عليه أنه لن يقبل منه، وقد أخرج الطبراني (١) عن عكرمة عن ابن عباس رفعه: "من خالف في دينه دين الإسلام فاضربوا عنقه". فصرح بدين الإسلام.
والحديث شامل للزنديق؛ فيقتل الزنديق ويستتاب كغيره من المرتدين، وكما روي عن علي (٢) ﵁، أنه استتاب السبئية الذين قالوا: إنه إله. ثلاثة أيام، وعرض عليهم التوبة وأحرقهم بالنار في اليوم الثالث، وقال:
إني إذا رأيت أمرًا منكرا ... أوقدت ناري ودعوت قَنْبَرا
وقد ذهب إلى قبول توبة الزنديق العترة والشافعىِ، قال الشافعي في "المختصر": وأي كفر ارتد إليه مما يظهر أو يُسَرُّ من الزندقة وغيرها ثم تاب سقط عنه القتل. وقال: يستتاب الزنديق كما يستتاب المرتد. وعن أبي حنيفة وأحمد روايتان وهو المشهور عن المالكية. وحكي عن مالك: تقبل منه التوبة إذا جاء تائبًا وإلا فلا. وبه قال أبو يوسف، واختاره الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وأبو منصور البغدادي. وعن بقية الشافعية أوجه كالمذاهب المذكورة، ووجه يفرق بين من كان داعية فلا تقبل توبته، وتقبل ممن كان غير داعية، وذهب ابن الصلاح إلى أنها تقبل توبته ويعزر، فإن عاد قتل بغير استتابة، واحتج القائلون [باستتابتهم] (أ) بقوله تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ (٣). وبقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ (٤). فإنهم لم يعاجَلوا بالقتل، بل أُمهلوا حتى حلفوا،
стр. 3467
فدل على الإمهال للاستتابة، وأن إظهار الأيمان يحصن من القتل، وقد قام الإجماع على أن أحكام الدين على الظاهر، والله يتولى السرائر، وقد قال ﷺ لأسامة: "هلا شققت عن قلبه" (١). وقال للذي ساره في قتل رجل: "أليس يصلي؟ ". قال: نعم. قال: "أولئك الذين نهيت عن قتلهم" (٢). والأحاديث في هذا كثيرة، واستدل لمن لم يقبل التوبة، بأن توبة الزنديق لا تعرف، قالوا: وإنما لم يقتل النبي ﷺ المنافقين للتأليف، والجواب عنه بأن الظاهر من أحوال النبي ﷺ التغاضي عن المنافقين مع ظهور الإسلام وقوة شوكته، وطلب جماعة من الصحابة لقتل من ظهر نفاقه، وإجابته ﷺ في حق البعض بقوله: "أليس يصلي؟ "."أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ " وذلك للاكتفاء بظاهر الإسلام، وإن ظهر منه ما يدل على أن باطنه يخالف ما ظهر منه، وأن الأحكام الشرعية [بنيت] (أ) على المعاملة بالظاهر والله يتولى السرائر، فمهما كانت اليد مع المسلمين، فحكم الإسلام جار عليه.
والزنديق بكسر أوله وسكون ثانيه، قال أبو حاتم (٣): هو فارسي معرب أصله زَنْدَهْ كَرْدْ، أي يقول بدوام الدهر؛ لأن زَنْدَهْ الحياة، وكَرْدْ العمل، ويطلق على من يكون دقيق النظر في الأمور. وقال ثعلب (٤): ليس في كلام العرب زنديق، وإنما قالوا: زندقي. لمن يكون شديد التحيل، وإذا أرادوا ما
стр. 3468
تريد العامة، قالوا: ملحد ودهري. بفتح الدال، أي يقول بدوام الدهر، وإذا قالوا بالضم: أرادوا كبر السن. وقال الجوهري (١): الزنديق من الثنوية. كذا قال. وفسره بعض شراح البخاري بأنه الذي يدعي أن مع الله إلها آخر، وتعقب بأنه يلزم منه أن يطلق على كل مشرك، والتحقيق ما ذكره مَن صَنَّف في الملل، أن أصل الزنادقة (أ) اتباع ديصان ثم ماني ثم مزدك، ودَيصان: بفتح الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحت بعدها صاد مهملة، ومانِّي: بتشديد النون وقد تخفف، ومزدَك: بزاي ساكنة ودال مهملة مفتوحة ثم كاف، وحاصل مقالاتهم أن النور والظلمة قديمان، و [أنهما] (أ) امتزجا، فحدث العالم كله منهما، فمن كان من أهل الشر فهو من الظلمة، ومن كان من أهل الخير فهو من النور، وأنه يجب السعي في تخليص النور من الظلمة، وإلى ذلك أشار المتنبي (٢) حيث قال في قصيدته المشهورة:
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تُخَبِّر أن المانوية تكذب
وكان بهرام جدُّ كسرى تحيل على ماني حتى حضر عنده، وأظهر له أنه قبل مقالته، ثم قتله وقتل أصحابه، وبقيت منهم بقايا اتّبعت مزدَك المذكور، وقام الإسلام والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك، وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية القتل، ومن ثمَّ أطلق [الاسم] (ب) على كل من أسرَّ الكفر وأظهر الإسلام، حتى قال مالك: الزنديق ما كان عليه المنافقون، وكذا
стр. 3469
أطلق جماعة من الفقهاء الشافعية وغيرهم، أن الزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر، فإن أرادوا اشتراكهم في الحكم فهو كذلك وإلا فأصلهم ما ذكر، وقد قال النووي في لغات "الروضة ": الزنديق: الذي لا ينتحل دينًا. وقد قال محمد بن معن في "التنقيب على المهذب": الزنادقة من الثنوية، يقولون ببقاء الدهر وبالتناسخ. قال: ومن الزنادقة الباطنية، وهم قوم زعموا أن الله تعالى خلق شيئًا، ثم خلق منه شيئًا آخر، فدبَّر العالم بأسره، ويسمونهما العقل والنفس، وتارة العقل الأول والعقل الثاني، وهو من قول الثنوية في النور والظلمة، إلا أنهم غيروا الاسمين. قال: ولهم مقالات سخيفة في النبوَّات، وتحريف الآيات، وفرائض العبادات. وقيل: إن سبب تفسير الفقهاء الزنديق بما يفسر به المنافق، قول الشافعي في "المختصر": وأي كفر ارتد إليه. المتقدم، وهذا لا يلزم منه اتحاد الزنديق والمنافق، بل كل زنديق منافق من غير عكس، وقد كان من أطلق عليه في الكتاب والسنة المنافق من يظهر الإسلام ويبطن عبادة الوثن أو اليهودية، وأما الثنوية فلا يحفظ أن أحدًا منهم أظهر الإسلام في العهد النبوي، والله أعلم.
ومن تكرر منه الردة والإسلام فتوبته مقبولة عند الأكثر، وقال أبو حنيفة والشافعي: ويعزَّر في الثالثة، وذهب أحمد وإسحاق والمروزي من أصحاب الشافعي إلى أنها لا تقبل منه التوبة؛ لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ (١). والجواب: أن الآية محمولة على الذين بقُوا على الكفر، لا مَن قد تاب؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ
стр. 3470
﴿لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١). وقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٢).
١٠٠١ - وعن ابن عباس، أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، فلما كان ذات ليلة أخذ المعول فجعله في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ألا اشهدوا أن دمها هدْر". رواه أبو داود (٣) ورواته ثقات.
الحديث فيه دلالة على أنه يقتل من سب النبي ﷺ ويهدر دمه، فإن كان مسلمًا كان سب النبي ﷺ ردة عن الإسلام؛ فيقتل، قال ابن بطال (٤): من غير استتابة. ونقل ابن المنذر (٥) عن الليث والأوزاعي أنه يستتاب، وإن كان من أهل العهد فإنه يقتل إلا أن يسلم، ونقل ابن المنذر (٥) عن الليث [و] (أ) الشافعي وأحمد وإسحاق أنه يقتل أيضًا من غير استتابة، وعن الكوفيين أنه يعزَّر المعاهد ولا يقتل، واحتج الطحاوي على ذلك بأن النبي ﷺ لم يقتل اليهود الذين قالوا: "السام عليك" (٦). ولو كان هذا من مسلم لكان ردة؛ لأن ما هم عليه من الكفر أشد من السب، وقد يقال: إن دماءهم إنما حقنت بالعهد، وليس في العهد أنهم يسبون النبي ﷺ فمن سبَّه منهم انتقض عهده، فيصير كافرًا بلا عهد، فيهدر دمه إلا أن يسلم. والله أعلم.
стр. 3471
البدرُ التمام شرح بلوغ المرام
للإمام القاضي الحسين بن محمد المغربي
(١٠٤٨ هـ- ١١١٩ هـ)
تحقيق
علي بن عبد الله الزبن
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
قدم له
فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان
رئيس مجلس القضاء الأعلى
الجزء التاسع
стр. 3472
البدرُ التمام شرح بلوغ المرام
стр. 3473
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٨ - هـ-٢٠٠٧ م
стр. 3474
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الحدود
هو جمع حد، وأصل الحد ما يحجز به بين شيئين، فيمنع اختلاطهما، وحد الدار ما يميزها، وحد الشيء وصفه المحيط [به] (أ) المميز له عن غيره.
وسميت هذه العقوبات حدودًا لكونها تمنع عن المعاودة، وكذلك يسمى البواب حدادًا، والحد أيضًا يطلق على التقدير، وهذه العقوبات مقدرة من الشارع، فسميت حدودًا، قال الراغب (١): ويطلق الحد على نفس المعاصي؛ كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (٢). وعلى فعل فيه شيء مقدر، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٣). وكأنها لما فصلت بين الحرام والحلال سميت حدودًا، فمنها ما زجر عن فعله، ومنها ما زجر عن الزيادة فيه والنقصان.
وقذ حصر بعض العلماء ما قيل بوجوب الحد فيه في سبعة عشر شيئًا، بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه.
стр. 3475
فالمتفق عليه: الردة، والمحاربة قبل القدرة، والزنى، والقذف به، وشرب الخمر سواء أسكر أم لا، والسرقة.
والمختلف فيه: جحد العارية، وشرب ما يسكر كثيره من غير الخمر، والقذف بغير الزنى، والتعريض بالقذف، واللواط ولو بمن يحل له نكاحها، وإتيان البهيمة، والسحاق، وتمكين المرأة غير إنسان كالقرد وغيره من الدواب من وطئها، والسحر، وترك الصلاة تكاسلًا، والفطر في رمضان.
стр. 3476
باب حد الزاني
١٠٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ وزيد بن خالد الجهني أنَّ رجلًا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله. فقال الآخر، وهو أفقه منه: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله وأْذن لي. فقال: "قل". قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله؛ الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها". متفق عليه (١)، وهذا اللفظ لمسلم.
قوله: أنشدك الله. بفتح أوله ونون ساكنة وضم الشين المعجمة؛ أي: أسألك بالله. وضمَّن أنشدك معنى أذكِّرك (١) رافعًا نشيدتي، أي صوتي، هذا أصله، ثم استعمل في كل مطلوب مؤكد، ولو لم يكن هناك رفع صوت، فلا يرد أنه كيف يرفع (ب) صوته عند النبي ﷺ وقد نهى الله عنه. وذكر
стр. 3477
أبو علي الفارسي (١) أن بعضهم رواه بضم الهمزة وكسر المعجمة، وهو غلط.
وقوله: إلا قضيت لي. إلا للاستثناء، وهو استثناء مفرغ من مفعول أسأل المأخوذ من مفعول معنى أنشدك، والمعنى: لا أسألك إلا القضاء بكتاب الله، ودخل لفظ "إلا" على الفعل المؤول بالمصدر، وإن لم يكن معه حرف مصدري لضرورة افتقار المعنى إليه؛ كما في: تسمع بالمعيدي. و: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ (٢). ويصح أن يقال: إن الحرف المصدري مقدر. وإن لم يكن هذا من المواضع التي يقدر فيها الحرف، إلا أنه قد جاء في غيرها قليلًا، وجوز المصنف ﵀ أن تكون "إلا" جواب القسم، قال (٣): لما فيها من معنى الحصر، وتقديره: أسألك بالله لا تفعل شيئًا إلا القضاء. انتهى.
وهذا فيه تجوّز؛ لأن الجواب هو المنفي المقدر، والاستثناء من متعلقات المقدر، وليس هو الجواب في الحقيقة، وسؤال الأعرابي القضاء بكتاب الله؛ لأن مقصده بالمناشدة المسارعة [إلى ما طلب] (أ) من إراحته من الخصومة، والمبادرة إلى الالتذاذ بحكم الشريعة السمحة، فقوله: بكتاب الله. لم يكن له مفهوم، فإن النبي ﷺ لم يكن حكمه إلا بما أوحي إليه، فذكره إنما هو لما
стр. 3478
كان حكمه بكتاب الله -وقد كان بعض من جهل حكم الله حكم بخلافه للالتذاذ بذكر المحكوم به- الحق الذي يثلج له الصدر، والمراد بكتاب الله ما حكم به وكتب على عباده، وقيل: القرآن. وحكم الزنى قد عرف من القرآن، وإن كان الرجم غير مصرح به في القرآن، ولكنه قد ثبت في السنة، وحكم السنة واجب بنص القرآن: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (١). أو قد دل عليه إجمالًا بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٢). وبيان الإجمال بالسنة وهو الرجم في حق المحصن والجلد في غيره، أو لكونه قد نزلت الآية المنسوخة، وهي: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما. ولعل القضية قبل النسخ، أو لم يعلم الأعرابي بالنسخ. وقيل: المراد بكتاب الله ما فيه من النهي عن أكل المال بالباطل؛ لأن خصمه كان أخذ منه الغنم والوليدة بغير حق، ورجح المصنف (٣) رحمه الله تعالى أن المراد بكتاب الله ما يتعلق بجميع أفراد القصة مما وقع به الجواب.
قوله: وهو أفقه منه. قال ابن العربي في شرح الترمذي (٤): يحتمل أن يكون الراوي كان عارفًا بهما قبل أن يتحاكما، فوصف الثاني بأنه أفقه من الأول؛ إما مطلقًا، وإما في هذه القضية الخاصة، واستدل بحسن أدبه في استئذانه وترك رفع صوته، إن كان الأول رفعه، وتأكيده السؤال على فقهه،
стр. 3479
وقد ورد أن " ... حسن السؤال نصف العلم" (١).
قوله: فقال: إن ابني. ظاهر السياق أن القائل هو الثاني، وجزم الكرماني (٢) بأن القائل هو الأول، واستدل بما وقع في كتاب الصلح عن آدم عن ابن أبي ذئب (٣): فقال الأعرابي: إن ابني. بعد قوله في أول الحديث: جاء أعرابي. وفيه: فقال خصمه. وهذه الزيادة شاذة، والمحفوظ ما في سائر الطرق كما في رواية سفيان في هذا الباب.
قوله: عسيفًا على هذا. زاد شعيب في روايته: والعسيف الأجير (٤). وهذا التفسير مدرج في الحديث، وكأنه من قول الزهري، وهي عادته في إدخال التفسير، والعسيف بمهملتين الأجير وزنًا ومعنى، والجمع عسفاء كأجراء؛ ويطلق أيضًا على الخادم وعلى العبد وعلى السائل، وقيل: يطلق على من يستهان به. وفسره عبد الملك بن حبيب بالغلام الذي لم يحتلم، وإن ثبت ذلك فإطلاقه على صاحب هذه [القصة] (أ) باعتبار حاله في ابتداء الاستئجار، ووقع في رواية النسائي (٥) بلفظ: كان ابني أجيرًا لامرأته. ويسمى الأجير عسيفًا؛ لأن المستأجر يعسفه في العمل، والعسف الجور، أو هو بمعنى الفاعل؛ لكونه يعسف الأرض بالتردد إليها، يقال: عسف الليل
стр. 3480
عسفًا. إذا أكثر السير فيه، ويطلق العسف أيضًا على الكفاية، والأجير يكفى المستأجر الأمر الذي أقامه فيه ولفظ "على" في: على هذا. بمعنى عند، وقد جاء في رواية: عسيفًا في أهل هذا (١). وكأن الرجل استخدمه فيما تحتاجه امرأته من الأمور فلذلك وقع ما وقع.
وقوله: فإني أخبرت. على البناء للمجهول، كذا في رواية الحميدي (٢)، وفي رواية أبي بكر الحنفي (٣): فقال لي. وكذا عند أبي عوانة (٤)، ووقع في رواية عمرو بن شعيب (٥): فسألت من لا يعلم فأخبرني.
وقوله: وخادم (٦). المراد بالخادم الجارية المعدة للخدمة، وفي رواية: ووليدة (٧).
وقوله: أهل العلم. قال المصنف رحمه الله تعالى (٨): لم أقف على أسمائهم، ولا على أعدادهم، ولا على اسم الخصمين، ولا الابن ولا المرأة، وفي رواية ابن أبي ذئب (٩): فزعموا.
وفي قوله: جلد مائة. بالإضافة للأكثر، وقرأه بعضهم بتنوين جلد ونصب مائة، ولم يثبت رواية.
стр. 3481
وقوله: "والذي نفسي بيده". في رواية مالك (١): "أما والذي".
وقوله: "لأقضين". بتشديد النون للتأكيد.
وقوله: "بكتاب الله". في رواية عمرو بن شعيب: "بالحق". وهي ترجح التفسير الأول بكتاب الله.
وقوله: [ردٌّ] (أ) بمعنى مردود من إطلاق المصدر بمعنى اسم المفعول،
وفيه دلالة على أن المال في الصلح الباطل لا يحل، وأنه يجب رده.
وقوله: "وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام". محمول على أنه ﷺ علم أن الابن لم يكن قد أحصن حتى يجب عليه الرجم، وأنه اعترف بالزنى بناء على أنه كان حاضرًا، وقد جاء في رواية للبخاري (٢). إن ابني هذا. بالإشارة، أو أنه على تقدير الاعتراف إذا وقع منه، وكذا وقع في رواية عمرو بن شعيب بلفظ: وابني لم يحصن (٣).
وقوله: "واغد يا أنيس". بنون ومهملة مصغرًا، قال ابن السكن في كتاب "الصحابة" (٤): لم أدر من هو، ولا حدث له رواية ولا ذكر إلا في هذا الحديث. وقال ابن عبد البر (٥): هو ابن الضحاك الأسلمي. وقيل: ابن مرثد. وقيل: ابن أبي مرثد. وضعف الأخير هذا، بأن أنيس بن أبي مرثد
стр. 3482
صحابي مشهور، وهو غنوي، بالغين المعجمة والنون، لا أسلمي، وهو بفتحتين غير مصغر، وغلط أيضًا من زعم أنه أنس بن مالك؛ لأنه أنصاري، لا أسلمي، ووقع في رواية [شعيب] (أ) وابن أبي ذئب (١): "وأما أنت يا أنيس -لرجل من أسلم- فاغد". وفي رواية معمر (٢): لرجل من أسلم، يقال له: أنيس. وفي رواية مالك (٣): "وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر. والمراد بقوله: "اغد". الغدو والذهاب والتوجه، كما يطلق الرواح على ذلك، لا الذهاب في ذلك الوقت.
وقوله: "فإن اعترفت فارجمها". ظاهر الحديث أنه يكفي الاعتراف مرة واحدة كغيره من سائر الأحكام، وقد ذهب إلى هذا أبو بكر والحسن البصري ومالك والشافعي وحماد والثوري والبتي وداود الظاهري، وذهبت العترة وأبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وهو الراجح عند الحنابلة إلى أنه يشترط في الإقرار بالزنى أن يتعدد أربع مرات كما سيأتي في حديث ماعز، أنه رده أربع مرات، وقد جاء في الرواية من كلام الراوي: فلما شهد على نفسه أربع شهادات. فإن فيه إشعارًا بأن العدد هو العلة في تأخير إقامة الحد عليه، وإلا لأمر برجمه في أول مرة، وفي حديث ابن عباس أخرجه أبو داود (٤) أنه قال لماعز: "قد شهدت
стр. 3483
على نفسك أربع شهادات؛ اذهبوا به فارجموه". ويؤيده القياس على شهود الزنى دون غيره من الحدود. وقد أجيب عن ذلك بأنه قد اضطربت الرواية، فجاء: "أربع مرات". في رواية أبي هريرة (١)، وكذا في حديث جابر بن سمرة من طريق أبي عوانة عن سماك: فشهد على نفسه أربع شهادات. أخرجه مسلم (٢).
وأخرجه مسلم (٣) من طريق شعبة عن سماك، قال: فرده مرتين. وفي أخرى: مرتين أو ثلاثًا. قال شعبة: فذكرته لسعيد بن جبير، فقال: إنه رده أربع مرات. ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم (٤) أيضًا: فاعترف بالزنى ثلاث مرات. وبأن لم يكن في اللفظ ما يدل على أنه لا يعتبر ما دونها؛ لأنها حكاية فعل. وقوله: "قد شهدت على نفسك أربع مرات". حكاية لما قد وقع منه، فالمفهوم غير معتبر، والقياس على أنه قد اعتبر في الشهادة أربعة فاسد؛ لأن المال اعتبر فيه عدلان والإقرار يكفى فيه مرة واحدة، وحديث أنيس أطلق فيه الاعتراف، وهو يصدق بالمرة الواحدة، فلو كان الأربع معتبرة لذكرها؛ لأنه بيان في وقت الحاجة، وقد يدفع هذا بأنه قد عرف أن الإقرار في الزنى لا بد فيه من أربع مرات (أمن قصة ماعز، وهو محتمل أ)،
стр. 3484
(أومع تقدير ثبوت أنه وقع في قصة ماعز أربع مرات أ)، فهو يحتمل أن ذلك لزيادة الاستثبات، فإنه جاء عند مسلم (١) في قصة الغامدية حيث قالت لما جاءت: طهرني. فقال: "ويحك، ارجعي فاستغفري". فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعزًا، إنها حبلى من الزنا. فلم يؤخر إقامة الحد عليها إلا لكونها حبلى، فلما وضعت أمر برجمها، ولم يستفسرها مرة أخرى، ولا اعتبر تكرير إقرارها، ولا تعدد المجالس.
وقد أجيب عن الاضطراب بالجمع بين الروايات؛ أما رواية: مرتين. [فتحمل] (ب) على أنه اعترف مرتين في يوم واحد ومرتين في يوم آخر؛ لما يشعر به قول بريدة: فلما كان من الغد. فاقتصر الراوي على إحداهما، ومراده اعترف مرتين في يومين، فيكون من ضرب اثنين في اثنين، وقد وقع عند أبي داود (٢) من طريق إسرائيل عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: جاء ماعز فاعترف بالزنى مرتين. وأما رواية الثلاث، فكأن المراد الاقتصار على المرات التي رده فيها، فإنه في الرابعة لم يرده، بل استثبت وسأله عن عقله، وقد جاء عند أبي داود (٣) من حديث أبي هريرة: فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حرائا أربع مرات، لم كل ذلك يعرض عنه رسول الله ﷺ ، فأقبل في الخامسة، فقال: "أتدري ما الزنى؟ ". والمراد
стр. 3485
بالخامسة الصفة التي وقعت منه عند السؤال والاستثبات؛ لأن صفة الإعراض وقعت أربع مرات، وصفة الإقبال عليه للسؤال وقع بعدها.
وتمام الحديث: فغدا عليها فاعترفت فرجمها (١). كذا في رواية الأكثر (٢)، ووقع في رواية الليث (٣): فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت. واختصره ابن أبي ذئب (٤)، فقال: فغدا عليها فرجمها. ونحوه في رواية صالح بن كيسان (٥)، وفي رواية عمرو بن شعيب (٦): وأما امرأة هذا فترجم. ورواية الليث أتمها؛ لأنها تشعر بأن أنيسًا أعاد جوابها على النبي ﷺ فأمر برجمها، ويحتمل أن يكون المراد أمره الأول المعلق على اعترافها، فيتحد مع رواية الأكثر. قال المصنف (٧) رحمه الله تعالى: والذي يظهر أن أنيسًا لما اعترفت أعلم النبي ﷺ مبالغة في الاستثبات، مع كونه كان علَّق له رجمها على اعترافها. ولكنه لا بد من أن يقال: إن أنيسًا أعلم النبي ﷺ ومعه غيره ممن يصح أن يثبت بشهادته حد الزنى. لكنه اختصر ذلك في الرواية، وإن كان قد استدل به بعض بأنه يجوز للحاكم أن يحكم بإقرار الزاني من غير أن يشهد عليه غيره، وأنيسًا قد فوض إليه النبي ﷺ الحكم، وقد يجاب عنه بأنها واقعة عين، ويحتمل أن يكون
стр. 3486
أنيس قد أشهد قبل رجمها، قال القاضي عياض (١): احتج به قوم بجواز حكم الحاكم في الحدود ونحوها بما أقر به الخصم عنده. وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال أبو ثور، وأبي ذلك الجمهور، والخلاف في غير الحدود أقوى. قال: وقصة أنيس يطرقها احتمال معنى الإعذار، أو أن قوله: "فارجمها". بعد إعلامي أو أنه فوض الأمر إليه، والمعنى: فإذا اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقولهم حكمت، وقد دل قوله: فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت. أن النبي ﷺ -هو الذي حكم فيها بعد أن أعلمه أنيس باعترافها. انتهى.
واعلم أن بعث النبي ﷺ إلى المرأة ليس لأجل إثبات الحد عليها، فإنه ﷺ قد أمر باستتار (أ) من أتى الفاحشة (٢)، وبالستر عليه كما قال لهزال (٣)، ونهى عن التجسس (٤)، وإنما ذلك لأنه لما قذفت المرأة بالزنى بعث إليها النبي ﷺ لتنكر، فتطالب بحد القذف، أو تقر بالزنى فيسقط عنه، فكان منها الإقرار، فأوجبت على نفسها الحد، ويؤيد هذا ما أخرجه أبو داود والنسائي (٥) عن ابن عباس: أن رجلًا أقر أنه زنى بامرأة، فجلده النبي ﷺ مائة، ثم سأل المرأة فقالت: كذب. فجلده جلد الفرية ثمانين. وقد سكت
стр. 3487
عليه أبو داود وصححه الحاكم واستنكره النسائي، وقد تضمن الحديث فوائد وآداب يطول الكلام بذكرها.
١٠٠٣ - وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". رواه مسلم (١).
قوله: "قد جعل الله لهن سبيلًا". هو إشارة إلى ما وقع في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٢). فبين النبي ﷺ أن هذا هو السبيل الذي جعله الله تعالى.
وقوله: "البكر". المراد بالبكر هو من لم يجامع في نكاح صحيح، وهو حر بالغ [عاقل] (أ).
وقوله: "بالبكر" ليس هذا التقييد معتبرًا، بل هو مثل التقييد الذي يخرج مخرج الغالب، فإن البكر يجب عليه الجلد وحده، سواء كان مع بكر أو مع ثيب كما في [قصة] (ب) العسيف.
وقوله: "ونفي سنة". الحديث فيه دلالة على وجوب التغريبا عامًا،
стр. 3488
وأن ذلك من تمام الحد، وقد ذهب إلى هذا الخلفاء الأربعة (١) وذهب إليه مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري والزهري وابن أبي ليلى وأبو يوسف، وادعى محمد بن نصر في كتاب "الإجماع" (٢) الاتفاق على نفي الزاني البكر، إلا عن الكوفيين، وقال ابن المنذر (٢): أقسم النبي ﷺ في قصة العسيف أنه يقضي بكتاب الله، ثم قال: "إن عليه جلد مائة، وتغريب عام". وهو المبين لكتاب الله، وخطب بذلك عمر ﵁ على رءوس الناس (٣)، وعمل به الخلفاء الراشدون، فلم ينكره أحد فكان إجماعًا.
وذهبت الهدوية وأبو حنيفة وحماد إلى أن التغريب غير واجب؛ إذ لم يذكر في آية النور، والتغريب زيادة على النص، وهو ثابت بخبر الواحد، فلا يعمل به، لأنه يكون ناسخًا، وهذا قول الحنفية.
والجواب أن الحديث مشهور لكثرة طرقه، ومن عمل به من الصحابة، وقد عملت الحنفية بمثله، بل بدونه كنقض الوضوء بالقهقهة، وجواز الوضوء بالنبيذ، وغير ذلك مما هو زيادة على ما في القرآن، ولا نسلم أن ذلك نسخ، فإن الزيادة على النص إذا لم يخرج بها المزيد عليه عن أن يكون [مجزيا] (أ) لا يكون نسخًا، لأن النسخ رفع حكم شرعي، وإنما يكون نسخًا
стр. 3489
زيادة ركعة خامسة، ونحو ذلك؛ كما هو مقرر في الأصول، وأجاب الإمام المهدي في "البحر" من جانب الهدوية على الحديث بقوله: قلت: التغريب عقوبة لا حدٌّ؛ لقول علي ﵁: جلد مائة وحبس سنة. ولنفي عمر ﵁ في الخمر ولم ينكر، ثم قال: لا أنفي بعدها أحدًا (١)، والحدود لا تسقط. انتهى، ولا يخفى ضعف الاحتجاج بقول علي فإنه مؤيد لقول الجمهور، وأما نفي عمر في الخمر فذلك اجتهاد منه في زيادة العقوبة على شارب الخمر، ثم عارض المصلحة التي رآها مفسدة فتركها، ولا تلازم بين ذلك وبين حديث النفي إلا باحتمال أن يكون ذلك وقع زيادة عقوبة، لا زيادة حدّ، والاحتمال لا يعارض الصريح، وأجاب الطحاوي (٢) بأن التغريب منسوخ بحديث: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها". ثم قال في الثالثة: "فليبعها" (٣). والبيع يفوِّت التغريب، قال: وإذا سقط عن الأمة سقط عن الحرة؛ لأنها في معناها، ويتأكد بحديث: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" (٤). قال: وإذا انتفى عن النساء انتفى عن الرجال. كذا قال، وهو مبني على أن العموم إذا خص سقط الاستدلال [به] (أ)، وهو مذهب ضعيف، ولا يخفى ضعف هذا الجواب؛ أما أولًا: فإنه في الأمة، فغاية ما
стр. 3490
يفيده أنه مخصص للأمة من حكم التغريب.
وأما ثانيًا: فإن عدم الذكر لا يدل على مخالفة ما ذكر حكمه، وظاهر الحديث أن التغريب عام للذكر والأنثى، والحر والعبد، وقال مالك والأوزاعي، وروي عن علي ﵁: إن المرأة لا تغرب. قالوا: لأنها عورة، وفي نفيها تضييع لها، وتعريض للفتنة؛ ولهذا نهيت عن السفر مع غير محرم، إلا أن القائلين بتغريبها، يقولون بالتغريب لها مع محرمها، وأجرته منها إذ وجبت بجنايتها. وقيل: في بيت المال كأجرة الجلاد. وأما الرق فذهب مالك وأحمد والحسن وإسحاق وحماد وقول للشافعي إلى أنه لا ينفى، قالوا: لأن نفي الرق عقوبة لمالكه؛ لمنعه منفعته مدة نفيه، وتصرف الشرع يقضي أنه لا يعاقب غير الجاني، ومن ثَم سقط فرض الجهاد والحج عن المملوك، وذهب الثوري وداود والطبري وقول للشافعي إلى أنه ينفى لعموم أدلة التغريب، وقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١). وينصف في حق المملوك لعموم الآية، وفي قول للشافعي: لا ينصف التغريب، هو طرد سنة، وأقله مسافة القصر لتحصل الغربة، ولأنه غرب عمر من المدينة إلى الشام (٢)، وغرب عثمان إلى مصر (٣)، ومن كان غريبًا لا وطن له غرب إلى غير البلد الذي كان فيه، وذلك موكول إلى نظر الإمام، وروي في "البحر" عن علي والباقر والصادق وأحد قولي الناصر أنه حبس سنة، ثم قال في الجواب عليهم:
стр. 3491
قلنا: مخالف لوضع لفظ التغريب.
وقوله: "والثيب". المراد بالثيب من قد وطئ في نكاح صحيح وهو بالغ عاقل حر، والرجل والمرأة في ذلك سواء، ويستوي في هذا الكافر والسلم، والرشيد والمحجور عليه لسفه.
وقوله: "جلد مائة والرجم". والحديث فيه دلالة على أنه يجمع في حد الثيب بين الجلد والرجم، والرجم ثابت إجماعًا، إلا ما حكاه القاضي أبو بكر بن العربي عن الخوارج وبعض المعتزلة كالنظّام وأصحابه، والجمع بينهما أخرجه البخاري (١) وغيره عن علي ﵁ في حق شراحة -بضم الشين المعجمة وتخفيف الراء المهملة ثم حاء مهملة- الهمدانية -بسكون الميم وبالدال المهملة- فجلدها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ . قال الشعبي: قيل لعلي: جمعت بين حدين! فأجاب بما ذكر (٢). قال الشعبي: وقال أبي ابن كعب بمثل ذلك (٣). قال الحازمي (٤): ذهب إلى هذا أحمد وإسحاق وداود وابن المنذر، وهو مذهب العترة وداود، وذهب الجمهور إلى أنه لا يجمع بينهما في حق الثيب، وهي رواية عن أحمد أيضًا، قالوا: وحديث عبادة بن الصامت المذكور منسوخ، والناسخ له ما ثبت في قصة ماعز أن النبي ﷺ رجمه، ولم يذكر الجلد. قال الشافعي رحمه الله تعالى: فدلت
стр. 3492
السنة على أن الجلد ثابت على البكر، ساقط عن الثيب، والدليل على أن قصة ماعز متراخية عن حديث عبادة أن حديث عبادة ناسخ لما شرع أولًا؛ من حبس الزاني في البيوت فنسخه الجلد، وزيد الثيب الرجم، وذلك صريح في حديث عبادة، ثم نسخ الجلد في حق الثيب، وذلك مأخوذ من الاقتصار في قصة ماعز والغامدية والجهنية واليهوديين، ولم يذكر الجلد مع الرجم، قال ابن المنذر (١): عارض بعضهم الشافعي، فقال: الجلد ثابت بكتاب الله، والرجم ثابت بسنة رسول الله ﷺ كما قال علي، وقد ثبت الجمع بينهما في حديث عبادة، وعمل به علي، ووافقه أبي، وليس في قصة ماعز ومن ذكر معه تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم، لاحتمال أن يكون ترك ذكره لوضوحه ولكونه الأصل، وقد احتج الشافعي بنطر هذا حين عورض في إيجاب العمرة، بأن النبي ﷺ أمر من سأله أن يحج عن أبيه، ولم يذكر العمرة، فأجاب الشافعي بأن السكوت عن ذلك لا يدل على سقوطه، قال: فكذا ينبغي أن يجاب هنا، لكن الشافعي يقول (٢): إن قصة ماعز جاءت من طرق متنوعة بأسانيد مختلفة، لم يذكر في شيء منها أنه جلد، وكذلك الغامدية والجهنية وغيرهما، فدل عدم ذكره على عدم وقوعه، ودل عدم وقوعه على عدم وجوبه. وقال الإمام المهدي في الرد على دليل الجمهور: قلنا: معارض بفعل علي، وهو توقيف. انتهى.
ويقال عليه: إن عليًّا ﵁ ظاهر قوله [أنه] (أ) فعل ذلك اجتهادًا
стр. 3493
منه جمعًا بين الدليلين، لما قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ . فعمل بالدليلين اجتهادًا منه ببقاء حكمهما وكأنه لم يظهر له ما نسخ ذلك فوجب إعمال الدليلين، والله أعلم.
واعلم أن ثبوت الجلد كان بسورة النور، ونزولها كان في قصة الإفك، وقد اختلف: هل كان سنة أربع أو خمس أو ست؟ والرجم كان بعد ذلك، فقد حضره أبو هريرة، وإسلامه سنة سبع، وابن عباس كذلك حضره، وهو إنما جاء مع أمه إلى المدينة سنة تسع.
١٠٠٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه، فتنحى تلقاءَ وجهه، فقال: يا رسول الله، إني زنيتُ. فأعرض عنه، حتى ثنَى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله ﷺ فقال: "أبك جنون؟ ". قال: لا. قال: "فهل أحصنت؟ ". قال: نعم. فقال النبي ﷺ : "اذهبوا به فارجموه". متفق عليه (١).
قوله: فتنحى تلقاء وجهه. أي: انتقل من الناحية التي كان فيها إلى الناحية التي يستقبل بها وجهَ النبي ﷺ . وتلقاءَ مصدرٌ أقيم مقام الظرف، أي مكان تلقاء، فحذف مكان. وليس من المصادر "تفعال" بكسر أوله غير هذا ولفظ تبيان، وما عداهما فتفتح التاء، وأما الأسماء غير المصادر فبهذا
стр. 3494
الوزن كثير. وهذا المذكور لفظ شعيب. وفي رواية ابن مسافر (١): فتنحى لشق وجه النبي ﷺ الذي أعرض قبله. بكسر القاف وفتح الموحدة.
وقوله: ثنَى ذلك عليه. وهو بمثلثة بعدها نون خفيفة، أي: كرر. وجاء في لفظ [حتى] (أ) ردد (٢) بدالين، وفي لفظ [حتى رد] (أ) بدال مدغمة (٣).
وقوله: أربع مرات. وقع في رواية أبي ذر (٤) في لفظ: أربع شهادات.
وأخرج مسلم (٥) من حديث جابر بن سمرة من طريق أبي عوانة عن سماك: فشهد على نفسه أربع شهادات. وأخرجه (٦) من طريق شعبة عن سماك قال: فرده مرتين. وفي أخرى: مرتين أو ثلاثًا. قال شعبةُ: فذكرته لسعيد بن جبير، فقال: إنّه ردَّه أربع مراتٍ. ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم (٧) أيضًا: فاعترف بالزنى ثلاث مرات.
والجمع بينهما؛ أما رواية: مرتين. فتحمل على أنه اعترف مرتين في يوم
стр. 3495
واحد، ومرتين في يوم آخر، لما يشعر به قول بريدة (١): فلما كان من الغد. فاقتصر الراوي على أحدهما، أو مراده اعترف مرتين في يومين، فيكونُ من ضرب اثنين في اثنين، وقد وقع عند أبي داود (٢) من حديث ابن عباس: جاء ماعز فاعترف بالزنى مرتين. وقد تقدم ذلك قريبًا.
وقوله: [فقال] (أ) "أبك جنون؟ ". وقع في رواية بريدة (٣). فسأل، "أبه جنون؟ ". فأخبر أنه ليس بمجنون. وفي لفظ (٤): فأرسل إلى قومه، فقالوا: ما [نعلمه] (ب) إلا وفيَّ العقل من صالحينا. وفي حديث أبي سعيد (٥): ثم سأل قومه، فقالوا: ما نعلم به بأسًا، إلا أنه أصاب شيئًا، يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد. وفي مرسل سعيد (٦): بعث إلى أهله، فقال: "أيشتكي؟ أبه جنون؟ ". فقالوا: يا رسول الله، إنه لصحيحٌ. ويجمع بينهما بأنه سأله، ثم سأل عنه احتياطًا، فإن فائدة سؤاله أنه لو ادَّعى الجنون لكان في ذلك دفع (جـ) لإقامة الحدِّ عليه، حتى يظهر خلاف دعواه،
стр. 3496
فلما أجاب بأنه لا جنون به سأل عنه؛ لاحتمال أن يكون كذلك، ولا يعتد بقوله، وفيه دلالة على أنه يجب على الإمام أن يستفصل عن الأمور التي لا يجب معها الحد، فإن قصر في ذلك، ضمن إن تعمد وإلا كان خطأ، وضمان الخطأ في بيت المال، وقد يدفع بأنه لم يقع استفصال في قصة العسيف، ويجاب بأنَّ عدم ذكر ذلك لا يدل على عدم وجوده، فإنه قد يروي الراوي بعض الواقع. والله أعلم.
وقوله: "أحصنت؟ ". بفتح الهمزة، المراد تزوجت، وهذا معناه هنا جزمًا؛ لأن الحكمَ في الزنى إنما افترق في حق من تزوج ومن لم يتزوج.
قوله: قال: نعم.
وهذا الحديث قد روي بزيادات، ففي حديث بريدة (١) قبل هذا قال: "أشربت خمرًا؟ ". قال: لا. وفيه: فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريحًا. وفي حديث ابن عباس (٢): "لعلك قبلت، أو غمزت -بغين معجمة وزاي- أو نظرت". والمعنى: أنك تجوزت بإطلاق لفظ الزنى على مقدماته. وفي رواية نعيم (٣) فقال: "هل ضاجعتها؟ ". قال: نعم. قال: "فهل باشرتها؟ ". قال: نعم. قال: "هل جامعتها؟ ". قال: نعم. وفي حديث ابن عباس المذكور، فقال (٤): "أنكتها؟ ". لا يكني؛ بفتح الياء التحتانية وسكون الكاف، من الكناية، أو أنه ذكر هذا اللفظ صريحًا، ولم
стр. 3497
يكن عنه بلفظ آخر كالجماع، ويحتمل أن يجمع بأنه ذكره بعد ذكر الجماع؛ لأن الجماع قد يحمل على مجرد الاجتماع. وفي حديث أبي هريرة (١): "أنكتها؟ ". قال: نعم. قال: "حتى دخل ذلك منك في ذلك منها؟ ". قال: نعم. قال: "كما يغيب المرود في المكحلة، والرشاء في البئر؟ ". قال: نعم. قال: "تدري ما الزنى؟ ". قال: نعم، أتيت منها حرامًا، ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا. قال: "فما تريد بهذا القول؟ ". قال: تطهرني. فأمر به فرجم. وفي رواية النسائي (٢): "هل أدخلته وأخرجته؟ ". قال: نعم.
والحديث فيه دلالة أنه يندب تلقين ما يسقط الحد، وأن الإقرار لا بد فيه من اللفظ الصريح الذي لا يحتمل غير المواقعة، وقد روي عن جماعة من الصحابة تلقين المُقِر، كما أخرج مالك (٣) عن أبي الدرداء وعن علي في قصة شراحة، وقال أبو ثور: التلقين إنما هولمن يُظَن منه أنه يجهلٍ حكم الزنى، وعند المالكية: لا يلقن من اشتهر بانتهاك [الحرمات] (أ). وقد يستدل بما في حديث (ب) بريدة من قوله: "أشربت خمرًا؟ ". أن السكران لا يصح إقراره بالزنى. قال المازري (٤): استدل به بعضهم على أن طلاق
стр. 3498
السكران لا (أ) يقع، وتعقبه عياض بأنه لا يلزم من درء الحد به ألا (ب) يقع طلاقه لوجود تهمته على ما يظهر من عدم العقل. قال: ومذهبنا إلزامه بجميع أحكام الصحيح؛ لأنه أدخل ذلك على نفسه، وهو حقيقة مذهب الشافعي، واستثنى من أكره ومن شرب ما ظن أنه غير مسكر، ووافقه بعض متأخري المالكية. وقال النووي (١): الصحيح عندنا صحة إقرار السكران، ونفوذ أقواله فيما له وعليه. قال: والسؤال عن شربه الخمر محمول عندنا على أنه لو كان سكرانًا لم يقم عليه الحد. انتهى.
ولعله يقال: المراد به: يؤخر إقامة الحد إلى بعد الصحو؛ لجواز أن يكون له شبهة يدعيها. وذهب الليث إلى أنه يعمل بأفعاله ولا يعمل بأقواله؛ لأنه يلتذ بفعله ويشفي غيظه ولا يفقه أكثر ما يقول، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٢).
وقوله: "اذهبوا به فارجموه". فيه دلالة على أنه لا يجب أن يكون أول من يرجم الإمام فيمن يثبت عليه بالإقرار، وقد ذهب إلى هذا الشافعي والهادي، وإنما يستحب ذلك. قال ابن دقيق العيد: وإن كان الفقهاء قد استحبوا أن يبدأ الإمام بالرجم إذا ثبت الزنى بالإقرار ويبدأ (جـ)
стр. 3499
الشهود به إذا ثبت بالبينة، كأن الإمام لمَّا كان عليه التثبُّت والاحتياط، قيل له: ابدأ. لكون (أ) ذلك زاجرًا عن التساهل في الحكم وداعيًا إلى غاية التثبت، وأما في الشهود فظاهر، لأن قتله بقولهم. وذهب أبو حنيفة واختاره الهدوية إلى أن ذلك واجب، ويرد عليهم بهذا الحديث. وظاهر قوله: "فارجموه". أنه لم يحفر له حفيرة، بل وقع التصريح في حديث أبي سعيد عند مسلم (١)، فقال: ما حفرنا له ولا أوثقناه. ولكن وقع في حديث بريدة عند مسلم (٢): فحفر له حفيرة. ويمكن الجمع بأن النفي (ب) حفيرة لا يمكنه الوقوف فيها، والمثبت عكسه، أو أنهم لم يحفروا له في أول الأمر ثم لما فَرَّ فأدركوه حفروا له حفيرة، فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه، أو أنهم حفروا له في أول الأمر، ثم لما وجد مس الحجارة خرج من الحفيرة فتبعوه، وهذا أوجه، ويؤيده ما في لفظ البخاري (٣): فلما أذلفته الحجارة -بالذال المعجمة والقاف؛ أي بلغت منه الجهد- هرب، فأدركناه بالحَرَّةِ فرجمناه. زاد معمر في روايته (٤) حتى مات. وذهبت الشافعية إلى أنه لا يحفر للرجل، وفي وجهٍ: يتخير الإمام. وفي المرأة أوجه ثلاثة، ثالثها: يحفر إن ثبت زناها
стр. 3500
بالبينة لا بالإقرار. وعن الأئمة الثلاثة في المشهور عنهم: لا يحفر. وعند الهدوية الحفر مندوب للرجل والمرأة. وقال أبو يوسف وأبو ثور: يحفر للرجل والمرأة. وقد أخرج أبو داود (١) من حديث يزيد بن نعيم بن هزال (أ) أنه قال النبي ﷺ : "هلا رددتموه إليَّ". وفي رواية (٢): "تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه". وفيه دلالة على أنه يقبل من المقر الرجوع عن الإقرار، وقد ذهب إلى هذا الهدوية، وهو مذهب الشافعي وأحمد، فإذا هرب ترك لعله يرجع، وعند المالكية (ب [في المشهور] ب): لا يترك إذا هرب. وقيل: إن المقر يقام عليه الحد إذا أخذ على الفور، فإن لم يؤخذ ترك. وعند الحنفية: إذا أخذ في الحال أقيم عليه الحد، وإن أخذ بعد أيام ترك. وعن أشهب: إن ذكر عذزا يقبل تُرِك، وإلا فلا. ونقله القعنبي عن مالك، وحكى اللخمي عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة، ومنهم من قيده بما بعد إقراره عند الحاكم، واحتجت المالكية بأن الذين رجموه حين مات بعد أن هرب لم يُلْزَموا بديته، فلو شرع تركه لوجبت عليهم الدية. والجواب: أنه لم يصرح بالرجوع، ولم يقل أحد: إن الحد يسقط بمجرد الهرب.
стр. 3501
١٠٠٥ - وعن ابن عباس ﵁ قال: لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ قال له: "لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت؟ ". قال: لا يا رسول الله. رواه البخاري (١).
قوله: "قبلت". أي المرأة، فحذف (أ) المفعولَ للعلم به، والمراد المرأة المذكورة، ولم يعين محل التقبيل.
وقوله: "أو غمزت". بالغين المعجمة والزاي؛ أي بعينك، أو يدك، أي أشرت، أو المراد: تعمدت بيدك الجس، أو وضعها على عضو الغير، وإلى ذلك الإشارة بقوله في رواية زيادة: "أو لمست".
وقوله: "أو نظرت". والمراد أنه أطلق على كل واحدة من هذه المذكورات لفظ الزنى مجازًا، وذلك كما جاء في حديث: "العين تزني وزناها النظر" (٢).
الحديث فيه دلالة على أنه يلقن المقر الشبهة التي إذا قالها سقط عنه الحد، وأن الإقرار بالزنى لا بد فيه من اللفظ الصريح الذي لا يحتمل
стр. 3502
غير المواقعة.
١٠٠٦ - وعن عمر بن الخطاب ﵁، أنه خطب فقال: إن الله بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أُنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله. فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. متفق عليه (١).
قوله: أنه خطب. كانت الخطبة بعد رجوعه من الحج وقدم المدينة.
وقوله: آية الرجم. لم يذكرها البخاري، وقد أخرج الإسماعيلي (٢) من رواية جعفر الفريابي عن علي بن عبد الله شيخ البخاري فيه، فقال بعد قوله: أو الاعتراف: وقد قرأناها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة. وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده. فسقط من رواية البخاري من قوله: وقد. إلى قوله: البتة. ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدًا، فقد أخرجه النسائي (٣) عن محمد بن منصور عن سفيان كرواية جعفر، ثم قال: لا أعلم
стр. 3503
أحدًا ذكر في هذا الحديث: الشيخ والشيخة. غير سفيان، وينبغي أن يكون وهم في ذلك، وقد وقعت هذه الزيادة في هذا الحديث من رواية "الموطأ" (١) عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: لما صدر عمر من الحج وقدم المدينة، خطب الناس فقال (أ): أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة. ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم؛ أن يقول [قائل] (ب): لا نجد حدين في كتاب الله. فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله. لكتبتها بيدي: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة (جـ). قال مالك: الشيخ والشيخة: الثيب والثيبة. ووقع في "الحلية" (٢) في ترجمة داود بن أبي هند: لكتبتها في آخر القرآن. وفي رواية أبي معشر (٣) بلفظ: قد قرأنا: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم. وأخرجه (د) النسائي وصححه الحاكم (٤) من حديث أبي بن كعب
стр. 3504
قال: ولقد كان فيها -أي في سورة "الأحزاب"- آية الرجم: الشيخ. فذكر مثله. ومن حديث زيد بن ثابت (١): سمعت رسول الله ﷺ [يقول] (أ): الشيخ والشيخة. مثله، إلى قوله: البتة. ومن رواية أبي أمامة بن سهل (٢) أن خالته أخبرته قالت: [لقد] (أ) أقرأناها رسول الله ﷺ . فذكره، إلى قوله: البتة. وزاد (ب): بما قضيا من اللذة. وهذا من نسخ التلاوة وبقاء الحكم، وهو قسم من أقسام النسخ كما هو مبين في الأصول.
وقوله: فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. أي في الآية المذكورة التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وقد وقع ما خشي عمر، فإنه قد أنكر الرجم طائفة من الخوارج أو معظمهم وبعض العتزلة، وهذا إما من التحديث الذي وصف رسول الله ﷺ به عمر، أو أنه قد سمع ذلك، وقد أخرج عبد الرزاق والطبراني (٣) عن ابن عباس أن عمر قال: سيجيء قوم يكذبون بالرجم. الحديث. وفي رواية عند النسائي (٤): وأن ناسًا يقولون: ما بال الرجم؟!
стр. 3505
[وإنما] (أ) في كتاب الله الجلد؛ ألا قد رجم رسول الله ﷺ .
وقوله: أو كان الحَبَل. بفتح المهملة والموحدة، وفي رواية معمر (١): الحمل. أي وجدت المرأة الخلية (ب) من زوج أو سيد حُبْلَى، و [لم] (جـ) تذكر شبهة ولا إكراهًا، فيه دلالة على أنه يثبت الحد بالحبَل المذكور، وهذا مذهب عمر بن الخطاب ﵁، وذهب إليه مالك وأصحابه، وقالوا: إذا حملت ولم يعلم لها زوج ولا سيد، ولا عرفنا إكراهها، لزمها الحد، إلا أن تكون غريبة طارئة، وتَدَّعي أنه من زوج أو سيد. قالوا: ولا تقبل دعواها الإكراه إذا لم تقم بذلك بيِّنَةٌ عند الإكراه قبل ظهور الحبَل. وقال الشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء وذكره القاضي زيد في شرحه من الهادوية: إنه لا حد عليها إلا ببينة أو اعتراف؛ لأن [الحدود تسقط] (د) بالشبهات, وقد يستأنس لهذا بما روي عن علي في قصة شراحة (٢) , أنه قال لها: أستكرهت؟ قالت: لا. قال: فلعل رجلا أتاك في نومك؟ فسؤالها عن الاستكراه بعد الإقرار يدل على أن الاستكراه مسقط للحد ما لم يصرح بعدمه, ولكن قول عمر لما ذكر في خطبته ولم ينكر عليه، دليل