وقوله: كسرت ثنية جارية. في البخاري في كتاب [الديات] (أ): لطمت جارية فكسرت ثنيتها. وفي رواية الفزاري (١): جارية من الأنصار. وفي رواية معتمر (٢): امرأة بدل جارية. وهو [يبين] (ب) أن المراد بالجارية المرأة الشابة، لا المرأة الرقيقة. ووقع في البخاري (٣) في كتاب [الديات] (أ) أيضًا بلفظ: وجرحت [أخت] (جـ) الربيع إنسانا (د). قال أبو ذر (٤): كذا وقع، والصواب الربيع بنت النضر. وكذا قال الكرماني (٥)، ثم قال: إلا أن يقال: هذه امرأة أخرى، لكن لم ينقل عن أحد. كذا قال. وقد ذكر جماعة أنهما [قصتان] (هـ)، وكذا وقع في مسلم (٦) أن أخت الربيع أم حارثة، وأنها قالت أم الربيع: يا رسول الله، أيقتص من فلانة؟ الحديث. وجزم ابن حزم (٧) بأنهما [قصتان] (و) صحيحتان وقعتا لامرأة واحدة؛ إحداهما أنها جرحت إنسانا
стр. 3362
فقضى عليها بالضمان، والأخرى أنها كسرت ثنية جارية فقضى عليها بالقصاص، وحلفت أمها في الأولى، وأخوها في الثانية. وقال البيهقي (١) بعد أن أورد الروايتين: ظاهر الخبر يدل على أنهما [قصتان] (أ). قال المصنف ﵀ (٢): في [القصتين] (ب) مغايرات؛ منها: هل الجانية الربيع أو أختها؟ وهل الجناية كسر الثنية أو الجراحة؟ وهل الحالف أم الربيع أو أخوها أنس؟
وقوله: فطلبوا. أي أهل الجانية، إليهم، أي أهل المجني عليها، [العفو] (جـ) فأبوا، أي أهل المجني عليها - العفو بغير أرش، فعرضوا الأرش، فأبوا. زاد البخاري في باب الصلح لفظ: إلا القصاص (٣).
وقوله: فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص. فيه دلالة على الاقتصاص في العظم، فأما السن بكمالها ففي ذلك نص قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (٤). وإن كان ذلك [حكاية] (د) عن المكتوب في التوراة، فشرع من قبلنا يلزمنا إذا ورد على لسان نبينا ﷺ من غير إنكار له، كما هو المختار. وقد قام الإجماع على قلع السن بالسن في العمد، وأما الكسر فهذا الحديث
стр. 3363
دليل عليه إذا عرفت المماثلة، وأمكن ذلك من دون سراية إلى غير الواجب، قال أبو داود (١): قلت لأحمد: كيف في السن؟ قال: تبرد. أي يبرد من سن الجاني بقدر ما كسر من سن المجني عليه. وقال بعضهم: الحديث محمول على القلع، وأنه أراد (أ) بقوله: كسرت. قلعت، وهو بعيد.
وقد قام الإجماع أنه لا قصاص في العظم الذي يخاف منه ذهاب النفس، [أو] (ب) لم تتأت فيه المماثلة بألا يوقف على قدر الذاهب، وقال الشافعي والليث والحنفية: لا قصاص في العظم غير السن، لأن دون العظم حائل من جلد ولحم وعصب، [يتعذر] (جـ) معه المماثلة، فلو أمكنت لحكمنا بالقصاص، ولكن لا يصل إلى العظم حتى ينال ما دونه مما لا يعرف قدره.
وقال الطحاوي (٢): اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس، فيلحق به سائر العظام. وتعقب بأنه قياس مخالف للنص، فإن في هذا الحديث كسر الثنية، وأمر بالقصاص.
وقوله: أتكسر ثنية الربيع. قد يؤول هذا الإنكار بأنه لم يرد به الرد للحكم والمعارضة، وإنما أراد به أن يؤكد النبي ﷺ طلب الشفاعة منهم، وأكد طلبه من النبي ﷺ بالقسم. وقيل: إن ذلك قبل أن يعلم أن القصاص
стр. 3364
حتم، وأنه مخير بينه وبين الدية أو العفو. وقيل: إنه لم يرد الإنكار، وإنما قاله توقعًا ورجاء من فضل الله أن يلهم الخصوم الرضا؛ حتى يعفوا أو يقبلوا الأرش، وقد وقع الأمر على ما أراد، فألهمهم العفو. وفي الحلف دلالة على أنه يجوز الحلف فيما يظن وقوعه.
وقوله (أ): "كتاب الله القصاص". المشهور الرفع على أنه مبتدأ وخبر، ويجوز النصب على المصدر والفعل محذوف أي كتب كتاب الله، والقصاص مفعول به لكتاب أو للفعل المقدر أو على الإغراء، والقصاص بدل من كتاب، أو منصوب بفعل محذوف، أو القصاص مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والمعنى في ذلك: حكم كتاب الله القصاص، فهو على تقدير حذف مضاف، وقيل: المراد بالكتاب الحكم. أي: حكم الله القصاص. وقيل: أشار إلى قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١). وقيل: إلى قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٢). وقيل: إلى قوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (١).
وقوله: "إن من عباد الله" إلخ. هذا تعجب منه ﷺ بوقوع مثل هذه؛ من حلف أنس على نفي فعل الغير مع إصرار الغير على إيقاع ذلك الفعل، وكأن قضية (ب) ذلك أن العادة أن يحنث في يمينه، فألهم الله الغير العفو، فبرَّ
стр. 3365
قسم أنس، وأن هذا الاتفاق وقع إكراما من الله لأنس ليبرَّ يمينه، وأنه من جملة عباد الله الذين يجيب دعاءهم، ويعطيهم مآربهم (أ).
وفيه جواز الثناء على من وقع له ذلك عند أمن الفتنة عليه، والله أعلم.
٩٧٢ - وعن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل في عِمِّيَّا أو رِمِّيَّا، بحجر، أو سوط، أو عصا، فعقله عقل الخطأ، ومن قتل عمدا فهو قود، ومن حال دونه فعليه لعنة الله". أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد قوي (١).
الحديث أخرجهُ (ب).
قوله: "عِمِّيَّا" بكسر العين المهملة وتشديد اليم والقصر فِعِّيلَى من العمى، كالرِّمِّيَّا من الرَّمْي، والخِصِّيصى مِن [التَّخْصِيص] (جـ)، وهي مصادر، والمراد أن يوجد بينهم قتيل فيعمى أمره، ولا يتبين قاتله، وقد استعمل العمياء في معنى غير جهالة، كما في قوله ﷺ : "ينزو الشيطان بين الناس فيكون دمًا في عمياء في غير ضغينة" (٢). أي: في غير جهالة، من غير حقد وعداوة.
стр. 3366
الحديث فيه دلالة على أن من لم يعرف قاتله، أنه يجب فيه الدية، وتكون على العاقلة، وظاهره من دون أيمان القسامة، وهو قريب من مذهب الناصر، إلا أن الناصر يقول: الدية تكون في بيت المال. واحتج بما روي عن عمر (١) ﵁، أنه قتل رجل في الطواف، ولم يعرف قاتله، فاستشار عمر الصحابة، وكان فيهم علي ﵁، فأشار بأن ديته تكون في بيت المال. إلا أنه يحتمل أن يكون ذلك لكونهم غير محصورين، وروي مسدد في "مسنده" (٢) من طريق يزيد بن مذكور أن رجلًا زحم يوم الجمعة فمات، فوداه علي من بيت المال. قال ابن بطال (٣): قد اختلف في ذلك على عمر وعلي (٤): هل تجب ديته في بيت المال [أو لا؟ وبه] (أ) قال إسحاق. أي قال بالوجوب؛ وتوجيهه من حيث المعنى؛ أنه مسلم مات بفعل قوم من المسلمين، فوجبت ديته في بيت مال السلمين، ويحتج له بما ورد في قصة اليمان والد حذيفة أنه قتله بعض المسلمين، وهو يظن أنه من المشركين، فوداه رسول الله ﷺ (٥). ورجاله ثقات.
стр. 3367
وذهب الحسن البصري إلى أن ديته تجب على جميع من حضر؛ وذلك لأنه مات بفعلهم، فلا يتعداهم إلى غيرهم، وقد يحتج له بما وقع في لفظ البخاري (١) أنه قال حذيفة: غفر الله لكم. يعني: أن ضمانه قد لزم الحاضرين بقوله: غفر الله لكم. في معنى: عفوت عنكم. والعفو إنما هو عن شيء قد استحق. ولا حجة في ذلك. وقول للشافعي أنه يقال لوليه: ادَّع على من شئت واحلف. فإن حلف استحق الدية، وإن نكل حلف المدعى عليه على النفي، وسقطت المطالبة، وتوجيهه أن الدم لا يجب إلا بالطلب، وقال مالك: إنه يهدر. وتوجيهه أنه إذا لم يعلم قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد. وذهبت الهدوية إلى أن الحاضرين الذين وقع بينهم القتل إن كانوا منحصرين لزمت القسامة، وجرى فيه حكمها من الأيمان والدية، وإن كانوا غير منحصرين كانت الدية في بيت المال، وهو أخذ من القولين الأولين بطرف من كل قول.
وقوله: "أو رميا بحجر" إلى آخره. تقدم الكلام في ذلك، وهو حجة أيضًا لمن يثبت شبه العمد.
وقوله: "ومن قتل عمدا فهو قود". يدل على أن موجب القتل العمد هو القود عينًا، وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة وأصحابه، ورواية ابن القاسم عن مالك وزيد بن علي والداعي والطبري وأحد قولي الشافعي ورواية عن أحمد، واحتجوا بما تقدم من حديث الربيع (٢) حيث قال: "كتاب الله
стр. 3368
القصاص". وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ (١). قالوا: فالواجب هو القصاص، وأما الدية فإنها لا تجب إلا إذا رضي الجاني، ولا يجبر الجاني على تسليم الدية، وذهب الهدوية والناصر وقول للشافعي ولأحمد ولمالك، وهو مذهب أبي ثور وداود وأكثر فقهاء المدينة من أصحاب مالك وغيرهم، ورواية أشهب عن مالك إلى أن موجب القتل أحد الأمرين؛ إما القصاص، وإما الدية، قالوا: لقوله ﷺ : "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين؛ إما أن يقيد، وإما أن يدي" (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). قال الأولون: معنى: "بخير النظرين": أن ولي المقتول مخير بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدية. ويجاب بأن التقييد خلاف الظاهر، ويجاب عنه بأنه أوجب المصير إليه الجمع بينه وبين المعارض له.
وقال في "الهدي" (٣): في المسألة ثلاثة أقوال، وهي روايات عن الإمام أحمد:
أحدها: أن الواجب أحد شيئين؛ إما القصاص، أو الدية، والخيرة في ذلك إلى الولي بين أربعة أشياء: العفو مجانًا، والعفو إلى الدية، والقصاص، ولا خلاف بين تخييره بين هذه الثلاثة، والرابعة: المصالحة إلى أكثر من الدية. فيه وجهان؛ أشهرهما مذهبا جوازه. والثاني: ليس له العفو على مال إلا الدية أو دونها. وهذا أرجح دليلًا، فإن اختار الدية سقط القود، ولم يملك طلبه بعد، وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك.
стр. 3369
والقول الثاني: أن موجبه القود عينًا، وأنه ليس له أن يعفو إلى الدية إلا برضا الجاني، فإن عفا إلى الدية ولم يرض الجاني فقوده بحاله، وهذا مذهب مالك في الرواية الأخرى وأبي حنيفة.
والقول الثالث: أن موجبه القود عينًا مع التخيير بينه وبين الدية، وإن لم يرض الجاني، فإذا عفا عن القصاص إلى الدية فرضي الجاني فلا إشكال، وإن لم يرض فله العود إلى القصاص، فإن عفا عن القود مطلقًا؛ فإن قلنا: الواجب أحد شيئين. فله الدية، وإن قلنا: الواجب القصاص عينًا. سقط حقه منها، فإن قيل: فما تقولون لو مات القاتل؟ قيل: في ذلك قولان؛ أحدهما: تسقط الدية. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن الواجب عندهم القصاص عينًا، وقد زال محل استيفائه بفعل الله تعالى، فأشبه ما لو مات العبد الجاني، فإن أرش الجناية لا ينتقل إلى ذمة السيد (أ)، وهذا بخلاف تلف الرهن و [موت] (ب) الضامن؛ حيث لا يتلف الحق لثبوته في ذمةِ الراهن والمضمون عنه، فلم يسقط بتلف الوثيقة.
وقال الشافعي وأحمد: تتعين الدية في تركته؛ لأنه تعذر استيفاء القصاص من غير إسقاط، فوجا الدية لئلا يذهب حق الورثة من الدم والدية مجانًا، ولو اختار القصاص، ثم رجع إلى الدية والعفو عنه، ففيه وجهان؛ أحدهما: له ذلك؛ لأنه انتقال من أعلى إلى أدنى. وثانيهما: ليس له ذلك؛ لأنه لما اختار القصاص أسقط حقه من الدية، فليس له الرجوع إليها. وهذا الحديث -يعني: "فهو بخير النظرين"- لا يعارض قوله ﷺ :
стр. 3370
"من قتل عمدًا فهو قود". لأن هذا يدل على ثبوت القود بالقتل العمد، وذلك يدل على أن الخيرة له بين استيفائه هذا الواجب، وبين بدله، وهو الدية فلا تعارض. انتهى.
٩٧٣ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر، يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك". رواه الدارقطني موصولًا ومرسلًا، صححه ابن القطان، ورجاله ثقات، إلا أن البيهقي [رجح المرسل] (١) (أ).
الحديث من رواية سفيان الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، قال البيهقي (٢) ﵀: هذا غير محفوظ. وقد قيل: عن إسماعيل عن سعيد بن المسيب مرفوعًا. والصواب عن سفيان عن إسماعيل بن أمية، قال: قضى رسول الله ﷺ في رجل أمسك رجلًا وقتله الآخر، قال: "يقتل القاتل ويحبس الممسك". وعن سفيان عن جابر عن عامر عن علي ﵁ أنه قضى بذلك. وكذلك رواه ابن المبارك عن معمر عن إسماعيل بن أمية، يرفعه قال: "اقتلوا القاتل واصبروا الصابر". يعني: احبسوا الذي حبسه.
الحديث فيه دلالة على أنه لا قتل على الممسك، والقود يلزم القاتل،
стр. 3371
ويلزم الممسك الحبس، وقد ذهب إلى هذا العترة والحنفية والشافعية، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى﴾ (١). وذهب مالك والنخعي وابن أبي ليلى إلى أنهما يقتلان جميعًا؛ إذ هما مشتركان في قتله، لأنه لولا الإمساك لما انقتل. وأجيب بأن النص منع الإلحاق، وأيضًا فإن حكم ذلك حكم الحافر للبئر والمردي إليها، فإن الضماق على المردي دون الحافر اتفاقًا، وذهب ربيعة إلى أنه يحبس الممسك حتى يموت. ومثله ذكر الأمير الحسين في "الشفا"، قال: لفعل علي ﵁. وظاهر هذا الخلاف أن ذلك واجب في ضمانه، وأجيب عنه بأن فعل علي ﵁ إنما فعله للتأديب والتعزير، فعرض موته في أثناء الحال، وليس حبسه مقصودًا إلى أن يموت. والجمهور يحملون الحديث في حبس الصابر أنه يحبس تأديبًا، وهو موكول إلى نظر الإمام من غير تحديد، وهو خلاف ظاهر الحديث؛ فإن قوله: "يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك". من غير بيان، يَقْضي بما ذكره ربيعة، والتقييد زيادة بغير دليل. والله أعلم.
٩٧٤ - وعن عبد الرحمن بن البيلماني أن النبي ﷺ قتل مسلمًا بمعاهد، وقال: "أنا أولى من وفى بذمته". أخرجه عبد الرزاق هكذا مرسلًا، ووصله الدارقطني بذكر ابن عمر فيه، وإسناد الوصول واه (٢).
تقدم الكلام في الحديث قريبًا (٣).
стр. 3372
٩٧٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قتل غلام غيلة؛ فقال عمر ﵁: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به. أخرجه البخاري (١).
الأثر أخرجه البخاري بأصح إسناد، ولم يصرح فيه بعدد القاتلين، وقد أخرجه ابن أبي شيبة (٢) من وجه آخر (أ) أن عمر ﵁ قتل سبعة من أهل صنعاء برجل. إلخ. و [أخرجه] (ب) "الموطأ" (٣) بسند آخر عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، أن عمر ﵁ قتل خمسة أو ستة برجل قتلوه غيلة، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعًا. وتمالأ بهمزة بعد اللام، أي توافق. وأخرجه قاسم بن أصبغ والطحاوي والبيهقي (٤) عن ابن وهب، قال: حدثني جرير بن حازم أن المغيرة بن حكيم الصنعاني حدثه عن أبيه، أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها، وترك في حجرها ابنًا له من غيرها غلامًا، يقال له: أصيل. فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلًا، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله. فأبى، فامتنعت منه فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام الرجل ورجل آخر، والمرأة وخادمها، فقتلوه، ثم قطعوه
стр. 3373
أعضاء، وجعلوه في عيبة -بفتح المهملة وسكون التحتانية ثم موحدة مفتوحة، وهي وعاء من أدم- وطرحوه في ركية -بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد التحتانية، وهي البئر التي لم تطو- في ناحية القرية، ليس فيها ماء. [فذكر] (أ) القصة وفيه: فأخذ خليلها فاعترف، ثم اعترف الباقون فكتب يعلى -وهو يومئذ أمير- بشأنهم إلى عمر ﵁، فكتب عمر، فقتلهم جميعًا، وقال: والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلتهم أجمعين. وأخرجه أبو الشيخ في كتاب "الترهيب" (١) من وجه آخر.
وفي "فوائد أبي الحسن بن رَزْقويه" (٢) بسند جيد إلى أبي المهاجر عبد الله بن عميرة من بني قيس بن ثعلبة قال: كان رجل يسابق الناس كل سنة بأيام، فلما قدم وجد مع وليدته سبعة رجال يشربون، فأخذوه فقتلوه. فذكر القصة في اعترافهم وكتاب الأمير إلى عمر وفي جوابه: أن اضرب أعناقهم، واقتلها معهم، فلو أن أهل صنعاء اشتركوا في دمه لقتلتهم. وهذه القصة غير الأولى، وسنده جيد.
وقوله: غِيلة. بكسر الغين المعجمة؛ أي سرًّا. والأثر فيه دلالة على أنه تقتل الجماعة بالواحد، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من فقهاء الأمصار، وهو مروي عن علي وعمر وابن عباس وابن عمر (٣) وغيرهم، ويحتج لذلك بما
стр. 3374
روي عن عمر من الأثر المذكور، وما أخرجه البخاري (١) عن علي ﵁ في رجلين شهدا على رجل بالسرقة، فقطعه علي ﵁، ثم أتياه بآخَر، فقالا: هذا الذي سرق، وأخطأنا على الأول. فلم يجز شهادتهما على الآخَر، وأغرمهما دية الأول، وقال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما. ولا فرق بين القصاص في الأطراف والنفس. وذهب الناصر والباقر والصادق وابن سيرين والإمامية، وروي في "البحر" ورواية عن مالك إلى أنه يختار الورثة واحدًا من الجماعة، ورواية عن مالك: يقرع بينهم؛ فمن خرجت عليه القرعة قتل، ويلزم الباقون الحصة من الدية. قالوا: لأن الكفاية معتبرة، ولا تقتل الجماعة بالواحد كما أن الحر لا يقتل بالعبد.
وأجاب في "البحر" عليهم، بأنهم لم يقتلوا لصفة زائدة في المقتول، بل لكون كل منهم قاتلا.
وذهب ربيعة وداود، وهو قول ابن الزبير والزهري، وروي عن جابر، إلى أنه لا قصاص على الجماعة، بل الدية رعاية للمماثلة، ولا وجه لتخصيص أحدهم.
وأجاب في "البحر" بأن هذا القول مخالف للإجماع، والأولى الجواب بأن حكم عمر في عصر الصحابة، ولا مخالف له، فصار إجماعًا.
وقال في "نهاية المجتهد" (٢): عمدة من قتل بالواحد الجماعة النظر إلى
стр. 3375
المصلحة، فإنه مفهوم أن القتل إنما شرع [ليقي] (أ) القتل كما نبه عليه الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١). وإذا كان ذلك كذلك، فلو لم يقتل الجماعة بواحد لتذرع الناس إلى القتل بأن يتعمدوا بالجماعة، لكن للمعترض أن يقول: إن هذا إنما كان يلزم لو لم يقتل من الجماعة، فأما إن قتل منهم واحد، وهو الذي يظن إتلافه غالبا على الظن، فليس يلزم أن يبطل الحد، حتى يكون سببًا للتسلط على إذهاب النفوس، وعمدة من قتل الواحد بالواحد قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾. وأما قطع الجماعة بالواحد وكذا سائر الجروح، فذهب إليه الجمهور، وقال به مالك والشافعي، وقد تقدم الرواية عن علي ﵁، وقالت الحنفية: ذلك خاص بالنفس.
٩٧٦ - وعن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله ﷺ : "فمن قتل له قتيل بعد مقالتي هذه، فأهله بين خيرتين؛ إما أن يأخذوا العقل، أو يقتلوا". أخرجه أبو داود والنسائي (٢)، وأصله في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة بمعناه (٣).
стр. 3376
أبو شريح اسمه خويلد بن عمرو الكعبي الخزاعي؛ وقيل: اسمه عمرو بن خويلد. وقيل: كعب بن عمرو. وقيل: هانئ بن عمرو. والأول أصح وأكثر، أسلم قبل الفتح، مات بالمدينة سنة ثمان وستين، وروى عنه نافع بن جبير وسفيان بن أبي العوجاء وعطاء بن يزيد الليثي، وهو مشهور بكنيته، عداده في أهل الحجاز، وشريح بضم الشين المعجمة والحاء المهملة (١).
الحديث قاله النبي ﷺ عام الفتح في اليوم الثاني لما قتلت خزاعة رجلا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية، اسم القاتل خراش بن أمية واسم المقتول ابن الأثوع بالثاء المثلثة والعين المهملة، قال النبي ﷺ في أثناء كلامه: "ثم إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل، وإني عاقله". ثم قال: "فمن قتل له ... " الحديث. وقد جاء في رواية لأبي داود وابن ماجه وعلقه الترمذي من وجه آخر (٢) عن أبي شريح بلفظ: "فإنه يختار إحدى ثلاث؛ إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه". أي إن أراد زيادة على القصاص أو الدية.
وقوله: "فأهله بين خيرتين". دليل على أن الخيار إلى ورثة المقتول، وقد تقدم الخلاف في ذلك.
стр. 3377
باب الديات
الديات بتخفيف التحتانية: جمع دية، كعدات جمع عدة، وأصلها وِدْية مصدر ودى القتيل يديه، إذا أعطى وليه ديته، ويسمى ما يعطى ورثة القتيل دية؛ تسمية بالمصدر، وفاء الكلمة محذوف معوض عنه تاء التأنيث، والأمر منه على حرف واحد، تقول: دِ القتيل، بدال مكسورة، وإذا وقفت ألحقت به هاء السكت، والدية أعم مما لا قصاص فيه وفيما فيه القصاص، ولو كان القصاص هو الأصل كما في العمد عند البعض.
٩٧٧ - وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن جده، أَن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن. فذكر الحديث وفيه: "إن من اعتبط مؤمنا قتلًا عن بينة فإنه قود، إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وإن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار". أخرجه أبو داود في "المراسيل"، والنسائي، وابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبان،
стр. 3378
واختلفوا في صحته (١).
أبو بكر اسمه كنيته، ولي القضاء بالمدينة لعمر بن عبد العزيز، حدث عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن وعمر بن عبد العزيز، وروى عنه ابنه محمد وعبد الله ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم (٢).
الحديث أخرجه أبو داود في "المراسيل" عن ابن شهاب، قال: قرأت في كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم. ورواه النسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي (٣) موصولًا مطولًا من حديث الحكَم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود حدثني الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، وفرقه الدارمي (٤) في "مسنده" عن الحكم مقطعًا. وقد اختلف أهل الحديث في صحة هذا الحديث؛ فقال أبو داود في "المراسيل" (٥): قد أُسند هذا الحديث ولا يصح، والذي في إسناده سليمان بن داود وهم، إنما هو سليمان بن أرقم. وقال في موضع آخر (٦): لا أحدث
стр. 3379
به، وقد وهم الحكم في قوله: سليمان بن داود. وقد حدثني محمد بن الوليد الدمشقي، أنه قرأ في أصل يحيى بن حمزة: سليمان بن أرقم. وهكذا قال أبو زرعة الدمشقي (١): أنه الصواب، وتبعه صالح بن محمد جزرة وأبو الحسن الهروي وغيرهما (٢). وقال ابن حزم (٣): صحيفة عمرو بن حزم منقطعة، لا تقوم بها حجة، وسليمان بن داود متفق على تركه (٤). وقال عبد الحق (٥): سليمان بن داود هو الذي يروي هذه النسخة عن الزهري ضعيف، ويقال: إنه سليمان بن أرقم. وتعقبه ابن عدي (٦)، فقال: هذا خطأ، إنما هو سليمان بن داود، وقد جوَّد الحكم بن موسى. وقال أبو زرعة (٧): عرضت على أحمد، فقال: سليمان بن داود [هذا ليس بشيء. وقال ابن حبان: سليمان بن داود] (٥) اليمامي ضعيف، وسليمان بن داود الخولاني ثقة (٨)، وكلاهما يروي عن الزهري، والذي روى حديث الصدقات هو الخولاني، فمن ضعفه فإنما ظن أن الراوي هو اليمامي.
стр. 3380
وصححه الحاكم وابن حبان والبيهقي (١)، ونقل عن أحمد أنه قال (٢): أرجو أن يكون صحيحًا. قال: وقد أثنى على سليمان بن داود الخولاني هذا أبو زرعة وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ. قال الحاكم (٣): وحدثني أبو أحمد الحسين بن علي عن ابن أبي حاتم عن أبيه أنه سئل عن حديث عمرو بن حزم، فقال: سليمان بن داود عندنا ممن لا بأس به. وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة لا من حيث الإسناد بل من حيث الشهرة؛ فقال الشافعي في "رسالته" (٤): لم يقبلوا هذا الحديث حتى يثبت (أ) عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ . وقال ابن عبد البر (٥): هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقِّي الناس له بالقبول والمعرفة. قال: ويدل على شهرته ما روى ابن وهب عن مالك عن الليث بن [سعد] (ب) عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله ﷺ . وقال العقيلي (٦): هذا حديث
стр. 3381
ثابت محفوظ، إلا أنَّا نرى أنه كتاب غير مسموخ عمن فوق الزهري. وقال يعقوب بن سفيان (١): لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه ويدَعون رأيهم. وقال الحاكم (٢): قد شهد عمر بن عبد العزيز وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب. ثم ساق ذلك بسنده إليهما، وقد وصله نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن جده (٣)، وجده محمد بن عمرو بن حزم ولد في عهد النبي ﷺ ، ولكن لم يسمع منه (٤)، وكذا أخرجه عبد الرزاق (٥) عن معمر من طريقه.
قوله: كتب النبي ﷺ إلى أهل اليمن. ذكر فيه الفرائض والسنن والديات.
وقوله: "اعتبط". هو بالعين المهملة والطاء المهملة افتعل، من عبط الناقة، إذا ذبحها من غير مرض ولا داء، ومات عَبْطةً: أي صحيحًا شابًّا من غير هرم، قال أمية (٦):
مَن لم يمُتْ عَبْطةً يَمُتْ ... هَرَمًا للموت كأس والمرء ذائقها
واعتبط كعبط، قال تأبط شرا (٧):
стр. 3382
ومَن لم يُعْتبَطْ يسأمْ ويَهْرَمْ ... وتُسلمه المَنونُ إلى انْقِطاعِ
والمراد في الحديث أن يقتله بلا جناية كانت منه، ولا جريرة توجب قتله، فإن القاتل يقاد به. وكذا قوله ﷺ : "من قتل مؤمنًا فاعتبط (أ) بقتله، لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا" (١). قال الخطابي في "معالم السنن" (٢): [معنى] (ب): اعتبط بقتله، أي قتله ظلمًا لا عن قصاص. وذكر نحو هذا، إلا أنه قال أبو داود (٣) في آخر الحديث: قال خالد بن دهقان راوي الحديث: سألت يحيى بن يحيى الغساني عن قوله: "اعتبط (أ) بقتله". فقال: الذي يقاتل في الفتنة، فيرى أنه على هدى لا يستغفر الله منه. وهذا التفسير يدل على أنه من الغبطة بالمعجمة، وهي الفرح والسرور وحسن الحال؛ لأن القاتل يفرح بقتل خصمه، وإذا كان المقتول مؤمنًا وفرح بقتله دخل في هذا الوعيد.
وقوله: "وإن في النفس الدية مائة من الإبل". فيه دلالة على أن الإبل هي الواجبة في الدية، وقد روى ابن قتيبة (٤) أن أول من قضى بأنها مائة من الإبل أبو سيارة، وقيل: عبد المطلب. وجاءت الشريعة مقررة، وقد ذهب إلى هذا القاسم والشافعي، قالوا: وبقية الأصناف كانت مصالحة لا تقديرًا شرعيًّا. إلا أن في آخر هذا الحديث: "وعلى أهل
стр. 3383
الذهب ألف مثقال (أ) ". وظاهره أنه أصالة، وإن كان يحتمل أنهم لما عدموا الإبل، وجب عليهم الذهب عوضًا عن الإبل، وكان قيمة المائة في ذلك العصر ألف مثقال. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن عمر حين استخلف قام خطيبًا وقال: إن الإبل قد غلت. ففرضها على أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى (ب أهل الذهب ألف دينار ب)، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة (١). وأخرج أبو داود والنسائي (٢)، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ كان يُقَوِّم دية الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار، أو عدلها من الورق، ويقومها على أثمان الإبل؛ إذا غلت رفع في قيمتها، وإذا (جـ هاجت ورخصت جـ) نقص من قيمتها، وبلغت على عهد رسول الله ﷺ ما بين أربعمائة إلى ثمانمائة، وعدلها من الورق ثمانية آلاف درهم. قال: وقضى على أهل البقر بمائتي بقرة، ومن كان دية عقله في شاء فألفي شاة. فعلى قول الشافعي لا يؤخذ إلا قيمة الإبل، وهذا قوله بمصر. وذهب مالك -وقول الشافعي في العراق ورواه في "البحر" عن أبي حنيفة- أنها تكون على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم. وأخرج أبو داود (٣) عن ابن عباس، أن رجلًا من بني عدي قتل، فجعل
стр. 3384
رسول الله ﷺ ديته اثني عشر ألفا. وفي رواية النسائي (١) أن رجلًا قتل رجلًا على عهد رسول الله ﷺ ، فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفًا. وفي رواية الترمذي (٢) أن النبي ﷺ جعل الدية اثني عشر ألفًا. وفي أخرى عن عكرمة، ولم يذكر ابن عباس، وسيأتي ذلك في حديث ابن عباس. وعند أهل العراق من الورق عشرة آلاف درهم، وذلك لقول عمر (٣): هي على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألفا. وأهل العراق قالوا: إن عمر قوّم الدينار بعشرة دراهم. وأجمعوا على تقويم المثقال بها في الزكاة. وذهب الهادي والمؤيد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن والفقهاء السبعة المدنيون، أنها على أهل الشاء ألفا (أ) شاة، وعلى أهل البقر مائتا بقرة، وعلى أهل البرود مائتا (ب) حلة، وحجتهم ما روي عن عمر، ورواه أيضًا زيد بن علي، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الأجناد أن الدية كانت على عهد رسول الله ﷺ مائة بعير (٤) قال: فإن كان الذي أصابه من الأعراب فديته من الإبل، لا يكلف الأعرابي الذهب ولا الورق، فإن لم يجد الأعرابي مائة من الإبل فعدلها من الشاء ألفا (أ) شاة. وأجاب الأولون بأنه لو جاز أن تقوم بالشاء والبقر لجاز أن تقوم بالطعام على أهل الطعام، وبالخيل على أهل
стр. 3385
الخيل، وهذا لا يقول به أحد، ويجاب عنه بأن ذلك ورد به الأثر فاقتصر عليه، مع أنه أخرج أبو داود (١) عن عطاء، أن رسول الله ﷺ قضى في الدية على أهل الإبل [مائة] (أ) من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل القمح شيئًا لم يحفظه محمد بن إسحاق. وفي رواية عنه عن جابر قال: فرض رسول الله ﷺ . وذكر ما تقدم، قال: وعلى أهل الطعام شيئًا لا أحفظه. أخرجه أبو داود (٢). فهذا يدل على تيسير الأمر، وأنه لا يجحب على من عليه الدية إلا من النوع الذي يجده ويعتاد التعامل به في ناحيته، وأن تلك أصول كما ذهب إليه الهادي، فيما عدا [الخيل] (ب) والطعام.
وقوله: "وفي الأنف إذا أوعب جدعه". أي قطع جميعه، والفعل مبني للمفعول، وجدعه نائب كتاب الفاعل. والأنف مركبة من قصبة ومارن وأرنبة وروثة؛ القصبة: هي العظم المنحدر من مجتمع الحاجبين، والمارن: الغضروف الذي يجمع المنخرين، والروثة: طرف الأنف، ولهذا يقال: فلان يضرب بلسانه إلى روثة أنفه (٣). وفي "القاموس" (٤): المارن الأنف أو طرفه أو ما لان منه. والأرنبة طرف الأنف، والروثة طرف الأرنبة.
стр. 3386
والحديث يدل على أنه إذا قطعت من العظم المنحدر من مجتمع الحاجبين أن فيها الدية، وهذا مجمع عليه، وظاهره وإن لم يذهب الشم، ويلزم في كل واحد من هذه الأربعة وحده حكومة عند الهادي، وذهب الناصر والفقهاء إلى أن في المارن الدية، وفي بعضه حصته، قال الإمام المهدي في "البحر": قلت: المارن وحده لا يسمى أنفًا، وإنما الدية في الأنف. انتهى.
ويجاب عنه بأن الشافعي (١) روى عن طاوس، قال: عندنا في كتاب رسول الله ﷺ في الأنف إذا قطع مارنه مائة من الإبل. قال الشافعي: وهذا أبين من حديث آل حزم. قال في "عجالة المنهاج": والمارن ما لان من الأنف وخلا عن العظم. قاله الرافعي في "المحرر". قال: ويشتمل على ثلاث طبقات؛ الطرفين والوتيرة بينهما. وقال الماوردي: هو ما لان من الحاجز بين النخرين المتصل بقصبة الأنف. وإن الدية إنما تكمل (أ) باستيعابه مع المنخرين، في كل من طرفيه والحاجز ثلث، توزيعًا للدية على المنخرين والحاجز. وقيل: في الحاجز حكومة، [وفيهما] (ب) دية؛ لأن الجمال وكمال المنفعة فيهما دون الحاجز. وهذا ما حكي عن [النص] (جـ) وصححه البغوي. انتهى. وقد أخرجه البيهقي من حديث عمرو بن شعيب (٢)، قال: قضى
стр. 3387
النبي ﷺ إذا جدعت ثندوة الأنف بنصف العقل؛ خمسون من الإبل، أو عدلها من الذهب والورق. قال في "النهاية" (١): أراد بالثندوة هنا روثة الأنف، وهي طرفه ومقدمه.
وقوله: "وفي اللسان الدية". والمراد به إذا قطعه من أصله، أو قطع منه ما منع الكلام، وهذا مجمع عليه، وإن قطع منه ما بطل به بعض الحروف فحصته معتبرة بعدد الحروف، وقيل: بحروف اللسان فقط وهي ثمانية عشر حرفًا، لا حروف الحلق وهي ستة، ولا حروف الشفة وهي أربعة، والأول أولى؛ لأن النطق لا يتأتى إلا باللسان.
قوله: "وفي الشفتين الدية". وحد الشفتين من تحت المنخرين إلى منتهى الشدقين في عرض الوجه، وفي طوله من أعلى الذقن إلى أسفل الخدين، وهذا مجمع عليه. والجمهور أن في كل واحدة منهما نصف الدية على سواء، وذهب زيد بن ثابت (٢) إلي أن في العليا ثلثًا، وفي السفلى ثلثين من الدية؛ إذ منافعها أكثر؛ لحفظها (أ) الطعام والشراب.
قوله: "وفي الذكر الدية". إذا قطع من أصله ففيه الدية، وهذا مجمع عليه، وإن قطع الحشفة ففيها الدية عند مالك وبعض أصحاب الشافعي، واختاره الإمام المهدي لمذهب الهدوية. وعند مالك أنه يلزم في قطع الذكر
стр. 3388
دية للحشفة وحكومة لباقي الذكر. وذهب الإمام يحيى والشافعي إلى أنه لا فرق بين العنّين والسليم، والصغير والكبير، وذهب البعض إلى أن فيه ثلث الدية. والجمهور إلى أن في ذكر العنِّين والخصِيّ حكومة إلا أنه إذا كان زال منه قوة الإيلاج، وإلا لزم فيه الدية. والله سبحانه أعلم.
قوده: "وفي البيضتين الدية". وهو مجمع على ذلك، والجمهور أن في [إحداهما] (أ) نصف الدية. وروي عن سعيد بن المسيب أن في البيضة اليسرى ثلثي الدية، لأن الولد يكون منها، وفي اليمنى ثلث الدية (١). ورواه في "البحر" عن علي ﵁. وقد جاء في لفظ: "في الأنثيين الدية". وهما البيضتان، كذا في "القاموس" و"الضياء" و"الصحاح" (٢)، وذكر في " الغيث" شرح "الأزهار" أن الأنثيين هما الجلدتان المحيطتان بالبيضتين.
قوله: "وفي الصلب الدية". وهو مجمع عليه، فإن ذهب النبي مع الكسر فديتان.
قوله: "وفي العينين الدية". وهو مجمع عليه، وفي أحدهما النصف، واختلف العلماء في الأعور إذا ذهبت عينه الصحيحه (ب) بالجناية؛ فذهب
стр. 3389
الأوزاعي والنخعي والهادي والحنفية والشافعية إلى أن الواجب فيها نصف الدية، إذ لم يفصل الدليل، وهو ما في حديث عمرو بن حزم، وفي العين نصف الدية، وقياسًا على من له يد واحدة، فليس له إلا نصف الدية، وهو مجمع عليه، وذهب علي وعمر وعثمان وابن عمر والزهري ومالك والليث وأحمد وإسحاق إلى أن الواجب فيها الدية كاملة، لأنها في معنى العينين. واختلفوا أيضًا في القود منه إذا جنى على عين واحدة، فالجمهور على ثبوت القود، وذهب أحمد إلى أنه لا قود.
قوله: "وفي الرجل الواحدة نصف الدية". وحدُّ الرجل التي تجب فيها الدية من مفصل الساق، فإن قطع من الركبة لزم نصف الدية، وحكومة في الزائد.
قوله؛ "وفي المأمومة ثلث الدية". المأمومة: هي ما بلغت أم الرأس، وأم الرأس قال في "القاموس" (١): هو الدماغ أو الجلدة الرقيقة (أ) التي عليها.
قوله: "وفي الجائفة ثلث الدية". هي مأخوذة من الجوف، والجوف قال في "القاموس" (٢): هو البطن. وقال (٢): الجائفة: هي [طعنةٌ تبلغ الجوف، وكذا قال في "الضياء": الجائفة هي] (ب) الطعنة التي تبلغ الجوف أو تنفذه، ومنه الحديث: "في الجائفة ثلث الدية". وقال في "النهاية" (٣):
стр. 3390
في الجوف في قوله ﷺ : "ولا تنسوا الجوف وما وعى" (١). أي ما دخل إليه من الطعام والشراب، وقال في الجائفة (٢): هي الطعنة التي تنفذ إلى الجوف، يقال: جفته إذا أصبت جوفه، وأجفته (أ) الطعنة وجفته بها، والمراد [بالجوف] (ب) كل ما له قوة محيلة [كالبطن] (جـ) والدماغ. انتهى.
فظاهر كلام "النهاية" أن الجائفة تشمل ما كان له عمق، وإن لم تكن في البطن، وقريب منه ما ذكره الإمام المهدي في "البحر"، وهي ما وصل جوف العضو من ظهر أو صدر أو ورك أو عنق أو (د) ساق أو عضد؛ مما له جوف، ثلث الدية. قال الإمام يحيى: وإنما تكون في المجوف، وأما غير المجوف فلا؛ كلو جرح أنفه حتى وصل باطنها فحكومة. انتهى.
وقال الإمام المهدي في "الغيث": الجائفة هي من ثغرة النحر إلى المثانة، وهي ما بين السبيلين. وكلام "البحر" والإمام يحيى متأول بأن ما كان في سائر الأعضاء ففيه ثلث دية ذلك العضو، وكلام "الغيث" هو الأنسب بالحديث، فإن تعظيم الأرش إنما هو لما يخشى من الضرر، والضرر الكامل إنما هو في ذلك المحل، وكذا في الدماغ، كما قال في "النهاية"، إلا أنه مأمومة، ولكنه قد تكون الجناية في داخل الرأس من غير أن تكون مأمومة،
стр. 3391
فتكون جائفة، وأما إذا مرقت الجائفة، وخرجت من الجانب الآخر، فهي جائفتان، وفيها ثلثا الدية، وقد أخرج البيهقي (١) عن سعيد بن المسيب أن رجلا رمى رجلًا فأصابته جائفة فخرجت من الجانب الآخر، فقضى فيها أبو بكر ﵁ بثلثي الدية. والله أعلم.
وقال في "نهاية المجتهد" (٢): اتفقوا على أن الجائفة من جراح الجسد، لا من جراح الرأس، وأنها لا يقاد منها، وأن فيها ثلث الدية، وأنها جائفة متى وقعت في الظهر والبطن، واختلفوا إذا وقعت في غير ذلك من الأعضاء فنفذت إلى تجويفه؛ فحكى مالك (٣) عن سعيد بن المسيب أن في كل جراحة نافذة إلى تجويف عضو من الأعضاء -أي عضو كان- ثلث دية ذلك العضو. وحكى عن ابن شهاب أنه كان [لا] (أ) يرى ذلك، وهو الذي اختاره مالك؛ لأن القياس عنده في هذا لا يسوغ، وإنما [سنده] (ب) في ذلك الاجتهاد من غير توقيف. وأما سعيد فإنه قاس ذلك على الجائفة؛ على نحو ما روي عن عمر ﵁ في موضحة الجسد. انتهى.
قوله: "وفي المنقلة خمس عشرة". وهي التي تخرج منها صغار العظام وتنتقل في أماكنها، وقيل: التي تنقل العظم، أي: تكسره. كذا في "النهاية" (٤)، وفي "القاموس" (٥): الشجة التي تَنَقَّل منها فراش العظام، وهي
стр. 3392
قشور تكون على العظم دون اللحم. وقال الإمام المهدي في "البحر": وهي ما تُنَقِّل (أ) عظمًا في (ب) الرأس. فكلام الإمام المهدي أخص مما ذكر في "النهاية".
قوله: "وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل".
وهذا ذهب إليه جمهور العلماء، وأن الأصابع في ذلك على سواء، وأن كل أنملة فيه ثلث العشر إلا الإبهام فالنصف، وذهب إلى هذا علي وابن مسعود وابن عباس (١)، وقد روي عن عمر ﵁، أنه قضى في الإبهام والتي تليها بعقل نصف الدية، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تليها بتسع، وفي الخنصر بست، ورجع عن ذلك (٢)، وروي عن مجاهد أنه قال: في الإبهام خمس عشرة، وفي التي تليها عشر، وفي الوسطى [عشر] (جـ)، وفي التي تليها ثمانٍ، وفي الخنصر سبع (٣).
قوله: "وفي السنن خمس". ظاهره العموم لكل سنن في مقدم الفم أو في جوانبه، وهو قول جمهور العلماء، وبه قال ابن عباس (٤)، وروى مالك (٥) عن عمر أنه قضى في الضرس بجمل. وروى عن علي وعن ابن
стр. 3393
عباس وعن عمر: في كل ثنية خمسون دينارًا، وفي الناجذ أربعون، وفي الناب ثلاثون، وفي كل ضرس خمس وعشرون. وقول للشافعي: في كل سن خمس من الإبل إلى تمام الدية، ثم لا شيء. وقال سعيد بن المسيب: في الأضراس بعيران. وأجاب الجمهور بأن قوله: "وفي السنن خمس". يشمل الثنايا وغيرها من الأسنان، وقياسًا على الأصابع في عدم المفاضلة.
قوله: "وفي الموضحة خمس". والموضحة: هي التي توضح العظم، أي تكشفه، ذهب إلى هذا العترة والحنفية والشافعية، وقال به أبو بكر وعمر وزيد بن ثابت (١)، ولم يخالفهم أحد من الصحابة. وذهب مالك إلى أنهما إن كانت في الأنف أو اللحي الأسفل فحكومة، وإلا فنصف العُشر. وذهب ابن المسيب إلى أن في الموضحة عُشر الدية. والمراد بالموضحة إذا كانت في الرأس، وحكم الوجه حكم الرأس إجماعًا؛ إذ هما كالعضو الواحد.
قوله: "وأن الرجل يقتل بالمرأة". تقدم الكلام عليه قريبًا (٢).
وقوله: "وعلى أهل الذهب" إلخ. تقدم الكلام عليه في أول هذا البحث (٣).
٩٧٨ - وعن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "دية الخطأ أخماسًا؛ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات
стр. 3394
مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بني لبون".
أخرجه الدارقطني، وأخرجه الأربعة بلفظ: "وعشرون بنو مخاض".
بدل: "بني لبون" (١).
وإسناد الأول أقوى. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢) من وجه آخر موقوفًا، وهو أصح من المرفوع.
وأخرجه أبو داود والترمذي (٣) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: "الدية ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها".
الحديث أخرجه الدارقطني بأسانيد، (أإلا أن البيهقي اعترض الدارقطني بعد أن ساق الحديث بأسانيده- وفيها أ): "بنو مخاض". بدل: "بني لبون" - وقال (٤): إنّ جعل الدارقطني بني لبون غلط منه. إلا أن البيهقي
стр. 3395
قال: إنه قد رآه في رواية محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه، وهو إمام في رواية وكيع عن سفيان وقال: "بنو لبون". فلم يكن حينئذ الغلط من الدارقطني، فلعل الخلاف فيه من فوق (١)، وقال البيهقي (٢): وفي رواية سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي مجلز عن أبي عبيدة عن ابن (أ) مسعود كذلك: "بني لبون". ورواه من حديث يحيى بن أبي زائدة عن أبيه، وغيره عن أبي إسحاق عن علقمة عن ابن مسعود: "بني مخاض".
وقوله: وإسناد الأول أقوى؛ لأن حديث أبي داود فيه خِشْف بن مالك الطائي (٣)، قال الدارقطني (٤): وهو رجل مجهول، لم يروه عنه إلا زيد بن جبير بن حرمل الجشمي، ولم يروه عن زيد إلا حجاج بن أرطاة (٥)، والحجاج مشهور بالتدليس، وبأنه يحدث عمن [لم] (ب) يلقه (جـ) ولم يسمع منه. قال (٦): ورواه جماعة من الثقات عن الحجاج واختلفوا عليه فيه. قال البيهقي (٧): وكيفما كان فالحجاج غير محتج به، وخشف مجهول، والصحيح أنه موقوف على (د) عبد الله بن مسعود، والصحيح عن عبد الله أنه
стр. 3396
جعل أحد أخماسها بني المخاض، في الأسانيد التي ذكرناها، لا (أ) كما توهمه شيخنا أبو الحسنن الدارقطني رحمنا الله وإياه.
وحديث عمرو بن شعيب في دية العمد، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "من قتل متعمدًا، دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلائون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم" (١). وذلك لتشديد العقل.
الحديث فيه دلالة على أن دية الخطأ أخماس كما ذكر، وقد ذهب إلى هذا الشافعي ومالك وجماعة من العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة، إلا أن أبا حنيفة جعل مكان "بني لبون" "بني مخاض" كما في رواية الأربعة لحديث ابن مسعود.
وذهب الحسن البصري والشعبي والهادي والمؤيد وأبو طالب إلى أن الدية أرباع في الخطأ، وفي العمد أسقط منها ابن اللبون، واحتج لذلك في "البحر" بما رواه السائب بن يزيد عن النبي ﷺ أنه قال: "دية الإنسان خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون بنات مخاض" (٢). وهذا الحديث لم أره في شيء من الأصول الستة، وهو مروي عن علي (٣) وعن عمر بن عبد العزيز. إلا أن
стр. 3397
الرواية عن علي في الخطأ فقط أخرجها البيهقي (١)، ولم يثبت في ذلك حديث مرفوع. وحديث عمرو بن شعيب أخرجه البيهقي (٢) في قتل العمد بلفظ: "من قتل عمدًا دفع إلى ولي المقتول، فإن شاء قتله، وإن شاء أخذ الدية". فذكر الحديث. وأخرجه بهذا اللفظ أبو داود والترمذي والنسائي (٣).
واعلم أنه وقع الخلاف في الدية في أسنانها (أ)، وفي أنها تكون أرباعًا أو أخماسًا أو أثلاثًا، فذهب الهادي والمؤيد وأبو ثور إلى أنها أرباع مطلقًا. كما تقدم، وذهب الشافعي ومالك إلى أن الدية تختلف باعتبار العمد وشبه العمد والخطأ، فقالوا: إنها أثلاث. كما تقدم في العمد وشبه العمد، وكذا عند الشافعي إذا وقع الخطأ في الحرم، أو قتل محرمًا من النسب، أو في الأشهر الحرم، قال: لأن الصحابة ﵃ غلَّظوا في هذه الأحوال، وإن اختلفوا في كيفية التغليظ، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة فكان إجماعًا، والمراد بالحرم حرم مكة، لا حرم المدينة، ولا تغليظ في حال الإحرام؛ لأن حرمته عارضة على الأصح، وعند مالك أن شبه العمد ما كان في قصة المدلجي كما مر (٤)، وقد ذهب إلى التغليظ (جـ) جماعة من السلف
стр. 3398
منهم عمر وعثمان وابن عباس (١) والزهري وداود وابن المسيب وعطاء وجابر بن زيد وسليمان بن يسار والنخعي وأحمد وإسحاق وغيرهم.
فائدة: وردت الأحاديث الصحيحة في عند الأشهر الحرم بالبداية برجب، وذهب الكوفيون أنه يبدأ بمحرم، وتكون الأربعة من سنة واحدة.
٩٧٩ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "وإن أعتى الناس على الله ثلاثة، من قتل في حرم الله، أو قتل غير قاتله، أو قتَل لذحْل الجاهلية". أخرجه ابن حبان في حديث صححه (٢).
وأخرج الحديث عمر بن شبة (٣) من طريق عمرو بن دينار عن الزهري عن عطاء بن يزيد قال: قتل رجل بالمزدلفة -يعني في غزوة الفتح- فذكر القصة، وذكر الحديث بلفظ: "وما أعلم أحدا أعتى على الله من ثلاثة؛ رجل قتل في الحرم" الحديث. ومن طريق [مسعر] (أ)، عن عمرو بن مرة، عن الزهري بلفظ: "إن أجرأ الناس على الله". فذكر نحوه، وقال: "وطلب بذحل (ب) الجاهلية". وأخرج البيهقي (٤) عن أبي شريح الخزاعي، أن
стр. 3399
رسول الله ﷺ قال: "أعتى الناس على الله من قتَل غير قاتله، أو طلب بدم في الجاهلية من أهل الإسلام، أو بصَّرَ عينيه ما لم يُبصر". وأخرج (١) من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: وجد في قائم سيف رسول الله ﷺ كتاب: "إن أعدى الناس على الله -وفي حديث سليمان (٢): "إن أعتى الناس على الله- القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه، ومن تولى غير مواليه فقد كفر بما أنزل الله على محمد ﷺ ".
قوله: "أعتى الناس". أفعل تفضيل. أي: زاد في العتوِّ على غيره من الناس وإن شاركوه في الأصل، والعتوُّ: التجبر والتكبر.
وقوله: "ومن قتَل في حرم الله". فيه دلالة على أن المعصية في الحرم تزيد على المعصية في غيره. وقد أخرج الثوري في "تفسيره" (٣) عن السدي عن مرة عن ابن مسعود، قال: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، إلا أن رجلًا لو همَّ بعدن أن يقتل رجلًا بالبيت الحرام إلا أذاقه الله تعالى من عذاب أليم. وهو سند صحيح، وقد ذكر شعبة أن السدي رفعه لهم، وكان شعبة يرويه موقوفًا (٤). وظاهر الحديث أن فعل الصغيرة في الحرم أشد من فعل الكبيرة في غيره، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ الآية (٥). فإن تنكير "الإلحاد" يحتمل جنس الإلحاد ولو حقر؛ إذ لا دلالة على جعل التنوين للتعطم.
وقوله: "أو قتَل غير قاتله". يعني يكون له الدم عند شخص فيقتل
стр. 3400
غيره ممن لا يكون له مشاركة في القتل.
وقوله: "أو قتَل [لذحْل] (أ) الجاهلية". الذحل بفتح الذال المعجمة وسكون الحاء المهملة، وهو الثأر، أو طلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل أو غيره، والذحل: العداوة أيضًا، والمراد هنا: هو أن يكون له دم استحقه في الجاهلية فطلبه في الإسلام. وقد فسره حديث أبي شريح. قال المهلب وغيره (١): والمراد أن هؤلاء الثلاثة أعتى أهل المعاصي، وأبغضهم إلى الله، وإلا فالشرك أبغض إلى الله من جميع المعاصي.
٩٨٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إن دية الخطأ وشبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها". أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن حبان (٢).
الحديث قال ابن القطان (٣): هو صحيح، ولا يضره الاختلاف.
وقد تقدم الكلام على ذلك.
٩٨١ - وعن ابن عباس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "هذه وهذه سواء" يعني الخنصر والإبهام. رواه البخاري (٤).