وتطلق بذلك أو لا بد من إعادة الطلاق؟ فالذي قال: يكفي التصميم. يقول: الطلاق، والطلاق وقع بالإيلاء، والتصميم على المفارقة به، وهذا خاص بالمؤلي لما كان الإيلاء غير صريح في الطلاق. والأولى في الاحتجاج لهم قوله ﷺ : "الأعمال بالنيات" (١). ويجاب عنه بأنه عام مخصوص أو مؤول.
٨٨٩ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن اللهَ تَجَاوَزَ عن أُمّتِي ما حَدّثَتْ بِهِ أنْفُسَها مَا لَم تَعْمَلْ أو تَكَلَّمْ". متفق عليه (٢).
ورواه ابن ماجه (٣) بلفظ: "عما توسوس به صدورها". بدل: "ما حدثت به أنفسها". وزاد في آخره: "وما استكرهوا عليه".
قال المصنف ﵀ (٤): وأظن الزيادة هذه مدرجة، كأنها دخلت على هشام بن عمار من حديث في حديث، والله أعلم.
لفظ "أنفسها" منصوب على مفعولية "حدثت"، وذكر المطرزي عن أهل اللغة أنهم يقولونه بالضم، يريدون بغير اختيار.
والحديث حجة في أن الطلاق لا يقع بحديث النفس. وهو قول الجمهور، وروي عن ابن سيرين والزهري وعن مالك رواية ذكرها أشهب
стр. 3012
عنه بأنه إذا طلق في نفسه وقع الطلاق. وقوَّى ذلك ابن العربي بأن من اعتقد الكفر بقلبه ومن أصر على المعصية أثِمَا، وكذلك الرياء بالعمل، وكذا من قذف مسلمًا بقلبه، وكل ذلك من أعمال القلب دون اللسان، والجواب عنه بالحديث المذكور وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ (١)، وحديث النفس يخرج عن الوسع، وما ذكر ابن العربي الجواب عنه بأن الكفر هو من عمل القلب فهو مخصوص، وكذلك الرياء فهو مخصوص، والمصر على المعصية، فالإثم على عمل المعصية المتقدم على الإصرار، وكذا نقول في الرياء: إنه متعلق بالعمل الذي فعله، وكذا العجب، واحتج الخطابي بالإجماع على أن من عزم على الظهار لا يصير مظاهرًا. قال (٢): وكذلك الطلاق، وكذا لو حدث نفسه بالقذف لم يكن قاذفًا. قال: ولو كان حديث النفس يؤثر لأبطل الصلاة. واحتج الطحاوي بهذا الحديث للجمهور فيمن قال لامرأته: أنت [طالق] (أ). ونوى في نفسه ثلاثًا، أنه لا يقع إلا واحدة خلافًا للشافعي ومن وافقه، قال: لأن الخبر دل على أنه لا يجوز وقوع الطلاق بنية لا لفظ معها. وتعقب بأنه لفظ بالطلاق ونوى الفرقة التامة فهي نية صحبها لفظ، واحتج به أيضًا لمن قال لامرأته: يا فلانة. ونوى (ب) بذلك طلاقها، أنه (جـ) لا تطلق، خلافًا
стр. 3013
لمالك وغيره؛ لأن الطلاق لا يقع بالنية دون اللفظ، ولم يأت بصيغ لا صريحة ولا كناية، واستدل به على أن (أ) من كتب الطلاق طلقت امرأته؛ لأنه عزم بقلبه وعمل بكتابته. وهو قول (ب) الجمهور وشرط مالك فيه الإشهاد على ذلك.
٨٩٠ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن اللهَ وَضَعَ عن أُمتي الخطَأ والنسيانَ وما استُكْرِهُوا عليه". رواه ابن ماجه والحاكم (١). وقال أبو حاتم (٢): لا يثبت.
قال النووي في الطلاق من "الروضة" (٣) في تعليق الطلاق: حديث حسن. وكذا قال في أواخر "الأربعين" (٤) له. انتهى، وقد أخرجوه من حديث الأوزاعي، واختلف عليه؛ فقيل: عنه عن عطاء، عن عبيد بن (جـ) عمير، عن ابن عباس بهذا اللفظ. وللحاكم والدارقطني والطبراني (٥) "تجاوز". وهي رواية بشر بن بكر. ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي ولم
стр. 3014
يذكر عبيد بن عمير (١)، قال البيهقي (٢): جوده بشر بن بكر (٣) وهو من الثقات، وقال الطبراني في "الأوسط" (٤): لم يروه عن الأوزاعي -يعني مجودًا- إلا بشر، وتفرد به الربيع بن سليمان. وللوليد فيه إسنادان آخران، قال ابن أبي حاتم (٥): سألت أبي عنها، فقال: هذه أحاديث منكرة، كلها (أ) موضوعة. وقال في موضع آخر [عنه] (ب): لم يسمعه الأوزاعي من عطاء، إنما سمعه (جـ من رجل جـ) لم يسمه، أتوهم أنه عبد الله بن عامر الأسلمي، أو إسماعيل بن مسلم. قال: ولا يصح هذا الحديث ولا يثبت إسناده. وقال عبد الله بن أحمد في "العلل" (٦): سألت أبي عنه فأنكره جدًّا، وقال: ليس يروى هذا إلا عن الحسن عن النبي ﷺ . ونقل الخلال عن أحمد (٧)، قال: من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فإن الله أوجب في قتل النفس الخطأ الكفارة.
стр. 3015
يعني من زعم ارتفاعها على العموم في خطاب الوضع والتكليف، وأورده [محمد] (أ) بن نصر في كتاب "الاختلاف" (١) في باب طلاق المكره، وقال: ليس له إسناد يحتج بمثله. ورواه العقيلي في "تاريخه" (٢) من حديث الوليد عن مالك به. ورواه البيهقي، وقال الحاكم: هو صحيح غريب تفرد به الوليد عن مالك. وقال البيهقي في موضع آخر: ليس بمحفوظ عن مالك. ورواه الخطيب في كتاب "الرواة عن مالك" في ترجمة سوادة بن إبراهيم (٣) عنه، وقال: سوادة مجهول، والخبر منكر عن مالك. ورواه ابن ماجه (٤) من حديث أبي ذر، وفيه شهر بن حوشب (٥)، وفي إسناده انقطاع. ورواه الطبراني من حديث أبي الدرداء ومن حديث ثوبان (٦)، وفي إسنادهما ضعف.
الحديث فيه دلالة على أن الأحكام الأخروية من العقاب معفوة عن الأمة المحمدية، إذا صدرت عن خطأ ونسيان وإكراه، كما في قوله: ﴿ربنا لا
стр. 3016
تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١). وأما ابتناء الأحكام والآثار الشرعية عنها ففي ذلك تفصيل وخلاف بين العلماء، أما طلاق الناسي فأخرج ابن أبي شيبة (٢) عن الحسن أنه كان يراه كالعمد إلا إذا اشترط، وأخرج (٣) عن عطاء أنه كان لا يراه شيئًا. ويحتج بالحديث، وهو قول الجمهور، وأما طلاق الخاطئ فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع، وعن الحنفية فيمن أراد أن يقول لامرأته شيئًا فسبقه لسانه، فقال: أنت طالق. يلزمه الطلاق، وأما طلاق المكره فاختلف السلف فيه؛ فأخرج ابن أبي شيبة (٤) عن إبراهيم النخعي أنه يقع، لأنه شيء افتدى به نفسه، وبه قال أهل الرأي، وعنه: إن ورّى المكره لم يقع، وإلا [وقع] (أ). قال الشعبي (٤): إن أكرهه اللصوص وقع، وإن أكرهه السلطان لم يقع. ووجّه بأن السلاطين من شأنهم أن يقتلوا مخالفهم غالبًا بخلاف اللصوص. وذهب الجمهور إلى عدم اعتبار ما يقع من المستكره، واحتج عطاء بقوله تعالى: ﴿لَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٥). قال عطاء: الشرك أعظم من الطلاق. أخرجه سعيد بن منصور (٦) بسند صحيح، وقرره الشافعي بأن الله لما وضع الكفر عمن تلفظ
стр. 3017
به حال الإكراه، وأسقط عنه أحكام الكفر، فكذلك يسقط عن المكره ما دون الكفر؛ لأن الأعظم إذا سقط سقط ما هو دونه بطريق الأولى.
٨٩١ - وعن ابن عباس ﵁ قال: إذا حرم امرأته ليس بشيءٍ. وقال: لقد كان لكم في رسول الله ﷺ أسوةٌ حسنةٌ. رواه البخاري (١). ولمسلم (٢): إذا حرم الرجل عليه امرأته فهو يمين يكفرها.
الحديث فيه دلالة على أن تحريم الزوجة لا يكون طلاقًا، وهو المراد يقوله: ليس بشيء. وإن كان يلزمه كفارة يمين، وقد روى البخاري (٣) بالإسناد الذي روى به هذه الرواية المطلقة زيادة "يكفر". وأخرج الإسماعيلي (٤) من طريق محمد بن المبارك الصوري، عن معاوية بن سلام، بإسناد هذا الحديث: إذا حرم الرجل امرأته، فإنما هي يمين يكفرها. فعرف أن المراد بقوله: ليس بشيء. أي ليس بطلاق. وأخرج النسائي (٥)، وابن مردويه، من طريق سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رجلًا جاءه، فقال: إني جعلت امرأتي علي حرامًا. قال: كذبت، ما هي عليك بحرام. ثم تلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٦). قال له: عليك رقبة. انتهى.
стр. 3018
ويحتمل أنه أراد بقوله: ليس بشيء. أي لا يلزم فيه شيء. والأول أولى.
الحديث فيه دلالة على أن تحريم الرجل لامرأته لا يكون طلاقًا، ويلزم في ذلك كفارة يمين كما صرح به في رواية مسلم واحتمله في (أ) رواية البخاري، والمسألة اختلف فيها السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم والخلف من الأئمة المجتهدين. وانتهت أقوالهم إلى ثلاثة عشر قولًا أصولًا وتفرعت إلى عشرين مذهبًا:
الأول: أن التحريم لغو لا شيء فيه لا في الزوجة ولا في غيرها، لا طلاق ولا إيلاء ولا ظهار ولا يمين، وقد ذهب إلى هذا مسروق، فأخرج وكيع (١) عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق أنه قال: ما أبالي حرمت امرأتي أو قصعة من ثريد. وأخرج عبد الرزاق (٢)، عن الثوري، عن صالح بن مسلم، عن الشعبي أنه قال في تحريم المرأة: لهي أهون علي من نعلي. وأخرج (٣) ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن أنه قال: ما أبالي حرمتها -يعني امرأته- أو حرمت ماء النهر. وعن قتادة (٤): سأل رجل حميد بن عبد الرحمن الحميري عن ذلك
стр. 3019
فقال: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (١). وأنت رجل تلعب، فاذهب فالعب. وهذا قول الظاهرية، والحجة على هذا أن التحريم والتحليل إنما هو إلى الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٣). فإذا لم يجعل لنبيه أن يحرم، فكيف يجعل لغيره التحريم؟! قالوا: وقد قال النبي ﷺ : "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" (٤). والتحريم كذلك، فيكون مردودًا باطلا، ولأنه لا فرق بين تحليل الحرام وتحريم الحلال، فكما كان الأول باطلًا يكون الثاني كذلك. وقوله: هي علي حرام. إن أراد به الإنشاء فإنشاء التحريم ليس إليه، وإن أراد به الإخبار فهو كذب، قالوا: ونظرنا إلى ما عدا هذا القول، فوجدناها أقوالًا مضطربة لا برهان عليها من الله، فتعين القول بهذا.
الثاني، أن تحريم الزوجة طلاق ثلاث. وهذا رواه ابن حزم (٥) عن علي ابن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عمر. وهو قول الحسن ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٦). وروي عن الحكم بن عتيبة. ورواه في "البحر" أيضًا عن علي وزيد بن ثابت. قال ابن القيم (٧): الثابت عن زيد بن ثابت
стр. 3020
وابن عمر هو ما رواه أيضًا ابن حزم (١)، من طريق الليث بن سعد، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن [ابن هبيرة] (أ)، عن قبيصة، أنه سأل زيد بن ثابت وابن عمر عمن قال لامرأته: أنت علي حرام. فقالا جميعًا: كفارة يمين. ولم يصح عنهما خلاف ذلك، وأما علي فقد روى أبو محمد (٢)، من طريق يحيى القطان، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: يقول رجال في الحرام: هي حرام حتى تنكح زوجًا غيره، لا، والله ما قال ذلك علي، وإنما قال علي: ما أنا بمحلها ولا محرمها عليك، إن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر. وأما الحسن فقد روى أبو محمد (٣)، من طريق قتادة، عنه أنه قال: كل حلال علي حرام، فهي يمين. ولعل أبا محمد غلط علَى عليٍّ، وزيد، وابن عمر من مسألة الخلية والبرية والبتة، فإن أحمد حكى عنهم أنها ثلاث، وقال: هو عن علي وابن عمر صحيح. فوهم أبو محمد، وحكاه في: أنت علي حرام. وهو وهم ظاهر، فإنهم فرقوا بين التحريم، فأفتوا فيه بأنه يمين، وبين الخلية فأفتوا فيها بثلاث، ولا أعلم أحدًا قال: إنه ثلاث بكل حال. انتهى.
وحجة أهل هذا القول أن التحريم يجعل كناية عن الطلاق، وأعلى أنواعه تحريم الثلاث، فيحمل على ذلك احتياطًا في تحريم البضع، ولأنه قد
стр. 3021
أفتوا في الخلية والبرية بأنها ثلاث، كما تقدم، وغاية ما يستفاد من الخلية والبرية هو التحريم، فإذا صرح بالتحريم فهو أولى أن يكون ثلاثًا، ولأن الواحدة لا تحرم إلا إذا كانت بعوض أو قبل الدخول، فإذا أطلق التحريم انصرف إلى التحريم المطلق الذي يثبت، سواء كان قبل الدخول أو بعده، وبعوض أو غيره وهو الثلاث.
الثالث: أنه ثلاث في حق المدخول بها لا يقبل منه غير ذلك، وإن كانت غير مدخول بها وقع ما نواه من واحدة واثنتين وثلاث، فإن أطلق فواحدة، فإن قال: لم أرد طلاقًا. فإن كان قد تقدم كلام يجوز صرفه إليه قُبل منه، وإن كان ابتداء لم يقبل، وإن حرّم أمته أو طعامه أو متاعه فليس بشيء. وهذا مذهب مالك، وحجته أن المدخول بها لا يحرمها إلا الثلاث، وغير المدخول بها تحرمها الواحدة، والزائدة عليها ليست من لوازم التحريم، وهذا المذهب نسبه في "نهاية المجتهد" (١) إلى علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت.
الرابع: أنه إذا نوى الطلاق كان طلاقًا، ثم إن نوى به الثلاث فثلاث، وإن نوى دونها فواحدة بائنة، وإن نوى يمينًا فهو يمين فيها كفارة، وإن لم ينو شيئًا فهو إيلاء فيه حكم الإيلاء، فإن نوى الكذب صدِّق في الفتيا، وإن لم ينو شيئًا فيكون في القضاء إيلاء، وإن صادف غير الزوجة كالأمة والطعام
стр. 3022
وغيره فهو يمين فيه كفارتها. وهذا مذهب أبي حنيفة، وحجة هذا القول أن لفظ التحريم لا يفيد عددًا بوضعه، وإنما يقتضي بينونة يحصل بها التحريم، فإن نوى الثلاث كان ثلاثا، وإن نوى دون الثلاث أفاد البينونة بواحدة بدون عوض، ويكون كما إذا قال: أنت طالق طلقة بائنة (أ). فإن الرجعة حق، فإذا أسقطها سقطت، ولأنه إذا ملك إبانتها بعوض يأخذه منها ملك الإبانة بدونه، فإنه محسن بتركه لأن العوض حق له، فإذا أسقطه كان له ذلك، وهو صريح في الإيلاء، فإذا لم ينو شيئًا كان إيلاء كما روي في قصة التحريم في حق النبي ﷺ .
الخامس: أنه إن نوى به الطلاق كان طلاقًا، ويقع ما نواه، فإن أطلق وقعت واحدة، وإن نوى الظهار كان ظهارًا، وإن نوى اليمين كان يمينًا، وإن نوى تحريم عينها من غير طلاق ولا ظهار، فعليه كفارة يمين، وإن لم ينو شيئًا ففيه قولان، أحدهما: لا يلزمه شيء. والثاني: يلزمه كفارة يمين. وإن صادف جارية، فنوى عتقها وقع العتق، وإن نوى تحريمها لزمه بنفس اللفظ كفارة يمين، وإن نوى الظهار منها، لم يصح، ولم يلزمه شيء، وقيل: يلزمه كفارة يمين. وإن لم ينو شيئًا ففيه قولان؛ أحدهما: لا يلزمه شيء. والثاني: عليه كفارة يمين. وإن صادف غير الزوجة والأمة لم تحرم، ولم يلزمه شيء. وهذا مذهب الشافعي، وحجة هذا القول أن اللفظ أفاد التحريم، والتحريم متردد بين التحريم بالطلاق أو بالظهار أو بالإيلاء، فإذا صرفه إلى بعضها بالنية انصرف إليه؛ لأنه استعمله فيما هو صالح له، وكذا عتق الأمة؛ لأن العتق يحرمها عليه، وتحريم
стр. 3023
العين يلزمه بنفس اللفظ كفارة يمين؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١). وحديث ابن عباس هذا.
السادس: أنه ظهار بإطلاقه وإن لم ينوه، إلا أن ينوي به الطلاق أو اليمين فينصرف إلى ما نواه. وهذا ظاهر مذهب أحمد. وعنه رواية ثانية أنه بإطلاقه يمين إلا أن يصرفه بالنية إلى الظهار أو الطلاق، فينصرف إلى ما نواه. وعنه رواية أخرى ثالثة، أنه ظهار بكل حال، ولو نوى غيره. وعنه رواية رابعة حكاها أبو الحسين في "فروعه" أنه طلاق بائن. وإذا قال المتكلم بالتحريم: أعني به الطلاق - متصلًا، فعنه روايتان؛ إحداهما: أنه طلاق، فيتفرع عنه أنه هل يلزمه الثلاث، أو واحدة؟ على روايتين. والثانية: أنه ظهار أيضًا، كما لو قال: أنت علي كظهر أمي، أعني به الطلاق. هذا تحقيق مذهبه، وحجة هذا القول أن اللفظ صريح في التحريم، وتحريم الإنسان لزوجته منكر من القول وزور، لأن التحليل والتحريم إلى الله سبحانه، فيكون هذا ظهارًا، لأن الظهار هو منكر وزور، وغايته تحريم الزوجة، وهذا قد صرح فيه بالتحريم، وإنما صح صرفه إلى الطلاق بالنية، لأنه يصلح كناية عنه، وكذلك إذا نوى به اليمين كان يمينًا لصلاحيته الكناية عن اليمين، لأن المآل إلى التحريم الذي هذا اللفظ صالح له، وأما الرواية بأنه ظهار ولا ينصرف إلى غيره فمرجعه إلى أنه لما كان صريحًا في الظهار، وقد نسخ الله تعالى ما كان عليه أمر الجاهلية من جعل الظهار طلاقا، فصار اللفظ غير محتمل للطلاق فلا تؤثر النية، ويتخرج على أصل أحمد الفرق
стр. 3024
بين أن يقصد إنشاء التحريم وبين الحلف به، فيكون في الحلف به حالفا يلزمه كفارة يمين، وفي تنجيزه أو تعليقه بشرط مقصود مظاهرًا يلزمه كفارة الظهار، وهذا يوافق المنقول عن ابن عباس أنه جعله مرة ظهارًا ومرة يمينًا.
السابع: أنه إن نوى به ثلاثًا، فهي ثلاث، وإن نوى به واحدة، فواحدة بائنة، وإن نوى به يمينًا، فهي يمين، وإن لم ينو شيئًا فهي كذبة لا شيء فيها. وهذا مذهب سفيان الثوري حكاه ابن حزم (١)، وحجة هذا القول تؤخذ مما تقدم.
الثامن: أنه طلقة واحدة بائنة بكل حال. وهذا مذهب حماد بن أبي سليمان، وحجة هذا القول أنه قد أراد تحريم الزوجة، والتحريم الحقيقي إنما هو بالطلاق الثلاث أو بالطلقة البائنة، فيقتصر على أقل مراتبه وهو الطلقة البائنة.
التاسع: أنه إذا نوى ثلاثًا فثلاث، وإن نوى واحدة، أو (أ) لم ينو شيئًا، فواحدة بائنة. وهذا مذهب إبراهيم النخعي حكاه ابن حزم (١)، وحجته أن الثلاث يحتملها اللفظ، فإذا نوى صح ذلك، وإن لم ينو اقتصر على أقل المراتب.
العاشر: أنه طلقة رجعية. حكاه ابن الصباغ وصاحبه أبو بكر الشاشي
стр. 3025
عن الزهري عن عمر بن الخطاب، وحجته أن التحريم المطلق يصدق بالواحدة لا سيما على قول من يجعل الطلقة الرجعية محرمة للوطء، فيقتصر على ذلك والزيادة لا موجب لها.
الحادي عشر: أن هذا يقتضي تحريم الزوجة، ولم يذكروا طلاقًا ولا ظهارًا ولا يمينًا، بل ألزموه بموجب تحريمه. قال ابن حزم (١): صح هذا عن علي ورجال من الصحابة لم يسموا، وعن أبي هريرة، وصح عن الحسن وخلاس بن عمرو وجابر بن زيد وقتادة أنهم أمروه باجتنابها فقط، وهذا القول مرجعه إلى التوقف في حكمه، والاقتصار على صريح اللفظ.
الثاني عشر: التوقف في ذلك لا يحرمها المفتي على الزوج ولا يحلها له كما رواه الشعبي عن علي أنه قال: ما أنا بمحلها ولا محرمها عليك، إن شئت فتقدم، وإن شئت فتأخر (٢). وهذا القول يخالف الذي قبله، من حيث إن الأول جزم بالتحريم وإن توقف في أي نوع، وهذا لم يجزم بالتحريم.
الثالث عشر: الفرق بين أن يوقع التحريم منجزًا أو معلقًا تعليقًا مقصودا، وبين أن يخرجه مخرج اليمين، فالأول ظهار بكل حال، ولو نوى به الطلاق ولو وصله بقوله: أعني به الطلاق. والثاني يمين يلزمه كفارة يمين، فإذا قال: أنت علي حرام. أو: إذا دخل رمضان فأنت علي حرام. فظهار، وإذا قال: إن سافرت، أو إن كلمت هذا، أو كلمت فلانًا، فامرأتي عليَّ
стр. 3026
حرام. فيمين مكفرة، وهذا ذهب إليه ابن تيمية.
وقوله: لقد كان لكم. الحديث. فيه استشهاد أنه لا يحرم بالتحريم ما حرمه على نفسه، فإن الأسوة بالنبي ﷺ ، وقد أنكر الله عليه تحريم ما أحل الله له، ولا يلزم من ظاهره أنه لا كفارة، بل الكفارة لازمة كما قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١). وكما ثبت في بعض ألفاظ الحديث عن ابن عباس: فعاتبه الله في ذلك، وجعل له كفارة اليمين. أخرجه البخاري (٢). وأشار ابن عباس إلى قصة التحريم في قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٣). واختلف العلماء في السبب، هل المراد تحريم العسل أو تحريم مارية أو غير ذلك؟ وقد أخرج النسائي (٤) بسند صحيح عن أنس: أن النبي ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾. وهذا أصح طرق هذا السبب، وله شاهد مرسل أخرجه الطبري (٥) بسند صحيح عن زيد بن أسلم التابعي الشهير قال: أصاب رسول الله ﷺ أم إبراهيم ولده في بيت بعض نسائه، فقالت: يا رسول الله، في بيتي وعلى فراشي؟! فجعلها عليه حرامًا، فقالت: يا رسول الله، كيف تحرم عليك الحلال؟ فحلف بالله لا يصيبها، فنزلت. قال زيد بن أسلم: فقول الرجل لامرأته: أنت علي
стр. 3027
حرام. لغو، وإنما تلزمه كفارة يمين إن حلف. والتأسي وقع بفعل النبي ﷺ ، فإنه حرم على نفسه وكفر عن يمينه، وليس من تناول (أ) الخطاب للأمة فإن خطاب النبي ﷺ الخاص به ليس خطابًا للأمة على ما هو الصحيح.
٨٩٢ - وعن عائشة ﵂: أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك. قال: "لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك". رواه البخاري (١).
قوله: أن ابنة الجون. اختلف في اسم ابنة الجون؛ ففي كتاب أبي نعيم في "معرفة الصحابة" أن اسمها عمرة بنت الجون (٢)، وفي إسناده عبيد بن القاسم (ب) (٣) وهو متروك، وفي رواية للبخاري (٤) أن اسمها أميمة بنت النعمان بن شراحيل، وجزم الكلبي بأن اسمها أسماء بنت النعمان بن شراحيل بن الأسود بن الجون الكندية (٥)، وكذا محمد بن إسحاق ومحمد بن حبيب (٦) وغيرهما، ولعل اسمها أسماء ولقبها أميمة، ووقع في "المغازي" أنها أسماء
стр. 3028
بنت كعب الجونية (١)، فلعل في نسبها من اسمه كعب فنسبت إليه، وقيل: أسماء بنت (أ) الحارث بن النعمان، وقد وقع في نسخة الصغاني للبخاري أن ابنة الجون الكلبية (٢)، وقد روى ابن سعد (٣)، عن الواقدي، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: تزوج النبي ﷺ الكلابية. فذكر مثل حديث الباب، والظاهر أن الكلابية تصحيف الكندية، والكلابية قصة أخرى ذكرها ابن سعد (٤) أيضًا بهذا السند إلى الزهري، وقال: اسمها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان، استعاذت منه فطلقها، فكانت تلقط البعر وتقول: أنا الشقية. قال: وتوفيت سنة ستين. ومن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن الكندية لما وقع التخيير اختارت قومها، ففارقها، فكانت تقول: أنا الشقية (٥). ومن طريق [سعيد] (ب) بن أبي هند، أنها استعاذت منه فأعاذها (٥). ومن طريق
стр. 3029
الكلبي، اسمها العالية بنت ظبيان بن عمرو (١)، وحكى ابن سعد (٢) أيضًا أن اسمها عمرة بنت يزيد بن عبيد وقيل: بنت يزيد بن الجون، وقال ابن عبد البر (٣): أجمعوا على أن النبي ﷺ تزوج الجونية، واختلفوا في سبب فراقه لها، فقال قتادة: لما دخل عليها دعاها فقالت: تعال أنت. فطلقها، وقيل: كان بها وضح (٤) كالعامرية (٥)، قال: وزعم بعضهم أنها قالت: أعوذ بالله منك. فقال: "قد عذت بمعاذ؛ وقد أعاذك الله مني". فطلقها. قال: وهذا باطل، وإنما قاله لامرأة من بني [العنبر] (أ) وكانت جميلة، فخافت نساؤه أن تغلبهن عليه، فقلن لها: إنه يعجبه أن يقال له: أعوذ بالله منك. ففعلت فطلقها، ولكن الحكم [بالبطلان] (ب) غير قويم مع ثبوت ذلك في "الصحيح" وكثرة الروايات، والقول الذي نسبه إلى قتادة ذكر مثله أبو سعيد النيسابوري عن شرقي بن قطامي (٦)، قال ابن سعد (٢): اختلف علينا اسم الكلابية؛
стр. 3030
فقيل: فاطمة بنت الضحاك بن سفيان. وقيل: عمرة بنت يزيد بن عبيد. وقيل: سنا (أ) بنت سفيان بن عوف. وقيل: العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف. فقال بعضهم: هي واحدة واختلف في اسمها. وقال بعضهم: بل كن جميعًا ولكل واحدة منهن قصة غير قصة صاحبتها. ثم ترجم الجونية، فقال: أسماء بنت النعمان. ثم أخرج من طريق عبد الواحد بن أبي عون، قال: قدم النعمان بن أبي الجون الكندي على رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ألا أزوجك أجمل أيم في العرب؛ كانت تحت ابن عم لها فتوفي، وقد رغبت (ب) فيك؟ قال: "نعم". قال: فابعث من يحملها إليك. فبعث معه أبا أسيد الساعدي، قال أبو أسيد: فأقمت ثلاثة أيام، ثم تحملت معي في محفة (١)، فأقبلت بها حتى قدمت المدينة، فأنزلتها في بني ساعدة، ووجهت إلى رسول الله ﷺ وهو في بني عمرو بن عوف فأخبرته. الحديث. قال ابن أبي عون (٢): وكان ذلك في ربيع الأول سنة تسع. ثم أخرج ذلك من طريقين، وفي تمام القصة، قيل لها: استعيذي منه؛ فإنه أحظى لك عنده. وخدعت لما رُئي من جمالها، وذكر لرسول الله ﷺ من حملها على ما قالت، فقال: "إنهن صواحب يوسف وكيدهن".
وقد اختلفت الروايات في سبب طلاقها؛ هل هو بسبب الاستعاذة كما
стр. 3031
في حديث عائشة وحديث أبي أسيد، أو أنها كرهت لما بسط يده إليها كما في رواية سهل عن أبيه؟ فيحتمل أن القصة واحدة، وأنه وقع مجموع الأمرين واقتصر الراوي على البعض، وأن القصة متعددة، ويدل عليه أن الذي في [حديث] (أ) أبي أسيد اسمها أسماء، والذي في حديث سهل اسمها أميمة، وقد أخرج البخاري أيضًا في باب الأشربة (١) من حديث أبي أسيد فذكر الحديث وأنها نزلت في أجم (٢) بني ساعدة، فخرج النبي ﷺ حتى جاءها فدخل عليها، فإذا امرأة منكسة رأسها، فلما كلمها قالت: أعوذ بالله منك. فقال: "أعذتك مني". فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ هذا رسول الله ﷺ جاء ليخطبك. قالت: كنت أنا أشقى من ذلك. فظاهر هذه القصة أنه لم يكن قد عقد بها، ولذا قال المصنف رحمه الله تعالى: يحمل على تعدد القصة، وأن هذه لم يكن قد عقد بها والأخرى قد عقد بها. وأما القول بأن الكلابية مستعيذة، والكندية كذلك، وأن قصتهما متفقة، فمستبعد؛ لأن الاستعاذة يستبعد أن تكون من امرأتين بالخديعة، فإن العادة تقضي بشيوع ذلك، فلا يكاد يحصل مع واحدة بعد أن يبلغها ما وقع مع غيرها.
وقوله: "الحقي بأهلك". فيه دلالة على أنه طلاق، لأنه لم يرو أنه زاد
стр. 3032
غير ذلك فيكون كناية طلاق، إذا أريد به الطلاق كان طلاقًا. قال البيهقي (١): زاد ابن أبي ذئب عن الزهري: "الحقي بأهلك". جعلها تطليقة. قال: وهذا من قول الزهري، وجاء في قصة كعب بن مالك لا قيل له: "اعتزل امرأتك". قال: الحقي بأهلك فكوني عندهم (٢). فلم يرد الطلاق فلم تطلق، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من العلماء منهم الأئمة الأربعة وغيرهم، وكذا غيره من الألفاظ المحتملة للطلاق مثل: أنت حرام. وقد حكم علي وابن عمر في قوله: أنت خلية. أنها ثلاث (٣). وقال عمر: واحدة، وهو أحق بها (٤). وفرق معاوية بين رجل وامرأته قال لها: إن خرجت فأنت خلية (٥). وقال علي وزيد في البرية: إنها ثلاث (٦). وقال عمر: هي واحدة، وهو أحق بها (٧). وكذا يقع الطلاق من العجمي والتركي، فعرف من هذا أن الطلاق يقع باللفظ الذي يحتمله مجازًا إذا نواه. وقال أهلُ الظاهر: لا يقع الطلاق بقوله: الحقي بأهلك. قالوا: و (أ)
стр. 3033
النبي ﷺ لم يكن عقد على ابنة الجون، وإنما أرسل إليها ليخطبها، قالوا: ويدل على ذلك ما جاء في حديث أبي أسيد في "صحيح البخاري" (١) أنه قال لها: "هبي لي نفسك". فقالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ فأهوى ليضع يده عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك. ولكنه يبعده قوله: فأهوى ليضع يده عليها. وفي رواية: فلما دخل عليها (٢). فإن مثل ذلك لا يكون إلا مع زوجة، وإن كان الدخول يحتمل أنه لم يرد به الدخول على الزوجة، وإنما هو الدخول إلى المحل للخطبة منها، وعرض الأمر عليها، والنبي ﷺ له أن يتزوج من [غير] (أ) عقد الولي له، ومن غير إذن الزوجة، فكان مجرد إرساله إليها أو إحضارها ورغبته فيها كافيًا في ذلك، ويكون قوله: "هبي لي نفسك". تطييبًا لخاطرها واستمالة لقلبها، ويؤيده قوله في رواية لابن سعد (٣): أنه اتفق مع أبيها على مقدار صداقها، وأن أباها قال له: إنها رغبت فيك.
واعلم أن التي لم يدخل بها النبي ﷺ ، ولم يضرب عليها الحجاب، لا يكون لها حكم زوجات النبي ﷺ في تحريم النكاح على الغير، كما روي أنه تزوج بهذه المهاجر بن أبي أمية، فأراد عمر معاقبتها، فقالت: ما ضرب علي الحجاب، ولا سميت أم المؤمنين. فكف عنها (٤). وعن الواقدي (٥):
стр. 3034
سمعت من يقول: إن عكرمة بن أبي جهل خلف عليها. قال: وليس ذلك بثبت (أ). والله أعلم. وروي أنها توفيت في خلافة عثمان وأنها ماتت كمدًا (١).
٨٩٣ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك". رواه أبو يعلى، وصححه الحاكم، وهو معلول. وأخرج ابن ماجه عن المسور بن مخرمة مثله، وإسناده حسن، لكنه معلول أيضًا (٢).
الحديث أخرجه الحاكم (٣) من طريق محمد بن المنكدر، قال الدارقطني (٤): الصحيح مرسل ليس فيه جابر. قال يحيى بن معين (٥): لا يصح عن النبي ﷺ : "لا طلاق قبل نكاح". وأصح شيء فيه حديث ابن المنكدر عمن سمع طاوسًا عن النبي ﷺ مرسلًا. وقال أبو داود الطيالسي (٦): حدثنا ابن أبي ذئب، حدثني من سمع عطاء عن جابر نحوه. ورواه ابن أبي شيبة (٧) عن وكيع عن ابن أبي ذئب عن عطاء وابن المنكدر عن
стр. 3035
جابر. واستدركه الحاكم (١) من حديث وكيع، وهو معلول. ورواه أبو قرة في "سننه" عن ابن جريج عن عطاء عن جابر مرفوعًا (٢). وقال ابن عبد البر (٣): روي من وجوه إلا أنها عند أهل العلم بالحديث معلولة.
وحديث المسور اختلف فيه عن الزهري؛ فقال علي بن الحسين بن واقد: عن هشام عن سعيد عن الزهري عن عروة عن المسور. وقال حماد بن خالد: عن هشام بن سعد عن الزهري عن عروة عن عائشة، وعن أبي بكر الصديق، وأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وأبي سعيد الخدري، وعمران بن حصين، وغيرهم. ذكرها البيهقي في "الخلافيات" (٤)، وأما الحاكم (٥) فصححه من حديث جابر وقال: أنا متعجب من الشيخين كيف أهملاه؟! فقد صح على شرطهما من حديث ابن عمر وعائشة وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر. انتهى.
وقد تكلم على جميع طرقه، قال البيهقي (٤): أصح حديث فيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال الترمذي (٦): هو أحسن شيء روي في الباب. وهو عند أصحاب "السنن" (٧) بلفظ: "ليس على رجل طلاق
стр. 3036
فيما لا يملك" الحديث. ورواه البزار (١) من طريقه بلفظ: "لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك". وقال البيهقي في "الخلافيات" (٢): قال البخاري: أصح شيء فيه وأشهره حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وحديث الزهري عن عائشة، وعن علي، ومداره على جويبر عن الضحاك في النزال بن سبرة عن علي، وجويبر متروك (٣). ورواه ابن الجوزي في "العلل" (٤) من طريق أخرى عن علي، وفيه عبد الله بن زياد بن سمعان وهو متروك (٥). وفي "الطبراني" (٦) من طريق [عبد الله بن أبي أحمد بن جحش] (أ) عن علي، وعن المسور بن مخرمة. رواه ابن ماجه (٧) بإسناد حسن.
الحديث فيه دلالة على أنه لا يقع الطلاق على المرأة الأجنبية، فإن كان ذلك تنجيزًا فإجماع، وإن كان تعليقًا بالنكاح، كأن يقول: إن نكحت فلانة فهي طالق. فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:
فذهب الشافعي وأحمد وداود -وهو مذهب زيد بن علي والهدوية والصادق، وأخرجه البخاري عن اثنين وعشرين من الصحابة والتابعين إلى
стр. 3037
أنه لا يصح منه مطلقًا سواء كانت معينة أو لا، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وهو أحد قولي المؤيد بالله إلى أنه يصح التعليق مطلقًا، وذهب مالك في المشهور عنه وربيعة والثوري والليث وابن أبي ليلى وابن مسعود و [أصحاب] (أ) مالك- إلى التفصيل وهو أنه إن خص، بأن يقول: كل امرأة أتزوجها من بني فلان أو من بلد كذا فهي طالق. أو قال: في وقت كذا. وقع الطلاق، وإن عمم بأن يقول: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. لم يقع شيء، قال صاحب "نهاية المجتهد" (١): سبب الخلاف، هل من شرط وقوع الطلاق وجود الملك متقدمًا بالزمان على الطلاق، أم ليس من شرطه؟ فمن قال: هو من شرطه، قال: لا يتعلق الطلاق بالأجنبية. ومن قال: ليس من شرطه إلا وجود الملك فقط. قال: يقع. وأما الفرق بين التخصيص والتعميم فاستحسان مبني على المصلحة، وذلك أنه إذا وقع التعميم، فلو قلنا بوقوعه امتنع منه التزويج، فلم يجد سبيلًا إلى النكاح الحلال فكان من باب النذر بالمعصية، وأما إذا خصص فلا يمتنع منه ذلك. انتهى.
وقال في "الهَدْي" (٢): إن القائل: إن تزوجت فلانة فهي طالق. مطلق لأجنبية؛ فإنها حين أنشأ الطلاق أجنبية، والمتجدد هو نكاحها، فهو كما لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق. فدخلت وهي زوجته لم تطلق إجماعًا. انتهى.
стр. 3038
والقول الأول هو الراجح لعموم الحديث المذكور، وإن كان في إسناده مقال فهو متأيد بكثرة الطرق، وأيضًا فقد روى الحاكم (١) من طريق ابن عباس قال: ما قالها ابن مسعود، وإن كان قالها فزلة من عالم. في الرجل يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ (٢). ولم يقل: إذا طلقتموهن ثم نكحتموهن، ورواه عنه بلفظ آخر وفي آخره: فلا يكون طلاق حتى يكون نكاح (٣). وهذا علقه البخاري (٤)، وأخرج الدارقطني (٥) من حديث زيد بن علي بن الحسين بن علي عن آبائه أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي عرضت علي قريبة لها أن أتزوجها فقلت: إن تزوجتها فهي طالق ثلاثًا. فقال: "هل كان قبل ذلك من ملك؟ " قال: لا. قال: "لا بأس، تزوجها". وإسناده ضعيف، وأورده (٦) أيضًا عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال عم لي: اعمل لي عملًا حتى أزوجك بنتي. فقلت: إن تزوجتها فهي طالق ثلاثًا. ثم بدا لي أن أتزوجها، فأتيت النبي ﷺ . فذكر الحديث. وفيه علي بن [قرين] (أ) (٧) وهو متروك، ولكن هذه
стр. 3039
الأحاديث بعضها يشد بعضًا فيترجح العمل بها والله أعلم.
والخلاف في العتق كالخلاف في الطلاق فيصح عند أبي حنيفة وأصحابه والأصح من روايتين عن أحمد وعليه أصحابه، وفرق على أصله صاحب "الهَدْي" (١) بين العتق والطلاق؛ بأن العتق له قوة وسراية، فإنه يسري إلى ملك الغير، ولأنه يصح أن يجعل الملك سببًا للعتق، كما لو اشترى عبدًا ليعتقه عن كفارة أو نذر، أو اشتراه بشرط العتق، ولأن العتق من باب القرب والطاعات وهو يصح النذر بها، وإن لم يكن المنذور به مملوكًا، كقولك: لئن آتاني الله من فضله لأتصدقن بكذا وكذا.
٨٩٤ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك". أخرجه أبو داود والترمذي وصححه (٢)، ونقل عن البخاري أنه أصح ما ورد فيه (٣).
تقدم الكلام في ذلك وسيأتي ما يتعلق بالنذرِ.
٨٩٥ - وعن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبَر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق". رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي وصححه
стр. 3040
الحاكم، وأخرجه ابن حبان (١).
وقال يحيى بن معين (٢): ليس يرويه إلا حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان. يعني عن إبراهيم عن الأسود عنها، ورواه أبو داود والنسائي وأحمد والدارقطني والحاكم وابن حبان وابن خزيمة (٣) من طرق عن علي، وفيه قصة جرت له مع عمر علقها البخاري (٤)، ووصل البغوي في "الجعديات" (٥) عن علي بن الجعد عن شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس، أن عمر أتي بمجنونة قد زنت وهي حبلى، فأراد أن يرجمها، فقال له علي: أما بلغك أن القلم قد وضع عن ثلاثة؟ فذكره، وتابعه ابن نمير ووكيع وغير واحد عن الأعمش (٦)، ورواه جرير بن حازم عن الأعمش فصرح فيه بالرفع (٧)، وعلق البخاري (٨) أيضًا عن علي ﵁: كل
стр. 3041
طلاق جائز إلا طلاق المعتوه. ووصله البغوي في "الجعديات" (١) عن [عابس] (أ) بن ربيعة أن عليًّا قال: كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه. وهكذا أخرجه سعيد بن منصور (٢) عن علي، وأخرج الترمذي (٣) مثله من حديث أبي هريرة مرفوعًا وزاد في آخره: "المغلوب على عقله".
والمعتوه: بفتح الميم وسكون المهملة وضم المثناة وسكون الواو بعدها هاء، وهو الناقص العقل فيدخل فيه الطفل والمجنون والسكران.
والحديث فيه دلالة على أن الثلاثة لا يتعلق بهم الخطاب التكليفي، وهذا مجمع عليه حيث كان الصغير لا يميز، وأما الخطاب الوضعي ففيه تفصيل، وهو إن صدر من الأفعال التي توجب حكمًا وضعيًّا كالجنايات فالحكم لازم على تفاصيل مذكورة في علم الفروع، وأما الألفاظ كالطلاق ونحوه، فالظاهر الإجماع في حق النائم أنه لا يقع منه، وأما الصبي فالجمهور أنه لا يقع منه حتى يبلغ، وروي عن الحسن وابن المسيب أنه يصح منه إذا عقل وميّز (٤)، وحدّه عند أحمد أن يطيق الصيام ويحصي الصلاة، وعن عطاء إذا بلغ اثنتي عشرة سنة، وروي عن عمر وعن مالك رواية إذا ناهز الاحتلام. ذكره في "المختصر"، والمشهور عن مالك أنه لا يلزمه حتى يبلغ.
стр. 3042
وقوله في الحديث: "حتى يكبَر". محتمل أن يراد به البلوغ، وأن يراد به ما ذكر، والعلماء مختلفون أيضًا بما يحصل البلوغ، فالاحتلام في حق الذكر مع إنزال النبي بلوغ إجماعًا، وفي حق الأنثى عند الهدوية، وكذا عندهم الإمناء في حال اليقظة (أإذا كان أ) لشهوة، والخلاف للمنصور فيما كان عن جماع، وكذا خروجه لغير شهوة، قال الإمام المهدي: لأنه قد كمل انعقاده، ونبات الشعر الأسود المتجعد في العانة بعد التسع السنين بلوغٌ عند الهدوية. وقال أبو حنيفة: لا يكون بلوغًا. وقال الشافعي: يكون بلوغا في حق أولاد المشركين. وله في المسلم قولان، ومضي خمسة عشر سنة منذ الولادة بلوغ في حق الذكر والأنثى؛ لحديث ابن عمر، أنه لم يجزه النبي ﷺ وهو ابن أربع عشرة سنة، وأجازه في السنة الثانية، وهو في خمس عشرة سنة (١). وقال أبو حنيفة: ويكون بمضي ثماني عشرة للذكر وسبع عشرة للأنثى، وفي حق الأنثى الحيض والحبل، وقال الإمام يحيى: الحبل ليس في نفسه سببًا للبلوغ، وإنما هو كاشف عن نزول المني الذي هو سبب، والحكم لأولهما. وقال أبو مضر من الهدوية: لا تبلغ في الحيض إلا بعد إكمال الثلاث. وقال أبو جعفر: لا تبلغ بالحبل حتى يحصل النفاس، واخضرار الشارب في الرجل عند الفم سبب للبلوغ، وعند المنصور بالله تفلك الثدي بلوغ في حق المرأة.
وفي قوله: "وعن المجنون حتى يفيق". فيه دلالة على أن طلاق المجنون
стр. 3043
لا يقع، وهو مجمع عليه، والعلة فيه ذهاب العقل، واختلف العلماء في السكران، هل حكمه حكم العاقل فيقع طلاقه، أو حكم المجنون فلا يقع؟ فذهب إلى الأول علي ﵁ وابن عباس وابن عمر والحسن البصري والزهري والنخعي وابن المسيب [والضحاك] و (أ) (ب) سليمان بن يسار والهادي وزيد بن علي والمؤيد وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي، وذهب إلى الثاني [عثمان] (أ) وجابر بن زيد وعمر بن عبد العزيز وطاوس والقاسم بن محمد والناصر وأبو طالب وتخريج أبي العباس والطحاوي والبتي وربيعة والليث وإسحاق بن راهويه والمزني ويحيى بن سعيد الأنصاري وحميد بن عبد الرحمن وأبو ثور والشافعي في أحد قوليه والمصحح عنه الأول، واستقر على ذلك مذهب أحمد وصرح برجوعه إليه فقال في رواية عنه: الذي لا يأمر بالطلاق إنما أتى خصلة واحدة وهو تحليلها لزوجها، والذي يأمر بالطلاق أتى بخصلتين حرمها عليه وأحلها لغيره، وقال في رواية الميموني: قد كنت أقول: إن طلاق السكران يجوز حتى غلب عليَّ أنه لا يجوز طلاقه؛ لأنه لو أقر لم يلزمه، ولو باع لم يجز بيعه، والجناية لا تلزمه. قال أبو بكر (جـ) عبد العزيز: وبهذا أقول. وهو مذهب أهل الظاهر كلهم. احتج بعضهم لأهل القول الأول بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (١). فإنه نهاهم عن قربان الصلاة حال السكر، والنهي يقتضي
стр. 3044
التكليف، والمكلف يصح منه الإنشاءات، ولأن إيقاع الطلاق عقوبة له، ولأن ترتيب الطلاق على التطليق من باب ربط الأحكام بأسبابها فلا يؤثر فيه السكر، ولأن الصحابة ﵃ أقاموه مقام الصاحي في كلامه؛ فإنهم قالوا: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفترى ثمانون (١). لقوله ﷺ : "لا قيلولة (٢) في الطلاق". أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (٣)، ولما رواه عطاء بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله" (٤). ولأن الصحابة أوقعوا عليه الطلاق، أخرج أبو عبيد (٥) أن رجلًا طلق امرأته وهو سكران، فرفع إلى عمر بن الخطاب، وشهد عليه أربع نسوة ففرق بينهما. وأخرج (٥) من حديث سعيد بن المسيب أن معاوية أجاز طلاق السكران.
وأجيب عن هذا الاستدلال؛ أما الآية الكريمة: فليس توجيه النهي إلى السكران بألا يقرب الصلاة وإنما هو نهي عن السكر الذي يلزم من إدامته الدخول في الصلاة وهو عليه، أو أنه نهي للثمل (٦) الذي يعقل الخطاب، وقد احتج بالآية أهل القول الثاني؛ لقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. فقال
стр. 3045
بعضهم: إنه سبحانه جعل قول السكران غير معتبر؛ لأنه لا يعلم ما يقول، والقول بأنه مكلف باطل، إذ الإجماع منعقد على أن شرط التكليف العقل، ومن لا يعقل ما يقول فليس بمكلف، وكان يلزم لو كان مكلفًا أن يقع طلاقه إذا كان مكرها على شربها أو غير عالم بأنها خمر، وهم لا يقولون به، وأما كون ذلك وقع في حقه مع عدم العقل عقوبة، فاعتبار وقوعه عقوبة يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه، وأما جعله من ربط الأحكام بأسبابها كالجنايات، فهذا محل نزاع، فإنه قال عثمان البتي: لا يلزمه عقد ولا بيع ولا حد إلا حد الخمر فقط. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد أنه كالمجنون في كل فعل يعتبر له العقل. والذين اعتبروا أفعاله كالليث دون أقواله فرقوا بفرقين:
أحدهما: أن إسقاط أفعاله ذريعة إلى تعطيل القصاص، إذ كل من أراد قتل غيره أو الزنى أو السرقة سكر وفعل ذلك، وليس هذا من مقاصد الشرع أنه إذا فعل جرمًا واحدا لزمه حكمه، وإذا تضاعف جرمه بالسكر وفعل المحرم الآخر سقط عنه الحكم، وهذا مما تأباه قواعد الشرع وأصوله.
والفرق الثاني: أن إلغاء أقواله لا يتضمن مفسدة؛ لأن (أ) القول المجرد من غير العاقل لا مفسدة فيه بخلاف الأفعال، فإن مفاسدها لا يمكن إلغاؤها إذا وقعت، فإلغاء أفعاله ضرر محض وفساد مستشر، بخلاف أقواله، فإن صح الفرقان بطل الإلحاق، وإن لم يصحا كانت التسوية بين أقواله وأفعاله متعينة، ثم إن قولهم: إنه من ربط الأحكام بأسبابها. إن أرادوا أن السبب هو إصدار لفظ الطلاق مطلقا، لزمهم وقوع الطلاق من المجنون والنائم
стр. 3046
والسكران وإن لم يعص بالسكر، وإن قالوا: إن ذلك مشروط بالشروط، وهي البلوغ والعقل وغيرهما. فالسكران خارج عن ذلك الاعتبار، فلا يثبت كون لفظ السكران سببًا إلا بدليل، ولم يثبت ذلك حتى يربط به الحكم، وهل النزاع إلا في هذا؟!
وأما أن الصحابة جعلوه كالصاحي في قولهم: إذا شرب سكر. إلى آخره، فقال ابن حزم (١): هو خبر مكذوب، قد نزه الله عليًّا وعبد الرحمن عنه، وفيه من المناقضة ما يدل على بطلانه، فإن فيه إيجاب الحد على من هذى، والهاذي لا حد عليه.
وأما حديث: "لا قيلولة في الطلاق". فخبر لا يصح، ولو صح لوجب حمله على طلاق مكلف يعقل دون من لا يعقل، ولهذا لم يدخل فيه طلاق المجنون والصبي والمبرسم، وخبر: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه". مثله، لا يصح، ولو صح لكان في حق المكلف، مع أن السكران إما معتوه أو ملحق به، وقد ادعت طائفة أنه معتوه، وقالوا: المعتوه في اللغة الذي لا عقل له ولا يدري ما يتكلم به، وأما أن الصحابة أوقعوا طلاقه، فالصحابة مختلفون، فأخرج ابن أبي شيبة (٢) عن عثمان أنه قال: ليس لمجنون ولا سكران طلاق. وقال عطاء: طلاق السكران لا يجوز. وقال ابن طاوس عن أبيه: طلاق السكران لا يجوز. وقال القاسم بن محمد: لا يجوز طلاقه. وصح عن عمر بن العزيز أنه أتي بسكران طلق فاستحلفه بالله الذي لا إله إلا هو، لقد طلقها وهو لا يعقل؛ فحلف فرد عليه امرأته، وضربه
стр. 3047
الحد (١). وأما الرواية عن ابن عباس فهي من طريقين في إحداهما الحجاج بن أرطاة (٢)، وفي الثانية إبراهيم بن أبي يحيى (٣)، وهي معارضة أيضًا بما أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور جميعا (٤) عن هشيم عن [عبد] (أ) الله بن طلحة الخزاعي عن أبي يزيد [المديني] (ب) عن عكرمة عن ابن عباس قال: ليس لسكران ولا مضطهد طلاق. والمضطهد بضاد معجمة ساكنة، ثم طاء مهملة مفتوحة، ثم هاء ودال مهملة، وهو المغلوب المقهور.
وروى ذلك البخاري (٥) تعليقًا، قال ابن عباس: طلاق السكران والمستكره ليس بجائز. أي بواقع. واحتجوا أيضًا بأنه عاص بفعله لم يَزُلْ عنه الخطاب بذلك ولا الإثم (جـ)؛ لأنه يؤمر بقضاء الصلوات وغيرها مما وجب عليه قبل وقوعه في السكر أو فيه. وأجاب الطحاوي بأنه لا يختلف حكم فاقد العقل بين أن يكون ذهاب عقله بسبب من جهته أو من جهة غيره، إذ لا
стр. 3048
فرق بين من عجز عن القيام في الصلاة بسبب من قبل الله أو من قبل نفسه، كمن كسر رجل نفسه، فإنه يسقط عنه فرض القيام، وتعقب بأن القيام انتقل إلى بدل وهو القعود، فافترقا، وأجاب ابن المنذر (١) عن الاحتجاج بقضاء الصلوات بأن النائم يجب عليه قضاء الصلاة، ولا يقع طلاقه، فافترقا، وقال ابن بطال (٢): الأصل في السكران العقل، والسكر شيء طرأ على عقله، فمهما وقع منه من كلام مفهوم فهو محمول على الأصل، حتى يثبت فقدان عقله.
واحتج أهل القول الثاني بما وقع في قصة حمزة، قال البخاري (٣): قال عليٌّ: بقر حمزة خواصر شارفي، فطفق النبي ﷺ يلوم حمزة، فإذا حمزة قد ثمل محمرة عيناه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي. فعرف النبي ﷺ أنه قد ثمل، فخرج وخرجنا معه. قال ابن القيم (٤): وهذا القول لو قاله غير سكران لكان ردة وكفرًا، فلم يؤاخذ بذلك حمزة. يعني: فدل على أن قول السكران غير معتبر. والجواب عنه بأن الخمر كانت مباحة حينئذ، والقائلون باعتبار طلاق السكران، إنما هو إذا كان عاصيًا بها، وبما تقدم من الآثار، وقد عرفت الجواب عن ذلك. وقال ابن المرابط (٥): إذا تيقنا ذهاب عقل السكران لم يلزمه طلاق، وإلا لزمه. ومثله ذكر الإمام يحيى، وقال
стр. 3049
ابن رشد المالكي في "نهاية المجتهد" (١): سبب الخلاف اختلافهم، هل حكمه حكم المجنون أم بينهما فرق؟ فمن قال: هو والمجنون سواء، إذ (أ) كان كلاهما فاقد العقل، ومن شرط التكليف العقل. قال: لا يقع. ومن قال: الفرق بينهما أن هذا السكران أدخل الفساد على عقله بإرادته، والمجنون بخلاف ذلك. ألزم السكران الطلاق، وذلك من باب التغليظ عليه. انتهى.
وإذا تنبهت لما تلونا عليك، وهو معظم ما ذكره العلماء في المسألة، لم يترجح أي القولين بدليل واضح، والله سبحانه أعلم بالصواب. واعلم أن السبكي ذكر في الحديث سؤالين (٢).
أحدهما: أن قوله: "حتى يبلغ". و: "حتى يستيقظ". و: "حتى يفيق". عادات مستقبلة، والفعل المعني بها هو رفع ماض، والماضي لا يجوز أن يكون غايته مستقبلة؛ لأن مقتضى كون الفعل ماضيًا كون إجراء المعنى جميعًا ماضيه، والغاية ظرف المعنى، ويستحيل أن يكون المستقبل ظرفًا للماضي؛ لأن الآن [فاصل] (ب) بينهما، والغاية إما داخلة في المعنى فيكون ماضيًا، وإما خارجة مجاورة، فالمجاور هو الآن، فيكون الآن هو الغاية لا المستقبل الذي الآن فاصل بينه وبين المعنى.
стр. 3050
الثاني: أن الرفع يستدعي سبق وضع، ولم يكن القلم موضوعًا.
وأجاب عن الأول بالتزام حذف في الكلام، وهو رفع القلم، فلا يزال مرتفعًا حتى يبلغ، إذ هو مرتفع حتى يبلغ. وعن الثاني أن الرفع لا يستدعي تقدم وضع، والبيهقي قال (١): إن الأحكام إنما نيطت بخمس عشرة سنة من عام الخندق، وقبل ذلك كانت تتعلق بالتمييز. فإن ثبت هذا، احتمل أن يكون المراد بهذا الحديث انقطاع ذلك الحكم، وبيان أنه ارتفع التكليف عن الصبي وإن ميّز حتى يبلغ، فيصح فيه أنه رفع بعد الوضع، وهذا الاعتبار صحيح في النائم، فإنه كان عليه التكليف قبل نومه، وفي المجنون أيضًا إذا كان المجنون بعد التكليف، والله أعلم.