك عن عروة أيضًا، وقيل: ميمونة بنت الحارث. رُوي ذلك عن ابن عباس وقتادة.
ومنها: أنه ينبغي للمرأة عرض نفسها على الرجل ليتزوجها لا سيما إذا كان من أهل الصلاح.
стр. 2629
ومنها: جواز النظر من الرجل وإن لم يكن خاطبًا لإرادة التزوج، فإنه ﷺ صعَّد النظر، وهو يدل على المبالغة في الاستقصاء لمعرفة مخايلها وما يرغب في نكاحها. ويمكن الانفصال عنه بدعوى الخصوصية له لمحل العصمة. قال المصنف رحمه الله تعالى (١): والذي تحرر عندنا أنه ﷺ كان لا يحرُم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات بخلاف غيره. انتهى. ويحتمل أن ذلك كان قبل الحجاب، أو بعده وهي متلفعة.
ومنها: أن الهبة لا تتم إلا بالقبول. ومنها: جواز الخِطبة على الخطبة إذا عرف رغبة الأول عن المخطوبة. ومنها: ثبوت ولاية الإمام على المرأة التي لا قربها لها إذا أذنت، وإن كان في بعض الألفاظ التي مرت ما يدل على أنها فوضت النبي ﷺ في شأنها، والتفويض توكيل.
ومنها: أن النكاح لا بد فيه من صداق، وأنه لا حد لأكثره، وأما أقله فالحديث يدل على أنه يصح أن يكون شيئًا يسيرًا، فإن قوله: "ولو خاتمًا من حديد". مبالغة في تقليله، فيصح بكل ما تراضى عليه الزوجان أو مَن العقد إليه مما فيه منفعة كالسَّوط والنعل وإن كان قيمته أقل من درهم، وضابطه أن كل ما جاز أن يكون قيمة وثمنًا لشيء صح أن يكون مهرًا. ونقل عياض (٢) الإجماع على أنه لا يصح أن يكون مما لا قيمة له، ولا يحل به النكاح. وقال أبو محمد بن حزم (٣): يصح بكل ما يسمى شيئًا ولو حبة من شعير؛ لقوله:
стр. 2630
"هل تجد شيئًا؟ ". ويجاب عنه (أبأنه مخصص أ) بقوله: "ولو خاتمًا من حديد". لأنه ورد مبالغة في التقليل وله قيمة. وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري وأبو الزناد وربيعة وابن أبي ذئب وغيرهم من أهل المدينة غير مالك ومن تبعه، وابن جريج ومسلم بن خالد وغيرهما من أهل مكة، والأوزاعي في أهل الشام، لليث في أهل مصر، والثوري وابن أبي ليلى وغيرهم من العراقيين غير أبي حنيفة ومن تبعه، الشافعي وداود وفقهاء أصحاب الحديث، وابن وهب من المالكية، ورواية عن الناصر. وذهبت طائفة إلى تحديد أقله؛ فذهبت العترة جميعًا وأبو حنيفة وأصحابه إلى أن أقله عشرة دراهم، قالوا: لقوله ﷺ : "لا مهر أقل من عشرة دراهم" (١). وقياسًا على المال الذي يقطع السارق به بجامع استباحة عضو محرم في كل منهما (٢). وأجاب الجمهور عن ذلك بأن الحديث لو كان ثابتًا لكان نصًّا في محل النزاع، لكنه غير ثابت، فإنه يرويه مبشر بن عبيد عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن جابر، ومبشر والحجاج ضعيفان (٣)، وعطاء أيضًا لم يلق جابرًا، فبطل الاحتجاج به لا سيما مع معارضته للحديث الصحيح المتفق على صحته. وأما القياس فكذلك لا يصح؛ لمصادمته النص ولفساده، وذلك أن اليد
стр. 2631
تقطع وتبين ولا كذلك الفرج، وبأن القدر المسروق يجب على السارق رده مع القطع، ولا كذلك الصداق. وقال مالك: أقله ثلاثة دراهم أو ربع دينار، قياسًا أيضًا على السرقة. وفيه ما ذكر. قال أبو الحسن اللخمي: قياس قدر الصداق بنصاب السرقة ليس بالبين؛ لأن اليد إنما قطعت في ربع دينار نكالًا للمعصية، والنكاح مستباح بوجه جائز. لكن في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٢). ما يدل على اشتراط المالية. حتى أخذ منه بعض المالكية أنه يشترط أن يكون مما يجب فيه الزكاة. وقال سعيد بن جبير: أقله خمسون درهمًا. وقال النخعي: أربعون. وقال ابن شبرمة: خمسة دراهم. وهذه الأقوال لا دليل عليها، ولعلها مستنبطة من الآية من الطَّول والمال في العرف، وقول ابن شبرمة من إصداق عبد الرحمن نواة من ذهب وهي قدر خمسة دراهم.
ومنها: أنه ينبغي ذكر الصداق في العقد؛ لأنه أقطع للنزاع وأنفع للمرأة، فلو عقد بغير ذكر صداق صح، ووجب لها مهر المثل بالدخول على الصحيح، وقيل: بالعقد. وإنما كان أنفع؛ لأنه يثبت لها نصف المسمى بالطلاق قبل الدخول.
ومنها: استحباب تعجيل تسليم المهر.
ومنها: جواز الحلف وإن لم يطلب اليمين؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليه اليمين، لكنه يكره لغير ضرورة.
стр. 2632
ومنها: أنه يجوز الحلف على ما يظن؛ لأن النبي ﷺ قال له بعد يمينه: "اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد" مرتين. ولو كانت اليمين لا تكون إلا على علم لم يكن لذهابه فائدة، إذ العلم لا ينتفي، ولا يجوز حصول ما يخالفه.
ومنها: أن الصداق يخرج عن ملك الزوج وتملكه المرأة بمجرد العقد. ومنها: أنه لا يجوز للمرء أن يُخرج عن ملكه ما لا بد له منه؛ مثل ما يستر العورة أو يسد الخلة من الطعام والشراب، لأنه قال له: "إن لَبِسَتْه لم يبق عليك منه شيء". فعلل المنع بأنه لم يبق عليه منه شيء.
ومنها: اختبار مدعي الإعسار؛ لأن النبي ﷺ لم يصدقه في أول ما ادعى أنه معسر حتى ظهر له مخايل الصدق، وهو يدل على ما ثبت من الحكم في مدعي الإعسار أنه لا يسمع منه اليمين حتى يظهر إعساره بقرائن الأحوال.
ومنها: أنه يصح أن يكون الصداق منفعة الزوج، ويقاس عليه غيره، فإن التعليم هنا منفعة. وقد ذهب إلى صحة كون الصداق منفعة؛ العترة جميعًا والشافعي وأصبغ وسحنون؛ لهذا ولما في قصة شعيب وموسى. وذهب مالك إلى كراهة ذلك، وجوَّز الفسخ للنكاح قبل الدخول إذا كان على منفعة؛ وذلك لما في الإجارة من الجهالة والغرر، ولذلك خالف في الإجارة الأصم وابن علية، لأن التعامل إنما يكون في عين معروفة باقية، والإجارة تعلقت بحركات وأفعال غير ثابتة ولا مقدرة بنفسها. وذهب أبو حنيفة وأصحابه وابن القاسم من المالكية إلى منع ذلك إلا في [منفعة] (أ) العبد في غير تعليم [القرآن] (أ)، فجوزوا جعلها صداقًا، وكأنهم نظروا إلى أن قبض
стр. 2633
العبد وثبوت اليد عليه قائم مقام قبض المنفعة فأشبهت العين المقبوضة، وأجابوا عن هذا الحديث بأن الباء بمعنى اللام، وعن قصة شعيب بأن شرع من قبلنا لا يلزمنا، وهي مسألة خلف بين الأصوليين.
ومنها: أن تعليم القرآن يجوز أخذ [الأجرة] (أ) عليه، وقد تقدم الكلام عليه في الإجارة والخلاف فيه (١)، والمانعون يتأولون الحديث بأن الباء في قوله: "بما معك". بمعنى اللام للسببية وليست عوضًا. وأجاب الماوردي بأنه لو كان كذلك لكانت بغير مهر وكانت موهوبة، والهبة مختصة بالنبي ﷺ . وأجاب عن ذلك الطحاوي، وتبعه الأَبهري وأبو محمد بن أبي زيد، بأن هذا خاص بهذا الرجل؛ لأن النبي ﷺ لما كان له أن ينكح بغير صداق فله أن يُنكح غيره من شاء بغير صداق. وبمثله قال الداودي، قال (ب): لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وأيده بعضهم بأنه لما قال له: "ملكتكها". لم يشاورها ولا استأذنها. ويُردُّ على التأبيد بأن في الروايات أنها فوَّضته في أمرها، فلم يحتج إلى مراجعتها في شيء. ويحتج لخصوصية الرجل بهذا ما أخرجه سعيد بن منصور (٢) من مرسل أبي النعمان الأزدي قال: زوَّج النبي ﷺ امرأة على سورة من القرآن وقال: "لا يكون لأحد بعدك مهرًا". وهذا مع إرساله فيه من لا يُعرف. وأخرج أبو داود (٣) من طريق مكحول قال:
стр. 2634
ليس هذا لأحد بعد النبي ﷺ . وأخرج أبو عوانة (١) من طريق الليث بن سعد نحوه. وقال عياض (٢): يحتمل قوله: "بما معك من القرآن". وجهين؛ أظهرهما أن يعلمها ما معه من القرآن أو مقدارًا معينًا منه ويكون ذلك صداقًا، وقد جاء هذا التفسير عن مالك، ويؤيده قوله في بعض طرقه الصحيحة: "فعلِّمها من القرآن" (٣). وفي بعضها تعيين عشرين آية كما سبق، ويحتمل أن تكون الباء للتعليل، فأكرمه بزواجه المرأة لكونه حافظًا للقرآن أو لبعضه، ونظيره قصة أم سليم مع أبي طلحة فيما أخرجه النسائي (٤) وصححه عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: والله ما مثلك يُردُّ، ولكنك كافر وأنا مسلمة، ولا يحل في أن أتزوجك، فإن تُسلم فذلك مهري، ولا أسألك غيره. فأسلم، فكان ذلك مهرها. وأخرج (٤) من طريق أخرى عن أنس قال: تزوج أبو طلحة أم سليم، فكان صداق ما بينهما الإسلام. فذكر القصة وقال في آخره: فكان ذلك صداق ما بينهما. وترجم عليه النسائي: التزويج على الإسلام. ثم ترجم (٥) على حديث سهل: التزويج على سورة من القرآن. فكأنه مال إلى ترجيح الاحتمال الثاني، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي (٦) من حديث أنس أن النبي ﷺ سأل رجلًا من أصحابه: "يا فلان، هل تزوتجت؟ ". قال: لا، وليس
стр. 2635
عندي ما أتزوج به. قال: "أليس معك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟ ".
الحديث. وأيد الطحاوي ما ذكره من الخصوصية أن الإجارة لا تصح إلا على عمل معين أو وقت معين، والتعليم قد لا يعرف وقته، فقد يحصل في وقت يسير، وقد يحتاج إلى زمان طويل. قال: فكما أنه لو باع منه داره بتعليم سورة لم يصح البيع، فكذلك النكاح. وأجيب عنه بأنه قد وقع تعيين القدر الذي أمره بتعليمها، ومقدار الوقت لا يختلف حال المتعلم فيه، خصوصًا العرب أهل اللسان. وأجاب بعضهم باختيار التعليل أيضًا، ولا يلزم منه عدم المهر، بل يكون المهر ثابتًا في ذمته، إذا أيسر قضاه. وقد جاء في حديث ابن عباس (١): "فإذا رزقك الله فعوِّضها". ولكنه غير ثابت. وقال بعضهم: يحتمل أنه ﷺ أصدق عنه كما كفّر عن المجامع في رمضان، ويكون ذكر القرآن وتعليمه للتحريض على تعلم القرآن وتعليمه، وتنويهًا بفضل أهله.
ومنها: أن قوله: "قد ملكتكها". يدل على أن النكاح ينعقد بلفظ يفيد التمليك، ولا يشترط لفظ الإنكاح أو التزويج، وقد ذهب إلى هذا العترة وأبو حنيفة وأصحابه، والمشهور عن المالكية جوازه بكل لفظ يفيد معناه إذا قرن بذكر الصداق أو قصد به النكاح كالتمليك ونحوه، ولا يصح عندهم بلفظ الإجارة والعارية والوصية، واختلف عندهم في الإحلال والإباحة، وهو كذا عند الحنفية في الإجارة على أصح الوجهين عندهم وعند الهدوية أيضًا، والحنفية تجيزه بكل لفظ يفيد التأبيد مع القصد، وعند الشافعي وأحمد والزهري وطاوس وربيعة وابن المسيب، لا بد من لفظ
стр. 2636
النكاح أو التزويج. ولفظ الحديث بهذه الرواية يرد عليهم، وقوله تعالى: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ (١).
ويجاب عن الحديث بأنه قد ورد فيها لفظ: "زوّجتكها". قال ابن دقيق العيد (٢): هذه لفظة واحدة في قصة واحدة، اختلفت مع اتحاد مخرج الحديث، والظاهر أن الواقع من النبي ﷺ لفظ واحد، فالمرجع في هذا إلى الترجيح، وقد نقل عن الدارقطني أن الصواب رواية من روى: "زوجتكها". وأنهم أكثر وأحفظ. قال: وقال بعض المتأخرين (٣): يحتمل صحة اللفظين ويكون قال لفظ التزويج أولًا ثم قال: اذهب فقد ملَّكتكها بالتزويج السابق. قال ابن دقيق العيد: وهذا بعيد؛ فإن الظاهر من السياق اتحاد اللفظ، وأن اللفظ المذكور هو الذي انعقد به النكاح، وكذا الكلام في رواية: "أمكناكها". وقال ابن التين (٤): لا يجوز أن يكون النبي عقد بلفظ التمليك والتزويج معًا في وقت واحد، فليس أحد اللفظين أولى من الآخر. قال: ومن زعم أن معمرًا وهم فيه، فالجواب عنه أن البخاري أخرجه في غير موضع من رواية غير معمر مثل معمر. انتهى. وزعم ابن الجوزي في "التحقيق" (٥) أن رواية أبي غسان: "أنكحتكها"، ورواية الباقين: "زوجتكها". إلا ثلاثة أنفس، وهم معمر ويعقوب وابن
стр. 2637
أبي حازم. قال: ومعمر كثير الغلط، والآخران لم يكونا حافظين. انتهى.
قال المصنف ﵀ (١): وقد غلط في رواية أبي غسان، فإنها بلفظ: "أمكناكها". في جميع نسخ البخاري، نعم وقعت بلفظ: "زوجتكها". عند الإسماعيلي من طريق حسين بن محمد، عن أبي غسان. والبخاري أخرجه (٢) عن سعيد بن أبي مريم، عن أبي غسان بلفظ: "أمكناكها". وقد أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق يحيى بن عثمان بن صالح، عن سعيد شيخ البخاري فيه بلفظ: "أنكحتكها". فهذه ثلاثة ألفاظ عن أبي غسان، ورواية: "أنكحتكها" في "البخاري" (٣) لابن عيينة كما حررته، وما ذكره من الطعن في الثلاثة مردود، ولا سيما عبد العزيز بن أبي [حازم] (أ)، فإن روايته تترجح؛ لكون الحديث عن أبيه، وآل المرء أعرف بحديثه من غيرهم. هذا [و] (٥) الذي تحرر أن الذين رووه بلفظ التزويج أكثر عددًا ممن رواه بغير لفظ التزويج ولا سيما وفيهم من الحفاظ مثل مالك، ورواية سفيان بن عيينة: "أنكحتكها". مساوية لروايتهم، ومثلها رواية
стр. 2638
زائدة (١)، وعدَّ ابن الجوزي (٢) فيمن رواه بلفظ التزويج حماد بن زيد، وروايته بهذا اللفظ [في فضائل القرآن] (أ) (٣)، وأما في النكاح فبلفظ: "ملكتكها" (٤). وقد تبع الحافظ صلاح الدين العلائي ابن الجوزي فقال في ترجيح رواية التزويج: ولا سيما وفيهم مالك وحماد بن زيد. انتهى. وقد تحرر أنه اختلف على حماد فيها كما اختلف على الثوري، فظهر أن رواية التمليك وقعت في إحدى الروايتين عن الثوري وفي رواية عبد العزيز بن أبي [حازم] (ب) ويعقوب بن عبد الرحمن وحماد بن زيد، وفي رواية معمر: "أملكتكها". وهي بمعناها، وانفرد أبو غسان برواية: "أمكناكها". وأَخْلِق بها أن (جـ تكون تصحيفًا جـ) من: "ملكناكها". فرواية التزويج أو الإنكاح أرجح، وعلى تقدير أن تتساوى الروايات يقف الاستدلال بها لكل من الفريقين. وقد قال البغوي في "شرح السنة" (٥): لا حجة في هذا الحديث لمن أجاز انعقاد النكاح بلفظ التمليك، لأن العقد كان واحدًا، فلم يكن اللفظ إلا واحدًا، واختلف الرواة في اللفظ الواقع، والذي يظهر أنه
стр. 2639
كان بلفظ التزويج على وفق قول الخاطب: زوِّجنيها. إذ هو الغالب في [لفظِ] (أ) العقود، إذ قلَّما يختلف فيه لفظ المتعاقدين، ومن روى بغير لفظ التزويج لم يقصد مراعاة اللفظ الذي انعقد به العقد، وإنما أراد الخبر عن جريان العقد على تعليم القرآن، وقيل: إن بعضهم رواه بلفظ الإمكان. وقد اتفقوا على أن العقد بهذا اللفظ لا يصح. كذا قال. ثم قال المصنف رحمه الله تعالى (١): وبالغ ابن التين فقال: أجمع أهل الحديث على أن الصحيح رواية: "زوجتكها". وأن رواية: "ملكتكها". وهم. وأجاب بعضهم بأن الذين اختلفوا في هذه اللفظة أئمة عارفون بالمعنى، (ب فلولا أن ب) الألفاظ عندهم مترادفة ما عبروا بها، فدل على أن كل لفظ منها يقوم مقام الآخر. انتهى.
ويجاب عن هذا بأن هذا راجع إلى جواز الرواية بالمعنى من العارف، ولكنه عند الترجيح يُرجع إلى المتفق عليه ويُترك المختلف فيه، والرواية بالمعنى قد يحصل فيها الخطأ، فإنه قد يعتقد أن ذلك اللفظ مرادف وهو في نفس الأمر غير مرادف، والخلاف واقع في نقل اللغة كما وقع في غيرها، إلا أنه يقال: قد ثبت في غير النكاح -مثل الطلاق والعتاق وغيرهما- صحته بغير اللفظ الصريح فيه من الألفاظ المحتملة لتأدية ذلك المعنى مع القرينة، وهو ما يعبر عنه الفقهاء بالكناية، ولا حجر على اللفظ الصريح، فيصح تأديته بكل لفظ يدل عليه مع القصد إلى ذلك. والله سبحانه أعلم.
стр. 2640
ومنها: أنه يؤخذ من الحديث أنه إذا سأل النكاح وقال: زوجني. قال: زوجت. لم يحتج إلى قبول (أ) منه. كذا قاله أبو بكر الرازي الحنفي والرافعي من الشافعية (١).
ومنها: أن طول الفصل بين الإيجاب والقبول، وفراق المجلس لا لقصد الإضراب، لا يضر، وقال المهلب (٢): إن المستوجب إذا أجيب بشيء معين وسكت كفى إذا ظهرت قرينة القبول، وإلا فيشترط معرفة رضاه بالقدر المذكور.
ومنها: أن سكوت من عُقد عليها إجازةٌ إذا لم يمنع من كلامها خوف أو حياء أو غيرهما.
ومنها: جواز العقد من دون أن يَسأل المرأة: هل لها ولي حاضر أو لا؟ وهل هي في عصمة رجل أو في عدته؟ قال الخطابي (٣): ذهب إلى هذا جماعة حملًا على ظاهر الحال، ولكن الحكام يحتاطون ويسألون. ونصَّ الشافعي على أنه ليس للحاكم أن يزوِّج امرأة حتى يشهد عدلان أنها ليس لها ولي حاضر (ب) ولا أنها في عصمة رجل، ولا في عدة، لكن اختلف أصحابه هل هذا على سبيل الاشتراط أو الاحتياط، والثاني المصحح عندهم (٤)،
стр. 2641
وعند الهدوية أنها تحلف الغَرِيبة احتياطًا.
ومنها: أنه لا يشترط في صحة العقد تقدم الخُطبة، إذ لم يقع في شيء من طرق الحديث وقوع حمد ولا تشهد ولا غيرهما من أركان الخُطبة، وخالف في ذلك الظاهرية فجعلوها واجبة، ووافقهم من الشافعية أبو عوانة فترجم في "صحيحه": باب وجوب الخُطبة عند العقد (١).
ومنها: أن الكفاءة في المال لا تعتبر؛ لأن الرجل لا شيء له. ولكنه يقال: والمرأة كذلك، فإنه لم يدل دليل على أن لها مالًا.
ومنها: أن طالب الحاجة لا ينبغي له أن يلح في طلبها بل يطلبها برفق وتأنٍّ، ويدخل في ذلك طالب العلم؛ كمن يستفتي ويباحث مَن عَلِمَ.
ومنها: أن الفقير يجوز له أن يتزوج المرأة إذا علمت بحاله ورضيت به. وظاهره ولو كان عاجزًا عن التكسب. كذا قاله الباجي (٢). وتُعقِّب باحتمال أن يكون النبي ﷺ اطلع من حال الرجل على أنه قادر على التكسب، لا سيما ما كان عليه أهل ذلك العصر من قلة الشيء والقناعة باليسير.
ومنها: صحة النكاح بغير ولي. وأجيب بأنها (أ) لم يكن لها ولي حاضر، والإمام ولي من لا ولي لها.
стр. 2642
ومنها: أنه يجوز للرجل أن ينتفع بملك زوجته؛ لقوله: "إن لبستَه لم يكن عليها منه شيء". فلم يمنعه من الانتفاع به، وإنما هو لحاجتها إليه. وأجيب بأن انتفاعه به جميعه قد يصح على جهة المهايأة (١)؛ لكونه شريكًا لها.
ومنها: نظر الإمام في مصالح رعيته وإرشاده إلى ما يصلحهم. ومنها: المراجعة في الصداق. ومنها: خِطبة المتزوج لنفسه. ومنها: أنه لا يجب إعفاف المسلم بالنكاح كما يجب إطعامه وسقيه إذا اضطر إلى ذلك.
قال ابن التين بعد أن ذكر فوائد الحديث (٢): فهذه إحدى وعشرون فائدة بوَّب البخاري على أكثرها.
قال المصنف ﵀ (٣): وقد فصلت ما ترجم به البخاري من غيره.
وهذه الفوائد المذكورة ثمان وعشرون، والحمد لله على ذلك، والصواب أنها إحدى وثلاثون.
٨٠٢ - وعن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "أَعْلِنوا النكاح". رواه أحمد وصححه الحاكم (٤).
هو عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي، القرشي، سمع أباه وعمرو بن سُليم -بضم السين- وسمع منه مالك وابن عجلان وزياد بن
стр. 2643
سعد، مات قبل هشام بن عبد الملك بقليل أو بعده، ومات هشام سنة أربع وعشرين ومائة، وروى الحديث أيضًا أحمد والترمذي والنَّسائيُّ وابن ماجه والحاكم من حديث محمد بن حاطب (١)، وفي الباب عن عائشة ﵂: "أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالغِربال". أي: الدف. أخرجه التِّرمذيُّ وابن ماجه والبيهقيّ (٢) عن عائشة، وفي إسناده خالد بن إلياس (٣) وهو منكر الحديث، قاله أحمد، وفي رواية التِّرمذيِّ عيسى بن ميمون (٤) وهو يضعَّف، قاله التِّرمذيُّ (٥)، وضعفه ابن الجوزي من الوجهين (٦)، وأخرج التِّرمذيُّ من حديث عائشة -وقال: حسن غريب-: "أعلنوا هذا النكاح،
стр. 2644
واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف" (١). والبيهقيّ وضعفه من حديث عائشة ﵂: "أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف، وليولم أحدكم ولو بشاة، فإذا خطب أحدكم امرأة وقد خضب بالسواد فليعلمها، لا يغرها" (٢).
قوله: "أعلنوا النكاح". فيه دلالة على [مشروعية] (أ) ما يدل على وقوع النكاح بين الزوجين؛ وذلك كالوليمة وضرب الطبول وغيرها من إحضار من يشهد على العقد، وقوله في الروايات الآخر: "واضربوا عليه بالغِربال، واضربوا عليه بالدفوف". من عطف الخاص على العام، وأمَّا فعل ما يحرم في غير النكاح كالمزمار وغيره، فالأكثر من الأمة أن ما يحرم في غير النكاح يحرم فيه؛ لعموم النَّهي، وذهب النَّخعيُّ ومالك وغيرهما من الفقهاء أنَّه يباح في النكاح؛ لقوله ﷺ : "واضربوا عليه بالدفوف". فيقاس المزمار وغيره عليه، ويكون ذلك [مخصضًا] (ب) لعموم النَّهي، أو محمولًا على غير الملهي؛ جمعًا بين الدليلين. قال الإمام يَحْيَى: دف الملاهي -وهو بضم الدال وبفتحها والفتح أكثر- مدور جلده من رق أبيض ناعم، في عرضه سلاسل يسمى الطار، له صوت يطرب؛ لحلاوة نغمته، وهذا لا إشكال في تحريمه وتعلق النهي به، وأمَّا دف العرب فهو على شكل الغربال خلا أنَّه لا خروق فيه، وطوله [إلى] (جـ) أربعة أشبار، فهو الذي أراده ﷺ ؛ لأنَّه المعهود
стр. 2645
حينئذٍ. وقال أبو طالب والهادي: وهو محرم أيضًا، إذ هو آلة لهو، فتمزق إن ظفر بها كالمزمار ونحوه. قال الإمام المهدي: ولعلّه يقول: الخبر منسوخ. وقال المؤيد بالله، وهو قول الهادي في "الأحكام": بل يكره فقط. وقال أبو العباس وأبو حنيفة وأصحابه: بل مباح؛ لقوله ﷺ : "واضربوا عليه بالدفوف". وقولِه ﷺ : "فصل ما بين الحلال والحرام الدف". ولتقريره أم نبيط حين رآها تدفف وترتجز في عرس. قال الإمام يَحْيَى: فأمَّا ضرب طبل الحرب والزير -وهو النقارة. وقيل: الناقوس. والبَم؛ و [هو] (أ) القصعة الكبرى من قصاع الطبلخانه (١). وفي "الصحاح" (٢) و"الضياء": البم: الوتر الغليظ من أوتار المزهر (٣). قال في "شمس العلوم": وهو عجمي. وطبق الصفر؛ وهو الصنج وما أشبهه، وجميع الكوسات؛ وهي الطبول- فلا بأس به [إذا لم] (ب) توضع للهو. كذا ذكره في "البحر". وقال في "الغيث": والمراد بما ذكره الإمام يَحْيَى، إذا استعملت لا على طريق الغناء؛ لأنَّ كل ضربة موضوعة للهو، فهي محرمة ولو في غير لهو. انتهى.
стр. 2646
٨٠٣ - وعن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلَّا بولي". رواه أحمد والأربعة (١)، وصححه ابن المديني والترمذي وابن حبان، وأعل بالإرسال (٢).
وأخرجه الحاكم (٣) وأطال في تخريج طريقه، وقد اختلف في وصله وإرساله. قال الحاكم: وقد صحت الرّواية فيه عن أزواج النَّبيِّ ﷺ ؛ عائشة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش. قال: وفي الباب عن علي وابن عباس. ثم سرد تمام ثلاثين صحابيًّا، وقد جمع طرقه الدمياطي من المتأخرين، قال التِّرمذيُّ (٤) -بعد أن ذكر الاختلاف فيه وأنَّ من جُملة مَن وصله إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه، ومن جملة مَن أرسله شعبة وسفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة ليس فيه أبو موسى راويه-: ومَن رواه موصولًا أصح؛ لأنهم سمعوه في أوقات مختلفة، وشعبة وسفيان وإن كانا أحفظ وأثبت من جميع من رواه عن أبي إسحاق، لكنهما سمعاه في وقت واحد. ثم ساق من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق: أسمعتَ أبا بردة
стр. 2647
يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلَّا بولي"؟ قال: نعم. وإسرائيل (١) ثبتٌ في أبي إسحاق. ثم ساق من طريق لابن مهدي قال: ما فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق إلَّا لما اتكلت به على (أ) إسرائيل؛ لأنَّه كان يأتي به أتم. وأخرج ابن عدي (٢) عن عبد الرحمن بن مهدي قال: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة وسفيان. وأسند الحاكم (٣) من طريق علي بن المديني ومن طريق البُخاريّ والذهلي وغيرهم، أنهم صححوا حديث إسرائيل، ومَن تأمل ما ذكر عرف أن الذين صححوا وصله لم يستندوا في ذلك إلى كونه زيادة ثقة فقط، بل القرائن المذكورة المقتضية لترجيح رواية إسرائيل الذي وصله على غيره.
الحديث فيه دلالة على اعتبار الولي في عقد النكاح، إذ الظاهر من قوله: "لا نكاح إلَّا بولي". هو نفي الصحة التي هي أقرب إلى نفي أصل النكاح الممتنع حمل اللفظ عليه الذي هو المعنى الحقيقي. والولي هم الأقرب الأقرب من العصبة دون ذوي الأرحام؛ كالخال والجد من قبل الأم، و [كذا] (ب) الإخوة من [قبل] (جـ) الأم. وقد ذهب إلى هذا الجمهور من
стр. 2648
العلماء، ويروى عن الحنفية أنهم من الأولياء، واحتج الأبهري بأن الذي يرث الولاء هم العصبة دون ذوي الأرحام، فكذلك عقد النكاح. [واختلفوا أيضًا في الابن ما نزل؛ فذهب العترة أن ولايته على إنكاح أمه، وأنه أقدم من الأب ما علا. وذهب الشَّافعي إلى أنَّه لا ولاية للابن؛ لأنَّه ليس بعصبة لأمه، فهو كالأخ من الأم عنده، وذهب مالك إلى أن الأب أولى من الابن. واحتج الأولون بأن النَّبيَّ ﷺ أمر عمر بن أبي سلمة أن يزوجه إياها (١)، وكذا أم سليم زوجها بأبي طلحة ولدُها أنسُ بنُ مالك (٢). وأجيب بما ذكره البيهقي من أن ابن أم سلمة كان عصبة لأمه؛ وذلك لأنَّ أم سلمة هي هند بنت أبي أميَّة بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، وعمر ولدها هو ابن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكذلك أنس بن مالك كان عصبة لأمه، وهما يجتمعان في حرام بن عدي بن النجار، وبأن ذلك كان خاصًّا بالنبي ﷺ ؛ فإنَّه كان له في باب النكاح ما لم يكن لغيره. هذا كلام البيهقي، ولكنه لا يتمشى هذا الجواب في حق أنس بن مالك، وعلى ذلك جميعه إشكال، وهو أن عمر بن أبي سلمة كان صغيرًا؛ فإنَّه مات النَّبيُّ ﷺ وهو ابن تسع سنين، وكذلك أنس بن مالك فإن النَّبيَّ ﷺ قدم المدينة وهو ابن تسع سنين، وأبو طلحة قديم الإسلام كان ممن شهد العقبة، والصغير لا ولاية له، ولعلّه يقال في حق ابن أم سلمة: إنه لما لم يكن من عصبتها في دار الهجرة، فالولاية للنبي ﷺ ، فإذنه لعمر] (أ)
стр. 2649
[بذلك توكيل له، فيكون نائبًا عن النَّبيِّ صَلَّى الله عليه وعلى آله وسلم، ويكون ذلك دليلًا لمن يقول: إنه يجوز أن يتولى الطرفين الزوج إذا كانت الولاية له. وفي حق أنس بن مالك أنَّه إذا كان قد أسلم أحد من عصبتها فهو نائب عنه أو أجاز له العقد، والصغير المميز يصح أن يكون وكيلًا في النكاح، مع أن ذلك عند التحقيق يكون دليلًا قويًّا على أن المرأة لها أن تزوج نفسها، وإنَّما الولي لتحسين العقد وإشاعته، وتطييب لنفسه، رعاية لحق القرابة، واحتج في "البحر" لثبوت ولاية الابن وأنه أقدم من الأب، بأن الولاية في النكاح تابعة للتعصيب بالإرث، والأب معه ذو سهم. وقد يجاب عنه بأن هذا محل نزاع، ثم قال الإمام يَحْيَى ومحمد: قال ﷺ : "لا يؤم الرجل أباه وإن كان أفقه منه" (١). قلنا: النكاح مبني على التعصيب بخلاف العبادة، ولكن يندب تقديمه بأن نوكله؛ لقوله ﷺ : "الكُبر الكُبر" (٢). "ليس منا من لم يوقر الكبير" (٣). هذا كلامه، وقد عرفت أنَّه لا جامع بين هذا وبين إمامة الصَّلاة. ثم قال في "البحر": أبو حنيفة: بل يستويان، إذ لا مزية لأحدهما، إذ ينسبان إليها بلا واسطة. قلنا: الابن مع الأب عصبة لا الأب. انتهى كلام "البحر"] (أ). واختلفوا في الوصي إذا أوصاه الأب على أولاده، هل يكون أولى من الولي القريب في عقد النكاح أو مثله أو لا ولايةَ
стр. 2650
له؟ فقال ربيعة، وأبو حنيفة، ومالك: الوصي أولى. واحتج لهم بأنَّ الوصي ناب عن الأب بعد موته، فحكمه حكم النائب في حياة الأب، فكما أنَّ نائب الأب في حال الحياة أولى من غيره، كذلك بعد الموت، ويجاب بالفرق بأن الولاية انتقلت بعد موته إلى غيره من الأولياء بخلافها حال الحياة فهي له.
وقد اختلف العلماء في اشتراط الولي في النكاح، فذهب الجمهور إلى اشتراطه، وقالوا: لا تزوج المرأة نفسها أصلًا. وذكر ابن المنذر أنَّه لا يعرف عن أحد من الصّحابة خلاف ذلك. وذهب مالك إلى اعتبار الولي في حق الشريفة دون الوضيعة، فلها أن تزوج نفسها. وذهب أبو حنيفة إلى عدم اشتراط الولي مطلقًا، ولها أن تزوج نفسها، ولو بغير إذن وليها، واحتج بالقياس على البيع، فإنَّها تستقل ببيع سلعتها، وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي على الصغيرة، وخص بالقياس عمومها، والتخصيص بالقياس جائز، ويجاب عنه بأن القياس غير صحيح، إذ ثم مانع وهو الغضاضة (١) في حق الأولياء دون بيع سلعتها. وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أن الولي تلزمه الإجازة في الكُفء، وله أن يختار في غير الكفء، وهو مذهب الأوزاعي. وقالت الظاهرية: يعتبر الولي في حق البكر دون الثيب؛ لقوله ﷺ : "الثيب أولى بنفسها" (٢). ولاستحياء البكر. والجواب عن الحديث، أن (أ) المراد
стр. 2651
بكونها أولى بنفسها اعتبار رضاها؛ جمعًا بين هذا وبين حديث: "لا نكاح إلَّا بولي". وغيره، والاستحياء لا يصلح أن يكون موجبًا للحكم. وقال أبو ثور: إنَّ للمرأة أن تنكح نفسها بإذن وليها، لقوله ﷺ ، "أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها" (١). فمفهومه أن نكاحها بإذن الولي يصح، والجواب بأن المفهوم غير معمول به، لقوله ﷺ "المرأة لا تَنكح ولا تُنكح" (٢).
٨٠٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها". قال: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له". أخرجه الأربعة إلَّا النَّسائيّ، وصححه أبو عوانة، وابن حبان، والحاكم (٣).
وأخرج الحديث الشَّافعي (٤)، وابن ماجه، أخرجوه من طريق ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزُّهريّ عن عروة عنها، وأُعِلَّ بالإرسال، وحسنه
стр. 2652
التِّرمذيُّ، وقال يَحْيَى بن معين (١): لم يذكر هذا الحديث عن ابن جريج غير ابن علية، وسماع (أابن علية عن ابن جريج أ) ليس بذاك، ورواه الحاكم (٢) من طريق عبد الرَّزاق عن ابن جريج: سمعت سليمان: سمعت الزُّهريّ. وعدَّ أبو القاسم مَن رواه عن ابن جريج، فبلغوا عشرين رجلًا، وذكر أنَّ معمرًا وعبيد الله بن زَحْر تابعا ابن جريج على روايته إياه عن سليمان بن موسى، وأن قرة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وأيوب بن موسى وهشام بن سعد وجماعة تابعوا سليمان بن موسى عن الزُّهريّ. قال: ورواه أبو مالك الجنبي ونوح بن [دَرَّاج] (ب) ومندل (جـ) وجعفر بن برقان وجماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. ورواه الحاكم (٣) من طريق أحمد عن ابن علية عن ابن جريج به، قال في آخره: قال ابن جريج: فلقيت الزُّهريّ فسألته عنه فلم يعرفه، وسألته عن سليمان بن موسى فأثنى عليه. وأعل ابن حبان (٤)، وابن عدي (٥)، وابن عبد البر (٦)، والحاكم (٧)،
стр. 2653
وغيره، الحكاية عن ابن جريج، وأجابوا عنها على تقدير الصحة؛ فإنَّه لا يلزم من نسيان الزهري له، أن يكون سليمان بن موسى وهم عليه، وقد تكلم عليه الدارقطني (١) في جزء "من حدث ونسي" (أ) والخطيب بعده، وأطال الكلام عليه البيهقي في "السنن" (٢) وفي "الخلافيات" (٣)، وابن الجوزي (٤) في "التحقيق".
الحديث فيه دلالة على اعتبار إذن الولي في النكاح، والإذن يكون بعقده لها، أو بعقد الوكيل، وهذا مجمع عليه، كفعل النَّبيِّ ﷺ في أم حبيبة (٥)، وميمونة (٦)، ويصح أن يكون الوكيل مفوضًا يزوجها من شاء كما يصح من الموكل، وفي أحد وجهين للإمام يَحْيَى أنَّه لا يصح، إذ ليس كالأصل في تحري المصلحة. والجواب أنَّه قد رضي ما رضيه الأصل، وفي تفويض وكيل الزوج وجهان؛ يصح؛ لما ذكر، ولا يصح؛ لاختلاف الأغراض، وظاهر الحديث يقضي بصحة ما ذهب إليه أبو ثور كما تقدم، ولكنه مخصوص بحديث أبي هريرة الآتي.
وقوله: "فإن دخل بهما" إلى آخره. فيه دلالة على أن المهر تستحقه المرأة بالدخول في النكاح الباطل، وظاهره، ولو كان مع العِلم بالبطلان، وقد
стр. 2654
ذهب إليه الإمام يَحْيَى وأكثر أصحاب الشَّافعي، ولا يوجب الحد. وقال الصَّيْرفيُّ (١): بل يحد، إذ يصير مع العلم بتحريمه كفاعل المحرم القطعي. قال الإمام المهدي في "البحر": وهو المذهب.
وفي الحديث دلالة على أن النكاح المختل فيه ركن من أركانه، أنَّه باطل مع العِلم والجهل، وأن النكاح إنَّما هو صحيح أو باطل ولا واسطة بينهما، وهو مذهب الجمهور. وذهب أبو طالب، والمؤيد، وأبو العباس، والمذاكرون من الهدوية، والفرضيون، إلى أن النكاح قد يكون فاسدًا وهو ما خالف مذهب الزوجين، أو أحدهما جاهلين، ولم تكن المخالفة في أمر مجمع عليه، وهذا القسم تترتب عليه أحكام عندهم مفصلة في الفروع.
وقوله: "فإن اشتجروا" إلى آخره. الاشتجار الخصومة. والمراد به هنا منع الأولياء للعقد عليها، فإذا عضلوا انتقل الأمر إلى السلطان، وظاهره أنها لا تنتقل إلى الأبعد إذا منع الأقرب، وهو مذهب الشَّافعي، وذهب غيره إلى انتقالها إلى الأبعد، ويحملون الحديث بأن الاشتجار وقع من الأقرب والأبعد، والتأويل محتمل.
وقوله: "ولي من لا ولي لي". فيه دلالة على إثبات ولاية السلطان في حال العضل وفي حال عدم الولي، وكذا في حال غيبة الولي، وهل تزويجه بالولاية أو النيابة عن الولي؟ فيه وجهان، ويؤيده حديث ابن عباس أخرجه
стр. 2655
الطّبرانيّ (١) مرفوعًا: "لا نكاح إلَّا بولي، والسلطان ولي من لا ولي له".
وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وفيه مقال، وأخرجه سفيان في "جامعه"، ومن طريقه الطّبرانيّ في "الأوسط" (٢) بإسناد حسن عن ابن عباس بلفظ: "لا نكاح إلَّا بولي مرشد أو سلطان". وترجم البُخاريّ (٣): باب السلطان ولي؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : "زوجناكها بما معك من القرآن". ولم يخرج الحديث؛ لأنَّه ليس على شرطه، وظاهر عموم الحديث أن السلطان إليه تزويج الكافرة التي لا ولي لها. قال الإمام يَحْيَى: والمراد بالسلطان في أَلْسِنَة العلماء حيث يطلقونه هو الإمام العادل المتولي لمصالح الدين، فأمَّا سلاطين الجور وأمراء الظلم، فهم لصوص سلَّابون لا تقبل شهادة أحدهم في بصلة فضلًا عن أن يحكموا في شيء من الأمور الدينية وإمضاء الأحكام الإسلامية، فإن عدم الإمام وحاكمه وكلت المرأة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٤). فأثبت لكل مؤمن ولاية، والترتيب اقتضاه الإجماع. وقال أبو ثور وبعض العلماء المتقدمين: بل ينتظر وجود الإمام؛ لقوله ﷺ : "فالسلطان". والجواب أن ذلك محمول على وجوده، ولا ينتظر؛ لقوله ﷺ : "ثلاث لا ينبغي التأني" (٥) الحديث. وقال الإمام يَحْيَى: بل يزوجها منصوب عند أهل النصب (٦) أو مَن صلح عند
стр. 2656
الهادوية، ولا وكالة، وإنَّما هو تعيين من المرأة، فتعيّن من شاءت. والله أعلم.
٨٠٥ - وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنكح الأيم حتَّى تستأمر، ولا تنكح البكر حتَّى تستأذن". قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت". متَّفقٌ عليه (١).
قوله: "لا تنكح". روي بصيغة الخبر مرفوعًا وبصيغَة النَّهي مجزومًا، والخبر أبلغ، والأيم؛ هي الثيب التي فارقت زوجها بموت أو طلاق؛ لمقابلتها بالبكر، وهذا هو المعنى الأصلي في الأيم، ولذلك قالوا: الغزو مأيمة (٢). لأنَّه يقتل فيه الرجال، فتصير النساء أيامَى. وقد يطلق على من لا زوج لها أصلًا، ونقله عياض عن إبراهيم الحربي وإسماعيل القاضي وغيرهما، ولو صغيرة. وحكى الماوردي القولين لأهل اللغة، وقد وقع في رواية الأوزاعي عن يَحْيَى في هذا الحديث عند ابن المنذر، والدارمي، والدارقطني (٣): "لا تنكح الثيب". ووقع عند ابن المنذر في رواية عمر بن أبي سلمة عن أبيه في هذا الحديث:
стр. 2657
"الثيب تشاور" (١).
وقوله: "تستأمر". الاستئمار طلب الأمر، والمعنى: لا يعقد عليها حتَّى يطلب الأمر منها. وفيه إشعار بأن العقد من الولي عليها، فيؤخذ منه اشتراط الولي. والمطلوب من المرأة إنَّما هو الأمرُ اعتبارًا لرضاها.
وقوله: "ولا تنكح البكر حتَّى تستأذن". أراد بالبكر هنا البالغة، إذ لا معنى لاستئذان الصغيرة، وأتى بالاستئذان هنا، وبالاستئمار في الأولى، للفرق بينهما، فإن الاستئمار يدل على (أتأكيد المشاورة أ) وجعلِ الأمر إلى المستأمَرة، ولهذا يحتاج الولي إلى صريح إذنها في العقد، فإذا صرحت بمنعه امتنع اتفاقًا، والبكر بخلاف ذلك، والإذن دائر بين القول والسكوت بخلاف الأمر؛ فإنَّه صريح في القول، وإنَّما جعل السكوت إذنًا في حق البكر، لأنها قد تستحيي من أن تفصح.
وقوله: قالوا: يا رسول الله. جَاء في رواية: قلنا: يا رسول الله. وفي حدَّثنا عائشة (٢) أنها السائلة؛ قلت: إن البكر تستحيي. قال: "رضاها صمتها". والحديث فيه دلالة على اعتبار رضا المزوجة (ب)، وتفصيل الإذن كما ذكر، فسكوت البكر كافٍ بعد علمها بالعقد وإن لم تعلم أن السكوت
стр. 2658
رضًا. قال ابن المنذر (١): يستحب أن تعلم البكر بأن السكوت إذن، لكن لو قالت بعد العقد: ما علمت أن سكوتي إذن. لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور، وكذا ذكر المؤيد بالله؛ لو سكتت وباطنها الكراهة، لم يضر ذلك. وكذا الثيب لو نطقت وباطنها الكراهة، لم يضر ذلك. وأبطل العقد بعض المالكية حيث قالت: لم أعلم أن السكوت رضًا. وقال ابن شعبان (٢): يقال لها ذلك ثلاثًا، إن رضيت فاسكتي، وإن كرهْتِ فانطقي. وقال بعضهم: يطال المقام عندها لئلا تخجل، فيمنعها ذلك من المسارَعَة. واختلفوا فيما إذا لم تتكلم بل ظهرت منها قرينة السخط بالبكاء ونحوه، فعند الهدوية أن السكوت لا يكون رضًا، وكذا عند المالكية، وعند الشَّافعية، لا أثر لشيء من ذلك في المنع، إلَّا إن قرنت مع البكاء الصياح ونحوه، وفرق بعضهم بين الدمع، فإن كان حارًّا دل على المنع، وإن كان باردًا دل على الرضا، واختلفوا في الأب يزوج البكر البالغة بغير إذنها؛ فذهب العترة، وأبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، والثوري، وأبو ثور إلى أنَّه لا يصح، وهو ظاهر الحديث، فإنَّه يطلق في حق الأب وغيره. وذهب ابن أبي ليلى، ومالك، والليث، والشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق، إلى أن له إجبارها؛ لمفهوم قوله ﷺ : "الثيب أحق بنفسها". وسيأتي (٣)، فدل على أن البكر بخلافها، وهو أن ولي البكر أحق بها، وكذا حديث أبي موسى: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو
стр. 2659
إذنها" (١). فعلق الحكم باليتيمة، فيقيد حديث: "ولا تنكح البكر حتَّى تستأذن". باليتيمة، ويجاب عنه بأنه صرح في حديث ابن عباس، أخرجه مسلم (٢): "والبكر يستأذنها أبوها". فصرح بذكر الأب، فالمفهوم غير معمول به، وتأول الشَّافعي المؤامرة في حق الأب بأنها تكون لأجل استطابة النَّفس، كما في حديث ابن عمر مرفوعًا (٣): "وآمِروا (٤) النساء في بناتهن". قال الشَّافعي: لا خلاف أنَّه ليس للأم أمرٌ، لكنَّه على معنى استطابة النَّفس. وقال البيهقي (٥): زيادة ذكر الأب في حديث ابن عباسٍ غير محفوظة، قال الشَّافعي: زادها ابن عيينة في حديثه، وكان ابن عمر، والقاسم، وسالم، يزوجون الأبكار لا يستأمرونهن. قال البيهقي: والمحفوظ في حديث ابن عباس: "البكر تستأمر" (٦). ورواه صالح بن كيسان بلفظ: "واليتيمة تستأمر" (٧). وكذلك رواه أبو بردة (١) عن أبي موسى، ومحمد بن [عمرو] (أ) عن أبي سلمة عن أبي هريرة (٨)، فدل على أن المراد بالبكر اليتيمة.
стр. 2660
قال المصنف (١) ﵀: وهذا لا يدفع زيادة الثقة الحافظ بلفظ الأب، ولو قال قائل: بل المراد باليتيمة البكر. لم يدفع. و"تُستأمر" بضم أولى، يدخل فيه الأب وغيره، فلا تعارض بين الروايات، ويبقى النظر في أن الاستئمار هل هو شرط في صحة العقد، أو مستحب لاستطابة النَّفس كما قال الشَّافعي؟ ذلك محتمل. انتهى. وأجاب الإمام المهدي في "البحر" (٢) عن حجة الشَّافعي بأنه ﷺ رد نكاح بالغة شكت أن أباها أجبرها، والحديث أن جارية بكرًا أتت النَّبيَّ ﷺ ، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النَّبيُّ ﷺ (٣). ورجاله ثقات، وأعل بالإرسال، وبتفرد جرير بن حازم عن أيوب، وتفرد حسين - (أيعني ابن محمد الآتي ذكره أ) - عن جرير، وأجيب بأن أيوب بن سويد رواه عن الثوري عن أيوب موصولًا (٤)، وكذلك رواه معمر بن سليمان الرقي عن زيد بن حبان عن أيوب موصولًا (٥)، وإذا اختلف في وصل الحديث وإرساله حكم لمن وصله على طريقة الفقهاء، وعن الثَّاني بأنَّ جريرًا توبع عن أيوب كما ترى. وعن الثالث، بأن [سليمان] (ب) بن حرب تابع حسين بن محمد عن جرير،
стр. 2661
وأجاب البيهقي (١) عن ذلك بأنه محمول على أنَّه زوجها من غير كفء. والله أعلم.
قال المصنف (٢) ﵀: جواب البيهقي (أ) هو المعتمد، فإنَّها واقعة عين فلا يثبت الحكم فيها تعميمًا، وأمَّا الطعن في الحديث، فلا معنى له، فإن طرقه يقوي بعضها ببعض، وفي الباب عن جابر وابن عمر وعائشة (٣). وبوب البُخاريّ (٤): إذا زوج ابنته وهي كارهة، فنكاحه مردود. وذكر فيه حديث خنساء بنت خدام، [بفتح] (ب) المعجمة بعدها نون ومهملة ممدود، وقد روي خناس بوزن فلان، وخدام بكسر المعجمة بعدها [دال مهملة] (جـ)، ولكن في روايته أنها كانت ثيبًا (د)، والثيب (هـ) مجمع على اعتبار رضاها إلَّا مَا روي عن الحسن (٥) أنَّه أجاز إجبار الأب للثيب. وعن النَّخعيِّ (٦): إن كانت في عياله جاز وإلا رد. واختلفوا إذا وقع بغير رضاها، فقالت الحنفية
стр. 2662
والهدوية: إن أجازته جاز. وعن المالكية: إن أجازته عن قرب جاز، وإلا فلا. ورده الباقون مطلقًا.
٨٠٦ - وعن ابن عباس ﵁، أن النَّبيَّ ﷺ قال: "الثيب أحق بنفسها من وَليها، والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها". رواه مسلم (١). وفي لفظ: "ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستأمر". رواه أبو داود والنَّسائيُّ، وصححه ابن حبان (٢).
الحديث الأخير: "ليس للولي" إلى آخره. رواته ثقات، أخرجه ابن حبان من حديث معمر عن صالح بن كيسان عن نافع (أ) بن جبير عن ابن عباس، [وقال] (ب) أبو الفتح القشيري: ويقال: إن معمرًا أخطأ فيه. يعني أن صالحًا إنَّما حمله عن عبد الله بن الفضل عن ابن (جـ) جبير، وهو قول الدارقطني (٣).
قوله: "واليتيمة تستأمر". اليتيم في الشرع؛ الصَّغير الذي لا أب له،
стр. 2663
فظاهر الحديث أن اليتيمة يصح أن يزوجها الأولياء، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (١) الآية. وما ذكر في سبب نزولها من أنَّه يكون في حجر الولي يتيمة وليس له رغبة في نكاحها، وإنَّما يرغب في مالها فيتزوجها لذلك، فنهوا، وكذا قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٢) الآية. وترجم البُخاريّ (٣) ذلك، وقال: باب تزويج اليتيمة. وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي والهدوية وأبو حنيفة وأصحابه، وذهب مالك إلى أن الصغيرة لا يزوجها إلَّا الوصي، وكأنه نظر إلى أن الوصي قائم مقام الأب فله حكمه، وذهب الناصر والشّافعيّ إلى أن الصغيرة لا يزوجها إلَّا الأب؛ محتجين بقوله: "واليتيمة تستأمر". قالوا (أ): والاستئمار لا يكون إلَّا بعد البلوغ، إذ لا فائدة [في استئمار] (ب) الصغيرة، فكان ذلك قرينة على أن المراد باليتيمة فاقدة الأب وقد بلغت، لأنَّه قد يطلق اليتيم على من فقد أحد أبويه وإن بلغ، والمراد أن اليتيمة تترك حتَّى تستأمر ولا يكون استئمارها إلَّا بعد البلوغ. ومَن أجاز تزويج الصغيرة بغير الأب يثبت لها الخيار متى بلغت ولو كان جدًّا، وذهب الناصر، والمؤيد بالله، والفريقان، إلى أنَّه كالأب فلا خيار لها؛ لقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٤). فسمى الجد أبًا. والجواب بأنه
стр. 2664
مجاز. وثبوت الخيار لها عند الهدوية وأبي حنيفة، ومحمد، والمؤيد بالله؛ قالوا: قياسًا على الأمة، فإنَّها تخير إذا أعتقت وهي مزوجة، والجامع بينهما حدوث ملك التصرف. وذهب أبو يوسف إلى أنَّه لا خيار لها؛ كمن زوجها أبوها. قال ابن رشد في "نهاية المجتهد" (١): سبب الاختلاف في إنكاح الصغيرة لغير الأب، قياس غير الأب في ذلك على الأب، فمن رأى أن الاجتهاد الموجود فيه الذي جاز للأب بسببه أن يزوج الصغيرة لا يوجد في غير الأب (ب)، لم يجز ذلك، ومن رأى أنَّه يوجد فيه أجاز ذلك، ومن فرق بين الصَّغير في ذلك والصغيرة، فلان الرجل يملك الطلاق إذا بلغ ولا تملكه المرأة، ولذلك جعل أبو حنيفة لهما الخيار إذا بلغا. انتهى.
وأعلم أن نكاح الأب لأولاده الصغار مجمع عليه، وترجم على ذلك البُخاريّ (٢) بباب: نكاح الرجل ولده الصغار، ضبط بضم الواو وسكون اللام بصيغة الجمع وبفتحهما بصيغة الجنس، يشمل الذكر والأنثى، واحتج عليه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٣). فجعل عدتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ؛ أي يدل على أن النكاح قبل البلوغ جائز، وهو استنباط حسن، ولكن ذلك لا يختص بالأب إلَّا أن يقال: قد بَيَّن أن المراد
стр. 2665
بما (أ) في الآية الكريمة هو من زوجها الأب تَزْويج عائشة ﵂، والأصل في الأبضاع التحريم إلَّا ما دل عليه النص، فاقتصر على المنصوص عليه. قال المهلب (١): أجمعوا على أنَّه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر، ولو كانت لا يوطأ مثلها، إلَّا أن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ. وحكاه ابن حزم (٢) عن ابن شبرمة مطلقًا أن الأب لا يزوج بنته البكر الصغيرة حتَّى تبلغ وتأذن، وزعم أن تزوج النَّبيُّ ﷺ عائشة وهي بنت ست سنين (٣) كان من خصائصه، والله أعلم.
٨٠٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها". رواه ابن ماجه والدارقطني ورجاله ثقات (٤).
وأخرج الحديث البيهقي (٥).
وفي قوله: "لا تزوج المرأة المرأة". دلالة على أن المرأة لا يثبت لها ولاية في النكاح، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وذهبت الحنفية إلى ثبوت