وفي أخرى للبخاري ومسلم (١): "فإن جاءت به أدعج العينين، عظيم الأليتين، فلا أُراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وَحَرَة، فلا أراه إلا كاذبا". فجاءت به على النعت المكروه. وفي رواية ابن عباس لقصة العجلاني: وكان ذلك الرجل مصفرًّا، قليل اللحم، سبط الشعر، وكان الذي ادعى عليه أنه وجده مع أهله خدلا آدم، كثير اللحم، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم بيِّن". فوضعت شبيهًا بالذي ذكر زوجها أنه وجده عندها. أخرجه مسلم والبخاري والنسائي (٢). وفي رواية ابن عباس لقصة هلال (٣): "إن جاءت به أصيهب، أُرَيصِح، أثيبج، ناتئ الأليتين، حمش الساقين، فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدا جُماليًّا، خَدَلَّج الساقين، سابغ الأليتين، فهو للذي رميت به". وفي رواية (٤): "فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين". وجاء في رواية ابن مسعود عند مسلم وأبي داود (٥): فلما أدبرا، قال: "لعلها أن تجيء به أسود جَعْدًا". فجاءت به أسود جعدًا. والمراد بالأحمر هنا هو الأبيض الذي فيه حمرة. والوَحَرة بفتح الحاء المهملة: دويبة [كالعظاءة] (أ) تلصق الأرض، وأراد المبالغة في قصره. والأعين: واسع العين. والأدعج: شديد سواد العين مع سعتها،
стр. 3117
ورجل أدعج: أسود. والآدم: شديد السمرة. والخَدْل: الغليظ من الرجال. والأصيهب: تصغير الأصهب وهو الأشقر، والأصهب من الإبل: الذي يخالط بياضه حمرة. والأريصح بالصاد والحاء المهملتين تصغير الأرصح، والصاد بدل من السين، والأصل الأرسح. والأرصع بالصاد والعين المهملتين بمعناه، فعلى هذا قد أبدل السين صادا العين حاء (١). والأثيبج تصغير الأثبج وهو الناتئ الثَّبَجِ، وهو ما بين الكتفين، وإنما جاء بهذه الصفات مصغرة لكونها صفةً لمولودٍ. والأورق هو الأسمر. والجُمَاليُّ العطم الخلقة كأنه الجمل في القَدْر. والخَدَلَّج الضخم. وسابغ الأليتين عظيمهما.
الحديث فيه دلالة على أن اللعان يصح للمرأة الحامل، ولا يؤخر اللعان إلى بعد الوضع، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، والخلاف في ذلك للهدوية وأبي يوسف ومحمد، وهو مروي عن أبي حنيفة وأحمد، فقالوا: لا تلاعن لنفي الحمل؛ لجواز أن يكون ريحا فينفَشَّ، فلا يكون للعان حينئذ معنى، والحديث يرد عليهم، ولأن الحمل مظنون بأمارات تدل عليه، ولذلك ثبت للحامل أحكام تخالف الحائل؛ كالنفقة، والفطر في الصيام إذا خافت على الولد، وتأخير الحد والقصاص، وغير ذلك، كاستلحاق الحمل. ودل الحديث أيضًا على أنه ينتفي الولد باللعان وإن لم يصرح بنفيه، وإن لم يذكر النفي في اليمين، وقد ذهب إلى هذا أبو بكر عبد العزيز من أصحاب أحمد؛ عملًا بظاهر الأحاديث، وقال به بعض أصحاب مالك وأهل الظاهر، وذهبت الهدوية إلى أنه يصح نفي الولد وهو حمل، ويؤخر اللعان إلى بعد
стр. 3118
الوضع، وذلك إذا وضعت لدون ستة أشهر من وقت النفي لا أكثر، لجواز أن الحمل كان بعد النفي، وقال أبو حنيفة: لا يصح نفي الحمل واللعان عليه، فإن لاعنها حاملًا ثم أتت بالولد لزمه عنده، ولم يتمكن من نفيه أصلًا؛ لأن اللعان لا يكون إلا بين الزوجين، وهذه قد بانت (أ) بلعانها في حال حملها، وقال مالك والشافعي وجماعة من أهل الحجاز: يصح نفي الحمل وينتفي عنه؛ للأحاديث التي مرت. قال الشافعي: يحتاج الرجل إلى ذكر الولد دون المرأة. وقال الحربي: يحتاجان إلى ذكره. وقال الشافعي: إذا لم ينف الولد في الملاعنة ولم يتعرض له، فله أن يعيد اللعان لانتفائه، ولا إعادة على المرأة، وإن أمكنه النفي والرفع إلى الحاكم فأخر لغير عذر حتى ولدت لم يكن له أن ينفيه كما في الشفعة. وكلامهم مبني بأنه وقع من هلال وعويمر التصريح بنفي الولد، ولا مستند في الأحاديث، فإنه لم يذكر في روايته، وتجويز أنه وقع لا يفيد، إلا أنه [أخرج] (ب) مالك (١) عن نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ لاعن بين رجل وامرأته، وانتفى من ولده، ففرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة. وفي حديث سهل (٢): وكانت حاملًا فأنكر حملها. ولكن ذلك لا يثبت اشتراط الانتفاء، مع أن قوله: وكانت حاملًا. بيَّن البخاري
стр. 3119
أنه من قول الزهري، وقد جاء في رواية البخاري (١) من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن ابن عباس في قصة هلال بلفظ: فوضعت شبيهًا بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجد عندها، فلاعن رسول الله ﷺ بينهما. ظاهره أن الملاعنة تأخرت إلى وضع الحمل، قال المصنف ﵀ (٢): قد أوضحت أن رواية ابن عباس هذه هي في القصة التي في حديث سهل بن سعد، وتقدم قبلُ من حديث سهل أن اللعان وقع بينهما قبل أن تضع، فعلى هذا تكون الفاء في قوله: فلاعن. معقبة بقوله: فأخبره بالذي وجد عليه امرأته. ويحتمل -على بعد- أن يكون مرتين؛ مرة بسبب القذف، ومرة بسبب الانتفاء، والله أعلم. انتهى.
٩٠٧ - وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ أمر رجلًا أن يضع يده عند الخامسة على فيه، وقال: "إنها موجبة". رواه أبو داود [والنسائي] (أ) ورجاله ثقات (٣).
أخرجه أبو داود والنسائي من حديث كليب بن شهاب عن ابن عباس، وأخرجه أبو داود (٤) من رواية عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس، ولم
стр. 3120
يذكر فيه الأمر بوضع الرجل يده على فم الملاعن عند الخامسة، وأما المرأة فلم يذكر في رواية أنه أمر امرأة أن تضع يدها على في المرأة، وإن أوهم ذلك كلام الرافعي (١).
وقوله: "إنها موجبة". أي: موجبة لحلول اللعنة عليه إن كان كاذبًا. فيه دلالة على أنه مشروع من الحاكم المبالغة في منع الحالف من الحلف خشية أن تكون يمينه فاجرة فتحل العقوبة [به] (أ)؛ ولذلك لم يكتف النبي ﷺ بوعظهما باللفظ حتى كان المنع بالفعل.
٩٠٨ - وعن سهل بن سعد ﵁ في قصة المتلاعنين، قال: لما فرغا من تلاعنهما، قال: كذبت عليها يا رسول الله إنْ أمْسكتها. فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ . متفق عليه (٢).
تقدم الكلام في ذلك.
٩٠٩ - وعن ابن عباس ﵁، أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي لا ترد يد لامس. قال: "غَرِّبْها". قال: أخاف أن تتبعها نفسي. قال: "فاستمتع بها". رواه أبو داود (٣) والبزار ورجاله ثقات.
стр. 3121
وأخرجه النسائي (١) من وجه آخر عن ابن عباس بلفظ قال: "طلقها". قال: لا أصبر عنها. قال: "فأمسكها".
أخرجه أبو داود والنسائي (٢) أيضًا من حديث عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه النسائي من رواية عبد الله بن عبيد بن عمير، وأخرجه الشافعي (٣) من طريق عبد الله المذكور، قال: جاء رجل. فذكره مرسلًا، وقد اختلف في إسناده وإرساله، قال النسائي: المرسل أولى بالصواب. وقال في الموصول: إنه ليس بثابت. يعني من رواية عبد الله، وأطلق عليه النووي الصحة (٤)، يعني رواية أبي داود، ولكن نقل ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: لا يثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وليس له أصل. فتمسك بهذا ابن الجوزي، فأورد الحديث في "الموضوعات" (٥) مع أنه أورده بإسناد صحيح، وله طريق أخرى أخرجها أبو حاتم (٦) عن مولى لبني هاشم، فقال: جاء رجل. فذكره، ورواه الثوري فسمى الرجل [هشامًا] (أ) مولى بني هاشم، وأخرجه الخلال (٤) والطبراني والبيهقي (٧) من وجه آخر عن عبيد الله
стр. 3122
ابن [عمرو] (أ)، ولفظه: لا تمنع يد لامس.
قوله: لا ترد يد لامس. اختلف العلماء في معنى ذلك، فقيل: معناه الفجور، وأنها لا تمتنع ممن يطلب منها الفاحشة. وبهذا قال أبو عبيد والخلال والنسائي وابن الأعرابي والخطابي والغزالي والنووي، واستدل به الرافعي على هذا الحكم، وعلى هذا أنه لا يجب تطليق من فسقت بالزنى، إذا كان الرجل لا يقدر على مفارقتها، وقيل: المراد أنها تبذر، ولا تمنع أحدًا طلب منها شيئًا من مال زوجها، وبهذا قال أحمد والأصمعي ومحمد بن ناصر ونقله عن علماء الإسلام وابن الجوزي، وأنكر على من ذهب إلى القول الأول، وقال في "النهاية" (١): وهو أشبه بالحديث؛ لأن المعنى الأول يشكل على ظاهر قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وإن كان في معنى الآية وجوه كثيرة، ورجح القاضي أبو الطيب المعنى الأول؛ لأن السخاء مندوب إليه إذا كان من مالها، وإن كان من مال الزوج فهو يمكنه التحفظ من ذلك، فلا يوجب المسارعة إلى الطلاق، ولكنه يرد عليه ما ذكر، إلا أن يقال: إنه قد روي بلفظ: "أمسكها". بدل قوله: "استمتع بها". وهو يحتمل أمسمكها عن الزنى. فيزول المحظور من نكاح الزانية. أو: أمسكها عن التبذير بالمال. فكذلك مع أنه يحتمل أن يكون المراد بأنها لا ترد يد لامس لمن أراد لمسها لمن يتلذذ بها من دون جماع، وإلا لكان قاذفا لها،
стр. 3123
أو أنها تمتنع ممن أراد منها الفاحشة ولم يكن قد وقع منها ذلك، وإنما أدرك منها مخايل المساهلة وعدم التحرز، والله أعلم (١).
٩١٠ - وعن أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول حين نزلت آية التلاعنين: "أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولم يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه، احتجب الله عنه، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين". أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان (٢).
الحديث أخرجوه من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة، تفرد به عنه عبد الله بن يونس، وهو لا يعرف إلا بهذا الحديث، ففي تصحيحه نظر، وصححه أيضًا الدارقطني (١) مع اعترافه بتفرد عبد الله. وفي الباب عن ابن عمر في "مسند البزار" (٢)، وفيه إبراهيم بن يزيد [الخُوزي] (أ) وهو ضعيف، وروى أحمد (٣) من طريق مجاهد عن ابن عمر نحوه، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤) عن عبد الله بن أحمد عن أبيه عن وكيع، وقال: تفرد به
стр. 3124
وكيع.
قوله: "وهو ينظر إليه". لعل المراد به: وهو يعلم أنه ولده. أو أنه قيد أغلبي، وإلا فجحد الولد محرم، وإن لم يكن مشاهِدًا للجاحد.
٩١١ - وعن عمر ﵁ قال: من أقر بولده طرفة عين، فليس له أن ينفيه. أخرجه البيهقي (١)، وهو حسن موقوف.
أخرجه البيهقي من رواية [مجالد] (أ) عن الشعبي عن شريح عن عمر. ومن طريق قبيصة بن ذؤيب (١) أنه كان يحدث عن عمر، أنه قضى في رجل أنكر ولدًا من المرأة وهو في بطنها، ثم اعترف به وهو في بطنها، حتى إذا ولدت أنكره، فأمر به عمر، فجلد ثمانين جلدة لفريته عليها، ثم ألحق به الولد. وإسناده حسن.
الحديث فيه دلالة على أنه لا يصح النفي بعد الإقرار بالولد، وهذا مجمع عليه، وأما إذا سكت بعد أن علم بالولد ولم ينفه، فقال المؤيد: إنه يلزمه وإن لم يعلم أن له النفي؛ لأن ذلك حق يبطل بالسكوت، وذلك كالشفيع إذا أبطل شفعته قبل علمه باستحقاقها. وذهب أبو طالب وأبو العباس إلى أن له النفي متى علم أن له النفي، إذ لا يثبت التخيير من دون علم، فإن سكت عند العلم لحق ولم يمكن من (ب) النفي بعد ذلك، ولا يعتبر
стр. 3125
عندهم فور ولا تراخ، بل السكوت كالإقرار. وقال الإمام يحيى والشافعي: إن نفيه يكون على الفور، وحد الفور ألا يتراخى إلا قدر ما يلبس، أو ينتعل، أو يسرج دابته، أو يأكل، أو يحرز ما يخشى ضياعه، أو يصلي، أو يجهز ميته، أو يكون في زيارة من حضر موته، أو نحو ذلك، ثم يأتي الحاكمَ للنفي، إذ مثل هذه لا يُعد تراخيًا عرفًا، وأحد قولي الشافعي أن له إلى ثلاثة أيام بعد الولادة؛ لقوله تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (١). وقد قال في القصة: ﴿عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ (٢). وقال أبو حنيفة: القياس الفور، والاستحسان يسوغ التراخي يومًا أو يومين لينظر في أمره. وعن أبي حنيفة: بل إلى سبعة أيام ليكمل التأمل. وعن أبي يوسف ومحمد: بل آخر مدة النفاس، أربعين يومًا. وقال مجاهد وعطاء: النفي على التراخي، ما لم يقرَّ به، إذ دليل ذلك لم يعتبر الفور. وأجاب عن ذلك الإمام يحيى بأنه خيار شُرع لدفع ضرر يلحق بالسكوت، فكان على الفور كخيار الأمة إذا [أعتقت] (أ). وقال الإمام الهدي في "الغيث": إنه حق يبطل بالسكوت الطويل، فيبطل بالقليل. وأنت خبير برِكَّة الجواب. ومن إذا سكت وهي حامل وقد علم بالحمل، فقال مالك: لم يكن له نفيه بعد الولادة. وقال الشافعي: إذا علم الزوج بالحمل، وأمكنه الحاكم من اللعان ولم يلاعن، لم يكن له أن ينفيه. وقال أبو حنيفة: لا ينفى الولد وهو حمل، وإنما يكون
стр. 3126
النفي بعد الوضع. ومقتضى قول الهدوية أنه يصح النفي في وقت الحمل - أنه إذا لم ينفه لم يكن له النفي بعد الولادة، وهو الظاهر من إطلاق الأدلة، والله أعلم.
٩١٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما أسود. قال: "هل لك من إبل؟ ". قال: نعم. قال: "فما ألوانها؟ ". قال: حمر. قال: "فهل فيها من أورق؟ ". قال: نعم. قال: "فأنى ذلك؟ ". قال: لعله نزعه عرق. قال: "فلعل ابنك هذا نزعه عرق". متفق عليه (١). وفي رواية لمسلم (٢): وهو يعرِّض بأن ينفيه. وقال في آخره: ولم يرخص له في الانتفاء منه.
قوله: أن رجلا. جاء في روايهَ للبخاري (٣): أن أعرابيا. وللنسائي (٤): رجلا من أهل البادية. وعند ألي داود (٥): أعرابيا من بني فزارة. وكذا عند مسلم وأصحاب "السنن" (٦)، واسم هذا الأعرابي ضمضم بن قتادة، ذكره عبد الغني في "المبهمات" (٧).
стр. 3127
وقوله: إن امرأتي ولدت غلامًا. قال المصنف رحمه الله تعالى (١): لم أقف على اسم المرأة ولا على اسم الغلام. والمرأة من بني عجل، وزاد البخاري في رواية يونس: وإني أنكرته. أي استنكرته بقلبي. ولم يرد الإنكار باللفظ، وإلا لكان تصريحًا [بالنفي] (أ) لا تعريضًا، بقوله: أسود. والتعريض بقوله: أسود. لأن المعنى: إني أبيض فكيف يكون مني الغلام الأسود؟
وقوله: "أورق". بوزن أفعل، وهو الذي فيه سواد وليس بحالك، بل يميل إلى الغبرة، ومنه قيل للحمامة: ورقاء.
وقوله: "فأنى ذلك؟ ". بفتح النون الثقيلة، أي: من أين أتاها اللون المخالف لها؟ هل هو بسبب فحل من غير لونها طرأ عليها، أو لأمر آخر؟
وقوله: "لعله نزعه". بالضمير في "لعل"؛ اسمها، وهذا ثبت في رواية كريمة، وهي في غيرها من نسخ البخاري بحذف الضمير، ويكون "نزعه" منصوب باسمية "لعل"، وجوز ابن مالك بأن الاسم ضمير الشأن محذوف، فتكون "نزعه" مرفوعة، والمعنى أنه يحتمل أن يكون في أصولها ما هو باللون المذكور فاجتذبه إليه.
وقوله: "نزعه عرق". المراد بالعرق الأصل من النسب، شبهه بعرق الشجرة، ومنه قولهم: فلان عريق في الأصالة. أي أن أصله مناسب.
стр. 3128
وكذا: معرق في الكرم أو اللؤم. وأصل النزع الجذب، فكأنه جذبه إليه لشبهه، يقال فيه: نزع الولد لأبيه وإلى أبيه، ونزعه أبوه ونزعه إليه. وقد يطلق على الميل.
وقوله: "فلعل ابنك" إلخ. فيه ضرب المثل، وتشبيه المجهول بالمعلوم تقريبًا لفهم السامع، قال الخطابي (١): هو أصل في قياس الشبه. وقال ابن العربي (٢): فيه دليل على صحة القياس والاعتبار بالنظير. وتوقف فيه ابن دقيق العيد؛ لأن هذا تشبيه في أمر وجودي، و [النزاع] (أ) إنما هو في التشبيه في الأحكام الشرعية.
ودل الحديث على أنه لا يجوز الانتفاء من الولد بالقرينة الدالة على عدم انتسابه إليه، وأن الولد يلحق به، وإن كان لونه يخالف لون أبيه، قال القرطبي (٣) -وقد سبقه ابن رشد- لا خلاف في أنه لا يحل نفي الولد باختلاف الألوان المتقاربة؛ كالسمرة والأدمة ولا في البياض والسواد، إذا كان قد أقر بالوطء ولم تمض مدة الاستبراء. وكأنه أراد في مذهبه، وإلا فالخلاف ثابت عند الشافعية بتفصيل؛ وهو إن لم ينضم إليه قرينة زنًى لم يجز النفي، وإن اتهمها فأتت بولد على لون الرجل الذي اتهمها به جاز النفي على الصحيح، وعند الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقًا، والخلاف
стр. 3129
إنما هو عند عدمها، والحديث يحتمل؛ لأنه لم يذكر في الحديث أن معه قرينة على الزنى، وإنما هو مجرد مخالفة اللون.
وفي الحديث دلالة على تقديم حكم الفراش على ما يشعر به مخالفة الشبه. وفيه الاحتياط للأنساب (أوإثباتها مع الإنكار أ)، والزجر عن تحقيق ظن السوء. وقال القرطبي (١): يؤخذ منه منع المسلسل، وأن الحوادث لا بد لها أن تستند إلى أول ليس بحادث.
وفي قوله في رواية لمسلم: وهو يعرِّض بنفيه. يدل على أن التعريض بالقذف لا يثبت حكم القذف حتى يقع التصريح، خلافًا للمالكية في أن التعريض الذي يجب فيه القذف عندهم إنما هو ما يفهم منه القذف كما يفهم من التصريح. وقد يجاب بأن الزيادة لم تكن في أصل الحديث، أو المراد أن صورته صورة التعريض وليس بتعريض حقيقة؛ لأنه إنما جاء سائلًا مستفتيًا عن الحكم لا وقع له من الربية، فلما ضرب له المثل أذعن. وقال المهلب (١): التعريض إذا كان على جهة السؤال لا حد فيه، وإنما يجب الحد في التعريض إذا كان على سبيل الواجهة والمشاتمة. وقال ابن المنير (١): [الفرق] (ب) بين الزوج والأجنبي في التعريض؛ أن الأجنبي يقصد الأذية المحضة، والزوج قد [يعذر] (جـ) بالنسبة إلى صيانة النسب، والله أعلم.
стр. 3130
باب العدة والإحداد
العدة اسم لمدة تتربص بها المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها؛ إما بالولادة أو الأقراء أو الأشهر، والإحداد بالحاء المهملة بعدها دالان مهملتان بينهما ألف، والحداد أيضًا، يقال: أحدت المرأة تحد إحدادًا. وحدت تحد بضم الحاء وكسرها. كذا ذكره الجمهور، وتقول: امرأة حاد. ولا تقول: امرأة (أ) حادة. قال أهل اللغة: أصل الإحداد المنع، ومنه سمي البواب حدادا لمنعه الداخل، وسميت العقوبة حدًّا؛ لأنها تردع عن المعصية. وقال ابن دَرَسْتويه: معنى الإحداد منع المعتدة نفسها الزينة، وبدنها الطيب، ومنع الخُطَّاب من خطبتها، ولا يطمع فيها كما منع الحد المعصية. وقال الفراء: سمي الحديد حديدا للامتناع به. ويروى بالجيم. حكاه الخطابي، قال: يروى بالحاء والجيم، وبالحاء أشهر، والجيم مأخوذة من جددت الشيء إذا قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة. وقال أبو حاتم: أنكر الأصمعي حدت، ولم يعرف إلا أحدت. وقال الفراء: كان القدماء يؤثرون أحدت، والأخرى أكثر في كلام العرب. وفي الشرع: ترك الطيب والزينة (١).
٩١٣ - عن المسور بن مخرمة أن سبيعة الأسلمية ﵂ نفست بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت النبي ﷺ فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها، فنكحت. رواه البخاري (٢) وأصله في "الصحيحين". وفي
стр. 3131
لفظ (١): أنها وضعت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة. وفي لفظ لمسلم (٢): قال الزهري: ولا أرى بأسا أن تزوج وهي في دمها غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر.
هو أبو (أعبد الله أ) المسور؛ بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو، ابن مخرمة؛ بفتح الميم والخاء المعجمة الساكنة والراء المهملة المفتوحة، الزهري القرشي ابن أخت عبد الرحمن بن عوف، ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به المدينة في ذي الحجة سنة ثمان، وهو أصغر من ابن الزبير بأربعة أشهر، وقبض النبي ﷺ وهو ابن ثماني سنين، وسمع منه وحفظ عنه، وحدث عن عمر وعبد الرحمن بن عوف، وكان فقيها فاضلا، لم يزل بالمدينة إلى أن قتل عثمان، وانتقل إلى مكة ولم يزل بها إلى أن مات معاوية، وكره بيعة يزيد، ولم يزل مقيمًا بمكة إلى أن نفذ يزيد عسكره وحاصر مكة وبها ابن الزبير، فأصاب المسور حجر من حجارة المنجنيق وهو يصلي في الحِجر فقتله، وذلك في مستهل ربيع الأول سنة أربع وستين، روى عنه عروة بن الزبير وعلي بن الحسين وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبو أمامة بن سهل (ب) بن حنيف وابن أبي مليكة.
стр. 3132
وقوله: أن سبيعة. بمهملة وموحدة ثم مهملة، تصغير [سبع] (أ)، ووقع في البخاري (١) في المغازي: سبيعة بنت الحارث. وذكرها ابن سعد (٢) في المهاجرات، ووقع في رواية لابن إسحاق عند أحمد (٣): سبيعة بنت أبي برزة الأسلمي. فإن كان محفوظا فهو أبو برزة آخر غير الصحابي المشهور، وهو إما كنية للحارث والد سبيعة، [أو] (ب) نسبت في الرواية المذكورة إلى جدها.
ونفست؛ بضم النون وكسر الفاء، أي ولدت.
وقوله: وفاة زوجها بليال. كذا أبهم المدة في هذه الرواية، وقد ثبت عند أحمد (٣) في رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن سبيعة: بشهرين. وفي رواية داود بن عاصم (جـ) (٤): فولدت لأدنى من أربعة أشهر. وهذه فيها إبهام، وفي رواية يحيى بن أبي [كثير] (د) في البخاري (٥) في تفسير سورة " الطلاق ": فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، كذا في رواية [شيبان] (هـ)
стр. 3133
عنه، وفي رواية حجاج عند النسائي (١): بعشرين ليلة. وعند ابن أبي حاتم من رواية أيوب عن يحيى: بعشرين ليلة أو خمس عشرة ليلة. ووقع في رواية الأسود: فوضعت بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين يوما أو خمسة وعشرين يوما. كذا عند الترمذي والنسائي (٢)، وعند ابن ماجه (٣): ببضع وعشرين [ليلة] (أ). وكأن الراوي ألغى الشك، وأتى بلفظ يشمل الأمرين. ووقع في رواية عبد ربه بن سعيد (٤): بنصف شهر. وكذا في رواية شعبة (ب): [بلفظ] (جـ): خمسة عشر، نصف شهر. وكذا في حديث ابن مسعود عند أحمد (٥). والجمع بين هذه الروايات متعذر؛ لاتحاد القصة، ولعل ذلك هو السر في إبهام من أبهم المدة، إذ (د) محل الخلاف أن تضع لدون أربعة أشهر وعشر، وهو هاهنا كذلك، فأقل ما قيل في هذه الروايات: نصف شهر. وأما ما وقع في بعض الشروح أن في البخاري رواية: عشر ليال. وفي رواية الطبراني (٦): ثمان أو سبع. فهو في مدة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت
стр. 3134
النبي ﷺ لا في مدة بقية الحمل، وأكثر ما قيل فيه (أ) بالتصريح: شهرين. وبغير التصريح: دون أربعة أشهر.
وزوجها هو سعد بن خَوْلة، توفي في حجة الوداع، وهو المذكور في حديث زيارة النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص، ورثى له النبي ﷺ أن مات بمكة وهي مهاجره؛ لكراهة عود المهاجر إلى أرض هاجر منها، ونقل ابن عبد البر (١) الاتفاق على أنه توفي في حجة الوداع بمكة، واعترض الاتفاق بأن محمد بن [سعد] (ب) (٢) ذكر أنه مات قبل الفتح، وذكر الطبري (جـ) أنه مات سنة سبع، وقد ذكر في البخاري في تفسير سورة "الطلاق" أنه قتل، ومعظم الروايات أنه مات، وهو المعتمد، إلا أنه إذا صحت رواية القتل فهي لا تنافيها رواية الموت، وإن لم تصح فالعمل على رواية الموت.
وقوله: فأذن لها أن تنكح. في الحديث دلالة على أن الحامل المتوفى عنها تنقضي عدتها بوضع الحمل، وإن لم يمض عليها أربعة أشهر وعشر، فيجوز لها أن تنكح، وقد ذهب إلى هذا الجماهير من الصحابة ومن بعدهم من علماء الأمصار محتجين بالحديث الصحيح، وبقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣). والآية وإن كان ما قبلها في
стр. 3135
المطلقات ولكن ذلك لا يخصص العموم. وذهب علي وابن مسعود والشعبي والهدوية والمؤيد بالله والناصر إلى أنها تعتد بآخر الأجلين؛ إما وضع الحمل إن تأخر عن الأربعة الأشهر والعشر، أو بالمدة المذكورة إن تأخرت عن وضع الحمل، قالوا: لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١). فالآية الكريمة فيها عموم وخصوص من وجه، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾. كذلك، فجمع بين الدليلين بالعمل بهما، والخروج من العهدة بيقين، بخلاف ما إذا عمل بأحدهما. أجاب عن ذلك الأولون بأن حديث سبيعة نص في الحكم مبين (أ) بأن آية "النساء القصرى" شاملة للمتوفى عنها، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الله في زوائد (ب) "السند" وأبو يعلى والضياء في "المختارة" (٢) وابن مردويه، عن أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله، ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. أهي المطلقة ثلاثا [أو] (جـ) المتوفى عنها؟ قال: "هي المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها".
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والدارقطني (٣) من وجه آخر
стр. 3136
عن أبي بن كعب قال: لما نزلت هذه الآية قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، هذه الآية مشتركة أو مبهمة؟ قال رسول الله ﷺ : "أية آية؟ ". قلت: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، المطلقة والمتوفى عنها؟ قال: "نعم".
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه (١) من طرق عن ابن مسعود، أنه بلغه أن عليًّا يقول: تعتد آخر الأجلين. فقال: من شاء لاعنته، أن الآية التي في سورة "النساء القصرى" نزلت بعد سورة "البقرة"؛ ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. بكذا (أ) وكذا شهر (ب)، وكل مطلقة ومتوفى عنها (جـ) زوجها فأجلها أن تضع.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود (٢) قال: من شاء حالفته أن سورة "النساء الصغرى" أنزلت بعد الأربعة الأشهر وعشر، ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
стр. 3137
وأخرج عبد بن حميد (١) عن ابن مسعود قال: من شاء لاعنته أن الآية التي في "النساء القصرى"؛ ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ نسخت ما في "البقرة".
وأخرج ابن مردويه (٢) عن ابن مسعود قال: نسخت سورة "النساء القصرى" كل عدة، ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أجل كل حامل؛ مطلقة أو متوفى عنها زوجها أن تضع حملها.
وأخرجه الحاكم في "التاريخ" والديلمي (٣) عن ابن مسعود مرفوعًا.
وأخرج عبد بن حميد والبخاري والطبراني وابن مردويه (٤) عن ابن مسعود قال: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون لها الرخصة؟ أنزلت سورة "النساء القصرى" بعد الطولى؛ ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، إذا وضعت فقد انقضت العدة.
وأخرج ابن مردويه (٥) عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت سورة "النساء القصرى" بعد التي في "البقرة" بسبع سنين.
وأخرج عبد الرزاق (٦) عن أبي بن كعب قال: قلت لرسول الله ﷺ : إني أسمع الله يذكر: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، والحامل التوفى عنها زوجها أن تضع حملها؟ فقال لي النبي ﷺ : "نعم".
стр. 3138
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه (١) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كنت أنا وابن عباس وأبو هريرة، فجاء رجل فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة، أحلت؟ فقال ابن عباس: تعتد آخر الأجلين. قلت أنا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال ابن عباس: ذلك في الطلاق. قال أبو سلمة: أرأيت لو أن امرأة جرت حملها سنة، فما عدتها؟ قال ابن عباس: آخر الأجلين. قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي. يعني أبا سلمة. فأرسل ابن عباس غلامه كريبًا إلى أم سلمة يسألها هل مضت في ذلك سنة؟ فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله ﷺ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه (٢) عن أبي السنابل بن بعكك، أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين يومًا، [فتشوفت] (أ) للنكاح، فأنكر ذلك عليها، أو عيب عليها، فسئل رسول الله ﷺ فقال: "إن تفعل فقد خلا أجلها".
стр. 3139
وأخرج ابن مردويه (١) عن عائشة قالت: مكثت امرأة ثلاثًا وعشرين ليلة، فأتت النبي ﷺ فذكرت ذلك، فقال: "استفلحي لأمرك". يقول: تزوجي.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه (٢) عن سبيعة الأسلمية أنها توفي زوجها، فوضعت بعد وفاته بخمس وعشرين ليلة، فتهيأت، فقال لها أبو السنابل بن بعكك: قد أسرعت، اعتدي آخر الأجلين أربعة أشهر وعشرا. قالت: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: "إن وجدت زوجا صالحا فتزوجي".
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد (٣) عن المسور بن مخرمة، أن زوج سبيعة الأسلمية توفي وهي حامل، فلم تمكث إلا ليالٍ يسيرة حتى نفمست، فلما تعلت -أي: برئت- من نفاسها ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأذن لها فنكحت.
وأخرج عبد بن حميد (٤) عن الحسن، ان امراة توفي عنها زوجها، فولدت بعد أيام، فاختضبت وتزينت، فمر بها أبو السنابل بن بَعْكَك فقال: كذَبْتِ، إنما هو آخر الأجلين. فأتت النبي ﷺ فأخبرته بذلك، فقال:
стр. 3140
"كذب أبو السنابل، تزوجي".
وأخرج عبد بن حميد (١) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه تمارى هو وابن عباس في المتوفى عنها زوجها وهي حُبلى، فقال ابن عباس: آخر الأجلين. وقال أبو سلمة: إذا ولدت فقد حلت. فجاء أبو هريرة فقال: أنا مع ابن أخي. لأبي سلمة، ثم أرسلوا إلى عائشة فسألوها. فقالت: ولدت سُبيعة بعد وفاة زوجها بليال، فاستأذنت رسول الله ﷺ ، فأمرها فنكحت.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد (٢) عن عبيد الله بن عبد الله، قال: أرسل مروان عبد الله بن عتبة إلى سبيعة بنت الحارث يسألها عما أفتاها رسول الله ﷺ ، فأخبرته أنها كانت عند سعد بن خولة، فتوفي عنها في حجة الوداع، وكان بدريا، فوضعت حملها قبل أن تمضي أربعة أشهر وعشر من وفاته، فلقيها أبو السنابل بن بعكك حين تَعَلَّت من نفاسها، وقد اكتحلت وتزينت، فقال: لعلك تريدين النكاح! إنها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجك. قالت: فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، وذكرت له ما قال أبو السنابل. فقال لها رسول الله ﷺ : "اربَعِي بنفسك (٣)، فقد حل أجلك إذا وضعت حملك".
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد (٤) عن علي في الحامل إذا وضعت بعد وفاة زوجها، قال: تعتد أربعة أشهر وعشرا.
стр. 3141
وأخرج ابن أبي شيبة (١) عن سعيد بن المسيب، أن عمر استشار علي ابن أبي طالب وزيد بن ثابت، قال زيد: قد حلت. وقال علي: أربعة أشهر وعشرا. قال زيد: أرأيت إن كانت نسْئًا (٢). قال علي: فآخر الأجلين. [قال عمر] (أ): لو وضعت ذا بطنها وزوجها على نعشه لم يدخل حفرته لكانت قد حلت.
وأخرج ابن المنذر (٣) عن مغيرة، قال: [قلت للشعبي] (ب): ما أصدق أن علي بن أبي طالب كان يقول: عدة المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين. قال: بلى، فصدِّقْ به كأشد ما صدقت بشيء؛ كان علي يقول: إنما قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. في المطلقة.
فهذه الأحاديث المروية في تفسير الآية الكريمة تدل على أن الآية معمول بعمومها في جميع العدد، وأن عموم آية "البقرة" مخصص بهذه الآية الكريمة، ومع تأخر نزولها كما في هذه الروايات يكون تخصيصها لعموم الآية السابقة متفقا عليه، قال الإمام المهدي في "البحر" بعد أن ذكر حجة القول الأول بحديث سبيعة: قلت: إن تأخر الخبر عن آية الأشهر فقوي، وإلا فهي أقوى للجمع. انتهى. يعني أن الحديث إذا كان متأخرا كان
стр. 3142
مخصصا لعموم آية "البقرة"؛ لأن السنة المتأخرة تكون مخصصة لعموم القرآن، وأما مع تقدم قصة سبيعة أو مع جهل التاريخ يكون العمل بالآية، فعلى الأول (أ) لكونها ناسخة لحديث سبيعة، و (ب) مع جهل التاريخ لترجيح الآية.
وأقول: أولًا، كلام "البحر" مبني على قول من لم يبن العام على الخاص مطلقا، ويقول: إن العام المتأخر ناسخ للخاص المتقدم. وثانيا، أنه قد ثبت بما تلونا عليك في قصة الأسلمية أنها متأخرة عن الآية، فهو معمول بالحديث، وآية سورة "النساء القصرى" متأخرة النزول مبين (جـ) المراد بعمومها من السنة، فالعمل بذلك صحيح. وقال الجمهور: إنه يجوز العقد عليها وإن لم تطهر من النفاس كما تقدم في حديث ابن شهاب. وقال الشعبي والحسن والنخعي وحماد بن أبي سليمان: لا تنكح حتى تطهر. ولعل مستندهم ما وقع في بعض ألفاظ حديث سبيعة: فلما تعلت من نفاسها. ولا حجة لهم (د) في ذلك؛ لأن "تعلت" تحتمل أن يراد به برئت من ألم النفاس، وإن كان الدم باقيا، ويحتمل طهرت، والأول أرجح، فإنه قد جاء ما هو صريح كما في قوله: "حل أجلك إذا وضعت حملك". وغيره، وكذا هو ظاهر الآية الكريمة، وهو قوله: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. وإن حرم وطؤها لعلة أخرى وهو بقاء دم النفاس، وقد اختلف في الوضع الذي تنقضي
стр. 3143
به العدة؛ فذهب العترة والشافعي إلى أنه يشترط فيه أن يكون لاحقا بمن اعتدت منه المرأة، كلو نكحت وهي حامل من زنًى ثم طلقها الزوج أو مات عنها فلا تنقضي عدتها بذلك، وقال أبو حنيفة: إنها تنقضي به العدة لعموم ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. والجواب: أن الخطاب للناكحات الحاملات عن الأزواج. ولا بد من وضع الحمل جميعه، وإذا كان متخلقا فإجماع، وأما إذا كان غير متخلق فإن كان مضغة لا تخلُّق فيها، فذهب العترة إلى أنه لا تنقضي به العدة؛ لجواز أنه دم منعقد، وقال في "المنهاج" وشرحه "العجالة": وبمضغة فيها صورة آدمي خفية أخبر بها القوابل (١). أي فإن العدة تنقضي بها أيضًا، ومثل هذا رواه الإمام المهدي عن الشافعي، ثم قال: فإن لم يكن صورة -أي بينة ولا خفية- وقلن -أي القوابل-: هي أصل آدمي. انقضت على المذهب، لأن القصد من العدة معرفة براءة الرحم، وهي تحصل برؤية الدم. فمثل هذا أول، أي قول أول، للشافعي، والقول الثاني: إنها لا تنقضي. وهو مخرج من الغرة (أ) وأمية الولد كما نص عليه فيهما، والأول فرق بأن الأصل براءة الذمة من الغرة، فلا تجب بالشك، وأمية الولد منوطة باسم الولد، وهذا لا يسمى ولدًا، والعدة منوطة باسم الحمل، وهذا [لا] (ب) يسمى حملًا بخلاف العلقة، وهذه الطريقة هي الصحيحة أن المسألة على القولين، والطريقة الثانية القطع بالأول. انتهى.
стр. 3144
وقال النووي في "شرح مسلم" (١): وقال العلماء من أصحابنا وغيرهم: سواء كان الحمل ولدا أو أكئر، كامل الخلقة أو ناقصها، أو علقة أو مضغة، فتنقضي العدة بوضعه إذا كان فيه صورة خلق آدمى، سواء كان صورة خفية تختص النساء بمعرفتها، أم جلية يعرفها كل أحد. وتوقف ابن دقيق العيد فيه من جهة أن الغالب في إطلاق وضع الحمل هو الحمل التام المتخلق، وأما خروج المضغة والعلقة فهو نادر، والحمل على الغالب أقوى. قال المصنف (٢) رحمه الله تعالى: ولهذا نقل عن الشافعي قول بأن العدة لا تنقضي بوضع قطعة لحم ليس فيها صورة بينة ولا خفية، وظاهر الحديث والآية الكريمة الإطلاق فيما تحقق كونه حملًا، وأما ما لا يتحقق كونه حملًا فلا؛ لجواز أنه (أ) قطعة لحم، والعدة لازمة بيقين فلا تنقضي بالمشكوك فيه.
٩١٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض. رواه ابن ماجه (٣) ورواته ثقات، لكنه معلول.
الحديث تأيد بما أخرجه أحمد (٤) عن عفان عن همام بحديث بريرة مطولًا، وفيه أنها تعتد عدة الحرة. وقد جاء في بعض طرقه: تعتد بحيضة. وهي مرجوحة، ويحتمل أن أصله: تعتد بحيض. فيكون المراد الجنس لما استبرئ (ب) به ولا يقصد الموحدة الفردية، وإنما المقصد الموحدة النوعية،
стр. 3145
والتأويل أولى، وهو يدل على أن العدة معتبرة بالمرأة -عند من يجعل عدة المملوك دون عدة الحر- لا بالزوج، على القول الأظهر أن زوجها كان مملوكًا.
٩١٥ - وعن الشعبي عن فاطمة بنت قيس، عن النبي ﷺ في المطلقة ثلاثا: "ليس لها سكنى ولا نفقة". رواه مسلم (١).
هو أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد الله الشعبي الهمْداني الكوفي، تابعي جليل القدر، فقيه كبير، قال: أدركت خمسمائة من الصحابة أو أكثر يقولون: علي وطلحة والزيير [في الجنة] (أ). قال ابن عيينة: كان ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه. ولد لست سنين خلت من خلافة عثمان ومات سنة أربع ومائة، وله اثنتان وستون سنة، وفي "الكاشف" (٢) أنه ولد في خلافة عمر. وفي "مرآة الزمان" لليافعي (٣) أنه مات وله بضع وثمانون سنة. مر به ابن عمر وهو يحدث بالمغازي، فقال: شهدت القوم وهو أعلم بها مني. وقال ابن سيرين لأبي بكر الهذلي (ب): الزم الشعبي، فلقد رأيته يستفتى وأصحاب النبي ﷺ بالكوفة. وقال الزهري: العلماء أربعة؛ ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري
стр. 3146
بالبصرة، ومكحول بالشام.
الحديث أخرجه مسلم وأخرجه بألفاظ غير هذا موافقة في المعنى، وهو يدل على أن المطلقة ثلاثًا لا تستحق سكنى ولا نفقة، وقد ذهب إلى هذا ابن عباس، والحسن، وعطاء، والشعبي، وأحمد في إحدى الروايات عنه، والقاسم، والإمامية، وإسحاق بن راهويه وأصحابه، وداود، وسائر أهل الحديث، فقالوا: لا تجب النفقة ولا السكنى. وذهب عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، والناصر، والإمام يحيى، وأبو حنيفة، والثوري، وأهل الكوفة، إلى وجوب النفقة والسكنى؛ قالوا: أما السكنى فلقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ (١). وأما النفقة فلأنها محبوسة عليه. وذهب الشافعي ومالك وآخرون إلى وجوب السكني لها دون النفقة؛ لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾. وأما النفقة فلقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. ومفهوم الشرط يدل على أنها لا تحب لغير الحامل، وأما الرجعية التي ليست بحامل فوجوب النفقة لها بدليل الإجماع، وذهب الهادي والمؤيد إلى وجوب النفقة دون السكني في البائن، قالوا: لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ (٢). وإذ حبست بسببه كالرجعية، ولا سكنى لها؛ [لأن] (أ) قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾. يدل على أن ذلك حيث يكون الزوج، وهو يقتضي الاختلاط، ولا يكون ذلك
стр. 3147
إلا في حق الرجعية. قالوا: وأما تقييد النفقة بحالة الحمل فليس ذلك للعمل بالمفهوم، وإنما هو لما كانت مدة الحمل قد تطول بحسب الأغلب فاستبعد وجوب الإنفاق فيها كلها، فنبه بالتقييد على وجوبها فيها وإن طالت المدة. ورده ابن السمعاني بأنه لا أغلبية في طول مدة الحمل، بل تكون تارة أقصر، وتارة مساوية، وتارة أطول، فلا تظهر فائدة غير التخصيص.
واعلم أنه قد طعن علي حديث فاطمة بنت قيس قديمًا وحديثًا بثمانية مطاعن؛ أولها، ما رواه مسلم (١) في "الصحيح" عن أبي إسحاق قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسا في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ يجعل لها سكنى ولا نفقة، فأخذ الأسود كفا من حصى فحصبه به، فقال: ويلك! تحدث بمثل هذا؟ قال عمر: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة، لا ندري أحفظت أم نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢). قالوا: فهذا عمر قال: سنة نبينا. وقد ثبت أن قول الصحابي (أ): سنة نبينا. مرفوع، وإذا تعارضت رواية عمر ورواية فاطمة، كانت روايته أرجح.
الثاني، قول عائشة ﵂: ما لفاطمة (ب) بنت قيس خير إن
стр. 3148
تذكر هذا الحديث. أخرجه في "الصحيحين" (١). وفي "صحيح البخاري" (٢) عن عائشة قالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش (٣)، فخص على ناحيتها، فلذلك أرخص لها رسول الله ﷺ . يعني في الخروج.
الثالث، ما روى عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال: حدثني الليث بن سعد حدثني جعفر عن ابن هرمز عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كان محمد بن أسامة بن زيد يقول: كان أسامة إذا ذكرت فاطمة شيئًا من ذلك، يعني من انتقالها في عدتها، رماها بما في يده (٤).
الرابع، أن مروان لما حُدث بحديث فاطمة، قال: لم نسمع هذا إلا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها (٥).
الخامس، ما رواه أبو داود في "سننه" (٦)، قال سعيد بن المسيب: إنها كانت امرأة لَسِنَة، فوضعت على يدي ابن أم مكتوم.
السادس: ما رواه أبو داود (٧) عن سليمان بن يسار، قال في خروج فاطمة: إنها كانت من سوء الخلق.
стр. 3149
السابع، ما أخرجه النسائي (١) من إنكار الأسود بن يزيد على الشعبي لما أفتى بذلك، وقال: ويلك! لم تفتي بمثل هذا؟ قال عمر لها: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله ﷺ ، وإلا لم نترك كتاب ربنا لقول امرأة.
الثامن، ما أخرجه أبو محمد بن حزم (٢) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وقد ذكر حديث فاطمة بنت قيس، ثم قال: فأنكر الناس عليها ما كانت تحدث من خروجها قبل أن تحل. فالوا: وقد عارض رواية فاطمة صريح رواية عمر في إيجاب النفقة والسكنى؛ فروى حماد بن سلمة عن حماد بن أبي [سليمان] (أ)، أنه أخبره إبراهيم النخعي بحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس، فقال له إبراهيم: إن عمر أخبر بقولها، فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب الله وقول النبي ﷺ لقول امرأة؛ لعلها أوهمت، سمعت النبي ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة". انتهى.
وقد أجيب عن المطاعن بما حاصله أنها تضمنت أربعة أمور؛ أحدها، كون الراوي امرأة، ولم تقترن بشاهدين عدلين يتابعانها على حديثها. ثانيها، أن الرواية تخالف ظاهر القرآن. الثالث، أن خروجها من المنزل لم يكن لأنه لا حق لها في السكنى، بل لإيذائها أهل زوجها بلسانها. الرابع، معارضة روايتها لرواية عمر.
стр. 3150
وأجيب عنها: أما الأول، فكون الراوي امرأة غير قادح، فكم من سنن ثبتت عن النساء، يعلم ذلك من اطلع على السنن، وعرف مسانيد الصحابة، وعدم متابعة غيرها لها من الصحابة لا يقدح أيضًا، فإن من قبِل رواية الواحد، وهم الأكثر، لا يفرقون بين المرأة والرجل، وأما عمر ﵁ فإنه قد فعل مثل هذا في حق أبي موسى الأشعري في خبر الاستئذان (١) حتى شهد اثنان، ولعل ذلك للتردد في الحفظ، وإلا فقد قبِل خبر الضحاك بن سفيان الكلابي في توريث امرأة أشيم (أ) من الدية (٢)، وقبل لعائشة ﵂ عدة أحاديث تفردت بها.
وأما الثاني، وهو مخالفتها لظاهر القرآن، فإن الجمع ممكن بحمل هذا الحديث على التخصيص لبعض أفراد العام، أو نسخ مع التراخي، والتخصيص بخبر الواحد صحمِح إلا عند الحنفية، فلا مخالفة حينئذ.
وأما الثالث، وهو أن خروجها كان لفحش في لسانها، فهو مستبعد في حقها، فهي من خيار الصحابة وفضلائهم من المهاجرات الأول، وكان لو أمرها النبي ﷺ بكف لسانها لم تخالفه.
وأما الرابع، وهو معارضة روايتها برواية عمر، وهي تورد من وجهين، أحدهما، قوله: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا. وأن هذا من حكم المرفوع. والثاني، قوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة".
стр. 3151
والجواب عن ذلك، بأن الإمام أحمد أنكر هذه الزيادة من قول عمر، وجعل يتبسم ويقول: أين في كتاب الله إيجاب النفقة والسكنى للمطلقة ثلاثًا؟ وقال: لا يصح هذا عن عمر. قاله أبو الحسن الدارقطني، وأما حديث إبراهيم النخعي الذي مر، فإبراهيم لم يسمعه من عمر، فإنه لم يولد إلا بعد موت عمر بسنين، فذلك على تقدير ثبوته لا يكون إلا بواسطة، والواسطة قد تكون ممن قصر حفظه وثقته في رواية الحديث، ولو كان ذلك ثابتًا لروي لفاطمة في دفع حديثها وانقطعت حجتها. وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران وسعيد بن المسيب، فذكر له ميمون حديث فاطمة، فقال له سعيد: تلك امرأة فتنت الناس. فقال له ميمون: لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها به رسول الله ﷺ ما فتنت الناس، وإن لنا في رسول الله أسوة حسنة. مع أن حديث فاطمة احتج به جماعة من الفقهاء في عدة أحكام، فمالك والشافعي وجمهور الأمة يحتجون به في سقوط نفقة المبتوتة إذا كانت حائلًا، والشافعي نفسه احتج به على جواز جمع الثلاث؛ لأن في بعض ألفاظه؛ فطلقني ثلاثًا. واحتج به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال، واحتج به الأئمة كلهم على جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول، وعلى جواز ذكر ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوجه أو يعامله أو يسافر معه، وأن ذلك ليس بغيبة، وعلى جواز نكاح القرشية من غير القرشي، وعلى وقوع الطلاق وإن لم يكن الزوج حاضرًا عند الزوجة، وعلى
стр. 3152
جواز التعريض بالخطبة في حق البائن، والله أعلم.
٩١٦ - وعن أم عطية ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُحِدّ امرأة على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت، نبذة من قسط وأظفار". متفق عليه، وهذا لفظ مسلم (١). ولأبي داود والنسائي (٢) من الزيادة: "ولا تختضب". وللنسائي (٣): "ولا تمتشط". الحديث.
قوله: "لا تحد امرأة". فيه دلالة على أنه لا يحل للمرأة الإحداد على غير الزوج، أبا كان أو غير أب، فوق الثلاث، وأنه يجوز الإحداد الثلاث أو أقل منها، وكأن هذا القدر أبيح لأجل غلبة الطباع البشرية للإنسان، وأنه لا يكاد يقدر أن يدفع الجزع والحزن ويتسلى عن المصائب بالكلية، وكانت الشريعة على الحنيفية السهلة وتوسيع الأمر إذا ضاق؛ لطفًا من الله ورحمة، كما أراد بعباده اليسر، ولم يحملهم على الإصر والعسر، وقد أخرج أبو داود في "المراسيل" (٤)، من حديث عمرو بن شعيب، أن النبي ﷺ رخص للمرأة أن تحد على أبيها سبعة أيام، وعلى من سواه ثلاثة أيام. فلو صح كان مخرجًا للأب من هذا العموم، ولكنه مرسل أو معضل؛ لأن عمرو بن شعيب
стр. 3153
إنما أدرك صغار الصحابة وروى عنهم القليل، وجل روايته عن التابعين.
وقوله: "امرأة". يخرج الصغيرة. وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة وأصحابه وتخريج أبي (أ) العباس للهادي، والخلاف للجمهور، قالوا (ب): وذكر المرأة خرج مخرج الغالب، ولأن التكليف على وليها يمنعها من الطيب والزينة، ولأن العدة واجبة على الصغيرة كالكبيرة، ولأنه لا تحل خطبتها، وكذا في الرواية الأخرى: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر" (١). فالتقييد بالإيمان إنما هو لأن المؤمنة هي المعتبرة في بيان ما يجب عليها ويحرم، وإن كانت الكافرة كذلك، والخلاف لأبي ثور وبعض المالكية.
وقوله: "على ميت". ظاهره [أنه] (جـ) لا إحداد على المطلقة، فإن كان رجعيا فإجماع، وإن [كان] (د) بائنًا، فذهب أنه لا إحداد عليها الجمهور، وهو مذهب الهادي، والمؤيد، والإمام يحيى، والشافعي، ومالك، وربيعة، ورواية عن أحمد، لظاهر التقييد بالميت، فالمفهوم أن غيره لا إحداد عليه، ولأن الإحداد إنما شرع لقطع ما يدعو إلى الجماع، وكان هذا في حق [المنبتة] (هـ) لتعذر رجوعها إلى الزوج، وأما المطلقة بائنًا، فلأنه (و) يصح أن
стр. 3154
تعود مع زوجها بعقد إذا لم تكن مثلثة، وذهب علي وزيد بن علي وتخريج أبي العباس للهادي وأبو حنيفة وأصحابه وأبو [عبيد] (أ) وأبو ثور إلى وجوب الإحداد على المطلقة بائنًا قياسًا على المتوفى عنها، وقال به بعض الشافعية والمالكية، قالوا: لأنهما اشتركتا في العدة واختلفتا في سببها، ولأن العدة تحرم النكاح فحرمت دواعيه، والإحداد معقول المعنى، وهو أن إظهار الزينة والطيب والحلي مما يدعو المرأة إلى الرجال، ويدعو الرجال إليها، فلا يؤمن أن تكذب في انقضاء عدتها استعجالًا لذلك، فمنعت من دواعي ذلك وسدت إليه الذريعة.
وهذا الحديث لا يدل على وجوب الإحداد رأسًا، وإنما المفهوم يدل على حله على الزوج المدة المذكورة، وقال بوجوبه في حق المنبتة الأكثر، ويدل على ذلك حديث أم سلمة أخرجه أبو داود (١)، أنه قال: "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تكتحل، ولا تختضب". وأخرج أيضًا (٢) عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرًا، فقال: "ما هذا يا أم سلمة؟ ". قلت: صبر يا رسول الله، ليس فيه طيب. قال: "إنه يشبُّ الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل، وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء، فإنه خضاب". قالت: قلت: يا رسول الله، بأي شيء أمتشط؟ قال: "بالسدر، تُغلِّفين (ب) به رأسك". وذهب الحسن البصري فيما رواه عنه حماد بن
стр. 3155
سلمة عن حميد أنه قال (١): إن المطلقة ثلاثًا والمتوفى عنها زوجها (أ) يكتحلان، ويمتشطان، ويتطيبان، ويختضبان، وينتعلان، ويصبغان ما [شاءتا] (ب). ومثله الحكم بن عتيبة فيما رواه عن شعبة: أن المتوفى عنها لا تحد. وكذا نقل الخلال بسنده عن أحمد عن هشيم عن داود عن الشعبي، أنه كان لا يعرف الإحداد (٢)، قال أحمد: ما كان بالعراق أشد تبحرًا من هذين. يعني الحسن والشعبي. قال: وخفي ذلك عليهما. انتهى. وحجتهما ما رواه أحمد (٣) وصححه ابن حبان، عن أسماء بنت عميس، قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب، فقال: "لا تحدي بعد يومك". هذا لفظ أحمد، وفي رواية له ولابن حبان والطحاوي (٤): لما أصيب جعفر أتانا النبي ﷺ فقال: "تسَلَّبي ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت". وأخرج ابن حزم (١) من طريق [الخشني] (جـ) محمد بن عبد السلام عن عبد الله بن شداد بن الهاد، أن رسول الله ﷺ قال لامرأة جعفر بن أبي طالب: "إذا