← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

والسكران وإن لم يعص بالسكر، وإن قالوا: إن ذلك مشروط بالشروط، وهي البلوغ والعقل وغيرهما. فالسكران خارج عن ذلك الاعتبار، فلا يثبت كون لفظ السكران سببًا إلا بدليل، ولم يثبت ذلك حتى يربط به الحكم، وهل النزاع إلا في هذا؟! وأما أن الصحابة جعلوه كالصاحي في قولهم: إذا شرب سكر. إلى آخره، فقال ابن حزم (١): هو خبر مكذوب، قد نزه الله عليًّا وعبد الرحمن عنه، وفيه من المناقضة ما يدل على بطلانه، فإن فيه إيجاب الحد على من هذى، والهاذي لا حد عليه. وأما حديث: "لا قيلولة في الطلاق". فخبر لا يصح، ولو صح لوجب حمله على طلاق مكلف يعقل دون من لا يعقل، ولهذا لم يدخل فيه طلاق المجنون والصبي والمبرسم، وخبر: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه". مثله، لا يصح، ولو صح لكان في حق المكلف، مع أن السكران إما معتوه أو ملحق به، وقد ادعت طائفة أنه معتوه، وقالوا: المعتوه في اللغة الذي لا عقل له ولا يدري ما يتكلم به، وأما أن الصحابة أوقعوا طلاقه، فالصحابة مختلفون، فأخرج ابن أبي شيبة (٢) عن عثمان أنه قال: ليس لمجنون ولا سكران طلاق. وقال عطاء: طلاق السكران لا يجوز. وقال ابن طاوس عن أبيه: طلاق السكران لا يجوز. وقال القاسم بن محمد: لا يجوز طلاقه. وصح عن عمر بن العزيز أنه أتي بسكران طلق فاستحلفه بالله الذي لا إله إلا هو، لقد طلقها وهو لا يعقل؛ فحلف فرد عليه امرأته، وضربه

стр. 3047

الحد (١). وأما الرواية عن ابن عباس فهي من طريقين في إحداهما الحجاج بن أرطاة (٢)، وفي الثانية إبراهيم بن أبي يحيى (٣)، وهي معارضة أيضًا بما أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور جميعا (٤) عن هشيم عن [عبد] (أ) الله بن طلحة الخزاعي عن أبي يزيد [المديني] (ب) عن عكرمة عن ابن عباس قال: ليس لسكران ولا مضطهد طلاق. والمضطهد بضاد معجمة ساكنة، ثم طاء مهملة مفتوحة، ثم هاء ودال مهملة، وهو المغلوب المقهور. وروى ذلك البخاري (٥) تعليقًا، قال ابن عباس: طلاق السكران والمستكره ليس بجائز. أي بواقع. واحتجوا أيضًا بأنه عاص بفعله لم يَزُلْ عنه الخطاب بذلك ولا الإثم (جـ)؛ لأنه يؤمر بقضاء الصلوات وغيرها مما وجب عليه قبل وقوعه في السكر أو فيه. وأجاب الطحاوي بأنه لا يختلف حكم فاقد العقل بين أن يكون ذهاب عقله بسبب من جهته أو من جهة غيره، إذ لا

стр. 3048

فرق بين من عجز عن القيام في الصلاة بسبب من قبل الله أو من قبل نفسه، كمن كسر رجل نفسه، فإنه يسقط عنه فرض القيام، وتعقب بأن القيام انتقل إلى بدل وهو القعود، فافترقا، وأجاب ابن المنذر (١) عن الاحتجاج بقضاء الصلوات بأن النائم يجب عليه قضاء الصلاة، ولا يقع طلاقه، فافترقا، وقال ابن بطال (٢): الأصل في السكران العقل، والسكر شيء طرأ على عقله، فمهما وقع منه من كلام مفهوم فهو محمول على الأصل، حتى يثبت فقدان عقله. واحتج أهل القول الثاني بما وقع في قصة حمزة، قال البخاري (٣): قال عليٌّ: بقر حمزة خواصر شارفي، فطفق النبي ﷺ يلوم حمزة، فإذا حمزة قد ثمل محمرة عيناه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي. فعرف النبي ﷺ أنه قد ثمل، فخرج وخرجنا معه. قال ابن القيم (٤): وهذا القول لو قاله غير سكران لكان ردة وكفرًا، فلم يؤاخذ بذلك حمزة. يعني: فدل على أن قول السكران غير معتبر. والجواب عنه بأن الخمر كانت مباحة حينئذ، والقائلون باعتبار طلاق السكران، إنما هو إذا كان عاصيًا بها، وبما تقدم من الآثار، وقد عرفت الجواب عن ذلك. وقال ابن المرابط (٥): إذا تيقنا ذهاب عقل السكران لم يلزمه طلاق، وإلا لزمه. ومثله ذكر الإمام يحيى، وقال

стр. 3049

ابن رشد المالكي في "نهاية المجتهد" (١): سبب الخلاف اختلافهم، هل حكمه حكم المجنون أم بينهما فرق؟ فمن قال: هو والمجنون سواء، إذ (أ) كان كلاهما فاقد العقل، ومن شرط التكليف العقل. قال: لا يقع. ومن قال: الفرق بينهما أن هذا السكران أدخل الفساد على عقله بإرادته، والمجنون بخلاف ذلك. ألزم السكران الطلاق، وذلك من باب التغليظ عليه. انتهى. وإذا تنبهت لما تلونا عليك، وهو معظم ما ذكره العلماء في المسألة، لم يترجح أي القولين بدليل واضح، والله سبحانه أعلم بالصواب. واعلم أن السبكي ذكر في الحديث سؤالين (٢). أحدهما: أن قوله: "حتى يبلغ". و: "حتى يستيقظ". و: "حتى يفيق". عادات مستقبلة، والفعل المعني بها هو رفع ماض، والماضي لا يجوز أن يكون غايته مستقبلة؛ لأن مقتضى كون الفعل ماضيًا كون إجراء المعنى جميعًا ماضيه، والغاية ظرف المعنى، ويستحيل أن يكون المستقبل ظرفًا للماضي؛ لأن الآن [فاصل] (ب) بينهما، والغاية إما داخلة في المعنى فيكون ماضيًا، وإما خارجة مجاورة، فالمجاور هو الآن، فيكون الآن هو الغاية لا المستقبل الذي الآن فاصل بينه وبين المعنى.

стр. 3050

الثاني: أن الرفع يستدعي سبق وضع، ولم يكن القلم موضوعًا. وأجاب عن الأول بالتزام حذف في الكلام، وهو رفع القلم، فلا يزال مرتفعًا حتى يبلغ، إذ هو مرتفع حتى يبلغ. وعن الثاني أن الرفع لا يستدعي تقدم وضع، والبيهقي قال (١): إن الأحكام إنما نيطت بخمس عشرة سنة من عام الخندق، وقبل ذلك كانت تتعلق بالتمييز. فإن ثبت هذا، احتمل أن يكون المراد بهذا الحديث انقطاع ذلك الحكم، وبيان أنه ارتفع التكليف عن الصبي وإن ميّز حتى يبلغ، فيصح فيه أنه رفع بعد الوضع، وهذا الاعتبار صحيح في النائم، فإنه كان عليه التكليف قبل نومه، وفي المجنون أيضًا إذا كان المجنون بعد التكليف، والله أعلم.

стр. 3051

كتاب الرجعة ٨٩٦ - عن عمران بن حصين ﵁، أنه سُئل عن الرجل يطلق، ثم يراجع ولا يُشْهِدُ؛ فقال: أشهِدْ على طلاقها، وعلى رجعتها. رواه أبو داود (١) هكذا موقوفًا، وسنده صحيح. وأخرجه البيهقي (٢) بلفظ: أنّ عمرانَ بن حصين سئل عمن راجع امرأته ولم يُشْهِدْ، فقال: أرجَعَ في غير سنة! فليشهدِ (أ) الآن. وزاد الطبراني (٣) في رواية: [وليستغفرِ] (ب) الله. الحديث فيه دلالة على شرعية الرجعة، وقد أجمع المسلمون على أن الزوج يملك رجعة زوجته في الطلاق الرجعي، ما دامت في العدة، من غير اعتبار رضاها ورضا وليها، إذا كان الطلاق بعد المسيس، وكان الحكم بصحة الرجعة مجمعًا عليه، لا (جـ) إذا كان مختلفًا فيه، كما في التي مر عليها ثلاثة أطهار، أو ثلاث حيض دون ثلاثة أطهار، والتي انقطع حيضها (د) لعارض وقد مضت عليها ثلاثة أشهر، والتي مضت عدتها ولم

стр. 3052

تعلم بالطلاق، فإنه مع اختلاف المذهب بين الزوجين لا يثبت حكم الرجعة إلا بحكم؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (١). والحديث فيه دلالة على وجوب الإشهاد، ومثله قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). وقد ذهب إلى وجوب الإشهاد الشافعي في قوله القديم، واختاره في رواية الربيع وكذا الناصر، وذهب إلى أن الإشهاد مستحب مالك والشافعي في الجديد والهدوية وأبو حنيفة وأصحابه، واحتج لذلك في "البحر" بحديث ابن عمر (٣)، وهو قوله: "فلْيراجعها". ولم يذكر الإشهاد، فلو كان واجبًا لذكره، وقد يقال: إنه لم يذكره لكونه قد عُرِف حكمه؛ لأن القصة وقعت بعد نزول سورة "الطلاق"، وقد ذكر فيها الإشهاد. وقال في "نهاية المجتهد" (٤): إن قياس الرجعة على سائر الحقوق التي ينشئها الإنسان لنفسه، وهي لا يجب فيها الإشهاد، فكان قرينة على حمل الأمر على الندب. انتهى. أو لأن قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. مرتب على قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. وهو لا يجب الإشهاد على الطلاق اتفاقًا بينهم، فكذلك الرجعة. قال الموزعي في "تيسير (أ) البيان": وقد اتفق الناس على أن الطلاق من غير إشهاد جائز، وأما الرجعة فيحتمل أن تكون في معنى الطلاق؛ لأنها قرينته فلا يجب فيها الإشهاد، ولأنها حق للزوج، فلا يجب

стр. 3053

عليه الإشهاد على قبضه، ويحتمل أن يجب الإشهاد، وهو ظاهر الخطاب. انتهى. وأما الحديث فلا حجة واضحة [فيه] (أ)؛ لاحتمال الاجتهاد من الصحابي، إذ الاجتهاد له مسرح في هذا الحكم فيمكن استنباطه من الآية. فمن قال بوجوب الإشهاد لا تكون الرجعة عنده إلا بالقول ولا يصح بالفعل، ولا بد أن يكون القول صريحًا غير كناية؛ لأن الشهود لا يطلعون على النية، ولفظها الصريح: راجعتك. وما يصرف منه، وهذا مجمع عليه، و: رددتك. و: أمسكتك. الأصح أنه صريح، لقوله تعالى: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢). وكذا: تزوجتك. و: نكحتك. صريح؛ لأنهما صريحان في ابتداء النكاح، فكذا في دوامه. والكناية: أعدت الحل الكامل بيني وبينك. أو: أدمت المعيشة. وقال الإمام يحيى: لا تنعقد الرجعة بالكناية وإن نواها كالنكاح. وقال الشافعي: تنعقد بالكناية قياسًا على الطلاق. قال الإمام المهدي: تشبيهها بالنكاح أولى. والقائلون بعدم وجوب الإشهاد اختلفوا في الرجعة بالفعل؛ فقال الشافعي والإمام يحيي وأبو طالب: محرم فلا تحل به، ولأن الله ذكر فيها الإشهاد، فأفهم أنها لا تكون إلا بما يمكن معه الإشهاد، وهو القول. ويتفرع على قولهم أنه إذا وطئ لزم المهر في أحد قولي الشافعي، وسواء راجعها بعده أم لا، وفي القول الآخر والإمام يحيى: لا يلزم المهر. إذ

стр. 3054

أصل مِلك النكاح باق، بدليل التوارث، ولا تستأنف العدة عندهم، إذ يتداخلان لكونهما من واحد. والقائلون بأنها تكون بالفعل اختلفوا؛ هل من شرطه النية أم لا؟ فقال مالك: لا يكون بالفعل إلا إذا نوى به الرجعة. لأن الفعل عنده ينزل منزلة القول مع النية، وقال أبو حنيفة وأصحابه والعترة وإسحاق والليث والنخعي: يصح به وإن لم ينو وإن أثم بذلك؛ لأن العدة مدة تخيير، والتخيير يصح بالقول (أوالفعل أ). وقال أحمد: بل تصح الرجعة به ولا إثم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ (١). وهي زوجة. ومقدمات الوطء جميعها رجعة عند الهدوية، وقال أبو حنيفة: التقبيل واللمس ونظر الفرج رجعة لا نظر سائر الجسد. وقال مالك: التقبيل ليس برجعة. وعند من اعتبرها بالفعل تصح بوطء المجنون كإتلاف ما فيه خيار، ولو حائضة أو محرمة أو مكرهة (أأو مكرها أ) لا بلفظه، والسكران على الخلاف في طلاقه إذا راجع باللفظ، ولا حد عند من منع الرجعة بالفعل وإن علما، لشبهة الزوجية. ويحرم على الزوج مضاررة الزوجة بالرجعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ (٢). وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣). ويجب عليه إعلام الزوجة بالرجعة لئلا تزوج غيره، فإن تزوجت جاهلة فالنكاح باطل، وهي لزوجها الذي ارتجعها، وقد ذهب إلى هذا الجمهور

стр. 3055

من العلماء، ومنهم الشافعي وأبو حنيفة والكوفيون، وقال به داود، وهو مروي عن علي ﵁، وذهب مالك فيما صرح به في "الموطأ" (١) إلى أنها للثاني دخل بها أو لم يدخل. (أوبه أ) قال الأوزاعي والليث والبصري. وروى ابن القاسم عن مالك أنه رجع عنه، وقال: الأول أولى بها إلا أن يدخل الثاني. وأثبت المدنيون من أصحابه قوله الأول، قالوا: ولم يرجع عنه؛ لأنه أثبته في "موطآته" إلى يوم مات وهو يُقرأُ عليه، وهو قول عمر بن الخطاب، رواه عنه مالك في "الموطأ". وقد روي عن عمر أنه قال: إن الزوج الذي ارتجعها مخير بين أن تكون امرأته، أو يرجع عليها بما كان أصدقها (٢). وحجة مالك ما رواه ابن وهب عن [يونس] (ب) عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه قال: مضت السنة في الذي يطلق امرأته، ثم يراجعها، ثم يكتمها رجعتها فتحل، فتنكح زوجا غيره، أنه ليس له من أمرها شيء، ولكنها لمن تزوجها (٣). وقد قيل: إن هذا الحديث إنما يروى عن ابن شهاب فقط، وحجة القول الأول أن العلماء قد أجمعوا على أن الرجعة صحيحة وإن لم تعلم بها المرأة، بدليل أنهم قد أجمعوا على أن الزوج الأول أحق بها قبل أن تزوج، وإذا كانت الرجعة صحيحة كان زواج الثاني فاسدًا، فإن نكاح الغير لا تأثير له في إبطال الرجعة، لا قبل الدخول ولا بعده، وهو

стр. 3056

الأظهر إن شاء الله تعالى. ويشهد لذلك ما أخرجه الترمذي (١) عن سمرة بن جندب، أن النبي ﷺ قال: "أيما امرأة [تزوجها] (أ) اثنان فهي للأول منهما، ومن باع بيعًا من رجلين فهو للأول منهما". واختلف العلماء في مقدار ما يجوز للزوج أن يطلع عليه من الرجعية ما دامت في العدة؛ فقال [مالك] (ب): لا يخلو معها، ولا يدخل عليها إلا بإذنها، ولا ينظر إلى شعرها، ولا بأس أن يأكل معها إذا [كان] (جـ) معهما غيرهما. وحكى ابن القاسم أنه رجع عن إباحة الأكل معها. وقال أبو حنيفة: لا بأس أن تزين الرجعية لزوجها وتطّيب له، و [تشوَّف] (د) له، وتبدي له الثياب والكحل. وبه قال الثوري (هـ) وأبو يوسف والأوزاعي والهدوية. وكلهم قالوا: لا يدخل عليها إلا أن تعلم بدخوله بقول، أو حركة بتنحنح أو خفق.

стр. 3057

٨٩٧ - وعن ابن عمر ﵄، أنه لما طلق امرأته قال النبي ﷺ لعمر: "مُرْه فليراجعها". متفق عليه (١). تقدم الكلام في ذلك (٢).

стр. 3058

باب الإيلاء والظهار والكفارة الإيلاء أصله في اللغة: الحلف على الشيء، يقال فيه: آلى يؤلي إيلاء، وتألّى تألِّيًا، وأْتلى ائتلاء، ويستعمل بمعنى اليمين، وجمعه ألايا بالتخفيف كعطايا، قال الشاعر (١): قليل الألايا حافظ ليمينه ... فإن سبقت منه الأليَّة بَرَّتِ فجمع بين المفرد والجمع. وفي الشرع: الامتناع باليمين من وطء الزوجة، ولهذا عدي فعله بـ"من" في قوله: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٢). لتضمينه معنى: يمتنعون. والظهار: بكسر الظاء مشتق من الظهر؛ لقول القائل: أنت علي كظهر أمي. وإنما خص الظهر من بين الأعضاء لأن كل مركوب من الحيوان يسمى ظهرًا، لحصول الراكب على ظهره، فشبهت الزوجة به، أو أنه كنى بالظهر عن البطن؛ لما كان ذكر البطن كالتصريح بذكر العورة، وكأن الظهر [عمود البطن] (أ) كما قال عمر ﵁: يجيء أحدهم على عمود بطنه (٣). ٨٩٨ - وعن عائشة ﵂ قالت: آلى رسول الله ﷺ من نسائه وحرم، فجعل الحرام حلالا، وجعل لليمين كفارة. رواه الترمذي،

стр. 3059

ورواته ثقات، ورجح الترمذي إرساله على وصله (١). وفيه دلالة على جواز حلف الرجل من زوجته، ولكن لم يكن في الحديث تصريح بالإيلاء المصطلح عليه في عرف الشرع، وهو الحلف من وطء الزوجة، وقول أكثر أهل العلم أن الإيلاء لا بد فيه من التصريح بالامتناع من الوطء لا مجرد الامتناع من الزوجة، والخلاف فيه لحماد بن [أبي] (أ) سليمان شيخ أبي حنيفة، وهو مسبوق بالخلاف أيضًا، وقد أخرج الطبري (٢) من طريق سعيد بن المسيب: إن حلف ألا يكلم امرأته يومًا أو يومين فهو إيلاء، إلا إن كان (٥) يجامعها ولا يكلمها فليس بمؤلٍ. وكان إيلاؤه شهرًا كما ثبت في "صحيح البخاري" (٣)، واختلفت الروايات في سبب إيلائه ﷺ وفي تحريمه؛ ففي رواية البخاري (٤) لحديث ابن عباس عن عمر ﵁ لما سأله عن المرأتين اللتين قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا﴾ (٥) الحديث الطويل. قال عمر: فاعتزل النبي ﷺ نساءه من أجل ذلك الحديث الذي أفشته حفصة إلى عائشة. ولم يفسر في هذه الرواية الحديث الذي أفشته حفصة، وفيه أيضًا: وكان قال: "ما أنا بداخل عليهن

стр. 3060

شهرًا". من شدة موجدته عليهن حين (أ) عاتبه الله. وهذا أيضًا مبهم، وذكر محمد بن الحسن المخزومي في كتابه "أخبار المدينة" بسند له مرسل أنه ﷺ كان يبيت في المشربة، ويقيل عند أراكة على خلوة بئر كانت هناك. والمراد بالمعاتبة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ الآية (١). وفي "الصحيحين" أن الذي حرم على نفسه العسل (٢)، أو تحريم مارية (٣). ووقع في رواية يزيد بن رومان عن عائشة عند ابن مردويه (٤) بالجمع بين القولين، وفي آخره بعد أن ذكر قصة العسل أن حفصة في يومها استأذنته أن تأتي أباها، فأذن لها فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارية فأدخلها بيت حفصة، قالت حفصة: فرجعت فوجدت الباب مغلقًا، فخرج ووجهه يقطر، وحفصة تبكي، فعاتبته، فقال: "أشهدك أنها علي حرام، انظري لا تخبري بهذا امرأة، وهي عندك أمانة". فلما خرجت قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشرك، إن رسول الله ﷺ قد حرم أمته. فنزلت. وأخرج ابن مردويه (٤) من طريق الضحاك عن ابن عباس أنها وجدت معه مارية، فقال: "لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة، إن أباك يلي هذا الأمر

стр. 3061

بعد أبي بكر إذا أنا مت". فذهبت إلى عائشة فأخبرتها، فعاتبها على ذلك، ولم يعاتبها على أمر الخلافة، فلهذا قال الله تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ (١). وأخرج الطبراني (٢) نحوه عن أبي هريرة، وفيهما ضعف. وأخرج ابن سعد (٣) سببًا رابعًا من طريق عمرة عن عائشة، قالت: أُهديت لرسول الله ﷺ هدية، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه نصيبها، فلم ترض زينب بنت جحش بنصيبها، فزادها مرة أخرى فلم ترض، فقالت عائشة: لقد [أقمأت] (أ) وجهك؛ ترد عليك الهدية؟ فقال: "لأنتن أهون على الله من أن [تقمئنني] (ب)، لا أدخل عليكن شهرا" الحديث. ومن طريق الزهري عن عروة عن عائشة نحوه وفيه: ذبح ذبحًا فقسمه بين أزواجه. الحديث (٤). وسببًا خامسًا أخرجه مسلم (٥) من حديث جابر قال: جاء أبو بكر والناس جلوس بباب النبي ﷺ لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر فدخل، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا وحوله نساؤه. فذكر الحديث. وفيه: "هن حولي كما ترى يسألنني النفقة". فقام

стр. 3062

أبو بكر إلى عائشة، وقام عمر إلى حفصة، ثم اعتزلهن شهرًا. فذكر نزول آية التخيير. قال المصنف رحمه الله تعالى (١): واللائق بمكارم أخلاقه ﷺ وسعة صدره، وكثرة صفحه، أن يكون مجموع هذه الأشياء سببًا لاعتزالهن. وقوله: وحرم. أي حرم مارية، أو العسل، كما ذكر في الأسباب، فيندفع بذلك احتمال تحريم جماع نسائه حتى يكون من باب الإيلاء على ما ذهب إليه الجمهور، وقد جزم ابن بطال وجماعة أنه ﷺ امتنع من جماع نسائه في ذلك الشهر. قال المصنف (٢): ولم أقف على نقل صريح في ذلك، فإنه لا يلزم من ترك دخوله عليهن ألا تدخل إحداهن عليه في المكان الذي اعتزل فيه، إلا إن كان المكان المذكور من المسجد، فيتم استلزام عدم الدخول عليهن -مع استمرار الإقامة في المسجد- العزم على ترك الوطء لامتناع الوطء في المسجد. ٨٩٩ - وعن ابن عمر ﵄ قال: إذا مضت أربعة أشهر يوقف المؤلي حتى يطلق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق. أخرجه البخاري (٣). اعلم أن الإيلاء وقع الخلاف فيه بين العلماء في الأمر الذي يعلق به

стр. 3063

الإيلاء، وفي مدته، وفي اعتبار اللفظ فيه، وفي أنه [يكون] (أ) طلاقًا بعد مضي المدة، وبما يحصل الفيء، فأما ما يعلق به الإيلاء، فهو ترك الجماع للزوجة صريحًا أو كناية، وقد تقدم الرواية عن ابن المسيب أنه قد يكون مؤليًا بترك الكلام، وكذا أخرج الطبري (١) عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر فيمن قال لامرأته: إن كلمتك سنة فأنت طالق. قال: إن مضت أربعة أشهر ولم يكلمها طلقت، وإن كلمها قبل سنة فهي طالق. وأخرج من طريق يزيد بن الأصم أن ابن عباس قال: ما فعلت امرأتك لعهدي بها سيئة الخلُق؟ قال: لقد خرجت وما أكلمها. قال: [أدركها] (ب) قبل مضي أربعة أشهر، فإن مضت فهي تطليقة (٢). ففيه دلالة على أن الإيلاء يقع بترك الكلام، وبغير قسم أيضًا. وأما المدة: فهي مطْلقة أو مؤقتة، فالمطْلقة ينعقد الإيلاء فيها عند الأكثر، وذهب أبو العباس إلى أنه لا ينعقد، لقوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (٣). والجواب أن الأربعة إنما هي مدة التربص لا مدة الإيلاء، فلا دلالة. وأما المؤقتة: فذهب العترة والحنفية وجماعة من التابعين إلى أنها تنعقد بالأربعة الأشهر؛ لظاهر الآية الكريمة، إلا أن أبا حنيفة يقول: إنها تطلق إذا مضت الأربعة ولم يفئْ. وعند غيره أنها لا تطلق، ولكن للمرأة المطالبة

стр. 3064

بالفيء أو بالطلاق، والموقع للطلاق يقول: إن الآية تدل على ذلك من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن عبد الله بن مسعود قرأ: (فإن فاءوا فيهن فإن الله غفور رحيم) (١). فإضافة الفيئة إلى المدة يدل على استحقاق الفيئة فيها، وهذه القراءة إما أن تجرى مجرى خبر الواحد فيوجب العمل، وإن لم يكن قرآنا. الثاني: أن الله جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر، فلو كانت الفيئة (أبعدها لزادت أ) على مدة النص، وذلك غير جائز. الثالث: أنه لو وطئها في مدة الإيلاء لوقعت الفيئة موقعها، فدل على استحقاق الفيئة فيها. وذهب الجمهور من العلماء، وروي عن بضعة عشر من الصحابة؛ منهم عثمان وعلي وعائشة وابن عمر، ويروى عن عمر أيضًا، ومنهم أحمد والشافعي ومالك، إلى أنه لا يكون مؤليًا إلا بأكثر من أربعة أشهر، والأربعة الأشهر إنما هي مدة لإمهال الزوج، لا تستحق الزوجة المطالبة فيها، فبعد مضيها يثبت لها المطالبة بالفيء أو بالطلاق، ويحبسه الحاكم حتى يطلق، أو يوقع الحاكم عنه الطلاق على الخلاف في ذلك، قالوا: لأن الله جعل لهم مدة التربص أربعة أشهر، فلا تستحق المطالبة فيها (ب) بل تكون المطالبة فيما

стр. 3065

بعدها، فكانت كأجل الدين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾. بفاء التعقيب وهو بعد الأربعة، فلو كانت المدة أربعة أو أقل لكانت المدة قد انقضت، فلا تطالب بعدها، والتعقيب هو للمدة لا (أ) للإيلاء؛ لبعده، ولأن الله خير في الآية بين الفيئة والعزم على الطلاق، فيكونان في وقت واحد، وهو بعد مضي الأربعة، ولو كان الطلاق يقع بمضي الأربعة والفيئة قبل مضيها لم يكن تخييرًا؛ لأن حق المخير بينهما أن يقع أحدهما في الوقت الذي يصح فيه الآخر كالكفارة، وهذا الوجه أشار إليه الشافعي، ولأن الله تعالى لما جعل مدة الانتظار أربعة أشهر، فلا سبيل عليه مدة بقائها، فإذا مضت كان عليه السبيل؛ إما أن يفيء، وإما أن يطلق، كما لو قال: أجلتك أربعة أشهر. لم يكن له الطالبة حتى تنقضي المدة، ولأن الله أضاف عزم الطلاق إلى الرجل، وليس انقضاء المدة من فعل الرجل، ولذلك كانت عائشة إذا حلف الرجل ألا يأتي امرأته فيدعها خمسة أشهر، لا ترى ذلك شيئًا حتى يوقَف، وتقول: كيف قال الله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). وذهب الحسن والنخعي وقتادة وابن أبي ليلى إلى أن الإيلاء يقع بقليل الزمان وكثيره. ويروى عن عبد الله بن مسعود (٢). ودليلهم ظاهر قوله تعالى: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. من غير تقييد، وقد يجاب عنه بأن الله ضرب

стр. 3066

الأربعة الأشهر ليرجع فيها المؤلي عن المضاررة والعمل بمقتضى يمينه، وذلك يقتضي أن تزيد المدة على أربعة أشهر. وروي عن ابن عباس أن المؤلي من حلف لا يصيب امرأته أبدًا. والفيئة في اللغة بمعنى الرجوع، والمراد بها هنا هو رجوع الزوج إلى وطء الزوجة، وهذا في حق القادر، وأما المعذور فيبين عذره، ويقول: لو قدرت لفئت. وعند الهدوية أن يقول: رجعت عن يميني. وقال عكرمة: فيئة المعذور بالنية. وإليه ذهب أبو ثور وأحمد؛ وذلك لأن الفيئة هو الرجوع عن اليمين، وهي عبارة عن التوبة عن المضاررة من الزوج لزوجته، والتوبة لا تحتاج إلى لفظ إلا أنه يقال: هي توبة متعلقة بالاستحلال من حق الغير، ولابد من الإفهام بذلك، وهو يكون باللفظ، وتجب الكفارة مع الوطء، وهو قول أكثر أهل العلم، ويروى عن ابن عباس وزيد بن ثابت، وهو الجديد للشافعي، وقال النخعي والحسن والقديم من قولي الشافعي: لا كفارة تجب. وظاهر الآية الكريمة عموم الحكم للحر والعبد وأنهما سواء، وبهذا قال الشافعي وأحمد وأبو ثور وأهل الظاهر، وذهب مالك إلى تنصيف مدته قياسًا على تنصيف حده وطلاقه، ويروى عن الزهري وعطاء وإسحاق، وذهب أبو حنيفة إلى اعتبار نقصان المدة بالنساء لا بالرجال؛ قياسًا على العدة، وبه قال الحسن والنخعي، وقد يرد قياس مالك بالفرق بين الحُكمين؛ لأن الحد حق لله، ومبناه على الدرء والإسقاط، والإيلاء حق للآدمي ومبناه على التغليظ والاحتياط، وأما قياسه على الطلاق فهو معارَض بقياسه على الفيئة؛ لأن الشارع ضرب المدتين توسعة (أ) للأزواج في أداء ما

стр. 3067

وجب [منه] (أ) دفع الضرار، ويرد على قياس أبي حنيفة ذلك على العدة، بأن حكم الإيلاء جعل الله اعتباره إلى الرجال، وحكم العدة اعتباره إلى النساء، فكيف يعتبر حكم وجب للرجال بحكم وجب للنساء؟ وعموم الآية يقتضي صحة الإيلاء من كل زوجة، صغيرة أو كبيرة، رتقاء (١) أو قرناء (٢)، أو مريضة، أو غير ذلك. والفقهاء مختلفون في ذلك، فمنهم من أخذ بالعموم، ومنهم من جعل ذلك في حق الصالحة للجماع (ب)، وهو من خصص العموم بالمعنى، وهو عدم المضاررة في حق من لم تكن صالحة للجماع، حتى ذهب مالك إلى أن من قصد المضاررة بترك الوطء و (جـ) لم يؤْل بلسانه يكون مُؤْليًا، والجمهور على خلافه. وأجمعوا على أن الإيلاء يتعلق بالزوجة دون المملوكة؛ لقوله تعالى: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ (٤). وليس في الإماء طلاق؛ ولأنه لا يجب للمملوك على مالكه شيء من المؤنة.

стр. 3068

واعلم أن الإيلاء في لسان العرب هو الحلف مطلقًا، قال الشاعر (١): فآليت لا أنفك أحدو قصيدة ... تكون وإياها بها مثلًا بعدي ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الإيلاء هنا كما (أ) في اللغة، ينعقد بكل يمين على الامتناع من الوطء، سواء حلف بالله أو بغيره، وبه قال الجمهور والشافعي في الجديد، ويروى عن ابن عباس، وقال به أبو حنيفة وأصحابه ومالك، وذهب العترة وقول الشافعي في القديم إلى أنه لا ينعقد إلا بالحلف بالله تعالى، قالوا: لأنه لا يكون يمينًا إلا ما كان بالله تعالى، فلا تشمله الآية. ٩٠٠ - وعن سليمان بن يسار قال: أدركت بضعة عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم كانوا يقفون المؤلي. رواه الشافعي (٢). هو أبو أيوب، ويقال: أبو عبد الرحمن، سليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، وأخو عطاء بن يسار، بفتح الياء تحتها نقطتان وتخفيف السين المهملة، من أهل المدينة، وكبار التابعين، كان فقيهًا فاضلا ثقة عابدًا ورعًا حُجة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة، قال الحسن بن محمد: سليمان بن يسار أفهم عندنا من سعيد بن المسيب. ولم يقل: أعلم ولا أفقه. روى عن ابن عباس وأبي هريرة وأم سلمة، روى عنه الزهري ويحيى بن سعيد

стр. 3069

الأنصاري وغيرهما من الأعلام، مات سنة سبع ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. وأخرج الشافعي (١) بلفظ: بضعة عشر رجلًا. وأخرج إسماعيل القاضي (٢) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سليمان بن يسار، قال: أدركت بضعة عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: الإيلاء لا يكون طلاقًا حتى يوقفَ. وأخرج الدارقطني (٣) من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه أنه قال: سألت اثني عشر رجلًا من الصحابة عن الرجل يؤلي، فقالوا: ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقَف، فإن فاء وإلا طلق. وأخرج إسماعيل (٢) عن سليمان بن يسار من وجه آخر، قال: أدركنا الناس يقفون الإيلاء إذا مضت الأربعة. وأخرج البخاري (٤) أن (أ) ابن عمر كان يقول في الإيلاء الذي يسمي الله: لا يحل لأحد (ب) بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف أو يعزم بالطلاق، كما أمر الله سبحانه. وقال البخاري (٥): قال لي إسماعيل، هو ابن أبي أويس (جـ): حدثني مالك عن نافع عن ابن

стр. 3070

عمر: إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق. ويُذكر ذلك عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ . انتهى. وأثر ابن عمر أخرجه الإسماعيلي من طريق معن بن عيسى عن مالك بلفظ: أنه كان يقول: أيما رجل آلى من امرأته، فإذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق أو يفيء، ولا يقع عليه طلاق إذا مضت حتى يوقف. وكذا أخرجه الشافعي (١) عن مالك، وزاد: فإما أن يطلق وإما أن يفيء. وهذا تفسير للآية من ابن عمر، وتفسير الصحابة في مثل هذا له حكم الرفع عند البخاري ومسلم كما نقله الحاكم، وأثر عثمان وصله الشافعي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق (٢) من طريق طاوس أن عثمان بن عفان كان يوقف المؤلي، فإما أن يفيء وإما أن يطلق. وفي سماع (أ) طاوس من عثمان نظر. وأخرجه إسماعيل القاضي في "الأحكام" (٣) من وجه آخر منقطع عن عثمان أنه كان لا يرى الإيلاء شيئًا، وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف. ومن طريق سعيد بن جبير عن عمر نحوه، وهذا منقطع أيضًا، فالطريقان عن عثمان يعضد أحدهما الآخر، وجاء عن عثمان خلافه، فأخرج عبد الرزاق والدارقطني (٤) من طريق عطاء الخراساني، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عثمان وزيد

стр. 3071

ابن ثابت: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة. وقد سئل أحمد عن ذلك فرجح رواية طاوس، وأما أثر علي فوصله الشافعي وأبو بكر بن أبي شيبة (١) من طريق [عمرو] (أ) بن سلمة أن عليًّا وقف المؤلي. وسنده صحيح، وأخرج مالك (٢) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي نحو قول [ابن] (ب) عمر: إذا مضت الأربعة أشهر لم يقع عليه الطلاق حتى يوقف؛ فإما أن يطلق وإما أن يفيء. وهذا منقطع، يعتضد بالذي قبله. وروي [عن] (جـ) زيد بن علي عن أبيه، عن جده. رواه عنه في "أصول الأحكام". وأخرج سعيد بن منصور (٣) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى: شهدت عليًّا أوقف رجلًا عند الأربعة بالرحبة؛ إما أن يفيء وإما أن يطلق. وسنده صحيح أيضًا، وأخرج إسماعيل القاضي (٤) من طريق سعيد بن المسيب أن أبا الدرداء قال: يوقف في الإيلاء عند انقضاء الأربعة؛ فإما أن يطلق وإما أن يفيء. وسنده صحيح إن ثبت سماع ابن المسيب من أبي الدرداء. وأما أثر عائشة فأخرج عبد الرزاق (٥) عن معمر عن قتادة أن أبا الدرداء وعائشة قالا. فذكر مثله، وهذا منقطع. وأخرج سعيد بن منصور (٦) بسند صحيح عن عائشة بلفظ: أنها

стр. 3072

كانت لا ترى الإيلاء شيئًا حتى يوقَف. وللشافعي (١) عنها نحوه. وسنده صحيح أيضًا (أ). الأثر المذكور وما عضده من الآثار، يدل على إيقاف المؤلي بعد مضي الأربعة، والمراد بإيقافه هو أنه يطالَب؛ إما بالفيء أو بالطلاق، ولا يقع الطلاق بمجرد مضي المدة، وهذا هو الذي ذهب إليه الجمهور من الصحابة والعلماء، وذهب الكوفيون إلى أنه إن فاء بالجماع قبل انقضاء المدة استمرت عصمته، وإن مضت المدة وقع الطلاق بنفس مضي المدة، ولا عدة؛ لأنه لا تربص على المرأة بعد انقضائها. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إنه يكون الطلاق بائنًا؛ إذ لا فائدة للمرأة لو كان رجعيًّا. وذهب النخعي إلى أنها تكون رجعية؛ إذ لا مقتضِي للبينونة، ولما روي عن علي ﵁: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة (٢). كذا رواه الإمام المهدي في "البحر"، ولكنه أخرجه الطبري (٣) بسند لا بأس به عن علي: إن مضت الأربعة الأشهر ولم يفئْ طلقت طلقة بائنة. وأخرجه (٣) بسند صحيح عن ابن مسعود أيضًا، وبسند حسن عن علي وزيد بن ثابت مثله (٣). وعن جماعة من التابعين من الكوفيين وغيرهم كابن الحنفية وقبيصة بن ذؤيب وعطاء والحسن وابن

стр. 3073

سيرين مثله. وأخرج (أمن طريق أ) ابن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن وربيعة ومكحول والزهري والأوزاعي: تطلق، لكن طلقة رجعية. وأخرج سعيد بن منصور (١) من طريق جابر بن زيد: إذا آلى فمضت أربعة أشهر، طلقت بائنًا ولا عدة عليها. وأخرج إسماعيل القاضي (٢) في "أحكام القرآن" بسند صحيح عن ابن عباس مثله. واخرج سعيد بن منصور (٣) من طريق مسروق: [إذا مضت الأربعة بانت بطلقة وتعتد بثلاث حيض. وأخرج إسماعيل (٢) من وجه آخر عن مسروق] (ب) عن ابن مسعود مثله. وأخرج ابن أبي شيبة (٤) بسند صحيح عن أبي قلابة أن النعمان بن بشير آلى من امرأته، فقال ابن مسعود: إذا مضت أربعة اشهر فقد بانت منه (جـ) بتطليقة. فإذا عرفت ما تلوناه عليك من تعارض الآثار واختلاف علماء الصحابة والتابعين في ذلك، فالرجوع إلى الترجيح، وهو ترجيح القول الأول بظاهر الآية، وهو أن قوله : ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٥). بعد قوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾. فيه إيماء إلى أن عزم الطلاق بقول ليناسبه السماع،

стр. 3074

ولو كان يقع بمجرد مضي المدة لكفى ذكر ﴿عَلِيمٌ﴾ من دون ﴿سَمِيعٌ﴾ كما هو المعروف من بلاغة كتاب الله سبحانه، وإحكام نظمه، ورصانة مبانيه، وإشارة فواصله إلى ما دلت عليه الجملة السابقة، ولأنه قال بذلك جمهور الصحابة، والترجيح قد يقع بالأكثر. واعلم أنه إذا طلق فعند الجمهور أن الطلاق يكون رجعيًّا، إلا أن مالكًا قال: لا تصح رجعته إلا إن جامع في العدة، وإذا فاء فإن كان قادرًا كان فيئه بالوطء، وإن كان عاجزًا كان فيئه باللفظ، بأن يقول: رجعت عن يميني. أو: ندمت على يميني، وإذا قدرت على الوطء فعلته. ومتى قدر أجبر على الوطء، ولا إمهال إلا إذا كان مقيدًا الإيلاء بمدة، فيمهل بعد مضي ما قيد به يومًا أو يومين، لضعف حكمه بعد مضي المدة، إذ لا حنث، قال الإمام يحيى: ويمهل حتى يأكل ويشرب أو يصلي أو يخف الشابع أو ينام الناعس إجماعًا، للمسامحة في ذلك، لا شهرًا ونحوه إجماعًا، وفي الثلاثة الأيام وجهان: يلزم فصلًا بين قليل المدة وكثيرها، ولا؛ إذ لا عذر. انتهى. وإذا كان غائبًا فإن كان دون مسافة القصر رجع فورًا ولا إمهال، وإن كان مسافة القصر فاء باللفظ، وكان حكمه حكم العاجز، وذكر الإمام المهدي في "البحر" أنه يرجع فورًا أيضًا إن (أ) لم يستوطن ذلك الكان، فإن استوطنه طلبها إليه. وكذا إن كان محرمًا كان فيئه باللفظ، فإن أراد الوطء كان لها منعه؛ لأن فعله منكر، وكذا إذا كان مظاهرًا منها قبل التكفير، فيجبر على العتق، ويمهل حتى يشتري رقبة يومًا أو يومين، وإن كان معسرًا

стр. 3075

ووجب عليه الصوم، فاء باللفظ لطول المدة، ولها منعه إذا طلب الوطء قبل التكفير، والله سبحانه أعلم. ٩٠١ - وعن ابن عباس ﵁ قال: كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين، فوقت الله أربعة أشهر، فإن كان أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء. أخرجه البيهقي (١). وأخرجه الطبراني (٢) أيضًا من حديث ابن عباس، وقال الشافعي: كانت العرب الجاهلية تحلف بثلاثة أشياء؛ الطلاق، والظهار، والإيلاء، فنقل الله سبحانه الإيلاء والظهار عما كانا عليه في الجاهلية من إيقاع الفرقة على الزوجة إلى ما استقر عليه حكمهما في الشرع، وبقي حكم الطلاق على ما كان عليه. الحديث فيه دلالة على أن أقل ما ينعقد به الإيلاء أربعة أشهر، وقد تقدم الكلام على ذلك. ٩٠٢ - وعن ابن عباس ﵁، أن رجلًا ظاهر من امرأته، ثم وقع عليها، فأتى النبي ﷺ فقال: إني وقعْت عليها قبل أن أكفر. قال: "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به". رواه الأربعة وصححه الترمذي، ورجح النسائي إرساله (٣)،

стр. 3076

ورواه البزار (١) من وجه آخر عن ابن عباس، وزاد فيه: "كفِّر ولا تعد". الحديث بلفظ النسائي، وفي رواية له (٢): "اعتزلها حتى تقضي ما عليك". وفي رواية لأبي داود (٣) قال: "فاعتزلها حتى تكفر عنك". ورجاله ثقات، وأعله أبو حاتم والنسائي بالإرسال (٤)، وقال ابن حزم (٥): رواته ثقات ولا يضره إرسال من أرسله. وطريق البزار عن خصيف عن عطاء عن ابن عباس بلفظ، أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني ظاهرت من امرأتي، رأيت ساقها في القمر فواقعتها قبل أن أكفر. قال: "كفِّر ولا تعد". قوله: أن رجلًا ظاهر من امرأته. لم أر تسمية الرجل المظاهر، والظهار كما عرفت في اشتقاقه أنه مشتق من الظهر، وهو قول الرجل لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي. [فيكنون] (أ) بالظهر الذي هو محل الركوب، ويشبهون به المرأة، كما أن الزوجة موطوءة للزوج، فكنوا بالظهر عما يستهجن ذكره، وأضافوا الظهر إلى الأم؛ لأنها أم المحرمات. قال الشافعي رحمه الله تعالى: سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يذكرون أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بثلاث؛ الظهار والإيلاء والطلاق،

стр. 3077

فأقر الله سبحانه الطلاق طلاقًا، وحكم في الإيلاء أن يمهل المؤلي أربعة أشهر، ثم جعل عليه أن يفيء أو يطلق، وحكم في الظهار بالكفارة، وأعلم بأنه محرم تحريمًا مغلظًا؛ لا فيه من المنكر والزور والكذب والإجماع على تحريمه. واختلف العلماء فيما إذا شبهها بغير ظهر أمه؛ فذهب العترة ومالك والشافعي في أظهر قوليه أنه يكون ظهارًا. وقال في القول الآخر: لا يكون ظهارًا. وقال أبو حنيفة: يكون الظهار بالعضو الذي يحرم النظر إليه. واختلفوا أيضًا إذا شبهها بغير الأم من المحارم؛ فذهب أكثر العترة إلى أنه لا يكون ظهارًا؛ نظرًا إلى ظاهر النص الوارد. وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه والناصر والإمام يحيى إلى أنه يصح بغير الأم من المحارم ولو من الرضاع؛ نظرًا إلى المعنى المعلل به، فيثبت بالقياس على الأم، إذ العلة التحريم المؤبد، وهو حاصل. وقال ابن القاسم من أصحاب [مالك] (أ): ولو من الرجال. وذهب مالك وأحمد والبتي إلى أنه ينعقد، وإن لم يكن المشبه به محرمًا على التأبيد كالأجنبية، بل قال أحمد: حتى في (ب) البهيمة. وعموم الخطاب بالآية يقضي أن الظهار يصح من زوج مكلف حرًّا أم عبدًا، مسلمًا أم كافرًا، سليمًا أم خصيًّا أم مجبوبًا (جـ). واشترط العترة وأبو حنيفة وأصحابه والنخعي الإسلام في المظاهر؛ لأن

стр. 3078

من لوازمه الكفارة، وهي لا تصح من الكافر، ولو كان التحريم يرتفع بغير الكفارة، لم يكن تحريم ظهار، فإن من لوازمه الكفارة إلا في المؤقت، ولم يشترطه الشافعي وأصحابه وزيد بن علي فقالوا: يصح من الكافر؛ لعموم الخطاب، ويكفر بالعتق والإطعام لا الصوم، فإنه متعذر في حقه. وأجيب بأن العتق والإطعام إذا خرجا لأجل الكفارة كانا قربة، وهي لا تصح من الكافر. ولا يصح الظهار من الأمة المملوكة عند العترة والحنفية والشافعية؛ لأن قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (١). لا يتناول المملوكة في عرف اللغة، وللاتفاق في الإيلاء أنها غير داخلة في عموم النساء، وقياسًا على الطلاق. وذهب مالك والثوري وعطاء وجماعة، وروى العمراني ذلك عن علي أنه يصح من الأمة؛ لعموم لفظ النساء. إلا أن عطاء قال: لا يجب إلا نصف الكفارة. وقال الأوزاعي: إن كان يطأ الأمة صح الظهار منها، وإن لم تكن موطوءة له فهي يمين يلزم فيها الكفارة، ويصح من الأمة المزوجة، والخلاف لموسى بن جعفر والبستي من الناصرية، قالوا: لأن المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. الحرائر. والجواب أن الظاهر هو الزوجات. ويصح من العبد لزوجته عند الأكثر، وقال قوم: لا يصح؛ لتعذر التكفير. والجواب أن الصوم لا يتعذر في حقه فيتعين عليه. وقال مالك: إنه يصح أن يكفر بالإطعام بإذن مولاه. وقال أبو ثور: إن أعطاه سيده عبدًا صح أن يكفر به. والجواب أن الإطعام والإعتاق فرعا الملك، وهو لا يملك.

стр. 3079

واختلف العلماء في إضافة النساء إلى الضمير في قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. هل هي في الزوجات، كما هو الظاهر؛ لدلالة الإضافة على الاختصاص، أو فيمن يصح للرجل نكاحها وإن لم تكن في الحال زوجة، والإضافة تصح لأدنى اختصاص؟ فقال بالأول الشافعي وداود وأبو ثور، وهو قول ابن عباس، وقال بالثاني مالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي، وهو قول عمر ﵁، وفرق قوم بين أن يقول: كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي. فلا يصح، وبين أن يعين أو يقيد، بأن يقول: إن تزوجت فلانة. أو: من قرية كذا. أو: قبيلة كذا. فيصح، وبه قال ابن أبي ليلى. واختلفوا أيضًا هل الظهار كالطلاق أو كاليمين؟ فمن قال بالأول، قال: لا يصح من المرأة الظاهرة من زوجها، ولا يلزم به شيء. وبه قال مالك والشافعي، ومن جعله كاليمين أوجب عليها كفارة ظهار، ومن العلماء من أوجب عليها كفارة يمين. والحديث فيه دلالة على أنه يحرم وطء المُظاهرة قبل التكفير، هو مجمع على التحريم؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١). ولا يسقط بالوطء قبل التكفير ولا يتضاعف، بل هي بحالها كفارة واحدة كما قال ﷺ : "حتى تفعل ما أمرك الله". قال الصلت بن دينار: سألت عشرة من الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل أن يكفر، فقالوا: كفارة واحدة. قال: وهم الحسن وابن سيرين [ومورق] (أ) وبكر وقتادة وعطاء وطاوس ومجاهد

стр. 3080

وعكرمة. قال: والعاشر أراه نافعًا. وهذا قول الأئمة. الأربعة، وصح عن ابن عمر وعمرو بن العاص أن عليه كفارتين (١). وذكر سعيد بن منصور (٢) عن الحسن وإبراهيم في الذي يظاهر ثم يطؤها قبل أن يكفر: عليه ثلاث كفارات. وذكر عن الزهري وسعيد بن جبير وأبي يوسف أن الكفارة تسقط. ووجهه أنه فات وقتها ولم يبق له سبيل [إلى] (أ) إخراجها قبل المسيس. والجواب عن هذا أن فوات وقت الأداء لا يسقط الواجب في الذمة كالصلاة والصيام وسائر العبادات، ووجه وجوب الكفارتين أن إحداهما للظهار الذي اقترن به العود، والثانية للوطء المحرم، كالوطء في رمضان نهارًا، وكوطء المُحْرِم، ولا يعلم لإيجاب الثلاث وجه إلا أن يكون عقوبة على إقدامه [على الحرام] (ب). والحديث فيه دلالة على تحريم الوطء، واختلف العلماء في تحريم المقدمات؛ فذهب العترة وأبو حنيفة ومالك وأحد قولي الشافعي إلى أن حكمه حكم المسيس في التحريم، ولأنه شبهها بمن يحرم في حقها الوطء ومقدماته، وذهب الثوري وأحد قولي الشافعي إلى أنه لا تحرم؛ لأن المسيس هو الوطء وحده، ولا يشمل المقدمات إلا مجازًا، ولا يصح أن يراد؛ لئلا يجمع بين الحقيقة والمجاز. وذهب الأوزاعي إلى أنه يحل له الاستمتاع بما

стр. 3081

فوق الإزار كالحائض. ٩٠٣ - وعن سلمة بن صخر ﵁ قال: دخل رمضان، فخفت أن أُصيب امرأتي، فظاهرت منها، فانكشف لي منها شيء ليلة، فوقعت عليها، فقال لي رسول الله ﷺ : "حرر رقبة". فقلت: لا أملك إلا رقبتي. قال: "فصم شهرين متتابعين". قلت (أ): وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: "أطعم عَرَقًا من تمر ستين مسكينًا". أخرجه أحمد والأربعة إلا النسائي، وصححه ابن خزيمة وابن الجاورد (١). هو سلمة بن صخر البياضي بفتح الباء الموحدة وتخفيف الياء تحتها نقطتان وبالضاد المعجمة، أنصاري خزرجي كان أحد البكائين، روى عنه سليمان بن يسار وابن المسيب، قال البخاري (٢): ولا يصح حديثه. يعني هذا الذي في الظهار. الحديث رووه (ب) بلفظ: كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئًا، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تحدثني ذات ليلة، فكشف لي منها

стр. 3082

شيء، فما نشبت أن نزوت عليها. الحديث، وأعله عبد الحق (١) بالانقطاع، وأن سليمان لم يدرك سلمة، حكى ذلك الترمذي (٢) عن البخاري. وقال الترمذي (٣): اسم سلمة سلمان أيضًا. ورواه الحاكم والبيهقي (٤) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن سلمة بن صخر البياضي جعل امرأته عليه كظهر أمه إن غشيها حتى يمضي رمضان. والحديث استدل به الرافعي على صحة الظهار المعلق، ولفظ البيهقي فيه تعليق وتوقيت، والذي في "السنن" توقيت من دون تعليق. الحديث دل على ترتيب خصال الكفارة كما نص عليه تعالى، وأن الواجب تقديم الإعتاق للرقبة إن أمكنت، وقد أجمع أهل العلم على الترتيب الذي ذكر الله سبحانه، وأطلق في الحديث كما في الآية الكريمة الرقبة، ولم يشترط فيها الإيمان كما قيدها سبحانه في آية القتل، فأخذ بالإطلاق طاوس والنخعي وزيد بن علي وأبو حنيفة وأبو يوسف وأجازوا عتق الذمية، ولم يؤخذ بالتقييد الذي في آية القتل لاختلاف السبب، وأشار الزمخشري (٥) إلى أن القياس غير معتبر؛ لعدم الاشتراك في العلة، فإن المناسبة في آية القتل أنه لما أخرج رقبة مؤمنة من صفة الحياة إلى الموت كان كفارته (أ) إدخال رقبة مؤمنة في حياة الحرية، وإخراجها عن موت الرقيّة، فإن الرق يقتضي سلب

стр. 3083

التصرف عن المملوك، فأشبه الموت الذي يقتضي سلب التصرف عن الميت، وكان في إعتاقه إثبات التصرف، فأشبه الإحياء الذي يقتضي إثبات التصرف للحي. وذهب أكثر العترة ومالك والشافعي إلى أنه لا يجزئ إعتاق الكافرة، وذلك لأنه لما قيد في كفارة القتل بالإيمان، فكذلك يقيد المطلق (أفي كفارة أ) الظهار وإن اختلف السبب. وفي السنة ما يدل على اشتراط الإيمان في الكفارة، كما روي عن معاوية بن الحكم (١) السلمي قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن جارية لي كانت ترعى غنمًا، فجئتها وفقدت شاة من غنمي، فسألتها عنها، فقالت: أكلها الذئب. [فأسِفْتُ] (ب) عليها، وكنت من بني آدم، فلطمت وجهها، وعلي رقبة، أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "أين الله؟ ". فقالت: في السماء. فقال: "من أنا؟ ". فقالت: أنت رسول الله ﷺ . قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". فسؤال رسول الله ﷺ لها عن الإيمان، وعدم سؤاله عن صفة الكفارة وسببها، وترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، وهذه قاعدة بنى عليها الشافعي في كثير من المواضع، وإطلاق الرقبة يتناول إجزاء المعيبة (جـ) بأي عيب كان، وقد ذهب إليه أكثر العترة وداود، وذهب أبو ثور والليث وزفر إلى أنه لا يجزئ المعيب قياسًا على الهدايا والضحايا بجامع التقريب إلى الله تعالى، وذهب الشافعي إلى أنه إن كان كامل المنفعة

стр. 3084

كالأعور أجزأ، وإن نقصت منافعه لم يجزئ، إذا كان ذلك ينقصها نقصانًا ظاهرًا كالأقطع والأعمى؛ إذ العتق تمليك المنفعة وقد نقصت، وذهب أبو حنيفة إلى أن المعتبر كمال الأعضاء والمنافع، فلا يجزئ ذاهب عضوين أخوين، ولا أصم ولا أبكم، ولا ذاهب رجل ويد من جانب، ويجزئ من خلاف. وتجزئ الأمة الرتقاء عند الهدوية والحنفية والشافعية، والمجبوب ونحوه، خلافًا لمالك، ومن أطبق جنونه فللشافعي فيه قولان، ويجزئ ولد الزنى خلافًا للأوزاعي والزهري وطاوس والنخعي والشعبي؛ لقوله ﷺ : "ولد الزنى شر الثلاثة" (١). وقال الشافعي: لا يجزئ ذو المرض الخوف كالسل والإسهال والحمى المطبقين (أ)، ولا مقطوع الإبهام أو أصبعين من يد، أو أنملتي السبابة والوسطى لا الخنصر والبنصر، ولا أصلخ، بالصاد المهملة والخاء المعجمة، وهو الذي لا يتكلم ولا يسمع. وفي "القاموس" (٢): هو الأصم. ويجزئ المدبر عند العترة والشافعي والبتي؛ لكمال رقِّه، إذ يجوز بيعه في حال. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجزئ؛ إذ استحق العتق بالتدبير. ولا تجزئ أم الولد عند من حرم بيعها، لاستحقاقها العتق. وذهب الباقر والصادق والإمامية ورواية عن الشافعي إجزاؤها. ولا يجزئ المكاتب إذا كره فسخ الكتابة، وذهب إلى هذا الهدوية والشافعي ومالك والأوزاعي والثوري، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قد

стр. 3085

أدى شيئًا من مال الكتابة لم يجز وإن رضي بالفسخ؛ لكونه صار غير كامل. وذهب أبو ثور وابن أبي ليلى إلى أنه يجزئ ما بقي عليه درهم لبقاء الملك، ولا يجزئ ذو رحم محرم، لاستحقاقه الحرية بملكه، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه إذا تملكه ناويًا لعتقه عن الكفارة أجزأ عن الكفارة؛ لأنه اقترن سببا العتق، وهما الملك والعتق عن الكفارة، فيرجح العتق عن الكفارة؛ لما فيه من القربة؛ ولفظ الرقبة ظاهر في كمالها، فلا يجزئ عتق البعض، والأصح عند الشافعية أنه يصح عتق البعض ويجزئ إذا كان الباقي جزءًا؛ لأنه يتبعض العتق عندهم ولا يسري، [وأما] (أ) على قول من يقول بالسراية، فلا يصح ذلك، إلا أن الهدوية وأبا يوسف ومحمدًا يقولون في المشترك إذا أعتقه أحد الشركاء: فإن كان موسرًا فهو ضامن لحصة الشريك، فهو كمعتق الكل فيجزئه، وإن كان معسرًا لم يجزئه؛ لوجوب السعاية على العبد، فلم يكن معتقًا للكل، ومقتضى قواعد الهدوية لا بد أن ينوي عتق الجميع؛ لأنهم اشترطوا أن يتناول العتق كل الرقبة، فلو نوى عتق حصته لم يجزئه؛ ولو ضمن النصف الآخر. وقال أبو حنيفة: لا يجزئ مطلقًا لتبعيض العتق؛ لأنه لا يعتق إلا نصيبه ويبقى نصيب الشريك. ومثله عن الناصر إلا أنه يقول بوجوب السعاية عن الموسر والمعسر. ويجزئ عتق من كان مغصوبًا على مالكه لكمال الملك خلافًا لأكثر أصحاب الشافعي؛ لأنه مغلوب على منافعه، فلا يحصل القصد بالعتق، والجواب بأن الحرية قد حصلت وإن كانت منافعه مغصوبة. ولا يجزئ عتق
следующие страницы →