← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

جعل أحد أخماسها بني المخاض، في الأسانيد التي ذكرناها، لا (أ) كما توهمه شيخنا أبو الحسنن الدارقطني رحمنا الله وإياه. وحديث عمرو بن شعيب في دية العمد، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "من قتل متعمدًا، دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلائون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم" (١). وذلك لتشديد العقل. الحديث فيه دلالة على أن دية الخطأ أخماس كما ذكر، وقد ذهب إلى هذا الشافعي ومالك وجماعة من العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة، إلا أن أبا حنيفة جعل مكان "بني لبون" "بني مخاض" كما في رواية الأربعة لحديث ابن مسعود. وذهب الحسن البصري والشعبي والهادي والمؤيد وأبو طالب إلى أن الدية أرباع في الخطأ، وفي العمد أسقط منها ابن اللبون، واحتج لذلك في "البحر" بما رواه السائب بن يزيد عن النبي ﷺ أنه قال: "دية الإنسان خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون بنات مخاض" (٢). وهذا الحديث لم أره في شيء من الأصول الستة، وهو مروي عن علي (٣) وعن عمر بن عبد العزيز. إلا أن

стр. 3397

الرواية عن علي في الخطأ فقط أخرجها البيهقي (١)، ولم يثبت في ذلك حديث مرفوع. وحديث عمرو بن شعيب أخرجه البيهقي (٢) في قتل العمد بلفظ: "من قتل عمدًا دفع إلى ولي المقتول، فإن شاء قتله، وإن شاء أخذ الدية". فذكر الحديث. وأخرجه بهذا اللفظ أبو داود والترمذي والنسائي (٣). واعلم أنه وقع الخلاف في الدية في أسنانها (أ)، وفي أنها تكون أرباعًا أو أخماسًا أو أثلاثًا، فذهب الهادي والمؤيد وأبو ثور إلى أنها أرباع مطلقًا. كما تقدم، وذهب الشافعي ومالك إلى أن الدية تختلف باعتبار العمد وشبه العمد والخطأ، فقالوا: إنها أثلاث. كما تقدم في العمد وشبه العمد، وكذا عند الشافعي إذا وقع الخطأ في الحرم، أو قتل محرمًا من النسب، أو في الأشهر الحرم، قال: لأن الصحابة ﵃ غلَّظوا في هذه الأحوال، وإن اختلفوا في كيفية التغليظ، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة فكان إجماعًا، والمراد بالحرم حرم مكة، لا حرم المدينة، ولا تغليظ في حال الإحرام؛ لأن حرمته عارضة على الأصح، وعند مالك أن شبه العمد ما كان في قصة المدلجي كما مر (٤)، وقد ذهب إلى التغليظ (جـ) جماعة من السلف

стр. 3398

منهم عمر وعثمان وابن عباس (١) والزهري وداود وابن المسيب وعطاء وجابر بن زيد وسليمان بن يسار والنخعي وأحمد وإسحاق وغيرهم. فائدة: وردت الأحاديث الصحيحة في عند الأشهر الحرم بالبداية برجب، وذهب الكوفيون أنه يبدأ بمحرم، وتكون الأربعة من سنة واحدة. ٩٧٩ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "وإن أعتى الناس على الله ثلاثة، من قتل في حرم الله، أو قتل غير قاتله، أو قتَل لذحْل الجاهلية". أخرجه ابن حبان في حديث صححه (٢). وأخرج الحديث عمر بن شبة (٣) من طريق عمرو بن دينار عن الزهري عن عطاء بن يزيد قال: قتل رجل بالمزدلفة -يعني في غزوة الفتح- فذكر القصة، وذكر الحديث بلفظ: "وما أعلم أحدا أعتى على الله من ثلاثة؛ رجل قتل في الحرم" الحديث. ومن طريق [مسعر] (أ)، عن عمرو بن مرة، عن الزهري بلفظ: "إن أجرأ الناس على الله". فذكر نحوه، وقال: "وطلب بذحل (ب) الجاهلية". وأخرج البيهقي (٤) عن أبي شريح الخزاعي، أن

стр. 3399

رسول الله ﷺ قال: "أعتى الناس على الله من قتَل غير قاتله، أو طلب بدم في الجاهلية من أهل الإسلام، أو بصَّرَ عينيه ما لم يُبصر". وأخرج (١) من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: وجد في قائم سيف رسول الله ﷺ كتاب: "إن أعدى الناس على الله -وفي حديث سليمان (٢): "إن أعتى الناس على الله- القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه، ومن تولى غير مواليه فقد كفر بما أنزل الله على محمد ﷺ ". قوله: "أعتى الناس". أفعل تفضيل. أي: زاد في العتوِّ على غيره من الناس وإن شاركوه في الأصل، والعتوُّ: التجبر والتكبر. وقوله: "ومن قتَل في حرم الله". فيه دلالة على أن المعصية في الحرم تزيد على المعصية في غيره. وقد أخرج الثوري في "تفسيره" (٣) عن السدي عن مرة عن ابن مسعود، قال: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، إلا أن رجلًا لو همَّ بعدن أن يقتل رجلًا بالبيت الحرام إلا أذاقه الله تعالى من عذاب أليم. وهو سند صحيح، وقد ذكر شعبة أن السدي رفعه لهم، وكان شعبة يرويه موقوفًا (٤). وظاهر الحديث أن فعل الصغيرة في الحرم أشد من فعل الكبيرة في غيره، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ الآية (٥). فإن تنكير "الإلحاد" يحتمل جنس الإلحاد ولو حقر؛ إذ لا دلالة على جعل التنوين للتعطم. وقوله: "أو قتَل غير قاتله". يعني يكون له الدم عند شخص فيقتل

стр. 3400

غيره ممن لا يكون له مشاركة في القتل. وقوله: "أو قتَل [لذحْل] (أ) الجاهلية". الذحل بفتح الذال المعجمة وسكون الحاء المهملة، وهو الثأر، أو طلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل أو غيره، والذحل: العداوة أيضًا، والمراد هنا: هو أن يكون له دم استحقه في الجاهلية فطلبه في الإسلام. وقد فسره حديث أبي شريح. قال المهلب وغيره (١): والمراد أن هؤلاء الثلاثة أعتى أهل المعاصي، وأبغضهم إلى الله، وإلا فالشرك أبغض إلى الله من جميع المعاصي. ٩٨٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إن دية الخطأ وشبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها". أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن حبان (٢). الحديث قال ابن القطان (٣): هو صحيح، ولا يضره الاختلاف. وقد تقدم الكلام على ذلك. ٩٨١ - وعن ابن عباس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "هذه وهذه سواء" يعني الخنصر والإبهام. رواه البخاري (٤).

стр. 3401

ولأبي داود والترمذي (١): "الأصابع سواء، والأسنان سواء؛ الثنية والضرس سواء". ولابن حبان (٢): "دية أصابع اليدين والرجلين سواء؛ عشرة من الإبل لكل إصبع". تقدم الكلام في ذلك. ٩٨٢ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه قال: "من تطبب ولم يكن بالطب معروفا، فأصاب نفسا فما دونها فهو ضامن". أخرجه الدارقطني، وصححه الحاكم، وهو عند أبي داود والنسائي وغيرهما (٣) إلا أن من أرسله أقوى ممن وصله. قوله: "من تطبب". صيغة "تفعَّل" تستعمل لمعنى تكلف الشيء كتحكم وتشجع وتصبر؛ أي تكلف ذلك، فـ "تطبب"؛ أي تكلف الطبَّ ولم يكن عارفًا له، وهو من الطب بكسر الطاء فعل الطبيب، وبفتح الطاء الماهر العالم بالأمور بمعنى الطيب، وبضم الطاء اسم موضع، والمراد به علاج الجسم. والحديث فيه دلالة على أن مَن لم يكن له خبرة بعلاج الجسم فهو متطبب، فالطبيب من كان له شيخ معروف، ويثق من نفسه بجودة الصنعة وإحكام المصلحة، قال في "الهدي النبوي" (٤): الطبيب الحاذق هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمرا؛ أولها: النظر في نوع المرض من أي الأمراض هو.

стр. 3402

الثاني: النظر في سببه. الثالث: قوة المريض أو ضعفه. الرابع: مزاج البدن الطبيعي ما هو. الخامس: المزاج الحادث على غير المجرى الطبيعي. السادس: سن المريض. السابع: عادته. الثامن: الوقت الخاص من فصول السنة وما يليق به. التاسع: بلد المريض وتربيته. العاشر: حال الهواء في وقت المرض. الحادي عشر: النظر في الدواء المضاد لتلك العلة. الثاني عشر: النظر في قوة الدواء ودرجته، والموازنة بينهما وبين قوة المريض. الثالث عشر: أن يكون قصده إزالة العلة على وجه يأمن معه حدوث ما هو أصعب منه. الرابع عشر: أن يعالج بالأسهل فالأسهل. الخامس عشر: أن ينظر في العلة؛ هل يمكن علاجها بإزالتها أو بتقليلها أو توقيفها ومنع زيادتها؟ وإلا وجب عليه ترك العلاج ومنع نفسه من الطمع. السادس عشر: ألا يتعرض للخلط (١) قبل نضجه باستفراغ، بل

стр. 3403

الواجب تقديم إنضاجه. السابع عشر: أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها، فإن انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمر [مشهود] (أ)، فعلى الطبيب الحاذق أن يتفقد قلبه ويقوي روحه بالإقبال على الله تعالى بما يقربه إليه؛ لأن هذه لها تأثير في دفع العلل أعظم من الأدوية، ولكن بحسب استعداد النفس وقبولها وعقيدتها. الثامن عشر: التلطف بالمريض والرفق به كالتلطف بالصبي. التاسع عشر: أن يستعمل أنواع العلاجات الطبيعية والإلهية والعلاج [بالتخييل] (ب)، فإن لحذاق الأطباء في [التخييل] (جـ) أمورًا عجيبة ولا يصل إليها الدواء، فالطيب الحاذق يستعين على المرض بكل مُعين. العشرون: وهو ملاك أمر الطبيب أن يجعل علاجه وتدبيره دائرًا على أركان ستة؛ حفظ الصحة الموجودة، ورد الصحة المفقودة بحسب الإمكان، وإزالة العلة أو تقليلها بحسب الإمكان، واحتمال أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما، فعلى هذه الأصول الستة مدار العلاج، وكل طبيب لا تكون هذه [أَخِيَّتَه] (د) التي يرجع إليها فليس بطيب. انتهى.

стр. 3404

والطبيب (١) شامل لمن طب بوصفه وقوله، وهو الذي يُخص باسم الطبائعي، وبمِرْوَده (٢) وهو الكحال، وبمِبضَعه (٣) ومراهمه، وهو الجرائحى، وبموساه وهو الخاتن، وبريشته وهو الفاصد، وبمحاجمه ومشرطه وهو الحجّام، وبخلعه ووصله ورباطه وهو المجَبِّر، وبمكواته وناره وهو الكوَّاء، وبقربته وهو [الحاقن] (أ). وسواء كان طبه لإنسان أو لغيره من الحيوان، قاسم الطبيب لغة يشمل هؤلاء. والحديث فيه دلالة على أن المتعاطي للطب يضمن على أي حال كان إعناته، بالمباشرة أو بالسراية، وسواء كان عمدًا أو خطأ، وقد ادعى في "شرح الإبانة" الإجماع على ذلك، ونسب في "البحر" الخلاف إلى الإمام يحيى في سراية جناية المتعاطي، وأنه لا يضمن، وعلل ذلك بعض المفرعين على مذهب الهادي بأنه عمل عمل الأطباء، وهو مأذون من جهة المعالج، وذكر في "نهاية المجتهد" (٤) ولم ينسبه إلى أحد، والظاهر أنه عند المالكية، أنه إذا أعنت كان عليه الضرب والسجن والدية قيل: في ماله. وقيل: على العاقلة. انتهى. وأما إعنات الطبيب الحاذق فإن كان بالسراية لم يضمن اتفاقًا؛ لأنها سراية فعل مأذون فيه من جهة الشرع، ومن جهة المعالج، وهكذا سراية كل

стр. 3405

مأذون فيه، لم يتعد الفاعل في سببها؛ كسراية الحد، وسراية القصاص عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة في إيجابه الضمان بها. والشافعي فرق بين الفعل المقدر شرعًا كالحد وغير المقدر كالتعزير؛ فلا يضمن في المقدر ويضمن في غير المقدر؛ لأنه راجع إلى الاجتهاد فهو في مظنة العدوان، وإن كان الإعنات بالمباشرة فهو مضمون عليه؛ إن كان عمدًا فعليه، وإن كان خطأ فعلى عاقلته. والله أعلم. ٩٨٣ - وعنه أنه ﷺ قال: "في المواضح خمس خمس من الإبل". رواه أحمد والأربعة، وزاد أحمد: "والأصابع سواء؛ كلهن عشر عشر من الإبل". وصححه ابن خزيمة وابن الجارود (١). ٩٨٤ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين". رواه أحمد والأربعة. ولفظ أبي داود: "دية المعاهد نصف دية الحر". وللنسائي: "عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى يبلغ الثلث من ديتها". وصححه ابن خزيمة (٢). ٩٨٥ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه، وذلك أن ينزُوَ الشيطان

стр. 3406

فتكون دماء بين الناس في غير ضغينة ولا حمل سلاح". أخرجه الدارقطني وضعفه (١). حديث المواضح أخرجه البيهقي (٢) عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب، أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو. الحديث. وأخرجه من طريق أخرى عن سعيد بن أبي عروبة عن مطر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرجه (٣) من حديث عباد بن العوام عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن أبا بكر وعمر ﵄ قالا: في الموضحة في الوجه والرأس سواء. وقد تقدم الخلاف في الموضحة. وأخرج البيهقي (٣) عن سليمان بن يسار أنه كان يقول: الموضحة في الوجه مثل الموضحة في الرأس، إلا أن يكون في الوجه عيب فيزاد في موضحة الوجه بقدر عيب الوجه، ما بينه وبين نصف عقل الموضحة - خمسة وعشرون دينارًا. قال: وروينا في ذلك عن عمر بن عبد العزيز وفقهاء أهل المدينة من التابعين. حديث عقل أهل الذمة، الحديث أخرجه البيهقي (٤) من طرق عن عمرو بن شعيب. وهو يدل على أن أهل الذمة من اليهود والنصارى ديتهم نصف دية المسلم، وقد جاء في بعض ألفاظه: أن عقل أهل الكتابين نصف عقل

стр. 3407

المسلمين. وقد ذهب إلى هذا مالك، وأجاب عنه البيهقي (١) بأن ذلك لما كان قيمة المائة من الإبل ثمانمائة دينار بثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين، وروى ذلك عن عمرو بن شعيب، وأن ذلك كان في عهد النبي ﷺ حتى استخلف عمر. فذكر خطبته في رفع الدية حين غلت الدية (أ)، قال: وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية، فيحتمل أن يكون والله أعلم قوله: على النصف من دية المسلم. راجعًا إلى ثمانية آلاف درهم، فتكون ديته في عهد النبي ﷺ أربعة آلاف درهم، فلم يرفعها عمر فيما رفع من الدية علمًا منه بأنها في أهل الكتاب توقيت، وفي أهل الإسلام تقويم. قال: ويؤكد هذا ما أخرجه من حديث عمرو بن شعيب، أن رسول الله ﷺ فرض على كل مسلم قتل رجلًا من أهل الكتاب أربعة آلاف. فظاهره أن ذلك [مقدر] (ب) بذلك، واحتج في "البحر" لمالك بمناسبة، وهي نقصان الكافر فلم يساو (جـ) المسلم، ورد عليه بأن القياس لا يعارض النص، وكأنه غفل عن هذا النص الذي رجع إليه مالك. وذهب الثوري والزهري وجماعة من التابعين والهدوية وأبو حنيفة وأصحابه إلى مساواة الذمي للمسلم في الدية؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ (٢). فذكر الدية

стр. 3408

والظاهر فيها الإكمال، وبما أخرجه البيهقي (١)، عن ابن جريج عن الزهري، أنها كانت دية اليهودي والنصراني في زمن النبي ﷺ مثل دية السلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان. فلما كان معاوية أعطى أهل المقتول النصف، وألقى النصف في بيت المال. قال: ثم قضى عمر بن عبد العزيز في النصف، وألقى ما كان جعل معاوية. وبما أخرجه (١) أيضًا عن عكرمة عن ابن عباس قال: جعل رسول الله ﷺ دية العامريين دية الحر المسلم، وكان لهما عهد. وأخرجه (١) من طريق أخرى بلفظ: جعل دية العاهدين دية المسلم. وأخرج (١) أيضًا عن ابن عباس قال: ودى رسول الله ﷺ رجلين من المشركين، وكانا منه في عهدٍ دية الحرين المسلمين. وأخرج (١) عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "دية ذمي دية مسلم". وفي لفظ: ودى ذميًّا دية مسلم. والجواب عن هذا أن الآية الكريمة فيها إجمال، وحديث الزهري رده الشافعي بأنه مرسل، ومراسيل الزهري قبيحة، وأن الرواية الأولى عن عمر أصح، وحديث عكرمة في إسناده سعيد بن المرزبان البقال (٢)، ولا يحتج بحديثه، وهو في الطريق الأخرى، وحديث ودى. في إسناده الحسن بن عمارة (٣)، وهو متروك، وحديث ابن عمر في إسناده أبو كرز (٤)، وهو

стр. 3409

متروك، وذهب الشافعي والناصر إلى أن دية الذمي أربعة آلاف، فتكون ثلث الدية؛ لأن الدية عنده اثنا عشر ألفًا، واحتج بقوله ﷺ في حديث ابن حزم (١): "في النفس المؤمنة مائة من الإبل". فمفهوم قوله: "المؤمنة". أن غير المؤمنة بخلافها، وبما أخرجه (٢) عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب قضى في دية اليهودي والنصراني بأربعة آلاف، وفي دية المجوسي بثمانمائة. وأخرج (٢) عن سعيد بن المسيب، أن عثمان قضى فيه بأربعة آلاف. فقضاء عمر مبين لما أجمل في مفهوم الصفة، ولم يصح ما تقدم من الروايات فيما يخالف ذلك، وذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى أنه إن قتل عمدًا فمثل المسلم، وإن قتل خطأ فالنصف، ورد عليه في "البحر" بأن الدليل لم يفصل، ولعله يجاب عنه بأنه قد ورد ما يدل عليهما فالجمع بينهما بما ذكر إعمال للدليلين، وهو أولى من العمل بأحدهما دون الآخر. وقوله: "عقل المرأة". الحديث أخرجه النسائي (٣) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج، قال الشافعي (٤): وكان مالك يذكر أنه السنة، وكنت أتابعه عليه وفي نفسي منه شيء، ثم علمت أنه يريد أنه سنة أهل المدينة فرجعت عنه. وأخرج البيهقي (٥) عن الشافعي، أنه لما قال ابن المسيب: هي السنة.

стр. 3410

أشبه أن تكون عن النبي ﷺ أو عن عامة من أصحابه، ولا تكون فيما قال سعيد: السنة. إذا كان كان يخالف القياس والعقل إلا علم اتباع فيما نرى والله أعلم. وقد كنا نقول به على هذا المعنى، ثم وقفت عنه، وأسأل الله الخيرة؛ لأنا قد نجد منهم من يقول: السنة. ثم لا نجد لقوله: السنة. نفاذًا بها عن النبي ﷺ ، والقياس أولى بنا فيها. والحديث فيه دلالة على أن جراحات المرأة يكون أرشها كأرش جراحات الرجل إلى الثلث، وما زاد على الثلث كانت جراحة المرأة مخالفة، والمخالفة بأن اللازم فيها نصف ما لزم في الرجل؛ وذلك لأن دية النفس هي على النصف من دية الرجل؛ لقوله ﷺ في حديث معاذ (١): "دية المرأة على النصف من دية الرجل". وهو إجماع، فيقاس ما دل عليه مفهوم المخالفة من أرش جراحة المرأة على الدية الكاملة، وقد ذهب إلى هذا عمر وجمهور فقهاء المدينة وهو قول مالك وأصحابه وأحمد وإسحاق، ورواه مالك (٢) عن سعيد بن المسيب، وعن عروة بن الزبير وهو قول زيد بن ثابت وعمر بن عبد العزيز، وذهب علي وابن شبرمة والليث والثوري والعترة والحنفية والشافعية إلى أن دية المرأة وجراحاتها على النصف من الرجل، وأخرج البيهقي (٣) عن الشعبي أن عليًّا ﵁ كان يقول: جراحات النساء على النصف من دية الرجل فيما قل وكثر. وأخرج (٣) بإسناد منقطع عن إبراهيم النخعي عن عمر وعن علي مثله، وأخرج (٣) عن إبراهيم عن ابن

стр. 3411

مسعود بإسناد منقطع، وأخرج (١) عن الشعبي عن زيد بن ثابت مثل ذلك، وحجتهم ما تقدم من حديث معاذ. وقوله: "دية المرأة" الحديث. يشمل القليل والكثير، وهو مجمع عليه في الدية الكاملة، ولا فرق بين القليل والكثير، والفرق بينهما مخالف للقياس؛ ولذلك قال ربيعة لسعيد بن المسيب لما سأله: كم في إصبع المرأة؟ قال سعيد: عشر. قال: كم في اثنتين؟ قال: عشرون، قال: كم في ثلاث؟ قال: ثلاثون، قال: كم في أربع؟ قال: عشرون. قال ربيعة: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها. قال (أ): أعراقي أنت؟ قال ربيعة: قلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم. قال: يابن أخي، إنها السنة (٢). وأجاب في "البحر" و"الانتصار" عن الحديث المذكور بأنه مرسل مخالف للأصول في الأروش وقيم المتلفات، وغيره أرجح منه. هذا لفظ "البحر"، ولفظ "الانتصار": أن الحديث من مراسيل سعيد بن المسيب، والمرسل مختلف فيه متردد في قبوله. انتهى. ولا يخفى عليك أن الحديث رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والصحيح في حديثه الاتصال، وقد تكرر مثل هذا، وأما قوله: مخالف للأصول في الأروش. فالمراد به أن أروش الجنايات مثل قيم المتلفات، وقيم المتلفات لا تختلف في شيء من المواضع من الثلث وما زاد عليه، فيجاب عنه

стр. 3412

بأن النص إذا ورد عمل به وإن خالف القياس، والقياس لا يرجع إليه إلا إذا عدم النص. وأما قوله: وغيره أرجح منه. فلا يسلم الرجحان، فإن المعارض آثار وهذا نص، وذهب ابن مسعود وشريح إلى أنهما يتساويان حتى يبلغ أرشها خمسًا من الإبل ثم ينصف، فيكون في موضحتها بعيران ونصف ثم ينصف. هكذا في "البحر" و"الانتصار"، وفي رواية البيهقي (١) عن ابن مسعود، قال: إلا السن والموضحة. وروى سعيد بن منصور (٢) عن هشيم أخبرني مغيرة عن إبراهيم قال: كان فيما جاء به عروة البارقي إلى شريح من عند عمر، أن الأصابع سواء؛ الخنصر والإبهام، وأن جراح الرجال والنساء سواء في السنن والموضحة، وما خلا ذلك فعلى النصف. وفي "نهاية المجتهد" (٣): وقالت طائفة: حد دية جراحة المرأة مثل دية جراحة الرجل إلى الموضحة، فإنها تكون على النصف من دية الرجل، وهو الأشهر من قول ابن مسعود، وهو مروي عن عثمان، وبه قال شريح وجماعة، وذهب سليمان بن يسار إلى أنهما يستويان حتى يبلغ أرشها خمس عشرة من الإبل، ثم ينصف فيكون في منقلتها سبع ونصف، وذهب الحسن البصري إلى أنهما يتساويان إلى النصف ثم ينصف. وقوله: "عقل شبه العمد". الحديث أخرجه البيهقي (٤) بإسناده عن

стр. 3413

عمرو بن شعيب، ولم يضعفه البيهقي. والحديث فيه دلالة على أنه حيث وقع الجرح ولم يكن ثَمَّ قصد إلى الجرح، ولم يكن ذلك بالسلاح بل كان بحجر أو عصا أو نحوهما -أنه شبه العمد لا يوجب القصاص، وإنما فيه الدية فقط، وأن فيه الدية مغلظة كالعمد، كما تقدم التغليظ في العمد على الخلاف فيه (أ)، وقد تقدم الخلاف في شبه العمد، والقائل به الحنفية والشافعية، والله أعلم. ٩٨٦ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قتل رجل رجلا على عهد رسول الله ﷺ فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفا. رواه الأربعة ورجح النسائي وأبو حاتم إرساله (١). الحديث رواه أصحاب "السنن" من حديث عكرمة، واختلف فيه على عمرو بن دينار، فقال محمد بن مسلم الطائفي عنه عن عكرمة. هكذا، وقال ابن عيينة: عن عمرو بن دينار مرسلًا. قال ابن أبي حاتم (٢) عن أبيه: المرسل أصح. وتبعه عبد الحق، وقد رواه الدارقطني (٣) من حديث محمد بن ميمون عن ابن عيينة موصولًا، قال محمد بن ميمون: وإنما قال لنا فيه: ابن عباس. مرة واحدة، وأكثر ذلك كان يقول: عن عكرمة عن النبي ﷺ .

стр. 3414

ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١) عن ابن عيينة عن عمرو عن عكرمة مرسلًا. قال ابن حزم (٢): وبهذا رواه مشاهير أصحاب ابن عيينة. وأخرج البيهقي (٣) من حديث أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن أجلس مع قوم" الحديث. وفي آخره: "أحب إلى من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل، دية كل رجل منهم اثنا عشر ألفًا". وأخرج البيهقي (٤) عن علي وعائشة وأبي هريرة وعمر بن الخطاب مثل ذلك. والحديث فيه دلالة على أن الدية من الفضة اثنا عشر ألفًا، وقد ذهب إلى هذا مالك، وقول الشافعي بالعراق، ورواه أهل المدينة عن عمر بن الخطاب (٤)، قال الشافعي (٥): روى عطاء ومكحول وعمرو بن شعيب وعدد من الحجازيين عن عمر، ولم أعلم بالحجاز أحدًا خالف فيه [عنهم] (أ)، ولا عن عثمان بن عفان، وذهب أهل العراق والهادي والمؤيد إلى أنها عشرة آلاف درهم، قال في "البحر": لقول علي به، وهو توقيف. ورواه محمد بن الحسن الشيباني (٦) عن عمر قال: بلغنا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه فرض على أهل الذهب ألف دينار في الدية، وعلى أهل الورق عشرة

стр. 3415

آلاف درهم، قال: حدثنا بذلك أبو حنيفة عن الهيثم عن الشعبي عن عمر بن الخطاب. والله أعلم. ٩٨٧ - وعن أبي رِمثة قال: أتيت النبي ﷺ ومعي ابني، فقال: "من هذا؟ ". فقلت: ابني وأشْهَدُ به. قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه". رواه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة وابن الجارود (١). أبو رمثة بكسر الراء وسكون الميم، وبالثاء المثلثة وهو رفاعة بن يثربي بفتح الياء المنقوطة باثنتين من أسفل وسكون الثاء المثلثة وبالراء وبالباء الموحدة بعدها ياء النسبة، التيمي، ويقال: التميمي. وفي اسمه خلاف كبير. وقيل: عمارة. وقيل: يثربي بن عوف. وقيل غير ذلك، قدم على النبي ﷺ مع أبيه، وعداده في الكوفيين، روى عنه إياد بن لقيط. الحديث أخرجه أيضًا أحمد والحاكم (٢)، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه (٣) من حديث عمرو بن الأحوص، أنه شهد حجة الوداع مع النبي ﷺ فقال: "لا يجني جان إلا على نفسه، لا يجني جان

стр. 3416

على ولده". وأحمد وابن ماجه (١) من رواية الخشخاش العنبري نحو حديث أبي رمثة، ولأحمد والنسائي (٢) معناه من رواية ثعلبة بن زَهْدم، وللنسائي وابن ماجه وابن حبان (٣) من رواية طارق المحاربي، ولابن ماجه (٤) من رواية أسامة بن شريك. والحديث فيه دلالة على أنه لا يطالب أحد بجناية غيره، سواء كان قريبًا كالأب والولد أو غيرهما أو أجنبيًّا، فالجاني يطالب وحده بجنايته ولا يطالب بجنايته غيره، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ (٥). والجناية الذنب والجرم، وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب أو القصاص في الدنيا والآخرة، ولا يرد على ذلك ما قد ثبت من تحمل العاقلة في جناية الخطأ والقسامة، فإن ذلك ليس من تحمل عقوبة الجناية، وإنما هو من باب النصرة والتعاضد فيما بين المسلمين.

стр. 3417

باب دعوى الدم والقسامة القَسَامة بفتح القاف وتخفيف المهملة، وهي مصدر أقسم قسمًا وقسامة، والقسامة هي الأيمان تقسَّم على أولياء المقتول، إذا ادَّعَوا الدم، أو على المدعى عليهم الدم، وخص القسم على الدم بلفظ القسامة، وقال إمام الحرمين (١): القسامة عند أهل اللغة اسم للقوم الذين يقسمون، وعند الفقهاء اسم للأيمان. وقال في "المحكم" (٢): القسامة. الجماعة يقسمون على الشيء أو يشهدون به، ويمين القسامة منسوبة إليهم، ثم أطلقت على الأيمان نفسها، وفي "القاموس" (٣): القسامة: الجماعة يقسمون على الشيء ويأخذونه أو يشهدون. وفي "الضياء": القسامة الأيمان تقسم على خمسين رجلًا من أهل البلد أو القرية التي يوجد فيها القتيل (أ)؛ لا يعلم قاتله ولا يدعي أولياؤه قتله على أحد بعينه. ٩٨٨ - عن سهل بن أبي حثمة عن [رجالٍ من كبراء] (ب) قومه، أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم، فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في عين، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه. قالوا: والله ما قتلناه. فأقبل هو وأخوه

стр. 3418

حويصة وعبد الرحمن بن سهل، فذهب محيصة ليتكلم، فقال رسول الله ﷺ : "كبِّر كبِّر". يريد السن، فتكلم حويصة، ثم تكلم محيصة وقال: قال رسول الله ﷺ : "إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يأذنوا (أ) بحرب". فكتب إليهم في ذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه. فقال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن بن سهل: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ ". قالوا: لا. قال: "فيحلف لكم يهود؟ ". قالوا: ليسوا مسلمين. فوداه رسول الله ﷺ من عنده، فبعث إليهم مائة ناقة، قال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء. متفق عليه (١). سهل هو أبو محمد، ويقال: أبو يحيى. ويقال: أبو عمارة. ويقال: أبو عبد الرحمن. وهو بالسين المهملة، ابن أبي حثمة، وأبو حثمة عبد الله بن ساعدة بن عامر بن الأوس الأنصاري، وقال المصنف رحمه الله تعالى في "الفتح" (٢): اسمه عامر بن ساعدة بن عامر. ويقال: اسم أبيه عبد الله، واشتهر هو بالنسبة إلى جده، وهو من بني حارثة؛ [بطن من] (ب) الأوس. وحثمة بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الثاء المثلثة، ولد سنة ثلاث من الهجرة، سكن الكوفة، وعداده في أهل المدينة، كانت وفاته في زمن مصعب بن الزبير، روى عنه أبو هريرة ونافع بن جبير وعبد الرحمن بن مسعود.

стр. 3419

قوله: عن رجال من كبراء قومه. كذا في رواية لمسلم، وفي رواية لمسلم (١) عن مالك: أنه أخبره عن رجل من كبراء قومه. وفي رواية الشافعي (٢): أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه. وفي رواية أبي داود (٣): عن سهل ورافع بن خديج. وفي رواية البيهقي (٤): عن بُشير بن يسار مولى بني حارثة، أن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة وسويد بن النعمان حدثوه. وفي كثير من الروايات للبخاري ومسلم والبيهقي (٥) وغيرهم من دون توسيط لأحد. وقوله: أن عبد الله بن سهل ومحيصة. وهو بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الياء المشددة التحتانية وفتح الصاد المهملة، وهو ابن مسعود، ومحيصة ابن عم عبد الله بن سهل بن زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد. وقوله: خرجا. وجاء في رواية البخاري: انطلقوا إلى خيبر. وهي محمولة على أنه كان معهما [تَابِعٌ] (أ)، وقد وقع في رواية محمد بن إسحاق (٦): فخرج عبد الله بن سهل في أصحاب له يمتارون تمرًا. وزاد في

стр. 3420

رواية لمسلم (١): في زمن رسول الله ﷺ وهي يومئذ صلح وأهلها يهود. وقوله: في جهد. بفتح الجيم وضمها بمعنى الطاقة والمشقة. وقوله: فأتى محيصة. يعني إلى عبد الله بن سهل، يعني بعد أن تفرقا كما هو في رواية البخاري. وقوله: فأخبر، وفي رواية (٢): ثم إذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قتيلًا، ويمكن الجمع بأنه أخبرنا أولًا ثم طلبه فوجده قتيلًا، وفي رواية (٣): يتشحط في دمه قتيلًا. أي يضطرب فيتمرغ في دمه، فدفنه. وقوله: فطرح في عين. في البخاري (٤) بالشك: فقير. بفاء مفتوحة ثم قاف مكسورة؛ أي حفير أو عين. وفي رواية ابن إسحاق: فوجد في عين قد كسرت عنقه وطرح فيها. وقوله: "كبِّر كبِّر". بصيغة الأمر، والثاني تأكيد للأول، وفي رواية البخاري: "الكُبْرَ الكُبْرَ". بضم الكاف وسكون الباء الموحدة وهو منصوب على الإغراء. وقوله: يريد السن. المراد به: يتكلم من كان أكبر سنًّا، وكان محيصة أصغر من حويصة، وفي رواية يحيى بن سعيد (٥): أن الذي تكلم عبد

стр. 3421

الرحمن. وكان عبد الرحمن بن سهل أصغر القوم مع أنه وليّ الدم، إلا أنهم لما كانوا متعاضدين في طلب الدم، كانوا في حكم المستحقين له. وقوله: فتكلم حويصة. [هو بضم] (أ) الحاء المهملة وتشديد الياء مصغرًا، وقد روي التخفيف في الاسمين معًا ورجحه طائفة. وقوله: وقال رسول الله ﷺ : "إما أن يدوا صاحبكم" إلخ. قد يستدل (ب) به للحنفية في أن الدعوى في القتل تصح على غير معين؛ لأن الأنصار ادَّعَوا على اليهود أنهم قتلوا صاحبهم، وسمع رسول الله ﷺ دعواهم، وأجيب بأن هذا الذي ذكره الأنصار ليس على صورة الدعوى بين الخصمين، وإنما هو إخبار بما وقع، فذكر لهم قصة الحكم على التقديرين، ومن ثَمَّ كتب إلى يهود بعد أن دار بينهم الكلام المذكور، ويؤخذ منه أن مجرد الدعوى لا توجب إحضار المدعى عليه ما لم يظهر ما يقوي الدعوى. وقوله: "إما أن يدوا صاحبكم". يؤخذ منه أن المتعين في القسامة هو الدية، ولا يثبت بها القصاص. وقوله: "وإما أن يأذنوا بحرب من الله". فيه دلالة على أن من أبى من تسليم ما يجب عليه يجوز محاربته، وأن ذلك يكون نقضًا للذمة في حق من عقدت له؛ لأنها كانت صلحًا وأهلها يهود. وقوله: فكتبوا: إنا والله ما قتلناه. فيه دلالة على الاكتفاء بالكتابة وبخبر الواحد مع إمكان المشافهة.

стр. 3422

وقوله: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ " إلى آخره. الحديث فيه دلالة على مشروعية القسامة، وأصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الإسلام، وركن من مصالح العباد، وبه أخذ جماهير الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والكوفيين والشاميين، وإن اختلفوا في صورة الأخذ به على ما يأتي تفصيله، ولم تر الأخذ به طائفة من السلف، ولم يروا القسامة، ولم يثبتوا [بها] (أ) حكمًا؛ منهم الحكم بن عتيبة وأبو قلابة وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وقتادة ومسلم بن خالد وإبراهيم بن علية، واليه ينحو البخاري -إلا أن المصنف رحمه الله تعالى قال (١): الذي يظهر أن البخاري لا يضعف القسامة من حيث هي، إلا أنه يوافق الشافعي في أنه [لا قود بها] (ب)، ويخالفه في أن اليمين تكون على المدعى عليه؛ لأن الروايات اختلفت في ذلك، فترجع على المتفق عليه أن اليمين على المدعى عليه- وعمر بن عبد العزيز باختلاف عنه. قالوا: لأن القسامة مخالفة لأصول الشرع المجمع على صحتها: فأولًا: أن الشرع ورد أنه لا يجوز الحلف إلا على ما علِمه قطعًا، أو شاهده حسًّا، وقد ورد في هذا الحكم تحليف أولياء الدم، وهم لم يشهدوا القتل، وهذا على قول غير الحنفية. ومنها: أن من الأصول أن الأيمان ليس لها تأثير في إثبات الدم.

стр. 3423

ومنها: أن من الأصول أن البينة على المدعي، واليمين على المنكر. ومنها: أن هذا الحديث لم يكن فيه حكم من النبي ﷺ بالقسامة، وإنما كانت حكمًا جاهليًّا فتلطف لهم رسول الله ﷺ ليريهم كيف لا يلزم الحكم بها على أصول الإسلام. والجواب عن مخالفة الأصول، بأن سنة القسامة سنة بنفسها منفردة مخصصة للأصول كسائر السنن المخصصة للحاجة إلى شرعيتها، حياطة لحفظ الدماء وردع المعتدين، وذلك لأن القتل لما كان يكثر، وقد يقل حضور الشهود عليه؛ لأن القاتل إنما يتحرى بالقتل مواضع الخلوات، ويترصد أوقات الغفلات -جعلت هذه السنة حفظًا للدماء، فصارت أصلًا مستقلا يتبع و (أ) يستعمل، ولا تطرح سنة بسنة، وعدَّى اعتبار هذه المصلحة الإمام مالك في حق الأموال أيضًا، فإنه أجاز شهادة المسلوبين على السالبين، وإن كانوا مدَّعين؛ لأن قاطع الطريق إنما يفعل ذلك مع الغفلة والانفراد عن الناس، ولعله يقول بمثل ذلك في حق المسروق، فإن الشهادة على السرقة متعذرة بحسب الأغلب. ثم الجمهور القائلون بثبوت القسامة اختلفوا، هل يجب فيها القود أو الدية؟ فذهب معظم الحجازيين إلى إيجاب القود بها إذا كمل شروطها، وهو قول الزهري، وربيعة، وأبي الزناد، ومالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وروي ذلك عن بعض الصحابة كابن الزبير، واختلف عن عمر بن عبد العزيز،

стр. 3424

وقال أبو الزناد: قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل، فما اختلف منهم اثنان. قال المصنف رحمه الله تعالى (١): إنما نقل ذلك أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت، كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي (٢) من رواية عبد الرحمن أبي الزناد عن أبيه، وإلا فأبو الزناد لا يثبت أنه رأى [عشرين] (أ) من الصحابة فضلًا عن ألف، وحجتهم حديث الباب، وهو قوله: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ ". وفي رواية عند مسلم (٣): "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته". وأن هذا يدل على القصاص، فإن استحقاق الدم منهم منه، أنه إذا كان القتل عمدًا استحق القصاص، فإنه موجب القصاص، ولا سيما رواية: "يدفع برمته". فإن هذا العطف مستعمل في دفع القاتل إلى أولياء القتول للقتل، مع أن قوله: "دم صاحبكم". يحتمل أن يراد بالصاحب القاتل، والإضافة للملابسة التي بينهم باعتبار ما لزمه من الحق، ويفسره رواية قوله: "فيدفع برمته". وقول هؤلاء: إنه يبدأ في التحليف بالمدعين. كما في هذه الرواية، وكما في حديث أبي هريرة (٤): "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، إلا القسامة". وفي إسناده لين، ويتأيد ذلك بأن جنبة المدعي إذا قويت بشهادة

стр. 3425

أو شبهة صارت اليمين له، وههنا الشبهة قوية، فصار المدعي في القسامة مشبهًا بالمدعى عليه المؤيد بالبراءة الأصلية مما ادعي عليه، وهذه الشبهة التي مع المدعي مؤيدة لصحة دعواه حتى كأن الظاهر معه. وذهب الهدوية، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، والكوفيون، وكثير من أهل البصرة، وبعض أهل المدينة، والأوزاعي، إلى أنه يحلف المدعى عليهم ولا يمين على المدعين، فيحلف خمسون رجلًا من أهل القرية خمسين يمينًا: ما قتلناه ولا علمنا قاتله. فإن حلفوا، فقال الكوفيون والهدوية: يلزمهم الدية. واحتجوا بما روي عن زياد بن أبي مريم، أن رجلًا قال للرسول ﷺ : إن أخي قتل بين قريتين، فقال له الرسول ﷺ : "يحلف منهم خمسون رجلا". فقال: ما لي من أخ غير هذا! فقال: "نعم، ومن الإبل مائة" (١). وما أخرجه البيهقي (٢) عن أبي سعيد، أن قتيلًا وجد بين حيين، فأمر النبي ﷺ أن يقاس إلى أيهما أقرب، فوجد أقرب إلى أحد الجانبين (أ) بشبر. قال أبو سعيد: كأني أنظر إلى شبر رسول الله ﷺ فألقى ديته عليهم. وأخرج (٢) عن أبي إسرائيل الملائي نحوه. قال البيهقي: تفرد أبو إسرائيل عن عطية العوفي بذلك، وكلاهما لا يحتج به. وأخرج أيضًا (ب) البيهقي (٣) عن الشعبي، أن

стр. 3426

قتيلًا وجد في خربة وادعة همدان، فرفع إلى عمر بن الخطاب، فأحلفهم خمسين يمينًا: ما قتلنا، ولا علمنا قاتلًا. ثم غرَّمهم الدية، قال: يا معشر همدان، حقنتم دماءكم بأيمانكم، فما يُبطل دم هذا الرجل المسلم؟ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي (١) عن الشعبي، أن قتيلًا وجد بين وادعة وشاكر، فأمرهم عمر بن الخطاب أن يقيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى وادعة أقرب، فأحلفهم عمر خمسين يمينًا؛ كل رجل: ما قتلته، ولا علمت قاتلًا. ثم أغرمهم الدية، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لا أيماننا دفعت عن أموالنا، ولا أموالنا دفعت عن أيماننا. فقال عمر: كذلك الحق. وأخرج البيهقي (٢) عن الشعبي، أنه قُتل رجل، فأدخل عمر بن الخطاب الحِجر المدعَى عليهم خمسين رجلًا، فأقسموا: ما قتلنا، ولا علمنا قاتلًا. وأخرج الدارقطني والبيهقي (٣) عن سعيد بن المسيب قال: لما حج عمر حجته الأخيرة وجد رجلا من المسلمين قتيلا بفناء وادعة، فقال لهم: [هل] (أ) علمتم لهذا القتيل قاتلا منكم؟ قالوا: لا. فاستخرج منهم خمسين شيخًا فأدخلهم الحطيم فاستحلفهم بالله رب هذا البيت الحرام، ورب هذا

стр. 3427

البلد الحرام، ورب هذا الشهر الحرام، لم تقتلوه، ولا علمتم له قاتلا. فحلفوا بذلك، فلما حلفوا قال: أدوا ديته مغلظة. قال رجل منهم، يا أمير المؤمنين، أما تجزيني يميني من مالي؟ قال: إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم ﷺ . قال البيهقي (١): رفعُه إلى النبي ﷺ منكَر، وفيه عمر بن [صُبْح] (أ) (٢). أجمعوا على تركه. وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق والبيهقي (٣) عن سليمان بن يسار وعراك بن مالك، أن رجلًا من بني سعد بن ليث أجرى فرسًا، فوطئ على أصبع رجل من جهينة، فنُزي منها فمات، فقال عمر بن الخطاب للذين ادعي عليهم: أتحلفون بالله خمسين يمينًا ما مات منها؟ فأبوا وتحرجوا من الأيمان؛ فقال للآخرين: احلفوا أنتم. فأبوا، فقضى عمر بشطر الدية على السعديين. وأخرج ابن أبي شيبة (٤) عن الحسن، أن أبا بكر وعمر والجماعة الأولى لم يكونوا يقتلون بالقسامة. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي (٥) عن عمر، أن القسامة إنما توجب العقل ولا تشيط الدم. تشيط بالشين المعجمة: أي لا تهلك الدم رأسًا بحيث تهدره. فهذه الأحاديث مصرحة بتحليف المدعى عليهم وتغريمهم الدية بعد اليمين، والجواب من جانب الأولين بأن الحديثين فيهما المقال، والآثار المروية

стр. 3428

عن عمر لا تعارض الحديث الصحيح وحديث أبي هريرة المصرح بمخالفة القسامة لغيرها من الأحكام، وقد يجاب عنه بأن في رواية البخاري (١) ذكر يمين اليهود من غير ذكر يمين الأنصار، ذكره في باب القسامة. وفي رواية يحيى بن سعيد تقديم أيمان المدعين، فتعارضت الروايتان، ومع التعارض يرجع إلى الترجيح، والراجح موافق القياس، وهو أحاديث تقديم يمين المدعى عليهم. وذهب بعض أهل الكوفة، وكثير من أهل البصرة، وبعض أهل المدينة، والأوزاعي إلى أنهم إن حلفوا اليمين برئوا، وإن نقصوا عن الخمسين أو نكلوا حلف المدعون على رجل واحد واستحقوا، وإن نقصت أيمانهم عادت الدية. وقال الزهري: إذا نكل منهم واحد بطلت الدية في حق الجميع. وقال عثمان البتى من فقهاء البصرة: يبدأ المدعى عليهم بالأيمان، فإن حلفوا فلا شيء عليهم. واعلم أن القسامة لا تثبت بمجرد دعوى القتل على المدعى عليهم من دون شبهة إجماعًا، إلا ما روي عن الأوزاعي، فإنه قال: وجود الإنسان في محلة، وإن لم يكن عليه أثر قتل ونحوه، يوجب القسامة. وروي عن داود أيضًا. وأما مع الشبهة فاختلف العلماء بما تثبت به القسامة منها؛ فذهب أبو حنيفة وأصحابه والهدوية إلى أن الذي تثبت به القسامة هو وجود الميت وبه أثر القتل في محل يختص بمحصورين، فالقسامة تثبت عليهم إذا لم يدع المدعي على غيرهم ولا تثبت في غيرها. قالوا: لأن الأحاديث وردت في

стр. 3429

مثل هذه الحالة. وذهب مالك والليث والشافعي إلى أنه لا يثبت بهذا قسامة، إلا إذا كان بين المقتول وبين أهل تلك المحلة عداوة، كما كان في قضية خيبر؛ لأنه قد يقتل الرجل الرجل ويلقيه في محلة طائفة لينسب إليهم، قال الإمام المهدي: قلنا: لم يثبت اللوث في أخبار القسامة، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة. وقد يجاب عنه بأن في قصة خيبر قد ثبت ذلك، وهي أصح ما ورد في الباب، وذهب المشترطون للَّوث إلى أنه لا بد من الاقتران بشبهة تغلب الظن بالحكم بها، وذكروا من ذلك ست صور: الأولى: أن يقول المقتول في حياته: دمي عند فلان، إذ هو قتلني أو ضربني. وإن لم يكن به أثر، أو يقول: جرحني. ويذكر العمد، فهذا موجب للقسامة عند مالك والليث (أ)، وادعى مالك أنه مما أجمع عليه الأئمة قديمًا وحديثًا. قال القاضي [عياض] (ب) (١): ولم يقل بهذا من فقهاء الأمصار (جـ) غيرهما، ولا روي عن غيرهما، وخالفا في ذلك العلماء كافة، واشترط بعض المالكية وجود الأثر والجرح في كونه قسامة، واحتج مالك بقصة بقرة بني إسرائيل: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ (٢). قال: فحيي الرجل وأخبر بقاتله. والجواب بأن ذلك معجزة لنبي، وتصديقها قطعي يقيني

стр. 3430

فِعْلي، واحتج أصحاب مالك أيضًا بأن القاتل يطلب غفلة الناس، فلو لم يُقبل خبر المجروح أدى ذلك إلى إبطال الدماء غالبًا. قالوا: ولأنها حالة يتحرى فيها المجروح الصدق، ويتجنب الكذب والمعاصي، ويتزود التقوى والبر، فوجب قبول قوله. واختلف المالكية في أنه هل يُكتفى في الشهادة على قوله بشاهد أم لا بد من اثنين؟ الثانية: شهادة من ليسوا عدولًا أو شاهد واحد، وقد قال هذا مالك والليث. الثالثة: إذا شهد عدلان [بالجرح، فعاش] (أ) بعده أيامًا ثم مات قبل أن يصح من ذلك؛ فقال مالك والليث: هو لوث تثبت به القسامة. وقال الشافعي وأبو حنيفة، وهو قول الهدوية: إنه يثبت بذلك القصاص. الرابعة: أن يوجد المتهم عند المقتول، أو قريبًا منه، أو آتيًا من جهته ومعه آلة القتل، وعليه أثره من لطخ دم أو غيره، وليس هناك سَبُعٌ ولا غيره مما يمكن إحالة القتل عليه، أو تفرق جماعة عن قتيل، فهذا لوث يوجب القسامة عند مالك والشافعي. الخامسة: أن يقتتل طائفتان، فيوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند مالك والشافعي، وفي رواية عن مالك أن القسامة تكون على الطائفة التي ليس هو منها، وإن كان من غير الطائفتين كان عليهما، وكذا عند الهدوية، وإذا كانت جراحته مما تختص بإحدى الطائفتين كالرمي ونحوه كانت

стр. 3431

القسامة على أهل جراحته. السادسة: أن يوجد الميت في زحمة الناس، قال الشافعي: تثبت به القسامة وتجب به الدية. وقال مالك: هو هدر. وقال الثوري وإسحاق: تجب ديته في بيت المال. وروي مثله عن عمر وعلي (١)، وذهب داود إلى أن القسامة لا تثبت إلا إذا وجد القتيل في مدينة أو قرية كبيرة وهم أعداء للمقتول، وهو رواية عن أحمد ليكون مثل قضية أهل خيبر. ثم اعلم أنه على قول من يقول: إنه يستحق القود بالقسامة؛ إن كانت الدعوى على واحد معين ثبت القود عليه، وإن كانت الدعوى على جماعة حلفوا عليهم. وتثبت [عليهم] (أ) الدية على الصحيح عند الشافعي، وعلى قول للشافعي يجب القصاص عليهم، وقال أشهب وغيره: يحلف الأولياء على من شاءوا ولا يقتلون إلا واحدا يختاره الورثة، ويسجن الباقون عامًا، ويضربون مائة مائة. وهو قول لم يُسبق إليه، والأيمان إنما هي أيمان الورثة، ويلزمهم الأيمان ذكورًا كانوا أو إناثًا، عمدًا كان أو خطأ. هذا مذهب الشافعي، وبه قال أبو ثور وابن المنذر، ووافق مالك إذا كان القتل خطأ، وأما في العَمْد فقال: يحلف الأقارب خمسين يمينًا، ولا يحلف النساء ولا الصبيان. ووافقه ربيعة والليث والأوزاعي وأحمد وداود وأهل الظاهر، وإن كان الوارث واحدًا حلف خمسين يمينًا. وقال مالك: إذا كان ولي الدم

стр. 3432

واحدًا ضم إليه آخر من العصبة، ولا يستعان بغيرهم. وقال الليث: لم أسمع أحدًا يقول: إنها تنزل عن ثلاثة أنفس. وقال الزهري، عن سعيد بن المسيب: أول من نقص القسامة عن الخمسين معاوية (١). قال الزهري: وقضى به عبد الملك، ثم رده عمر بن عبد العزيز إلى الأمر الأول. وقوله: فوداه رسول الله ﷺ من عنده. هكذا وقع [في] (أ) رواية أي [ليلى] (ب). وفي رواية يحيى بن سعيد: فعقله النبي ﷺ من عنده (٢). أي أعطى ديته. وفي راية حماد بن زيد: من قبله (٣). بكسر القاف وفتح الموحدة، أي من جهته. وفي رواية الليث: فلما رأى ذلك النبي ﷺ أعطى عقله (٤). وجاء في البخاري (٥)، من رواية سعيد بن عبيد، زيادة: من إبل الصدقة. وظاهرها المعارضة لرواية: من عنده. وجمع بعضهم بين الروايتين باحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصدقة بمال دفعه مات عنده، أو المراد بقوله: من عنده. من بيت المال المرصد للمصالح، وأطلق عليه اسم الصدقة؛ لما كان معدًّا لمصالح المسلمين. وقد حكى القاضي عياض (٦) عن

стр. 3433

بعض العلماء جواز صرف الزكاة في المصالح العامة، واستدل بهذا الحديث وغيره، وقد جاء في حديث أبي [لاس] (أ) قال: حملنا النبي ﷺ على إبل الصدقة في الحج (١). وقد قيل: إن زيادة: من إبل الصدقة. يعني في (ب) حديث الباب، غلط، والأولى ألا يُغَلَّطَ الراوي ما أمكن؛ لاحتمال ما ذكر من التأويل، ويحتمل أيضًا أن يكون تسلف ذلك من إبل الصدقة ليدفعه من مال الفيء، أو أن أولياء القتيل كانوا مستحقين للصدقة فأعطاهم، أو أن ذلك من سهم التأليف تألفًا لهم واستجلابا لليهود. ٩٨٩ - وعن رجل من الأنصار، أن رسول الله ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسول الله ﷺ بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود. رواه مسلم (٢). الحديث فيه دلالة على أن اعتبار القسامة كان ثابتا في الجاهلية، وأقره النبي ﷺ ، واستدل بهذا الحديث مَن أثبت القود بالقسامة، قال المصنف رحمه الله تعالى (٣): وهذا يتوقف (جـ) على أن الجاهلية كانوا يقودون

стр. 3434

بالقسامة. وأقول: قد جاء في رواية البيهقي (١) لهذا الحديث عن أبي سلمة وسليمان بن يسار، عن أناس من أصحاب النبي ﷺ ، أن القسامة كانت في الجاهلية قسامة الدم، فأقرها رسول الله ﷺ على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسهول الله ﷺ بين أناس من الأنصار من بني حارثة ادعوا على اليهود. وقوله: قسامة الدم. يدل على أن الجاهلية كانوا يقيدون بالقسامة، فاستقام استدلال المستدل بالحديث بالزيادة المذكورة في هذه الرواية، وقد أخرج البخاري (٢) في قصة الهاشمي المقتول، فقال أبو طالب للقاتل: اختر منا إحدى ثلاث؛ إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل، فإنك قتلت صاحبنا خطأ، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به. فهذا يدل على ثبوت القتل بالقسامة في الجاهلية أيضًا، والله أعلم.

стр. 3435

باب قتال أهل البغي البغي مصدر بغى عليه، بفتح الغين المعجمة، بغيًا بفتح الباء وسكون المعجمة: علا وظلم وعدل عن الحق، وله معان كثيرة، وفي الاصطلاح: هو الخروج عن طاعة الإمام وترك الانقياد، أو منع حق إليه، أو منعه من قبض ما استحق قبضه أو من إقامة ما أمره إليه، مع محاربته أو العزم عليها، وله تأويل في ذلك. ٩٩٠ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حمل علينا السلاح فليس منا". متفق عليه (١). قوله: "حمل علينا". جاء عند مسلم (٢) من حديث سلمة بن الأكوع: "من سل علينا السيف". والمراد حمله لقتال المسلمين بغير حق، يكنى به عن المقاتلة أو القتل اللازم لحمل السيف في الأغلب، ويحتمل بقاؤه على معناه الحقيقي، أي: حمله لإرادة القتال به؛ لقرينةِ قوله: "علينا". وقوله: "فليس ما". أي على طريقتنا، أو: ليس متبعًا لطريقتنا؛ لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله، ونظيره: "من غشنا فليس منا" (٣). و: "ليس منا
следующие страницы →