فوق الإزار كالحائض.
٩٠٣ - وعن سلمة بن صخر ﵁ قال: دخل رمضان، فخفت أن أُصيب امرأتي، فظاهرت منها، فانكشف لي منها شيء ليلة، فوقعت عليها، فقال لي رسول الله ﷺ : "حرر رقبة". فقلت: لا أملك إلا رقبتي. قال: "فصم شهرين متتابعين". قلت (أ): وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: "أطعم عَرَقًا من تمر ستين مسكينًا". أخرجه أحمد والأربعة إلا النسائي، وصححه ابن خزيمة وابن الجاورد (١).
هو سلمة بن صخر البياضي بفتح الباء الموحدة وتخفيف الياء تحتها نقطتان وبالضاد المعجمة، أنصاري خزرجي كان أحد البكائين، روى عنه سليمان بن يسار وابن المسيب، قال البخاري (٢): ولا يصح حديثه. يعني هذا الذي في الظهار.
الحديث رووه (ب) بلفظ: كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئًا، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تحدثني ذات ليلة، فكشف لي منها
стр. 3082
شيء، فما نشبت أن نزوت عليها. الحديث، وأعله عبد الحق (١) بالانقطاع، وأن سليمان لم يدرك سلمة، حكى ذلك الترمذي (٢) عن البخاري. وقال الترمذي (٣): اسم سلمة سلمان أيضًا. ورواه الحاكم والبيهقي (٤) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن سلمة بن صخر البياضي جعل امرأته عليه كظهر أمه إن غشيها حتى يمضي رمضان. والحديث استدل به الرافعي على صحة الظهار المعلق، ولفظ البيهقي فيه تعليق وتوقيت، والذي في "السنن" توقيت من دون تعليق.
الحديث دل على ترتيب خصال الكفارة كما نص عليه تعالى، وأن الواجب تقديم الإعتاق للرقبة إن أمكنت، وقد أجمع أهل العلم على الترتيب الذي ذكر الله سبحانه، وأطلق في الحديث كما في الآية الكريمة الرقبة، ولم يشترط فيها الإيمان كما قيدها سبحانه في آية القتل، فأخذ بالإطلاق طاوس والنخعي وزيد بن علي وأبو حنيفة وأبو يوسف وأجازوا عتق الذمية، ولم يؤخذ بالتقييد الذي في آية القتل لاختلاف السبب، وأشار الزمخشري (٥) إلى أن القياس غير معتبر؛ لعدم الاشتراك في العلة، فإن المناسبة في آية القتل أنه لما أخرج رقبة مؤمنة من صفة الحياة إلى الموت كان كفارته (أ) إدخال رقبة مؤمنة في حياة الحرية، وإخراجها عن موت الرقيّة، فإن الرق يقتضي سلب
стр. 3083
التصرف عن المملوك، فأشبه الموت الذي يقتضي سلب التصرف عن الميت، وكان في إعتاقه إثبات التصرف، فأشبه الإحياء الذي يقتضي إثبات التصرف للحي. وذهب أكثر العترة ومالك والشافعي إلى أنه لا يجزئ إعتاق الكافرة، وذلك لأنه لما قيد في كفارة القتل بالإيمان، فكذلك يقيد المطلق (أفي كفارة أ) الظهار وإن اختلف السبب. وفي السنة ما يدل على اشتراط الإيمان في الكفارة، كما روي عن معاوية بن الحكم (١) السلمي قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن جارية لي كانت ترعى غنمًا، فجئتها وفقدت شاة من غنمي، فسألتها عنها، فقالت: أكلها الذئب. [فأسِفْتُ] (ب) عليها، وكنت من بني آدم، فلطمت وجهها، وعلي رقبة، أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "أين الله؟ ". فقالت: في السماء. فقال: "من أنا؟ ". فقالت: أنت رسول الله ﷺ . قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". فسؤال رسول الله ﷺ لها عن الإيمان، وعدم سؤاله عن صفة الكفارة وسببها، وترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، وهذه قاعدة بنى عليها الشافعي في كثير من المواضع، وإطلاق الرقبة يتناول إجزاء المعيبة (جـ) بأي عيب كان، وقد ذهب إليه أكثر العترة وداود، وذهب أبو ثور والليث وزفر إلى أنه لا يجزئ المعيب قياسًا على الهدايا والضحايا بجامع التقريب إلى الله تعالى، وذهب الشافعي إلى أنه إن كان كامل المنفعة
стр. 3084
كالأعور أجزأ، وإن نقصت منافعه لم يجزئ، إذا كان ذلك ينقصها نقصانًا ظاهرًا كالأقطع والأعمى؛ إذ العتق تمليك المنفعة وقد نقصت، وذهب أبو حنيفة إلى أن المعتبر كمال الأعضاء والمنافع، فلا يجزئ ذاهب عضوين أخوين، ولا أصم ولا أبكم، ولا ذاهب رجل ويد من جانب، ويجزئ من خلاف. وتجزئ الأمة الرتقاء عند الهدوية والحنفية والشافعية، والمجبوب ونحوه، خلافًا لمالك، ومن أطبق جنونه فللشافعي فيه قولان، ويجزئ ولد الزنى خلافًا للأوزاعي والزهري وطاوس والنخعي والشعبي؛ لقوله ﷺ : "ولد الزنى شر الثلاثة" (١). وقال الشافعي: لا يجزئ ذو المرض الخوف كالسل والإسهال والحمى المطبقين (أ)، ولا مقطوع الإبهام أو أصبعين من يد، أو أنملتي السبابة والوسطى لا الخنصر والبنصر، ولا أصلخ، بالصاد المهملة والخاء المعجمة، وهو الذي لا يتكلم ولا يسمع. وفي "القاموس" (٢): هو الأصم. ويجزئ المدبر عند العترة والشافعي والبتي؛ لكمال رقِّه، إذ يجوز بيعه في حال. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجزئ؛ إذ استحق العتق بالتدبير. ولا تجزئ أم الولد عند من حرم بيعها، لاستحقاقها العتق. وذهب الباقر والصادق والإمامية ورواية عن الشافعي إجزاؤها.
ولا يجزئ المكاتب إذا كره فسخ الكتابة، وذهب إلى هذا الهدوية والشافعي ومالك والأوزاعي والثوري، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قد
стр. 3085
أدى شيئًا من مال الكتابة لم يجز وإن رضي بالفسخ؛ لكونه صار غير كامل.
وذهب أبو ثور وابن أبي ليلى إلى أنه يجزئ ما بقي عليه درهم لبقاء الملك، ولا يجزئ ذو رحم محرم، لاستحقاقه الحرية بملكه، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه إذا تملكه ناويًا لعتقه عن الكفارة أجزأ عن الكفارة؛ لأنه اقترن سببا العتق، وهما الملك والعتق عن الكفارة، فيرجح العتق عن الكفارة؛ لما فيه من القربة؛ ولفظ الرقبة ظاهر في كمالها، فلا يجزئ عتق البعض، والأصح عند الشافعية أنه يصح عتق البعض ويجزئ إذا كان الباقي جزءًا؛ لأنه يتبعض العتق عندهم ولا يسري، [وأما] (أ) على قول من يقول بالسراية، فلا يصح ذلك، إلا أن الهدوية وأبا يوسف ومحمدًا يقولون في المشترك إذا أعتقه أحد الشركاء: فإن كان موسرًا فهو ضامن لحصة الشريك، فهو كمعتق الكل فيجزئه، وإن كان معسرًا لم يجزئه؛ لوجوب السعاية على العبد، فلم يكن معتقًا للكل، ومقتضى قواعد الهدوية لا بد أن ينوي عتق الجميع؛ لأنهم اشترطوا أن يتناول العتق كل الرقبة، فلو نوى عتق حصته لم يجزئه؛ ولو ضمن النصف الآخر. وقال أبو حنيفة: لا يجزئ مطلقًا لتبعيض العتق؛ لأنه لا يعتق إلا نصيبه ويبقى نصيب الشريك. ومثله عن الناصر إلا أنه يقول بوجوب السعاية عن الموسر والمعسر.
ويجزئ عتق من كان مغصوبًا على مالكه لكمال الملك خلافًا لأكثر أصحاب الشافعي؛ لأنه مغلوب على منافعه، فلا يحصل القصد بالعتق، والجواب بأن الحرية قد حصلت وإن كانت منافعه مغصوبة. ولا يجزئ عتق
стр. 3086
نصفين من عبدين، وقال الشافعي: يجزئه، إذ النصفان كالرقبة الكاملة.
قوله: قال: "فصم شهرين متتابعين". والمعتبر في الشهر برؤية الهلال إذا صام من أوله، وإن كان ناقصا عن الثلاثين، وإن ابتدأ الصوم بعد مضي يوم أو أيام وجب عليه إتمام ثلاثين يومًا، وإن أفطر وجب الاستئناف إلا لعذر كالمرض، أو السفر الذي يخشى الضرر من الصيام فيه، أو لتخلل "أيام العيدين والتشريق، وإذا وطئ في الشهرين استأنف فيها؛ لأنه سبحانه قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١). فلا بد أن يكون الصيام متقدما على التماسِّ، إلا أنه إن وطئ نهارًا متعمدًا استأنف إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾. وإن وطئها ليلًا فذهب البصري والهدوية وأبو حنيفة ومحمد والثوري والنخعي إلى أنه يستأنف ولو ناسيًا؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. وذهب الشافعي وأبو يوسف إلى أنه لا يضر ويجوز؛ إذ علة النهي إفساد الصوم، ولا فساد بوطء الليل. والجواب أن الآية عامة. وإن وطئ نهارًا ناسيًا استأنف أيضًا عند البصري والنخعي والثوري والهدوية وأبي حنيفة ومحمد؛ إذ الآية عامة، وذهب الناصر والإمام يحيى والشافعي وأبو يوسف إلى أنه لا يضر؛ لأنه لم يفسد الصوم، فكذا التتابع، والجواب أنه ليس العلة فساد الصوم، وإنما عموم الدليل للأحوال كلها دل على أنه لا تتم الكفارة به إلا من قَبل التماس. وسر المسألة أنه سبحانه أوجب أمرين؛ أحدهما تتابع الشهرين، والثاني وقوع صيامهما قبل التماس، فلا يكون قد أتى بما أمر به إلا بمجموع الأمرين.
стр. 3087
وإن أفطر لعذر مأيوس ثم زال بنى على صومه عند الهدوية ومالك وأحمد وأحد قولي الشافعي، وقال أبو حنيفة وللشافعي: بل يستأنف لاختياره التفريق. قلنا: العذر صيره كغير الختار. وإن كان العذر مرجوًّا، فكذلك يبني (أ) عليه عند أبي طالب وأبي العباس. وقال المؤيد بالله والإمام يحيى والناصر: لا يبني عليه، لأن الرجاء صيره كالمختار. والجواب أنه لا اختيار مع العذر.
واعلم أن ظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾. أنه لا يعدل إلى الصوم [إلا] (ب) إذا لم يجد الرقبة، وأما إذا وجدها وإن كان يحتاجها لخدمته للعجز، فلا يصح منه الصوم، ولا يقاس ما هنا على التيمم، فإنه يصح وإن وجد الماء إذا احتيج إليه، وذلك لأن التيمم قد شرع مع العذر، فكأن الاحتياج إليه كالعذر. والصوم قال سبحانه فيه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾. ومن له عذر كالزمانة والمرض، هو غير مستطيع، فيجوز له العدول إلى الإطعام، إلا أن ظاهر حديث أوس أن شدة الشبق إلى الجماع يكون عذرًا في العدول إلى الإطعام وإن لم يحصل عليه ضرر في تركه، وللشافعية في ذلك نظر، هل يكون عذرًا حتى يعد صاحبه غير مستطيع للصوم أو لا؟ والصحيح عندهم اعتبار ذلك، ويلحق به من يجد رقبة لا غناية عنها، فإنه يسوغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها؛ لكونه في حكم غير الواجد.
стр. 3088
والإطعام هو كما نص عليه تعالى "إطعام ستين مسكينًا"، (أولا بد أن يكون ستين مسكينًا أ) عند الهدوية ومالك وأحمد والشافعي، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحد قولي زيد بن علي وأحد قولي الناصر إلى أنه يقوم مَقام ذلك إطعام واحد ستين يومًا أو أكثر من واحد بقدر طعام ستين مسكينًا، قالوا: لأنه في اليوم الثاني مستحق كقبل الدفع إليه. والجواب أن الظاهر من الآية الكريمة هو تغاير المساكين بالذات، ولأحمد ثلاثة أقوال؛ كقول الجمهور، وكقول أبي حنيفة، والثالث: إن وجد غير المسكين لم يجز الصرف إليه، وإلا أجزأ إعادة الصرف إليه. وهو أصح الأقوال على مذهبه.
وقوله: "أطعم عرقا من تمر". لفظ الترمذي (١) في رواية له: فقال رسول الله ﷺ لفروة بن عمرو: "أعطه ذلك العَرَق -وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعًا، أو ستة عشر صاعًا- أطعم (ب) ستين مسكينًا". وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (٢)، وفي رواية له (٣) قال: "اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق (جـ) فقل له، فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقًا ستين مسكينًا، ثم استعن (د) بسائره عليك وعلى عيالك". وفي رواية لأبي داود
стр. 3089
والترمذي (١): قال: "فأطعم وسقًا من تمر بين ستين مسكينًا". وجاء في رواية أبي داود (٢) في حديث أوس بن الصامت قال: " (أفإني سأعينه أ) بعَرَق من تمر". قلت: يا رسول الله، وإني أعينه بعَرَق آخر. قال: "قد أحسنت". قال: "فأطعمِي بها عنه ستين مسكينًا". قال: والعَرَق ستون صاعًا. وفي رواية أخرى (٣) نحوه إلا أنه قال: والعَرَق مكتل يسع ثلاثين صاعًا. قال أبو داود: هذا أصح الحديثين. وفي رواية عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: العَرَق زنبيل يأخذ خمسة عشر صاعًا (٤). وفي رواية لهذا الخبر (٥): قال: فأتي رسول الله ﷺ بتمر فأعطاه إياه، وهو قريب من خمسة عشر صاعًا. وفي رواية أخرى (٦): أن النبي ﷺ أعطاه خمسة عشر صاعًا من شعير إطعام ستين مسكينًا. وهي من رواية عطاء عن أوس، قال أبو داود (٦): لم يدرك عطاء أوسًا. وفي رواية عبد بن حميد (٧) عن عكرمة قال: فأتي النبي ﷺ بشيء من تمر، فقال له: "خذ هذا فاقسمه". فقال: ما بين لابتيها أفقر مني! فقال له النبي ﷺ : "كله أنت وأهلك". وفي رواية عبد
стр. 3090
ابن حميد (١) عن يزيد بن زيد الهمداني: فأعانه النبي ﷺ بخمسة عشر صاعًا. إلخ. وفي رواية ابن سعد (٢) عن عمران بن أنس ذكر القصة إلى أن قال: "فمريه فليأت أم المنذر بنت قيس، فليأخذ منها شطر وسق، فليتصدق به على ستين مسكينًا". [قال] (أ): فجعل يطعم مدين من تمر كل مسكين. وأخرج الطبراني (٣) من حديث ابن عباس القصة بطولها إلى أن قال: "فمريه فلينطلق إلى فلان فليأخذ منه شطر وسق من تمر، فليتصدق به على ستين مسكينًا وليراجعك". فالحديث اختلفت الروايات في قدر ما أمر به النبي ﷺ وما أعان المذكورَيْن (سلمة بن صخر وأوس بن الصامت) (ب)، والعلماء اختلفوا في ذلك أيضًا؛ فذهب الهدوية والمؤيد بالله وأبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى أن الواجب ستون صاعًا من تمر أو ذرة أو شعير أو زبيب، أو نصفه من بر، ولأبي حنيفة رواية أن الزبيب كالبر لكل مسكين نصف صاع. قال الإمام المهدي في "البحر" (٤): لإعانته ﷺ سلمة بن صخر بستين صاعًا تمرًا، فقيس عليه غيره. انتهى. وأنت خبير بما قدمنا من الروايتين فلا يتم الاحتجاج، وقال الشافعي: الواجب لكل مسكين مد، والمد ربع الصاع، وهو مد النبي ﷺ . قال الإمام المهدي (٥) في الاحتجاج
стр. 3091
له: لإعانته ﷺ الواطئ في رمضان بعَرَق خمسة عشر صاعًا تمرًا، قلنا: في كفارة وطء رمضان لا الظهار، فافترقا، سلمنا، فحديث سلمة بن صخر أرجح، إذ هو صاحب القصة، وصاحب العَرَق مجهول. انتهى كلامه.
ولا يخفى ما فيه من القصور، فإن حديث سلمة فيه الرواية بخمسة عشر صاعًا، وأكثر الروايات لحديث أوس بن الصامت، ومع التعارض فالترجيح للكثرة، وأكثر الروايات بخمسة عشر صاعًا، واختلفت الرواية عن مالك، فرواية كالشافعي (أ)، والمشهورة عنه أنه مد بمد هشام، ومد هشام مد ونصف مد بمد رسول الله ﷺ ، وقيل: مدان. وقيل: مد وثلث. لأن به يحصل الكفاية (ب) في الغداء والعشماء، وأنكر الشافعي هذا على مالك، فقال: من شرع لكم مد هشام وقد أنزل الله تعالى الكفارات على نبيه ﷺ قبل أن يولد هشام؟! وفي رواية عن أبي حنيفة أن لكل مسكين مدين (جـ) قياسًا على فدية الأذى كما في حديث كعب بن عجرة (١).
والحديث فيه دلالة على أن الكفارة لا تسقط بالعجز عن أنواعها، وهذا قول الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، وذهبت طائفة إلى سقوطها بالعجز كما تسقط الواجبات بالعجز عنها وعن أبدالها، وذهبت طائفة إلى أن كفارة رمضان لا تبقى في ذمته بل تسقط، وأما غيرها فلا تسقط، وهذا الذي صححه أبو البركات بن تيمية، واحتج القائل بسقوطها بأن النبي ﷺ
стр. 3092
أمره أن يأكلها هو وعياله، والرجل لا يكون مصرفًا لكفارته، كما لا يكون مصرفًا لزكاته، وأرباب القول الأول يقولون: إذا عجز عنها وكفر الغير عنه جاز أن يصرفها إليه كما في قصة المجامع في نهار رمضان. وهذا مذهب أحمد؛ رواية واحدة عنه في كفارة وطء رمضان، وروايتان في سائر الكفارات، وفي بعض روايات الحديث دلالة على أنه إذا أعسر بالكفارة وكفر عنه غيره، جاز صرف كفارته إليه، وقريب من هذا الزكاة إذا قبضها منه الإمام صح أن ترد إليه كما ذكره الهدوية، وهي الرواية الصحيحة عن الإمام أحمد.
واعلم أن قصة سلمة بن صخر لم تكن هي السبب في نزول الآية الكريمة الواردة في الظهار، وأن ظاهر القصة كما في بعض رواياتها، أنه ظاهر ظهارًا مؤقتًا في شهر رمضان تحرزًا أن يفاجئه طلوع الفجر وهو مباشر لزوجته، كما في بعض الروايات مصرحًا بذلك، لما كان عليه من شدة الداعي إلى النكاح، وإن صادفه الفجر وهو مباشر للزوجة لا يقدر على النزع، فظاهر منها إلى انقضاء شهر رمضان، وأنه قد كان نزل آية الظهار فعرف حكمه. وأما سبب الآية فهو قصة أوس بن الصامت، وكان الظهار في الجاهلية طلاقًا، ولذلك جادلت زوجته في ذلك؛ فقال الإمام المهدي في "البحر": إن السبب هو قصة أوس كما في رواية البخاري، أو قصة سلمة كما في رواية الترمذي، وهم، وقد عرفت ما تلوناه عليك من روايات الترمذي، وقد استشكل التقي السبكي شمول الآية الكريمة لقصة أوس بن الصامت من جهة تقدم السبب وتأخر النزول، فكيف ينعطف على ما مضى مع أن الآية لا تشمل إلا من وجد منه الظهار بعد نزولها؛ لأن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
стр. 3093
يُظَاهِرُونَ﴾ (١). مبتدأ متضمن لمعنى الشرط بدليل الفاء في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢). والمبتدأ المتضمن لمعنى الشرط مستقبل. وأجاب عنه بأن دخول الفاء في الخبر يستدعي العموم في كل مظاهر، وذلك يشمل الحاضر والمستقبل. قال: وأما دلالة الفعل على الاختصاص بالمستقبل ففيه نظر. كذا قال. انتهى.
وأنت خبير بأن هذا الجواب لا يدفع الإشكال. ويمكن أن يقال: إن الآية الكريمة تدل على ما ذكر، ودخول قصة أوس ثبتت ببيان النبي ﷺ أن الآية الكريمة في حقه وفي حق من سيكون منه في المستقبل، أو أن المقام مقام الماضي؛ لأنه في بيان حكمه، إلا أنه عبر بصيغة المستقبل مجازًا، للتنبيه على أن الحكم لا يختص به، وأن ذلك له ولغيره، ورجح التعبير بالمستقبل؛ لأن المقصود الأصلي هو شرع الحكم في المستقبل، ومثل هذا واقع كثير.
وتدل قصة أوس بن الصامت على أنه إذا قصد بلفظ الظهار الطلاق لم يقع الطلاق وكان ظهارًا، وقد ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل والشافعي وغيرهما والإمام يحيى، قال الشافعي: ولو ظاهر يريد طلاقًا كان ظهارًا، أو طلق يريد ظهارًا كان طلاقًا. هذا لفظه، ونص أحمد أنه إذا قال: أنت علي كظهر أمي. أعني به الطلاق. كان ظهارًا ولا تطلق به. وكذا قال في "البحر" بعد ذكر كلام الإمام، إذ لا حكم لنيته ما لم يوضع له اللفظ حقيقة أو مجازًا. وعلله ابن القيم في "الهدي" (٣) بأن الظهار كان طلاقًا في
стр. 3094
الجاهلية فنسخ، فلم يجز أن يعاد إلى الأمر المنسوخ، وأيضًا فأوس بن الصامت إنما نوى به الطلاق لما كان عليه، وأجرى عليه حكم الظهار دون الطلاق، وأيضًا فإنه صريح في حكمه، فلم يجز جعله كناية في الحكم الذي أبطله الله بشرعه (أ)، وقضاء الله [أحق] (ب)، وحكم الله أوجب. قال: وفيه خلاف شاذ أنه يكون طلاقًا. وقواه الإمام المهدي، قال في "البحر": قلت: بل تطلق إذ هو كناية طلاق، إذ كان موضوعًا له في الابتداء. والجواب عنه ما مر من كلامه. وأما قول الإمام في "البحر": قلت: وخبر أوس مخالف للقياس، إذ قصد به الطلاق حيث كان طلاقًا في الجاهلية، ولقول امرأته خولة: اللهم إن أوسًا طلقني. الخبر. والمعلوم أن من قصد به الطلاق لم يكن مظاهرًا، لكن لما أراد الله سبحانه نقل هذا اللفظ في الشرع عن التحريم المطلق إلى تحريم خاص، جعل طلاق أوس ظهارًا ترخيصًا له لأجل شكاء زوجته وابتهالها كما حكى الله عنها، وأعلى ما ينقل اللفظ إلى معنى آخر وهو الظهار، ما لم يصرفه اللافظ إلى غير ما نقل إليه، فلا يقاس على حكم أوس فيمن قصد بظهاره الطلاق؛ لخصوصيته بما (جـ) ذكرنا، وهذا أمر واضح اقتضاه البرهان كما ترى. انتهى.
فقوله: مخالف للقياس. غير مستقيم، إذ هذا من إثبات حكم شرعي مخالف لما كان عليه في الجاهلية، فلم يكن هناك قاعدة شرعية عامة أخرج هذا الحكم من بين أفرادها حتى يكون مخالفا لقياسها، فإن الشرع إذا جعل
стр. 3095
هذا اللفظ لا يحتمل الطلاق بصريحه ولا يتعلق به، وبيّن أنه منكر من القول وزور -لم يكن حقيقة ولا مجازًا في الطلاق، فالحكم ثابت فيه وفي غيره؛ إما بالقياس أو بدلالة قوله ﷺ : "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" (١). وهذا وإن كان فيه مقال، فقد ثبت من طريق صحيحة: "ما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة" (٢). وهو في معناه فتنبه لذلك.
стр. 3096
باب اللعان
اللعان مأخوذ من اللعن، لأن الملاعن يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. واختير لفظ اللعان دون الغضب في التسمية؛ لأنه قول الرجل، وهو الذي بدئ به في الآية، وهو أيضًا يبدأ به، وله أن يرجع عنه فيسقط عن المرأة بغير عكس، وقيل: سمي لأن اللعن الطرد والإبعاد، وهو مشترك بينهما، وإنما خصت المرأة بلفظ الغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها؛ لأن الرجل إذا كان كاذبًا كان ذنبه القذف فقط، والمرأة إذا كانت كاذبة فقد خانت زوجها لتلويث فراشه، وعرضت بإلحاق من ليس من الزوج به، وأثبتت له الميراث وهو لا يستحقه، والرحامة فيما بينه وبين أقارب الأب.
واللعان والالتعان والملاعنة بمعنى، ويقال: تلاعتا والتعنا ولاعن الحاكم بينهما. والرجل ملاعن والمرأة ملاعنة. لوقوعه غالبًا من الجانبين.
والإجماع على أن اللعان مشروع، وعلى أنه لا يجوز مع عدم التحقيق، واختلف في وجوبه على الزوج، فذكر في "الشفاء" للأمير حسين أنه يجب إذا كان ثمَّ ولد وعلم أنه لم يقربها. وقال في "مهذب الشافعي" (١) و (أ) "الانتصار": إنه مع غلبة الظن بالزنى من المرأة أو العلم يجوز ولا يجب، ومع عدم الظن يحرم. قال والعلماء: والحكمة في مشروعية اللعان هو حفظ الأنساب ودفع المضرة عن الأزواج.
стр. 3097
٩٠٤ - عن ابن عمر ﵄ قال: سأل فلان فقال: يا رسول الله، أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك. فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به. فأنزل الله الآيات في سورة "النور"، فتلاهن عليه، ووعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: لا، والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها. ثم دعاها فوعظها كذلك، قالت: لا، والذي بعثك بالحق إنه لكاذب. فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله، ثم ثنى بالمرأة، ثم فرق بينهما. رواه مسلم (١).
قوله: سأل فلان. ورد في هذه الرواية مبهما، وقد ورد تفسيره في غيرها من حديث ابن عمر بأنه عويمر العَجْلاني، وقد جاء في "الصحيحين" (٢) أنه من الأنصار، وهو من الأنصار بالحِلْف، وكذا سمي في رواية سهل بن سعد (٣) بعويمر، وكذا قال ابن العربي وأبو العباس القرطبي (٤)، وأما ملاعنة هلال بن أمية، فهي من رواية أنس وابن عباس (٥).
واختلف العلماء أيهما كان سبب نزول آية اللعان، قال النووي في "شرح
стр. 3098
مسلم" (١): قال بعضهم: السبب عويمر العجلاني، واستدل بقوله ﷺ لعويمر: "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك". وقال جمهور العلماء: سبب نزولها قصة هلال بن أمية، وكان أول رجل لاعن في الإسلام، قال الماوردي في "الحاوي": قال الأكثرون: قصة هلال بن أمية أسبق من قصة العجلاني. قال: والنقل فيهما مشتبه ومختلف. وقال ابن الصباغ في "الشامل": قصة هلال تبين أن الآية نزلت فيه أولًا. قال: وأما قوله ﷺ لعويمر: "إن الله قد أنزل فيك وفي صاحبتك". فمعناه: ما نزل في قصة هلال؛ لأن ذلك حكم عام لجميع الناس. قال المصنف رحمه الله تعالى (٢)، وسبقه النوويُّ، وسبق النوويَّ الخطيبُ البغدادي: يحتمل أن يكون هلال سأل أولًا، ثم سأل عويمر، ونزلت في شأنهما معًا. وكذا قال أبو العباس القرطبي: يحتمل أن تكون القضيتان متقاربتي الزمان، فنزلت في شأنهما معًا. انتهى.
ويحتمل أن تكون الآية أنزلت على النبي ﷺ مرتين، أي كرر نزولها عليه كما قاله بعض العلماء في "الفاتحة"، وقصة اللعان كانت في السنة الأخيرة من زمان النبي ﷺ كما في حديث البخاري (٣) المذكور في الحدود عن الزهري، قال: قال سهل بن سعد: شهدت المتلاعنين وأنا ابن خمس عشرة سنة. ووقع في نسخة [أبي] (أ) اليمان (٤) عن الزهري عن سهل بن
стр. 3099
سعد، قال: توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة. لكن جزم الطبري وأبو حاتم (١) وابن حبان (٢) بأن اللعان كان في شعبان سنه تسع، وجزم به غير واحد من المتأخرين، ووقع في حديث عبد الله بن جعفر عند الدارقطني (٣) أن قصة اللعان كانت منصرف النبي ﷺ من تبوك، وهو قريب من قول الطبري ومن وافقه، لكن في إسناده الواقدي، فلا بد من تأويل أحد القولين إن أمكن، وإلا فحديث الزهري أصح، [مع] (أ) أن التوجه إلى تبوك كان في رجب، وقد ثبت في "الصحيحين" (٤) أن هلال بن أمية أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وفي قصته أن امرأته استأذنت له النبي ﷺ أن تخدمه، فأذن لها بشرط ألا يقربها، فقالت: إنه لا حراك به. وفيه: أن ذلك كان بعد أن مضى لهم أربعون يومًا، فكيف تقع قصة اللعان في الشهر الذي انصرفوا فيه من تبوك، ويقع لهلال مع كونه فيما ذكر من الشغل بنفسه وهجران الناس له؟ وقد ثبت في حديث ابن عباس أن آية اللعان نزلت في حقه، وكذا عند مسلم من حديث أنس، وكذا في حديث ابن عباس عند أبي داود (٥)، ولعلها كانت في شعبان سنه عشر لا تسع، وكانت الوفاة النبوية في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة باتفاق، فيلتئم حينئذ مع
стр. 3100
حديث سهل بن سعد، ووقع عند مسلم (١) من حديث ابن مسعود بتعيين اليوم دون الشهر، فقال: كنا ليلة جمعة في المسجد. فذكر القصة، واسم امرأة عويمر خولة بنت عاصم، قاله ابن منده في كتاب "الصحابة" وتبعه أبو نعيم (٢)، ولا تعرف لها رواية، وكأن سلفهما في ذلك ابن الكلبي (٣)، وحكى القرطبي عن مقاتل بن سليمان أنها خولة بنت قيس، وذكر ابن مردويه (٣) أنها بنت أخي عاصم، فأخرج من طريق الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عاصم بن عدي لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٤). قال: يا رسول الله، أنَّى لأحدنا أربعة شهداء؟ فابتلي به في بنت أخيه، وفي سنده مع إرساله ضعف، وأخرج ابن أبي حاتم في "التفسير" (٥) عن مقاتل بن حيان، قال: لما سأل عاصم عن ذلك ابتلي به في أهل بيته، فأتاه ابن عمه، تحته ابنة عمه، رماها بابن [عمه] (أ)، المرأة والزوج والخليل بنو عم عاصم. وعند ابن مردويه (٣) في مرسل ابن أبي ليلى
стр. 3101
المذكور أن الرجل الذي رمى عويمر امرأته به هو شَريك ابن سَحْماء، [واسم والد شريك] (أ) عبدة بن مغيث بن الجد بن العجلان، وعويمر العجلاني هو عويمر بن أشقر في رواية القعنبي عن مالك، وكذا عند أبي داود وأبي عوانة (١) من رواية الزهري، وفي "الاستيعاب" (٢): عويمر بن أبيض. وعند الخطيب (٣): عويمر بن الحارث بن زيد بن الجد بن عجلان، ولعل أباه كان يلقب أشقر أو أبيض، وشريك ابن سحماء كان أخا للبراء بن مالك، ولكن أم البراء هي أم أنس وهي أم سليم، ولعله كان أخاه من الرضاعة، وفي تفسير مقاتل (٤) أن والدة شريك التي يقال لها: سحماء. كانت حبشية، وقيل: كانت يمانية. وعند الحاكم (٥) من مرسل ابن سيرين كانت أمة سوداء. وحكى عبد الغني بن [سعيد] (ب) (٤) وأبو نعيم في "الصحابة" (٦) أن لفظ شريك صفة له لا اسم، وأنه كان شريكًا لرجل يهودي، يقال له: ابن
стр. 3102
سحماء. وحكى البيهقي في "المعرفة" (١) عن الشافعي أن شريك بن سحماء كان يهوديًّا، وأشار عياض (١) إلى بطلانه، وجزم بذلك النووي (٢) تبعًا له، وقال: كان صحابيًّا، وكذا عدّه جمع من الصحابة، فيجوز أن يكون أسلم بعد ذلك، ويعكر على هذا قول ابن الكلبي (١): إنه شهد أحدًا. وكذا قول غيره: إن أباه شهد بدرًا. وهذا هو الذي قذف به امرأته هلال بن أمية، ولا يمتنع أن يتهم شريك ابن سحماء بالمرأتين معًا، ولا سيما مع قربه من امرأة عويمر واختلاطه بهلال بن أمية، فقد ذكر البيهقي في "الخلافيات" (١) من مرسل ابن سيرين أنه كان يأوي إلى منزل هلال. وسيأتي في باب حد القذف أن أول لعان كان في قصة هلال، ونذكر هناك زيادة بحث في هذا (٣) إن شاء الله تعالى.
ووقع في "السيرة لابن حبان" (٤) في حوادث سنة تسع: ثم لاعن بين عويمر بن الحارث العجلاني وهو الذي يقال له: عاصم. [وبين امرأته بعد العصر في المسجد] (أ). قال المصنف ﵀ (٥): والذي يظهر لي أنه تحريف، وكأنه كان في الأصل: الذي سأل له عاصم. كما ثبت في
стр. 3103
البخاري (١) أن عويمرًا قال لعاصم أن يسأل له النبي ﷺ ، وكان عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان سيد بني العجلان.
وقوله: إن سكت سكت على مثل ذلك. أي على أمر عظيم.
وقوله: فلم يجبه. السبب في ترك الجواب هو ما قال الشافعي (٢): كانت المسائل فيما لم ينزل فيه حكم [زمن] (أ) نزول الوحي ممنوعة، لئلا ينزل في ذلك ما يوقعهم في مشقة وعنت، كما قال الله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (٣). وكما ورد في الحديث المخرج في "الصحيح" (٤): "أعظم الناس جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته". وقد استمر جماعة من السلف على كراهة السؤال عما لم يقع، لكن عمل الأكثر على خلافه، فلا يخفى ما فرعه الفقهاء من المسائل قبل وقوعها. وقال النووي (٥): المراد كراهة المسائل التي لا يحتاج إليها، لا سيما ما كان فيها هتك ستر مسلم، أو إشاعة فاحشة، أو شناعة عليه، وليس المراد المسائل المحتاج إليها إذا وقعت، فقد كان المسلمون يسألون عن النوازل، فيجيبهم ﷺ بغير كراهة، وكان ﷺ يحب التيسير (ب) على أمته. وفي حديث
стр. 3104
جابر: ما نزلت آية اللعان إلا لكثرة السؤال. أخرجه الخطيب في "المبهمات" (١).
وقوله: فلما كان بعد ذلك. إلى آخره. ظاهره أن سؤال عويمر وقع قبل أن يبتلى بالقصة، لكنه وقع في نفسه إرادة الاطلاع على الحكم فابتلي به، كما يقال: البلاء موكل بالمنطق. ولذلك قال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به. ويحتمل أنه قد كان وقع، فسأل عنه أولًا ولم يصرح به، عسى أن يحصل المخرج قبل أن يفصح بالأمر، فلما لم يحصل له أفصح به، ويحتمل أنه قد كان وقع معه ريبة من المرأة لإدراك مخايل الفجور فيها، فسأل، ثم وقع ذلك الأمر بمشاهدته.
وقوله: ووعظه وذكره. من عطف التفسير، فإن التذكير هو الوعظ، وعذاب الدنيا بالحد -لأجل القذف إن كان كاذبا- أهون من عذاب الآخرة الموعود به في قوله تعالى: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢).
وقوله: فبدأ بالرجل. إلى آخره. ظاهره شرعية البداءة بالرجل كما هو مقدم في الآية الكريمة، ولكن الآية الكريمة العطف فيها بالواو، وهي لا تقتضي الترتيب، وقد قام الإجماع بأن تقديم الرجل سنة، واختلف العلماء في الوجوب، فذهب الجمهور منهم الشافعي والهادي والقاسم والمؤيد وأبو طالب وأبو العباس والإمام يحيى وأشهب من المالكية ورجحه ابن العربي،
стр. 3105
إلى أن التقديم واجب، والحجة على ذلك أن فعل النبي ﷺ للآية الكريمة، ففيه دلالة على أن التقديم معتبر واجب، ولقوله ﷺ لهلال: "البينة وإلا حدٌّ في ظهرك" (١). فكان لدفع الحد عن الرجل، فلو بدأ بالمرأة لكان دافعًا لأمر لم يثبت، ولأن الرجل يمكنه أن يرجع بعد أن يلتعن، فيندفع عن المرأة. وذهب أبو حنيفة وابن القاسم من المالكية إلى أنه يصح البداءة بالمرأة؛ لأن الآية الكريمة لا تدل على لزوم البداءة بالرجل، ولم يكن في الحديث صيغة دلالة. والجواب عنه ما تقدم، وإذا بُدئ بالمرأة فعند الأولين يجب الإعادة ما لم يحكم الحاكم، وعند الشافعي: يعيد ولو حكم؛ لمخالفة النص. والجواب عنه: أن المسألة ظنية، والحكم [ينفذ] (أ) في الظني.
وقوله: ثم فرق بينهما. فيه دلالة على أنه لا تقع الفرقة إلا بتفريق الحاكم، ولا تقع بمجرد اللعان. وقد ذهب إلى هذا الهدوية والحنفية ورواية عن أحمد، وقال به محمد بن أبي صفرة من المالكية، ثم اختلفوا في هذا التفريق لو أكذب نفسه؛ فقال أبو حنيفة ومحمد بن [الحسن] (ب) وعبيد الله بن الحسن: إنه يجوز له نكاحها. وهو رواية عن أحمد، وقال أبو يوسف: هو تحريم مؤبد (٢). والذي عليه جمهور العلماء حصول الفرقة باللعان من غير توقف على تفريق، وبه قال مالك والشافعي (٣) وأحمد وزفر، ثم قال
стр. 3106
الشافعي وبعض المالكية: تحصل الفرقة بتمام لعانه وإن لم تلتعن هي. وقال أحمد: لا يحصل ذلك إلا بتمام لعانهما معًا. وهو المشهور عند المالكية وبه قال أهل الظاهر، قالوا: وهي فرقة فسخ، وحرمة مؤبدة. وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه ليس معناه إنشاء الفرقة بينهما، بل إظهار ذلك، وبيان حكم الشرع فيه، ويدل لذلك قوله ﵊: "لا سبيل لك عليها". وهو في "الصحيحين" (١) وغيرهما، قال ابن دقيق العيد (٢): يحتمل أن يكون: "لا سبيل لك عليها". راجعًا إلى المال. وقوله في حديث سهل، وهو في "صحيح مسلم" (٣): فقال النبي ﷺ : "ذلكم التفريق بين كل متلاعنين". قال أبو بكر بن العربي (٤): أخبر ﵊ بقوله: "ذلكم". عن قوله: "لا سبيل لك عليها". وقال: كذا حكم كل متلاعنين. وإن كان الفراق لا يكون إلا بحكم فقد نفذ الحكم فيه من الحاكم الأعظم ﷺ بقوله: "ذلكم التفريق بين كل متلاعنين". ولو أشار إلى الطلاق لتزوجها بعد زوج بحكم القرآن. وروى أبو داود وغيره (٥) من طريق عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس. الحديث، وفيه: وقضى -أي رسول الله ﷺ أن لا بيت لها عليه ولا قوت؛ من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق، ولا متوفى عنها. وروى أبو داود (٦) أيضًا من حديث سهل بن سعد في حديث المتلاعنين قال: فمضت السنة بعدُ في المتلاعنين أن يفرق
стр. 3107
بينهما، ثم لا يجتمعان أبدا. وروي البيهقي (١) في حديث سهل: ففرق رسول الله ﷺ بينهما وقال: "لا يجتمعان أبدًا". وعن علي وابن مسعود قالا (١): مضت السنة في المتلاعنين ألا يجتمعا أبدًا. وعن عمر بن الخطاب (١): [يفرق] (أ) بينهما، ولا يجتمعان أبدًا. والخلاف في هذه المسألة بين أبي حنيفة والجمهور قريب المدرك من الخلاف بينهم وبينه في استحقاق القاتل السلب وفي إحياء الموات هل يقف كل منهما على إذن الإمام، ويجعل قوله ﷺ : "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه تنفيلًا" (٢). وقوله ﷺ : "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" (٣) - إذنًا حكميًّا نحتاج معه في كل وقت إلى إذن الإمام في كل زمان كما أذن هو في ذلك الزمان؟ كما جعل تفريقه ﵊ هنا بين المتلاعنين بطريق الحكم والقضاء، حتى يحتاج في كل واقعة إلى تفريق القاضي، والجمهور يجعلون ذلك في المواضع الثلاثة بيانًا للشرع العام المطرد، سواء قاله الإمام أم لم يقله؛ وقال عثمان البتي (٤): لا أثر للعان في الفرقة، ولا يحصل به فراق أصلًا، وسبقه إلى ذلك مصعب بن الزبير، ففي "صحيح مسلم" (٥): أنه لم يفرق بين المتلاعنين.
стр. 3108
وحكاه الطبري عن جابر بن زيد (١)، وحكي عن طائفة من فقهاء البصرة، وحجته في ذلك ما وقع في حديث سهل روايته لقصة عويمر أنه قال بعد التلاعن: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ . أخرجه في "الصحيحين" (٢) وسيأتي قريبا، فإن النبي ﷺ لم ينكر عليه الطلاق بعد اللعان، بل هو أنشأ طلاقها، ونزه نفسه أن يمسكها، وقرره على قوله: إن أمسكتها. وفيه إشعار بإمكان الإمساك. وأجيب عن ذلك بأن الطلاق وقع منه بغير إذن من النبي ﷺ ، والطلاق لم يزد التحريم الواقع باللعان إلا تأكيدًا، فلا يحتاج إلى إنكاره ودفع حكمه، وأما قوله: كذبت عليها إن أمسكتها. فهو لا يدل على أن إمساكها بعد اللعان مأذون فيه شرعًا، وإنما بادر إلى فراقها، وإن كان الأمر صائرًا إليه وذهب أبو عبيد إلى أن الفرقة تقع بمجرد القذف.
واختلف العلماء في فرقة اللعان؛ هل هي فسخ أو طلاق بائن؟ فذهب الهدوية والناصر والمؤيد والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنها فسخ، قالوا: لأنها توجب تحريمًا مؤبدًا فكانت فسخا كفرقة الرضاع؛ لقوله: "لا يجتمعان أبدًا". ولأن اللعان ليس صريحًا في الطلاق ولا كناية فيه. وذهب أبو حنيفة ورواية عن محمد بن الحسن إلى أنها طلاق بائن، قالوا: لأنها لا تكون إلا من زوجة، فهي من أحكام النكاح المحضة، فهي طلاق؛ إذ هو من أحكام النكاح المختصة به، بخلاف الفسخ فإنه قد يكون من أحكام غير النكاح؛ كالفسخ بالعيب. والجواب أنه لا يلزم من اختصاصه بالنكاح أن
стр. 3109
يكون طلاقًا، كما أنه لم يلزم فيه نفقة ولا غيرها، فإن أكذب نفسه بعد اللعان، فاختلف العلماء القائلون بتأبيد التحريم؛ فقال أبو حنيفة: تحل له لزوال المعنى المحرم. وقال مالك [والشافعي] (أ): لا تحل له أبدًا لقوله: "لا سبيل لك عليها". وهو مذهب سعيد بن المسيب، قال (١): فإن أكذب نفسه فهو خاطب من الخطاب. وقال سعيد بن جبير (٢): تردُّ إليه ما دامت في العدة. وقال الهادي في "المنتخب": إنه يرتفع تأبيد التحريم أيضًا، وتعود إليه إذا أراد رجوعها بعقد جديد (ب). وأما سائر الأحكام فيلزمه الحد ويلحق به نسب الولد إذا كان الولد حيًّا، فإن كان قد مات لم يرثه، وإن كان للولد ولد فحكى أبو جعفر في "شرح الإبانة" عن الهادي أنه يثبت نسب الولد ويرث منه، وقال الناصر والشافعي: إنه يثبت نسب الولد المنفي سواء كان له ولد أم لا.
واعلم أن ظاهر الحديث هذا والآية الكريمة في اللعان أنه يصح اللعان بين كل زوجين؛ سواء كانا مسلمين أو كافرين، حرَّين أو عبدين، عدلين أو فاسقين، محدودين في قذف أو أحدهما كذلك، وقد ذهب إلى هذا الحسن وابن المسيب وربيعة وسليمان بن يسار والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، وذهب أهل الرأي والأوزاعي والثوري والعترة إلى أنه لا يصح؛
стр. 3110
لقوله ﷺ : "لا لعان بين مملوكين ولا كافرين". رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (١)، وذكر الدارقطني (٢) من حديثه أيضًا عن أبيه عن جده مرفوعًا: "أربعة ليس بينهم لعان؛ ليس بين الحر والأمة لعان، وليس بين الحرة والعبد لعان، وليس بين المسلم واليهودية لعان، وليس بين المسلم والنصرانية لعان". وذكر عبد الرزاق (٣) في "مصنفه" عن ابن شهاب، قال: من وصية النبي ﷺ لعتاب بن أسيد أن لا لعان بين [أربعة] (أ). فذكره. وأجاب الأولون عن حديث عمرو بن شعيب، بأن من دون عمرو ليس فيهم من يحتج به. قاله ابن عبد البر، وأما حديث الدارقطني ففي طريق الحديث عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، وهو متروك بإجماعهم، فالطريق به مقطوعة، وأما حديث عبد الرزاق فهو من مراسيل الزهري، وهي ضعيفة عندهم، وعتاب بن أسيد كان عاملًا للنبي ﷺ على مكة، ولم يكن بمكة يهودي ولا نصراني حتى يوصيه ألا يلاعن بينهما، فبقي العمل بإطلاق الآية الكريمة، والحديث على العموم، واحتج بعض القائلين بالمنع، بأن اللعان جعل بدل الشهادة وقائمًا مقامها عند عدمها، ولا يصح إلا ممن تصح منه الشهادة، ولهذا تحد المرأة بلعان الزوج إذا نكلت، ولقوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ (٤). فسماه شهادة. وأجاب الآخرون عن
стр. 3111
ذلك، بأنه قد ورد قوله ﷺ : "لولا ما مضى من الأيمان لكان لي ولها شأن" (١). فسماه يمينًا، واليمين يصح من الكافر والعبد، وهذه الرواية بهذا اللفظ، وإن كانت مخالفة لما في "صحيح البخاري" (٢) فإن لفظه: "لولا ما مضى من كتاب الله". فهي من رواية عباد بن منصور، ولم يقدح فيه إلا بأنه قدري، وقد ثبت في الصحيح الاحتجاج بجماعة من القدرية والشيعة ممن علم صدقه. وأما تسميته شهادة فلقول الملتعن في يمينه: أشهد بالله. فسمى ذلك شهادة وإن كان يمينًا اعتبارًا بلفظها، وهو مصرح به فيه بالقسم وجوابه، ولو قال الحالف: أشهد بالله. انعقدت يمينه بذلك، سواء نوى اليمين أو أطلق، والعرب تعد ذلك يمينًا في لغاتها (أ) واستعمالها، قال قيس (٣):
وأشهد عند الله أني أحبها ... فهذا لها عندي فما عندها ليا
وقد قال جماعة: إن اليمين تنعقد بقول الحالف: أشهد. وإن لم يذكر معه لفظ المقسم به من غير نية اليمين، كما في رواية عن أحمد، والرواية الثانية تكون يمينًا مع النية، كما هو قول الأكثر، ويتلقى بما يتلقى به القسم، قال في "الهدي النبوي" (٤): والصحيح أنه جامع للأمرين الشهادة واليمين، ولهذا اعتبر فيه ما يعتبر في اليمين من التأكيد في الجواب، فهو يمين مقرونة
стр. 3112
بالشهادة، وشهادة مقرونة باليمين، وجعل الملتعن لقبول قوله كالشاهد، فإن نكلت المرأة مضت شهادته وحُدَّت، وإن التعنت عارضت شهادته فسقط الحد عنها. انتهى.
وذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يصح من أخرس؛ إذ لا يصح قذفه، ولا من خرساء؛ إذ لا يحد قاذفها، وذهب الشافعي ومالك إلى أنه يصح من الأخرس كطلاقه. وصرح به البخاري (١)، قال: وإذا قذف الأخرس [امرأته] (أ) بكتابة -بمثناة ثم موحدة- أو إشارة أو إيماء معروف، فهو كالمتكلم؛ لأن النبي ﷺ قد أجاز الإشارة في الفرائض -في الأمور المفروضة- وهو قول بعض أهل الحجاز وأهل العلم، أي من غيرهم، وخالف الحنفية والأوزاعي وإسحاق، وهو رواية عن أحمد اختارها بعض المتأخرين، ثم قال: وقال الله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (٢). وجه الاستدلال أن مريم نذرت ألا تتكلم، فكانت في حكم الأخرس، فأشارت إشارة مفهمة، اكتفوا بها عن معاودة سؤالها، وإن كانوا أنكروا عليها ما أشارت به، قال: وقال الضحاك -أي ابن مزاحم-: ﴿إلا رَمْزًا﴾. أي: إشارة. ثم قال: وقال بعض الناس: لا حد ولا لعان بالإشارة من الأخرس وغيره، ثم زعم إن طلق بكتاب أو إشارة أو إيماء جاز، وليس بين الطلاق والقذف فرق، فإن قال: القذف لا يكون إلا بكلام. قيل
стр. 3113
له: وكذلك الطلاق لا يكون إلا بكلام -أي وأنت وافقت على وقوعه بغير الكلام- فيلزمك مثله في الحد واللعان. ثم قال: وإلا بطل الطلاق والقذف، وكذلك العتق، يعني: إما أن يقال بصحتها جميعها بالإشارة، أو لا تعتبر الإشارة فيها، والتفرقة تَحَكُّمٌ بغير دليل، وبعض الحنفية وافق في هذا البحث وقال: القياس بطلان الجميع، لكن عملنا به في غير اللعان والحد استحسانًا. ومنهم من قال: منعناه لأنها غير صريحة. وهذه عمدة من وافق الحنفية من الحنابلة وغيرهم، ورده ابن التين بأن المسألة مفروضة فيما إذا كانت الإشارة مفهمة إفهامًا واضحًا، لا يبقى معه ريبة (١). ومثل هذا قول الإمام يحيى، فإنه قال: إن أفهم بكتابته أو إشارته صح؛ إذ هو كالناطق. قال الإمام المهدي في "البحر": قلنا: ليس بصريح.
٩٠٥ - وعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال للمتلاعنين: "حسابكما على الله تعالى، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها". قال: يا رسول الله، مالي. قال: "إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها". متفق عليه (٢).
قوله: "حسابكما على الله". مبين بقوله: "أحدكما كاذب". فإذا كان أحدهما كاذبا فالله هو المتولي لجزائه، المميز للصادق عن الكاذب، وأما في العمل الدنيوي فالأيمان قد دفعت مجازاة الكاذب.
стр. 3114
وقوله: "لا سبيل لك عليها". هو حكم بالفرقة بينهما، وقد تقدم الكلام في ذلك. وقوله: مالي. أراد به الصداق الذي سلمه إليها، يريد أن يرجع له، فأجابه ﷺ بأنك استوفيته بدخولك عليها، وتمكينها لك من نفسها، وأوضح له بتقسيم مستوعب، فقال: إن كنت صادقًا فيما ادعيته عليها فقد استوفيت حقك منها قبل ذلك، وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك عن مطالبتها؛ لئلا تجمع علينا الظلم في عرضها، ومطالبتها بمال قبضته منك قبضًا صحيحًا تستحقه. وقد انعقد الإجماع على أن المدخول بها تستحق جميعه، واختلف في غير المدخول بها، فالجمهور على أن لها النصف كغيرها من المطلقات قبل الدخول، وقال أبو الزناد والحكم وحماد: لها جميعه. وقيل: لا شيء لها أصلا. قاله الزهري، وروي عن مالك.
٩٠٦ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ابصروها (أ)، فإن جاءت به أبيض سبطًا، فهو لزوجها، وإن جاءت به أكحل جعدا، فهو للذي رماها به". متفق عليه (١).
الحديث أخرجه مسلم والنسائي (٢) في قصة هلال بن أمية، وتمام النعت في هذه الرواية في الأول: "قضيء العين". وقضيء العين بالقاف والضاد المعجمة مهموزًا فعيل هو فاسد العين، "فهو لهلال". وفي الطرف الثاني:
стр. 3115
" [أحمش] (أ) الساقين". وأحمش (ب) الساقين: أي دقيقهما، والحُمُوشة الدقة، وقال النووي (١): (جـ ممتلئ الساقين: وهو بالخاء المعجمة جـ). والسبط: بفتح المهملة وكسر الباء الموحدة وإسكانها وبعدها طاء مهملة، هو التام الخلق من الرجال. كذا ذكره ابن الأثير (٢). والأكحل: الذي منابت أجفانه سود، كأن فيها كحلًا، وهي خِلقة. والجعد من الرجال: القصير، وقال الهروي: الجعد -بفتح الجيم- في صفات الرجال تكون مدحًا وتكون ذمًّا، فإذا كان مدحًا فله معنيان؛ أحدهما، أن يكون معصوب الخلق شديد الأسر. والثاني، أن يكون شعره غير سَبْط، لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم. وأما الجعد المذموم فله معنيان؛ أحدهما للقصير التردد، والآخر النحيل، يقال: جعد الأصابع، وجعد اليدين. أي نحيل، وقد جاء في صفة الولد في قصة عويمر العجلاني (٣): "إن جاءت به أحمر قصيرا كأنه وَحَرَة، فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها، وإن جاءت به أسود أعين ذا أليتين، فلا أراه إلا قد صدق عليها". فجاءت به على المكروه من ذلك.
стр. 3116
وفي أخرى للبخاري ومسلم (١): "فإن جاءت به أدعج العينين، عظيم الأليتين، فلا أُراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وَحَرَة، فلا أراه إلا كاذبا". فجاءت به على النعت المكروه. وفي رواية ابن عباس لقصة العجلاني: وكان ذلك الرجل مصفرًّا، قليل اللحم، سبط الشعر، وكان الذي ادعى عليه أنه وجده مع أهله خدلا آدم، كثير اللحم، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم بيِّن". فوضعت شبيهًا بالذي ذكر زوجها أنه وجده عندها. أخرجه مسلم والبخاري والنسائي (٢). وفي رواية ابن عباس لقصة هلال (٣): "إن جاءت به أصيهب، أُرَيصِح، أثيبج، ناتئ الأليتين، حمش الساقين، فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدا جُماليًّا، خَدَلَّج الساقين، سابغ الأليتين، فهو للذي رميت به". وفي رواية (٤): "فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين". وجاء في رواية ابن مسعود عند مسلم وأبي داود (٥): فلما أدبرا، قال: "لعلها أن تجيء به أسود جَعْدًا". فجاءت به أسود جعدًا. والمراد بالأحمر هنا هو الأبيض الذي فيه حمرة. والوَحَرة بفتح الحاء المهملة: دويبة [كالعظاءة] (أ) تلصق الأرض، وأراد المبالغة في قصره. والأعين: واسع العين. والأدعج: شديد سواد العين مع سعتها،
стр. 3117
ورجل أدعج: أسود. والآدم: شديد السمرة. والخَدْل: الغليظ من الرجال. والأصيهب: تصغير الأصهب وهو الأشقر، والأصهب من الإبل: الذي يخالط بياضه حمرة. والأريصح بالصاد والحاء المهملتين تصغير الأرصح، والصاد بدل من السين، والأصل الأرسح. والأرصع بالصاد والعين المهملتين بمعناه، فعلى هذا قد أبدل السين صادا العين حاء (١). والأثيبج تصغير الأثبج وهو الناتئ الثَّبَجِ، وهو ما بين الكتفين، وإنما جاء بهذه الصفات مصغرة لكونها صفةً لمولودٍ. والأورق هو الأسمر. والجُمَاليُّ العطم الخلقة كأنه الجمل في القَدْر. والخَدَلَّج الضخم. وسابغ الأليتين عظيمهما.
الحديث فيه دلالة على أن اللعان يصح للمرأة الحامل، ولا يؤخر اللعان إلى بعد الوضع، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، والخلاف في ذلك للهدوية وأبي يوسف ومحمد، وهو مروي عن أبي حنيفة وأحمد، فقالوا: لا تلاعن لنفي الحمل؛ لجواز أن يكون ريحا فينفَشَّ، فلا يكون للعان حينئذ معنى، والحديث يرد عليهم، ولأن الحمل مظنون بأمارات تدل عليه، ولذلك ثبت للحامل أحكام تخالف الحائل؛ كالنفقة، والفطر في الصيام إذا خافت على الولد، وتأخير الحد والقصاص، وغير ذلك، كاستلحاق الحمل. ودل الحديث أيضًا على أنه ينتفي الولد باللعان وإن لم يصرح بنفيه، وإن لم يذكر النفي في اليمين، وقد ذهب إلى هذا أبو بكر عبد العزيز من أصحاب أحمد؛ عملًا بظاهر الأحاديث، وقال به بعض أصحاب مالك وأهل الظاهر، وذهبت الهدوية إلى أنه يصح نفي الولد وهو حمل، ويؤخر اللعان إلى بعد
стр. 3118
الوضع، وذلك إذا وضعت لدون ستة أشهر من وقت النفي لا أكثر، لجواز أن الحمل كان بعد النفي، وقال أبو حنيفة: لا يصح نفي الحمل واللعان عليه، فإن لاعنها حاملًا ثم أتت بالولد لزمه عنده، ولم يتمكن من نفيه أصلًا؛ لأن اللعان لا يكون إلا بين الزوجين، وهذه قد بانت (أ) بلعانها في حال حملها، وقال مالك والشافعي وجماعة من أهل الحجاز: يصح نفي الحمل وينتفي عنه؛ للأحاديث التي مرت. قال الشافعي: يحتاج الرجل إلى ذكر الولد دون المرأة. وقال الحربي: يحتاجان إلى ذكره. وقال الشافعي: إذا لم ينف الولد في الملاعنة ولم يتعرض له، فله أن يعيد اللعان لانتفائه، ولا إعادة على المرأة، وإن أمكنه النفي والرفع إلى الحاكم فأخر لغير عذر حتى ولدت لم يكن له أن ينفيه كما في الشفعة. وكلامهم مبني بأنه وقع من هلال وعويمر التصريح بنفي الولد، ولا مستند في الأحاديث، فإنه لم يذكر في روايته، وتجويز أنه وقع لا يفيد، إلا أنه [أخرج] (ب) مالك (١) عن نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ لاعن بين رجل وامرأته، وانتفى من ولده، ففرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة. وفي حديث سهل (٢): وكانت حاملًا فأنكر حملها. ولكن ذلك لا يثبت اشتراط الانتفاء، مع أن قوله: وكانت حاملًا. بيَّن البخاري
стр. 3119
أنه من قول الزهري، وقد جاء في رواية البخاري (١) من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن ابن عباس في قصة هلال بلفظ: فوضعت شبيهًا بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجد عندها، فلاعن رسول الله ﷺ بينهما. ظاهره أن الملاعنة تأخرت إلى وضع الحمل، قال المصنف ﵀ (٢): قد أوضحت أن رواية ابن عباس هذه هي في القصة التي في حديث سهل بن سعد، وتقدم قبلُ من حديث سهل أن اللعان وقع بينهما قبل أن تضع، فعلى هذا تكون الفاء في قوله: فلاعن. معقبة بقوله: فأخبره بالذي وجد عليه امرأته. ويحتمل -على بعد- أن يكون مرتين؛ مرة بسبب القذف، ومرة بسبب الانتفاء، والله أعلم. انتهى.
٩٠٧ - وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ أمر رجلًا أن يضع يده عند الخامسة على فيه، وقال: "إنها موجبة". رواه أبو داود [والنسائي] (أ) ورجاله ثقات (٣).
أخرجه أبو داود والنسائي من حديث كليب بن شهاب عن ابن عباس، وأخرجه أبو داود (٤) من رواية عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس، ولم
стр. 3120
يذكر فيه الأمر بوضع الرجل يده على فم الملاعن عند الخامسة، وأما المرأة فلم يذكر في رواية أنه أمر امرأة أن تضع يدها على في المرأة، وإن أوهم ذلك كلام الرافعي (١).
وقوله: "إنها موجبة". أي: موجبة لحلول اللعنة عليه إن كان كاذبًا. فيه دلالة على أنه مشروع من الحاكم المبالغة في منع الحالف من الحلف خشية أن تكون يمينه فاجرة فتحل العقوبة [به] (أ)؛ ولذلك لم يكتف النبي ﷺ بوعظهما باللفظ حتى كان المنع بالفعل.
٩٠٨ - وعن سهل بن سعد ﵁ في قصة المتلاعنين، قال: لما فرغا من تلاعنهما، قال: كذبت عليها يا رسول الله إنْ أمْسكتها. فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ . متفق عليه (٢).
تقدم الكلام في ذلك.
٩٠٩ - وعن ابن عباس ﵁، أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي لا ترد يد لامس. قال: "غَرِّبْها". قال: أخاف أن تتبعها نفسي. قال: "فاستمتع بها". رواه أبو داود (٣) والبزار ورجاله ثقات.