← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

في "التهذيب" (١) تضعيفه عن أحد، بل نقل توثيقه عن يحيى بن معين وأبي حاتم وأبي زرعة وغيرهم، إلا أن ابن عبد البر ضعفه في "التمهيد" (٢) لما ذكر حديث جابر في استقبال قاضي الحاجة القبلة، وكأنه التبس عليه بأبان بن أبي عياش البصري صاحب أنس، فإنه ضعيف باتفاق (٣). وذكر المزي حديث صفية بنت شيبة، قالت: طاف النبي ﷺ على بعير يستلم الركن بمحِجن (٤) وأنا أنظر إليه. أخرجه أبو داود وابن ماجه (٥)، قال المزي: هذا يضعف قول من أنكر أن تكون لها [رؤية] (أ)؛ فإن إسناده حسن. وقوله: على بعض نسائه. قال المصنف ﵀ (٦): لم أقف على تعيين اسمها صريحًا، وأقرب ما يُفسَّر به: أم سلمة، فقد أخرج ابن سعد (٧) عن شيخه الواقدي بسند له إلى أم سلمة، قالت: لما خطبني النبي ﷺ . فذكر قصة تزويجه بها، قالت: فأدخلني بيت زينب بنت خزيمة، فإذا جرَّة فيها شيء من شعير فأخذته فطحنته، ثم عَصَدته (٨) في

стр. 2907

البُرمة، وأخذت شيئًا من إهالة فأدَمته (١)، فكان ذلك طعام رسول الله ﷺ . وأخرج ابن سعد أيضًا وأحمد (٢) بإسناد صحيح إلى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أن أم سلمة أخبرته. فذكر قصة خطبتها وتزويجها، وفيه: قالت: وأخرجت حبات شعير كانت في جرتي وأخرجت شحما فعصدته له، ثم بات، ثم أصبح. الحديث أخرجه النسائي (٣) أيضًا، لكن لم (أ) يذكر المقصود هنا، وأصله في "مسلم" (٤) من وجه آخر بدونه. وأما ما أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٥) من طريق شريك عن حميد عن أنس قال: أولم رسول الله ﷺ على أم سلمة بتمر وسمن. فهو وهم من شَريك؛ لأنه كان سيئ الحفظ (٦)، [أو] من الراوي عنه -وهو [جَندَل] (جـ)

стр. 2908

ابن والق (١) - فإن مسلمًا والبزار ضعفاه (٢)، وقواه أبو حاتم الرازي والبستي (٣)، وإنما المحفوظ من حديث حميد عن أنس أن ذلك في قصة صفية. كذلك أخرجه النسائي (٤)، وقد ذكره البخاري (٥) مطولًا في كتاب النكاح عن حميد عن أنس. ويحتمل أنه أراد ببعض نسائه هو ما وقع في وليمة علي بفاطمة ﵄، وأراد ببعض نسائه؛ أي: من يُنسب إليه من النساء في الجملة، فقد أخرج الطبراني (٦) من حديث أسماء بنت عميعر قالت: لقد أَوْلَمَ علي بفاطمة فما كانت وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته، رهن درعه عند يهودي بشطر شعير. ولعله أريد بمُدَّين من شعير؛ لأن المدين نصف الصاع، فكأنه قال: شطر صاع. فينطبق على القصة (أ) التي في الباب، ويكون نسبة الوليمة إلى رسول الله ﷺ مجازية، إما لكونه الذي وفّى اليهودي ثمن شعيره أو لغير ذلك. وقوله: "بمُدَّين من شعير". قال المصنف رحمه الله تعالى (٧): كذا وقع في رواية كل من رواه عن الثوري فيما وقفت عليه ممن قدمت ذكره، إلا

стр. 2909

عبد الرحمن بن مهدي فوقع في روايته: بصاعين من شعير. أخرجه النسائي (١) والإسماعيلي (٢) من روايته، وهو وإن كان أحفظ من رواه عن الثوري، لكن العدد الكثير أولى بالضبط من الواحد، كما قال الشافعي في غير هذا، والله أعلم. انتهى. ٨٦٥ - وعن أنس ﵁ قال: أقام النبي ﷺ بين خيبرَ والمدينَة ثلاثَ ليالٍ يُبنى عليه بصفية، فدعوتُ السلمينَ إلى وليمته، فما كان فيها من خبزٍ ولا لحمٍ، وما كان فيها إلا أن (أ) أمرَ بالأنطاع فبسطت، فألقى عليها التمر والأقطَ (٣) والسمنَ. متفق عليه واللفظ للبخاري (٤). قوله: يُبنَى عليه بصفيةَ. أي: يبنى عليه خباء جديد مع صفية أو بسببها، فالباء بمعنى "مع" للمصاحبة أو السببية، والمراد الاختلاء بصفية، وفيه دلالة على [إيثار] (ب) المرأة الجديدة بثلاثةِ أيام ولو كان في السفر، ولذلك بوب له البخاري: باب البناء بالمرأة في السفر. ويؤخذ من هذه القصة أنه يجوز تقديم الاشتغال بالعمل الخاص قبل الأعمال العامة إذا كان لا

стр. 2910

يفوت به غرض (أ)، والاهتمام بوليمة العرس، وأنها تجزئ من دون الشاة، وإشهار النكاح وإشاعته، وفي القصة أن أبا أيوب حرس النبي ﷺ في جميع الليلة التي بنى فيها على صفية خشية عليه منها (١)، والتمر والأقط والسمن، ومجموع هذا إذا خلط بعضه على بعض سمي حيسًا كما جاء في رواية مسلم (٢)، أنه ﷺ لما أصبح قال: "من كان عنده فضل زاد فليأتنا به". قال أنس: فجعل الرجل يجيء بفضل التمر وفضل السويق حتى جعلوا من ذلك سَوادًا -بفتح السين المهملة- أي شيئًا كثيرًا حيسًا، فجعلوا يأكلون من ذلك الحيْس ويشربون من حِياضٍ إلى جَنْبهم من ماءِ السماء. وفي رواية له (٣): فجعل رسول الله ﷺ وليمتها التمر والأقط بالسمن، فحِصتِ الأرض أفاحيصَ، أي: حُفرت شيئًا يسيرًا، وجيء بالأنطاع فوضِعت فيها، وجيء بالأقط والتمر والسمن فشَبع الناس. والأنطاعُ [جمع نِطع] (ب) وفيه أربع لغات مشهورات، فتح النون وكسرها مع فتح الطاء وإسكانها، أفصحهن كسر النون [مع] (جـ) فتح الطاء، وتجمع أيضًا على نطوع. وفي هذه القصة دلالة على أن الإنسان إذا كان يعرف صدق المودة

стр. 2911

وسماحة النفس من صاحبه فلا عليه أن يسأله طعامه. ٨٦٦ - وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: "إذا اجتمع داعيان فأجب أقربهما بابًا، فإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق". رواه أبو داود (١) وسنده ضعيف. الحديث أخرجه أبو داود قال: حدثنا هناد بن السري عن عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدالاني عن أبي العلاء الأودي عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . الحديث، وضعَّف سنده. أما رجال الإسناد فهناد قال الذهبي في "الكاشف" (٢): هناد بن السري أبو السري التميمي الدارمي الحافظ الزاهد عن شريك وعَبثر، وعنه مسلم وأصحاب "السنن الأربع"، والسراج، وكان يقال له: راهب الكوفة. لتعبده. وعبد السلام بن حربٍ [النهدي] (أ) الكوفي أبو بكر المُلَائي (٣) عن أيوب وخُصيف وعطاء بن السائب، وعنه ابن معين وهناد، ثقة عاش ستًّا وتسعين. انتهى. وأما أبو خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني بفتح الدال واللام مفتوحة

стр. 2912

بين ألفين ونون، نسبة إلى دالان بطن من همدان، وثقه أبو حاتم الرازي (١)، وقال أحمد (٢): لا بأس به. وأبو العلاء داود بن عبد الله الأودي بفتح الهمزة وسكون الواو، وبعد الدال المهملة المكسورة ياء النسب، وثقه أحمد (٣). وحميد بن عبد الرحمن [الحميري] (أ) البصري، قال ابن سيرين (٤): (ب هو أفقه ب) أهل البصرة. فرجال الإسناد موثقون، وجهالة الصحابي غير قادحة، [فلم يظهر في وَجْهُ الضعف] (جـ) الذي ذكره المصنف، وللحديث شاهد أيضًا في البخاري (٥) من حديث عائشة ﵂ [قلت] (د): يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابًا". الحديث فيه دلالة على أن الأحق (هـ) بالإجابة إذا اجتمع داعيان هو

стр. 2913

السابق، فإن استويا قدم الجار، والجار على مراتبه (أفي تقديم أ) من كان أقرب بابًا إلى الداعي، فإن استويا قال الإمام يحيى: فإنه يقرع بينهما. قال الإمام المهدي: وكذا من المرجحات كون أحدهما من أهل البيت، وكذا إذا كان أحدهما من أهل العلم والورع والله أعلم. قال الإمام يحيى: وفي إجابة دعوة الذمي عند من أجاز طعامه تردد، الأصح لا تستحب؛ لكراهة طعامهم. قال الإمام المهدي: ولأن في الحضور نوع تعظيم. [انتهى. ويرد عليه أن عموم أحاديث الإجابة شامل فحيث جاز الحضور] (ب) فلا كراهة، وقد أجاب النبي ﷺ . ٨٦٧ - وعن أبي جحيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا آكُلُ متكئا". رواه البخاري (١). الاتكاء مأخوذ من الوكاء، والتاء بدل من (جـ) الواو، والوكاء هو ما يُشد به الكيس أو غيره، كأنه أوكأ مقعدته وشدَّها بالقعود على الوطاء الذي تحته، ومعناه الاستواء على وطاء متمكنًا. [قال الخطابي (٢): المتكئ هنا هو المتمكن من جلوسه من التربع وشبهه المعتمد على الوطاء تحته. قال: وكل من استوى قاعدا على وطاء فهو متمكن] (ب)، والعامة لا تعرف المتكئ إلا من

стр. 2914

مال في قعوده معتمدًا على أحد شقيه. ومعنى الحديث: إذا أكلت لم أقعد متكئًا فعْلَ [من] (أ) يريد الاستكثار من الأكل، ولكن آكل بُلْغةً؛ فيكون قعودي له (ب) مستوفزًا، ومَن حمَل الاتكاء على الميْل إلى أحد الشقين تأول ذلك على مذهب الطبِّ، بأن ذلك فيه ضرر، فإنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلًا، ولا يسيغه هنيئًا، وربما تأذى به. والله أعلم. ٨٦٨ - وعن عمر بن أبي سلمة قال: قال (جـ) رسول الله ﷺ : "يا غلام، سمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يَليك". متفق عليه (١). الحديث فيه دلالة على شرعية التسمية عند الأكل، وهذا مجمع عليه، وكذا يستحب التحميد، بأن يقول: الحمد لله. في آخره، ويقاس على الطعام غيره من الشراب، قال العلماء: ويستحب أن يجهر بالتسمية ليسمع غيره، وينبهه عليها، ولو ترك التسمية في ابتداء الطعام عامدًا أو ناسيًا أو جاهلًا أو مُكرهًا أو عاجزًا لعارضٍ كان له أن يسمي، ويقول: باسم الله أوله وآخره. لقوله ﷺ : "إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر الله في أوله، فليقل: باسم الله أوله وآخره". رواه أبو داود والترمذي (٢) وغيرهما، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

стр. 2915

والتسمية في شرب الماء واللبن والعسل والمرق والدواء، وسائر المضروبات مستويات (أ) كالتسمية على الطعام فيما [ذكر] (ب)، وتحصل التسمية بقوله: باسم الله. فإن قال: بسم الله الرحمن الرحيم. فأحسن، وسواء في استحباب التسمية الطاهر والجنب والحائض، وينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين، فإن سمى واحد منهم حصَّل أصل السنة. نص عليه الشافعي، ويسْتَدل له بأن النبي ﷺ أخبَر أن الشيطان إنما يتمكن من الطعام إذا لم يُذكر اسمُ الله عليه (١). وهذا قد ذكر اسم الله عليه. وقوله: "كل بيمينك". فيه دلالة على استحباب الأكل باليمين، وكذلك الشرب؛ لحديث ابن عمر: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" (٢). وكان نافع يزيد فيها: "ولا يأخذ بها، ولا يعطي بها" (٣). وهذا إذا لم يكن عذر، فإن [كان عذر منع الأكل والشرب باليمين، من مرض أو جراحة أو غير ذلك] (جـ)، [فلا كراهة] (د). وفيه دلالة على أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين،

стр. 2916

وأن للشيطان يدين، وفي رواية مسلم (١): أن رجلًا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: "كل بيمينك". فقال: لا أستطع. قال: "لا استطعت، ما منعه إلا الكبر". قال: فما رفعها إلى فيه. في الحديث دلالة على [أن] (أ) الأكل بالشمال من المكروهات التي يُدْعَى على فاعلها إذا كان بلا عُذرٍ؛ بل تمردًا ومخالفةً. وفي الأحاديث دلالة على أن الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر في كل حالٍ، حتى في حال الأكل، واستحباب تعليمِ الآكل أدب الأكل إذا خالفه. وقوله: "وكل مما يليك". فيه دلالة على أنه ينبغي [تعليمُ] (ب) حسن العشرة للجليس، [وألَّا] (جـ) يحصل من الإنسان ما يسوء جليسه مما فيه سوء عشرة، وترك مروءة، فقد يتقذره صاحبه لا سيما في الأمراق وغيرها كالثريد، فإن كان تمرًا [أو] (د) أجناسًا مختلفة، فقد نُقِل إباحة اختلاف الأيدي في الطبق، فإن ثبت ذلك كان مخصصًا، وإلا كان الأمر على عمومه حتى يثبت مخصص. وقد أخرج الترمذي (٢) من حديث عكراش بن ذؤيب قال: أُتينا بجَفْنة

стр. 2917

كثيرة الثريد والوَذْرِ -جمع وذرة، قطعة من اللحم لا عظم فيها-[فخبطتُ] (أ) بيدي في نواحيها، وأكل رسول الله ﷺ من بين يديه، فقبض بيده اليسرى (ب) على يدي اليمنى، ثم قال: "يا عِكْراشُ، كُلْ من موضعٍ واحدٍ، فإنه طعام واحد". ثم أُتينا بطبق فيه ألوان التمر، فجعلت آكل من بين يدي، وجالت يدُ رسول الله ﷺ في الطبق، فقال: "يا عِكْراش، كل من حيث شئت، فإنه غيرُ لونٍ واحد". ثم أُتينا بماء فغسل رسول الله ﷺ يديه، ومسح بِبَللِ كفَّيه وَجْهه وذراعيه ورأسَه، وقال: "يا عِكْراش، هذا الوضوء مما غَيَّرت النارُ". فهذا مخصص لذلك، ويخص مما إذا لم يبق تحت [يد] (جـ) الآكل [شيء] (جـ)؛ كان له أن يتبع ذلك ولو من سائر الجوانب، كما أخرج البخاري ومسلم (١) من حديث أنس أن خياطًا دعا النبي ﷺ لطعام صنعه، قال: فذهبت مع النبي ﷺ فقرَّب خبزَ شعيرٍ ومرقًا فيه دُبَّاء (٢) وقَديدٌ، فرأيت النبي ﷺ يتبع الدباء من حوالي القصعة -أي جوانبها- فلم أزل أحب الدباء بعدَ يومئذ. وقال النووي (٣): يحتمل وجهين:

стр. 2918

أحدهما: أن التقدير: من حوالي جوانبه وناحيته من الصحفة، لا من حوالي جميع جوانبها، فقد أمرنا بالأكل مما يلي الإنسان. والثاني: أن يكون من جميع جوانبها، وإنما نهي عن ذلك لئلا يتقَذَّر الجليسُ، ورسول الله ﷺ لا يتقذَّره أحد، بل يتبركون ببصاقِه ﷺ وبنُخامته، ويدلكون بذلك وجوههم، وشرب بعضهم بوله، وبعضهم دمه. انتهى. وما ذكرناه أولى، فإن في قول أنس (١): فلما رأيت ذلك جعلت ألقيه إليه ولا أطعمه. دلالة على [تطلبه] (أ) من جميع القصعة لمحبته لأكله، وأما الأكل مما يليه فهو لا يدل على اختصاصه بزيادة المحبة والله أعلم. ويستثنى أيضًا ألا يأكل من وسط القصعة كما أخرج الترمذي، وقال: حديث صحيح حسن، وابن ماجه، والدارمي (٢) من حديث ابن عباس ﵁، عن النبي ﷺ أنه أتي بقصعةٍ من ثريد فقال: "كلوا من جوانبها ولا تأكلوا من وسطها؛ فإن البركةَ تنزل في وسطها". وفي رواية أبي داود (٣) قال: "إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن يأكل من أسفلها؛ فإن البركة تنزل من أعلاها".

стр. 2919

٨٦٩ - وعن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ أُتي بقصعة من ثريد، فقال: "كُلُوا من جوانبها، ولا تأكُلُوا من وسطها، فإن البركةَ تنزلُ في وسطها". رواه الأربعة (١)، وهذا لفظ النسائي وسنده صحيح. تقَدَّم الكلامُ فيه. ٨٧٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: مَا عابَ رسولُ اللهِ ﷺ طعامًا قطُّ، كان إذا اشتَهى شيئًا أكلَهُ، وإن كرِهه تركه. متفق عليه (٢) (ب). الحديث متفقَ عليه من رواية أبي هريرة من طريق الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة، ورواه مسلم (٣) من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن أبي يحيى مولى آل جعدة عن أبي هريرة، وأنكر عليه الدارقطني (٤) هذا الإسناد الثاني وقال: وهو معلَّل. ولكن مسلم (٥) قد بيَّن علته كما وعد في خطبته وذكر الاختلاف فيه، ولهذه العلة لم يذكر البخاري حديث أبي معاوية، ولا خَرَّجه من طريقه، بل خَرَّجه من طريق آخرَ.

стр. 2920

وفي الحديث دلالة أن من أدب الطعام المتأكَّدِ تركَ عيبه، بأن يقول: هو (أ) مالح، أو قليل الملح، أو حامض، أو رقيق، أو غليظ، أو غير ناضج ونحو ذلك. وأما كراهة النبي ﷺ لأكل الضب وتركه له (١)، فليس من عيب الطعام، وإنما هو إخبار بأن هذا الطعام الخاص لا يشتهي أكله، فحكمه بالنسبة إليه حكم مَن يترك أكل الطعام لأجل شِبَعه. والله سبحانه أعلم. ٨٧١ - وعن جابر ﵁ عن النبيِ ﷺ قال: "لا تأكلُوا بالشِّمال؛ فإنَّ الشيطانَ يأكلُ بالشِّمال". رواه مسلم (٢). في الحديث دلالة على كراهة الأكل بالشمال، وقد تقدم ذلك قريبًا، وفيه دلالة وفي غيره من الأحاديث الصحيحة على ما ذهب إليه الجماهير من العلماء من السلف والخلف، من المحدثين ومن الفقهاء والمتكلمين، أن الشيطان يأكل، وأن هذه الأحاديث على ظواهرها من أنه يأكل حقيقة، إذ العقل لا يحيله، والشرع لم ينكره، بل الأشبه قبوله واعتقاده. والله سبحانه أعلم. ٨٧٢ - وعن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا شَرِب أحدُكم فلا يتنفس في الإناءِ". متفق عليه (٣).

стр. 2921

ولأبي داود عن ابن عباس نحوه، وزاد: "أو يَنفخ فيه". وصححه الترمذي (١). الحديث فيه دلالة على كراهة التنفس في الإناء قبل إبانته من الفم، والعلة في الكراهة خشية أن يُقذّره على غيره، لما عسى أن يَخرج شيءٌ (أمن الفم أ) فيتصل بالماء فيتقَذَّره غيره، وعليه يُحمل حديث أنس، وهو: أنه كان ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثًا. أي في أثناء الشراب، لا أنه في إناء الشراب، متفق عليه (٢)، وزاد في رواية مسلم: ويقول: "إنه أروى". أي أقمع للعطش "وأبرأ" أي أكثر بُرءًا؛ لما فيه من الهضم، ومن (ب) سلامته من التأثير في برد المعدة، "وأمرأ" أي أكثر مراءة (٣)، لما فيه من السهولة. وقوله: "أو ينفخ فيه". فيه دلالة على كراهة النفخ في الإناء، وذلك كراهة أن يخرج شيء إلى الإناء من فضلات الفم من ريق أو غيره فيقذِّره على غيره، وفي حديث أبي سعيد الخدري أخرجه الترمذي والدارمي (٤)، أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟

стр. 2922

قال: "أهرقها". قال: فإني لا أروى من نفس واحد؟ قال: "فأبن القدح عن فيك، ثم تنفس". وفي الشرب ثلاث مرات من حديث ابن عباس، أخرجه الترمذي (١) قال رسول الله ﷺ : "لا تشربوا واحدًا -أي شربًا واحدًا- كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شربتم، واحمَدوا إذا أنتم رفعتم". وقد ورد من مكروهات الشراب الشرب مِن في السقاء، كما في حديث ابن عباس، أخرجه الشيخان (٢): نهى رسول الله ﷺ عن (أالشرب من في السقاء. وأخرجا (٣) من حديث أبي سعيد قال: نهى رسول الله ﷺ عن أ) اختناث الأسقية. زاد في رواية (٤): واختناثها أن يقلب رأسها ثم يشرب منه. وقد عارض هذا حديث كبشة، قالت: [دخل] (ب) عليَّ رسول الله ﷺ فشرب من في قربة معلقة قائمًا، فقمت إلى فيها فقطعته؛ أي أخذته سقاء نتبرك به ونستشفي به. رواه الترمذي وابن ماجه (٥) وقال الترمذي:

стр. 2923

حديث حسن غريب صحيح. وقد جمع بين الحديثين بأن النهي إنما هو في السقاء الكبير، والقربة هي صغيرة، أو النهي إنما هو للتنزيه؛ لئلا يتخذ عادة دون الندرة، وعلة النهي أنه قد تكون فيه دابة، فتخرج إلى في الشارب فيبتلعها مع الماء، كما روي أنه شرب رجل من في (أ) السقاء فخرجت [منه] ب حية. والشرب قائمًا. أخرج مسلم (١) من حديث أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : "لا يشربن (جـ أحد منكم جـ) قائمًا، فمن نسي فليستقئ". وفي [رواية] (د) عن أنس (٢): زجر عن الشرب قائمًا. وفي رواية (٣): نهى عن الشرب قائما، قال قتادة: قلنا: فالأكل؟ قال: أشر وأخبث. وقد عارض عن ابن عباس: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم. أخرجه مسلم (٤). وفي رواية أخرى (٥): أن رسول الله ﷺ شرب من زمزم وهو قائم. وفي "صحيح البخاري" (٦): أن عليًّا ﵁ شرب قائمًا،

стр. 2924

وقال: رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت. وأحسن ما قيل في الجمع أن النهي للتنزيه، وفِعْلُه ﷺ ذلك لبيان الجواز، فلا يكون مكروهًا، بل هو واجب لتبيين حكم شرعي، وقد جاء مثل هذا في أحكام كثيرة، فقد يفعل ذلك النبي ﷺ مرة أو مرتين على حسب ما يقتضيه الحال من البيان، ويواظب على الأفضل فيستحب لمن شرب قائمًا التقيؤ للحديث الصحيح [الوارد] (أ) في ذلك سواء كان عامدًا أو ناسيًا، ولا وجه لقول عياض: إنه لا خلاف بين أهل العلم أن مَن شرب ناسيًا ليس عليه أن يتقيأ. فإن هذا على وجه (ب) الاستحباب لا الوجوب، وفي كلامه مغالطة بما يفهم أن ذلك واجب، فإن الأمر إذا وجدت قرينة تصرفه عن الوجوب إلى الندب صح ذلك. وذِكْرُ الناسي في الحديث محمول على ما هو الأولى بالعاقل، أنه إذا وقع منه ذلك نادرًا فلا يكون إلا على جهة النسيان لا العمد، وإلا فالعامد كالناسي. ومن المكروهات الشرب من ثُلْمَة القدح، وهو موضع الكسر منه. وقد أخرج أبو داود (١) من حديث أبي سعيد الخدري: نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من ثُلْمَة القدح، وأن ينفخ في الشراب. وعلة النهي أنها لا تتماسك عليها شفة الشارب، فإذا شرب منها تصبب الماء على وجهه وثوبه، أو لأنه يجتمع فيها الوسخ (جـ).

стр. 2925

ومن آداب الشرب أنه إذا كان عند الشارب جلساء، وأراد إدارته عليهم بدأ بالأيمن كما أخرج الشيخان (١) من حديث أنس، أنه أعطى رسول الله ﷺ القدح فشرب وعلى يساره أبو بكر، وعن يمينه أعرابي، فقال عمر: أعط أبا بكر يا رسول الله، فأعطى الأعرابي الذي عن يمينه ثم قال: "الأيمن فالأيمن". وفي رواية: "الأيمنون الأيمنون، ألا فيمِّنوا". وأخرجا (٢) من حديث سهل بن سعد، قال: أتي النبي ﷺ بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم، هو عبد الله بن عباس، والأشياخ عن يساره، فقال: "يا غلام، أتأذن أن أعطيه الأشياخ؟ " فقال: ما كنت لأوثِر بفضل منك أحدًا يا رسول الله. فأعطاه إياه.

стр. 2926

باب القَسْمِ ٨٧٣ - وعن عائشة ﵂، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يقسم لنسائِهِ فيعدلُ ويقول: "اللهُمّ هذا قسمي فيما أملكُ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". رواه الأربعة، وصححه ابن حبان والحاكم، ولكن رجَّح الترمذي إرساله (١). وكذا أعله النسائي والدارقطني (٢)، وقال أبو زرعة (٣): لا أعلم أحدًا تابع حماد بن سلمة على وصله، لكن صححه ابن حبان والحاكم من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة موصولًا. قال الترمذي: رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا أصح. والحديث فيه دلالة على أنه ﷺ كان يقسم بين نسائه ويعدل، واختلف العلماء هل كان واجبًا عليه القسم أو غير واجب؟ فذهب بعض أهل التفسير (٤) إلى أنه غير واجب، وفسر به قوله تعالى: ﴿تُرْجِي

стр. 2927

مَنْ تَشَاءُ﴾ (١) الآية. وقال: أباح الله له أن يترك التسوية والقسم بين أزواجه، حتى إنه ليؤخر من يشاء منهن عن نوبتها، ويطأ من يشاء في غير نوبتها، وجعل ذلك من خصائصه ﷺ ، فجعل الضمير في قوله: ﴿مِنْهُنَّ﴾. عائدًا إلى أزواجه اللاتي أمر بتخييرهن، وذهب إليه أبو سعيد الإصطخري من الشافعية، وصرح به الإمام المهدي في "البحر"، وجعله لنفسه ولم ينسبه إلى أحد، واحتج بالآية، والظاهر من قول سائر الأئمة أن ذلك واجب عليه. وقوله: ويعدل. فيه دلالة على أن خلاف التسوية من الجور. وقوله: "فيما أملك". وهو عمل الجوارح من المبيت مع كل واحدة نوبتها. وقوله: "فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". قال الترمذي: يعني به الحب والمودة. كذا فسره أهل العلم. انتهى. فيه دلالة على أن عمل القلب لا يستطع الإنسان عليه، وأن الله واهب ذلك وسالبه، وأن العبد لا يملك ذلك، وقد فسر بمثل هذا قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (٢). والله سبحانه أعلم. ٨٧٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَن

стр. 2928

كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، (أوترَك الأخرى أ) جاء يوم القيامة وشقه مائل". رواه أحمد والأربعة، وسنده صحيح (١). وأخرجه ابن حبان والحاكم (٢)، ولفظ الحاكم: "إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل أو ساقط". وإسناده على شرط الشيخين، قاله الحاكم وابن دقيق العيد، واستغربه الترمذي مع تصحيحه، وقال عبد الحق (٣): هو خبر ثابت، لكن علته أن همامًا تفرد به، وأن [همامًا] (ب) رواه عن قتادة. الحديث فيه دلالة على أنه يجب على الزوج التسوية بين الزوجات، ويحرم عليه الميل إلى إحداهن دون الآخرة، وقد ذهب إلى هذا أكثر الأمة، وأنه إذا قسم بين الزوجات وجب عليه التسوية لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ (٤). قال في "البحر": وقد ذهب قوم مجاهيل إلى أن من له زوجتان فله أن يقف مع إحداهما ليلة ومع الأخرى ثلًائا، إذ له أن ينكح

стр. 2929

أربعًا، فله إيثار أيهما شاء بالليلتين، ومثله عن الناصر، لكن حمله أصحابه على الحكاية دون أن يكون مذهبه، ثم قال في جوابه: قلنا: الليلتان لا يستحقان قبل نكاح الأربع، فلا وجه لما قالوه. انتهى. وهذا إذا قسم، وأما إذا لم يقسم، لم يجب عليه شيء، بل له الانفراد عنهن إذ الاستمتاع حق له لا يلزمه استيفاؤه، فإن أراد من البعض جاز له. ٨٧٥ - وعن أنس ﵁ قال: من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعا، ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا، ثم قسم. متفق عليه واللفظ للبخاري (١). قوله: من السنة. أي سنة النبي ﷺ ، وهذا هو المتبادر من قول الصحابي ذلك، ويدل عليه قول سالم للزهري -لما سأله عن قول ابن عمر للحجاج: إن كنت تريد السنة- هل تريد سنة النبي ﷺ ؟ فقال له سالم: وهل تعنون (أ) بذلك إلا سنته (ب) ﷺ (٢)؟ أي (جـ) ولمثل هذا حكم الرفع؛ ولهذا قال أبو قلابة [راويه] (د) عن أنس: ولو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلى النبي ﷺ . يعني ويكون رواية بالمعنى، إذ معنى: من السنة. هو الرفع، وهو

стр. 2930

جائز عنده، لكنه رأى أن المحافظة على قول أنس أولى، وذلك لأن كونه مرفوعًا إنما هو بطريق اجتهادي محتمل، والرفع نص، وليس للراوي أن ينقل ما هو محتمل إلى ما هو نص غير محتمل. كذا ذكره ابن دقيق العيد (١) وقد نسب (أهذا قول أبي قلابة أ) بشر بن المفضل وهشيم إلى خالد راويه عن أبي قلابة (٢) ولا منافاة، لاحتمال أن يكونا جميعًا قالا ذلك، وكذا البخاري (٣) قال في الرواية الأخرى من طريق عبد الرزاق قال خالد: ولو شئت لقلت: رفعه. وقد أخرجه أبو عوانة (٤) في "صحيحه" من طريق أبي قلابة الرقاشي وقال فيه: قال النبي ﷺ . وقال: هو غريب، لا أعلم من قاله غير أبي قلابة. انتهى. وقد أخرج الإسماعيلي (٥) من طريق أيوب من رواية عبد الوهاب الثقفي، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ . وصرح برفعه، وكذا أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" وابن حبان (٦) والدارقطني (٧) والدارمي (٨) من طرق مختلفة إلى أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس مصرحا برفعه.

стр. 2931

وقوله: على الثيب. فيه دلالة على أن هذا الحكم لمن كان له زوجة قبل الجديدة، وقال ابن عبد البر (١): جمهور العلماء على أن ذلك حق للمرأة بسبب الزفاف، وسواء كان عنده زوجة أو لا. واختاره النووي، وإطلاق الشافعي يعضده، وفي رواية للبخاري بلفظ: إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا. الحديث (٢). ولم يقيده بما إذا تزوجها على غيرها إلا أن القاعدة حمل المطلق على المقيد كما في حديث أنس التقييد بـ "على الثيب". وفي قوله: ثم قسم. كذلك دلالة على وجود الزوجة الأخرى، وقد ذهب إلى التأثير المذكور الجمهور، والخلاف (أفي ذلك أ) للكوفيين، فقالوا: إن البكر والثيب سواء، وللأوزاعي فقال: إن للبكر ثلاثًا وللثيب يومين. وفيه حديث مرفوع عن عائشة أخرجه الدارقطني (٣) وسنده ضعيف جدًّا، وظاهر الحديث أن ذلك واجب، واختلف أصحاب مالك، فقال ابن القاسم: إنه واجب، وقال ابن عبد الحكم: بل مستحب. وسبب الخلاف حمل فعله ﷺ على الندب أو على الوجوب؟ وقد عرفت أن ذلك روي من قوله ﷺ ، وظاهره الوجوب. وروى الإمام المهدي عن أبي حنيفة وأصحابه والحكم (ب) وحماد، أنه إنما يجب التقديم، وليس ذلك إيثارًا، فتقضي البواقي مثله؛ إذ القسم حقٌّ زوجي فلا يفترق فيه الجديدة والقديمة كالنفقة، قلنا:

стр. 2932

النص منع القياس. قال المهدي البصري وابن المسيب: للبكر ليلتان، وللثيب ليلة؛ إذ القصد رفع الدور يعني في القسم بالنكاح الجديد، وهو يحصل بذلك، لكن حق البكر آكد لشدة الرغبة فيها ففضلت. قلنا: لا نسلم، بل بعيد للنصوص الواردة، ثم اختلف العلماء؛ هل ذلك حق للزوج أو للزوجة الجديدة؟ فذهب الجمهور إلى أن ذلك حق للزوجة، وقال بعض المالكية: حق له على بقية زوجاته. واعلم أنه لا يجب على الزوج أن يستغرق جميع الأوقات في المُقام عند الزوجة في السبعة الأيام أو الثلاثة، وقد نص الشافعي على كراهة تأخره عن صلاة الجماعة وسائر أعمال البر التي كان يفعلها، وقال الرافعي: هذا في النهار، وأما في الليل فلا لأن المندوب لا يترك له الواجب، وقد قال الأصحاب: يسوي بين الزوجات في الخروج إلى الجماعة، وفي سائر أعمال البر، فيخرج في ليالي الكل، أو لا يخرج أصلًا، فإن خصص حرم عليه وعدُّوا هذا من الأعذار في ترك الجماعة، وقال ابن دقيق العيد (١): أفرط بعض الفقهاء، فجعل مقامه عندها عذرًا في إسقاط الجمعة، وأجيب بأنه قياس قول من يقول بوجوب المقام عندها، وهو قول الشافعية، ورواه ابن القاسم عن مالك وعنه يستحب، وهو وجه للشافعية فعلى الأصح يتعارض عنده الواجبان فيقدم حق الآدمي، ومقتضى قول الهدوية أنه لا يترك الجماعة ولا غيرها من الواجبات، وإن رخص فيه كما قالوا في حق الزوجة أنها لا تمنع عن واجب كان رخص فيه كالصوم في السفر والصلاة أول الوقت. ويجب الموالاة في السبع وفي الثلاث فلو فرق وجب الاستئناف، ولا فرق بين الحرة والأمة، وقيل: هي على النصف مما للحرة،

стр. 2933

فلو تزوج أخرى في مدة السبع أو الثلاث فالظاهر أنه يتم ذلك، لأنه قد صار مستحقًّا لها. ٨٧٦ - وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ لما تزوجها أقام عندها ثلاثًا، وقال: "إنه ليس بك (أ) على أهلك هوان، إن شئت سبَّعت لك، كان سبَّعت لك سبَّعت لنسائي". رواه مسلم (١). زاد مسلم في رواية (٢): "وإن شئت ثلَّثت ثم درت". قالت: ثلِّث. وفي رواية (٣): دخل عليها فلما أراد أن يخرج أخذت بثوبه، فقال رسول الله ﷺ : "إن شئت زدتك وحاسبتك به، للبكر سبع، وللثيب ثلاث". الحديث فيه دلالة على أنه إذا تعدى الزوج المدة المقدرة برضا المرأة سقط حقها من الإيثار، ووجب عليه القضاء لذلك، وأما إذا كان بغير رضاها فحقها ثابت، وهو مفهوم من قوله ﷺ : "إن شئت". وقوله: "ليس بك (أ) على أهلك هوان". معناه: لا يلحقك هوان ولا نضع (ب) من حقك شيئًا بل تأخذينه كاملًا، ثم بين ذلك بأنها مخيرة بين ثلاث بلا قضاء، وبين سبع ويقضي لسائر نسائه، قال القاضي عياض (٤):

стр. 2934

والمراد بـ "بأهلك" هنا نفسه ﷺ ؛ أي: إني لا أفعل فعلًا به هوانك عليَّ. وفيه دلالة على استحباب ملاطفة الأهل والعيال وغيرهم، وتقريب الحق من فهم المخاطب ليرجع إليه، والعدل بين الزوجات، والله أعلم. ٨٧٧ - وعن عائشة ﵂، أن سودة بنت زَمَعة وهبت [يومها] (أ) لعائشة، (ب وكان النبي ﷺ ب) يقسمُ لعائشة ﵂ يومها ويوم سودة. متفق عليه (١). هي سودة بنت زَمَعة زوج النبي ﷺ ، وكان تزوجها بمكة بعد موت خديجة ودخل عليها بها (جـ) وهاجرت معه، وكان العقد بها بعد أن عقد على عائشة، وأما الدخول بعائشة فكان متأخرا. كذا في مسلم (٢)، قال ابن الجوزي (٣): والدخول بعائشة كان بعد سودة بالاتفاق، وهبت يومها لعائشة، وزاد البخاري (٤) في الهبة: وليلتها. وزاد في آخره: تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ . وفي رواية لمسلم (٢): لما أن كبرت سودة وهبت

стр. 2935

يومها. وأخرجه أبو داود (١) وبين فيه السبب بسند مسلم: كان رسول الله ﷺ لا يفصّل بعضنا على بعض في القسم. الحديث. وفيه: ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وخافت أن رفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله، يومي لعائشة. فقبل ذلك منها، ففيها وأشباهها نزلت: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (٢) الآية. وقد رواه سعيد بن منصور (٣) عن أبي الزناد مرسلًا، لم يذكر فيه عائشة، وعند الترمذي (٤) من حديث ابن عباس موصولًا، وكذا قال عبد الرزاق (٥) عن معمر بمعنى ذلك، فتواردت هذه الروايات على أنها خشيت الطلاق فوهبت، وأخرج ابن سعد (٦) بسند رجاله ثقات من رواية القاسم بن أبي بزة (أ) مرسلًا، أن النبي ﷺ طلقها، فقعدت له (ب) على طريقه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما لي في الرجال حاجة، ولكني أحب أن أبعث مع نسائك يوم القيامة، فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب، هل طلقتني لوجدة وجدتها علي؟ قال: "لا". قالت: فأنشدك لما راجعتني. فراجعها، قالت: فإني جعلت يومي وليلتي لعائشة حبة رسول الله ﷺ . وكانت سودة تحت ابن عم لها يقال له: السكران بن

стр. 2936

عمرو، أخو سهيل بن عمرو، أسلم معها وهاجرا جميعا إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، فلما قدما إلى مكة مات زوجها، ويقال: إنه مات بالحبشة. وأمها اسمها الشموس بنت قيس [من بني] (أ) عدي بن النجار، توفيت سودة بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين، وزَمَعة بفتح الزاي والميم، والعين المهملة، قال ابن الأثير (١): وسمعنا أهل الحديث والفقهاء يسكنون الميم. والحديث فيه دلالة على أن المرأة لها أن تهب نوبتها. وللفقهاء في ذلك تفصيل؛ وهو أنها إن وهبت لضرتها استحقتها بشرط أن يرضى الزوج، وذلك لأن الزوج له حق في الزوجة، فليس لها أن تسقط حقه منها إلا برضاه، كان وهبت للزوج أو قالت: خص بها من شئت. فذكر أصحاب الشافعي أن له أن يخص بها من شاء، وكذا ذكر الفقيه علي الوشلي للهدوية، وقال الإمام يحيى في "الانتصار": ليس له ذلك، بل تصير كالمعدومة. وقال الفقيه حسن النحوي: إن قالت [له] (ب): خص بها من شئت. فله ذلك، لا إذا أطلقت الهبة له، وأما إذا أسقطت ليلتها كانت كالمعدومة، ويصح من الصغيرة المميزة إذ لا غضاضة عليها، وكذا من الأمة، ومثل هذه الهبة إنما هي إسقاط حق فلا تفتقر إلى قبول، ويصح الرجوع لأن الحق متجدد. قال أصحاب الشافعي: فإذا رجعت ولم يعلم برجوعها حتى مضت نوبتها فلا قضاء عليه، كما في

стр. 2937

رجوع المبيح عن الإباحة قبل أن يعلم المباح له، فإنه لا ضمان عليه. والله سبحانه أعلم. ٨٧٨ - وعن عروة قال: قالت عائشة ﵂: يا ابن أُختي، كان رسول الله ﷺ لا يفضِّلُ بعضَنا على بعض في القَسْم من مُكثه عندنا، وكان قلَّ يومٌ إلا (أ) وهو يطوفُ علينا جميعًا، فيدنُو من كلِّ امرأة من غير مَسيسٍ، حتى يبلُغ التي هُو (ب) يومُها، فيبيت عندها. رواه أحمد وأبو داود واللفظ له، وصححه الحاكم (١). ولمسلم (٢) عن عائشة ﵂: كان رسولُ الله ﷺ إذا صلّى العصر دار على نسائه ثم يدنُو منهُن. الحديث. رواية أحمد: ما من يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا امرأة امرأة فيدنو ويلْمَس من غير مَسِيسٍ حتى يفضيَ إلى التي هو (ب) يومها فيبيت عندها. الحديث فيه دلالة على أن للرجل إيناس من لم يكن في يومها واللمس وغيره من التقبيل، وفي الحديث ذكر ما كان عليه النبي ﷺ من حُسْن الخلق وملاطفة الأهل.

стр. 2938

وقوله: فيدنو منهن. زاد (أ) ابن [أبي] (ب) الزناد، عن هشام بن عروة (١): بغير وقاع. وهذا يدفع ما ذهب إليه ابن العربي بأنه ﷺ كان له ساعة من النهار لا يجب عليه القَسْم فيها وهي بعد العصر. قال المصنف (٢) ﵀: ولم أجد لذلك دليلا. ثم قال المصنف (٣) في باب دخول الرجل على نسائه، وذكر هذا الحديث من دولت الزيادة: وجدت له دليلا ولكنه يحمل المطلق على المقيد، فلا يتم الدليل له. ٨٧٩ - وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضِه الذي مات فيه: "أين أنا غدًا؟ ". يُريدُ يومَ عائشة، فأذِن له أزواجُه يكونُ حيثُ شاء، فكان في بيت عائشة. متفق عليه (٤). قوله: كان يسأل. ذكره البخاري (٥) في آخر (جـ) كتاب المغازي بزيادة: وكان أول ما بدئ به في مرضه في بيت ميمونة.

стр. 2939

وقوله: فأذن له أزواجه. الحديث. وقع في رواية أحمد (١) عن عائشة أنه ﷺ قال لنسائه: "إني لا أستطيع أن أدور بيوتكن، فإن شئتن أذِنتُنَّ لي". وذكر ابن سعد (٢) بإسناد صحيحٍ عن الزهريّ أن فاطمة ﵂ هي التي خاطبت أمهات المؤمنين، فقالت لهن: إنه يشق عليه الاختلاف. والجمع ممكن بأنه استأذن هو ﷺ وفاطمةُ ﵂ كذلك. ووقع في رواية ابن أبي مليكة (٣) أن دخوله ﷺ بيتها كان يوم الاثنين، ومات يوم الاثنين الذي يليه. وفي الحديث دلالة أنه إذا أذنت المرأة كان ذلك مُسقِطًا لحقها من النَّوبة، وظاهر الرواية أن الإذن وقع منهن الجميع بأن الأمر إليه، يكونُ حيث شاء، فخص عائشة. وترجم البخاري (٤) في كتاب النكاح، باب إذا استأذن الرجل نساءه في أن يُمرَّض في بيت بعضهن فأذنَّ له. وساق اللفظ المذكور هنا، وظاهر الترجمة أنه استأذن بالكَوْنِ في بيت عائشة على التعيين، ولكن لفظ الحديث لا يدل عليه بخصوصه، ولعل ذلك مفهوم من قرائن الأحوال، أنه لا يعدل عن بيت عائشة، فالترجمة مطابقة لما قصد من اللفظ. والله أعلم. ٨٨٠ - وعنها ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرَعَ بين نسائه، فأيتهُنَّ خرَج سهمُها خرَج بها [معه] (أ). متفق عليه (٥).

стр. 2940

قوله: إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه. المراد القرعة بينهن لتعيين مَن يسافر بها منهن، وليست القرعة مختصة بحالِ السفر، بل إذا أراد القسْم بين زوجاته فعليه القرعة في البداية بأيهن إلا أن يرضين بشيء، جاز بلا قرعة. وظاهر الحديث وجوب القرعة في السفر وقد ذهب إليه الشافعي، وذهبت الهدوية إلى أن له السفرَ بمن شاء، ولا تجب القرعة، ووجهه أنه لا يجب عليه القَسْم في السفر، ويحملون الحديث أن ذلك لمكارمِ أخلاقه وحُسن شمائله في رعاية حقِّ الزوجات ﷺ ، ولا يجب القضاء لغير من سافر بها. وقال أبو حنيفة: يجب القضاء سواء كان سفره بقرعةٍ أو بغير قرعةٍ. وقال الشافعي: إن كان بقرعة لم يجب القضاء، وإن كان بغير قرعة وجب عليه القضاء. وأخرج ابن سعد (١) حديث عائشة المذكور وزاد فيه: فكان إذا خرج سهم غيري عرف فيه الكراهية. واستدل به على مشروعية القُرعة في القِسْمة بين الشُّركاء وغير ذلك، والمشهور عن الحنفية والمالكية عدم اعتبار القرعة، قال عياض (٢): هو مشهور عن مالك وأصحابه؛ لأنها من باب الخطَر والقمار، وحكي عن الحنفية إجازتها. انتهى. واحتج من منع من المالكية بأن بعض النِّسوة قد تكون أنفع في السفر من غيرها، فلو خرجت القرعة للتي لا نفْعَ لها في السفر لأضرَّ بحال الزوج،

стр. 2941

وكذا قد يكون بعض النساء أقوم برعاية مصالح بيت الرجل في الحضر، فلو خرج عليها القرعة بالسفر لأضر بحال الرجل من رعاية مصالح الحضر. وقال القرطبي (١): تختص مشروعية القرعة بما إذا اتفقت أحوالهن لئلا يخص واحدة فيكون ترجيحًا بلا مرجِّح. وهذا منهم تخصيص للحديث بالمعنى الذي شرع لأجله الحكم، والجري على ظاهره كما ذهب إليه الشافعي أقوم. والله أعلم. ٨٨١ - وعن عبد الله بن زمعة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجلد أحدكم امرأته جلدَ العبدِ". رواه البخاري (٢). هو عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، صحابي مشهور، وأمه قُرَيبة أخت أم سلمة أم المؤمنين، وكانت تحته زينب بنت أم سلمة، ليس له في "البخاري" سوى هذا الحديث، عِداده في أهل المدينة، روى عنه عروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وتمام الحديث في البخاري: "ثم يجامعها". وفي رواية أبي معاوية (٣)؛ "ولعله أن يضاجعها". وفي رواية لأحمد بزيادة (٤): "من آخر الليل" عن ابن عيينة. وله عند النسائي (٥): "آخر النهار". وفي رواية ابن نمير (٦)

стр. 2942

والأكثر: "في آخر يومه". وفي رواية وكيع (١): "آخر الليل، أو من آخر الليل". وكلها متقاربة. وقوله: "لا يجلد". في نسخ البخاري بصيغة النهي، وفي كتاب التفسير في سورة "الشمس" (٢) بلفظ: "يعمد أحدكم". وقد أخرجه الإسماعيلي (٣) عن محمَّد بن يوسف شيخ البخاري بصيغة الخبر بحذف "لا" ورفع "يجلد". وفي رواية أبي معاوية وعبدة بن سليمان (٤): "إلام يجلد". وفي رواية وكيع وابن نمير (٥): "علام يجلد". وفي رواية ابن عيينة (٥): وعظهم [في] (أ) النساء، فقال: "يضرب أحدكم". ومعنى الخبر والاستفهام هنا الإنكار، فهو موافق للنهي. و: "جَلْدَ العبدِ". بالنصب على أنه مفعول مطلق للنوع، أي مثل جلد العبد، وفي رواية لمسلم (٦): "ضرب الأمة". وللنسائي (٥) من طريق ابن

стр. 2943

عيينة: "كما يضرب العبد أو الأمة". وفي رواية أحمد [بن] (أ) سفيان (١): "جلدَ البعير". وللبخاري في باب الأدب (٢): "ضربَ الفَحْلِ أو العبد". والمراد بالفحل البعير، وفي رواية أبي داود (٣) من حديث لقيط: "ولا تضرب ظعينتك ضربك أمتك". والحديث فيه دلالة على جواز تأديب الرقيق بالضرب الشديد، والإيماء إلى جواز ضرب الزوجة دون ذاك، وترتيب قوله: "ثم يجامعها". يدل على أن عِلة النهي أن ذلك لا يستحسنه العقلاء في مجرى العادات؛ لأن الجماع والمضاجعة إنما تليق مع ميل النفس والرغبة في العِشْرة، والمجلود غالبًا ينفر ممن جلده، وإذا كان ولا بد من التأديب كان تأديبًا مستحسنا لا يحصل معه النفور التام كما قال ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (٤). وقد جاء النهي عن ضرب النساء مطلقًا، فعند أحمد وأبي داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (٥) من حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذباب، بضم المعجمة وبموحدتين الأولى خفيفة، رفَعه: "لا تضربوا إماء الله". فجاء عمر فقال:

стр. 2944

قد ذَئر (أ) النساءُ على أزواجهن -بفتح المعجمة وكسر الهمزة بعدها راء، أي نشَز، بنون ومعجمة وزاي. وقيل: معناه غضب واستب- فأذن لهم فضربوهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير، فقال ﷺ : "لقد أطاف بآل رسول الله ﷺ سبعون امرأة كلهن يشتكين أزواجهن، ولا تجدون أولئك أخياركم". وله شاهد من حديث ابن عباس في "صحيح ابن حبان" (١)، وآخر مرسل من حديث أم كلثوم بنت أبي بكر عند البيهقي (٢)، قال الشافعي: يحتمل أن يكون النهي للكراهة، والإذن فيه قرينة على ذلك فيكون مباحًا، ويحتمل أن يكون قبل نزول الآية بضَرْبِهن ثم أذن بعد نزولها فيه. وعلى قاعدة من يبني العام على الخاص مطلقًا كالشافعي أن يقول: الضرب في الآية مُقيَّد بالنشوز، والمطلق في الحديث مقيد بذلك، والنهي العام مخصص بحالة النشوز، والتأويل المذكور إنما يحتاج إليه من يجعل العام المتأخر ناسخًا للخاص المتقدم، فإذا جهل التاريخ حصل التعارض واحتاج إلى التأويل. والله سبحانه أعلم. وقد أخرج النسائي (٣) في الباب حديث عائشة ﵂: ما ضرب رسول الله ﷺ امرأة له ولا خادما قط، ولا ضرب بيده شيئًا قط إلا في (ب) سبيل الله، أو تُنْتَهك محارم الله، فينتقم لله. ولكن ذلك لكرم خُلُقِه ﷺ ورأفته بالمؤمنين ورحمته للعالمين.

стр. 2945

باب الخلع الخُلْعُ -بضم المعجمة وسكون اللام- في اللغة: فراق الزوجة على مال، مأخوذ من خلع الثوب؛ لأن المرأة لباس الرجل مجازًا، وضم المصدر تفرقة بين الحقيقي والمجازي، وفي الشرع: فراق الرجل زوجته بعوض للزوج مع شرائط. وأجمع العلماء على مشروعيته، إلا بكر بن عبد الله المزني التابعي المشهور فإنه قال: لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (١). فأوردوا عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢). فادعى نسخها بآية "النساء". أخرجه ابن أبي شيبة وغيره (٣) عنه، ورد عليه بآية "النساء" أيضًا: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ (٤). وبقوله تعالى: (فلا جَناح عليهما أن يَصَّالحا) (٥). وبالحديث، وانعقد الإجماع بعده على اعتباره، وبأن آية "النساء" مخصصة بآية "البقرة" وبآيتي "النساء" الآخرتين والحديث. وهو مكروه إلا لخشية ألا يقيما حدود الله أو أحدهما، وذكر المصنف (٦) رحمه الله تعالى أنه لا كراهة فيه إذا خشيا أن يئول الطلاق إلى التثليث،
следующие страницы →