← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

بِالنَّفْسِ﴾ (١). وتأيّدها بمفهوم قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (٢). وأما قَتْل العبد بالحرِّ فإجماع. ٩٦٥ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يُقاد الوالدُ بالولد". رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه ابن الجارود والبيهقي (٣). وقال الترمذي: إنه مضطرب. الحديث، في إسناد الترمذي الحجاج بن أرطاة، وطريق أحمد والدارقطني والبيهقي أيضًا أصح منها، وقد ذكر البيهقي قصة المدلجي (٤) الذي حذف ابنه بالسيف حتى نزف الدم منه ومات، وصحح البيهقي سنده، لأن رواته ثقات. ورواه الترمذي من حديث سراقة (٥)، وإسناده ضعيف، وفيه اضطراب واختلاف على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ فقيل: عن عمرو (أ). وقيل: عن سراقة.

стр. 3327

وقيل: بلا واسطة. وهي عند أحمد (١)، وفيها [ابن لهيعة، ورواه الترمذي أيضًا وابن ماجه (٢) من حديث ابن عباس وفي إسناده] (أ) إسماعيل بن مسلم المكي (٣) وهو ضعيف، لكن تابعه (ب) [عبيد الله بن الحسن] (جـ) العنبري عن عمرو بن دينار. قاله البيهقي (٤). وقال عبد الحق (٥): هذه الأحاديث كلها معلولة، لا يصح منها شيء. وقال الشافعي (٦): حفظت عن عدد (د) من أهل العلم لقيتهم، ألا يُقتل الوالد بالولد، وبذلك أقول. قال البيهقي (٧): طرق هذا الحديث منقطعة. وأكده الشافعي بأن عددًا من أهل العلم يقولون به. والحديث فيه دلالة على أن الوالد لا يُقاد بابنه إذا قتَله عمدًا، سواء كان

стр. 3328

بالذبح أو بغيره، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من الصحابة؛ علي، وعمر، وعثمان، وغيرهم، والحنفية، والشافعية، وأحمد، وإسحاق، والعترة جميعًا. وذهب مالك إلى أنه يقاد بالولد إذا أضجعه وذبحه. قال: لأن ذلك عمد (أ) حقيقة لا يحتمل غيره. وأما إذا كان على غير هذه الصفة مما كان يحتمل عدم تعمُّد إزهاق الروح وقضد التأديب من الأب، وإن كان في حق غيره يُحكَم فيه بالعمد، وذللث كما روي في قصة المدلجي الذي حذف ابنه بالسيف، وإنما فرق بين الأب وغيره، وذللث لأن الأب لما (ب) له من الشفقة على ابنه، وغلبة قصد التأديب عند فعله ما يغضب الأب -فيحمل (١) على عدم قصد القتل كما في قصة المدلجي، فإنه لما أغضب الولد والده حذَفه بالسيف، بخلاف غيره من سائر الناس، فإن الظاهر في مثل استعمال الجارح في المقتل (جـ) هو قصد العمد، والعمدية أمر خفي لا يحكم بإثباتها إلا بما يظهر من قرائن الأحوال، والفرق هذا حسن، إلا أن الجمهور عللوا الحكم في حق الأب لثبوت حقه على الابن، وقالوا: إن الأب سبب في وجود الولد، فلا يكون الولد سببًا في إعدامه، فيبقى الدليل على عمومه، ألا يقاد الوالد بالولد، واستشهاد عمر بالحديث على قصة المدلجي لا يكون مخصصًا لعمومه، بل هي مندرجة من

стр. 3329

جملة أفراده. وذهب [البتي] (أ) إلى أنه يجب القود؛ لعموم: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١) وغيرها. ويجاب بأن العموم مخصوص، ولعله لم يثبت عنده الخبر، وقد عرفت ما فيه، فبقي عنده العموم سالمًا من التخصيص، ويلزمه الدية كما في قصة المدلجي، فإن عمر قال له: اعدد على ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك. فلما قدم عليه عمر أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة، ثم قال: أين أخو المقتول؟ فقال: هأنذا. قال: خذها، فإن رسول الله ﷺ قال: "ليس لقاتل شيء". ولا يرث من الدية إجماعًا ولا من غيرها أيضًا عند الجمهور، وذهب بعض أصحاب الشافعي وفقهاء البصرة إلى أنه يرث من المال دون الدية لآيات المواريث -قال الإمام المهدي في "البحر": لنا عموم الخبر، وهو قوله ﷺ : "لا يرث القاتل" (٢). ولا كفارة عليه لعمده عند زيد بن علي، والهادي، والناصر - وأبو حنيفة وأصحابه، وأحد قولي الشافعي. وذهب مالك، وأحد قولي الشافعي، والقاسم، إلى وجوب الكفارة لسقوط القود كالخطأ، والجد من قبل الأب أو من قبل الأم كالأب في سقوط القود، وذهب بعض أصحاب الشافعي والحسن بن صالح إلى أنه يقاد

стр. 3330

ممن عدا الأب كالأم والجد، قال في "البحر": (أمخالف للإجماع أ)؛ إذ يعمهم لفظ الوالد. ٩٦٦ - وعن أبي جحيفة ﵁ قال: قلت لعلي ﵁: هل عندكم شيء من الوحي غير القرآن؟ قال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهم يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر. رواه البخاري (١). وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي (٢)، من وجه آخر عن علي وقال فيه: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده". وصححه الحاكم (٣). قوله: هل عندكم؟ الخطاب لعلي ﵁، والجمع إما [لتعليته] (ب) على غيره من أهل البيت، وإن كانوا غائبين، أو للتعظيم، وقد جاء مثل هذا في قوله (٤):

стр. 3331

*ولو شئت حرَّمت النساء سواكمُ* وقوله: شيء من الوحي. قد جاء هذا في البخاري بألفاظ؛ في باب العلم (١): هل عندكم كتاب؟ قال: لا. وفي الجهاد (٢): هل عندكم شيء من الوحي؟ وفي الديات (٣): هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ وفي "مسند إسحاق بن راهويه" (٤): هل علمت شيئًا من الوحي؟ قال المصنف رحمه الله تعالى (٥): وإنما مسألة أبو جحيفة عن ذلك؛ لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون لأهل البيت، لا سيما علي، اختصاصًا بشيء من الوحي لم يطلع عليه غيرهم، وقد سأل عليًّا ﵁ عن هذه المسألة أيضًا قيس بن عُباد (أ)، بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة، والأشتر النخعي (٦). وقوله: [لا] (ب). رد لمن يعتقد اختصاصه بشيء من الوحي، والظاهر

стр. 3332

أن المسئول [عنه] (أ) هو ما يتعلق بالأحكام الشرعية من الوحي الشامل لكتاب الله العجز، ولسنة النبي ﷺ ، فإن الله سماها وحيًا، [إذ] (ب) فسر قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ (١). بما هو أَعمُّ من القرآن، ويدل عليه قوله: وما في هذه الصحيفة. ويؤيده أيضًا ما أخرجه أحمد والبيهقي في "الدلائل" (٢)، أن عليًّا كان يأمر بالأمر، فيقال: قد فعلناه. فيقول: صدق الله ورسوله. فقال له الأشتر: هذا الذي تقول، هو شيء عهده إليك رسول الله ﷺ خاصة من دون الناس؟ فذكره بطوله. فلا يلزم منه نفي ما يُنسب إلى علي ﵁ من علم الجفر (٣) وغيره، أو (جـ) أن يقال: إنه مندرج في قوله: إلا فهم يعطيه الله رجلا في القرآن. فإنه كما ينسب إلى كثيرٍ مما فتح الله عليه بأنواع العلوم، ونوّر بصيرته، يُستنبَط ذلك من القرآن.

стр. 3333

وقوله: إلا فهم. استثناء من لفظ شيء، ويكون مرفوعًا على البدلية، ويجوز نصبه على الاستثناء، والفهم بمعنى المفهوم، وهو المأخوذ من فحوى لفظ القرآن، أو من معناه، إما بالقياس أو بغيره، فيكون الاستثناء متصلًا، وإن كان بمعناه المصدري كان البدلية على مذهب بني تميم في المنقطع، ويكون المعنى أن من أعطاه الله الفهم كان عنده الزيادة، ويكون علي ﵁ مندرجًا في ذلك اندراجًا أوليًّا لتحقُّق الفهم عنده، واشتهاره [بمعرفة ما] (أ) خفي ودق من الأحكام وغيرها. وقوله: وما في هذه الصحيفة. أي الورقة المكتوبة. وللنسائي (١) من طريق الأشتر: فأخرج كتابًا من قِراب سيفه. وقوله: العقل. أي الدية، وإنما سميت الدية عقلًا، لأنهم كانوا يعطون فيها الإبل، ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال، وهو الحبل، ووقع في رواية ابن ماجه (٢) بدل العقل الديات. والمراد أحكامها ومقاديرها وأصنافها. وقوله: فكاك. بكسر الفاء وفتحها، وقال الفراء: الفتح أفصح. والمعنى أن فيها حكم تخليص الأسير من يد العدو، والترغيب في ذلك. وقوله: ولا يقتل مسلم. بنصب "يقتل" لعطفه على الاسم وهو فكاك، أو العقل، يعني أنه مكتوب حكم تحريم قتل المسلم بالكافر في

стр. 3334

الصحيفة مع هذه الأمور، وقد جاء في رواية البخاري ومسلم (١): قال: ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة. فإذا فيها: "المدينة حرم". ولمسلم (٢): وأخرج صحيفة [مكتوب] (أ) فيها: "لعن الله من ذبح لغير الله". الحديث. ولأحمد (٣): فيها فرائض الصدقة. والجمع بين هذه الأحاديث، أن الصحيفة واحدة وروى كلٌّ ما حفظه منها (ب)، وهو يدل على أنه لا يقتل المسلم بالكافر قودًا، وقد ذهب إلى هذا الجمهور. وذهبت الحنفية إلى أنه يقتل المسلم بالذمي إذا قتله بغير استحقاق ولا يقتل بالمستأمن. والشعبي والنخعي: يقتل باليهودي والنصراني دون المجوسي. واحتجوا بقوله: "ولا ذو عَهْدٍ في عهده". فإن هذا اللفظ ظاهره أنه معطوف على قوله: مؤمن. فلا بد من تقدير في الثاني، كما في الطرف الأول، فيقدر: ولا ذو عهدٍ في عهده بكافر. ولابد من تقييد الكافر في المعطوف بلفظ الحربي، لأن الذمي يقتل بالذمي ويقتل بالمسلم، وإذا كان التقييد لا بد منه في المعطوف، وهو مطابق للمعطوف عليه، فلا بد من تقدير مثل ذلك في المعطوف عليه، فيكون التقدير: لا يقتل مؤمن بكافر حربي. ومفهوم حربي أنه يقتل بالذمي بدليل مفهوم المخالفة، و (جـ) إن كانت الحنفية

стр. 3335

لا تعمل بالمفهوم، فالظاهر أنهم يقولون: الحديث يدل على أنه لا يقتل بالحربي صريحًا، وأما قتله بالذمي فبعموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١). ولما (أ) رواه عبد الرحمن [بن البيلماني] (ب)، أن رسول الله ﷺ قتل مسلمًا بمعاهد، وقال: "أنا أكرم من وفى بذمته". أخرجه البيهقي (٢). فهذا الحديث مرسل، وقد جاء في رواية عمار بن مطرٍ: عن ابن البيلماني، عن ابن عمر مرفوعًا. قال البيهقي: وهو خطأ من وجهين، أحدهما: وصله بذكر ابن عمر. والآخر: أنه رواه عن إبراهيم، عن ربيعة، وإنما يرويه إبراهيم عن ابن المنكدر، والحمل فيه على عمار بن مطر الرهاوي (٣)، فقد كان يقلب الأسانيد، ويسرق (جـ) الأحاديث، حتى كثر ذلك في رواياته، وسقط (د) عن حد الاحتجاج به. قال الدارقطني (٤): ابن البيلماني (٥) ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما

стр. 3336

يرسله؟ وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (١): هذا حديث ليس بمسند، ولا يُجعَل مثله إمامًا تُسفَك به دماء السلمين. قال: [وقد أخبرني عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الواحد بن زياد، قال] (٢): قلت لزفر: إنكم تقولون: إنا ندرأ الحدَّ بالشبهات. وإنكم جئتم إلى أعظم الشبهات فأقدمتم عليها. قال: وما هو؟ قال: قلت: المسلم يقتل بالكافر. قال: فاشهد أنت على رجوعي عن هذا. قال: وكذلك قول أهل الحجاز لا يقيدونه به. وأما قوله: "ولا ذو عهد في عهده". فإن ذا العهد الرجل من أهل دار الحرب، يدخل إلينا بأمان، فقتله محرَّم على السلمين حتى يرجع إلى مأمنه، وأصل هذا من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (٣). وقال علي بن المديني (٤): حديث ابن البيلماني هذا إنما يدور على إبراهيم بن أبي يحيى (٥) ليس له وجه حجاج، إنما أخذه عنه. وهذا غير مسلم، وقد أخرجه أبو داود في "المراسيل" (٦)،

стр. 3337

والطحاوي (١)، من طريق سليمان بن بلال، عن ربيعة، عن ابن البيلماني. وذكر الشافعي في "الأم" (٢) كلامًا حاصله أن حديث ابن البيلماني كان في قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن أمية. قال: فعلى هذا لو ثبت لكان منسوخًا؛ لأن حديث: "لا يقتل مسلم بكافر". خطب به النبي ﷺ يوم الفتح -كما في رواية عمرو بن شعيب (٣) - وقضية عمرو بن أمية متقدمة على ذلك بزمان. وخطبة يوم الفتح كانت بسبب [القتيل الذي قتلته] (أ) خزاعة وكان له عهد، فخطب النبي ﷺ فقال: "لو قتلت مؤمنًا (ب) بكافر لقتلته (جـ) به" (٤). وقال: "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" (٥). فأشار بحكم الأول إلى ترك اقتصاصه من الخزاعي بالمعاهد الذي قتله، وبالحكم (د) الثاني إلى النهي عن الإقدام على ما فعله (هـ)

стр. 3338

القاتل المذكور، والله أعلم. وقد يؤيَّد القول بعدم الاقتصاص بقصة اليهودي الذي لطمه المسلم لما قال: لا والله الذي اصطفى موسى على البشر. فلطمه المسلم، فإن النبي ﷺ لم يُثبت له الاقتصاص (١)، وهو حجة على الكوفيين الذين يثبتون الاقتصاص باللطمة، وأما من لا يثبت الاقتصاص باللطمة فلا يستقيم التأييد عنه. وذهب مالك والليث إلى أنه يقتل المسلم بالذمي إذا قتله غيلة، و (أ) والغيلة أن يضجعه فيذبحه. وقد يستأنس لهذا القول بما روى عمرو بن دينار (٢)، أن عمر ﵁ كتب في مسلم قتل نصرانيًّا: إن كان القاتل قَتَّالًا فاقتلوه، وإن كان غير قتال فذروه ولا تقتلوه. وأخرج البيهقي (٣)، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن شيخٍ قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ في مسلم قتل معاهدًا، فكتب: إن كانت طيرة في غضب فأغرم أربعة آلاف، وإن كان لصًّا عاديًا فاقتله. وأخرج (٣) عن عمرو بن دينار، عن القاسم بن أبي بزة، أن رجلًا مسلمًا قتل رجلًا من أهل الذمة بالشام، فرُفِع إلى أبي عبيدة بن الجراح، فكتب فيه إلى عمر، فكتب عمر: إن كان ذلك منه خلقًا فقدِّمْه فاضرب عنقه، وإن كانت هي طيرة طارها فأغرمه ديته أربعة آلاف. فهذا يدل على أن معتاد القتل يقتل، وما قال مالك في القاتل غيلة

стр. 3339

كذلك (أ)، وهو يُفهَم من التعليل بقوله: [إن] (ب) كانت طيرة في غضب. فالقاتل غيلة لم يكن طيرة في غضب، وكذا المُضْجِع له الذابح لم يكن طيرة في غضب، وقد عمل بهذا الهادي فيمن اعتاد قتل عبيده، أنه يُقتَل، وكذا في حق الأب إذا قتل ابنه وكان له عادة، ولكن قال الشافعي (١): قلنا: ولا يُعمَل بحرف من هذا؛ لأن هذه الأحاديث منقطعات أو ضعاف، أو تجمع الانقطاع والضعف جميعًا، وقد أخرج الطبراني عن الحسن بن ميمون (٢) عن عبد (جـ) الله بن عبد الله مولى بني هاشم، عن أبي الجنوب الأسدي قال: أُتي علي بن طالب برجل من المسلمين قتل رجلًا من أهل الذمة. قال: فقامت عليه البينة، فأمر بقتله، فجاء أخوه، فقال: إني قد عفوت. قال: فلعلهم هددوك وفرقوك وقرعوك (د)؟ قال: لا، ولكن قتله لا يرد عليَّ أخي، وعوضوني ورضيت. قال: أنت أعلم، من كان له ذِمَّتنا، فدمه كدمنا، وديته كديتنا. كذا قال: حسن. في رواية أبان. وفي رواية غيره: حسين بن ميمون (٣). وفي إسناده أبو الجنوب (٤)، قال الدارقطني (٥): هو ضعيف

стр. 3340

الحديث. قال الشافعي في القديم (١): وفي حديث أبي جحيفة عن علي ﵁: ما دلكم أن عليًّا (أ) يروي عن النبي ﷺ شيئًا ويقول بخلافه؟ انتهى. وقوله: "تتكافأ دماؤهم". أي تتساوى في القصاص والديات. والكفء: النظير والمساوي. ومنه الكفاءة في النكاح؛ وهو أن يكون الزوج مساويًا للمرأة في حسبها ودينها ونسبها وبيتها، وغير ذلك، والمراد أنه لا فرق بين الشريف والوضيع في الدم، وهو على خلاف ما كان عليه الجاهلية من المفاضلة وعدم المساواة. وقوله: "يسعى بذمتهم أدناهم". يعني أنه (ب) إذا أمَّن المسلم حربيًّا، كان أمانه أمانًا من جميع المسلمين، ولو كان ذلك المسلم امرأة، بشرط أن يكون المؤمن مكلفًا، فإنه يكون أمانًا من الجميع، فلا يجوز نكث ذلك. وقوله: "وهم يد على من سواهم". أي هم مجتمعون على أعدائهم، لا يسعهم التخاذل، بل يعاون (جـ) بعضهم بعضًا على جميع الأديان والملل، كأنه جعل أيديهم يدًا واحدة، وفعلهم فعلًا واحدًا. ٩٦٧ - وعن أنس بن مالك ﵁، أن جاريةً وجِد رأسُها قد رضَّ بين حجرين، فسألوها: من صنع بك هذا؟ فلان؟ فلان؟ حتى

стр. 3341

ذكروا (أ) يهوديًّا، فأومأت برأسها، فأخذوا اليهودي فأقرَّ، فأمر رسول الله ﷺ أن يُرَضّ رأسه بين حجرين. متفق عليه (١)، واللفظ لمسلم. الحديث فيه دلالة على أن القتل بالمثقل (٥) يوجب القصاص كالقتل بالمحدد (جـ)، وقد ذهب إليه العترة، والشافعي، ومالك، ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف، وغيرهم؛ لظاهر (د) الحديث، والمعنى المناسب ظاهر قوي لصيانة الدماء من الإهدار، ولأن القتل بالمثقل (ب) كالقتل (هـ) بالمحدد في إزهاق الروح، فلو لم يجب القصاص أدى ذلك إلى أن يتخذ ذريعة إلى إهدار القصاص، وفات الغرض المقصود من إثبات القصاص، وهو الحياة التي قال فيها : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٢). وذهب أبو حنيفة، والشعبي، والنخعي، إلى أنه لا قصاص في المثقل، واحتج بحديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش (و) " (٣). وفي لفظ آخر برواية أخرى (٤) عنه، أن النبي ﷺ قال:

стр. 3342

"إن لكل شيء خطأ إلا السيف -يعني الحديدة- ولكل خطأ أرش". وفي رواية أخرى عنه أن رسول الله ﷺ قال: "كل شيء سوى الحديدة خطأ، ولكل خطأ أرش". أخرجه البيهقي (١). ومدار هذا الحديث على جابر الجعفي (٢)، وقيس بن الربيع (٣)، ولا يحتج بهما، ويعتذر عن هذا الحديث بأنه حصل من الرضخ الجرح، والأصح من مذهبه أنه يوجب القصاص، أو أن اليهودي كان عادته قتل الصبيان، فهو من الساعين في الأرض فسادًا، ويجاب عنه بأن الحديث المذكور قد عرف ضعفه، وهذا الحديث صحيح لا يقاومه ذلك، وما ذكر من الاعتذارات خلاف الظاهر، مع أن أبا حنيفة لا يقف على مفاد الحديث، فإنه يثبت القتل بالمحدد؛ من حديد أو حجر أو خشب، أو كان معروفًا بقتل الناس [بالمنجنيق] (أ) أو بالإلقاء في النار، واختلفت الرواية عنه في مثقل الحديد كالدبوس (٤)، وأما إذا كانت الجناية بما لا يقصد به القتل غالبًا وتعمد القتل به كالعصا والسوط واللطمة و [القضيب] (ب) والبندقة ونحوها؛ فقال مالك والليث والهدوية: يجب

стр. 3343

فيها القود. وقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم: لا قصاص فيه، وهو شبه العمد، وفيه الدية؛ مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفة (١) في بطونها أولادها. أخرجه الشافعي (٢) عن النبي ﷺ . وقال ابن أبي ليلى (٣): إن قتل بالحجر أو العصا؛ فإن كرر ذلك فهو عمد، وإلا فخطأ. وقال عطاء وطاوس (٣): شرط العمد أن يكون بسلاح. وقوله: قد رضَّ رأسهما بين حجرين. وفي رواية لمسلم (٤): فقتلها بحجر فجيء بها إلى النبي ﷺ وبها رمق. وفي رواية (٥): قتل جارية من الأنصار على حلي لها، ثم ألقاها في قليب، ورضخ رأسها بالحجارة، فأمر به النبي ﷺ أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات. والجمع بين الروايات، وهو أنه إذا وضع رأسها على حجر ورمى بحجر آخر فقد رجم، وقد رضَّ، وقد رضخ، وقيل: يحتمل أنه رجمها الرجم المعروف مع الرضخ؛ لقوله: ثم ألقاها في قليب. ويدل الحديث على أن الرجل يقتل بالمرأة، ويقتص منه أيضًا فيما دون النفس، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وظاهر قول البخاري أنه إجماع؛ لأنه قال (٦): وقال أهل العلم: يقتل الرجل بالمرأة. وحكى ابن

стр. 3344

المنذر (١) الإجماع على ذلك، وحكى القاضي أبو الوليد الباجي في "المنتقى" (٢) عن الحسن البصري أنه لا يقتل الذكر بالأنثى، وحكاه الخطابي في "معالم السنن" (٣)، ودليله مفهوم قوله تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (٤). ويرد عليه بقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٥). وإن كان ذلك لا يستقيم إلا على القول بأن شرع من قبلنا يلزمنا ما لم ينسخ، وبالحديث المذكور، ويتأيد ذلك بالإجماع المذكور، أو بأنه قول الأكثر والمخالف نادر، وقد أخرج البيهقي (٦)، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: كان من أدركت من فقهائنا الذين يُنتهى إلى قولهم؛ منهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار في مشيخة جلة سواهم من نظرائهم أهل فقه وفضل، وربما اختلفوا في الشيء، فأخذنا بقول أكثرهم وأفضلهم رأيًا، وكان الذي وعيت عنهم على هذه القصة، أنهم يقولون: المرأة تقاد من الرجل عينًا بعين، وأذنا بأذن، وكل شيء من الجراح على ذلك، وإن قتلها قتل بها. ورويناه عن الزهري وغيره. وروى سفيان الثوري عن المغيرة عن إبراهيم قال: القصاص بين الرجل والمرأة في العمد. وعن جابر عن الشعبي مثله، وعن جعفر بن برقان عن عمر بن

стр. 3345

عبد العزيز مثله، قال البيهقي (١): وروينا عن الشعبي وإبراهيم بخلافه فيما دون النفس. وذهب القاسم والهادي والناصر وأبو طالب، ورواه ابن المنذر (٢) عن علي ﵁ بسند فيه انقطاع، وروي عنه مثل قول الجمهور، ورواه أيضًا عن عثمان البتي - إلى أن يقاد الرجل بالمرأة ويتوفى ورثته نصف ديته، قالوا: لتفاوتهما في الدية، وقد قال تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٣). والقصاص المساواة، والجواب عنه بما تقدم من الحديث، والتأييد بما تقدم ولم يذكر زيادة، والمساواة قد وقعت بالاقتصاص؛ لأن المراد المساواة في الجرح ألا يزيد المقتص على ما وقع فيه من الجرح. ويدل الحديث على أنه يكون القود بمثل ما قتل به، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وهو متأيد بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٤). وبقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٥). وبما رواه البراء ﵁ أنه قال ﷺ : "من [عَرّض عَرّضنا] (أ) له (٦)، ومن حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه". أخرجه البيهقي (٧). وهذا فيما كان

стр. 3346

السبب الذي قتل به يجوز فعله، وأما إذا كان لا يجوز فعله كمن قتل بالسحر، فإنه لا يمكن فعله. واختلف مذهب أصحاب الشافعي فيما إذا قتل باللواط أو بإيجار (١) الخمر، فمنهم من قال: يسقط اعتبار المماثلة للتحريم كما في السحر. ومنهم من قال: يدس فيه خشبة، ويوجر الخل، وإذا اختار ولي الدم القتل بالسيف كان له. إلا أن بعضهم استثنى من قتل بالخنق، فقال: لا يعدل إلى السيف. وادعى أنه عدول إلى أشد، وأن الخنق يغيب الحس، فيكون أسهل، واختلف فيمن قتل بعصا فاقتص بالضرب بالعصا فلم يمت، هل يكرر عليه؟ فقيل: يكرر. وقيل: إن لم يمت قتل بالسيف. وكذا فيمن قتل بالتجويع. وذهبت العترة والكوفيون منهم أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يكون الاقتصاص إلا بالسيف، واحتجوا بقوله ﷺ : "لا قود إلا بالسيف". وهو ضعيف أخرجه البزار وابن عدي (٢) من حديث أبي بكرة، وذكر البزار الاختلاف فيه مع ضعف إسناده، وقال ابن عدي: طرقه كلها ضعيفة. وهو أيضًا على خلاف قاعدة الحنفية من أن آحادي السنة لا يخصص الكتاب ولا ينسخه، واحتجوا بالنهي عن المثلة، وقوله ﷺ : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" (٣). ويجاب عنه بأنه مخصوص بما ذكر من [الاقتصاص] " (أ). ويدل قوله: فأقر. على أن الإقرار في القتل يكفي مرة واحدة؛ إذ لا دلالة على التكرير.

стр. 3347

٩٦٨ - وعن عمران بن حصين ﵁، أن غلامًا لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء، فأتوا النبي ﷺ فلم يجعل لهم شيئًا. رواه أحمد والثلاثة (١) بإسناد صحيح. أخرجه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين. الحديث فيه دلالة على عدم غرامة الفقير، إلا أنه قال البيهقي (٢): إن كان المراد بالغلام فيه المملوك فإجماع أهل العلم على أن جناية العبد في رقبته، فهو يدل والله أعلم على أن الجناية كانت خطأ، وأن النبي ﷺ إنما لم يجعل عليه شيئًا؛ لأنه التزم أرش جنايته، فأعطاه من عنده متبرعًا بذلك، وقد حمله أبو سليمان الخطابي (٣) ﵀ على أن الجاني كان حرًّا، [و] (أ) كانت الجناية خطأ، وكانت عاقلته فقراء، فلم يجعل عليهم شيئًا؛ إما لفقرهم، وإما لأنهم لا يعقلون الجناية الواقعة على العبد، إن كان المجني عليه مملوكًا. قال البيهقي: وقد يكون الجاني غلامًا حرًّا غير بالغ، وكاهما جنايته عمدا، فلم يجعل أرشها على عاقلته، وكان فقيرًا فلم يجعله في الحال عليه،

стр. 3348

أو رآه على عاقلته فوجدهم فقراء، فلم يجعله عليه لكون جنايته في حكم الخطأ، ولا عليهم لكونهم فقراء. والله أعلم. انتهى. وقول البيهقي: ولم يجعل أرشها على عاقلته. هذا هو مذهب الشافعي, أن عمد الصغير يكون في ماله ولا تحمله العاقلة. وقوله: أو رآه على عاقلته. يعني مع احتمال أنه خطأ، وهو اتفاق، أو مع احتمال أنه عمد كما ذهب إليه العترة وأبو حنيفة ومالك. والله أعلم. ٩٦٩ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵄، أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني. فقال: "حتى تبرأ". ثم جاء إليه فقال: أقدني. فأقاده، ثم جاء إليه فقال. يا رسول الله، عَرَجْتُ. فقال: "قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك". ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه. رواه أحمد والدارقطني (١)، وأُعِلَّ بالإرسال. الحديث من رواية عمرو بن شعيب، والإعلال فيها بالإرسال قد دفع بأنه [لا إرسال فيها] (أ)، وأن عمرو بن شعيب لقي جده. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة (٢): ثنا ابن علية عن أيوب عن عمرو بن دينار عن جابر. الحديث. وكذا أخرجه عثمان بن أبي شيبة (٢) بالإسناد، قال أبو الحسن الدارقطني

стр. 3349

الحافظ (١): أخطأ فيه ابنا أبي شيبة، وخالفهما أحمد بن حنبل وغيره فرووه عن ابن علية عن أيوب عن عمرو مرسلًا، وكذلك قال أصحاب عمرو بن دينار عنه وهو المحفوظ مرسلًا. وأخرج البيهقي (٢) من حديث جابر بإسناد آخر، وقال: تفر به عبد الله الأموي عن ابن جريج، وعنه يعقوب بن حميد. وأخرج (٢) من حديث جابر قال رسول الله ﷺ : "تقاس الجراحات، ثم يستأنى بها سنة، ثم يقضى فيها بقدر ما انتهت إليه". وفي إسناده ابن لهيعة (٣)، وكذا رواه جماعة من الضعفاء عن أبي الزبير عن جابر، ومن وجهين آخرين عن جابر، ولم يصح شيء من ذلك (٤)، وروي من وجه آخر عن ابن عباس (٢). الحديث فيه دلالة على أنه لا يقتص في الجراحات حتى يحصل البرء من ذلك وتؤمن السراية، ولكنه غير واجب لتمكينه ﷺ أن يقتص، وقد ذهب إلى هذا الشافعي، وذهب العترة وأبو حنيفة ومالك إلى أنه يجب الانتظار إلى أن يندمل الجرح وتؤمن السراية، قال الإمام المهدي في "البحر": وهذا الحديث معارض بقوله ﷺ : "اصبروا حتى يستقر الجرح" الخبر. وهو أصرح ومطابق للقياس، ولعله خشي موت الجاني فعجل. انتهى.

стр. 3350

والخبر المذكور هو أن صفوان بن المعطل جرح حسان بن ثابت، فجاء رهطه من الأنصار ليقتص لهم، فقال النبي ﷺ : "اصبروا حتى يستقر الجرح، فإن اندمل أخذتم القصاص في الجرح، وإن صار نفسا أخذتم القصاص في النفس" (١). ولا يخفى أن [الوجوب] (أ) لا يتم وأنه يكون محمولًا على الندب بقرينة التمكين من الاقتصاص في الحديث المذكور، فلا تتم المعارضة. وقوله: ومطابق للقياس. لم يظهر ما قيس عليه. وقوله: ولعله خشي موته. لا يخفى ما فيه من البعد، والله أعلم. ٩٧٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها غرة؛ عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم، فقال حَمَل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله، كيف نغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يُطلّ. فقال رسول الله ﷺ : "إنما هذا من إخوان الكهان". من أجل سجعه الذي سجع. متفق عليه (٢). وأخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس، أن عمر ﵁ سأل من شهد قضاء رسول الله ﷺ في الجنين، قال: فقام حمل بن

стр. 3351

النابغة فقال: كنت بين [يدي] (أ) امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى. فذكره مختصرًا، وصححه ابن حبان والحاكم (١). قولي: اقتتلت امرأتان. اسمهما مليكة بنت عويم، وأم عفيف بنت مسروح. فضربت أم عفيف مليكة. كذا في رواية الطبراني (٢)، وفي رواية ابن عباس: أم عطيف (٣). وبه جزم الخطيب في "المبهمات" (٤)، وزاد بعض شراح "العمدة" (٥): وقيل: أم مكلف. وقيل: أم مليكة. وقوله: من هذيل. في رواية الطبراني (٦): أن (ب) إحداهما عامرية. وفي رواية لمسلم (٧): من بني لحيان. بكسر اللام وفتحها؛ بطن من هذيل. وقوله: فرمت إحداهما الأخرى بحجر. زاد في رواية (٨): فأصابت

стр. 3352

بطنها وهي حامل. وفي رواية أبي داود (١): فضربت إحداهما الأخرى بمسطح. وعند مسلم (٢) عن المغيرة بن شعبة: ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلى، فقتلتها. وفي رواية (٣): فضربت الهذلية العامرية بعمود فسطاط أو خباء. وفي حديث عويم (٤): بمسطح بيتها. وقوله: فقتلتها وما في بطنها. وفي رواية (٥): فقتلت ولدها في بطنها. وفي رواية (٦): فقتلتها وجنينها. وفي رواية (٧): فطرحت جنينها. وفي رواية أبي داود (٨): فأسقطت غلاما قد نبت شعره. وفي رواية لمسلم (٩): في جنين امرأة سقط ميتًا. وقوله: غرة؛ عبد أو أمة. بتنوين "غرة"، و"عبد" بدل، وهكذا ضبطه الجمهور، قال القاضي عياض (١٠): ورواه بعضهم بالإضافة. قال: والأول أوجه وأقيس. وذكر صاحب "المطالع" (١١) الوجهين، ثم قال: الصواب

стр. 3353

رواية التنوين. ويؤيده ما في "صحيح البخاري" (١): قضى النبي ﷺ بالغرة عبد أو أمة. و "أو" هنا للتقسيم لا للشك، قال الباجي (٢): يحتمل أن يكون للشك، وأن المرفوع من الحديث (ألفظ: بغرة. وأ) لفظ: عبد أو أمة. شك من الراوي في المراد بها. قال الجوهري (٣): كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله كما قالوا: أعتق رقبة. وأصل الغرة بياض في الوجه، ولهذا قال أبو عمرو (٤): المراد بالغرة الأبيض منها خاصة. قال: ولا يجزئ الأسود. وقال: ولولا أن رسول الله ﷺ أراد بالغرة معنى زائدًا على شخص العبد والأمة لما نكَّرها، واقتصر على لفظ: عبد أو أمة. وهو خلاف ما اتفق عليه الفقهاء أنه لا يتعين الأبيض، ويجزئ الأسود، وإنما المعتبر أن يكون قيمتها عشر دية الأم، أو نصف عشر دية الأب. قال أهل اللغة (٥): الغرة عند العرب أنفس الشيء، وأطلقت هنا على الإنسان؛ لأن الله تعالى خلقه في أحسن تقويم. وقال داود: إنه يحزئ ما يطلق عليه اسم الغرة كالفرس. وقد وقع في حديث أبي هريرد: عبد أو أمة أو فرس أو بغل (٦). وكذا وقع عند عبد الرزاق (٧) في رواية ابن طاوس عن أبيه

стр. 3354

مرسلًا بلفظ: غرة عبد أو أمة أو فرس. وأشار البيهقي (١) إلى أن ذكر الفرس في المرفوع وهم، وأن ذلك أدرج من بعض رواته على سبيل التفسير للغرة، وذكر أنه في رواية حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن طاوس بلفظ: فقضى أن في الجنين غرة. قال طاوس: الفرس غرة. وكذا أخرجه الإسماعيلي (٢) عن عروة بن الزبير، وكأنهما رأيا المعنى المشهور للغرة إنما هو في الفرس، وقد استعمل للآدمي كما في حديث الوضوء (٣)، وقد تطلق على الشيء النفيس؛ آدميًّا كان أو غيره، ذكرا أم أنثى. وعلى قول الجمهور أقل ما يجزئ من العبد والأمة، أن يكون سليما من العيوب؛ لأن الغرة الخيار، وزاد الشافعي اشتراط ألا ينقص عن سبع سنين، لأن من كان دون ذلك لا يستقل بنفسه. قال بعضهم: لا يؤخذ ما زاد على خمس عشرة سنة في الذكر، و [في] (أ) الأنثى ما زاد على عشرين. والأظهر أنه يجزئ وإن جاوز الستين، ما لم يضعفا ويخرجا عن الاستقلال؛ لأن ذلك يجرى مجرى العيب. والحديث فيه دلالة على أن الجنين إذا مات بسبب الجناية وجب فيه الغرة، وظاهره الإطلاق، سواء انفصل عن أمه وخرج ميتًا، أو مات في بطنها، ولابد أن يعلم كونه جنينًا، بأن يخرج منه يد أو رجل، وإلا فالأصل براءة الذمة وسقوط الدية، وإن كان الإمام المهدي صرح

стр. 3355

في "الأزهار" (١) على أصل الهدوية بأنه لا شيء فيمن مات بقتل أمه إن لم ينفصل، فهو مبني على أنه لم يتحقق ثبوت الجنين، وأما إذا تحقق ثبوته، وهو بخروج شيء منه، فالغرة لازمة فيه. وظاهر ألفاظ الحديث أنه لا بد أن يكون قد تخلق وجرى فيه الروح ليتصف بأنه قتلته الجناية، والشافعية فسروه بما ظهر فيه صورة الآدمي؛ من يد أو أصبع أو غيرهما، وإن لم تظهر فيه الصورة، وشهد أهل الخبرة بأن ذلك أصل الآدمي، فحكمه كذلك إذا كانت تلك الصورة صورة خفية، وكذا إذا لم توجد فيه صورة خفية ولكنه أصل آدمى على ما هو غير الأظهر عندهم، والأظهر أنها لا تجب، وإن شك أهل الخبرة أنه أصل آدمي، لم يجب فيه شيء اتفاقا. والحديث ورد في جنين حرة، وأما جنين الأمة فلعله يخصص بالقياس على ديتها، وكما أن الواجب قيمتها في ضمانها، فيكون (أ) في جنينها الأرش، منسوب إلى القيمة، وقياسه على جنين الحرة، فإن اللازم فيه نصف عشر الدية، فيكون اللازم نصف عشر القيمة، وتأتي في أهل الذمة على الخلاف في الدية، وتجب الغرة عند الهدوية بعينها مقومة بخمسمائة، وعند الصادق والباقر الواجب عشر الدية، وقد روي ذلك عن علي. قال الإمام المهدي: في الجمع بين العين والقيمة [جمع] (ب) بين الأدلة

стр. 3356

فوجب، ومهما أمكن العبد أو الأمة لم يلزم الولي قبول غيرهما؛ إذ هما الواجب كوجوب أجناس الدية، فلم يلزم قبول غيرهما، فإن تعذرا فوجهان؛ ذهب الإمام يحيى إلى أنه ينتقل إلى خمس من الإبل، إذ هي الأصل في الديات، وإذ روي عن عمر وعن زيد بن ثابت ولم يخالفا. وقيل: يعدل إلى القيمة كما إذا [أتلف عبدًا] (أ)، والغرة لازمة لأجل الولد لا لأجل الأم، فلو احترجت الأم بالولادة لزم لها أرش الجراحة، وإن كان مجردا [لم تجب] (ب) فيه حكومة. ويدل الحديث على أن اللازم في المرأة المذكورة هو الدية، ولا يجب القصاص، وهذا مما يستدل به من أثبت شبه العمد، أو أن ذلك [بحجر] (جـ) أو عمود صغير لا يقصد به القتل بحسب الأغلب، فتجب فيه الدية على العاقلة ولا قصاص (د)، وبهذا التوجيه لا يتم احتجاج الحنفية بأنه لا يجب القصاص في القتل بالمثقل. وقوله: وقضى بدية المرأة على عاقلتها. والمراد بالعاقلة هم العصبة، وقد جاء مفسرا بأنهم من عدا [الولد] (هـ) وذوي الأرحام؛ كما في حديث أسامة بن عمير عند البيهقي (١) فقال أبوها: إنما يعقلها بنوها. فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "الدية على العصبة، وفي الجنين غرة". وبهذا

стр. 3357

بوب البخاري (١): باب جنين المرأة، وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد. وقوله: وورثها ولدها ومن معهم. يعني: أن المرأة التي قضى عليها النبي ﷺ بالغرة توفيت؛ فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها (أ) وزوجها، وأن العقل على عصبتها. وهذا لفظ مسلم [في] (ب) رواية. فعلى هذا فقوله: فورثها. الضمير يعود إلى القاتلة - ولدها ومن مع الولد، وهو الزوج، (جـ إلا أن النووي جـ) قال: إن الميتة هي المجني عليها. وتأول قوله: قضى عليها بالغرة. أي قضى لها، والضمير في قوله: والعقل على عصبتها. أي القاتلة، وفيه تعسف، والملجئ له التصريح في الروايات أنها ماتت المجني عليها، ولكن لا مانع أن تموت الجانية أيضًا عقيب الجناية، والله أعلم. وفيه دلالة على أن الولد ليس (د) من العصبة، قال الشافعي (٢): ولم أعلم مخالفا في أن العاقلة العصبة، وهم القرابة من قِبل الأب. وقوله: فقال حَمَل بن النابغة. بفتح الحاء المهملة والميم، وهو ابن مالك بن النابغة، منسوب إلى جده في الحديث، وحمل هو زوج المرأة القاتلة وهو

стр. 3358

من عصبتها، وجاء في رواية: أن القائل (أ) أبوها، وأنه قال: يعقلها بنوها. وفي حديث عويم عند الطبراني (١): فقال أخوها العلاء بن مسروح: يا رسول الله، أنغرم. الحديث. وعند أبي يعلى (٢) من حديث جابر: فقالت عاقلة القاتلة. ويمكن الجمع بين الروايات بأن يكون كل من أبيها وأخيها وزوجها قالوا ذلك؛ لأنهم كلهم من عصبتها. وقوله: فمثل ذلك يطل. روي بالياء المضمومة على صيغة المضارع [المجهول] (ب)، وتشديد اللام، ومعناه: يهدر ويلغى ولا يضمن. وروي بالباء الموحدة وتخفيف اللام على أنه فعل ماض من البطلان، وهو بمعنى الملغى أيضًا، وكلتا الروايتين في "الصحيحين" وغيرهما، قال النووي (٣): وأكثر نسخ بلادنا بالمثناة، ونقل القاضي أن جمهور الرواة في "صحيح مسلم" ضبطوه بالموحدة. قال أهل اللغة: يقال: طُلَّ دمه. بضم الطاء، وأطل، أي هدر، وأطله الحاكم وطله أي أهدرها، وجوز بعضهم: طل دمه بفتح الطاء في اللازم، وأباها الأكثرون. وقوله: "إنما هذا من إخوان الكهان". قال العلماء: إنما ذم سجعه لوجهين:

стр. 3359

أحدهما: أنه عارض به حكم الشرع ورام إبطاله. والثاني: أنه تكلفه في مخاطبته. وهذان الوجهان من السجع مذمومان، وأما السجع الذي ورد عن النبي ﷺ في بعض الأوقات، وهو مشهور في الحديث فليس من هذا؛ لأنه لا يعارض [حكم الشرع] (ب)، ولا يتكلفه، فلا نهي فيه، بل هو حسن. ويؤيده ما في بعض رواياته (١): "أسجع كسجع الأعراب؟ ". فأشار إلى أن بعض السجع هو المذموم لا كله، والله أعلم. وحديث أبي داود (٢) في سؤال عمر ﵁ أخرجه أيضًا البخاري (٣) من حديث المغيرة: أن عمر سأل عن إملاص المرأة، وهي التي يضرب بطها فتلقي جنينها، فقال: أيكم سمع من النبي ﷺ فيه شيئًا؟ فقال المغيرة: قضى النبي ﷺ بالغرة، عبد أو أمة. فقال عمر: من شهد معك؟ فقام محمد بن مسلمة فشهد بذلك. وتفسير الإملاص في هذه الرواية أخص من قول أهل اللغة: إن الإملاص أن تزلقه المرأة قبل الولادة. هكذا نقله أبو داود في "السنن" (٤) عن أبي عبيد، وهو كذلك في "الغريب" (٥) له. وقال الخليل (٦): أملصت المرأة والناقة: إذا رمت ولدها.

стр. 3360

وقال ابن القطاع (١): أملصت الحامل ألقت ولدها. ووقع في بعض الروايات: ملاص. بغير ألف؛ كأنه اسم للمصدر المنسوب إلى الولد؛ يقال: ملاص الولد. أو اسم لتلك الولادة كالخداج. وقال هشام (١): الملاص الولد. ولعله بتقدير مضاف؛ أي خروج الولد. وقال صاحب "البارع" (١): الإملاص الإسقاط؛ وإذا قبضت على شيء فسقط من يدك، تقول: أملص من يدي إملاصا وملص ملصا. ٩٧١ - وعن أنس ﵁ أن الرُّبيِّعَ بنت النضر عمته كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليهم العفو فأبوا، فعرضوا الأرش فأبوا، فأتوا رسول الله ﷺ ، فأبوا إلا القصاص، وأمر رسول الله ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ لا، والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنيتها. فقال النبي ﷺ : "يا أنس، كتاب الله القصاص". فرضي القوم، فعفوا، فقال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره". متفق عليه (٢) واللفظ للبخاري. الرُّبيع: بضم الراء والباء الموحدة المفتوحة وبعدها ياء مشددة مكسورة أخت أنس بن النضر، عمة أنس بن مالك، وفي "سنن البيهقي" (٣): الربيع بنت معوذ. قال المصنف رحمه الله تعالى (٤): وهو غلط، والمحفوظ أنها بنت النضر.

стр. 3361

وقوله: كسرت ثنية جارية. في البخاري في كتاب [الديات] (أ): لطمت جارية فكسرت ثنيتها. وفي رواية الفزاري (١): جارية من الأنصار. وفي رواية معتمر (٢): امرأة بدل جارية. وهو [يبين] (ب) أن المراد بالجارية المرأة الشابة، لا المرأة الرقيقة. ووقع في البخاري (٣) في كتاب [الديات] (أ) أيضًا بلفظ: وجرحت [أخت] (جـ) الربيع إنسانا (د). قال أبو ذر (٤): كذا وقع، والصواب الربيع بنت النضر. وكذا قال الكرماني (٥)، ثم قال: إلا أن يقال: هذه امرأة أخرى، لكن لم ينقل عن أحد. كذا قال. وقد ذكر جماعة أنهما [قصتان] (هـ)، وكذا وقع في مسلم (٦) أن أخت الربيع أم حارثة، وأنها قالت أم الربيع: يا رسول الله، أيقتص من فلانة؟ الحديث. وجزم ابن حزم (٧) بأنهما [قصتان] (و) صحيحتان وقعتا لامرأة واحدة؛ إحداهما أنها جرحت إنسانا

стр. 3362

فقضى عليها بالضمان، والأخرى أنها كسرت ثنية جارية فقضى عليها بالقصاص، وحلفت أمها في الأولى، وأخوها في الثانية. وقال البيهقي (١) بعد أن أورد الروايتين: ظاهر الخبر يدل على أنهما [قصتان] (أ). قال المصنف ﵀ (٢): في [القصتين] (ب) مغايرات؛ منها: هل الجانية الربيع أو أختها؟ وهل الجناية كسر الثنية أو الجراحة؟ وهل الحالف أم الربيع أو أخوها أنس؟ وقوله: فطلبوا. أي أهل الجانية، إليهم، أي أهل المجني عليها، [العفو] (جـ) فأبوا، أي أهل المجني عليها - العفو بغير أرش، فعرضوا الأرش، فأبوا. زاد البخاري في باب الصلح لفظ: إلا القصاص (٣). وقوله: فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص. فيه دلالة على الاقتصاص في العظم، فأما السن بكمالها ففي ذلك نص قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (٤). وإن كان ذلك [حكاية] (د) عن المكتوب في التوراة، فشرع من قبلنا يلزمنا إذا ورد على لسان نبينا ﷺ من غير إنكار له، كما هو المختار. وقد قام الإجماع على قلع السن بالسن في العمد، وأما الكسر فهذا الحديث

стр. 3363

دليل عليه إذا عرفت المماثلة، وأمكن ذلك من دون سراية إلى غير الواجب، قال أبو داود (١): قلت لأحمد: كيف في السن؟ قال: تبرد. أي يبرد من سن الجاني بقدر ما كسر من سن المجني عليه. وقال بعضهم: الحديث محمول على القلع، وأنه أراد (أ) بقوله: كسرت. قلعت، وهو بعيد. وقد قام الإجماع أنه لا قصاص في العظم الذي يخاف منه ذهاب النفس، [أو] (ب) لم تتأت فيه المماثلة بألا يوقف على قدر الذاهب، وقال الشافعي والليث والحنفية: لا قصاص في العظم غير السن، لأن دون العظم حائل من جلد ولحم وعصب، [يتعذر] (جـ) معه المماثلة، فلو أمكنت لحكمنا بالقصاص، ولكن لا يصل إلى العظم حتى ينال ما دونه مما لا يعرف قدره. وقال الطحاوي (٢): اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس، فيلحق به سائر العظام. وتعقب بأنه قياس مخالف للنص، فإن في هذا الحديث كسر الثنية، وأمر بالقصاص. وقوله: أتكسر ثنية الربيع. قد يؤول هذا الإنكار بأنه لم يرد به الرد للحكم والمعارضة، وإنما أراد به أن يؤكد النبي ﷺ طلب الشفاعة منهم، وأكد طلبه من النبي ﷺ بالقسم. وقيل: إن ذلك قبل أن يعلم أن القصاص

стр. 3364

حتم، وأنه مخير بينه وبين الدية أو العفو. وقيل: إنه لم يرد الإنكار، وإنما قاله توقعًا ورجاء من فضل الله أن يلهم الخصوم الرضا؛ حتى يعفوا أو يقبلوا الأرش، وقد وقع الأمر على ما أراد، فألهمهم العفو. وفي الحلف دلالة على أنه يجوز الحلف فيما يظن وقوعه. وقوله (أ): "كتاب الله القصاص". المشهور الرفع على أنه مبتدأ وخبر، ويجوز النصب على المصدر والفعل محذوف أي كتب كتاب الله، والقصاص مفعول به لكتاب أو للفعل المقدر أو على الإغراء، والقصاص بدل من كتاب، أو منصوب بفعل محذوف، أو القصاص مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والمعنى في ذلك: حكم كتاب الله القصاص، فهو على تقدير حذف مضاف، وقيل: المراد بالكتاب الحكم. أي: حكم الله القصاص. وقيل: أشار إلى قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١). وقيل: إلى قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٢). وقيل: إلى قوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (١). وقوله: "إن من عباد الله" إلخ. هذا تعجب منه ﷺ بوقوع مثل هذه؛ من حلف أنس على نفي فعل الغير مع إصرار الغير على إيقاع ذلك الفعل، وكأن قضية (ب) ذلك أن العادة أن يحنث في يمينه، فألهم الله الغير العفو، فبرَّ

стр. 3365

قسم أنس، وأن هذا الاتفاق وقع إكراما من الله لأنس ليبرَّ يمينه، وأنه من جملة عباد الله الذين يجيب دعاءهم، ويعطيهم مآربهم (أ). وفيه جواز الثناء على من وقع له ذلك عند أمن الفتنة عليه، والله أعلم. ٩٧٢ - وعن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل في عِمِّيَّا أو رِمِّيَّا، بحجر، أو سوط، أو عصا، فعقله عقل الخطأ، ومن قتل عمدا فهو قود، ومن حال دونه فعليه لعنة الله". أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد قوي (١). الحديث أخرجهُ (ب). قوله: "عِمِّيَّا" بكسر العين المهملة وتشديد اليم والقصر فِعِّيلَى من العمى، كالرِّمِّيَّا من الرَّمْي، والخِصِّيصى مِن [التَّخْصِيص] (جـ)، وهي مصادر، والمراد أن يوجد بينهم قتيل فيعمى أمره، ولا يتبين قاتله، وقد استعمل العمياء في معنى غير جهالة، كما في قوله ﷺ : "ينزو الشيطان بين الناس فيكون دمًا في عمياء في غير ضغينة" (٢). أي: في غير جهالة، من غير حقد وعداوة.
следующие страницы →