← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

والجواب عن ذلك، بأن الإمام أحمد أنكر هذه الزيادة من قول عمر، وجعل يتبسم ويقول: أين في كتاب الله إيجاب النفقة والسكنى للمطلقة ثلاثًا؟ وقال: لا يصح هذا عن عمر. قاله أبو الحسن الدارقطني، وأما حديث إبراهيم النخعي الذي مر، فإبراهيم لم يسمعه من عمر، فإنه لم يولد إلا بعد موت عمر بسنين، فذلك على تقدير ثبوته لا يكون إلا بواسطة، والواسطة قد تكون ممن قصر حفظه وثقته في رواية الحديث، ولو كان ذلك ثابتًا لروي لفاطمة في دفع حديثها وانقطعت حجتها. وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران وسعيد بن المسيب، فذكر له ميمون حديث فاطمة، فقال له سعيد: تلك امرأة فتنت الناس. فقال له ميمون: لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها به رسول الله ﷺ ما فتنت الناس، وإن لنا في رسول الله أسوة حسنة. مع أن حديث فاطمة احتج به جماعة من الفقهاء في عدة أحكام، فمالك والشافعي وجمهور الأمة يحتجون به في سقوط نفقة المبتوتة إذا كانت حائلًا، والشافعي نفسه احتج به على جواز جمع الثلاث؛ لأن في بعض ألفاظه؛ فطلقني ثلاثًا. واحتج به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال، واحتج به الأئمة كلهم على جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول، وعلى جواز ذكر ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوجه أو يعامله أو يسافر معه، وأن ذلك ليس بغيبة، وعلى جواز نكاح القرشية من غير القرشي، وعلى وقوع الطلاق وإن لم يكن الزوج حاضرًا عند الزوجة، وعلى

стр. 3152

جواز التعريض بالخطبة في حق البائن، والله أعلم. ٩١٦ - وعن أم عطية ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُحِدّ امرأة على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت، نبذة من قسط وأظفار". متفق عليه، وهذا لفظ مسلم (١). ولأبي داود والنسائي (٢) من الزيادة: "ولا تختضب". وللنسائي (٣): "ولا تمتشط". الحديث. قوله: "لا تحد امرأة". فيه دلالة على أنه لا يحل للمرأة الإحداد على غير الزوج، أبا كان أو غير أب، فوق الثلاث، وأنه يجوز الإحداد الثلاث أو أقل منها، وكأن هذا القدر أبيح لأجل غلبة الطباع البشرية للإنسان، وأنه لا يكاد يقدر أن يدفع الجزع والحزن ويتسلى عن المصائب بالكلية، وكانت الشريعة على الحنيفية السهلة وتوسيع الأمر إذا ضاق؛ لطفًا من الله ورحمة، كما أراد بعباده اليسر، ولم يحملهم على الإصر والعسر، وقد أخرج أبو داود في "المراسيل" (٤)، من حديث عمرو بن شعيب، أن النبي ﷺ رخص للمرأة أن تحد على أبيها سبعة أيام، وعلى من سواه ثلاثة أيام. فلو صح كان مخرجًا للأب من هذا العموم، ولكنه مرسل أو معضل؛ لأن عمرو بن شعيب

стр. 3153

إنما أدرك صغار الصحابة وروى عنهم القليل، وجل روايته عن التابعين. وقوله: "امرأة". يخرج الصغيرة. وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة وأصحابه وتخريج أبي (أ) العباس للهادي، والخلاف للجمهور، قالوا (ب): وذكر المرأة خرج مخرج الغالب، ولأن التكليف على وليها يمنعها من الطيب والزينة، ولأن العدة واجبة على الصغيرة كالكبيرة، ولأنه لا تحل خطبتها، وكذا في الرواية الأخرى: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر" (١). فالتقييد بالإيمان إنما هو لأن المؤمنة هي المعتبرة في بيان ما يجب عليها ويحرم، وإن كانت الكافرة كذلك، والخلاف لأبي ثور وبعض المالكية. وقوله: "على ميت". ظاهره [أنه] (جـ) لا إحداد على المطلقة، فإن كان رجعيا فإجماع، وإن [كان] (د) بائنًا، فذهب أنه لا إحداد عليها الجمهور، وهو مذهب الهادي، والمؤيد، والإمام يحيى، والشافعي، ومالك، وربيعة، ورواية عن أحمد، لظاهر التقييد بالميت، فالمفهوم أن غيره لا إحداد عليه، ولأن الإحداد إنما شرع لقطع ما يدعو إلى الجماع، وكان هذا في حق [المنبتة] (هـ) لتعذر رجوعها إلى الزوج، وأما المطلقة بائنًا، فلأنه (و) يصح أن

стр. 3154

تعود مع زوجها بعقد إذا لم تكن مثلثة، وذهب علي وزيد بن علي وتخريج أبي العباس للهادي وأبو حنيفة وأصحابه وأبو [عبيد] (أ) وأبو ثور إلى وجوب الإحداد على المطلقة بائنًا قياسًا على المتوفى عنها، وقال به بعض الشافعية والمالكية، قالوا: لأنهما اشتركتا في العدة واختلفتا في سببها، ولأن العدة تحرم النكاح فحرمت دواعيه، والإحداد معقول المعنى، وهو أن إظهار الزينة والطيب والحلي مما يدعو المرأة إلى الرجال، ويدعو الرجال إليها، فلا يؤمن أن تكذب في انقضاء عدتها استعجالًا لذلك، فمنعت من دواعي ذلك وسدت إليه الذريعة. وهذا الحديث لا يدل على وجوب الإحداد رأسًا، وإنما المفهوم يدل على حله على الزوج المدة المذكورة، وقال بوجوبه في حق المنبتة الأكثر، ويدل على ذلك حديث أم سلمة أخرجه أبو داود (١)، أنه قال: "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تكتحل، ولا تختضب". وأخرج أيضًا (٢) عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرًا، فقال: "ما هذا يا أم سلمة؟ ". قلت: صبر يا رسول الله، ليس فيه طيب. قال: "إنه يشبُّ الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل، وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء، فإنه خضاب". قالت: قلت: يا رسول الله، بأي شيء أمتشط؟ قال: "بالسدر، تُغلِّفين (ب) به رأسك". وذهب الحسن البصري فيما رواه عنه حماد بن

стр. 3155

سلمة عن حميد أنه قال (١): إن المطلقة ثلاثًا والمتوفى عنها زوجها (أ) يكتحلان، ويمتشطان، ويتطيبان، ويختضبان، وينتعلان، ويصبغان ما [شاءتا] (ب). ومثله الحكم بن عتيبة فيما رواه عن شعبة: أن المتوفى عنها لا تحد. وكذا نقل الخلال بسنده عن أحمد عن هشيم عن داود عن الشعبي، أنه كان لا يعرف الإحداد (٢)، قال أحمد: ما كان بالعراق أشد تبحرًا من هذين. يعني الحسن والشعبي. قال: وخفي ذلك عليهما. انتهى. وحجتهما ما رواه أحمد (٣) وصححه ابن حبان، عن أسماء بنت عميس، قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب، فقال: "لا تحدي بعد يومك". هذا لفظ أحمد، وفي رواية له ولابن حبان والطحاوي (٤): لما أصيب جعفر أتانا النبي ﷺ فقال: "تسَلَّبي ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت". وأخرج ابن حزم (١) من طريق [الخشني] (جـ) محمد بن عبد السلام عن عبد الله بن شداد بن الهاد، أن رسول الله ﷺ قال لامرأة جعفر بن أبي طالب: "إذا

стр. 3156

كان ثلاثة أيام فالبسي، أو بعد ثلاثة أيام". شك شعبة. ومن طريق حماد بن سلمة عن عبد الله بن شداد بن الهاد (١)، أن أسماء بنت عميس استأذنت النبي ﷺ أن تبكي على جعفر وهي امرأته، فأذن لها ثلاثة أيام، ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام، أن تطهري واكتحلي. قالوا: وهذا ناسخ لأحاديث الإحداد؛ لأنه بعدها، فإن أم سلمة أمرت بالإحداد بعد موت زوجها، وموته متقدم على قتل جعفر ﵄. وقد أجيب عن هذا بأجوبة؛ منها، أنه مخالف للأحاديث الصحيحة، وقد أجمعوا على خلافه. ولا يخفى ما في هذا الجواب من الركَّة. ومنها، أن جعفرا قتل شهيدًا، والشهداء أحياء عند ربهم. وهذا كذلك، فإنه كان يلزم جريه في حق غيره من الشهداء كحمزة وغيره. ومنها، أن أحاديث وجوب الإحداد ناسخة لهذه الأحاديث المبيحة. ذكره الطحاوي، ودعوى النسخ لا تصح مع ما قد عرفت من تأخر قصة أسماء بنت عميس، بل الأمر بالعكس. ومنها، أنه يحتمل أن أسماء فعلت من الإحداد قدرًا زائدًا على ما يجب عليها، فنهيت بعد الثلاث عن ذلك الزائد، ووسع لها في الثلاث لشدة ما ألم بها من المصيبة. ومنها، أنه يحتمل أنها كانت حاملًا، فوضعت بعد الثلاثة الأيام فانقضت عدتها، وحديث: "تسَلَّبي ثلاثا". يحمل على أنه ﷺ اطلع على أن عدتها تنقضي بعد الثلاث، ويكون من أعلام النبوة. ومنها، أنه يحتمل أنه كان قد أبان طلاقها، فتكون عدتها عدة طلاق ولا إحداد عليها، كما سبق الخلاف. ومنها، أن حديث عبد الله بن شداد إن كانت روايته لذلك عن قول النبي ﷺ فهو منقطع؛ لأنه لم يسمع من النبي ﷺ ولا رآه، وإن كان

стр. 3157

روايته عن أسماء فقد قال البيهقي (١): إنه لم يسمع من أسماء. وهذه العلة مدفوعة، فقد صححه أحمد لكنه قال: إنه مخالف للأحاديث الصحيحة. وأما طريق حماد بن سلمة ففيها الحجاج بن أرطاة (٢)، ولا يعارض بحديثه حديث الأثبات فرسان الحديث. وهذه الأجوبة لا يخفى عليك ما فيها، وقد روى ابن حبان لفظ "تسلبي"، فقال: "تسلمي". بالميم بدل الباء، وقد فسرها بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله تعالى، قال: ولا مفهوم للتقييد بالثلاث؛ لأن الحكمة كون القلق يكون في ابتداء الأمر أشد. ويدفع هذا التصحيف التكلف فيه التأويل ما وقع في رواية البيهقي وغيره (٣): فأمرني رسول الله ﷺ أن أتسلب ثلاثا. فتبين خطؤه. وقوله: "أربعة أشهر وعشرًا". قيل: الحكمة فيه أن الولد يتكامل تخليقه، وينفخ فيه الروح بعد مضي مائة وعشرين يومًا، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلة، فجبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط، وذكر العشر مؤنثا لإرادة الليالي، والمراد مع أيامها عند الجمهور، فلا تحل حتى تدخل الليلة الحادية عشرة، وعن الأوزاعي وبعض السلف: تنقضي بمضي الليالي العشر بعد الأشهر، وتحل في أول اليوم العاشر. وقوله: "ثوبا مصبوغا". ظاهره يعم المعصفر والمزعفر وغير ذلك، قال

стр. 3158

ابن المنذر (١): أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة ولا المصبغة إلا ما صبغ بسواد، فرخص فيه مالك والشافعي؛ لكونه لا يتخذ للزينة، بل هو من لباس الحزن. وقال المهدي في "البحر": ويحرم من اللباس المصبوغ للزينة ولو بالمغرة، وهو (أ) تراب أحمر، وهو المِشْق أيضًا وما في منزلته؛ لحسن صنعته، والمطرز والمنقوش بالصبغ والحلي جميعًا. وقال الإمام يحيى: لها لبس البياض والسواد والأكهب (٢) وما بلي صبغه والخاتم والودع والزقر (٣). ومثله ذكر ابن دقيق العيد (٤) في الأبيض من الثياب، ومنع بعض المالكية المرتفع منها الذي يتزين به، وكذلك الأسود إذا كان مما يتزين به، وقال النواوي (٥): رخص أصحابنا فيما لا يتزين به ولو كان مصبوغًا، واختلف في الحرير، والأصح عند الشافعية منعه مطلقًا، مصبوغًا أو غير مصبوغ؛ لأنه أبيح للنساء التزين به، والحادة ممنوعة من التزين، فكان في حقها كما في حق الرجال، وفي التحلي بالذهب والفضة وباللؤلؤ ونحوه وجهان، الأصح جوازه، وفيه نظر من جهة المعنى في المقصود بلبسه، وفي المقصود بالإحداد، فإنه عند تأملهما يترجح المنع، والله أعلم. انتهى. وقوله: "إلا ثوب عصب". بعين مهملة مفتوحة ثم صاد ساكنة مهملة

стр. 3159

ثم باء موحدة، والثوب مضاف إلى العصب، وثوب العصب من برود اليمن، وهو ما يعصب غزله؛ أي يربط ثم يصبغ ثم ينسج معصوبًا، فيخرج موشًّى لبقاء ما عصب منه أبيض لم ينصبغ، وإنما يعصب السدَى دون اللحمة، وقال صاحب "المنتهى" (١): هو المفتول من برود اليمن. وذكر أبو موسى المديني في "ذيل الغريب" (٢) عن بعض أهل اليمن، أنه من دابة بحرية تسمى [فرس] (أ) فرعون يتخذ منها الخرز (ب) وغيره ويكون أبيض. وهذا غريب، وأغرب منه قول السهيلي (٣): إنه نبات لا ينبت إلا باليمن. وعزاه لأبي حنيفة الدينوري. وأغرب منه قول الداودي (١): المراد بثوب العصب الأخضر، وهي الحبرة. قال المصنف (١) رحمه الله تعالى: وليس له سلف في ذلك. وفيه دلالة على جواز لبس ما صبغ غزله قبل نسجه كالمعصوب؛ لعدم الزينة، ويلحق به ما كان صبغه لغير الزينة مثل السواد، أو كان الصبغ لتقبيح المصبوغ أو لستر الوسخ، قال الشافعي (٤) رحمه الله تعالى: وفي الثياب زينتان؛ أحدهما، جمال الثياب على اللابسين. والثاني، الستر للعورة. فالثياب زينة لمن يلبسها، وإنما نهيت الحادة عن زينة بدنها ولم تنه عن ستر عورتها، فلا بأس أن تلبس كل ثوب من البياض، لأن البياض ليس يزين،

стр. 3160

وكذلك الصوف والوبر، وكل ما ينسج على وجهه ولم يدخل عليه صبغ؛ من خز أو غيره، وكذلك كل صبغ لم يرد به التزين كالسواد وما صبغ لتقبيح، أو لنفي الوسخ عنه، فأما ما كان من زينة، أو وشي في ثوب أو غيره، فلا تلبسه الحادة، وذلك لكل حرة أو أمة، كبيرة أو صغيرة، مسلمة أو ذمية. انتهى كلامه. قال ابن عبد البر (١): وقول الشافعي في هذا الباب نحو قول مالك، وقال أبو حنيفة: لا تلبس ثوب عصب ولا خز، وإن لم يكن مصبوغًا، إذا أرادت به الزينة، وإن لم ترد به الزينة فلا بأس بلبس الثوب المصبوغ، وإذا اشتكت عينها اكتحلت. انتهى. وظاهر كلام الأئمة أن مدار النهي على التعليل بالزينة، فالمعصوب إذا كان فيه زينة منعت منه، ويكون الحديث مخصصا بالمعنى المناسب للمنع. وقال [أبو] (أ) محمد بن حزم (٢): إنها تجتنب الثياب المصبغة فقط، ومباح لها أن تلبس بعدُ ما شاءت من حرير أبيض أو أصفر من لونه الذي لم يصبغ، والصوف الذي من أصله أصفر من غير صبغ، ومباح لها أن تلبس المنسوج بالذهب، والحلي كله من الذهب والفضة والجوهر والياقوت والزمرد وغير ذلك. وهذا جمود منه على ظاهر قوله ﷺ : "ولا تلبس ثوبًا مصبوغا". ويرد عليه في حل الحلي ما في "سنن أبي داود" (٣) من حديث أم سلمة، أنه قال ﷺ : "المتوفى عنها زوجها لا

стр. 3161

تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تكتحل، ولا تختضب". إلا أنه قال (١): لا يصح الحديث؛ لأنه من رواية إبراهيم بن طهمان بن سعيد الخراساني. ورد عليه بأن إبراهيم من الحفاظ الأثبات الثقات، وقد صحح حديثه ابن المبارك، وأحمد بن حنبل وأبو حاتم (أ) وثَّقاه، وقال ابن معين والعجلي: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صدوق حسن الحديث. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: كان ثقة في الحديث، لم يزل الأئمة يشتهون حديثه، ويرغبون فيه، ويوثقونه. وقال أبو داود: ثقة. وقال إسحاق بن راهويه: كان صحيح الحديث، حسن الرواية، كثير السماع، ما كان بخراسان أكثر حديثًا منه، وهو ثقة، وروى له الجماعة. وقال يحيى بن أكثم القاضي: كان من أنبل من حدث بخراسان والعراق والحجاز وأوثقهم وأوسعهم علما. وقال المسعودي: سمعت مالك بن سليمان يقول: مات إبراهيم بن طهمان سنة ثمان وستين ومائة بمكة، ولم يخلف مثله (٢)، وإنما قدح عليه بالإرجاء، كذا ذكر الدارقطني (٣)، وقد قيل: إنه رجع عن ذلك. وقوله: "ولا تكتحل". فيه دلالة على تحريم الاكتحال على الحادة من دون حاجة، وهو قول الجمهور من العلماء، وقالت طائفة من أهل

стр. 3162

العلم: يجوز مع كراهة؛ جمعًا بين أدلة التحريم والحل، وهو قوله لأم سلمة: "اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار". وقال بعض الشافعية: للسوداء أن تكتحل. وكأنهم خصصوا عموم النهي بالمعنى المقصود من الحكم، وهو أن التحريم إنما هو لأجل الزينة، وظاهر النهي سواء دعت إليه حاجة أم لا، وقد ذهب إلى هذا [أبو] (أ) محمد بن حزم، فقال (١): لا تكتحل ولو ذهبت عيناها، لا ليلًا ولا نهارًا، وحجته ما في حديث أم سلمة المتفق عليه (٢): أن امرأة توفي عنها زوجها فخافوا على عينها، فأتوا النبي ﷺ فاستأذنوه في الكحل، فما أذن فيه، بل قال "لا". مرتين أو ثلاثًا. وذهب الجمهور من العلماء كمالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي وأصحابهم إلى أنه يجوز الاكتحال بالإثمد للتداوي، وحجتهم حديث أم سلمة الذي أخرجه أبو داود (٣)، أنها قالت في كحل الجلاء: لا تكتحلي به إلّا من أمر لا بد منه يشتد عليك، فتكتحلين بالليل، وتغسلينه بالنهار. وقوله (٤) ﷺ [لأم سلمة] (ب) وقد جعلت على وجهها صبرًا، فقال: "إنه يشب الوجه". فقال: "لا تجعليه إلا بالليل، وتنزعيه بالنهار". قال أبو عمر ابن عبد البر (٥): وهذا عندي وإن كان مخالفًا لحديثها الآخر الناهي عن الكحل مع الخوف على

стр. 3163

العين، إلا أنه يمكن الجمع بأنه عرف من حال التي نهاها أن حاجتها إلى الكحل خفيفة غير ضرورية، والإباحة في الليل لدفع الضرر بذلك، فلو كان لا يغني الوضع في الليل جاز لها في النهار، والضرورة تنقل المحرم إلى الإباحة، ولذلك جعل مالك حديث الإباحة في الليل مفسرًا لحديث النهي، وقد ذكر مالك في "موطئه" (١) أنه بلغه عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار، أنهما كانا يقولان في المرأة يتوفى عنها زوجها: إنها (أ) إذا خشيت على بصرها من رمد بعينها، أو شكوى أصابتها، أنها تكتحل وتَداوى بالكحل، وإن كان فيه طيب. قال أبو عمر (٢): لأن القصد إلى التداوي لا إلى الطيب، والأعمال بالنيات. وقال أبو محمد بن قدامة في "المغني" (٣): إنما تمنع الحادة من الكحل بالإثمد؛ لأنه الذي (أ) تحصل به الزينة، فأما الكحل بالتوتيا (٤) والعنزروت (ب) (٥) ونحوهما فلا بأس به؛ لأنه لا زينة فيه، بل يقبح العين. قال: ولا تمنع من جعل الصبر على غير وجهها من بدنها، لأنه إنما منع منه في الوجه لأنه يصفره فيشبه الخضاب، فلهذا قال النبي ﷺ : "إنه يشب الوجه". قال: ولا تمنع من تقليم

стр. 3164

الأظفار، ونتف الإبط، وحلق الشعر المندوب إلى حلقه، ولا من الاغتسال بالسدر، والامتشاط به؛ لحديث أم سلمة، ولأنه يراد للتنظيف لا للطيب. قال الإمام يحيى: ولها أن تدهن بالزيت والسمن. وقوله: "ولا تمس طيبا". فيه دلالة على تحريم الطيب، ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد، وهو شامل للمسك والعنبر والكافور والند (١) والغالية (٢) والزَّبَاد (٣) والذريرة (٤) والبخور، والأدهان المطيبة كماء الورد وماء القرنفل وماء زهر الرانج وغير ذلك. وقوله: "إلا إذا طهرت". يعني إذا اغتسلت عند الطهر من الحيض. وقوله: "نبذة". بضم النون، القطعة من الشيء. وقوله: "من قسط". بقاف مضمومة، "وأظفار". بالواو العاطفة، ويقال: كست. بالكاف. قال أبو عبد الله البخاري (٥): القسط والكست مثل الكافور والقافور. أي يجوز في كل منهما الكاف والقاف، ويقال بإبدال الطاء في القسط بالتاء المثناة. قال النووي (٦): القسط والأظفار نوعان معروفان من البخور، وليسا من مقصود الطيب، رخص فيه للمغتسلة من

стр. 3165

الحيض لإزالة الرائحة الكريهة، تتبع به أثر الدم، لا للطيب. قال المصنف رحمه الله تعالى (١): المقصود من التطيب بهما أن يخلطا في أجزاء أخر من غيرهما، ثم تسحق فتصير طيبًا، والمقصود بهما هنا كما قال [الشيخ] (أ) أن تتبع بهما أثر الدم لإزالة الرائحة لا للتطيب. وزعم الداودي أن المراد أنها تسحق القسط وتلقيه في الماءآخر غسلها لتذهب رائحة الحيض، واستدل به على جواز استعمال ما فيه منفعة لها، وإن كانت ممنوعة منه، إذا استعملته لغير الوجه الذي منعت منه، والله أعلم. وقوله: "ولا تمتشط". النهي محمول على الامتشاط بما فيه طيب، تفسره رواية أبي داود المتقدمة: "ولا تمتشطي بالطيب". والله أعلم. ٩١٧ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: جعلت على عينيَّ صبرًا بعد أن توفي أبو سلمة، فقال رسول الله ﷺ : "إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل، وانزِعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء، فإنه خضاب". قلت: بأي شيء أمتشط؟ قال: "بالسدر". رواه أبو داود والنسائي (٢) وإسناده حسن. ٩١٨ - وعنها ﵂، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابنتي مات عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفتكحلها؟ قال: "لا". متفق عليه (٣).

стр. 3166

الحديث أخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن وهب، وفي إسناده المغيرة بن الضحاك (١)، عن أم حكيم بنت أَسيد (٢)، عن أمها، عن [مولاة] (أ) لها، عن أم سلمة، وقد أعله عبد الحق والمنذري (٣) بجهالة حال المغيرة ومن فوقه، ويؤيده ما رواه الشافعي (٤) عن مالك، أنه بلغه. فذكر نحوه، ويؤيده رواية "الصحيحين" في جوابه على المرأة المذكورة، والمرأة السائلة هي عاتكة بنت نعيم أخت عبد الله بن نعيم، وزوجها المغيرة المخزومي، وقع مسمى في "موطأ ابن وهب" (٥)، وقد تقدم ما يتعلق بفقه الحديث. وقوله: "أفتكحلها؟ ". هو بضم الحاء. ٩١٩ - وعن جابر ﵁ قال: طلقت خالتي، فأرادت أن تَجُدَّ نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي ﷺ فقال: "بل (ب) جدي نخلك، فإنك عسى أن تصدَّقي، أو تفعلي معروفا". رواه مسلم (٦).

стр. 3167

بوب له مسلم (١): باب جواز خروج المعتدة البائن. فذكره، وأخرجه أبو داود والنسائي (٢) بزيادة: طلقت خالتي ثلاثًا. دل على جواز خروج المعتدة في عدة البائن من منزلها في النهار للحاجة إلى ذلك، ولا يجوز لغير حاجة، وقد ذهب إلى ذلك علي والقاسم والمنصور بالله وأبو حنيفة، كما أذن النبي ﷺ ، وعلله بالصدقة أو فعل معروف، وظاهره التعليق بالغرض الديني أو الدنيوي، ولقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (٣) الآية. فالآية مطلقة في النهي عن الخروج، والحديث مقيد ذلك بالغرض، وظاهر الآية الإطلاق في البائن والرجعي، قالوا: ويجوز الخروج للحاجة والعذر ليلًا ونهارًا. قالوا: ومن العذر الخوف وخشية انهدام المنزل ونحو ذلك. قال الإمام يحيى: ومن العذر إخراج صاحب المنزل إياها عند انقضاء مدة الإجارة، أو لأجل تعذر الأجرة والإفلاس. قال: لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤). ومثل هذا ذكره في "عجالة المنهاج" للشافعية، قال: وكذا إذا تأذت بالجيران أو هُمْ بها، أذى شديدًا؛ إزالةً للضرر، وقال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. والفاحشة مفسرة بالبذاءة؛ إما على الأحماء، أو غيرهم. انتهى. وذهب مالك والثوري والليث والشافعي وأحمد وآخرون إلى أنه يجوز

стр. 3168

خروجها في النهار مطلقًا (أ)، وحكاه في "البحر" عن أحد قولي الشافعي إلى أنه يجوز الخروج في النهار مطلقا دون الليل، قالوا: للحديث المذكور، وقياسًا على عدة الوفاة. قال الإمام المهدي: قلنا: الجداد عذر، والوفاة صيرتها في حكم الأجنبية. وقد يجاب عنه بأنه إن أراد بالعذر ما يدعو إليه غرض، فالحق ما ذهب إليه المجوزون مطلقًا، وإن أراد بالعذر هو الأمر الذي تدعو إليه الحاجة، ويحصل الضرر بفواته، فالحديث يدل على خلافه، فإنه علله بالصدقة أو فعل المعروف. وقوله: أن تجُدَّ. بالدال المهملة، كذا في النهاية (١)، ويدل الحديث على استحباب الصدقة من التمر عند جذاذه، والهدية، واستحباب التعريض لصاحبه بفعل ذلك، والتذكير بالمعروف والبر. وخالة جابر ذكرها أبو موسى (٢) في "ذيل الصحابة" في المبهمات. ٩٢٠ - وعن فريعة بنت مالك، أن زوجها خرج في طلب أعبد له فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يترك لي مسكنا يملكه ولا نفقة، فقال: "نعم". فلما كنت في الحجرة ناداني، فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله". قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا. قالت: فقضى به بعد ذلك عثمان. أخرجه أحمد والأربعة وصححه الترمذي والذهلي وابن حبان

стр. 3169

والحاكم وغيرهم (١). هي الفريعة، بضم الفاء وفتح الراء وسكون الياء وبالعين المهملة، بنت مالك بن سنان، ويقال لها: الفارعة. وهي أخت أبي سعيد الخدري، شهدت بيعة الرضوان، ولها رواية، حديثها عند أهل المدينة، روت عنها زينب بنت كعب بن عجرة. الحديث أخرجوه كلهم من حديث سعد بن إسحاق بن كعب، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة، عن الفريعة، قال ابن عبد البر (٢): هذا حديث معروف مشهور عند علماء الحجاز والعراق. وأعله عبد الحق تبعًا لابن حزم (٣) بجهالة حال زينب (٤)، [وقال] (أ) (٥): سعد بن إسحاق غير مشهور العدالة، مالك وغيره يقول فيه: إسحاق بن سعد. وسفيان يقول:

стр. 3170

سعيد. وتعقب بأن زينب هذه من التابعيات، وهي امرأة أبي سعيد، روى عنها سعد بن إسحاق وليس بسعيد، وقد ذكرها ابن حبان في كتاب "الثقات" (١)، والذي غرَّ أبا محمد قول علي بن المديني (٢): لم يرو عنها غير سعد بن إسحاق. هذا مدفوع أيضًا؛ فإنه قد روى عنها [سليمان] (أ) بن محمد بن كعب بن عجرة حديث: اشتكى الناس عليًّا، فقام النبي ﷺ خطيبا، فسمعته يقول: "يأيها الناس، لا تشكوا عليًّا، فوالله إنه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله" (٣). فهي امرأة تابعية كانت تحت صحابي، روى عنها الثقات ولم يطعن فيها بحرف، واحتج الأئمة بحديثها وصححوه، وأيضًا فإن سعد بن إسحاق (٤) وثقه يحيى بن معين والنسائي والدارقطني. وقال أبو حاتم (٥): صالح. وذكره ابن حبان في [كتاب] (ب) "الثقات" (٦). وقد روى عنه الناس؛ حماد بن زيد، وسفيان الثوري، وعبد العزيز الدراوردي، وابن جريج، ومالك بن أنس، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والزهري وهو أكبر منه، وحاتم بن إسماعيل، وداود بن قيس،

стр. 3171

وخلق سواهم من الأئمة، ولم يعلم فيه بقدح ولا بجرح، ومثل هذا يحتج به اتفاقًا. الحديث فيه دلالة على أن المتوفى عنها تعتد في بيتها الذي نوت الاعتداد فيه ولا تخرج منه إلى غيره؛ لأنه ﷺ قال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله". وقد ذهب إلى هذا جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ فروى سعيد بن المسيب أن عمر رد نسوة من ذي الحليفة حاجات أو معتمرات، توفي عنهن أزواجهن (١). وقال عبد الرزاق (٢) عن مجاهد: كان عمر وعثمان يرجعانهن حاجات أو معتمرات من الجحفة أو ذي الحليفة. وأخرج أن امرأة زارت أهلها وهي متوفى عنها في عدتها، فضربها الطلق، فأتوا عثمان فقال: احملوها إلى بيتها وهي تطلق (٣). وأخرج عن ابن عمر أنه كانت له ابنة تعتد من وفاة زوجها، فكانت تأتيهم بالنهار فتحدث إليهم، فإذا كان الليل أمرها أن ترجع إلى ييتها (٤). وأخرج ابن أبي شيبة (٥)، أن عمر رخص للمتوفى عنها أن تأتي أهلها بياض يومها، وأن زيد بن ثابت رخص لها في بياض يومها. وأخرج عبد الرزاق (٦) عن ابن مسعود في نساء نعي إليهن أزواجهن، وشكين الوحشة، فقال ابن مسعود: يجتمعن بالنهار، ثم ترجع كل امرأة منهن إلى بيتها بالليل. وأخرج الحجاج بن المنهال أن امرأة سألت أم

стр. 3172

سلمة بأن أبي مريض، وأنا في عدة، أفآتيه أمرضه؟ قالت: نعم، [ولكن] (أ) بيتي أحد طرفي الليل في بيتك (١). وأخرج سعيد بن منصور (٢) أنه سئل الشعبي عن ذلك، فقال: كان أكثر أصحاب ابن مسعود أشد شيء في ذلك، يقولون: لا تخرج. وكان الشيخ -يعني علي بن أبي طالب- يرحلها. وأخرج حماد بن سلمة أن عروة بن الزبير قال: المتوفى عنها زوجها تعتدُّ في بيتها إلا أن ينتوي أهلها فتنتوي معهم (٣). وأخرج سعيد بن منصور (٤) عن القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، قالوا: لا تبرح المتوفى عنها حتى تنقضي عدتها. وأيضًا عن عطاء وجابر كذلك (٥). وأخرج وكيع (٦) عن إبراهيم النخعي: لا بأس أن تخرج بالنهار، ولا تبيت إلا في منزلها. وأخرج حماد عن ابن سيرين في مريضة نقلها أهلها بعد وفاة زوجها، ثم سألوا، فكلهم يأمرهم أن ترد إلى بيتها. قال ابن سيرين: فرددناها في نمط (٧). وقال بهذا أحمد، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، والأوزاعي، وأبو عبيد، وإسحاق. وقال ابن عبد البر (٨): وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر، وقضى به

стр. 3173

عثمان بمحضر من المهاجرين والأنصار، وتلقاه أهل الشام والحجاز والعراق ومصر بالقبول، ولم يطعن أحد منهم في حديث الفريعة ولا في رواته. ويجب لها السكنى في مال زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ إخْرَاجٍ﴾ (١). والآية الكريمة وإن كان قد نسخ منها استمرار النفقة والكسوة حولًا، فالسكنى باق حكمها مدة العدة كما قال الشافعي رحمه الله تعالى (٢): حفظت عمن أرضى به من أهل العلم أن نفقة المتوفى عنها زوجها وكسوتها حولًا منسوختان بآية الميراث، ولم أعلم مخالفًا فيما وصفت من نسخ نفقة المتوفى عنها زوجها وكسوتها سنة أو أقل من سنة. ثم قال: ثم احتمل سكناها [إذ] (أ) كان مذكورًا مع نفقتها بأن يقع عليها اسم المتاع أن يكون منسوخًا في السَّنة وأقل منها، كما كانت الكسوة والنفقة منسوخة، واحتمل أن يكون نسخ في السنة، وأثبت في عدة المتوفى عنها حتى تنقضي بآخر (ب) هذه الآية، يعني قوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾. وأن تكون داخلة في جملة المعتدات؛ فإن الله تعالى يقول في المطلقات: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٣). فلما فرض الله سبحانه في المعتدة من الطلاق السكنى، وكانت المعتدة من الوفاة في معناها، احتملت أن يجعل لها السكنى؛ لأنها في معنى المعتدات، فإن [كان] (جـ) هذا

стр. 3174

هكذا، فالسكنى لها في الكتاب منصوص أو في معنى من نُصَّ لها بالسكنى، وإن لم يكن هذا ففرض السكنى لها في السنة. وهذا ما فهم من حديث الفريعة، وهذا أصح قوليه رحمه الله تعالى. وقال الشافعي في كتاب العدد (١): الاختيار لورثة الميت أن يسكنوها، وإن لم يفعلوا فقد ملكوا المال دونه، ولأن قوله ﷺ : "امكثي في بيتك". وقد ذكَرَتْ أنه لا بيت لزوجها -يدل على وجوب سكونها في بيت زوجها إذا كان له بيت بالطريق الأولى. وهذا القول ذهب إليه الإمام يحيى، وقواه الإمام المهدي في "البحر" قال: قلت: وهو قوي. وذهب جمع من الصحابة والتابعين والأئمة إلى أنه لا سكنى للمتوفى عنها؛ فأخرج عبد الرزاق (٢)، عن عروة بن الزبير، أن عائشة كانت تفتي المتوفى عنها بالخروج في عدتها، وخرجت بأختها أم كلثوم حين قتل عنها طلحة بن عبيد الله إلى مكة في عمرة. وأخرج عن ابن عباس، أنه قال: إنما قال الله : تعتد أربعة أشهر وعشرًا. ولم يقل: تعتد في بيتها. فتعتد حيث شاءت (٣). ومثله أخرجه علي بن المديني (٤). وأخرج عبد الرزاق (٥) أن جابر بن عبد الله يقول: تعتد المتوفى عنها حيث شاءت. وأخرج عن الشعبي أن علي بن أبي طالب كان يرحل المتوفى عنهن في عدتهن (٦). وأخرج عن طاوس وعطاء أنهما قالا: المتوفى

стр. 3175

عنها والمبتوتة تحجان وتعتمران وتنتقلان وتبيتان (١). وأخرج عن عطاء قال: لا يضر المتوفى عنها أين اعتدت (٢). وقال ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء وأبي الشعثاء قالا جميعا: المتوفى عنها تخرج في عدتها حيث شاءت (٣). وأخرج ابن أبي شيبة (٤)، عن عطاء: المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها تحجان في عدتهما. قال (٥): الحسن يقول مثل ذلك. وأخرج ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز، أن المتوفى عنها وهي في سفر تلحق بأهلها ودار أبيها فتعتد فيهما (٦). وأخرج عن يحيى بن سعيد الأنصاري في رجل توفي بالإسكندرية ومعه امرأته [وله بها دار] (أ) وله بالفسطاط دار، فقال: إن أحبت أن تعتد حيث توفي زوجها فلتعتد، وإن أحبت أن ترجع إلى دار زوجها وقراره بالفسطاط فتعتد فيها فلترجع (٦). وأخرج مثل ذلك عن ابن عمر (٦). وذهب إلى هذا القول الهادي في أنه لا تجب لها السكنى، وأن الواجب (ب) عليها ألا تبيت إلا في منزلها، وحجتهم كما تقدم في كلام ابن عباس أن الله أمرها باعتداد أربعة أشهر وعشر، ولم يأمرها بمكان معين. وما

стр. 3176

أخرجه أبو داود (١)، عن ابن عباس أنه قال: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت. قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، فتعتد حيث شاءت. والجواب ما عرفت في حكاية القول الأول، وأن النسخ غير ثابت، والسنة قائمة بثبوت السكنى في حديث الفريعة من غير وضوح المعارض، قال في "الهدي" (٢): وعلى القول بثبوت السكنى، فهو حق عليها إذا تركه لها الورثة، ولم يكن عليها فيه ضرر، أو كان المسكن لها، فلو حولها الوارث أو طلبوا منها الأجرة، لم يلزمها المسكن، وجاز لها التحول، وفي انتقالها إلى حيث شاءت، أو يتعين [عليها] (أ) السكون في أقرب المساكن إلى مسكن الوفاة قولان، فإن خافت هدما أو غرقا، أو [نحو ذلك أو] (ب) حولها صاحب المنزل لكونه [عارية] (ب)، أو إجارة انقضت مدتها، أو منعها السكنى تعديا، أو امتنع من إجارته، أو طلب أكثر من أجرة المثل، أو لم تجد ما تكتري به، أو لم تجد إلا من مالها، فلها أن تنتقل؛ لأنها حال عذر، ولا يلزمها بذل أجرة المسكن، وإنما الواجب عليها فعل السكنى لا تحصيل المسكن، فإذا تعذرت السكنى سقطت. هذا قول أصحاب أحمد والشافعي، فإن قيل: فهل السكنى حق على الورثة تقدم الزوجة به على الغرماء أو على الميراث، أو لا حق لها في التركة سوى

стр. 3177

الميراث؟ قيل: هذا موضع اختلف فيه؛ فقال الإمام أحمد: إن كانت حائلًا فلا سكنى لها في التركة ولكن عليها ملازمة المنزل إذا بذل لها كما تقدم، وإن كانت حاملًا ففيه روايتان؛ إحداهما: أن الحكم كذلك. والثاني: أن لها السكنى حق ثابت في المال تقدم به على الورثة والغرماء، ويكون من رأس المال. ولا تباع الدار في دينه بيعا يمنعها سكناها (أ) حتى تنقضي عدتها، وإن تعذر ذلك فعلى الوارث أن يكتري لها منزلًا من مال الميت، فإن لم يفعل أجبره الحاكم، وليس لها أن تنتقل عنه إلا لضرورة، وإن اتفق الوارث والمرأة على نقلها عنه لم يجز؛ لأنه يتعلق بهذه السكنى حق الله تعالى، فلم يجز اتفاقهما على إبطالها. هذا مقتضى نص الأئمة، وهو منصوص أحمد، وعنه رواية ثالثة، أن للمتوفى عنها السكنى بكل حال حاملا كانت أو حائلا، فصار في مذهبه ثلاث روايات؛ وجوبها للحامل والحائل، وإسقاطها في حقهما، ووجوبها للحامل دون الحائل. هذا تحصيل مذهبه في المتوفى عنها. وأما مذهب مالك، فلها السكنى حاملا كانت أو حائلا، وإيجاب السكنى عليها مدة العدة، قال أبو عمر (١): فإذا كان المسكن بكراء، فقال مالك: هي أحق بسكناه من الورثة والغرماء، وهو من رأس مال المتوفى، إلا أن يكون إجارة مع الزوج، وأراد أهل المسكن إخراجها، وإذا كان المسكن لزوجها، لم يبع في دينه حتى تنقضي عدتها. وقال غيره من أصحاب مالك: هي أحق بالسكنى من الورثة والغرماء، إذا كان الملك

стр. 3178

للميت، أو كان قد أدى كراءه. وفي "التهذيب": لا سكنى لها في مال الميت، وإن كان موسرا. وروى محمد عن مالك أن الكراء لازم للميت في ماله، ولا تكون الزوجة أحق به، وتحاص الورثة في السكنى، وللورثة إخراجها، إلا أن تحب السكنى في حصتها، أو تؤدي كراء حصتهم. وأما مذهب الشافعي، فإن له في سكنى المتوفى عنها قولين؛ أحدهما: لها السكنى حاملا كانت أو حائلا. والثاني: لا سكنى لها حاملا كانت أو حائلا. ويجب عنده ملازمتها للمسكن في العدة بائنا كانت أو متوفًّى عنها، وملازمة البائن للمنزل آكد من ملازمة المتوفَّى عنها؛ فإنه يجوز للمتوفى عنها الخروج نهارا لقضاء حوائجها، ولا يجوز ذلك للبائن في أحد قوليه وهذا القديم، ولا يوجبه في الرجعية بل تستحقه. وأما أحمد فعنده ملازمة المتوفى عنها آكد من الرجعية، ولا يوجبه في البائن، وأورد أصحاب الشافعي على نصه بوجوب ملازمة المنزل على المتوفى عنها مع نصه في أحد القولين، على أنه لا سكنى لها، وقالوا: كيف يجتمع النصان؟ وأجابوا بجوابين؛ أحدهما: أنه لا يجب عليها ملازمة المنزل على ذلك القول، لكن لو التزم الوارث أجرة المسكن وجبت عليها اللازمة حينئذ. وأطلق أكثر أصحابه الجواب هكذا. والثاني: أن ملازمة المنزل واجبة عليها، ما لم يكن عليها فيه ضرر، بأن تطالب بالأجرة، أو يخرجها الوارث أو المالك، فيسقط حينئذ. وأما أصحاب أبي حنيفة، فقالوا: لا يجوز للمطلقة الرجعية ولا للبائن الخروج من بيتها ليلا ولا نهارا، وأما المتوفى عنها فتخرج نهارا وبعض الليل، ولكن لا تبيت إلا في منزلها. قالوا: والفرق أن المطلقة نفقتها في مال زوجها، فلا يجوز لها الخروج كالزوجة، بخلاف المتوفى عنها، فإنها لا

стр. 3179

نفقة لها، فلا بد أن تخرج في النهار لإصلاح حالها. قالوا: وعليها أن تعتد في المنزل الذي يضاف إليها بالسكنى حال وقوع الفرقة، قالوا: فإن كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها أو أخرجها الورثة من نصيبهم انتقلت؛ لأن هذا عذر، والسكون في بيتها عبادة، والعبادة تسقط بالعذر. قالوا: فإن عجزت عن كراء البيت الذي هي فيه لكثرته، فلها أن تنتقل إلى بيت أقل منه كراء. وهذا من كلامهم يدل على أن أجرة السكن عليها، وإنما يسقط عنها لعجزها عن أجرته. ولهذا صرحوا بأنها تسكن في نصيبها من التركة إن كفاها، وهذا لأنه لا سكنى عندهم للمتوفى عنها حاملا كانت أو حائلا، إنما عليها أن تلزم مسكنها الذي توفي زوجها وهي فيه ليلا ونهارا، فإن بذله لها الورثة، وإلا كانت الأجرة عليها. فهذا تحرير مذاهب الناس في هذه المسألة ومآخذ الخلاف فيها، وبالله التوفيق. انتهى كلام "الهدي النبوي". وأما مذهب الهادي، فهي لا تستحق السكنى حائلا كانت أو حاملا، ولا تبيت إلا في منزلها، ويجوز لها الخروج نهارا. ومذهب زيد بن علي أنه لا سكنى لها، ولها الخروج من موضع عدتها والانتقال إلى غيره. ٩٢١ - وعن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، إن زوجي طلقني ثلاثا، وأخاف أن يقتحم عليَّ. قالت: فأمرها فتحولت رواه مسلم (١). الحديث فيه دلالة على أن المطلقة بائنة يجب عليها الاعتداد في بيتها،

стр. 3180

وأنه يجوز الخروج للعذر، وقد تقدم الكلام على أحكام الحديث (١). وقوله: يقتحم علي. أي يدخل بغير رضاي، والاقتحام هو الدخول في الأمر على كره وشدة. ٩٢٢ - وعن عمرو بن العاص قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا؛ عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه الحاكم، وأعله الدارقطني بالانقطاع (٢). الحديث؛ قال ابن المنذر (٣): ضعفه أحمد وأبو عبيد. وقال محمد بن موسى (٤): سألت أبا عبد الله عنه، فقال: لا يصح. وقال الميموني (٥): رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا، ثم قال: [أين] (أ) سنة النبي ﷺ في هذا؟ وقال: أربعة أشهر وعشر، إنما هي عدة الحرة من النكاح، وإنما هذه أمة خرجت من الرق إلى الحرية. وقال المنذري: في إسناد حديث عمرو مطر بن طهمان أبو رجاء الوراق، وقد ضعفه غير واحد، وقال

стр. 3181

المزي في "التهذيب" (١): قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن مطر الوراق، فقال: كان يحيى بن سعيد يضعف حديثه عن عطاء. وفال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن مطر الوراق، قال: كان يحيى بن سعيد يشبه حديث مطر الوراق بابن أبي ليلي في سوء الحفظ. قال عبد الله: فسألت أبي عنه، فقال: ما أقربه بابن أبي ليلى في عطاء خاصة. وقال: مطر في عطاء ضعيف الحديث. قال عبد الله: قلت ليحيى بن معين: مطر الوراق؟ فقال: ضعيف في حديث عطاء بن أبي رباح. وقال النسائي: ليس بالقوي، وبعد فهو ثقة. وقال أبو حاتم الرازي (٢): صالح الحديث. وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات" (٣)، واحتج به مسلم، فلا وجه لضعف الحديث به، وإنما علة الحديث أنه من رواية قبيصة بن ذؤيب، عن عمرو بن العاص، ولم يسمع منه. قاله الدارقطني. وقال الدارقطني (٤): هو موقوف على عمرو؛ لأنه لم يقل: لا تلبسوا علينا سنة نبينا. والصواب: لا تلبسوا علينا ديننا. فهو موقوف. وله علة أخرى ذكرها البيهقي وهي الاضطراب، فإنه قد روي على ثلاثة أوجه؛ أحدها: هذا. والثاني: عدة أم الولد عدة الحرة. والثالث: عدتها إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر، فإذا عتقت فعدتها ثلاث حيض. والأقاويل الثلاثة عنه ذكرها البيهقي (٥)،

стр. 3182

وقال: قال الإمام أحمد: حديث منكر. وقد روى خلاس (أ) عن علي مثل رواية قبيصة عن عمرو، ولكن خلاس بن عمرو (ب) (١) قد تكلم في حديثه؛ فقال أيوب (٢): لا يروى عنه فإنه صحفي، وكان مغيرة لا يعبأ بحديثه. وقال أحمد (٣): روايته عن علي يقال: إنها كتاب. وقال البيهقي (٤): روايات خلاس عن علي ضعيفة عند أهل العلم بالحديث، يقال: هي من صحيفة. ومع ذلك فقد روى مالك، عن نافع (٥)، عن ابن عمر في أم الولد يتوفى عنها سيدها، قال: تعتد بحيضة. فإن ثبت عن علي وعمرو ما روي عنهما فهي مسألة نزاع بين الصحابة. الحديث فيه دلالة على أن أم الولد إذا توفي عنها سيدها، أن عدتها عدة الزوجة الحرة المتوفى عنها. وقد ذهب إلى هذا الأوزاعي والإمام يحيى، وهو رواية عن الناصر، وهو قول الظاهرية وإسحاق. وروي عن ابن المسيب وسعيد بن جبير والحسن وابن سيرين (٦)، قالوا: قياسا على الحرة، فإنها لما

стр. 3183

عتقت بالموت وهي موطوءة للسيد، فقد صارت عدة حرة بسبب الموت، وهي أربعة أشهر وعشر. وذهب مالك والشافعي وأحمد والليث وأبو ثور وجماعة إلى أن عدتها حيضة، وبه قال ابن عمر، وهو قول عروة بن الزبير والقاسم بن محمد والشعبي والزهري. قال مالك: فإن كانت ممن لا تحيض اعتدت ثلاثة أشهر ولها السكنى. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: عدتها ثلاث حيض. وهو قول علي وابن مسعود ﵁ وعطاء والنخعي. وقال قوم: عدتها نصف عدة الحرة. وعند الهدوية وهو قول مكحول، ونسبه في "البحر" إلى القاسمية، أنها تعتد بحيضتين. وحجة مالك ومتابعيه أنها ليست زوجة فتعتد عدة الوفاة، ولا مطلقة فتعتد عدة ثلاث حيض، فلم يبق إلا استبراء رحمها، وذلك يكون بحيضة تشبيها بالأمة يموت عنها سيدها، وذلك مما لا خلاف فيه. وحجة أبي حنيفة أن العدة إنما وجبت عليها وهي حرة وليست بزوجة فتعتد عدة الوفاة، ولا بأمة فتعتد عدة أمة، فوجب أن يُستبرأ رحمها بعدة الأحرار. وحجة من أوجب عليها نصف عدة الحرة تشبيهها بالزوجة الأمة، وحجة قول الهدوية هو تشبيهها بعدة البائع والمشتري، فإنهم يوجبون على البائع الاستبراء بحيضة، وعلي المشتري كذلك، والجامع زوال الملك، وندبت ثالثة، قال في "البحر": لقول علي (أ) ﵁ وهو توقيف. قال في "الغيث": ولأن عدة الوفاة لما خالفت عدة الطلاق

стр. 3184

في الحرة على سبيل الوجوب، خالفت هنا على سبيل الاستحباب. قال ابن رشد المالكي (١): سبب الخلاف أنها مسكوت عنها، وهي مترددة الشبه بين الأمة والحرة، فأما من شبهها بالزوجة الأمة فضعيف، وأضعف منه من شبهها بعدة الحرة المطلقة. انتهى. وإذا عرفت ما ذكرناه من رجوع الأقوال إلى ما ذكر، فالرجوع إلى ما دل عليه حديث عمرو أولى؛ لأنه (أ) وإن كان فيه المقال المذكور فقد تأيد بغيره (ب) وبالقياس المذكور، والله أعلم. ٩٢٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: إنما الأقراء الأطهار. أخرجه مالك في قصة بسند صحيح (٢). الحديث قال الشافعي (٣): أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت وقد جادلها في ذلك ناس، وقالوا: إن الله يقول: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤). فقالت عائشة: صدقتم، وهل تدرون ما الأقراء؟ الأقراء الأطهار. قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب قال: ما أدركت أحدًا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا. يريد الذي قالت عائشة. الحديث فيه دلالة على أن الأقراء التي ذكرت في العدة هي الأطهار،

стр. 3185

واعلم أن القرء -بفتح القاف وضمها- يطلق في اللغة على الطهر وعلى الحيض، واختلفوا هل هو مشترك بينهما، أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر؟ قال الجوهري (١): القرء بالفتح الحيض، والجمع أقراء وقروء، وفي الحديث: [دعي الصلاة] (أ) أيام أقرائك" (٢). والقرء أيضًا الطهر، وهو من الأضداد (٣). وقال أبو عبيد (ب) (٤): الأقراء الحيض. ثم قال: الأقراء الأطهار. وقال الكسائي (٥): والقرء؛ أقرأت المرأة، إذا حاضت. وقال ابن فارس (٦): القروء أوقات، يكون للطهر مرة، وللحيض مرة، والواحد قرء، ويقال: القرء هو الطهر. ثم قال: وقوم يذهبون إلى أن القرء الحيض. فحكى قول من جعله مشتركًا بين أوقات الطهر والحيض، وقول من جعله لأوقات الطهر، وقول من جعله لأوقات الحيض، وكأنه لم يختر واحدًا منهما، بل جعله لأوقاتهما، قال: وأقرأت المرأة إذا خرجت من الحيض إلى الطهر، ومن الطهر إلى الحيض. وفي كلامه دلالة على أنه لا يقال للطهر إلا إذا كان الحيض متقدمًا عليه أو متأخرًا عنه، فلا يقال لطهر الصغيرة والآيسة: قرء.

стр. 3186

والأظهر أنه لفظ مشترك. وذهب الإمام يحيى والهادي إلى أنه حقيقة في الحيض مجاز في الطهر. وذهب بعض الشافعية إلى العكس، والأكثر منهم إلى الاشتراك، ولا خلاف أن المراد به في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. أحدهما لا مجموعهما، وذهب عبد الله بن عمر (أ) وزيد بن ثابت وعائشة (١) -وهو مروي عن الفقهاء السبعة فقهاء المدينة، وأبان بن عثمان، والزهري، وعامة فقهاء المدينة- ومالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه -وهو مروي عن علي ﵁ (٢) - أن الأقراء الأطهار المراد بها في الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. قال الشافعي (٣): ويدل على ذلك دلالتان؛ إحداهما، الكتاب الذي دل عليه السنة، والأخرى، اللسان؛ فالكتاب قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٤). وقد قال ﷺ في حديث ابن عمر: "ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" (٥). وفي حديث أبي الزبير، أنه سمع ابن عمر يذكر طلاق امرأته حائضًا، فقال: قال رسول الله ﷺ : "إذا طهرت فليطلق أو يمسك". وتلا النبي ﷺ : إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لقبل عِدَّتِهِنَّ، أو في قبل

стр. 3187

عدتهن) " (١). قال الشافعي: أنا شككت، فأخبر رسول الله ﷺ عن الله أن العدة بالطهر دون الحيض وقرأ: (فطلقوهن لقبل عدتهن). وهو أن يطلقها طاهرًا، لأنها (أ) حينئذ تستقبل (ب) عدتها، ولو طلقت حائضًا لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض. واللسان، هو أن القرء اسم معناه الحبس، تقول العرب: هو يقرأ الماء في حوضه. و: في سقائه. وتقول العرب: يقرأ الطعام في شدقه. يعني يحبس الطعام في شدقه. وتقول العرب إذا حبس الرجل الشيء: قرأه. يعني خبأه، وقال عمر: العرب تقرأ في صحافها. أي تحبس في صحافها. وقال الأعشى (٢): أفي (جـ) كل عام أنت جاشم غزوة ... تحل (د) لأقصاها عزيم عزائكا مورثة عزا وفي الحي (هـ) رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا فالقرء في البيت بمعنى الطهر؛ لأنه ضيع أطهارهن في غزاته وآثرها عليهن. وذهب جماعة من أكابر الصحابة وغيرهم إلى أن الأقراء هي الحيض، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبو موسى وعبادة بن

стр. 3188

الصامت وأبو الدرداء وابن عباس ومعاذ بن جبل (١). وهو قول أصحاب عبد الله بن مسعود كلهم؛ كعلقمة والأسود وإبراهيم وشريح، وقول الشعبي والحسن وقتادة، وقول أصحاب ابن عباس؛ سعيد بن جبير وطاوس، وهو قول سعيد بن المسيب، وهو قول أئمة الحديث؛ كإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد القاسم والإمام أحمد، فإنه رجع إليه واستتقر عليه مذهبه، وكان يقول أولًا: إنه الطهر. وهو قول أئمة أهل الرأي، كأبي حنيفة وأصحابه، قالوا: لأنه لم يستعمل في كلام الشارع إلا للحيض كقوله ﷺ للمستحاضة: "دعي الصلاة أيام أقرائك" (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٣). وهذا هو الحيض أو (أ) الحمل؛ لأن المخلوق في الرحم هو أحدهما. وبهذا قال السلف والخلف، هو الحمل والحيض. وقال بعضهم: الحمل. وبعضهم: الحيض. ولم يقل أحد: إنه الطهر. ولما رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي (٤) من حديث عائشة، أنه قال ﷺ : "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان". قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم (٥)، ومظاهر لا

стр. 3189

يعرف له في العلم غير هذا الحديث. ولفظ الدارقطني (١) فيه: "طلاق العبد اثنتان". وروى ابن ماجه (٢)، من حديث عطية العوفي، عن ابن عمر، قال رسول الله ﷺ : "طلاق الأمة اثنتان، وعدتها حيضتان". وأخرج ابن ماجه (٣)، عن عائشة ﵂ قالت: أمرت بريرة أن تعتد ثلاث حيض. وأخرج النسائي (٤): أن النبي ﷺ أمر امرأة ثابت بن قيس بن شماس لما اختلعت، أن تتربص حيضة واحدة، وتلحق بأهلها. ومثله في "سنن أبي داود" (٥). وفي الترمذي (٦)، أن الربيع بنت معوذ اختلعت على عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها النبي ﷺ ، أو أمرت، أن تعتد بحيضة. وروى أحمد وابو داود (٧) في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة". وقد أجيب من جانب من قال: الأقراء الأطهار. بجوابين؛ مجمل ومفصل؛ أما المجمل؛ فهو أن النبي ﷺ فسر العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء بالأطهار، فلا التفات بعد ذلك إلى شيء يخالفه، ولأن عائشة أم المؤمنين زوج النبي ﷺ تكلمت فيما يتعلق بالنساء، وهو العدة، وقالت: إن الأقراء الأطهار. و:

стр. 3190

إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام (١) وأما الجواب المفصل؛ فحديث: "دعي الصلاة أيام أقرائك" (٢). فقد أجاب عنه الشافعي، قال (٣): زعم إبراهيم بن إسماعيل بن علية: الأقراء الحيض. واحتج بحديث سفيان عن أم سلمة أنه ﷺ قال في امرأة استحيضت أن تدع الصلاة أيام أقرائها. قال الشافعي: وما حدث بهذا سفيان قط، إنما قال سفيان، عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: "تدع الصلاة عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن (أ) " (٤). أو قال: "أيام أقرائها". الشك من أيوب الذي روى عنه سفيان لا يدري قال هذا [أو] (ب) هذا، فجعله هو حديثا على ناحية ما يريد، فليس هذا بصدق. قال (٥): وقد أخبرنا مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ قال: "لتنتظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، ثم لتدع الصلاة، ثم لتغتسل ولتصل". "ونافع أحفظ عن سليمان من أيوب، يقول بمثل أحد معنيي أيوب الذي رواهما. انتهى كلامه. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي
следующие страницы →