← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

وكذا قد يكون بعض النساء أقوم برعاية مصالح بيت الرجل في الحضر، فلو خرج عليها القرعة بالسفر لأضر بحال الرجل من رعاية مصالح الحضر. وقال القرطبي (١): تختص مشروعية القرعة بما إذا اتفقت أحوالهن لئلا يخص واحدة فيكون ترجيحًا بلا مرجِّح. وهذا منهم تخصيص للحديث بالمعنى الذي شرع لأجله الحكم، والجري على ظاهره كما ذهب إليه الشافعي أقوم. والله أعلم. ٨٨١ - وعن عبد الله بن زمعة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجلد أحدكم امرأته جلدَ العبدِ". رواه البخاري (٢). هو عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، صحابي مشهور، وأمه قُرَيبة أخت أم سلمة أم المؤمنين، وكانت تحته زينب بنت أم سلمة، ليس له في "البخاري" سوى هذا الحديث، عِداده في أهل المدينة، روى عنه عروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وتمام الحديث في البخاري: "ثم يجامعها". وفي رواية أبي معاوية (٣)؛ "ولعله أن يضاجعها". وفي رواية لأحمد بزيادة (٤): "من آخر الليل" عن ابن عيينة. وله عند النسائي (٥): "آخر النهار". وفي رواية ابن نمير (٦)

стр. 2942

والأكثر: "في آخر يومه". وفي رواية وكيع (١): "آخر الليل، أو من آخر الليل". وكلها متقاربة. وقوله: "لا يجلد". في نسخ البخاري بصيغة النهي، وفي كتاب التفسير في سورة "الشمس" (٢) بلفظ: "يعمد أحدكم". وقد أخرجه الإسماعيلي (٣) عن محمَّد بن يوسف شيخ البخاري بصيغة الخبر بحذف "لا" ورفع "يجلد". وفي رواية أبي معاوية وعبدة بن سليمان (٤): "إلام يجلد". وفي رواية وكيع وابن نمير (٥): "علام يجلد". وفي رواية ابن عيينة (٥): وعظهم [في] (أ) النساء، فقال: "يضرب أحدكم". ومعنى الخبر والاستفهام هنا الإنكار، فهو موافق للنهي. و: "جَلْدَ العبدِ". بالنصب على أنه مفعول مطلق للنوع، أي مثل جلد العبد، وفي رواية لمسلم (٦): "ضرب الأمة". وللنسائي (٥) من طريق ابن

стр. 2943

عيينة: "كما يضرب العبد أو الأمة". وفي رواية أحمد [بن] (أ) سفيان (١): "جلدَ البعير". وللبخاري في باب الأدب (٢): "ضربَ الفَحْلِ أو العبد". والمراد بالفحل البعير، وفي رواية أبي داود (٣) من حديث لقيط: "ولا تضرب ظعينتك ضربك أمتك". والحديث فيه دلالة على جواز تأديب الرقيق بالضرب الشديد، والإيماء إلى جواز ضرب الزوجة دون ذاك، وترتيب قوله: "ثم يجامعها". يدل على أن عِلة النهي أن ذلك لا يستحسنه العقلاء في مجرى العادات؛ لأن الجماع والمضاجعة إنما تليق مع ميل النفس والرغبة في العِشْرة، والمجلود غالبًا ينفر ممن جلده، وإذا كان ولا بد من التأديب كان تأديبًا مستحسنا لا يحصل معه النفور التام كما قال ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (٤). وقد جاء النهي عن ضرب النساء مطلقًا، فعند أحمد وأبي داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (٥) من حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذباب، بضم المعجمة وبموحدتين الأولى خفيفة، رفَعه: "لا تضربوا إماء الله". فجاء عمر فقال:

стр. 2944

قد ذَئر (أ) النساءُ على أزواجهن -بفتح المعجمة وكسر الهمزة بعدها راء، أي نشَز، بنون ومعجمة وزاي. وقيل: معناه غضب واستب- فأذن لهم فضربوهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير، فقال ﷺ : "لقد أطاف بآل رسول الله ﷺ سبعون امرأة كلهن يشتكين أزواجهن، ولا تجدون أولئك أخياركم". وله شاهد من حديث ابن عباس في "صحيح ابن حبان" (١)، وآخر مرسل من حديث أم كلثوم بنت أبي بكر عند البيهقي (٢)، قال الشافعي: يحتمل أن يكون النهي للكراهة، والإذن فيه قرينة على ذلك فيكون مباحًا، ويحتمل أن يكون قبل نزول الآية بضَرْبِهن ثم أذن بعد نزولها فيه. وعلى قاعدة من يبني العام على الخاص مطلقًا كالشافعي أن يقول: الضرب في الآية مُقيَّد بالنشوز، والمطلق في الحديث مقيد بذلك، والنهي العام مخصص بحالة النشوز، والتأويل المذكور إنما يحتاج إليه من يجعل العام المتأخر ناسخًا للخاص المتقدم، فإذا جهل التاريخ حصل التعارض واحتاج إلى التأويل. والله سبحانه أعلم. وقد أخرج النسائي (٣) في الباب حديث عائشة ﵂: ما ضرب رسول الله ﷺ امرأة له ولا خادما قط، ولا ضرب بيده شيئًا قط إلا في (ب) سبيل الله، أو تُنْتَهك محارم الله، فينتقم لله. ولكن ذلك لكرم خُلُقِه ﷺ ورأفته بالمؤمنين ورحمته للعالمين.

стр. 2945

باب الخلع الخُلْعُ -بضم المعجمة وسكون اللام- في اللغة: فراق الزوجة على مال، مأخوذ من خلع الثوب؛ لأن المرأة لباس الرجل مجازًا، وضم المصدر تفرقة بين الحقيقي والمجازي، وفي الشرع: فراق الرجل زوجته بعوض للزوج مع شرائط. وأجمع العلماء على مشروعيته، إلا بكر بن عبد الله المزني التابعي المشهور فإنه قال: لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (١). فأوردوا عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢). فادعى نسخها بآية "النساء". أخرجه ابن أبي شيبة وغيره (٣) عنه، ورد عليه بآية "النساء" أيضًا: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ (٤). وبقوله تعالى: (فلا جَناح عليهما أن يَصَّالحا) (٥). وبالحديث، وانعقد الإجماع بعده على اعتباره، وبأن آية "النساء" مخصصة بآية "البقرة" وبآيتي "النساء" الآخرتين والحديث. وهو مكروه إلا لخشية ألا يقيما حدود الله أو أحدهما، وذكر المصنف (٦) رحمه الله تعالى أنه لا كراهة فيه إذا خشيا أن يئول الطلاق إلى التثليث،

стр. 2946

وذكر أبو بكر بن دريد أن أول خلع وقع في الدنيا أن عامر بن الظَّرِب -بفتح المعجمة وكسر الراء ثم موحدة- زوَّج ابنته من ابن أخيه عامر بن الحارث بن الظرب، فلما دخلت عليه نفرت منه، فتشكى إلى أبيها، فقال: لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك، وقد خلعتها منك بما أعطيتها. قال: فزعم العلماء أن هذا كان أول خلع كان في العرب، وأما في الإِسلام فهو في قصة امرأة ثابت في حديث الباب. ٨٨٢ - وعن ابن عباس ﵁ أن امرَأةَ ثابت بن قيس أتَت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابث بنُ قيسٍ ما أعيبُ عليه في خُلق ولا دين، ولكني أكره الكفرَ في الإِسلامِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أترُدِّين عليه حديقته؟ ". قال: فقالت: نعم. فقال رسول الله ﷺ : "اقبل الحديقةَ، وطلِّقْها تَطلِيقةً". رواه البخاري (١)، وفي رواية (٢) له (أ): وأمره بطلاقها. ولأبي داود والترمذي (٣) وحسنه أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النبي ﷺ عدتها حيضةً. وفي رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند ابن ماجه (٤) أن ثابت بن قيسٍ كان دميمًا، وأن امرأته قالت: لولا مخافةُ اللهِ إذا دخَل علي لبصقْتُ في وجهِه.

стр. 2947

ولأحمد (١) من حديث سهل بن أبي حثمة: وكان ذلك أولَ خلعٍ في الإِسلامِ. قوله: امرأة ثابت. اختلفت الرواية في إبهام اسم المرأة، وفي تعيين اسمها؛ فأبهم البخاري في هذه الطريق، وسماها في طريق مرسلة (٢) عن عكرمة بجميلة. وفي أخرى مرسلة (٣): أن أخت عبد الله بن أبي. وفي رواية النسائي والطبراني (٤) من حديث الربيع بنت (أ) معوذ: أنها جميلة بنت عبد الله بن أبي. وبذلك جزم ابن سعد في "الطبقات" (٥)، وقال: أسلمت وبايعت، وكانت تحت حنظلة بن أبي عامر غَسيل الملائكة، فقتل عنها بأحد وهي حامل فولدت له عبد الله بن حنظلة، فخلف عليها ثابت بن قيس، فولدت له ابنه محمدًا، ثم اختلعت منه، فتزوجها مالك بن الدخشم، ثم خبيب بن إساف. وأخرج الدارقطني والبيهقي (٦) -وسنده قوي مع إرساله- عن أبي الزبير أن اسمها زينب بنت عبد الله بن أبي ابن سلول. ولا ينافي الذي قبله لاحتمال أن يكون لها اسمان، وإلا فالرواية الأولى أولى؛ لوصلها وتأييدها بقول أهل النسب، وبه جزم الدمياطي، وأنها أخت عبد الله بن عبد الله بن أبي، شقيقته، أمهما خولة بنت المنذر بن حرام، ووهم الدمياطي البخاري حين قال: جميلة أخت عبد الله بن أبي، ورد عليه بأن علي مقام

стр. 2948

البخاري يبعد عن الوهم، ولكنه قال: أخت عبد الله بن أُبي. وأراد بعبد الله عبد الله بن عبد الله بن أبيٍّ، ولكنه نسبه إلى جده أُبي، كما وقع في رواية قتادة نسبتها إلى جدتها سلول، وهذا وجه الجمع، وأما ابن الأثير والنووي (١) فجزما بأنها أخت عبد الله بن أُبي، ووهَّما من قال أنها بنت عبد الله. وبعضهم جمع بين الروايات [بأن] (أ) أخت عبد الله بن أبي جميلة تزوجها ثابت وخالعها، وكذلك بنت عبد الله بن أبي تزوجها وخالعها واحدة بعد واحدة، ولا يخفى بُعدُه، والأصح عدم التعدد لا سيما مع اتحاد المخرج، وقد سماها النسائي وابن ماجه (٢) من طريق محمَّد بن إسحاق مريم المَغالية؛ بفتح الميم وتخفيف الغين المعجمة نسبة إلى مغالة ينسب إليها بنو عدي بن النجار، اسم امرأة من الخزرج، ومنهم عبد الله بن أبي وحسان بن ثابت وجماعته من الخزرج، فإذا كان عبد الله من بني مغالة فالنسبة صحيحة، والوهم وقع في تسميتها مريم، مع أنه يحتمل أن لها اسما ثالثا، أو بعضها لقب. وقول ثالث أن اسمها حبيبة بنت سهل، أخرجه مالك (٣) في "الموطأ" عن حبيبة بنت سهل، أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله ﷺ خرج إلى الصبح فوجد حبيبة عند بابه في الغلس، فقال: "من هذه؟ ". فقالت: أنا حبيبة بنت سهل. قال: "ما شأنك؟ ". قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس -لزوجها- الحديث. وأخرجه أصحاب "السنن الثلاثة"

стр. 2949

وصححه ابن خزيمة وابن حبان (١) من هذا الوجه، وأخرجه أبو داود (٢) من طريق أخرى عن عائشة أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت. قال ابن عبد البر (٣): اختلف في امرأة ثابت بن قيس؛ فذكر البصريون أنها جميلة بنت أبي، وذكر المدنيون أنها حبيبة بنت سهل. قال المصنف (٤) رحمه الله تعالى: والذي يظهر أنهما قصتان [وقعتا] (أ) لامرأتين، لشهرة الخبرين، وصحة الطريقين، واختلاف السياقين، وقد [أخرج] (ب) البزار (٥) من حديث عمر قال: أول مختلعة في الإِسلام حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس. الحديث. وهذا يقتضي أن ثابتًا تزوج حبيبة قبل جميلة، ويقوي ما ذكره البصريون أن محمَّد بن ثابت بن قيس من (جـ) جميلة كما تقدم. وقول رابع ذكره ابن الجوزي في "تنقيحه" (٦) أنها سهلة بنت حبيب. قال المصنف (٤) ﵀: وما أظنه إلا مقلوبًا، والصواب حبيبة بنت

стр. 2950

سهل، وقد ترجم لها ابن سعد في "الطبقات" (١)، فقال: بنت سهل بن ثعلبة بن الحارث، وأخرج حديثها عن يحيى بن سعيد، قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت ابن قيس، وكان في خلقه شدة. فذكر نحو حديث مالك، وزاد في آخره: وقد كان رسول الله ﷺ همّ أن يتزوجها، ثم كره ذلك لغيرة الأنصار، وكره أن يسوءهم في نسائهم. وثابت بن قيس بن شَمَّاس، بفتح الشين المعجمة وتشديد الميم والسين المهملة، خزرجي أنصاري، شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، من أكابر الصحابة وأعلام الأنصار، شهد له النبي ﷺ بالجنة، وكان خطيب الأنصار وخطيب رسول الله ﷺ ، استشهد يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة، روى عنه أنس بن مالك ومحمد وإسماعيل وقيس أولاده. قوله: ما أعتُب. بضم المثناة من فوق، ويجوز كسرها، من العتاب، يقال: عتبت على فلان. أعتب عتبًا، والاسم المعتبة، والعتاب هو الخطاب بإدلال، وقد روي بكسر العين المهملة وتحتانية ساكنة من العيب، وهو أليق بالمراد. قوله: في خُلُق ولا دين. بضم الخاء المعجمة واللام، ويجوز إسكانها، والمعنى: أنها لا تريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان دينه، زاد البخاري (٢) في رواية: ولكني لا أطيقه. وزاد الإسماعيلي ثم البيهقي (٣) ذكر التمييز

стр. 2951

بلفظ: لا أطيقه بغضا. ولا ينافي هذا ما في رواية النسائي (١) أنه كسر يدها؛ لأنه قد يغتفر مثل هذا مع المودة، فالباعث لها هو البغض، وكذا في قصة حبيبة بنت سهل عند أبي داود (٢) أنه ضربها فكسر بعضها, لكنها لم تشك منه ذلك، وإنما صرحت بأنه سيئ الخَلق دميمه (أ) كما في حديث عمرو بن شعيب عند ابن ماجه (٣): كانت حبيبة بنت سهل عند ثابت بن قيس، وكان رجلًا دميما (ب). الحديث، وكذا في رواية عبد الرزاق (٤) قال: بلغني أنها قالت: يا رسول الله، في (جـ) من الجمال ما ترى، وثابت دميم (د). وفي رواية معتمر (٥) (هـ) عن ابن عباس: أول خلع كان في الإِسلام امرأة ثابت بن قيس؛ أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادًا، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها، فقال: "أتردين عليه حديقته؟ ". قالت: نعم وإن شاء زدته. ففرق بينهما.

стр. 2952

قوله: ولكني أكره الكفر في الإِسلام. أي أكره إن أقمت عنده أن أقع فيما يقتضي الكفر، والمراد وقوع ما يضادد الإِسلام من النشوز وفرك (أ) الزوج، وغير ذلك مما يتوقع من الشابة الجميلة المبغضة لزوجها إذا كان بالضد منها، فأطلقت على ما ينافي مقتضى الإِسلام الكفر مبالغة في ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١). ويحتمل مجاز الحذف، أي أكره لوازم الكفر، أو أن شدة البغض قد يحملها على الكفر الحقيقي وإظهاره ليقع بذلك فسخ النكاح عند تعذر الطلاق، وأما احتمال أنه يحملها على الكفر بأمره لها، فيدفعه قولها: ما أعتب عليه في خلق ولا دين. قوله: "أتردين عليه؟ ". وفي رواية: "فتردين؟ ". والفاء عاطفة على مقدر محذوف، وفي رواية: "تردين؟ ". بحذف الاستفهام، والمعنى: عليه. وقوله: "حديقته". أي بستانه. وفي حديث عمر (٢): كان تزوجها على حديقة نخل. قوله: قالت: نعم. زاد في حديث عمر: فقال ثابت: أيطيب ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم".

стр. 2953

قوله: "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة". الأمر للإرشاد والإصلاح، لا للإيجاب، ووقع في رواية جرير بن حازم (١): فردت عليه وأمره ففارقها. الحديث فيه دلالة على صحة الخلع، وعلى أنه يحل أخذ العوض من المرأة، وفي ذلك أقوال، فذهب إلى ذلك الهادي والقاسم والناصر والزهري والنخعي وداود وعطاء وأهل الظاهر، واختاره ابن المنذر إلا أنه يشترط نشوز المرأة كما في قصة ثابت، ولقوله تعالى: ﴿إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٣). وذهب أبو حنيفة والشافعي ومالك والمؤيد بالله وأكثر أهل العلم إلى أنه يصح الخلع بالتراضي بين الزوجين، وإن كانت الحال مستقيمة بينهما، ويحل العوض، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ (٤) الآية. ولم يفرق، ولقوله ﷺ : "إلا بطيبة من نفسه" (٥). ولأنه إذا جاز الأكل من الصداق، ولم يحصل لها به عوض فمع حصول العوض أولى، والحديث لا يدل على منع هذه الحال، وقوله تعالى: ﴿إلا أَنْ يَخَافَا﴾. يحتمل أن يراد به حقيقة الخوف الذي هو الظن والحسبان في حصول ذلك في المستقبل، فيدل على جوازه، وإن كان الحال مستقيمًا بينهما مقيمينِ حدود الله في الحال، فيؤيد ما قاله الجمهور، ويحتمل أن يراد به العلم بوقوع إلا أن يخافا ألا يقيما،

стр. 2954

فيتأيد به القول الأول؛ لأنه لا يتأتى العلم إلا بتحققه في الحال، وذهب الحسن وسعيد بن جبير وابن سيرين إلى أنه لا يصح الخلع إلا بحضور السلطان، أخرج عن الحسن سعيد بن منصور (١)، وأخرج عن ابن سيرين حماد بن زيد، واختاره أبو [عبيد] (أ)، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (٣). والخطاب لغير الزوجين، وهو خطاب للولاة بالاتفاق، وقرأ حمزة أول الآية: (إلا أن يُخَافَا) (٤) مبنيًّا للمفعول، قال الطحاوي: هذا القول شاذ، مخالف لما عليه الجم الغفير، والقياس يرده أيضًا؛ فإن الطلاق جائز من دون الحاكم فكذا الخلع، وقد حكم [عمر] (ب) بخلافه، قال البخاري (٥): وأجاز عمر الخلع دون السلطان. أي بغير إذنه، وقد وصله ابن أبي شيبة (٦) من طريق خيثمة بن عبد الرحمن، قال: أُتِي بشر بن مروان وهو والي المدينة في خلع كان بين رجل وامرأة فلم يجزه، فقال له عبد الله بن شهاب الخولاني: قد أُتي عمر في خلع فأجازه. والآية الكريمة خرجت على حكم الغالب، وقد أنكر قتادة هذا على الحسن، فأخرج سعيد بن أبي عروبة

стр. 2955

في كتاب النكاح عن قتادة عن الحسن فذكره. قال قتادة: وما أخذ الحسن هذا إلا عن زياد. يعني حين كان أميرًا لمعاوية على العراق، وزياد ليس أهلا لأن يقتدى به. وذهب أبو قلابة والحسن البصري ومحمد بن سيرين إلى أنه لا يجوز أخذ الفدية منها إلا أن يرى على بطنها رجلًا. أخرجه ابن أبي شيبة (١)، وكأنهم لم يبلغهم الحديث، واستدل ابن سيرين بظاهر قوله تعالى: ﴿إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢). وهو يحتمل أن يراد بالفاحشة النشوز، ولكن الظاهر أن المراد بها الزنى؛ لأن الآية الكريمة مراد بها أن الرجل لا يجوز له العضل، وهو المهاجرة لزوجته والإيذاء لها لتفتدي منه، إلا إذا أتت بفاحشة مبينة جاز له مهاجرتها لتفتدي منه، ولا يجب عليه أن يفضحها بالقذف لها، بل هذه الحالة أسلم فيجوز له أن يفتدي منها بما تراضيا عليه ويطلقها، فلا مخالفة للحديث، ويتأول ما ذهب إليه أبو قلابة بهذه الحال، وذهب ابن المنذر إلى أنه لا يجوز أخذ الفداء إلا إذا وقع الشقاق منهما جميعًا، وإن كان من أحدهما لم يجز، وهو موافق لظاهر الآيتين ولا يطابق الحديث، وأجاب الطبري (٣) عن ظاهر الآية بأنه نسب إليهما عدم الإقامة؛ لأنه إذا كان من الزوجة عدم القيام بحقوق الزوج التي أمرت بها، كان ذلك حاملًا للزوج على مثل ذلك بحسب الأغلب، فينسب إليهما جميعًا الفعل، فلا يتم الاستدلال. ودل الحديث على أنه يأخذ منها مثل ما سلم إليها أو قدر ذلك، وأما

стр. 2956

الزيادة عليه؛ فذهب عطاء وطاوس والزهري وأحمد وإسحاق والأوزاعي والهدوية إلى أنه لا يزداد شيئًا لهذا الحديث، وقد وقع عند ابن ماجه والبيهقي (١) في رواية سعيد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في آخر حديث الباب: فأمره أن يأخذ منها ولا يزداد. ورواه ابن جريج عن عطاء مرسلًا، وفي رواية ابن المبارك وعبد الوهاب عنه: أما الزيادة فلا. وزاد ابن المبارك عن مالك، وفي رواية الثوري: وكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطى. وذكر ذلك كله البيهقي (٢)، قال: ووصله الوليد بن مسلم عن ابن جريج بذكر ابن عباس فيه. أخرجه أبو الشيخ، قال: وهو غير محفوظ. يعني الصواب إرساله، وفي مرسل أبي الزبير عند الدارقطني والبيهقي (٣): "أتردين عليه حديقته التي أعطاك؟ ". قالت: نعم وزيادة. فقال النبي ﷺ : "أما الزيادة فلا, ولكن حديقته". قالت: نعم. فأخذ ماله، وخلى سبيلها. ورجال إسناده ثقات، ووقع في بعض طرقه: سمعه أبو الزبير من غير واحد. فإن كان فيهم صحابي فهو صحيح، وإلا فيعتضد بما سبق، لكن ليس فيه دلالة على أن ذلك شرط في الخلع، فقد يكون ذلك على سبيل المشورة رفقًا بها، وأخرج عبد الرزاق (٤) عن علي: لا يأخذ منها فوق ما أعطاها. وعن طاوس وعطاء والزهري مثله. وأخرج إسماعيل بن إسحاق عن ميمون بن مهران: من أخذ أكثر مما أعطى لم يسرِّح بإحسان. بل أخرج عبد الرزاق (٥)

стр. 2957

بسند صحيح عن سعيد بن المسيب قال: ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها، ليدع لها شيئًا. وذهب الشافعي ومالك إلى أنه تحل الزيادة إذا كان النشوز من قِبَلِ المرأة، قال مالك: لم أزل أسمع أن الفدية تجوز بالصداق وبأكثر منه لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. ولحديث حبيبة بنت سهل، فإذا كان النشوز من قِبَلِها حلَّ للزوج ما أخذ منها برضاها، وإن كان من قبله لم يحل له ويرد عليها إن أخذ، وتمضي الفرقة، وقال الشافعي: إذا كانت غير مؤدية لحقه (أ) كارهة له، حل له أن يأخذ؛ لأنّه يجوز له أخذ ما طابت نفسها [بغير] (ب) سبب، فبالسبب أولى. وقال إسماعيل القاضي (١): ادعى بعضهم أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. أي: بالصداق. وهو مردود لأنه لم يقيد في الآية بذلك، وحكى في "البحر" الخلاف في أنه يجوز أخذ الزيادة مطلقًا عن الحنفية والشافعية والمؤيد بالله والإمام يحيى، واحتُج لهم بحديث أبي سعيد الخدري (٢) أنه قال النبي ﷺ لأخته: "وزيديه". ذكره في "أصول الأحكام"، وقد روي عن عثمان أخرجه في "أمالي أبي القاسم بن بشْران" من طريق شريك عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ قالت: اختلعت من زوجي بما دون عقاص (٣)

стр. 2958

رأسي، فأجاز ذلك عثمان. وفي رواية البيهقي (١) قالت في آخره: فدفعت إليه كل شيء، حتى أجفت الباب بيني وبينه. فمعنى: دون العقاص، أي سوى، وقال سعيد بن منصور (٢): حدثنا هشام، عن مغيرة، عن إبراهيم: كان يقال: الخلع ما دون عقاص رأسها. وعن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يأخذ من المختلعة حتى عقاصها. ومن طريق قبيصة بن ذؤيب: إذا خلعها جاز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها. ثم تلا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. وسنده صحيح، وأخرج ابن سعد (٣) في ترجمة الربيع بنت معوذ من طبقات النساء أنها قالت لزوجها: لك كل شيء وفارقني. قال: قد فعلت. فأخذ والله كل شيء حتى فراشي، فجئت عثمان وهو محصور، فقال: الشرط أملك، خذ كل شيء حتى عقاص رأسها. قال ابن بطال (٤): ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للرجل أن يأخذ في الخلع أكثر مما أعطاها. وقال مالك: لم أر أحدا ممن يقتدى به يمنع ذلك، لكنه ليس من مكارم الأخلاق. قوله: "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة". الأمر بقوله: "اقبل"، و"طلقها". أمر إرشاد، والحديث فيه دلالة على أن الواقع من ثابت هو لفظ الطلاق دون الخلع، وأن المواطأة على رد المهر لأجل الطلاق يكون خلعًا، وأما إذا وقع بلفظ الخلع فمذهب الهدوية وهو قول للشافعي نص عليه في

стр. 2959

كتبه الجديدة، وقول جمهور العلماء: إنه طلاق، سواء وقع بلفظ الخلع وما يصرف منه، أو بغير لفظه بنيته. وقد نص الشافعي في الإملاء على أنه من صرائح الطلاق، وحجتهم أنه لفظ لا يملكه إلا الزوج فكان طلاقًا, ولو كان فسخًا لما جاز على غير الصداق كالإقالة، وهو يجوز عند الجمهور بما قل وكثر، فدل على أنه طلاق. والثاني: وهو قول للشافعي في القديم، وذكره في أحكام القرآن من الجديد أنه فسخ وليس بطلاق، وصح ذلك عن ابن عباس [أخرجه عبد الرزاق (١)، و] (أ) عن ابن الزبير، وروي عن عثمان وعلي وعكرمة وطاوس، وهو مشهور مذهب أحمد، وقد وقع في بعض طرق حديث الباب عند أبي داود والترمذي (٢) أنه أمرها أن تعتد بحيضة. وعند أبي داود والنسائي وابن ماجه (٣) من حديث الربيع بنت معوذ أن عثمان أمرها أن تعتد بحيضة، قالت: وتبع عثمان في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في امرأة ثابت بن قيصر. وفي رواية النسائي والطبراني (٤) من حديث الربيع بنت معوذ أن ثابت بن قيس ضرب امرأته. فذكر نحو حديث الباب، وقال في آخره: "خذ الذي لها، وخل سبيلها". قال: نعم، فأمرها أن تتربص حيضة

стр. 2960

و [تلحق] (أ) بأهلها. قال الخطابي (١): في هذا أقوى دليل لمن قال: إن الخلع فسخ، وليس بطلاق. إذ لو كان طلاقًا لم يكتف بحيضة [للعدة] (ب). انتهى. والإمام أحمد قال: لا بد من ثلاثة أقراء. مع أنه يقول: إن الخلع فسخ. والثالث: أنه لا يقع به فرقة إلا إذا نوى به الطلاق. نص عليه الشافعي في "الأم"، وقواه السبكي من المتأخرين، وذكر محمَّد بن نصر المروزي في كتاب "اختلاف العلماء" (٢) أنه آخر قوله الشافعي. والرابع: ذهب إليه أبو ثور، وهو أنه إن كان بلفظ الطلاق فهو طلاق، وإن كان بلفظ المفاداة فهو فسخ، وأجابوا عن الحديث بأنه مرسل ومضطرب؛ فإنه روي أنه جعل عدتها حيضة ونصفًا. وفائدة الخلاف؛ أنه هل تعتد به في التطليقات أم لا؟ وجمهور من رأى أنه طلاق يجعله بائنا, لأنه لو كان للزوج الرجعة لم يكن لافتدائها فائدة، وقال أبو ثور: إن لم يكن بلفظ الطلاق لم يكن له عليها رجعة، وإلا كان له الرجعة. واحتج من جعله طلاقًا بأن الفسخ إنما يقتضي الفرقة التي لا اختيار للزوج فيها، وهذا راجع إلى الاختيار فليس بفسخ، واحتج من لم يره طلاقًا بأن الله ﵎ ذكر في كتابه الطلاق فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. ثم

стр. 2961

ذكر الافتداء، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) الآية. فلو كان الافتداء طلاقًا لكان الطلاق الذي لا تحل له [فيه] (أ) إلا بعد زوج هو الطلاق الرابع، وسبب الخلاف، هل اقتران العوض بهذه الفرقة يخرجها من نوع فرقة الطلاق إلى نوع فرقة الفسخ أم لا يخرجها؟ وهذا مذهب ابن عباس ﵁. وعن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص أن رجلًا سأل ابن عباس ﵁ عن رجل طلق امرأته طلقتين، ثم اختلعها، قال: نعم لينكحها، فإن الخلع ليس بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء. ثم قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. ثم قرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. واختلف العلماء في أنه يلحق الطلاق الخلع أم لا؟ فذهب أبو حنيفة والثوري إلى أنه يلحق، واستنبطوا ذلك من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾. بعد (ب) ذكر الافتداء، واستدلوا بآثار ضعيفة، وذهب العترة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أن الخلع لا يلحقه طلاق، واحتجوا بما رواه عطاء (٢) عن ابن عباس وابن الزبير، أنهما قالا في المختلعة: لا يلزمها طلاق؛ (جـ لأنه طلاق جـ) ما لا يملك. وذهب الحسن ومالك إلى أنه

стр. 2962

يلحقها في القرب لا في البعد، يعني الوقت القريب، قال البصري: والقرب أن يطلقها بائنًا في المجلس لا بعده. وقال مالك: بل متصلًا بالخلع، والمنفصل بعيد. والجواب أنه لا تأثير للقرب والبعد. وجمهور العلماء إلى أن الزوج ليس له الرجعة على المختلعة في العدة وإلا خلا الافتداء عن الفائدة، وروي عن سعيد بن المسيب وابن شهاب أنهما قالا: إن رد لها ما أخذ منها في العدة أشهد على رجعتها (١). وفي "البحر" عنهما أنه يخير بين أخذ العوض ولا رجعة، أو تركه (أ) وله الرجعة، فمتى قبضه بطل خياره. انتهى. وأبو ثور يقول: له ذلك (ب) إن كان بلفظ الطلاق. والجمهور اتفقوا على أن له أن يتزوجها برضاها في عدتها، وقالت فرقة: لا يتزوجها هو ولا غيره في العدة. وسبب الخلاف؛ هل المنع من النكاح في العدة حكم تعبدي (ب) أو لأجل استبراء الرحم؟ وهذه الأحكام المتعلقة بالحديث، وقد ذكر الفقهاء للخلع شروطًا وألفاظًا وتقاسيم، تفصيلها في كتب الفروع، ورجوعها إلى أقيسة ونظائر من أحكام الطلاق والعقود، ولا شاهد على شيء من ذلك في الكتاب العزيز ولا في السنة النبوية وأحكام الصحابة، واعلم أن الخلع يسمى فدية وافتداء وصلحًا ومبارأة، وهي تئول إلى معنى واحد، وهو بذل المرأة

стр. 2963

العوض على طلاقها (أإلا أن أ) اسم الخلع يختص ببذلها جميع ما أعطاها، والصلح ببعضه، والفدية بأكثره، والمبارأة بإسقاطها عنه حقًّا لها عليه. والله أعلم.

стр. 2964

البدر التمام شرح بلوغ المرام للإمام القاضي الحسين بن محمد المغربي (١٠٤٨ هـ -١١١٩ هـ) تحقيق علي بن عبد الله الزبن عضو هيئة التدريس بجامعة الإِمام محمَّد بن سعود الإِسلامية قدم له فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى الجزء الثامن

стр. 2965

البدر التمام شرح بُلوغ المرام

стр. 2966

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٨ - هـ - ٢٠٠٧ م

стр. 2967

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الطلاق الطلاق في اللغة: حل الوثاق، مشتق من الإطلاق وهو الإرسال والترك، وفلان طلق اليد بالخير، أي كثير البذل. وفي الشرع: حل عقدة التزويج (أ). وهو موافق لبعض مدلوله اللغوي، قال إمام الحرمين (١): هو لفظ جاهلي ورد الشرع بتقريره. وطَلقت المرأة بفتح الطاء وضم اللام -وبفتحها أيضًا- وهو أفصح، وبضم الطاء وكسر اللام المثقلة، فإن خففت فهو خاص بالولادة، والمضارع فيهما (ب) بضم اللام، والمصدر في الولادة: طَلْقًا ساكنة اللام، فهي طالق فيهما. وهو ينقسم إلى حرام ومكروه وواجب ومندوب و (جـ) جائز. أما (د) الأول: فهو الطلاق البدعي، والثاني: إذا وقع بغير سبب مع استقامة الحال، والثالث: إذا كانت غير عفيفة، وعند البعض أن ذلك مثال للمندوب، وأن الواجب في صورة الشقاق بينهما ورأى ذلك الحكمان، والرابع: قال النووي (٢): لا

стр. 2968

يوجد مثاله. وصوّره غيره بما إذا كان لا يريدها ولا تطيب نفسه أن يتحمل مؤنتها من غير حصول غرض الاستمتاع، فقد صرح الجويني (١) (أأن الطلاق أ) في هذه الصورة لا يكره. ٨٨٣ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه الحاكم، ورجح أبو حاتم إرساله (٢). أخرجوه (ب) من حديث محارب بن دثار عن ابن عمر، [وأخرجه] (جـ) أبو داود والبيهقي (٣) مرسلًا ليس فيه ابن عمر، ورجح أبو حاتم والدارقطني في "العلل" (٤) والبيهقي المرسل، وأورده ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٥) بإسناد ابن ماجه، وضعفه بعبيد الله بن الوليد [الوصَّافي] (د)، وهو ضعيف (٦)،

стр. 2969

ولكنه لم ينفرد به -فقد تابعه معرِّف بن واصل (١) - إلا أن المنفرد عنه بوصله محمَّد بن خالد الوهْبيُّ (٢). ورواه الدارقطني (٣) من حديث مكحول عن معاذ بن جبل بلفظ: "ما خلق الله شيئًا أبغض إليه من الطلاق". وإسناده ضعيف ومنقطع أيضًا. الحديث فيه دلالة على أن ثَمَّ أشياء من الحلال مبغوضة إلى الله تعالى، وأن الطلاق أبغضها، فيكون البغض مجازا عن كون ذلك لا ثواب ولا [قربة من فعله] (أ)، وحق العاقل أن يختار الأعمال التي تكون وسيلة إلى نيل رضا الله تعالى مبعدة عن المساوئ، وقد مثَّل بعضهم للمبغوض (٥) من الحلال: الصلاة المكتوبة في غير المسجد لغير عذر. والله أعلم. ٨٨٤ - وعن ابن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "مُرْه فلْيراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهُر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمسّ، فتلك العِدّة التي أمر الله أن تُطلَّق

стр. 2970

لها النساء". متفق عليه (١). وفي رواية لمسلم (٢): " [مُره] (أ) فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا أو حاملًا". وفي أخرى للبخاري (٣): "وحُسبت تطليقة". وفي رواية لمسلم (٤): قال ابن عمر: أمَّا أنت (٥) طلقتها واحدة أو اثنتين، فإن رسول الله ﷺ أمرني أن أراجعها، ثم أُمسكَها حتى تحيض حيضة أخرى، [ثم أمهلها حتى تطهر، ثم أطلقَها قبل أن أمسها] (ب)، وأما أنت طلقتها ثلاثًا، فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك. وفي رواية أخرى (٦): قال عبد الله بن عمر ﵁: فرَدَّها عليَّ، ولم يرها (جـ) شيئًا وقال: "إذا طهَرتْ فليطلق أو ليمسك". قوله: طلق امرأته. قال النووي (٧) نقلًا عن ابن باطيش: اسمها آمنة

стр. 2971

بنت غفار. قال المصنف ﵀ (١): [ومستند] (أ) ابن باطيش في "أحاديث قتيبة" جمع سعيد [العيَّار] (ب) بسند فيه ابن لهيعة، أنها آمنة بنت عمار -بعين مفتوحة ثم ميم مثقلة- والأول أقوى، وفي "مسند أحمد" (٢) -بسند على شرط الشيخين- أن عبد الله طلق امرأته النوار. ويمكن الجمع بأن اسمها آمنة ولقبها النوار، [وأوردها الذهبي في آمنة، وأبوها غفار. [ضبطه ابن نقطة] (جـ) (٣) بكسر المعجمة وتخفيف الفاء. وزاد الليث عن نافع: تطليقة واحدة. أخرجه مسلم (٤). من طريق ابن سيرين (٥) قال: مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهم أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فأُمر أن يراجعها، فكنت لا أتهمهم، ولا أعرف وجه الحديث حتى لقيت أبا غلَّاب يونس بن جبير، وكان ذا ثَبَت (٦)، فحدثني أنه سأل ابن عمر، فحدثه أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض.

стр. 2972

وأخرجه الدارقطني والبيهقي (١) من طريق الشعبي قال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض واحدة. ومن طريق عطاء الخراساني عن الحسن عن ابن عمر أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض (٢). قوله: فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك. جاء في روايات في "الصحيحين" (٣): فأتى عمر النبي ﷺ فذكر له ذلك. وأخرجه الدارقطني (٤)، وزاد البخاري (٥) في التفسير عن سالم أن ابن عمر أخبره. الحديث، وفيه زيادة: فتغيظ فيه رسول الله ﷺ . ولم تكن هذه الزيادة في غير رواية سالم، وهو أجلُّ من روى الحديث عن ابن عمر. وفي الحديث إشعار بأنهم قد فهموا [النهي عن] (أ) الطلاق في الحيض، وإلا لم يتغيظ النبي ﷺ ولم يبادر عمر بالسؤال ليتعرف ما يكون حكم هذا النهي. وقال ابن دقيق العيد: تغيظ النبي ﷺ إما لأن المعنى الذي يقتضي النهي كان ظاهرا، أو لأنه كان ينبغي مشاورة النبي ﷺ . وقوله: "مُره فليراجعها". فيه دلالة على أن ابن عمر مأمور بالمراجعة من قِبل النبي ﷺ لظهور القرينة بأن الأمر ليس باختيار عمر لابنه، وإنما هو

стр. 2973

لأجل كونه متعبدًا بالحكم، فيكون [عمر] (أ) مبلِّغا عن النبي ﷺ الحكم، فهو مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١). ونحوه، فنحن مأمورون من الله تعالى بإقامة الصلاة، والنبي ﷺ مبلِّغ، فلا يقال: هذا متنزل على الخلاف في مسألة الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا بالشيء كما اختاره ابن الحاجب. واختلف العلماء في وجوب المراجعة، فذهب مالك إلى وجوب الرجعة ورواية عن أحمد، والمشهور عنه -وهو قول الجمهور- أنها مستحبة، قالوا: لأن ابتداء النكاح لا يجب، فاستدامته كذلك، فكان القياس قرينة على أن الأمر للندب، وصحح صاحب "الهداية" (٢) من الحنفية أنها واجبة، والحجة ورود الأمر، ولأن الطلاق لما كان محرّما في الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة. فلو تمادى الذي طلق في الحيض حتى طهرت، قال مالك وأكثر أصحابه: يجبر على الرجعة أيضًا. وقال أشهب منهم: إذا طهرت لم تجب الرجعة، وأما بعد انقضاء العدة فاتفاق أنه لا رجعة، وكذا لو طلقها في طهر قد وطئها فيه لا رجعة عليه اتفاقًا، كذا نقله ابن بطال (٣) وغيره. قال المصنف (٤) رحمه الله تعالى: بل الخلاف فيه ثابت قد حكاه

стр. 2974

الحَنَّاطي (أ) من الشافعية وجهًا. واتفقوا على أنه لو طلق قبل الدخول وهي حائض لم يؤمر بالمراجعة، إلا ما نقل عن زفر فقال: يؤمر بالمراجعة. قوله: "ثم ليمسكهما". أي يستمر بها في عصمته. قوله: "حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر". وقع في هذه وفي غيرها أن الطلاق في الطهر الذي بعد الحيضة التي لا طلاق فيها، واختلف العلماء في جواز الطلاق في الطهر الأول؛ فذهب إلى أنه يحرم الطلاق في ذلك الطهر مالك (١)، وللشافعية (ب) وجهان أصحهما المنع، وبه قطع المتُولِّي، وهو الذي يقتضيه ظاهر الأمر. وقال ابن تيمية في "المحرر" (٢): ولا يطلِّقها في الطهر المتعقب له فإنه بدعة. وذهب أبو حنيفة، وعن أحمد، أن الانتظار إلى الطهر الثاني مستحب، والحجة لذلك ما أخرجه مسلم (٣) من رواية محمَّد بن عبد الرحمن عن سالم بلفظ: "مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا". قال الشافعي: غير نافع إنما روى: "حتى تطهر من الحيضة التي طلقها فيها، [ثم] (جـ) إن شاء أمسك، وإن شاء طلق". رواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين وسالم. ولأن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا زال زال موجب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في الطهر الذي

стр. 2975

بعده، وكما يجوز في الطهر الذي لم يتقدم طلاق في حيضته. وأجيب عن ذلك بأن رواية نافع فيها زيادة، وهي زيادة من ثقة حافظ مقبولة، مع أنه قد روى الزهريّ عن سالم (١) موافقته لرواية نافع، فتُحمل الرواية على اختصار الراوي، وعن المناسبة المذكورة بأنها معارضة للنص، ومعارضة بمناسبة أقوى منها، وهو أن الغرض من ذلك إيواء المرأة ولذلك سماه إمساكا، ويدل على ذلك أنه قد ورد في رواية عبد الحميد بن جعفر: "مُره أن يراجعها، فإذا طهرت مسها، حتى إذا طهرت أخرى فإن شاء طلقها وإن شاء أمسكها" (٢). فإذا كان مأمورا بأن يمسها في ذلك الطهر، فكيف [يبيح] (أ) له أن يطلقها فيه وقد ثبت النهي عن الطلاق في طهر جامعها فيه؟ وقال الشافعي: يحتمل أن ذلك ليكون تطليقها وهي تعلم عدتها إمام يحمل أو حيض، أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل وهو غير جاهل بما صنع إذ يرغب فيمسك للحمل، أو ليكون إن كانت سألت الطلاق غير حامل أن تكف (ب) عنه. وقيل: الحكمة فيه ألا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فإذا أمسكها زمانا يحل له فيه طلاقها ظهرت فائدة الرجعة؛ لأنه قد يجامعها مع طول المدة فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها فيمسكها. وقيل: إن الطهر الذي يلي

стр. 2976

الحيضة التي طلقها [فيها] (أ) كقرء واحد، فلو طلقها في الطهر كان كمن طلق في الحيض، فلزم أن يتأخر إلى الطهر الثاني. قوله: "قبل أن يمس". فيه دلالة على أن الطلاق في الطهر بعد أن مس يكون بدعيا حراما، وقد صرح بذلك الجمهور، وقال بعض المالكية: إنه يجبر على الرجعة إذا طلق فيه كما إذا طلقها وهي حائض. والمشهور عندهم أن ذلك في الحائض دون الطاهر، وقالوا: إذا طلقها وهي حائض يجبر على الرجعة، فإن امتنع أدبه الحاكم، فإن أصر ارتجع الحاكم عليه. وهل يجوز له وطؤها بذلك الارتجاع؟ في ذلك روايتان لهم أصحهما الجواز. وداود يقول: يجبر على الرجعة إذا طلقها حائضا, ولا يجبر إذا طلقها نفساء. وهو جمود منه على لفظ الدليل من غير اعتبار القياس، والجمهور أن النفاس كالحيض في جميع أحكامه. واختلف الفقهاء في المراد بقوله: "طاهرا"؛ في أن المراد به انقطاع الدم، أو لا بد من الغسل؟ فعن أحمد روايتان، والراجح اعتبار الغسل (ب)؛ لما

стр. 2977

في رواية النسائي (١): "فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها، وإن شاء أن يمسكها فليمسكها". وهذا مفسِّر لقوله: "فإذا طهرت". فليحمل عليه، ويتفرع من هذا أن العدة هل تنقضي بانقطاع الدم وترتفع الرجعة أو لا بد من الاغتسال؟ فيه خلاف أيضًا. قوله: "فتلك العدة التي أمر الله". أي أذن، وهذا بيان لمعنى قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢). بل في رواية مسلم (٣): قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الآية. وفي الحديث دلالة على أن الأقراء الأطهار، للأمر بطلاقها في الطهر، وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. أي وقت ابتداء عدتهن. ومن قال: هي الحيف. يقول في معنى الآية: مستقبلات لعدتهن. ولكن الحديث يرد عليه. قوله: "طاهرًا أو حاملًا". فيه دلالة على أن طلاق الحامل سُني، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وعن أحمد رواية أنه ليس بسني ولا بدعي. قوله: "وحُسبت تطليقة". هو بضم الحاء مبني للمفعول من الحساب، وهو جعلها واحدة من الثلاث الطلقات التي يملك الزوج، ولم يصرَّح

стр. 2978

بالفاعل، وقد صُرِّح به في غير هذه الرواية كما في "مسند ابن وهب" (١)، أخرجه عن ابن أبي ذئب وزاد في آخره: قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي ﷺ : "وهي واحدة". قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان: سمع سالما يحدث عن أبيه عن النبي ﷺ بذلك. وأخرجه الدارقطني (٢) من [طريق] (أ) يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب وابن إسحاق جميعًا عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "هي واحدة". وعند الدارقطني (٣) في رواية شعبة عن أنس بن سيرين عن ابن عمر في القصة: فقال عمر: يا رسول الله، أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: "نعم". ورجاله إلى شعبة ثقات. وعنده (٤) من طريق [سعيد] (ب) بن عبد الرحمن الجمحي عن عبيد الله بن [عمر] (جـ) عن نافع عن ابن عمر أن رجلًا قال (٥): إني طلقت امرأتي البتة وهي حائض. فقال (٦): عصيت ربك وفارقت امرأتك. قال: فإن رسول الله ﷺ أمر ابن عمر أن يراجع امرأته. قال: إنه

стр. 2979

أمر ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقي له، وأنت لم تُبق ما ترتجع به امرأتك. فظهر من هذا أن الحاسب هو النبي ﷺ ؛ لأن القصة واحدة، فبعض الروايات تفسر بعضا. والحديث فيه دلالة على وقوع الطلاق على الحائض، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من السلف والخلف، والخلاف فيه لطاوس وخِلَاس بن عمرو، وحكاه الخطابي (١) عن الخوارج والروافض، وحكاه في "البحر" عن الباقر والصادق والناصر وابن عليه وهشام بن الحكم وأبي عبيدة. ابن عبد البر (٢): لا يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال -يعني الآن- قال: وروي مثله عن بعض التابعين، وهو شذوذ. وحكاه ابن العربي (٣) وغيره عن ابن عُلَيَّة، يعني إبراهيم بن إسماعيل بن علية الذي قال الشافعي (٤) في حقه: إبراهيم ضال، جلس في باب الضوال يضل الناس. وكان بمصر، وله مسائل يتفرد بها، وكان متفقهاء المعتزلة، وقد غلط فيه من ظن أن المنقول عنه المسائل الشاذة أبوه، وحاشاه فإنه من كبار أهل السنة. ونصر هذا المذهب ابن حزم الظاهري، ورجحه ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، واحتجوا بما جاء في رواية مسلم وأبي داود والنسائي (٥) في القصة وفيه: فقال له رسول الله ﷺ : "ليراجعها". وقال: "إذا طهرت

стр. 2980

فليطلق أو ليمسك (أ) ". ولفظ مسلم والنسائي وأبي داود: فرَدَّها علي. زاد أبو داود: ولم يرها شيئًا. وإسناده على شرط الصحيح، فإن مسلما أخرجه من رواية حجاج بن محمَّد عن ابن جريج، وساقه على لفظه، ثم أخرجه من رواية أبي عاصم عنه وقال نحو هذه القصة، ثم أخرجه من رواية عبد الرزاق عن ابن جريج قال مثل حديث حجاج، وفيه بعض الزيادة، فأشار إلى هذه الزيادة ولعله طوى ذكرها عمدا، وقد أخرج أحمد (١) الحديث عن روح بن عبادة عن ابن جريج فذكرها، فلا يتخيل انفراد عبد الرزاق بها. قال أبو داود (٢): روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة، وأحاديثهم كلها على خلاف ما قال أبو الزبير. وقال ابن عبد البر (٣): قوله: ولم يرها شيئًا. منكر لم يقله غير أبي الزبير (٤)، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بمن هو أثبت منه؟! ولو صح فمعناه عندي -والله أعلم- ولم يرها شيئًا مستقيما؛ لكونها لم تقع على السُّنة.
следующие страницы →