القسامة على أهل جراحته.
السادسة: أن يوجد الميت في زحمة الناس، قال الشافعي: تثبت به القسامة وتجب به الدية. وقال مالك: هو هدر. وقال الثوري وإسحاق: تجب ديته في بيت المال. وروي مثله عن عمر وعلي (١)، وذهب داود إلى أن القسامة لا تثبت إلا إذا وجد القتيل في مدينة أو قرية كبيرة وهم أعداء للمقتول، وهو رواية عن أحمد ليكون مثل قضية أهل خيبر.
ثم اعلم أنه على قول من يقول: إنه يستحق القود بالقسامة؛ إن كانت الدعوى على واحد معين ثبت القود عليه، وإن كانت الدعوى على جماعة حلفوا عليهم. وتثبت [عليهم] (أ) الدية على الصحيح عند الشافعي، وعلى قول للشافعي يجب القصاص عليهم، وقال أشهب وغيره: يحلف الأولياء على من شاءوا ولا يقتلون إلا واحدا يختاره الورثة، ويسجن الباقون عامًا، ويضربون مائة مائة. وهو قول لم يُسبق إليه، والأيمان إنما هي أيمان الورثة، ويلزمهم الأيمان ذكورًا كانوا أو إناثًا، عمدًا كان أو خطأ. هذا مذهب الشافعي، وبه قال أبو ثور وابن المنذر، ووافق مالك إذا كان القتل خطأ، وأما في العَمْد فقال: يحلف الأقارب خمسين يمينًا، ولا يحلف النساء ولا الصبيان. ووافقه ربيعة والليث والأوزاعي وأحمد وداود وأهل الظاهر، وإن كان الوارث واحدًا حلف خمسين يمينًا. وقال مالك: إذا كان ولي الدم
стр. 3432
واحدًا ضم إليه آخر من العصبة، ولا يستعان بغيرهم. وقال الليث: لم أسمع أحدًا يقول: إنها تنزل عن ثلاثة أنفس. وقال الزهري، عن سعيد بن المسيب: أول من نقص القسامة عن الخمسين معاوية (١). قال الزهري: وقضى به عبد الملك، ثم رده عمر بن عبد العزيز إلى الأمر الأول.
وقوله: فوداه رسول الله ﷺ من عنده. هكذا وقع [في] (أ) رواية أي [ليلى] (ب). وفي رواية يحيى بن سعيد: فعقله النبي ﷺ من عنده (٢). أي أعطى ديته. وفي راية حماد بن زيد: من قبله (٣). بكسر القاف وفتح الموحدة، أي من جهته. وفي رواية الليث: فلما رأى ذلك النبي ﷺ أعطى عقله (٤). وجاء في البخاري (٥)، من رواية سعيد بن عبيد، زيادة: من إبل الصدقة. وظاهرها المعارضة لرواية: من عنده. وجمع بعضهم بين الروايتين باحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصدقة بمال دفعه مات عنده، أو المراد بقوله: من عنده. من بيت المال المرصد للمصالح، وأطلق عليه اسم الصدقة؛ لما كان معدًّا لمصالح المسلمين. وقد حكى القاضي عياض (٦) عن
стр. 3433
بعض العلماء جواز صرف الزكاة في المصالح العامة، واستدل بهذا الحديث وغيره، وقد جاء في حديث أبي [لاس] (أ) قال: حملنا النبي ﷺ على إبل الصدقة في الحج (١). وقد قيل: إن زيادة: من إبل الصدقة. يعني في (ب) حديث الباب، غلط، والأولى ألا يُغَلَّطَ الراوي ما أمكن؛ لاحتمال ما ذكر من التأويل، ويحتمل أيضًا أن يكون تسلف ذلك من إبل الصدقة ليدفعه من مال الفيء، أو أن أولياء القتيل كانوا مستحقين للصدقة فأعطاهم، أو أن ذلك من سهم التأليف تألفًا لهم واستجلابا لليهود.
٩٨٩ - وعن رجل من الأنصار، أن رسول الله ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسول الله ﷺ بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود. رواه مسلم (٢).
الحديث فيه دلالة على أن اعتبار القسامة كان ثابتا في الجاهلية، وأقره النبي ﷺ ، واستدل بهذا الحديث مَن أثبت القود بالقسامة، قال المصنف رحمه الله تعالى (٣): وهذا يتوقف (جـ) على أن الجاهلية كانوا يقودون
стр. 3434
بالقسامة. وأقول: قد جاء في رواية البيهقي (١) لهذا الحديث عن أبي سلمة وسليمان بن يسار، عن أناس من أصحاب النبي ﷺ ، أن القسامة كانت في الجاهلية قسامة الدم، فأقرها رسول الله ﷺ على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسهول الله ﷺ بين أناس من الأنصار من بني حارثة ادعوا على اليهود.
وقوله: قسامة الدم. يدل على أن الجاهلية كانوا يقيدون بالقسامة، فاستقام استدلال المستدل بالحديث بالزيادة المذكورة في هذه الرواية، وقد أخرج البخاري (٢) في قصة الهاشمي المقتول، فقال أبو طالب للقاتل: اختر منا إحدى ثلاث؛ إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل، فإنك قتلت صاحبنا خطأ، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به. فهذا يدل على ثبوت القتل بالقسامة في الجاهلية أيضًا، والله أعلم.
стр. 3435
باب قتال أهل البغي
البغي مصدر بغى عليه، بفتح الغين المعجمة، بغيًا بفتح الباء وسكون المعجمة: علا وظلم وعدل عن الحق، وله معان كثيرة، وفي الاصطلاح: هو الخروج عن طاعة الإمام وترك الانقياد، أو منع حق إليه، أو منعه من قبض ما استحق قبضه أو من إقامة ما أمره إليه، مع محاربته أو العزم عليها، وله تأويل في ذلك.
٩٩٠ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حمل علينا السلاح فليس منا". متفق عليه (١).
قوله: "حمل علينا". جاء عند مسلم (٢) من حديث سلمة بن الأكوع: "من سل علينا السيف". والمراد حمله لقتال المسلمين بغير حق، يكنى به عن المقاتلة أو القتل اللازم لحمل السيف في الأغلب، ويحتمل بقاؤه على معناه الحقيقي، أي: حمله لإرادة القتال به؛ لقرينةِ قوله: "علينا".
وقوله: "فليس ما". أي على طريقتنا، أو: ليس متبعًا لطريقتنا؛ لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله، ونظيره: "من غشنا فليس منا" (٣). و: "ليس منا
стр. 3436
من ضرب الخدود وشق الجيوب" (١). وهذا في حق من لا يستحل ذلك، وأما من يستحله، فإنه يكفُر باستحلال المحرم بشرطه، لا بمجرد حمل السلاح، وقد ذهب كثير من السلف إلى إطلاق لفظ الخبر من غير تعرُّضٍ لتأويله، ليكونَ أبلغَ في (أ) الزجرِ، وكان سفيان بن عيينة ينكر على من يصرفه عن ظاهره، ويرى أن الإمساك على تأويله أولى بما ذكرناه.
والحديث فيه دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد فيه، وخروج من قاتل البغاة من أهل الحق بدليل خاص، فيحمل الحديث على البغاة، وعلى من بدأ بالقتال ظالمًا. والله أعلم.
٩٩١ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ومات، فمِيتته جاهلية". أخرجه مسلم (٢).
قولي: "خرج عن الطاعة". أي: طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه.
وقولى: "وفارق الجماعة". المراد بمفارقة الجماعة هو الخروج عن طاعة الإمام الذي قد اتفقت الكلمة عليه وانتظم شمل المسلمين بحياطته.
وقولى: "فمِيتَته جماهلية". بكسر الميم، مصدر نوعي مراد بها نوع من الميتات، وهو كونها تشبه موت من مات وهو في الجاهلية، والشبه به
стр. 3437
محذوف؛ أي [ميتة] (أ) جاهلية منسوبة إلى الجاهل، والمراد بها من مات على الكفر قبل الإسلام، ووجه التشبيه أنه لا لم يكن تحت حكمة الإمام وخرج عن طاعته أشبه الجاهلية من حيث هم فوضى لا إمام لهم.
٩٩٢ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "تقتل عمارًا الفئة الباغية". رواه مسلم (١).
تمام الحديث: "يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" (٢).
وهو حديث مشهور من حديث أبي قتادة (٣) وأبي سعيد الخدري وأم سلمة، وأخرجه البخاري (٤) من حديث أبي سعيد بلفظ: "ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار".
وقد أخرجه الترمذي (٥) من حديث خزيمة بن ثابت، والطبراني من حديث عمر (٥) وعثمان (٦) وحذيفة (٧) وأبي أيوب (٨) وزياد (ب) (٩) وعمرو بن
стр. 3438
حزم (١) ومعاوية (٢) وعبد الله بن عمرو (أ) (١) وأبي رافع (٣) ومولاة لعمار بن ياسر وغيرهم. وقال ابن عبد البر (٤): تواترت الأخبار بهذا، وهو من أصح الحديث. وقال ابن دحية (١): لا يطعن في صحته، ولو كان غير صحيح لرده معاوية، وإنما قال معاوية: قتله من جاء به. ولو كان فيه شك لرده معاوية وأنكره، حتى أجاب عمرو بن العاص على معاوية، فقال: فرسول الله ﷺ قتل حمزة؟!. ونقل ابن الجوزي (٥) عن [الخلال] (ب) في "العلل" (٦) أنه حكى عن أحمد أنه قال: قد روي هذا الحديث من ثمانية وعشرين طريقًا ليس فيها طريق صحيح (جـ). وحكى أيضًا عن [أحمد ويحيى بن معين] (جـ) وابن أبي خيثمة أنهم قالوا: لم يصح (٧).
والحديث فيه دلالة على حقية عمار ومن كان تابعًا له [عمار] (د)، وهو علي ﵁، وأن معاوية وأهل صفين بغاة على علي ﵁.
стр. 3439
٩٩٣ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "هل تدري يا بن أم عبد، كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ ". قال: الله ورسوله أعلم. قال: "لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها". رواه البزار، والحاكم (١) وصححه فوهم؛ لأن في إسناده كوثر بن حكيم وهو متروك، وصح عن علي من طرق (أ) نحوه موقوفًا. أخرجه ابن أبي شيبة والحاكم (٢).
كوثر بن حكيم، قال البخاري (٣): إنه متروك. وقال ابن عدي (٤): هذا الحديث غير محفوظ. وقال البيهقي (٥): كوثر ضعيف.
وحديث علي أخرجه البيهقي (١) عن أبي أمامة، قال: شهدت صفين، فكانوا لا يجيزون (٦) على جريح، ولا يقتلون مولِّيًا، ولا يسلبون قتيلًا. وأخرج البيهقي (٥) عن أبي فاختة، أن عليًّا ﵁ أتي بأسير يوم صفين، فقال: لا تقتلني صبرًا. فقال علي ﵁: لا أقتلك صبرًا
стр. 3440
إني أخاف الله رب العالمين. فخلى سبيله، ثم قال: أفيك خير، [تبايع]؟ (أ) قال الشافعي: والحرب يوم صفين قائمة.
قوله: "لا يجهز على جريحها". أي لا يتم قتل من كان جريحا، من: أجهز على الجريح، وجهز؛ أي ثبت قتله وأسرعه وتمم عليه، وفي رواية: "لا يذفف". بالذال المعجمة، وهو في معنى يجهز.
والحديث فيه دلالة على جواز قتل الباغي في القتال، وهو مجمع على جوازه؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ (١). وروي عن الناصر والمرتضى والحسن البصري ومحمد بن عبد الله النفس الزكية وأبي حنيفة، أن قتالهم أفضل من قتال الكفار، قالوا: لما يلحق من (ب) الضرر بالمسلمين من أجلهم، حتى قال الحسن البصري: أما المؤمن فقد ألجمه الخوف وذِكر العَرض على الله تعالى، [وأما الكافر] (جـ) فقد طرده السيف، وأما الغساق فهم في الحجرات يمرحون، وغيرهم اعتبروهم (أ) بأفعالهم الخبيثة. وروي أن أبا حنيفة قال لرجل رجع عن غزو الكفار، وقد قتل أخوه مع محمد بن عبد الله، فقال أبو حنيفة له: خروج أخيك مع محمد بن عبد الله أفضل عندي من خروجك إلى الغزو. فقال له الرجل: هلا خرجت أنت معه. قال أبو حنيفة: كانت عندي ودائع للناس قد تعين عليّ ردها. وأراد بذلك الفقه الذي يحتاج الناس إليه، وتلا قوله تعالى:
стр. 3441
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ (١). يعني بموت العلماء (٢). إلا أن قتالهم إنما يكون بعد تقديم دعائهم إلى الحق وتبيين شبههم؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٣). وندب تكرير الدعاء ثلاث مرات كما فعل علي ﵁ في يوم الجمل. أخرجه البيهقي (٤)، أن عليًّا لم يقاتل أهل الجمل حتى دعا الناس ثلاثًا، حتى إذا كان يوم الثالث دخل عليه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر فقالوا: قد أكثروا فينا الجراح. فقال: يا بن أخي، والله ما جهلت شيئًا من أمرهم إلا ما كانوا فيه. وقال: صب لي ماء. فصب له ماء، فتوضأ به ثم صلى ركعتين، حتى إذا فرغ رفع يديه ودعا ربه، وقال لهم: إن ظهرتم على القوم، فلا تطلبوا مدبرًا، ولا تجيزوا على جريح، وانظروا ما حضرت به الحرب من آلته (ب) فاقبضوه، وما كان سوى ذلك فهو لورثته. قال ﵀: هذا منقطع، [والصحيح] (جـ) أنه لم يأخذ شيئًا ولم يسلب قتيلًا.
ويجب إمهالهم إذا طلبوا المهلة للنظر والتثبت مدة معلومة.
وقوله: "لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها". حكم خاص بالبغاة مخالف لقتال الكفار؛ وذلك لأن قتلهم إنما هو لدفعهم عن المحاربة.
стр. 3442
وظاهر قوله: "ولا يطلب هاربها". أنه لا يجوز ذلك ولو كان متحيزًا إلى فئة، وقد ذهب إلى هذا الشافعي، قال: لأن القصد دفعهم في تلك الحال وقد وقع. وذهبت الهدوية وأبو حنيفة والمروزي أن الهارب إلى فئة يقتل؛ إذ لا يؤمن عوده، والحديث يرد عليه، وكذا ما تقدم من كلام علي ﵁.
وقوله: "ولايقسم فيئها". فيه دلالة على أن البغاة لا تغنم أموالهم، وإن أجلبوا بها إلى دار الحرب، وقد ذهب إلى هذا محمد بن عبد الله النفس الزكية والحنفية والشافعية، ويتأيد هذا الحديث ما بقوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" (١). وأخرج البيهقي (٢) عن الدراوردي عن جعفر بن محمد عن أبيه، أن عليًّا ﵁ كان لا يأخذ سلبًا. وأخرج أيضًا (٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن جعفر بن محمد عن أبيه، أن عليًّا يوم البصرة لم يأخذ من متاعهم شيئًا. وأخرج عن أبي أمامة (٣)، قال: شهدت يوم صفين، وكانوا لا يجيزون على جريح، ولا يقتلون مولِّيًا، ولا يسلبون قتيلًا. وأخرج أيضًا (٤) عن عرفجة عن أبيه، قال: لا قتل علي ﵁ أهل النهر جال في عسكرهم، فمن كان يعرف شيئًا أخذه، حتى بقيت قدر ثم رأيتها أخذت بعد. وذهب أكثر (أ) العترة وأبو يوسف إلى أنه يغنم ما أجلبوا به من مال وآلة حرب ويخمس؛ لقول علي ﵁: لكم العسكر وما
стр. 3443
حوى. ويجاب عنه بأن الحديث مصرح بأن أموالهم لا تغنم، وقول علي ﵁ مؤيد للحديث، وهذا المروي عنه لا يقوى على المعارضة.
واختلف العلماء في تضمين البغاة ما أتلفوه من الدماء والأموال؛ فذهب الإمام يحيى والحنفية إلى أنهم لا يضمنون ما أتلفوا في القتال؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١). ولم يذكر ضمانًا. وأخرج البيهقي (٢) عن ابن شهاب أنه قال: قد هاجت الفتنة الأولى فأدركت -يعني الفتنة- رجالًا ذوي عدد من أصحاب رسول الله ﷺ ممن شهد معه بدرًا، وبلغنا أنهم كانوا يرون أن يهدر أمر (أ) الفتنة، ولا يقام فيها على رجل قاتل في تأويل القرآن قصاص فيمن قتل، ولاحد في سباء امرأة سبيت، ولا يرى عليها حد، ولا بينها وبين زوجها ملاعنة، ولا يرى أن [يقذفها] (ب) أحد إلا جلد الحد، ويرى أن ترد إلى زوجها الأول بعد أن تعتد فققضي عدتها من زوجها الآخر، [ويرى] (جـ) أن يرثها زوجها الأول. وأخرج (٣) عن علي ﵁، أنه قال يوم الجمل بعد أن أكثر الناس عليه الكلام في ذلك: أرأيتم ما عددتم فهو تحت قدميَّ هاتين. وأخرج (٤) عن أبي حبيبة مولى طلحة، قال:
стр. 3444
دخلت مع عمران بن طلحة على علي بعدما فرغ من أصحاب الجمل، ثم قال له عليٌّ بعد كلام: إنا لم نقبض أرضكم هذه السنين (أ) إلا مخافة أن ينتهبها الناس، يا فلان، انطلق معه إلى ابن قرظة، مره فليعطه [غلة] (ب) هذه السنين، ويدفع إليه أرضه. وذهب الشافعي -قال في "البحر": وحكاه أبو جعفر عن أصحابنا- إلى أنه يُقتص ممن قتَل البغاة. قال الشافعي (١) رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (٢). وقال رسول الله ﷺ فيما يُحِلُّ دمَ المسلمِ: "وقتلُ نفس بغير نفس" (٣). وروي عن رسول الله ﷺ "من اعتبط مسلمًا بقتل فهو قود يده" (٤). واحتج (٥) بما رواه محمد بن جعفر، أن عليًّا ﵁ قال في ابن ملجم بعدما ضربه: أطعموه واسقوه، وأحسنوا إساره، فإن عشت فأنا وليُّ دمي؛ أعفو إن شئت، وان شئت استقدت، وان مت فقتلتموه فلا تمثلوا. وقد يجاب عنه بأن ذلك عموم، وقد عارضه إطلاق قوله: "ولا يجهز على جريحها " الحديث. فإن ظاهر الإطلاق أنه سواء كان قد قتل أو لا - والآية الكريمة التقييد بالغاية، يدل المفهوم أنه لا يتبعه بعد الفيء، وهو متأيد أيضًا بما
стр. 3445
شاع بين الصحابة، كما رواه ابن شهاب. والله أعلم.
٩٩٤ - وعن عرفجة بن شريح: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه". أخرجه مسلم (١).
هو عرفجة بن شريح، بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الياء وبالحاء المهملة. وقيل: ابن ضريح بضم الضاد المعجمة وفتح الراء وسكون الياء والحاء المهملة. وقيل: ذريح بفتح الذال المعجمة وكسر الراء وبالحاء المهملة. وقيل: صريح بضم الصاد المهملة وفتح الراء وبالحاء المهملة. وقيل: شراحيل. وقيل: سريج. بالسين المهملة والجيم. الكندي، ويقال: الأشجعي. ويقال: الأسلمي. عداده في أهل الكوفة.
الحديث فيه [دلالة] (أ) على أن من فرق بين جماعة المسلمين؛ وذلك بأن يخرج عن طاعة الإمام الذي قد اجتمعت عليه كلمة المسلمين، يقتل بعد أن [نُهي] (ب) عن ذلك فلم ينته، فإذا قتل فقد صار دمه هدرًا.
стр. 3446
باب قتال الجاني وقتل المرتد
٩٩٥ - عن عبد الله بن [عمرو] (أ) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِه فهو شَهِيدٌ". رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه (١).
وأخرجه البخاري (٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرجه أصحاب "السنن" وابن حبان والحاكم (٣) من حديث سعيد بن زيد، وأخرجه مسلم (٤) من طريق ثابت بن عياض عن عبد الله بن عمرو، وذكر قصة منع عبد الله لعنبسة بن أبي سفيان من إجراء الماء من حائط لآل عمرو بن العاص، وكان المنع لما يدخل عليه من الضرر.
والحديث فيه دلالة على أنه يجوز المقاتلة لن قصد أخذ مال غيره بغير حق، سواء كان المال قليلًا أو كثيرًا. وهو قول الجمهور. وقال بعض المالكية: لا تجوز المقاتلة عن المال القليل. قال القرطبي (٥): سبب الخلاف في ذلك أنه هل ذلك لدفع المنكر، فلا يفترق الحال بين القليل والكثير، أو من
стр. 3447
باب دفع الضرر، فيختلف الحال في ذلك؟ وحكى ابن المنذر (١) عن الشافعي أنه من أريد ماله أو نفسه أو حريمه ولم يمكن الدفع إلا بالقتل فله ذلك، وليس عليه عقل ولا دية ولا كفارة، لكن ليس له أن يقصد القتل. قال ابن المنذر (٢): والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلمًا بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان؛ للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه. وفرق الأوزاعي بين الحال التي للناس فيها جماعة وإمام فحمل الحديث عليها، وأما في حال الاختلاف والفرقة فليستسلم ولا يقاتل أحدًا. ويؤيد قول الجمهور ما أخرجه مسلم (٣) من حديث أبي هريرة بلفظ: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه". قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله". قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد". قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "فهو في النار". وظاهر الحديث إطلاق الأحوال. والله أعلم.
٩٩٦ - وعن عمران بن حصين قال: قَاتَلَ يَعلَى بن أُمَيَّة رجلًا، فعَضّ أحَدُهما صاحبَه، فَانتزع يده من فمه فنزع ثنيته، فاختصما إلى النبي ﷺ ، فقال: "يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل، لا دية له". متفق عليه واللفظ لمسلم (٣).
قوله: فعض أحدهما صاحبه. لم يصرح في الرواية من العاض، ولا من
стр. 3448
المعضوض، وقد جاء في بعض رواياته (١): أن أجيرًا ليعلى عض رجل ذراعه. وجاء في بعضها (٢): أن رجلًا من بني تميم قاتل رجلًا فعض يده. ويعلى هو من بني تميم، وقد استبعد القرطبي (٣) أن يكون يعلى مع جلالة قدره عاضًّا، وأجيب بأنه لا استبعاد فقد يكون ذلك في أول إسلامه. وقال النووي (٤): إن في الرواية الأولى -يعني في مسلم- أن المعضوض يعلى، وفي الرواية الثانية والثالثة أن المعضوض هو أجير يعلى، وقال الحفاظ: الصحيح المعروف أن المعضوض أجير يعلى لا يعلى. قال: ويحتمل أنهما قضيتان جرتا ليعلى ولأجيره في وقت أو وقتين. وتعقبه في "شرح الترمذي" (٥) بأنه ليس في رواية مسلم ولا رواية غيره في "الكتب الستة" ولا غيرها أن يعلى هو المعضوض لا صريحًا ولا إشارة. قال في "شرح الترمذي": فيتعين أن يكون يعلى هو العاض.
وقوله: فانتزع يده. وجاء في رواية لمسلم (٦): عض ذراع رجل. وجاء في رواية للبخاري (٧): فعض إصبع صاحبه. وفي الجمع بين الإصبع والذراع بُعْد، ويبعد أن يحمل على تعدد القصة لاتحاد المخرج، إلا أنه يترجح ذكر الذراع؛ فإنها وقعت في رواية بديل بن ميسرة عن عطاء عند مسلم (٨)،
стр. 3449
وكذا في رواية الزهري عن صفوان عند النسائي (١)، ووافقه سفيان بن عيينة عن ابن جريج في رواية إسحاق بن راهويه عنه (١)، وفي حديث سلمة بن أمية عند النسائي (٢)، وانفرد إسماعيل ابن علية عن ابن جريج بلفظ الأصبع (١)، فلا تقاوم الروايات المتعاضدة على ذكر الذراع.
وقوله: فنزع ثنيته. وقع بصيغة الإفراد في رواية هشام (٣)، ووقع في رواية الأكثر للبخاري (٤): فوقعت ثنيتاه. بصيغة التثنية، وللكشميهني (٥): ثناياه. بصيغة الجمع، وقد تترجح رواية التثنية؛ لأن رواية الجمع مطابقة لها عند من يجيز في [الاثنين] (أ) صيغة الجمع، ورواية الإفراد تُرَدُّ إليها بحمله على إرادة الجنس، إلا أنه وقع في رواية محمد بن بكر (٦): فانتزع إحدى ثنيتيه. فهذه مصرحة بالوحدة، والحمل على تعدد الواقعة بعيد لاتحاد الخرج.
وقوله: فاختصما. بصيغة التثنية. وفي رواية البخاري (٤): فاختصموا. والمراد يعلى وأجيره ومن انضم إليهما ممن يلوذ بهما أو بأحدهما. وفي رواية (٧): فرفع إلى النبي ﷺ . وفي رواية (٨): فاستعدى عليه. وفي
стр. 3450
رواية (١): فانطلق. وفي رواية (٢): فأتينا (أ). وفي رواية: فأتياه (ب).
وقوله: "أيعَض". هو بفتح أوله وفتح العين المهملة والضاد المعجمة ثقيلة، وفي رواية (٣): "يعمد أحدكم إلى أخيه فيعضه". وأصل ماضيه عضِض بكسر الضاد الأولى يعضَض بفتحها في المضارع، فأدغمت ونقلت حركتها إلى ما قبلها.
وقوله: "الفحل". المراد به الذكر من الإبل، ويطلق على غيره من ذكور الدواب.
وجاء في رواية: "يقضَمها" (٤). بسكون القاف وفتح الضاد المعجمة على الأفصح، وهو الأكل بأطراف الأسنان.
وقوله: "لا دية له". وفي رواية (٥): فأبطله. وقال: "أردت أن تأكل لحمه؟ ". وفي رواية (٣): "ثم تأتي تلتمس العقل؟ لا عقل لها". فأبطلها. وفي رواية (٦): "تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك تقضمها قضم الفحل،
стр. 3451
ارفع يدك حتى يقضمها ثم انتزعها". وفي رواية (١): "إن شئت أمرناه فعض يدك، ثم انتزعْها أنت". وفي رواية (٢): فأهدرها.
والحديث فيه دلالة على أن هذه الجناية التي وقعت لأجل الدفع عن الضرر تهدر، ولا ضمان على الجاني، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وقالوا: لا يلزمه شيء؛ لأنه في حكم الصائل. واحتجوا أيضًا بالإجماع على أن من شهر على آخر سلاحًا ليقتله، فدفع عن نفسه فقتل الشاهر، أنه لا شيء عليه، قالوا: ولو جرحه المعضوض في موضع آخر لم يلزمه شيء. وشرط الإهدار أن يتألم المعضوض، وألا يمكنه تخليص يده بغير ذلك، من ضرب شدقه أو فك [لحييه] (أ) ليرسلها، ومهما أمكن التخلص بدون ذلك فعدل عنه إلى الأثقل لم يهدر. وعند الشافعية وجه أنه يهدر على الإطلاق، ووجه أنه لو دفعه بغير ذلك ضمن. وعن مالك روايتان؛ أشهرهما يجب الضمان.
وأجابوا عن هذا الحديث باحتمال أن يكون سبب الإهدار شدة العض لا النزع، فيكون سقوط ثنية العاض بفعله لا بفعل المعضوض؛ إذ لو كان من فعل صاحب اليد لأمكنه التخلص من غير قلع، ولا يجوز الدفع بالأثقل مع إمكان الأخف. وقال بعض المالكية: العاض قصد العضو نفسه، والذي استحق [في] (ب) إتلاف ذلك العضو غير ما فعل به، فوجب أن يكون كل
стр. 3452
منهما ضامنًا ما جناه على صاحبه، كمن قلع عين رجل، فقطع الآخر يده، ورد عليه بأنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد. وقال بعضهم: لعل أسنانه كانت متحركة فسقطت عقيب النزع. وسياق الحديث يدفع [هذا] (أ) الاحتمال، وتمسك بعضهم بأنها واقعة عين ولا عموم فيها، ورد عليه بأن البخاري (١) أخرج من حديث أبي بكر ﵁، أنه وقع عنده مثل ما وقع عند النبي ﷺ وقضى فيه بمثله. فدل على تعدي الحكم في غير ما ورد فيه.
وما شرطه الجمهور في الإهدار إنما هو من باب التقييد بما قد عرف حكمه من القواعد الكلية، وكذا إجراء الحكم في غير جناية الفم، بأن يكون في عضو آخر من باب القياس، وقد قال يحيى بن عمر: لو بلغ مالكًا هذا الحديث لم يخالفه. وكذا قال ابن بطال (٢). وقال الداودي (٣): لم يروه مالك؛ لأنه من رواية أهل العراق. وقال عبد الملك: كأنه لم يصح الحديث عنده؛ لأنه أتى من قبل المشرق.
قال المصنف (٣) رحمه الله تعالى: وهو مسلَّم في حديث عمران، وقد أخرجه مسلم، وأما طريق يعلى بن أمية فرواه أهل الحجاز وحملها عنهم أهل العراق، واعتذر بعض المالكية بفساد الزمان، ونقل القرطبي عن بعض أصحابهم إسقاط الضمان. قال: وضمنه الشافعي، وهو مشهور مذهب
стр. 3453
مالك. وتُعقِّب بأن المعروف عن الشافعي أنه لا ضمان، وكأنه انعكس على القرطبي. والله أعلم.
٩٩٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم رسول الله ﷺ : "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، لم يكن [عليك] (أ) جناح". متفق عليه (١)، وفي لفظ لأحمد والنسائي وصححه ابن حبان (٢): "فلا دية (ب) ولا قصاص".
قوله: "اطلع عليك بغير إذن". الحديث فيه دلالة على أن من قصد النظر إلى محل غيره مما لا يجوز الدخول إليه إلا بإذن مالكه -أنه يجوز للمنظور إليه دفعه بما ذكر، وإن فقأ عينه فلا ضمان عليه فيها، وأما إذا كان مأذونًا له في النظر فالجناح غير مرفوع على من جنى على الناظر، وكذا إذا كان المنظور إليه في محل لا يحتاج إلى الإذن منه، ولو نظر منه ما لا يحل له النظر إليه؛ لأن التقصير من المنظور إليه، وقد ذهب إلى هذا الشافعي وغيره.
وذهبت المالكية إلى أنه لا يقصد المنظور إليه إضرار العين ولا غيرها، وأنه إن فعل ذلك وجب القصاص والدية، قالوا: لأن المعصية لا تدفع بمعصية. وأجيب بأن هذا الدفع المأذون فيه ليس بمعصية. وقد وافق المالكية في جواز
стр. 3454
دفع الصائل ولو أدى إلى هلاكه ولا ضمان فيه، والحديث منابذ لقولهم وراد عليهم، وقد أجابوا عنه بأنه وردَّ على سبيل التغليظ والإرهاب، ويجاب عنه بأن النبي ﷺ [جعل] (أ) يَخْتِل -بفتح الياء التحتية وسكون الخاء المعجمة بعدها مثناة مكسورة، من الختل، وهو الإصابة- ليطعنه -بضم العين المهملة بناء على المشهور أن الفعل في المضارع بضم العين وبالفتح للقول، وقيل: هما سواء- فإن ظاهر فعل النبي ﷺ يدل على أن ذلك على جهة الحقيقة.
وقال يحى بن [عمر] (ب) من المالكية: لعل مالكًا لم يبلغه الخبر. واعتل بعض المالكية في تأويل الحديث بالإجماع على أن من قصد النظر إلى عورة غيره أن ذلك لا يبيح فقء عينه ولا سقوط ضمانها، فكذلك إذا كان النظر إلى المذكور وهو في بيته وتجسس الناظر إلى ذلك. ونازع القرطبي في ثبوت هذا الإجماع، وقال: إن الحديث يتناول كل مطَّلع. قال: لأن الحديث المذكور فيه إنما هو مظنة الاطلاع على العورة، فبالأولى نظر العورة المحقق. وقد يجاب بأن النظر إلى البيت غير منحصر في نظر العورة فقط، بل هو عام لنظر الحريم، وما يقصد صاحب البيت ستره من الأمور التي لا يجب اطلاع أحد عليها، فلم يكن ذلك أولى.
وقال ابن دقيق العيد (١): تصرف الفقهاء في هذا الحكم بأنواع من التصرفات:
стр. 3455
منها: أن يفرق بين أن يكون هذا الناظر واقفًا في الشارع، أو في خالص ملك المنظور إليه، أو في سكة منسدة الأسفل، اختلفوا فيه، والأشهر أن لا فرق، ولا يجوز مد العين إلى حرم الناس بحال، وفي وجه للشافعية أنه لا تفقأ إلا عين من وقف في ملك المنظور إليه.
ومنها: أنه هل يجوز رمي الناظر قبل النهي والإنذار؟ فيه وجهان للشافعية؛ أحدهما: لا. على قياس الدفع في البداية بالأهون. والثاني نعم. وإطلاق الحديث يشعر بهذين الأمرين معًا؛ أعني لا فرق بين مواقف الناظر، وأنه لا يحتاج إلى الإنذار، ويدل عليه فعل النبي ﷺ .
ومنها: أنه لو سمع إنسان، فهل يلحق السمع بالنظر؟
وفي الحديث إشعار بأنه إنما يقصد العين بشيء خفيف كالمدرى والبندقة والحصاة؛ لقوله: "فحذفته". قال الفقهاء: أما إذا زرقه (١) بالنُّشَّاب، أو رماه بحجر يقتله، فقتله، فهذا قتيل يتعلق به القصاص أو الدية.
ومما تصرف فيه الفقهاء أن هذا الناظر إذا كان له محرم في الدار أو زوجة أو متاع لم يجز قصد عينه؛ لأن له في النظر شبهة. وقيل: لا يكفي أن يكون له في الدار محرم، إنما يمتنع قصد عينه إذا لم يكن فيها إلا محارمه.
ومنها: أنه إذا لم يكن في الدار إلا صاحبها، فله الرمي إن كان مكشوف العورة، ولا ضمان، وإلا فوجهان؛ أظهرهما لا يجوز رميه.
ومنها: أن الحرم إذا كانت في الدار مستترات، أو في بيت، ففي وجه
стр. 3456
لا يجوز قصد عينه؛ لأنه لا يطلع على شيء. قال بعض الفقهاء: والأظهر الجواز؛ لإطلاق الأخبار، وأنه لا تنضبط أوقات الستر والتكشف، فالاحتياط حسم الباب.
ومها: أن ذلك إنما يكون إذا لم يقصر صاحب الدار، فإن كان بابه مفتوحًا أو ثَم كوة واسعة، أو ثلمة مفتوحة؛ فيُنظَر فإن كان مجتازًا لم يجز قصده، وإن كان وقف وتعمد؛ فقيل: لا يجوز قصده لتفريط صاحب الدار بفتح الباب وتوسيع الكوة. وقيل: يجوز لتعديه بالنظر. وأجري هذا الخلاف فيما إذا نظر من سطح بيته، أو نظر المؤذن من المئذنة، لكن الأظهر ها هنا عندهم جواز الرمي؛ لأنه لا تقصير من صاحب الدار. ثم قال: واعلم أن ما كان من هذه التصرفات الفقهية داخلًا تحت إطلاق الحديث، فهو مأخوذ منها (أ)، وما لا، فبعضه مأخوذ من الأخبار من فهم المعنى المقصود بالحديث، وبعضه مأخوذ من القياس وهو قليل فيما ذكر. انتهى كلامه.
واعلم أنه يؤخذ من هذا الحديث صحة قول الفقهاء: إنها تهدم الصوامع المحدثة المعورة، وكذا تعلية الملك إذا كانت معورة، وهو مروي عن القاسم الرسي، ويحتج له بما أخرجه ابن عبد الحكم في " فتوح مصر" (١) عن يزيد بن أبي حبيب، قال: أول من بنى غرفة بمصر خارجة بن حذافة، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فكتب إلى عمرو بن العاص: سلام عليك، أما بعد، فإنه
стр. 3457
بلغني أن خارجة بن حذافة بنى غرفة، ولقد أراد أن يطلع على عورات جيرانه، فإذا أتاك كتابي هذا فاهدمها إن شاء الله تعالى، والسلام. والله أعلم.
٩٩٨ - وعن البراء بن عازب ﵁ قال: قضى رسول الله ﷺ أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل. رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي، وصححه ابن حبان (١)، وفي إسناده اختلاف.
الحديث مداره على الزهري، وقد اختلف عليه؛ فرواه الليث عن الزهري عن ابن محيصة، ولم يذكر أن القضية في ناقة البراء.
ورواه مالك في "الموطأ" (٢) عن الزهري عن حرام بن [سعد] (أ) بن محيصة بلفظ: أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدته المواشي بالليل فهو ضامن على أهلها.
стр. 3458
ورواه معن بن عيسى (١) عن مالك فزاد فيه: عن جده محيصة.
ورواه معمر (٢) عن الزهري عن حرام عن أبيه، ولم يتابع عليه. أخرجه أبو داود وابن حبان (٢).
ورواه الأوزاعي، وإسماعيل بن أمية، وعبد الله بن عيسى، كلهم (٣) عن الزهري عن حرام عن البراء، وحرام لم يسمع من البراء. قاله عبد الحق تبعًا لابن حزم (٤).
ورواه النسائي (٥) من طريق محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن البراء.
ورواه ابن عيينة (٦) عن الزهري عن حرام وسعيد بن المسيب، أن البراء.
ورواه ابن جريج (٧) عن الزهري أخبرني أبو [أمامة] (أ) بن سهل، أن ناقة البراء.
стр. 3459
ورواه ابن أبي ذئب (١) عن الزهري قال: بلغني أن ناقة البراء.
وأخرجه البيهقي (٢) من هذه الطرق المذكورة مع الاختلاف. وقال الشافعي (٣) رحمه الله تعالى: أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله. قال البيهقي (٤): وروينا عن الشعبي عن شريح، أنه كان يُضَمِّن ما أفسدت الغنم بالليل، ولا يُضَمِّن ما أفسدت بالنهار. ويتأول هذه الآية: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ (٥). وكان يقول: النفش بالليل. وأخرج عن الشعبي قال: أتي شريح بشاة أكلت عجينًا، فقال: نهارًا أو ليلًا؟ قالوا: نهارًا. فأبطله، وقرأ: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. وقال: إنما النفش بالليل. وفي رواية قتادة عن الشعبي: أن شريحًا رفعت إليه شاة أصابت غزلًا، فقال الشعبي: أبصروه؛ فإنه سيسألهم: أبليل كان أم بنهار؟ فسألهم، فقال: إن كان بليل فقد ضمنتم، وإن كان بنهار فلا ضمان عليكم. قال: وقال: النفش بالليل، والهمل بالنهار. وروى مرة عن مسروق: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. قال: كان كرمًا، فدخلت فيه ليلًا، فما تركت فيه خضرًا.
والحديث فيه دلالة على أنه لا يضمن مالك البهيمة ما جنته في النهار؛ لأنه يعتاد إرسالها بالنهار، ويضمن ما جنته [بالليل] (أ)؛ لأنه يعتاد حفظها
стр. 3460
بالليل، وقد ذهب إلى هذا مالك والشافعي، وأطلقه الإمام المهدي في "البحر" لمذهب الهدوية، وحجتهم الحديث والآية الكريمة في قصة داود كذلك، وإن كان الاحتجاج بها مبنيًّا على أن شرع من قبلنا يلزمنا.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا ضمان على أهل الماشية مطلقًا، وحجتهم قوله ﷺ : "العجماء جرحها جبار" (١). قال الطحاوي: إلا أن تحقيق مذهب أبي حنيفة، أنه لا ضمان إذا أرسلها مع حافظ، وأما إذا أرسلها من دون حافظ ضمن، وهذا التقييد خارج عن الدليل، وكذلك أصحاب مالك يقيدون قولهم بأنها إذا سرحت الدواب في مسارحها المعتادة للرعي، وأما إذا كانت في أرض مزروعة لا مسرح فيها، فهم يُضَمِّنون ليلًا ونهارًا.
وذهب بعضهم إلى أنه يضمن مالكها ما أفسدت ليلًا ونهارًا، قال: لأنه متعدٍّ بإرسالها، والأصول قاضية بأن المتعدي ضامن، وقد ذهب إلى هذا الليث، إلا أنه قال: لا يضمن أكثر من قيمة الماشية.
وقول رابع: أنه لا يضمن ما أتلفت مما لا يقدر على حفظه، ويضمن ما أمكنه حفظه. وهو مروي عن عمر ﵁، وجعل الإمام يحيى الحكم منوطًا باعتياد الحفظ، فإن كان يعتاد الحفظ في النهار والإرسال في الليل انعكس الحكم، وضمن جنايتها نهارًا لا ليلًا، وهو مصادم لحديث ناقة البراء، ولحديث: "العجماء جرحها جبار". وللآية الكريمة، ولعله يقول: إن الحديثين مقيد إطلاقهما بالمعنى المناسب. ثم قال الإمام المهدي بعد ذلك: مسألة: ويضمن الراعي ما أكلت الغنم في مرعاها إذ عليه حفظها، فإن أبعدها
стр. 3461
عن الزرائع وغفل يسيرًا فتعدت لم يضمن، إذ يعذرون في اليسير مع إبعادها، ولو سرحها ليلًا فدخلت بساتين ذات حيطان وأبواب فلا ضمان؛ إذ التفريط بفتح الأبواب بخلاف الزروع التي بلا حيطان. انتهى.
فهذه المسألة لا تستقيم إلا على ما ذكره الإمام يحيى، إذا كان يعتاد حفظها، وهو خارج عن الأقوال الأربعة.
٩٩٩ - وعن معاذ بن جبل ﵁ في رجل أسلم ثم تهود: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله. فأمر به فقتل. متفق عليه (١). وفي رواية لأبي داود (٢): وكان قد استتيب قبل ذلك.
الحديث فيه دلالة على أنه يقتل المرتد عن الإسلام، وأنه يقتل من غير استتابة؛ لقوله: لا أجلس حتى يقتل. وقد جاء في رواية أبي داود التصريح بذلك، بقول معاذ: لا أنزل عن دابتي حتى يقتل. فقتل. إلا أنه في قول أحد الرواة: وكان قد استتيب قبل ذلك. ولأبي داود (٣) في رواية: فدعاه أبو موسى عشرين ليلة أو قريبًا منها، وجاء معاذ فدعاه، فأبى فضرب عنقه. قال أبو داود: رواه عبد الملك بن عمير عن أبي بردة. فلم يذكر الاستتابة، وكذا ابن فضيل عن الشيباني. وقال المسعودي عن القاسم، يعني ابن عبد الرحمن
стр. 3462
في هذه القصة: فلم ينزل حتى ضربت عنقه وما استتابه (١). إلا أن الرواية التي لم يذكر فيها الاستتابة لا تعارض ما ذكرت فيها الاستتابة، ولعل معاذًا قد كان بلغه استتابة أبي موسى له.
وقد ذهب الجمهور إلى وجوب الاستتابة، واستدل ابن القصار لذلك بالإجماع السكوتي؛ لأن عمر كتب في أمر المرتد: هلا حبستموه ثلاثة أيام، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، لعله يتوب فيتوب الله عليه (٢). قال: ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٣).
وذهب الحسن وطاوس وأهل الظاهر، ونقله ابن المنذر (٤) عن معاذ وعبيد بن عمير -وأشار إليه البخاري، فإنه ذكر البخاري في الباب الآيات التي لا ذكر للاستتابة فيها- إلى أنه لا يستتاب المرتد وأنه يقتل في الحال، قالوا: لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه". وبهذه، قصة معاذ. قال الطحاوي: ذهب هؤلاء إلى أن حكم المرتد حكم الحربي الذي بلغته الدعوة، فإنه يقاتل من قبل أن يدعى، قالوا: وإنما تشرع الدعوة لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرة، وأما من خرج عن بصيرة فلا. ثم نقل عن أبي يوسف موافقتهم، لكن قال: إن جاء مبادرًا بالتوبة خلي سبيله ووكل أمره إلى الله. وعن ابن عباس وعطاء: إن كان أصله مسلمًا لم يستتب، وإلا استتيب (٥).
стр. 3463
ثم اختلف القائلون بالاستتابة، هل يكتفى بالمرة أو لا بد من ثلاث في مجلس، أو في يوم أو في ثلاثة أيام؟ وعن علي (١): يستتاب شهرًا. وعن النخعي (٢): يستتاب أبدًا. كذا نقل عنه، والتحقيق أنه في حق من تكررت منه الردة.
وقوله: قضاء الله. يجوز فيه الرفع على خبرية مبتدأ محذوف، ويجوز نصبه على أنه مصدر حذف فعله؛ أي أقضي قضاء الله، والمراد بقضاء الله ورسوله هو قوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه". وقد جاء هذا التفسير مصرحًا به في رواية أيوب بعد: قضاء الله ورسوله. أن من رجع عن دينه فاقتلوه. أو قال: "من بدل دينه فاقتلوه".
١٠٠٠ - وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه". رواه البخاري (٣).
الحديث فيه دلالة على قتل المرتد إذا لم يرجع إلى الإسلام، ولفظ "من" عام يشمل المذكر والمؤنث (أ)، فتقتل المرأة إذا ارتدت عن الإسلام، والخلاف في ذلك لمن يقول: إن "من" لا تعم المؤنث، وأنها لعموم المذكر، إذ يقول بأنه عموم مخصوص، والقائلون بأنها لا تقتل هم الحنفية، قالوا:
стр. 3464
لأنه قد ورد عن النبي ﷺ النهي عن قتل النساء لما رأى امرأة مقتولة، وقال: "ما كانت هذه لتقاتل" (١).
وأجاب الجمهور بأن "من" عامة للرجال والنساء، وأما النهي المذكور فإنما هو في الكافرة الأصلية كما وقع في سياق قضية (أ) النهي، فيكون النهي مخصوصًا بما فهم من العلة؛ وهو لمَّا كانت لا تقاتل، فالعلة في النهي عن قتلها إنما هو لتركها المقاتلة، وكان ذلك في حق الكفار الأصليين المتحزبين للقتال، وهي عموم قوله: "من بدل". سالمًا عن [المعارض] (ب)، ويؤيد هذا أن ابن عباس راوي الحديث قال: إنها تقتل المرتدة. أخرجه ابن المنذر (٢). وأخرج أيضًا والدارقطني (٣) أن أبا بكر الصديق قتل امرأة مرتدة في خلافته والصحابة متوافرون، ولم ينكر ذلك عليه أحد. وهو حديث حسن.
وأخرج (٤) أيضًا مرفوعًا في قتل المرتدة لكن بسند ضعيف. ووقع في حديث معاذ (٥) بإسناد حسن، أن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن، قال له: "أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها". وهو نص في محل
стр. 3465
النزاع، فيجب المصير إليه، ويؤيده من جهة النظر أن الكافرة الأصلية تسترق، فتكون غنيمة للمجاهدين، والمرتدة لا تسترق عندهم، فلا تغنم، فلا يترك قتلها، وأيضًا اشتراك الرجال والنساء في الحدود كلها؛ الزنى وغيره، ومن جملة الحدود رجم المحصنة، فهو مخصص [الحديث] (أ) النهي عن قتل النساء.
وظاهر الحديث إطلاق التبديل، [فيتناول] (ب) من تنصر بعد أن كان يهوديًّا، وغير ذلك من الأديان الكفرية، وقد ذهب إلى هذا الشافعية، وسواء كان من الأديان التي يقرر عليها بالجزية أم لا؛ لإطلاق هذا اللفظ. وأجاب بعض الحنفية بأن المراد بالتبديل إنما هو بكفر بعد إسلام، وإطلاق الحديث متروك الظاهر اتفاقًا في حق الكافر إذا أسلم، فإنه كان متناولًا له الإطلاق، وبأن الكفر ملة واحدة، فلو تنصر اليهودي لم يخرج عن دين الكفر، فكأن المراد: من بدل دين الإسلام بدين آخر؛ لأن الدين في الحقيقة هو الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١). وإن كان ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ (٢). وظاهره أن غير الإسلام يسمى دينًا، وأنه لن يقبل منه. وأجيب بأن الآية ظاهرة فيمن ارتد عن الإسلام أنه لا يقر على ذلك، ولم يكن في الآية أيضًا أنه لا يقر على جزية، وإنما عدم القبول والخسران في الآخرة، ومع كونه يُقرر بالجزية صادقًا
стр. 3466
عليه أنه لن يقبل منه، وقد أخرج الطبراني (١) عن عكرمة عن ابن عباس رفعه: "من خالف في دينه دين الإسلام فاضربوا عنقه". فصرح بدين الإسلام.
والحديث شامل للزنديق؛ فيقتل الزنديق ويستتاب كغيره من المرتدين، وكما روي عن علي (٢) ﵁، أنه استتاب السبئية الذين قالوا: إنه إله. ثلاثة أيام، وعرض عليهم التوبة وأحرقهم بالنار في اليوم الثالث، وقال:
إني إذا رأيت أمرًا منكرا ... أوقدت ناري ودعوت قَنْبَرا
وقد ذهب إلى قبول توبة الزنديق العترة والشافعىِ، قال الشافعي في "المختصر": وأي كفر ارتد إليه مما يظهر أو يُسَرُّ من الزندقة وغيرها ثم تاب سقط عنه القتل. وقال: يستتاب الزنديق كما يستتاب المرتد. وعن أبي حنيفة وأحمد روايتان وهو المشهور عن المالكية. وحكي عن مالك: تقبل منه التوبة إذا جاء تائبًا وإلا فلا. وبه قال أبو يوسف، واختاره الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وأبو منصور البغدادي. وعن بقية الشافعية أوجه كالمذاهب المذكورة، ووجه يفرق بين من كان داعية فلا تقبل توبته، وتقبل ممن كان غير داعية، وذهب ابن الصلاح إلى أنها تقبل توبته ويعزر، فإن عاد قتل بغير استتابة، واحتج القائلون [باستتابتهم] (أ) بقوله تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ (٣). وبقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ (٤). فإنهم لم يعاجَلوا بالقتل، بل أُمهلوا حتى حلفوا،
стр. 3467
فدل على الإمهال للاستتابة، وأن إظهار الأيمان يحصن من القتل، وقد قام الإجماع على أن أحكام الدين على الظاهر، والله يتولى السرائر، وقد قال ﷺ لأسامة: "هلا شققت عن قلبه" (١). وقال للذي ساره في قتل رجل: "أليس يصلي؟ ". قال: نعم. قال: "أولئك الذين نهيت عن قتلهم" (٢). والأحاديث في هذا كثيرة، واستدل لمن لم يقبل التوبة، بأن توبة الزنديق لا تعرف، قالوا: وإنما لم يقتل النبي ﷺ المنافقين للتأليف، والجواب عنه بأن الظاهر من أحوال النبي ﷺ التغاضي عن المنافقين مع ظهور الإسلام وقوة شوكته، وطلب جماعة من الصحابة لقتل من ظهر نفاقه، وإجابته ﷺ في حق البعض بقوله: "أليس يصلي؟ "."أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ " وذلك للاكتفاء بظاهر الإسلام، وإن ظهر منه ما يدل على أن باطنه يخالف ما ظهر منه، وأن الأحكام الشرعية [بنيت] (أ) على المعاملة بالظاهر والله يتولى السرائر، فمهما كانت اليد مع المسلمين، فحكم الإسلام جار عليه.
والزنديق بكسر أوله وسكون ثانيه، قال أبو حاتم (٣): هو فارسي معرب أصله زَنْدَهْ كَرْدْ، أي يقول بدوام الدهر؛ لأن زَنْدَهْ الحياة، وكَرْدْ العمل، ويطلق على من يكون دقيق النظر في الأمور. وقال ثعلب (٤): ليس في كلام العرب زنديق، وإنما قالوا: زندقي. لمن يكون شديد التحيل، وإذا أرادوا ما
стр. 3468
تريد العامة، قالوا: ملحد ودهري. بفتح الدال، أي يقول بدوام الدهر، وإذا قالوا بالضم: أرادوا كبر السن. وقال الجوهري (١): الزنديق من الثنوية. كذا قال. وفسره بعض شراح البخاري بأنه الذي يدعي أن مع الله إلها آخر، وتعقب بأنه يلزم منه أن يطلق على كل مشرك، والتحقيق ما ذكره مَن صَنَّف في الملل، أن أصل الزنادقة (أ) اتباع ديصان ثم ماني ثم مزدك، ودَيصان: بفتح الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحت بعدها صاد مهملة، ومانِّي: بتشديد النون وقد تخفف، ومزدَك: بزاي ساكنة ودال مهملة مفتوحة ثم كاف، وحاصل مقالاتهم أن النور والظلمة قديمان، و [أنهما] (أ) امتزجا، فحدث العالم كله منهما، فمن كان من أهل الشر فهو من الظلمة، ومن كان من أهل الخير فهو من النور، وأنه يجب السعي في تخليص النور من الظلمة، وإلى ذلك أشار المتنبي (٢) حيث قال في قصيدته المشهورة:
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تُخَبِّر أن المانوية تكذب
وكان بهرام جدُّ كسرى تحيل على ماني حتى حضر عنده، وأظهر له أنه قبل مقالته، ثم قتله وقتل أصحابه، وبقيت منهم بقايا اتّبعت مزدَك المذكور، وقام الإسلام والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك، وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية القتل، ومن ثمَّ أطلق [الاسم] (ب) على كل من أسرَّ الكفر وأظهر الإسلام، حتى قال مالك: الزنديق ما كان عليه المنافقون، وكذا
стр. 3469
أطلق جماعة من الفقهاء الشافعية وغيرهم، أن الزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر، فإن أرادوا اشتراكهم في الحكم فهو كذلك وإلا فأصلهم ما ذكر، وقد قال النووي في لغات "الروضة ": الزنديق: الذي لا ينتحل دينًا. وقد قال محمد بن معن في "التنقيب على المهذب": الزنادقة من الثنوية، يقولون ببقاء الدهر وبالتناسخ. قال: ومن الزنادقة الباطنية، وهم قوم زعموا أن الله تعالى خلق شيئًا، ثم خلق منه شيئًا آخر، فدبَّر العالم بأسره، ويسمونهما العقل والنفس، وتارة العقل الأول والعقل الثاني، وهو من قول الثنوية في النور والظلمة، إلا أنهم غيروا الاسمين. قال: ولهم مقالات سخيفة في النبوَّات، وتحريف الآيات، وفرائض العبادات. وقيل: إن سبب تفسير الفقهاء الزنديق بما يفسر به المنافق، قول الشافعي في "المختصر": وأي كفر ارتد إليه. المتقدم، وهذا لا يلزم منه اتحاد الزنديق والمنافق، بل كل زنديق منافق من غير عكس، وقد كان من أطلق عليه في الكتاب والسنة المنافق من يظهر الإسلام ويبطن عبادة الوثن أو اليهودية، وأما الثنوية فلا يحفظ أن أحدًا منهم أظهر الإسلام في العهد النبوي، والله أعلم.
ومن تكرر منه الردة والإسلام فتوبته مقبولة عند الأكثر، وقال أبو حنيفة والشافعي: ويعزَّر في الثالثة، وذهب أحمد وإسحاق والمروزي من أصحاب الشافعي إلى أنها لا تقبل منه التوبة؛ لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ (١). والجواب: أن الآية محمولة على الذين بقُوا على الكفر، لا مَن قد تاب؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ
стр. 3470
﴿لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١). وقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٢).
١٠٠١ - وعن ابن عباس، أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، فلما كان ذات ليلة أخذ المعول فجعله في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ألا اشهدوا أن دمها هدْر". رواه أبو داود (٣) ورواته ثقات.
الحديث فيه دلالة على أنه يقتل من سب النبي ﷺ ويهدر دمه، فإن كان مسلمًا كان سب النبي ﷺ ردة عن الإسلام؛ فيقتل، قال ابن بطال (٤): من غير استتابة. ونقل ابن المنذر (٥) عن الليث والأوزاعي أنه يستتاب، وإن كان من أهل العهد فإنه يقتل إلا أن يسلم، ونقل ابن المنذر (٥) عن الليث [و] (أ) الشافعي وأحمد وإسحاق أنه يقتل أيضًا من غير استتابة، وعن الكوفيين أنه يعزَّر المعاهد ولا يقتل، واحتج الطحاوي على ذلك بأن النبي ﷺ لم يقتل اليهود الذين قالوا: "السام عليك" (٦). ولو كان هذا من مسلم لكان ردة؛ لأن ما هم عليه من الكفر أشد من السب، وقد يقال: إن دماءهم إنما حقنت بالعهد، وليس في العهد أنهم يسبون النبي ﷺ فمن سبَّه منهم انتقض عهده، فيصير كافرًا بلا عهد، فيهدر دمه إلا أن يسلم. والله أعلم.