الحيضة التي طلقها [فيها] (أ) كقرء واحد، فلو طلقها في الطهر كان كمن طلق في الحيض، فلزم أن يتأخر إلى الطهر الثاني.
قوله: "قبل أن يمس". فيه دلالة على أن الطلاق في الطهر بعد أن مس يكون بدعيا حراما، وقد صرح بذلك الجمهور، وقال بعض المالكية: إنه يجبر على الرجعة إذا طلق فيه كما إذا طلقها وهي حائض. والمشهور عندهم أن ذلك في الحائض دون الطاهر، وقالوا: إذا طلقها وهي حائض يجبر على الرجعة، فإن امتنع أدبه الحاكم، فإن أصر ارتجع الحاكم عليه. وهل يجوز له وطؤها بذلك الارتجاع؟ في ذلك روايتان لهم أصحهما الجواز. وداود يقول: يجبر على الرجعة إذا طلقها حائضا, ولا يجبر إذا طلقها نفساء. وهو جمود منه على لفظ الدليل من غير اعتبار القياس، والجمهور أن النفاس كالحيض في جميع أحكامه.
واختلف الفقهاء في المراد بقوله: "طاهرا"؛ في أن المراد به انقطاع الدم، أو لا بد من الغسل؟ فعن أحمد روايتان، والراجح اعتبار الغسل (ب)؛ لما
стр. 2977
في رواية النسائي (١): "فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها، وإن شاء أن يمسكها فليمسكها". وهذا مفسِّر لقوله: "فإذا طهرت". فليحمل عليه، ويتفرع من هذا أن العدة هل تنقضي بانقطاع الدم وترتفع الرجعة أو لا بد من الاغتسال؟ فيه خلاف أيضًا.
قوله: "فتلك العدة التي أمر الله". أي أذن، وهذا بيان لمعنى قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢). بل في رواية مسلم (٣): قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الآية.
وفي الحديث دلالة على أن الأقراء الأطهار، للأمر بطلاقها في الطهر، وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. أي وقت ابتداء عدتهن. ومن قال: هي الحيف. يقول في معنى الآية: مستقبلات لعدتهن. ولكن الحديث يرد عليه.
قوله: "طاهرًا أو حاملًا". فيه دلالة على أن طلاق الحامل سُني، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وعن أحمد رواية أنه ليس بسني ولا بدعي.
قوله: "وحُسبت تطليقة". هو بضم الحاء مبني للمفعول من الحساب، وهو جعلها واحدة من الثلاث الطلقات التي يملك الزوج، ولم يصرَّح
стр. 2978
بالفاعل، وقد صُرِّح به في غير هذه الرواية كما في "مسند ابن وهب" (١)، أخرجه عن ابن أبي ذئب وزاد في آخره: قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي ﷺ : "وهي واحدة". قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان: سمع سالما يحدث عن أبيه عن النبي ﷺ بذلك.
وأخرجه الدارقطني (٢) من [طريق] (أ) يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب وابن إسحاق جميعًا عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "هي واحدة". وعند الدارقطني (٣) في رواية شعبة عن أنس بن سيرين عن ابن عمر في القصة: فقال عمر: يا رسول الله، أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: "نعم". ورجاله إلى شعبة ثقات. وعنده (٤) من طريق [سعيد] (ب) بن عبد الرحمن الجمحي عن عبيد الله بن [عمر] (جـ) عن نافع عن ابن عمر أن رجلًا قال (٥): إني طلقت امرأتي البتة وهي حائض. فقال (٦): عصيت ربك وفارقت امرأتك. قال: فإن رسول الله ﷺ أمر ابن عمر أن يراجع امرأته. قال: إنه
стр. 2979
أمر ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقي له، وأنت لم تُبق ما ترتجع به امرأتك.
فظهر من هذا أن الحاسب هو النبي ﷺ ؛ لأن القصة واحدة، فبعض الروايات تفسر بعضا.
والحديث فيه دلالة على وقوع الطلاق على الحائض، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من السلف والخلف، والخلاف فيه لطاوس وخِلَاس بن عمرو، وحكاه الخطابي (١) عن الخوارج والروافض، وحكاه في "البحر" عن الباقر والصادق والناصر وابن عليه وهشام بن الحكم وأبي عبيدة. ابن عبد البر (٢): لا يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال -يعني الآن- قال: وروي مثله عن بعض التابعين، وهو شذوذ. وحكاه ابن العربي (٣) وغيره عن ابن عُلَيَّة، يعني إبراهيم بن إسماعيل بن علية الذي قال الشافعي (٤) في حقه: إبراهيم ضال، جلس في باب الضوال يضل الناس. وكان بمصر، وله مسائل يتفرد بها، وكان متفقهاء المعتزلة، وقد غلط فيه من ظن أن المنقول عنه المسائل الشاذة أبوه، وحاشاه فإنه من كبار أهل السنة.
ونصر هذا المذهب ابن حزم الظاهري، ورجحه ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، واحتجوا بما جاء في رواية مسلم وأبي داود والنسائي (٥) في القصة وفيه: فقال له رسول الله ﷺ : "ليراجعها". وقال: "إذا طهرت
стр. 2980
فليطلق أو ليمسك (أ) ". ولفظ مسلم والنسائي وأبي داود: فرَدَّها علي. زاد أبو داود: ولم يرها شيئًا. وإسناده على شرط الصحيح، فإن مسلما أخرجه من رواية حجاج بن محمَّد عن ابن جريج، وساقه على لفظه، ثم أخرجه من رواية أبي عاصم عنه وقال نحو هذه القصة، ثم أخرجه من رواية عبد الرزاق عن ابن جريج قال مثل حديث حجاج، وفيه بعض الزيادة، فأشار إلى هذه الزيادة ولعله طوى ذكرها عمدا، وقد أخرج أحمد (١) الحديث عن روح بن عبادة عن ابن جريج فذكرها، فلا يتخيل انفراد عبد الرزاق بها.
قال أبو داود (٢): روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة، وأحاديثهم كلها على خلاف ما قال أبو الزبير.
وقال ابن عبد البر (٣): قوله: ولم يرها شيئًا. منكر لم يقله غير أبي الزبير (٤)، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بمن هو أثبت منه؟! ولو صح فمعناه عندي -والله أعلم- ولم يرها شيئًا مستقيما؛ لكونها لم تقع على السُّنة.
стр. 2981
وقال الخطابي (١): قال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثًا أنكر من هذا، ويحتمل أن معناه: لم يرها شيئًا تحرم معه المراجعة، أو لم يرها شيئًا جائزا في السنة ماضيا في الاختيار، وإن كان لازمًا له مع الكراهة.
ونقل البيهقي في "المعرفة" (٢) عن الشافعي أنه ذكر رواية أبي الزبير فقال: نافع أثبت من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا تخالفا، وقد وافق نافعا غيره من أهل الثَّبَت. قال: وبسط الشافعي القول في ذلك، وحمل قوله: ولم يرها شيئًا. على أنه لم يعدّها شيئا صوابا غير خطأ، بل يؤمر صاحبه ألَّا يقيم عليه؛ لأنه أمره بالمراجعة، ولو كان طلقها طاهرا لم يؤمر بذلك، فهو كما يقال للرجل إذا أخطأ في فعله، أو أخطأ في جوابه: لم يصنع شيئًا. أي لم يصنع شيئًا صوابا. قالوا: فقوله: لم يرها شيئًا. يدل (أ) على عدم الاعتداد بتلك الطلقة، ودعوى تفرد أبي الزبير غير مسلَّمة، فقد رواه عبد الوهاب الثقفي عن [عبيد] (ب) الله عن نافع أن ابن عمر قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر: لا يعتد بذلك. أخرجه محمَّد ابن عبد السلام الخشني (جـ) عن بندار عنه، وإسناده صحيح، وأخرجه (د) ابن
стр. 2982
حزم (١). [وعن] (أ) الشعبي بإسناد صحيح (٢) قال: إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض لم يعتدّ بها في قول ابن عمر. وروى سعيد بن منصور (٣) من طريق عبد الله بن مالك عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله ﷺ : "ليس ذلك بشيء". وهذه متابعات لأبي الزبير. واحتج لهم في "البحر" بقوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" (٤). وقوله ﷺ "البدعة شَرَك الشِّرك".
واحتج ابن القيم بما حاصله أنه منهي عن الطلاق في حال الحيض، وقال (٥): الطلاق ينقسم إلى حلال وحرام، فالقياس أن حرامه باطل كالنكاح وسائر العقود، وأيضًا فهو طلاق منع منه الشرع، فأفاد منعه عدم جواز إيقاعه، فكذلك يفيد عدم نفوذه، وإلا لم يكن للمنع فائدة؛ لأن الزوج لو وكل رجلًا أن يطلق امرأته على وجه، فطلقها على غير الوجه المأذون فيه، لم ينفُذ، فكذلك لم يأذن الشارع للمكلف في الطلاق إلا إذا كان مباحا، فإذا طلق طلاقا محرما لم يصح، وأيضًا فكل ما حرمه الله من العقود مطلوبُ الإعدام، فالحكم ببطلان ما حرمه أقرب إلى تحصيل هذا المطلوب.
стр. 2983
وتأول ابن حزم (١) الأمر بالمراجعة بأن المراد بها الارتجاع إلى ما كان عليه من العِشرة؛ لأنه كان قد اجتنبها, وليس المراد الرجعة بالطلاق.
والجواب عما احتجوا: أما الحديث فرواية الاعتداد أقوى وأصرح لا تحتمل التأويل، ورواية أبي الزبير محتملة التأويل كما تقدم عن الشافعي، ويحتمل -كما قال ابن عبد البر (٢) - أنه لم يرد بقوله: لم يرها شيئًا. أي الطلقة، وإنما الضمير عائد إلى الحيضة، أي لم ير الاعتداد بتلك الحيضة في العدة، يعني أن الطلاق إذا كان في الحيضة كانت العدة من الحيضة المستقبلة، وقد روي عن ابن عمر هذا منصوصا أنه يقع عليها الطلاق ولا تعتد بتلك الحيضة (٣). وهذا التأويل يتعين المصير إليه لصحة الرواية.
وأما الاحتجاج بـ: "كل بدعة ضلالة". ونحوه، فالجواب عنه بأن مضمونه أنه منهي عن ذلك، والنهي يقتضي الفساد، وليس ذلك بمسلّم مطلقا، والمختار أن اقتضاءه الفساد إذا كان النهي لذات المنهي عنه (أ) أو لوصف ملازم، وأما [إذا كان الوصف مفارقا] (ب) فهو لا يقتضي الفساد، كالنهي عن البيع وقت النداء للجمعة، وهنا النهي عن الطلاق لوصف يفارق الطلاق، وهو الحيض، وإن سلمنا ذلك فهو عام، وهذا الذي نحن فيه
стр. 2984
خاص قام الدليل على اعتباره. وأجاب الإِمام المهدي بأن البدعة المراد بها ما كان في الاعتقاد لا في العمليات.
وأما ما احتج به ابن القيم، فالجواب عنه بأنه مبني على أن النهي يقتضي الفساد، وقد عرفت ما فيه.
وقال ابن القيم: لم يرد التصريح بأن ابن عمر احتسب بتلك الطلقة إلا في رواية سعيد بن جبير عنه عند البخاري (١)، وليس فيها تصريح بالرفع. قال: [فانفراد] (أ) سعيد بن جبير بذلك كانفراد أبي الزبير بقوله: لم يرها شيئًا. فإما أن يتساقطا، وإما أن ترجح رواية أبي الزبير لتصريحها بالرفع، وتُحمل رواية سعيد بن جبير على أن أباه هو الذي حسبها عليه بعد موت النبي ﷺ في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث، بعد أن كانوا في زمن النبي ﷺ لا يحتسب عليهم به ثلاثًا إذا كان بلفظ واحد.
والجواب عنه ما مر من طرق متعددة أن النبي ﷺ حسبها عليه طلقة، وما في "صحيح مسلم" (٢) من رواية أنس بن سيرين ولفظه: سألت ابن عمر عن امرأته التي طلق، فقال: [طلقتها] (ب) وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ فقال: "مُرْه فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها لطهرها". قال:
стр. 2985
فراجعتها، ثم طلقتها لطهرها. قلت: فاعتددت (أ) بتلك الطلقة وهي حائض؟ فقال: ما لي لا أعتد بها، وإن كنتُ عجزتُ واستحمقت؟! وعند مسلم (١) أيضًا من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه عن سالم في حديث الباب: وكان عبد الله بن عمر طلقها تطليقة فحسبت من طلاقها، فراجعها كما أمره رسول الله ﷺ وله (٢) من رواية الزُّبيدي عن ابن شهاب، قال ابن عمر: فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلقتها. وعند الشافعي (٣) عن مسلم بن خالد عن ابن جريج أنهم أرسلوا إلى نافع يسألونه: هل حسبت تطليقة ابن عمر على عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم. فظهر بطلان ما قاله (ب) ابن القيم رحمه الله تعالى.
ودل الحديث على تحريم الطلاق في الحيض.
وأن الرجعة يستقل بها الزوج من دون رضا المرأة والولي؛ لأنه جعل ذلك إليه، ولقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٤).
وأن الأب يقوم عن ابنه البالغ الرشيد في الأمور التي تقع له مما يحتشم الابن من ذكره، وينفي عنه ما لعله يلحقه من العقاب على فعله شفقة منه وبرًّا.
стр. 2986
وأن طلاق الطاهر هو الذي لا يلام عليه.
وأن الحامل لا تحيض؛ لقوله: "ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا". فدل على أن الحامل لا تحيض؛ لإطلاق الطلاق فيه. وأجيب بأن حيض الحامل لما لم يكن له أثر في تطويل العدة لم يعتبر؛ لأن عدتها بوضع الحمل.
وأن الأقراء في العدة هي الأطهار.
وقال الغزالي (١): يستثنى من تحريم طلاق الحائض طلاق المخالعة؛ لأن النبي ﷺ لم يستفصل حال امرأة ثابت هل هي (أ) طاهر أو حائض مع أمره له بالطلاق. والشافعي يذهب إلى أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزَّل منزلة العموم في الأقوال. قال الإِمام المهدي جوابا: لنا عموم: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢). ولم يفصّل، وتركه ﷺ البحث اتكالا على الآية أو لغير ذلك، أو عرف طهرها.
وقال أيضًا: لا بدعة في طلاق المؤلي منها لتضيق الطلاق عند المطالبة. قال الإِمام المهدي: لنا ما مرَّ، ولكنه مع تسليم القاعدة المذكورة يكون بين الدليلينِ عموم وخصوص من وجه، فالتعارض حاصل إلا أن يظهر مرجح لأحدهما.
وظهر أن طلاق الحامل والآيسة من الحيض والضهياء (٣) والصغيرة لا
стр. 2987
يتقيد (أ) بوقت؛ أما الحامل فقد تقدم الكلام فيه، وأما الصغيرة والآيسة والضهياء فلعدم المانع إلا أنه يستحب الكف عن جماعها شهرا عند العترة والحنفية والشافعية لقيام الشهور فيها مقام الحيض، وقال زفر: بل يجب كوجوب الفصل بين الجماع والطلاق في ذوات الحيض بحيضة. ويجاب عليه بأنه إنما وجب هناك ليتقرر براءة الرحم، وهي هنا متقررة.
قوله في رواية مسلم: وأما أنت طلقتها ثلاثًا فقد عصيت ربك. الحديث. فيه دلالة على أن تطليق الحائض ثلاثا عصيان؛ لأنه قد وقع الطلاق، ولم يمكن تداركه بالرجعة (ب)، وهو يحتمل أن العصيان وقع بسبب الطلاق في وقت الحيض وحده، أو مع ذلك اعتبار كونه ثلاثًا، والظاهر أنه مجموع الأمرين في هذه الرواية, والمراد أن العصيان في هذه الصورة عصيان بليغ لا يمكن تداركه بالرجعة، وأما إذا كانت واحدة أو اثنتين فهو وإن كان عصيانا لكنه يمكن التدارك فيه بالرجعة.
وفيه دلالة على وقوع الثلاث الطلقات وإن كانت بلفظ واحد، وسيأتي الكلام فيه.
ويؤخذ من هذا أن إرسال الثلاث بدعة، وسيأتي أيضًا قريبًا.
٨٨٥ - وعن ابن عباس ﵄ قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة،
стр. 2988
فقال عمر بن الخطاب ﵁: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم. فأمضاه عليهم. رواه مسلم (١).
الحديث أخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس، وأخرج من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم. ومن طريق حماد بن زيد (٢) عن أيوب عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ واحدة؟ قال: كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم. وهذه الطريق الأخيرة أخرجها أبو داود (٣)، ولكنه لم يسم إبراهيم بن ميسرة، وقال بدله: عن غير واحد. ولفظه: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة؟
واعلم أنه قد استشكل هذا الحديث، بأنه كيف يصح من عمر ﵁ أن يخالف الأمر الذي كان في أيام النبي ﷺ إلى وفاته، وتلاه عصر الصديق وصدر خلافته، وظاهره الإجماع على ذلك، وحاشا على مقام عمر واقتفائه للسنة النبوية أن يخالف ويشرع حكمًا غير ما كان في عهد النبوة؟! وأجيب عن ذلك بوجوه؛ أولها: أن ذلك الحكم كان مشروعًا ثم
стр. 2989
نسخ، وناسخه وارد في عصر النبوة، ولكنه لم يشتهر النسخ، وبقي على الحكم المنسوخ جمع ممن لم يطلع على الناسخ في عصر النبي ﷺ وفي عصر أبي بكر وفي صدر خلافة عمر، ثم اشتهر الإنكار من عمر، والعمل بالناسخ، وإعلام الكافة به (أ)، وهذا غير بعيد كما في حديث تحريم المتعة (١)، ولا يلزم من هذا أن يكون قد وقع العمل بالخطأ في عهد النبي ﷺ ، إذ لا محذور في أن يعمل من لم يبلغه الناسخ بالمنسوخ، وإنما المحذور أن يكون النبي ﷺ قرر ذلك، إذ لا يجوز منه التقرير على محرم، ولم يكن في لفظ الرواية ما يدل على ذلك بعد ورود الناسخ، وما روي مما يدل عليه يحمل أنه وقع قبل نسخ الحكم ولم ينقل الراوي ذلك (أ) كما هو في كثير من السنة، ولذلك كان لمعرفة أسباب الوقائع فوائد جزيلة، ولا يعترض بأن وقوع ذلك في عصر أبي بكر ظاهره الإجماع، ولا يجوز الإجماع على الخطأ، لأنا نقول: لم يكن في الرواية ما يقضي بالإجماع، وإنما ظاهرها العمل بذلك، ويجوز أن يكون بقي على العمل بذلك من لم يطلع على الناسخ، ومثل هذا الجواب نقل البيهقي عن الشافعي، حيث قال في الجواب عن فتيا ابن عباس بخلاف ما رواه، وأنه كان يقول بلزوم الثلاث: يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئًا نسخ ذلك. قال البيهقي: ويقويه ما أخرج أبو داود (٢) من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو
стр. 2990
أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك. وظهر مما قررناه بطلان ما قال المازري (١): وزعم بعضهم أن هذا الحكم منسوخ، وهو غلط، فإن عمر لا ينسخ، ولو نسخ -وحاشاه- لبادر الصحابة إلى إنكاره، وإن أراد القائل أنه نسخ في زمن النبي ﷺ فلا يمتنع، لكن يخرج عن طاهر الحديث. انتهى.
ثانيها: أن الحديث مضطرب، قال القرطبي في "المفهم" (٢): وقع فيه مع الاختلاف عن ابن عباس الاضطراب في لفظه، وظاهر سياقه أن هذا الحكم منقول عن جميع أهل ذلك العصر، والعادة تقضي أن يظهر ذلك وينتشر، ولا ينفرد به ابن عباس، فهذا يقضي التوقف من العمل بظاهره، إن لم يقتض القطع ببطلانه.
ثالثها: أن هذا الحديث ورد في صورة خاصة، وهو في قول المطلق: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. وهو أنه كان في عصر النبوة وما بعده الناس في سلامة الصدور والصدق في الأمور، إذا ادعى أحدهم أن اللفظ الثاني تأكيد لما قبله، لا تأسيس طلاق آخر، قبلت دعواه وصدق في ذلك، ورأى عمر تغير أحوال الناس وكثرة الدعاوى الباطلة، فرأى من المصلحة أن يجري المتكلم على ظاهر قوله، ولا يصدق في دعوى ضميره، ولا بأس في ذلك، فهو في الحقيقة عمل بمقتضى اللفظ حقيقة، وقد أشار إلى هذا ابن [سريج] (أ) ولم يجزم به، وارتضاه القرطبي (٣)، قال النووي (١): وهو أصح
стр. 2991
الأجوبة، وفي (أ) لفظ الحديث ما يشعر بهذا، وهو قوله: إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. وذلك أن السلف [لعلمهم] (ب) بمقاصد الكتاب من التأني على الفراق الكلي كما قال تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١). كانوا لا يسارعون إلى البينونة الكلية، بل يتدرجون في الأمر عسى أن يحصل الائتلاف والرجوع عن الشقاق والنفار، وكان الخلف قد أدركهم بعض الغفلة فيتعاجلون إلى البينونة الكلية ويقصدونها، فمن ادعى التأكيد كان خلاف الظاهر مما ادعاه.
رابعها: أن معنى قوله: كان طلاق الثلاث واحدة. يعني أن الطلاق الذي كان يوقع على عهد رسول الله ﷺ إنما يوقع في الغالب واحدة، لا يطلقون ثلاثا، فقوله: كان طلاق الثلاث. يعني أن هذا طلاق الثلاث الذي يوقعونه يوقع في ذلك العهد واحدة، وقوله: فلو أمضيناه عليهم. يعني أجريناه على حكم ما شرع من وقوع الثلاث. وهذا الجواب يتنزل عليه قوله: استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. تنزلًا قريبًا من غير تكلف، فيكون معناه الإخبار عن اختلاف عادة الناس في إيقاع الطلاق لا في وقوعه، فالحكم متقرر، وقد رجح هذا التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة، وكذا البيهقي (٢) أخرجه عن أبي زرعة قال: معناه: إنما تطلقون أنتم
стр. 2992
ثلاثًا، كانوا يطلقون واحدة.
خامسها: ما ذكر بعضهم أن هذا ليس له حكم الرفع إلى النبي ﷺ بل يكون موقوفًا على ابن عباس، وأجيب عنه بأن الأصح في مثل: كنا نفعل، وكانوا يفعلون في عهد النبي ﷺ . أنه مرفوع.
سادسها: أن المراد من قوله: طلاق الثلاث واحدة. هو لفظ البتة، إذا قال القائل: أنت طالق البتة -كما سيأتي في حديث ركانة- وذلك أن ابن عباس هو راوي حديث البتة، وكان لفظ البتة يحتمل البينونة الكلية والتي دونها، فإذا قال القائل: أنت طالق البتة. قُبِل تفسيره بالواحدة وبالثلاث، فلما كان في عصر عمر لم يقبل منهم التفسير بالواحدة. واستشهد بقوله: إن الناس استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة. كما تقدم نظير هذا التأويل، وأشار إلى هذا البخاري (١) بأن أدخل في هذا الباب الآثار التي فيها البتة، والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث، كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتة إذا أطلقت حملت على الثلاث إلا إذا أراد المطلق واحدة فيقبل، فروى بعض الرواة (أ) البتة بلفظ الثلاث، وهذا أيضًا قريب جمعًا بين الروايات، لا سيما وابن عباس عاملٌ بخلاف ظاهر الرواية، كما أخرج أبو داود (٢) بسند صحيح من طريق مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننت أنه يردها إليه،
стр. 2993
فقال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يابن عباس، يابن عباس! إن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١). وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجًا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك. وأخرج أبو داود له (أ) متابعات عن ابن عباس بنحوه.
وقوله: كانت لهم فيه أناة. هو بفتح الهمزة؛ أي مهلة وبقية استمتاع لانتظار الرجعة.
٨٨٦ - وعن محمود بن لبيد ﵁ قال: أُخبِر النبي ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان، ثم قال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! ". حتى قام رجل، فقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟ رواه النسائي ورواته موثقون (٢).
هو محمود بن لبيد بن رافع الأنصاري الأشهلي من بني عبد الأشهل، ولد على عهد النبي ﷺ وحدث عنه أحاديث، قال البخاري (٣): له صحبة. وقال أبو حاتم (٤): لا يعرف له صحبة. وذكره مسلم (٥) في التابعين في الطبقة الثانية منهم، وقال ابن عبد البر (٦): والصواب قول البخاري.
стр. 2994
فأثبت له صحبة، وكان محمود بن لبيد أحد العلماء، روى عن ابن عباس وعتبان بن مالك بكسر العين المهملة وسكون التاء فوقها نقطتان وبالباء الموحدة، مات سنة ست وتسعين، وقد ترجم أحمد له في "مسنده" (١)، وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع، وقد قال النسائي (٢): لا أعلم أحدًا رواه غير مخرمة بن بكير، يعني ابن الأشج، عن أبيه. انتهى.
والحديث فيه دلالة على أن جمع الطلقات الثلاث بدعة، ومثله ما أخرج سعيد بن منصور (٣) عن أنس، أن عمر كان إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثًا أوجع ظهره. وسنده صحيح، وقد تقدم حديث ابن عباس في ذلك (٤). وقد ذهب إلى هذا أيضًا ابن مسعود (٥) والهدوية وأبو حنيفة ومالك. وذهب الحسن بن علي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن سيرين، والشافعي، وأحمد، والإمام يحيى، إلى أن جمع الثلاث ليس بدعة ولا مكروهًا، قالوا: لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٦). وقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٧). ولما سيأتي في حديث المتلاعنين أنه طلقها ثلاثًا (٨). فلو كان محرمًا إرسال الثلاث لأنكر عليه ذلك. والجواب عليهم أن الآيتين
стр. 2995
مطلقتان، وما تقدم مصرح بأن إرسال الطلقات محرم، فيكون ذلك مقيدًا للإطلاق، وأما حديث المتلاعنين فلأنه لما لم تكن المرأة محلًّا للطلاق لم يكن ذلك محرمًا، والحديث هذا لم يكن فيه تصريح بأن النبي ﷺ أمضى عليه الثلاث أو لم يمض عليه وجعلها واحدة.
٨٨٧ - وعن ابن عباس ﵁ قال: طَلَّقَ أبو ركَانةَ أمَّ ركَانةَ، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ : "راجع امرأتَك". فقال: إني طَلّقْتُها ثلاثًا. قال: "قد علمتُ، راجعْها". رواه أبو داود (١).
وفي لفظ أحمد (٢): طلق ركانة امرأتَهُ في مجلسٍ واحدٍ ثلاثًا، فَحَزِن عليها، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ : "فإنها واحدةٌ". وفي سندهما ابن إسحاق (٣) وفيه مقال.
وقد روى أبو داود (٤) من وجه آخر أحسن منه، أن ركانةَ طلق امرأته سهيمةَ البتةَ، فقال: واللهِ ما أرَدْتُ بها إلَّا واحدةً. فردَّها إليه النبي ﷺ .
الحديث أخرجه أبو داود، وأحمد، وأبو يعلى (٥)، وصححه من طريق محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمةَ، عن ابن عباس،
стр. 2996
وابن إسحاق وشيخه (١) مختلف فيهما، بل وعكرمة (٢) فيه مقال. وأجيب عن ذلك بأن العلماء قد عملوا بمثل هذا الإسناد في عدة من الأحكام مثل حديث: أنه رد النبي ﷺ ابنته زينب على أبي العاص بالنكاح الأول (٣). وليس كل مختلف فيه مردودًا. وقد روى الخطابي (٤) أن الإمام أحمد كان يضعف طرق هذا الحديث كلها، ورواية أبي داود الأخرى عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة أن ركانة. الحديث. وأخرجها الشافعي (٥) أيضًا، والترمذي (٦) عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده، قال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: فيه اضطراب. وصححه أبو داود وابن حبان والحاكم (٧)، وقال ابن عبد البر في "التمهيد": ضعفوه، واختلفوا هل هو من مسند ركانة، أو مرسل عنه؟ وفي الباب عن ابن عباس روَاه أحمد والحاكم (٨)، وهو معلول أيضًا.
والحديث فيه دلالة على أن إرسال الثلاث التطليقات في مجلس واحد يكون طلقة واحدة، وقد اختلف الناس فيها على أربعة مذاهب؛ الأول: أنه
стр. 2997
يقع بها الثلاث التطليقات. وقد ذهب إلى هذا عمر، وابن عباس، وعائشة، ورواية عن علي، والناصر، والمؤيد بالله، والإمام يحيى، والأئمة الأربعة، وجماهير من السلف والخلف وبعض الإمامية. الثاني: أنه لا يقع به شيء؛ لأنه بدعة. وهذا قول الرافضة كما تقدم. الثالث: أنه تقع به واحدة رجعية. وهو مروي عن أبي موسى الأشعري، ورواية عن علي وابن عباس، وهو قول طاوس وعكرمة وجابر بن زيد، وذهب إليه الهادي، والقاسم، والباقر، والصادق، وعبد الله بن الحسن، وموسى بن عبد الله، ورواية عن زيد بن علي، واختاره من الحنابلة شيخ الإسلام ابن تيمية. الرابع: أنه يفرق بين المدخول بها وغيرها؛ فتقع الثلاث على المدخول بها، وتقع على غير المدخولة واحدة. وهذا قال به جماعة من أصحاب ابن عباس. وهو مذهب إسحاق بن راهويه، فيما حكاه عنه محمد بن نصر المروزي في كتاب "اختلاف العلماء" (١).
أما المذهب الأول: فمنهم من يقول بأن إرسال الثلاث واقع أيضًا، وهو سنة أيضًا؛ وهم الشافعي، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وجماعة من أهل الظاهر. واحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية (٢). ولم يفرق بين أن تكون الثلاث مجموعة أو متفرقة، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٣). ولم
стр. 2998
يفرق، وقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية (١). ولم يفرق، وقال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢). ولم يفرق، وبما أخرجاه في "الصحيحين" (٣): أن عويمر العجلاني طلق امرأته ثلاثًا بحضرة رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه. وفي "صحيح البخاري" (٤) من حديث القاسم بن محمد عن عائشة، أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجت فطلق، فسئل رسول الله ﷺ : أتحل للأول؟ قال: "لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول". فلم ينكره رسول الله ﷺ ، فهذا يدل على إباحة جمع الثلاث وعلى وقوعها، وفي "الصحيحين" (٥) في حديث فاطمة بنت قيس، أن زوجها طلقها ثلاثًا، فانطلق خالد بن الوليد في نفر إلى النبي ﷺ يسألونه: هل لها نفقة؟ فقال رسول الله ﷺ : "ليس لها نفقة، وعليها العدة". وفي "صحيح مسلم" (٦)، أنها أتت النبي ﷺ فقال: "كم طلقك؟ ". قلت: ثلاثًا. فقال: "صدق، ليس لك نفقة". وفي لفظ له (٧): قلت: يا
стр. 2999
رسول الله، صلى الله عليك، إن زوجي طلقني ثلاثًا، وأنا أخاف أن يقتحم علي. وقد روى عبد الرزاق في "مصنفه" (١) عن يحيى بن العلاء، عن عبيد الله بن الوليد [الوصَّافي] (أ)، عن إبراهيم بن [عبيد] (ب) الله بن عبادة بن الصامت، عن داود، عن عبادة بن الصامت، قال: طلق جدي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق أبي إلى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، فقال النبي ﷺ : "ما اتقى الله جدك؛ أما ثلاث فله، وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له".
ورواه بعضهم عن صدقة بن أبي عمران، عن إبراهيم بن عبيد (جـ) الله بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده، قال: طلق بعض آبائي امرأته، فانطلق بنوه إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن أبانا قد (د) طلق أمنا ألفًا، فهل له من مخرج؟ فقال: "إن أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجًا، بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه" (٢).
стр. 3000
وأخرج محمد بن (أ) شاذان عن [معلى] (ب) بن منصور، عن شعيب بن رزيق، أن عطاء الخراساني حدثهم، عن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها تطليقتين أخريين عند القرءين الباقيين، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "يابن عمر، ما هكذا أمرك الله، أخطأت السنة". وذكر الحديث. وفيه: فقلت: يا رسول الله، لو كنت طلقتها ثلاثًا، أكان لي أراجعها؟ قال: "لا، كانت تبين، وتكون معصية" (١). وحديث ركانة، أنه طلقها البتة. الذي مر، وهو أرجح من حديث: ثلاثًا؛ لأن راويه (جـ) ولد الرجل فهو أعلم به، بخلاف حديث: ثلاثًا، فإنه من رواية ابن جريج عن بعض بني رافع، وهو محتمل أن يكون عبيد الله (٢)، وهو ثقة معروف، وإن كان غيره من إخوته، (د فهو مجهول د) العدالة لا تقوم به حجة، وأما الطريق التي فيها ابن إسحاق ففيه مقال، فدل ظاهر الآيات على وقوع الطلاق مطلقًا من غير نظر إلى كونه في مجلس أو
стр. 3001
مجالس، وهذه الأحاديث تؤيد ظاهر الآيات، وتبين المراد منها، ويزيدها بيانًا وتأكيدًا لبقاء حكمها عملُ أصحاب رسول الله ﷺ من بعده، وهم أعلم بسنته، وأشد اقتفاء لحكمه، فروى وكيع، عن الأعمش، عن حبيب ابن أبي ثابت، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: إني طلقت امرأتي ألفًا. فقال له علي: بانت منك بثلاث، واقسم سائرهن بين نسائك (١). وروى عبد الرزاق (٢)، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، ثنا زيد بن وهب، أنه رُفع إلى عمر بن الخطاب رجل طلق امرأته الفًا، فقال له عمر: أطلقت امرأتك؟ فقال: إنما كنت ألعب. فعلاه عمر بالدرة وقال: إنما يكفيك من ذلك ثلاث. وروى وكيع، عن جعفر بن برقان، عن معاوية ابن أبي يحيى، قال: جاء رجل إلى عثمان بن عفان فقال: طلقت امرأتي ألفا. قال: بانت منك بثلاث (٣). وروى عبد الرزاق (٤)، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، قال: قال رجل لابن عباس: طلقت امرأتي ألفًا. فقال له ابن عباس: ثلاث تحرمها عليك، وبقيتها عليك وزر، اتخذت آيات الله هزوًا. وروى عبد الرزاق (٥) أيضًا، عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: إني طلقت امرأتي تسعًا وتسعين. فقال له ابن مسعود:
стр. 3002
ثلاث تبينها، وسائرهن (أ) عدوان. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي (١) عن علقمة بن قيس، قال: أتى رجل ابن مسعود، فقال: إن رجلًا طلق امرأته البارحة مائة. قال: قلتها مرة واحدة؟ قال: نعم. قال: تريد أن تبين منك امرأتك؟ قال: نعم. قال: هو كما قلت. قال: وأتاه رجل، فقال: رجل طلق امرأته عدد النجوم. قال: قلتها مرة واحدة؟ قال: نعم. قال: تريد أن تبين منك امرأتك؟ قال: نعم. قال: هو كما قلت. ثم قال: قد بين الله أمر الطلاق؛ فمن طلق كما أمره الله فقد بين له، ومن لبَس على نفسه جعلنا به لبسه، والله لا تلبِسون على أنفسكم ونتحمله عنكم، هو كما تقولون. وذكر أبو داود (٢) في "سننه"، عن محمد بن إياس أن ابن عباس، وأبا هريره، وعبد الله بن عمرو بن العاص، سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثًا، [قالوا] (ب): لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. وأخرج الطبراني والبيهقي (٣)، عن سويد بن غفلة (جـ)، عن الحسن بن علي بن أبي طالب في قصة، أنه قال: سمعت جدي -أو قال: حدثني أبي، أنه سمع جدي- يقول: أيما رجل طلق امرأته ثلاثًا عند الأقراء أو ثلاثًا مبهمة، لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. فهؤلاء أعيان أصحاب رسول الله ﷺ حكموا بأن الثلاث واقعة جملة، فلو كان ثابتًا غير هذا لم يخف عليهم، مع أن ابن عباس اشتهر عنه ذلك، ومن
стр. 3003
البعيد أن يروي شيئًا ويتعمد العمل بخلافه، ما ذاك إلا لكون ما رواه مرادًا به ما تقدم من التأويل، ولا يكون هذا من ترك العمل بالحديث إذا خالف مذهب الراوي، وإنما هو من باب ترجيح التأويل وإن كان مخالفا للظاهر لهذه القرينة، وأجيب من جانب من قال: إن الثلاث واحدة. وهو المذهب الثالث: [أما] (أ) عن الآيات الكريمة، فهي ألفاظ مطلقة مقيدة بالسنة، وأما طلاق الملاعن، فإن التقرير لا يدل على الجواز، ولا على وقوع الثلاث، لأنا نقول: إن النهي إنما وقع فيما يكون رافعًا لنكاح كان مطلوب الدوام، والملاعن إنما يريد الفراق سواء كان فراقه بنفس اللعان أو بتفريق الحاكم، فلا يدل على المطلوب، ويمكن الجواب عنه بأنه قد طلقها في حال يصح منه فيه (ب) الطلاق، فحرمت عليه بالطلاق قبل أن يفرق الحاكم، فلو كان لا يحرمها الطلاق لاحتاج إلى تفريق، ولم يرو، إلا أنه لا يستقيم إلا على قول من يشترط في الفرقة تفريق الحاكم، وأما على قول الشافعي: إن الفرقة تقع بلعان الزوج أو بلعانهما. كما هو مذهب أحمد على إحدى الروايات عنه، فلا، إلا أنه قد يقال: في سكوت النبي ﷺ وعدم إنكاره عليه تقرير على أن ذلك مشروع في البينونة على حسب ما اعتقده، وإلا لبين له أنه لا فائدة في جمع الثلات لإرادة البينونة فتأمل، وأما حديث عائشة فلم يكن فيه تصريح بأنه وقع الثلاث في مجلس واحد، فلا يدل على المطلوب، وقد يجاب عنه بأن عدم استفصاله ﷺ هل كان في مجلس أو مجالس، يدل على أنه لا فرق في ذلك، وكذلك حديث فاطمة فيه ما ذكر إلا أنه قد يقال: لا يصح
стр. 3004
الاحتجاج به في هذا الحكم لمخالفتكم له في إثبات النفقة، فكيف تقرون به في طرف وتردونه في طرف؟ مع أن في "الصحيحين" (١) في خبرها نفسها من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها. وفي لفظ في "الصحيح" (٢): أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات. وهو سند صحيح متصل، فلا يصح الاحتجاج به، وأما حديث عبادة بن الصامت (٣) ففي إسناده يحيى بن العلاء (٤) وإبراهيم بن عبيد الله (٥)، وهما ضعيفان، ثم إن والد عبادة بن الصامت لم يعرف أنه أدرك الإسلام فضلًا عن جده، وأما حديث عبد الله بن عمر (٣) فأصله صحيح بلا شك، لكن قوله: لو كنت طلقتها ثلاثًا أكانت تحل لي؟ إنما جاءت من رواية شعيب بن رزيق وهو الشامي، وبعضهم يقلبه ويقول: رزيق بن شعيب. وكيفما كان فهو ضعيف، قال في "الميزان" (٦): رزيق بن شعيب ضعفه ابن حزم.
وأما المذهب الثاني: فحجتهم أن ذلك بدعة، والبدعة مردودة؛
стр. 3005
لقوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١). وقد مر (أ) الجواب عنه (ب) (٢).
وأما المذهب الثالث: فحجتهم ما مرَّ في (جـ) حديثي ابن عباس، وفيهما صراحة [في المطلوب] (د)، واحتج في "البحر" (٣) بقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. فجعل وقوع الثالثة كالمشروط بأن يكون في حال يصح من الزوج فيها الإمساك: إذ من حق كل مخيرين أن يصح أحدهما في الحال التي يصح فيها الآخر وإلا بطل التخيير، فإذا لم يصح الإمساك إلا بعد الرجعة لم تصح الثالثة إلا بعدها لذلك، وإذا لزم في الثالثة وحديث مثله في الثانية، إذ لم يفصل بينهما أحد، والجواب عنهما هو أن حديث ركانة وإن اختلفت طريقاه ففي طريقهما ابن إسحاق، وهو معارض برواية البتة، وهي أرجح، فبقي إما الاطراح أو التأويل برجوع الثلاث إلى حديث البتة الذي فيه احتمال أن يريد بها (ب) الثلاث أولى، ولذلك استحلفه النبي ﷺ ، والتأويل أولى؛ إذ فيه إعمال الروايات كلها وتفسير بعضها لبعض في القصة الواحدة كما هو الواجب، فضعف الاحتجاج به، وأما ما
стр. 3006
احتج به في "البحر" بأن الإمساك بالمعروف مترتب على الرجعة فيكون التسريح مرتبا عليها، فالجواب عنه أنه لم يكن في اللفظ ما يدل على الحصر، وأنه لا يقع الطلاق إلا بعد الرجعة، وإنما غاية ذلك أنه تعريف للحكم المشروع المأذون فيه من دفع الضرار، مثل قوله تعالى: ﴿فَطلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. فكما وقع الطلاق عند خلاف ذلك كما في حديث ابن عمر كذلك في هذه الحالة، وإنما يستقيم الاحتجاج على أصل من لا يقول بوقوع البدعي، وإذا تأملت ما تلوناه عليك من حجج الفريقين لم يخف عليك الراجح من المذهبين، فهذا نهاية إقدام الفريقين في هذا المقام الضنك والمعترك الصعب، وبالله التوفيق.
وأما المذهب الرابع الذي فرقوا بين المدخول بها وغيرها، فحجتهم ما وقع في رواية أبي داود كما تقدم (١): أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ ؟ الحديث، ومن جهة القياس أنه إذا قال: أنت طالق. بانت منه بذلك، فإذا أعاد اللفظ لم يصادف محلًّا للطلاق فكان لغوًا، وجعلوا هذا تأويلًا لحديث عمر. والجواب عنه ما مر من ثبوت ذلك مطلقًا في حق المدخولة وغيرها، وقد ورد في ذلك آثار؛ فأخرج سعيد بن منصور والبيهقي (٢) عن أنس بن مالك، قال عمر بن الخطاب في الرجل يطلق ثلاثًا قبل أن يدخل بها، قال: هي ثلاث، لا تحل له حتى تنكحَ زوجًا غيرَه. وأخرج البيهقي (٣) من طريق
стр. 3007
عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي ﵁، فيمن طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
وأخرج البيهقي (١) عن ابن مسعود قال: المطلقة ثلاثًا قبل أن يدخل بها بمنزلة التي (أقد دخل أ) بها. وأخرج مالك والشافعي وأبو داود والبيهقي (٢)، عن محمد بن إياس بن البكير قال: طلق رجل امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها، فجاء يستفتي، فذهبت معه أسأل له، فسألت أبا هريرة وعبد الله بن عباس عن ذلك، فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجًا غيرك. قال: إنما كان طلاقي إياها واحدة. قال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل. وأخرج مالك والشافعي وأبو داود والبيهقي (٣) عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري أنه كان جالسًا مع عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس بن البكير، فقال: إن رجلًا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال ابن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة فاسألهما. فذهب فسألهما، قال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة. فقال أبو هريرة: الواحدة تَبتها، والثالثة تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره. وقال ابن عباس مثل ذلك.
стр. 3008
وأخرج مالك والشافعي [والبيهقي] (أ) (١)، عن عطاء بن يسار قال: جاء رجل ليسأل عبد الله بن عمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يمسها، فقلت: إنما طلاق البكر واحدة. فقال عبد الله بن عمرو: إنما أنت قاص، الواحدة تبتها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره. واعلم أن ظاهر الأحاديث والآثار أنه لا فرق بين أن يقول: أنت طالق ثلاثًا. أو: أنت طالق أنت طالق.
وفي كتب الفروع فرقوا بين ذلك في حكاية الخلاف. قال في "البحر": فصل؛ علي، عمر، وابن مسعود، وزيد، ثم العترة، والفريقان: والثلاث بألفاظ على غير المدخولة واحدة لبينونتها بالأولى. مالك والنخعي وعن الشافعي: بل بثلاث، إذ هو كالكلمة الواحدة كانت كذا ثلاثًا. قلنا: بل الألفاظ تخالف اللفظ. مسألة: الباقر، والصادق، والهادي، والقاسم، والحسن البصري، وطاوس، وأحمد، وجابر بن زيد: فإن قال: أنت طالق كذا ثلاثًا. فواحدة أيضًا كالألفاظ؛ إذ قوله: ثلاثًا. منفصلة فوقع واحدة بما قبله. علي، عمر، ابن عباس، ابن عمر، ثم زيد، الناصر، الداعي، المؤيد، الإمام يحيى، الفريقان، مالك: بل بتثليث أيضًا؛ إذ قوله: ثلاثًا. تفسير لطالق، وهو يحتملها، قلنا: ينبني على أن الطلاق يتوالى، وقد أبطلناه، سلمنا، فطالق وحده لا يحتملها. انتهى. وهذا في غير المدخولة. والله أعلم.
٨٨٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 3009
"ثلاثٌ جِدُّهن جِد وهزلهن جد؛ النكاحُ، والطلاقُ، والرجعةُ". رواه الأربعة إلا النسائي وصححه الحاكم (١).
وفي رواية لابن عدي (٢) من وجه آخر ضعيف: "الطلاق والعتاق والنكاح".
وللحارث بن أبي أسامة (٣) من حديث عبادة بن الصامت رفعه: "لا يجوزُ اللعب في ثلاث؛ الطلاق، والنكاح، والعتاق، فمن قالهن فقد وجبن". وسنده ضعيف.
الحديث باللفظ الأول وأخرجه ابن ماجه والدارقطني (٤)، وهو من حديث عطاء عن يوسف بن ماهك، قال الترمذي: حسن. وقال الحاكم: صحيح. وهو من رواية عبد الرحمن بن حبيب بن [أردك] (أ)، وهو مختلف فيه (٥)؛ قال النسائي (٦): منكر الحديث. ووثقه غيره، فهو على هذا حسن.
стр. 3010
والضعف في الرواية الآخرة بسبب ابن لهيعة (١)، وفيه أيضًا انقطاع. وأخرج عبد الرزاق (٢)، عن إبراهيم بن محمد، عن صفوان بن سليم، [عن أبي ذر رفعه] (أ): "من طلق وهو لاعب فطلاقه جائز، ومن أعتق وهو لاعب فعتاقه جائز، ومن نكح وهو لاعب فنكاحه جائز". وهو منقطع أيضًا.
الحديث فيه دلالة على وقوع طلاق الهازل، وأنه لا يحتاج الصريح إلى نية. وقد ذهب إلى هذا أكثر العترة والحنفية والشافعية، ولعموم قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٣). ولم يفصل، وذهب الباقر والصادق والناصر وأحمد ومالك إلى أنه يفتقر اللفظ الصريح إلى النية؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ (٤). والعزم هو الإرادة، قال الإمام المهدي في "البحر" جوابًا: قلنا: أراد حيث يفتقر لا الصرائح؛ لقوله ﷺ : "ثلاث هزلهن" الحديث. والطلاق في الهزل غير مقصود ولا منوي، ولأنه إزالة ملك كالعتق، أو حل عقد كالإقالة. انتهى.
ولا يخفى ضعف الاحتجاج بالآية وركة الجواب، فإن الآية الكريمة وردت في حق المؤلي، واختلف العلماء في تفسيرها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة، هل يكفي في حق المؤلي التصميم على الطلاق
стр. 3011
وتطلق بذلك أو لا بد من إعادة الطلاق؟ فالذي قال: يكفي التصميم. يقول: الطلاق، والطلاق وقع بالإيلاء، والتصميم على المفارقة به، وهذا خاص بالمؤلي لما كان الإيلاء غير صريح في الطلاق. والأولى في الاحتجاج لهم قوله ﷺ : "الأعمال بالنيات" (١). ويجاب عنه بأنه عام مخصوص أو مؤول.
٨٨٩ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن اللهَ تَجَاوَزَ عن أُمّتِي ما حَدّثَتْ بِهِ أنْفُسَها مَا لَم تَعْمَلْ أو تَكَلَّمْ". متفق عليه (٢).
ورواه ابن ماجه (٣) بلفظ: "عما توسوس به صدورها". بدل: "ما حدثت به أنفسها". وزاد في آخره: "وما استكرهوا عليه".
قال المصنف ﵀ (٤): وأظن الزيادة هذه مدرجة، كأنها دخلت على هشام بن عمار من حديث في حديث، والله أعلم.
لفظ "أنفسها" منصوب على مفعولية "حدثت"، وذكر المطرزي عن أهل اللغة أنهم يقولونه بالضم، يريدون بغير اختيار.
والحديث حجة في أن الطلاق لا يقع بحديث النفس. وهو قول الجمهور، وروي عن ابن سيرين والزهري وعن مالك رواية ذكرها أشهب
стр. 3012
عنه بأنه إذا طلق في نفسه وقع الطلاق. وقوَّى ذلك ابن العربي بأن من اعتقد الكفر بقلبه ومن أصر على المعصية أثِمَا، وكذلك الرياء بالعمل، وكذا من قذف مسلمًا بقلبه، وكل ذلك من أعمال القلب دون اللسان، والجواب عنه بالحديث المذكور وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ (١)، وحديث النفس يخرج عن الوسع، وما ذكر ابن العربي الجواب عنه بأن الكفر هو من عمل القلب فهو مخصوص، وكذلك الرياء فهو مخصوص، والمصر على المعصية، فالإثم على عمل المعصية المتقدم على الإصرار، وكذا نقول في الرياء: إنه متعلق بالعمل الذي فعله، وكذا العجب، واحتج الخطابي بالإجماع على أن من عزم على الظهار لا يصير مظاهرًا. قال (٢): وكذلك الطلاق، وكذا لو حدث نفسه بالقذف لم يكن قاذفًا. قال: ولو كان حديث النفس يؤثر لأبطل الصلاة. واحتج الطحاوي بهذا الحديث للجمهور فيمن قال لامرأته: أنت [طالق] (أ). ونوى في نفسه ثلاثًا، أنه لا يقع إلا واحدة خلافًا للشافعي ومن وافقه، قال: لأن الخبر دل على أنه لا يجوز وقوع الطلاق بنية لا لفظ معها. وتعقب بأنه لفظ بالطلاق ونوى الفرقة التامة فهي نية صحبها لفظ، واحتج به أيضًا لمن قال لامرأته: يا فلانة. ونوى (ب) بذلك طلاقها، أنه (جـ) لا تطلق، خلافًا
стр. 3013
لمالك وغيره؛ لأن الطلاق لا يقع بالنية دون اللفظ، ولم يأت بصيغ لا صريحة ولا كناية، واستدل به على أن (أ) من كتب الطلاق طلقت امرأته؛ لأنه عزم بقلبه وعمل بكتابته. وهو قول (ب) الجمهور وشرط مالك فيه الإشهاد على ذلك.
٨٩٠ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن اللهَ وَضَعَ عن أُمتي الخطَأ والنسيانَ وما استُكْرِهُوا عليه". رواه ابن ماجه والحاكم (١). وقال أبو حاتم (٢): لا يثبت.
قال النووي في الطلاق من "الروضة" (٣) في تعليق الطلاق: حديث حسن. وكذا قال في أواخر "الأربعين" (٤) له. انتهى، وقد أخرجوه من حديث الأوزاعي، واختلف عليه؛ فقيل: عنه عن عطاء، عن عبيد بن (جـ) عمير، عن ابن عباس بهذا اللفظ. وللحاكم والدارقطني والطبراني (٥) "تجاوز". وهي رواية بشر بن بكر. ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي ولم
стр. 3014
يذكر عبيد بن عمير (١)، قال البيهقي (٢): جوده بشر بن بكر (٣) وهو من الثقات، وقال الطبراني في "الأوسط" (٤): لم يروه عن الأوزاعي -يعني مجودًا- إلا بشر، وتفرد به الربيع بن سليمان. وللوليد فيه إسنادان آخران، قال ابن أبي حاتم (٥): سألت أبي عنها، فقال: هذه أحاديث منكرة، كلها (أ) موضوعة. وقال في موضع آخر [عنه] (ب): لم يسمعه الأوزاعي من عطاء، إنما سمعه (جـ من رجل جـ) لم يسمه، أتوهم أنه عبد الله بن عامر الأسلمي، أو إسماعيل بن مسلم. قال: ولا يصح هذا الحديث ولا يثبت إسناده. وقال عبد الله بن أحمد في "العلل" (٦): سألت أبي عنه فأنكره جدًّا، وقال: ليس يروى هذا إلا عن الحسن عن النبي ﷺ . ونقل الخلال عن أحمد (٧)، قال: من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فإن الله أوجب في قتل النفس الخطأ الكفارة.
стр. 3015
يعني من زعم ارتفاعها على العموم في خطاب الوضع والتكليف، وأورده [محمد] (أ) بن نصر في كتاب "الاختلاف" (١) في باب طلاق المكره، وقال: ليس له إسناد يحتج بمثله. ورواه العقيلي في "تاريخه" (٢) من حديث الوليد عن مالك به. ورواه البيهقي، وقال الحاكم: هو صحيح غريب تفرد به الوليد عن مالك. وقال البيهقي في موضع آخر: ليس بمحفوظ عن مالك. ورواه الخطيب في كتاب "الرواة عن مالك" في ترجمة سوادة بن إبراهيم (٣) عنه، وقال: سوادة مجهول، والخبر منكر عن مالك. ورواه ابن ماجه (٤) من حديث أبي ذر، وفيه شهر بن حوشب (٥)، وفي إسناده انقطاع. ورواه الطبراني من حديث أبي الدرداء ومن حديث ثوبان (٦)، وفي إسنادهما ضعف.
الحديث فيه دلالة على أن الأحكام الأخروية من العقاب معفوة عن الأمة المحمدية، إذا صدرت عن خطأ ونسيان وإكراه، كما في قوله: ﴿ربنا لا