١٠٠٥ - وعن ابن عباس ﵁ قال: لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ قال له: "لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت؟ ". قال: لا يا رسول الله. رواه البخاري (١).
قوله: "قبلت". أي المرأة، فحذف (أ) المفعولَ للعلم به، والمراد المرأة المذكورة، ولم يعين محل التقبيل.
وقوله: "أو غمزت". بالغين المعجمة والزاي؛ أي بعينك، أو يدك، أي أشرت، أو المراد: تعمدت بيدك الجس، أو وضعها على عضو الغير، وإلى ذلك الإشارة بقوله في رواية زيادة: "أو لمست".
وقوله: "أو نظرت". والمراد أنه أطلق على كل واحدة من هذه المذكورات لفظ الزنى مجازًا، وذلك كما جاء في حديث: "العين تزني وزناها النظر" (٢).
الحديث فيه دلالة على أنه يلقن المقر الشبهة التي إذا قالها سقط عنه الحد، وأن الإقرار بالزنى لا بد فيه من اللفظ الصريح الذي لا يحتمل
стр. 3502
غير المواقعة.
١٠٠٦ - وعن عمر بن الخطاب ﵁، أنه خطب فقال: إن الله بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أُنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله. فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. متفق عليه (١).
قوله: أنه خطب. كانت الخطبة بعد رجوعه من الحج وقدم المدينة.
وقوله: آية الرجم. لم يذكرها البخاري، وقد أخرج الإسماعيلي (٢) من رواية جعفر الفريابي عن علي بن عبد الله شيخ البخاري فيه، فقال بعد قوله: أو الاعتراف: وقد قرأناها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة. وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده. فسقط من رواية البخاري من قوله: وقد. إلى قوله: البتة. ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدًا، فقد أخرجه النسائي (٣) عن محمد بن منصور عن سفيان كرواية جعفر، ثم قال: لا أعلم
стр. 3503
أحدًا ذكر في هذا الحديث: الشيخ والشيخة. غير سفيان، وينبغي أن يكون وهم في ذلك، وقد وقعت هذه الزيادة في هذا الحديث من رواية "الموطأ" (١) عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: لما صدر عمر من الحج وقدم المدينة، خطب الناس فقال (أ): أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة. ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم؛ أن يقول [قائل] (ب): لا نجد حدين في كتاب الله. فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله. لكتبتها بيدي: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة (جـ). قال مالك: الشيخ والشيخة: الثيب والثيبة. ووقع في "الحلية" (٢) في ترجمة داود بن أبي هند: لكتبتها في آخر القرآن. وفي رواية أبي معشر (٣) بلفظ: قد قرأنا: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم. وأخرجه (د) النسائي وصححه الحاكم (٤) من حديث أبي بن كعب
стр. 3504
قال: ولقد كان فيها -أي في سورة "الأحزاب"- آية الرجم: الشيخ. فذكر مثله. ومن حديث زيد بن ثابت (١): سمعت رسول الله ﷺ [يقول] (أ): الشيخ والشيخة. مثله، إلى قوله: البتة. ومن رواية أبي أمامة بن سهل (٢) أن خالته أخبرته قالت: [لقد] (أ) أقرأناها رسول الله ﷺ . فذكره، إلى قوله: البتة. وزاد (ب): بما قضيا من اللذة. وهذا من نسخ التلاوة وبقاء الحكم، وهو قسم من أقسام النسخ كما هو مبين في الأصول.
وقوله: فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. أي في الآية المذكورة التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وقد وقع ما خشي عمر، فإنه قد أنكر الرجم طائفة من الخوارج أو معظمهم وبعض العتزلة، وهذا إما من التحديث الذي وصف رسول الله ﷺ به عمر، أو أنه قد سمع ذلك، وقد أخرج عبد الرزاق والطبراني (٣) عن ابن عباس أن عمر قال: سيجيء قوم يكذبون بالرجم. الحديث. وفي رواية عند النسائي (٤): وأن ناسًا يقولون: ما بال الرجم؟!
стр. 3505
[وإنما] (أ) في كتاب الله الجلد؛ ألا قد رجم رسول الله ﷺ .
وقوله: أو كان الحَبَل. بفتح المهملة والموحدة، وفي رواية معمر (١): الحمل. أي وجدت المرأة الخلية (ب) من زوج أو سيد حُبْلَى، و [لم] (جـ) تذكر شبهة ولا إكراهًا، فيه دلالة على أنه يثبت الحد بالحبَل المذكور، وهذا مذهب عمر بن الخطاب ﵁، وذهب إليه مالك وأصحابه، وقالوا: إذا حملت ولم يعلم لها زوج ولا سيد، ولا عرفنا إكراهها، لزمها الحد، إلا أن تكون غريبة طارئة، وتَدَّعي أنه من زوج أو سيد. قالوا: ولا تقبل دعواها الإكراه إذا لم تقم بذلك بيِّنَةٌ عند الإكراه قبل ظهور الحبَل. وقال الشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء وذكره القاضي زيد في شرحه من الهادوية: إنه لا حد عليها إلا ببينة أو اعتراف؛ لأن [الحدود تسقط] (د) بالشبهات, وقد يستأنس لهذا بما روي عن علي في قصة شراحة (٢) , أنه قال لها: أستكرهت؟ قالت: لا. قال: فلعل رجلا أتاك في نومك؟ فسؤالها عن الاستكراه بعد الإقرار يدل على أن الاستكراه مسقط للحد ما لم يصرح بعدمه, ولكن قول عمر لما ذكر في خطبته ولم ينكر عليه، دليل
стр. 3506
قوي، فإنه ينزل منزلة الإجماع، وأجاب الطحاوي (١) بتأويل ذلك على أن المراد أن الحبل إذا كان من زنى وجب فيه الرجم، ولا بد من ثبوت كونه من زنى، ولا يخفى تكلفه، فإن عمر جعل الحبل مقابلًا للاعتراف.
وقوله: أو الاعتراف. أي الإقرار بالزنى والاستمرار عليه. وقد تقدم الكلام فيه.
١٠٠٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر".متفق عليه (٢) , وهذا لفظ مسلم.
قوله (فتبين زناها) ظاهر الحديث أنه إذا علم السيد بزنا أمته جلدها وإن لم تقم الشهادة، وقد ذهب إليه بعض العلماء ويحتمل أنه إذا تبين زناها بما يتبين به في حق الحرة، وهو الشهادة أو الإقرار والشهادة تقام عند الحاكم عند الأكثر، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنها تقام عند السيد
وقوله (فليجلدها) فيه دلالة على أن ولاية الحد إلى السيد وقد
стр. 3507
ذهب إلى هذا الشافعي، وذهب الهادي إلى أن ولاية إقامة الحد إلى الإمام، إن كان في الزمان إمام، وإلا فإلى السيد، قال: جمعًا بين الأدلة. أو (أ) أن قوله: "فليجلدها". بأمر الإمام، وهو (ب) بعيد، والمراد فليجلدها الحد الواجب عليها المعروف من صريح قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١). وقد وقع في رواية النسائي (٢): "فليجلدها بكتاب الله".
وقوله: "ولا يثرب عليها". التثريب (جـ) بمثناة ثم مثلثة ثم موحدة هو التعنيف وزْنًا ومعنى، وقد جاء أيضًا بلفظ: "ولا يعنفها". عند النسائي (٣)، والمراد أنه لا يجمع عليها العقوبة بالجلد وبالكلام. وقيل: المراد: ولا يقنع بالتعنيف دون الجلد، وهو بعيد. قال ابن بطال (٤): يؤخذ منه أن كل من أقيم عليه الحد لا يعزر بالتعنيف واللوم، وإنما يليق ذلك بمن صدر منه قبل أن يرفع إلى الإمام للتحذير والتخويف، فإذا رفع وأقيم عليه الحد كفاه. ويؤيد
стр. 3508
هذا نهي النبي ﷺ عن سب الذي أقيم عليه حد الخمر، وقال: "لا تكونوا عونًا للشيطان على أخيكم" (١).
وقوله: "ثم إن زنت" إلى آخر الحديث. فيه دلالة على أن الزاني إذا تكرر منه الزنى بعد إقامة الحد عليه تكرر عليه الحد، وأما إذا زنى مرات من دون تخلل إقامة الحد، لم يجب عليه إلا حد واحد. وظاهر قوله: "فليبعها". أنه لا يعيد عليها الحد. وقال المصنف رحمه الله تعالى في "فتح الباري" (٢): الأرجح أنه يجلدها قبل البيع، ثم يبيعها، والسكوت عنه للعلم بأن الحد لا يترك، ولا يقوم البيع مقامه. وقال في "شرح مسلم" للنووي (٣): وفيه إشارة إلى أن العقوبة في التعزيرات إذا لم يحصل بها المقصود من الزجر لا تفعل، فيعدل عن الحد إلى ترك شرط إقامته على السيد، وهو بالإخراج عن الملك، ولذلك قال: "فليبعها". ولم يقل: فليجلدها كلما تكرر منها الزنى. كذا ذكره ابن دقيق العيد (٤)، وقال: قد تعرض إمام الحرمين لشيء من ذلك، فقال: إذا علم المعزر أن التأديب لا يحصل إلا بالضرب المبرح فليتركه؛ لأن المبرح يهلك، وليس له الإهلاك، [وغير المبرح لا يفيد] (أ)،
стр. 3509
وهذا البيع المأمور به مستحب ليسٍ بواجب عند الجمهور، وادعى بعض الشافعية أن سبب صرف الأمر عن (أ) الوجوب أنه منسوخ، وممن حكاه ابن الرفعة في "المطلب" (١)، ويحتاج إلى ثبوت. وقال ابن بطال (٢): حمل الفقهاء الأمر بالبيع على الحض (ب) على مباعدة من تكرر منه الزنى؛ لئلا يظن بالسيد الرضا بذلك، ولما في (جـ) ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنى. قال: وحمله بعضهم على الوجوب، ولا سلف له (د) من الأمة، فلا يشتغل به، وقد ثبت النهي عن إضاعة المال، فكيف يجب بيع ما له قيمة خطيرة بالحقير؟ انتهى.
وظاهر هذا أن الإجماع صرف الأمر عن الوجوب، وقال داود وأهل الظاهر: هو واجب، وفيه دلالة على ترك مخالطة الفساق وأهل المعاصي وفراقهم، وأنه يجوز بيع الشيء الثمين بالثمن الحقير، وهذا مجمع عليه إذا كان البائع عالمًا به، فإن كان جاهلًا فكذلك عند الجمهور، ولأصحاب مالك فيه خلاف، إلا أنه يلزم البائعَ أن يعرِّف الشتري العيب الذي فيها؛ لقوله ﷺ : "من غشنا فليس منا" (٣). إلا أنه يقال: كيف أحب لأخيه
стр. 3510
المسلم شراءها وهو لا يرتضيه لنفسه؟ والجواب عنه: أن ذلك لكونها قد تستعف عند المشتري بأن يعفها لنفسه (أ) أو يزوجها أو يصونها لهيبته أو الإحسان إليها. وفي الحديث دلالة أنه يقام الحد على الأمة وإن لم تكن قد أحصنت، وإن كانت الآية الكريمة مشروطًا فيها بالإحصان، فالآية بيان حد المحصنة، وأن عليها نصف الجلد لا الرجم؛ لأنه لا يتنصف، ولعل هذا هو فائدة التقييد بالشرط، وهذا الحديث فيه بيان حد الأمة مطلقًا، وفي خطبة علي (١): يأيها الناس، أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم (ب) ومن لم يحصن. وإن كان الطحاوي (٢) أشار إلى إعلال لفظ: ومن لم يحصن. وقال: لم يذكرها من الرواة غير مالك. فقد أنكر الحفاظ ذلك على الطحاوي، وقالوا: قد رواها ابن عيينة ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب كما قال مالك (٣). وهذا قول الجمهور، وذهب جماعة من السلف إلى (ب) أنه لا حد على من لم يكن قد أحصن من العبيد والإماء، وممن قاله ابن عباس وطاوس وعطاء وابن جريج وأبو عبيد (٤). والله سبحانه أعلم.
١٠٠٨ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 3511
"أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم". رواه أبو داود (١)، وهو في مسلم (٢) موقوف.
وأخرجه البيهقي مرفوعًا (٣)، وقد غفل الحاكم فاستدركه (٤).
الحديث فيه دلالة على أن ولاية إقامة الحد إلى السيد على الذكور والإناث، سواء مع الإحصان ومع عدمه، في الزنا وغيره، وقد ذهب إليه الشافعي وغيره من السلف، وقال مالك: إن كانخما الأمة مزوجة كان أمر الحد إلى الإمام، إلا أن يكون زوجها عبدًا لسيد الأمة، فأمرها إلى السيد. واستثنى مالك القطع في السبرقة، وهو وجه للشافعية. وفي آخر يستثنى حد الشرب، واحتج [المالكية] (أ) بأن في القطع مثلة، فلا يأمن السيد أن يدعى عليه إرادة المثلة، فيمنع من مباشرته القطع؛ سدًّا للذريعة، وبعض المالكية فرع على هذا التعليل بأن ذلك حيث كان ثبوته بالإقرار لا إذا كان بالبينة، فالعلة منتفية، وظاهر الحديث أن السيد له الإقامة سواء كان فيه صلاحية أو لا، وقد ذهب إليه بعض الشافعية، قالوا: لأن سبيله سبيل الاستصلاح فلا يفتقر إلى أهلية. وقال ابن حزم: يقيمه السيد إلا إن كان كافرًا. قال: لأنهم
стр. 3512
لا يقرون إلا بالصغار، وفي تسليطه على إقامة الحد منافاة لذلك، وقد روي عن جماعة من الصحابة إقامة الحد على المملوك من دون أمر الإمام، فأخرج البيهقي (١) عن ثمامة (٢) بن أنس قال: شهدت أنس بن مالك يضرب إماءه الحد إذا زنين، تزوجن أو نم يتزوجن. وأخرج عن عبد الله بن عمر أنه حد جارية له زنت. وأخرج (٣) عن [عمرو] (أ) بن مرة، قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: إذا زنت الأمة لم تجلد الحد ما لم تزوج. فسألت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال: أدركت بقايا الأنصار وهم يضربون الوليدة من ولائدهم في مجالسهم إذا زنت. قال الشافعي: وابن مسعود ﵁ يأمر به، وأبو برزة ﵁ يحد وليدته. وأخرج (٣) عن أشعث إجازة، عن أبيه قال: شهدت أبا برزة ضرب أمة له فجرت. وأخرج (٣) عن خارجة بن زيد عن زيد ﵁، أنه حد جارية له. وأخرج (٣) عن ابن أبي الزناد [عن أبيه] (ب) عن الفقهاء الذين ينتهى إلى قولهم من أهل المدينة، كانوا يقولون: لا ينبغي لأحد أن يقيم شيئًا من الحدود دون السلطان، إلا أن للرجل أن يقيم حد الزنى على عبده وأمته. وأخرج الشافعي (٤) عن مالك
стр. 3513
عن نافع، أن عبدًا لابن عمر سرق وهو آبق، فأرسل به عبد الله إلى سعيد بن العاص -وهو أمير المدينة- ليقطع يده، فأبى سعيد بن العاص أن يقطع يده، وقال: لا تقطع يد [الآبق] (أ) إذا سرق. فقال له ابن عمر: في أي كتاب الله وجدت هذا؟ فأمر به ابن عمر فقطعت يده. ورواه عبد الرزاق (١) في "مصنفه" عن معمر عن أيوب عن نافع، أن ابن عمر قطع يد غلام له سرق، وجلد عبدًا له زنى، من غير أن يرفعهما إلى الوالي. ورواه من وجه آخر (٢)، وأخرج مالك في "الموطأ" والشافعي (٣) عنه عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة، قالت: خرجت عائشة إلى مكة ومعها غلام لبني عبد الله بن أبي بكر الصديق. فذكرت قصة فيها أنه سرق واعترف، فأمرت به عائشة فقطعت يده. وأخرج مالك في "الموطأ" (٤) أنه بلغه أن حفصة قتلت جارية لها سحرتها، وكانت قد دبرتها. ورواه عبد الرزاق (٥) من وجه آخر، وفيه: فأمرت بها عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فقتلها، فأنكر ذلك عثمان بن عفان، فقال له ابن عمر: ما تنكر على أم المؤمنين؟ امرأة سحرت واعترفت.
стр. 3514
وأخرج الشافعي وعبد الرزاق (١) عن عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد بن علي، أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ حدت جارية لها زنت. ورواه ابن وهب (٢) عن ابن جريج عن عمرو بن دينار، أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ كانت تجلد وليدتها خمسين إذا زنت. وذهب الأوزاعي والثوري إلى أنه لا يقيم السيد إلا حد الزنى (٣)، وقالت الحنفية: لا يقيمها إلا الإمام أو من أذن له. واحتج الطحاوي (٤) لذلك بما أخرجه من طريق مسلم بن يسار قال: كان أبو عبد الله، رجل من الصحابة، يقول: الزكاة والحدود والفيء والجمعة إلى السلطان. قال الطحاوي (٤): لا نعلم له مخالفًا من الصحابة. وتعقبه ابن حزم فقال (٢): بل خالفه اثنا عشر نفسًا من الصحابة. وقد سمعت ما روي عن جماعة من الصحابة، وفيه كفاية للرد على الطحاوي، وأنت خبير أن قول الهدوية: ويُحِد العبدَ -حيث لا إمام- سيدُه. أخذ من قول المانعين (أ) والمجيزين بطرف فلا يكون خارقًا للإجماع، ولكنه تفصيل، وهو يحتاج إلى دليل.
١٠٠٩ - وعن عمران بن حصين، أن امرأة من جهينة أتت نبي الله ﷺ ، وهي حبلى من الزنى، فقالت: يا نبي الله، أصبت
стр. 3515
حدًّا فأقمه علي. فدعا نبي الله ﷺ وليها، فقال: "أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها". ففعل، فأمر بها فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال عمر: أتصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟! فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله". رواه مسلم (١).
قوله: امرأة من جهينة. المرأة هذه هي الغامدية, وغامد بغين معجمة ودال مهملة أبو قبيلة؛ بطن من جهينة، واسمه عمرو (أ) بن عبد الله، ولُقِّب غامدًا لإصلاحه أمرًا كان في قومه، وقد روى هذه القضية أبو هريرة وأبو سعيد وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وابن عباس، روى عنهم مسلم (٢)، وروى أيضًا هو وأبو داود (٣) عن بريدة وعن عمران بن حصين، وروى عن عمران أيضًا الترمذي والنسائي (٤).
وقوله: "أحسن إليها". هذا الإحسان له سببان:
أحدهما: الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة ولحوق العار بهم
стр. 3516
أن يؤذوها، فأوصى بالإحسان إليها تحذيرًا لهم من ذلك.
والثاني: لرحمتها إذ قد تابت، وحرص على الإحسان إليها؛ لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها وإسماع الكلام المؤذي.
وقوله: "فإذا وضعت فأتنى بها". ففعل، إلى آخره. ظاهر هذه الرواية أنه كان رجْمُها عقيب الوضع، وفي رواية أخرى لمسلم (١): أنها إنما رجمت بعد أن فطمت ولدها وأتت به وفي يده كسرة خبز. والروايتان صحيحتان، وهي [قصة] (أ) واحدة، وهذه رواية صريحة لا يمكن تأويلها، فيتعين تأويل الأولى بأن فيها طيًّا وحذفًا لما ذكر في الرواية الثانية.
وقوله: فشكت. أي شدت، وقد جاء في بعض النسخ: شدت. وهو في معنى شكت، وهو مستحب شد الثياب وجمعها عليها وشدها بحيث لا تنكشف في تقلبها وتكرار اضطرابها. واتفق العلماء على أن المرأة ترجم قاعدة، وأما الرجل فالجمهور على أنه يرجم قائمًا، وقال مالك: قاعدًا. وقال غيره: يخير الإمام بينهما.
وقوله: ثم أمر بها فرجمت. وفي بعض الروايات (١): وأمر الناس فرجموها. فيه دلالة على أنه لم يحضر، وأنه لا يجب على الإمام الحضور، وقد تقدم.
стр. 3517
وقوله: ثم صلى عليها. هذه الرواية فيها التصريح بأنه ﷺ صلى على المرأة، ويؤيده قول عمر ﵁: أتصلي عليها؟ وإن كان يحتمل أنه بصيغة المبني للمفعول كما قال القاضي (١) في رواية مسلم: فصلي عليها، ثم دفنت، أنه قال الطبري: إنها بضم الصاد وكسر اللام. قال: وكذا هو في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود (٢). قال: وفي رواية لأبي داود (٣): ثم أمرهم أن يصلوا. وإن كان أكثر الرواة لمسلم بفتح الصاد واللام كالرواية المذكورة في هذا الكتاب، إلا أنه يمكن الجمع بين الروايات بأن معنى: صلى عليها. بفتح الصاد: أمر بالصلاة عليها، والإسناد إلى السبب مجاز عقلي، وقول عمر: أتصلي؟ أي تأمر بالصلاة عليها، فلا تتخالف الروايات، ويمكن أيضًا التأويل لرواية أبي داود: أمرهم أن يصلوا. أي أمرهم أن يأتموا به ويصلوا معه، فالتأويل ممكن في الروايتين، ولم يذكر مسلم أنه ﷺ صلى على ماعز، وقد ذكر ذلك البخاري (٤)، وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الصلاة على المرجوم، فكرهها مالك وأحمد للإمام وأهل الفضل دون باقي الناس، قالا: ويصلي عليه غير الإمام وأهل الفضل. وقال الشافعي (١) وآخرون: يصلي عليه الإمام وأهل الفضل وغيرهم. فالخلاف بين الشافعي ومالك إنما هو في الإمام وأهل الفضل، وأما غيرهم فاتفقا على أنهم يصلون. وقال جماهير العلماء: يصلى على الفساق والمقتولين في الحدود والمحاربة
стр. 3518
وغيرهم. وقال الزهري (١): لا يصلي أحد على المرجوم وقاتل نفسه. وقال قتادة: لا يصلى على ولد الزنى. واحتج الجمهور بهذا الحديث، وأجاب أصحاب مالك عنه بجوابين؛ أحدهما: تضعيف رواية الصلاة لكون الأكثر لم يذكروها. والثاني: تأويلها بأنه ﷺ أمر بالصلاة، أو دعا، فسمي صلاة على مقتضاها في اللغة. وَرُدّ ذلك بأن الزيادة ثابتة في الصحيح، وزيادة الثقة مقبولة، وبأن التأويل إنما يصار إليه إذا اضطر إلى ارتكابه، وليس هنا شيء من ذلك، فوجب العمل على ظاهره، والرجوع إلى الحق أحق.
وقوده: "لقد تابت توبة". يدل على أن التوبة لا تسقط بها الحدود، وهذا أصح القولين في مذهب الشافعي، وهو قول غيرهم. والقول الثاني: أن الحد يسقط بالتوبة، وأما حد المحارب قبل القدرة فيسقط بالتوبة عند الجمهور، كما في قوله تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٢) الآية. وعند ابن عباس وغيره: لا يسقط الحد.
وقوله: "جادت بنفسها". أي كرمت.
١٠١٠ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: رجم رسول الله ﷺ رجلًا من أسلم، ورجلًا من اليهود، وامرأة. رواه مسلم (٣). وقصة اليهوديين في "الصحيحين" (٤) من حديث ابن عمر.
стр. 3519
قوله: رجلًا من أسلم. هو ماعز بن مالك الأسلمي، والمرأة الجهنية وهي الغامدية.
وقوله: وقصة اليهوديين في الصحيحين. وأن النبي ﷺ أمر بهما فرجما. وفيها من الفوائد. وجوب الحد على الكافر الذمي إذا زنى، وهو قول الجمهور، وفيه خلاف عند الشافعية لعدم شرط الإحصان الموجب للرجم، وهو الإسلام، حتى نقل ابن عبد البر (١) الاتفاق على أن شرط الإحصان الموجب للرجم هو الإسلام، ورد عليه بأن الشافعي وأحمد لا يشترطان ذلك، ويؤيد مذهبهما وقوع التصريح بأن اليهوديين اللذين زنيا كانا قد أحصنا، وذهب المالكية ومعظم الحنفية وربيعة شيخ مالك إلى مثل قول بعض الشافعية من اشتراط الإسلام، وأجابوا عن الحديث بأنه ﷺ إنما رجمهما بحكم التوراة، وليس هو في حكم الإسلام في شيء، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم، فإن في التوراة الرجم على المحصن وعلى غيره، قالوا: وكان ذلك أول دخول النبي ﷺ المدينة، وكان مأمورًا باتباع حكم التوراة والعمل بها حتى نسخ ذلك في شرعه، فرجم اليهوديين على ذلك الحكم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٢). ثم نسخ ذلك بالتفرقة بين من أحصن وبين من لم يحصن. انتهى.
وقد يجاب عن هذا بأنه جاء في رواية الطبري (٣) من طريق أن أحبار
стр. 3520
اليهود اجتمعوا في بيت [الدراس] (أ)، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة منهم قد أحصنت. فذكر القصة فصرح فيها بالإحصان. وقال مالك (١): إنما رجم اليهوديين؛ لأن اليهود يومئذ لم يكن لهم ذمة فتحاكموا إليه. وتعقبه الطحاوي (١) بأنه لو لم يكن واجبًا ما فعله، قال: وإذا أقام الحد على من لا ذمة له، فلأن يقيمه على من له ذمة أولى. مع أن قتل المرأة الحربية عند مالك لا يجوز، إلا أن يقول: إن ذلك كان قبل النهي عن قتل النساء. قال القرطبي (٢): ويعكر عليه أن مجيئهم سائلين يوجب لهم عهدًا كما لو دخلوا لغرض التجارة، فإنهم في أمان إلى أن يردوا إلى مأمنهم، إلا أن يقول: السائل عن ذلك ليس هو صاحب الواقعة. وقال ابن العربي (٣): إنما رجمهما لإقامة الحجة عليهم بما لا يراه في شرعه مع قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٤). ومن ثم استدعى شهودهم لتقوم عليهم الحجة منهم. ومثل هذا أجابت به الحنفية عن رجم اليهوديين بأنه وقع بحكم التوراة، ورده الخطابي (٥) بأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. وإنما جاءه القوم سائلين عن الحكم عنده كما دلت عليه الرواية، فنبههم على ما كتموه من حكم التوراة، ولا جائز أن يكون حكم الإسلام عنده مخالفًا لذلك؛ لأنه لا يجوز الحكم بالمنسوخ، فدل على أنه إنما حكم بالناسخ، وقد جاء في
стр. 3521
حديث أبي هريرة (١): "فإني أحكم بما في التوراة". لكن في سنده رجل مبهم، مع أنه يحتمل أن يكون معناه: إني أحكم بما في التوراة موافقًا لشريعتي. ولا يسلم أيضًا أن النبي ﷺ حكم بذلك أول ما قدم المدينة، فإنه قد جاء في بعض طرقه الصحيحة، أنهم تحاكموا إليه وهو في المسجد بين أصحابه، والمسجد لم يكمل بناؤه إلا بعد مدة من دخوله المدينة، وفي القصة أنهم شهدوا من اليهود، فيدل على قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، قال القرطبي (٢): والجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على مسلم ولا كافر؛ لا في حد ولا في غيره، في السفر والحضر، وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين ؤبعض الفقهاء (أ). وقد ذهب إلى ذلك الهدوية، فقالوا: تقبل شهادة ملِّي على مثله. واستثنى أحمد بن حنبل حالة السفر، فتجوز شهادة الكافر على غيره إذا لم يوجد مسلم، وقال النووي (٣): الظاهر أنه رجمهما بالاعتراف، فإن ثبت حديث جابر (٤) بالشهادة، فلعل الشهود كانوا مسلمين، ولعله يجوز أن يكون حكمه بما أطلعه الله تعالى عليه، وإنما كانت الشهادة في الظاهر لإلزامهم الحجة، وفي الحديث دلالة على أن أنكحة الكفار صحيحة؛ لأن ثبوت الإحصان فرع عن ثبوت صحة النكاح، وأن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع، وأن اليهود كانوا ينسبون إلى
стр. 3522
التوراة ما لم يكن فيها كما وقع في القصة.
١٠١١ - وعن سعيد بن سعد بن عبادة ﵄ قال: كان بين أبياتنا رويجل ضعيف، فخبث بأمة (أ) من إمائهم، فذكر ذلك سعد لرسول الله ﷺ فقال: "اضربوه حده". فقالوا: يا رسول الله، إنه أضعف من ذلك. فقال: "خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ، ثم اضربوه به ضربة واحدة". ففعلوا. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (١) وإسناده حسن، لكن اختلف في وصله وإرساله.
هو سعيد بن سعد الأنصاري، قيل: له صحبة. روى عن أبيه، وعنه ابنه شرحبيل وأبو أمامة بن سهل، قال الواقدي وغيره: صحبته صحيحة وكان واليًا لعلي بن أبي طالب ﵁ على اليمن (٢).
وقوله: اختلف في وصله وإرساله. فأخرجه الشافعي (٣) عن سفيان عن يحيى بن سعيد وأبي الزناد، كلاهما عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، ورواه أيضًا البيهقي، وقال: هذا هو المحفوظ عن أبي أمامة مرسلًا (٤).
стр. 3523
ورواد أحمد وابن ماجه من حديث أبي الزناد (١) عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن سعيد بن سعد بن عبادة موصولًا. ورواه الدارقطني (٢) من حديث فليح عن أبي حازم عن سهل بن [سعد] (أ)، وقال: وهم فيه فليح، والصواب عن أبي حازم عن أبي أمامة بن سهل. ورواه أبو داود (٣) من حديث الزهري عن أبي أمامة عن رجل من الأنصار. ورواه النسائي (٤) من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه (٥). ورواه الطبراني (٦) من حديث أبي أمامة بن سهل عن أبي سعيد الخدري، فإن كانت الطرق كلها محفوظة، فيكون أبو أمامة قد حمله عن جماعة من الصحابة (ب).
قوله: رويجل. تصغير رجل للتحقير كما هو الأصل في التصغير، وقد جاء في رواية: أنه كان مقعدًا (٧). وفي رواية: رجل مُخْدَج ضعيف (٨).
وبوب عليه البيهقي (٩): باب الضرير في خلقته لا من مرض.
стр. 3524
وقوله: خبث [بأمة] (أ). وفي رواية: أصاب امرأة حَبَلٌ فرمته به فاعترف (١).
وقوله: "عثكالا". قد جاء في رواية: "بإثكال" (٢). وفي رواية: "بأثكول" (٣). والإثكال والأثكول هو العثكال، والعثكال بكسر العين المهملة وثاء مثلثة كقرطاس: العذق والشمراخ، ويقال: عثكول وعثكولة بضم العين. كذا في "القاموس" (٤).
قوله: "فيه مائة شمراخ". الشمراخ غصن دقيق في أعلى الغصن، وكعصفور لغة فيه. كذا في "الضياء"، وفي "القاموس" (٥): الشمراخ بالكسر: العثكال عليه بسر أو عنب كالشمروخ. انتهى.
والمراد هنا بالعثكال الغصن الكبير الذي يكون عليه أغصان صغار، وهو للنخل كالعنقود للعنب، وكل واحد من تللث الأغصان يسمى شمراخًا. والحديث يدل على أنه إذا كان المحدود لا يحتمل تكرار الضرب لضعف أو مرض، فإنه يضرب بما يحتمله مجموعًا كالعثكول ونحوه، وقد ورد هذا التخفيف في حق من هو مأيوس البرء كما جاء في الروايات: أنه مُخْدَج. أي ناقص الخلقة، أو: أنه كان مقعدًا. وهذا قول الجمهور، وذهب الناصر
стр. 3525
والمؤيد بالله إلى أنه لا يحد المريض وإن فات الحد، وأما إذا كان المرض يرجى زواله فإنه يؤخر اتفاقًا، وكذلك لشدة الحر والبرد إذا خيف على المحدود معهما إجماعًا، قالوا: ولا بد أن تباشر المحدودَ جميعُ الشماريخ؛ ليقع المقصود من الحد. وروي عن الإمام يحيى وصاحب "الكافي" أنه يجزئ وإن لم تباشره جميع الشماريخ، قالوا: لأن الاعتماد كاف، ولأنه ظاهر الحديث، وكذا قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ الآية (١). قال الإمام المهدي في الرد عليه: قلنا: يقل الألم بذلك كالساتر الغليظ. انتهى.
ويجاب عنه بأن الغرض من هذه الرخصة هو تقليل الألم فلا يتم الرد، والله أعلم.
١٠١٢ - وعن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به، ومن وجدتموه (أ) على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة". رواه أحمد والأربعة (٢)، ورجاله موثقون إلا أن فيه اختلافًا.
الحديث أخرجه أحمد وأبو داود، واللفظ له، والترمذي وابن ماجه
стр. 3526
والحاكم والبيهقي من حديث عكرمة عن ابن عباس (١) إلى قوله: "والمفعول به". واستنكره النسائي (٢)، ورواه ابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة (٣)، وإسناده أضعف من الأول بكثير، وقال ابن الطلاع في "أحكامه" (٢): لم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم فيه، وثبت عنه أنه قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به". رواه عنه ابن عباس وأبو هريرة، وفي حديث أبي هريرة: "أحصنا أم لم يحصنا". كذا قال. وحديث أبي هريرة لا يصح، وقد أخرجه البزار من حديث عاصم بن عمر العمري عن سهيل عن أبيه عنه (أ)، وعاصم (٣) متروك. وقد رواه ابن ماجه من طريقه بلفظ: "فارجموا الأعلى والأسفل" (٤).
وحديث ابن عباس مختلف في ثبوته.
وأخرج البيهقي (٥) من حديث سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس في البكر يوجد على اللوطية، قال: يرجم. وأخرج (٥) من طريق يحيى بن معين، أنه سئل ابن عباس عن حد اللوطي، قال: ينظر أعلي بناء في القرية فيرمى به منكسًا ثم يتبع بالحجارة. وأخرج (٢) أن عليّا ﵁ رجم
стр. 3527
لوطيًّا. قال الشافعي (١): وبهذا نأخذ برجم اللوطي محصنًا كان أو غير محصن. وأخرج البيهقي (٢) أن أبا بكر الصديق ﵁ جمع الناس في حق رجل ينكح كما تنكح النساء، فسأل أصحاب رسول اللَّه ﷺ عن ذلك؛ فكان من أشدهم يومئذ قولًا علي بن أبي طالب ﵁، قال: إن هذا ذنب لم تعص به أمة من الأم إلا أمة واحدة، صنع اللَّه بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار. فاجتمع رأي أصحاب رسول الله ﷺ على أن يحرقه بالنار، فكتب أبو بكر ﵁ إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار. وفي إسناده إرسال، وروي من وجه آخر عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي ﵁ في غير هذه القصة قال: يرجم ويحرق بالنار (٢). قال البيهقي (٢): ويذكر عن ابن أبي ليلى عن رجل من همدان أن عليًّا رجم رجلًا محصنًا في عمل قوم لوط. هكذا ذكره الثوري (١) مقيدًا بالإحصان، وهشيم رواه عن ابن أبي ليلى مطلقًا. وأخرج (٢) عن عطاء أنه قال في اللوطي: حده حد الزاني. وأخرج (٢) عن ابن الزبير في سبعة أخذوا في اللواطة، أربعة منهم قد أحصنوا وثلاثة لم يحصنوا، فأمر بالأربعة فأخرجوا من المسجد فرضخوا بالحجارة، وأمر بالثلاثة فضربوا الحدود وابن عمر وابن عباس في المسجد. وأخرج (٢) عن الحسن في الرجل يأتي البهيمة ويعمل عمل قوم لوط، قال: هو بمنزلة الزاني. وأخرج (٢) عن إبراهيم النخعي قال: إن
стр. 3528
اللوطي بمنزلة الزاني؛ إن كان محصنًا رجم، وإن كان غير محصن جلد الحد. قال البيهقي (١): وإلى هذا رجع الشافعي فيما زعم الربيع بن سليمان. وأخرج (١) عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان". وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن (٢)، قال البيهقي: لا أعرفه. والحديث منكر بهذا الإسناد.
وقوله: "من وجدتموه". هذا حديث مستقل من رواية ابن عباس، أخرجه بهذا اللفظ البيهقي (١) من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال: فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ فقال: ما سمعت عن (أ) رسول الله ﷺ في ذلك شيئًا، ولكن أرى رسول الله ﷺ كره أن يؤكل من لحمها، أو ينتفع بها بعد ذلك العمل.
وأخرج البيهقيِ (٣) عن عاصم ابن بهدلة عن أبي رزين عن ابن عباس، أنه سئل عن الذي يأتي البهيمة، قال: لا حد عليه. ثم قال: قال أبو داود: حديث عاصم يضعف حديث عمرو بن أبي عمرو، قال البيهقي: قد رويناه
стр. 3529
من أوجه عن عكرمة، ولا أرى عمرو بن أبي عمرو يقصر عن عاصم بن بهدلة في الحفظ، كيف وقد تابعه على روايته جماعة، وعكرمة عند أكثر الأئمة من الثقات الأثبات. انتهى.
وقال الترمذي: حديث عاصم أصح، ولما رواه الشافعي في كتاب اختلاف علي وعبد اللَّه من جهة عمرو بن أبي عمرو، قال: إن صح قلت به. فأشار إلى تضعيفه. وكذا أخرجه عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد عن داود بن الحصين عن عكرمة. ويقال: إن أحاديث عباد بن منصور عن عكرمة إنما سمعها من إبراهيم بن أبي يحيى عن داود عن عكرمة، وكان يدلسها بإسقاط رجلين، وإبراهيم ضعيف، وإن كان الشافعي يقوي أمره. وقد أخرج البيهقي عن جابر بن زيد قال: [من أتى البهيمة] (أ) أقيم
стр. 3530
عليه الحد. وأخرج (١) عن عكرمة قال: سئل الحسن بن علي ﵁ عن رجل أتى بهيمة، قال: إن كان محصنًا رجم. قال (١): وروينا عن الحسن البصري أنه قال: هو بمنزلة الزاني.
فقول المصنف رحمه اللَّه تعالى: إلا أن فيه اختلافا. هو في حديث البهيمة، وقد سمعت الاختلاف الذي وقع على ابن عباس، ولكنه لا يضعف الحديث على الصحيح، فإن حديث عاصم موقوف على ابن عباس، ولعل ذلك اجتهاد من ابن عباس، فإن للاجتهاد مساغًا، فيكون من اجتهاد الصحابي بخلاف ما روى، وذلك لا يقدح فيما روى على المختار.
وقد أخرجه أبو يعلى الموصلي (٢) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه". وقد رواه ابن عدي (٣) عن أبي يعلى, ثم قال: قال لنا أبو يعلى: بلغنا أن عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير (٤) شيخ أبي يعلى رجع عنه، وذكر ابن عدي أنهم كانوا لقنوه.
والحديث فيه دلالة على تحريم إتيان الذكر، وهو كبيرة, قد ورد الوعيد عليها وعقاب فاعلها في كتاب الله عز في حق قوم، وشرع
стр. 3531
من قبلنا لازم اتباعه في شرعنا على المختار، والأحاديث المتواترة من حيث المعنى في تحريم ذلك، واختلف العلماء في عقوبة الفاعل؛ فذهب الحسن البصري وأبو طالب والإمام يحيى، وهو نص الهادي في "الأحكام"، ورواه أبو طالب عن القاسم، واختيار المؤيد بالله، وقول للشافعي، أنه يحد حد الزاني؛ قياسًا على الزاني بجامع الإيلاج المحرم في فرج محرم، ولا تقدم من حديث أبي موسى (١) وغيره من الآثار، وهي وإن لم تكف في الاستدلال مع ضعف الحديث فهي متقوية بالقياس. وذهب الناصر، ورواه المؤيد بالله عن القاسم، وقول قديم للشافعي، إلى أن حده القتل؛ محصنًا كان أو بكرًا، الفاعل والمفعول به، وحجتهم الحديث المذكور وغيره، وهو عام للمحصن وغيره، ولكنه محتمل للتخصيص؛ إما بالقياس المذكور، أو بالحديث على فرض صحته بأن ذلك في حق المحصن، وذهب المرتضى وأبو حنيفة وقول للشافعي، ورواه في "البحر" عن المؤيد بالله أنه يعزر ولا يقتل. ولعلهم يقولون: إن القياس على الزاني لا يتم؛ فإنه قد يكون من تمام العلة كراهة اختلاط الأنساب، فلا يتم الجامع، والأحاديث فيها ما عرفت لا تقوم بمثل هذا الموجب لاستباحة دم المسلم، ولم يثبت حكم النبي ﷺ ولا فعله، فوجب الدرء، ولا سيما مع قول النبي ﷺ : "لأن تخطئ في العفو خير من أن تخطئ في العقوبة" (٢). وحكى في "الشفا" إجماع الصحابة على قتل الفاعل والمفعول به، فإن تم الإجماع فهو حجة قائمة، وقال أحمد بن أبي بكر البوصيري في كتاب "إتحاف السادة الهرة بزوائد المسانيد العشرة" (٣):
стр. 3532
قال البغوي: اختلف أهل العلم في حد اللوطي، فذهب قوم إلى أن حد الفاعل حد الزنى؛ إن كان محصنا يرجم، وإن لم يكن محصنًا يجلد مائة. وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والحسن وقتادة والنخعي، وبه قال الثوري والأوزاعي، وهو أظهر قولي الشافعي، ويحكى أيضًا عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وعلى المفعول به عند الشافعي على هذا القول جلد مائة وتغريب عام، رجلًا كان أو امرأة، محصنًا كان أو غير محصن. وذهب قوم إلى أن اللوطي يرجم، محصنًا كان أو غير لم محصن. رواه سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس، وروى ذلك عن الشعبي، وبه قال الزهري، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق. وروي حماد بن إبراهيم عن إبراهيم النخعي، قال: لو كان الحد يستقيم أن رجم مرتين لرجم اللوطي. والقول الآخر للشافعي أنه يقتل الفاعل والمفعول به، كما جاء في الحديث. وقال الحافظ المنذري: حرق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء؛ أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك. والله أعلم.
وقوله: "ومن وجدتموه وقع على بهيمة" إلخ. الحديث فيه دلالة على تحريم إتيان البهيمة، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (١). وقوله ﷺ : "لعن الله من وقع على بهيمة" (٢). ويدل على أن عقوبة الفاعل هي القتل. وقد ذهب إليه الشافعي في قول له، وذهب القاسم وقول للشافعي إلى أنه يوجب حد [الزنى] (أ) كقتل المرأة قياسًا على الزاني،
стр. 3533
وعموم الحديث مخصص في حق المحصن قياسًا على الزاني، وذهب المؤيد وأحمد بن حنبل والناصر والإمام يحيى وأبو حنيفة وقول للشافعي ومالك إلى أنه يعزر فقط إذ ليس بزنى، والحديث فيه ما عرفت من الاختلاف.
وقوله: "واقتلوا البهيمة". فيه دلالة على أن البهيمة تقتل ولا يحل أكلها لأمره بقتلها على كل حال، فلو كانت تحل لما حل قتلها إلا عند إرادة الانتفاع بها، وكذا لو كانت غير مأكولة، لئلا تأتي بولد مشوه، وقد ذهب إلى هذا علي ﵁ وقول للشافعي. وذهب الهدوية وقول للشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يكره أكلها، وظاهره أنه لا (أ) يجب القتل، قال الخطابي (١): الحديث هذا معارض بنهيه ﷺ عن قتل الحيوان إلا لمأكلة. قال الإمام المهدي في "البحر": فيحمل على أنه أراد عقوبته بذبحها إذا (ب) كانت له وهي مأكولة؛ جمعًا بين الأدلة. قال: وإذا التبست البهيمة، فلا ضمان على الواطئ، ولا يلزمه الفحص إجماعًا. انتهى.
وظاهره أن الواقع على البهيمة يلزمه قيمتها؛ لأنه في حكم المتلف لها. والله أعلم.
١٠١٣ - وعن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب". رواه الترمذي ورجاله ثقات، إلا
стр. 3534
أنه اختلف في رفعه ووقفه (١).
وأخرجه البيهقي مرفوعًا (٢)، وأخرجه كذلك موقوفًا (٢)، وأخرجه أيضًا [موقوفًا] (أ) (٣)، أن عليًّا ﵁ جلد ونفى من البصرة إلى الكوفة، أو قال: من الكوفة إلى البصرة. وأخرجه عن أبي بن كعب موقوفًا. وقد تقدم الكلام على التغريب. والله أعلم.
١٠١٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال: لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء، وقال: "أخرجوهم من بيوتكم". رواه البخاري (٣).
قوله: لعن. اللعن من النبي ﷺ [يقع] (ب) على ضربين:
أحدهما: يراد به الزجر عن الشيء الذي وقع اللعن بسببه، وهو يدل على قبح ذلك الشيء، فإنه من علامات الكبائر. وقد يقع للزجر عن الشيء في حال الحرج والغضب، وذلك يكون رحمة لمن لعنه إذا كان غير مستحق للعن كما جاء ذلك عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح (٤).
وقوله: المخنثين. وهو بكسر النون وبفتحها، من تشبه بخلقة النساء في
стр. 3535
حركاته وكلامه وغير ذلك من الأمور المختصة بالنساء، وأما هيئة اللباس فهو يختلف باختلاف عادات الناس؛ فإن كان من عادة أهل بلدة الاستواء في اللباس فلا محذور في ذلك، وهذا الذم في حق من تعمد ذلك باختياره، وأما من كان ذلك من أصل خلقته فيؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج، وهذا يؤخذ من الحديث الآخر وهو: "لعن الله المتشبهين" (١). فهو يدل على قصد التشبه، [وأطلق النووي] (أ) (٢) أنه لا يجب على المخنث الخلقي تكلف خلاف ما هو عليه، ويحمل كلامه على أنه إذا لم يقدر على التغيير، وظاهر اللفظ تحريم تشبه الرجال بالنساء، وكذا العكس من حديث آخر، إلا أنه مبني على أن اللعن لقبح الفعل، وهو محتمل، مع أن النبي ﷺ كان يأذن للمخنثين بالدخول على النساء، وإنما نفى من سمع منه وصف المرأة بما لا يفطن [له] (ب) إلا من كان له إربة، فهو لأجل تتبع أوصاف الأجنبية، وكذلك من خضب كفيه بالحناء لخشية الفتنة، وكذلك من نفاهم عمر إنما هو لخشية الفتنة كما يدل عليه القصص، وقد استوفى تعداد المغرَّبين أبو الحسن المدائني في "كتاب المغرَّبين" (٣)، فلا يدل اللعن علي التحريم.
وقوله: والمترجلات من النساء. المراد المتشبهات بالرجال، وقد جاء في
стр. 3536
حديث أبي داود (١) عن عكرمة: فقلت له: ما المترجلات من النساء؟ قال: المتشبهات بالرجال. قال ابن التين (٢): المرأد باللعن في هذا الحديث: من تشبه من الرجال بالنساء في الزي، ومن تشبه من النساء بالرجال كذلك، فأما من انتهى في التشبه بالنساء من الرجال إلى أن يؤتى في دبره، وبالرجال من النساء إلى أن تتعاطى السحق، فإن لهذين المصنفين من اللوم والعقوبة أشد ممن لم يصل إلى ذلك. قال: وإنما أمر بإخراج من تعاطى ذلك من البيوت (أ)؛ لئلا يفضي الأمر بالتشبه إلى تعاطي ذلك الأمر المنكر.
١٠١٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعًا". أخرجه ابن ماجه، وإسناده ضعيف (٣).
وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عائشة ﵂ بلفظ: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم". وهو ضعيف أيضًا (٤).
ورواه البيهقي عن علي من قوله بلفظ: ادرءوا الحدود بالشبهات (٥).
تمام حديث عائشة: "فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن
стр. 3537
يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة". وفي إسناده يزيد بن زياد الدمشقي وهو ضعيف (١)، قد قال فيه البخاري: منكر الحديث (٢). وقال النسائي: متروك الحديث (٣). ورواه وكيع عنه موقوفًا (٤)، وهو أصح، قال الترمذي: وقد روي عن غير واحد من الصحابة أنهم قالوا ذلك (٥). وقال البيهقي في "السنن": رواية الوقف أقرب إلى الصواب. قال: ورواه رشدين عن عقيل عن الزهري، ورشدين ضعيف أيضًا، ورويناه عن علي مرفوعًا: "ادرءوا الحدود، ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود". وفيه المختار بن نافع (٦)، وهو منكر الحديث، قاله البخاري؛ قال: وأصح ما فيه حديث سفيان الثوري عن عاصم عن [أبي] (أ) وائل عن عبد الله بن مسعود قال: ادرءوا الحدود بالشبهات، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم. وروي عن عقبة بن عامر ومعاذ أيضًا موقوفًا، وروي منقطعًا وموقوفًا على عمر (٧). قال المصنف رحمه الله تعالى: ورواه [أبو] (ب) محمد بن حزم في كتاب
стр. 3538
"الإيصال" من حديث عمر موقوفًا عليه بإسناد صحيح، وفي ابن أبي شيبة (١) من طريق إبراهيم النخعي عن عمر: لأن أخطئ في الحدود بالشبهات أحب إلى من أن أقيمها بالشبهات. وفي "مسند أبي حنيفة" للحارثي (٢) من طريق مقسم عن ابن عباس بلفظ: "ادرءوا الحدود بالشبهات". مرفوعًا.
الحديث فيه دلالة على أنه يدرأ الحد إذا ادعى من لزمه شبهة يجوز وقوعها؛ وذلك إذا ادعى الإكراه، أو أن المرأة أتيت وهي نائمة، أو نحو ذلك، ولا يحتاج إلى إقامة شهادة على (أ) تلك الشبهة التي ادعاها. والله أعلم.
١٠١٦ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "اجتتبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم فليستتر بستر الله وليتب إلى الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله ". رواه الحاكم، وهو في "الموطأ" من مراسيل زيد بن أسلم (٣).
الحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قام بعد رجم الأسلمي، فقال: "اجتنبوا" الحديث. قال المصنف رحمه الله تعالى (٤): ورويناه في "جزء هلال الحفار" عن حسين بن يحيى القطان عن
стр. 3539
[حفص بن عمرو الربالي] (أ) عن عبد الوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد الأنصاري به إلى قوله: "فليستتر بستر الله". وصححه ابن السكن، وذكره الدارقطني في "العلل" وقال: روي عن عبد الله بن دينار مسندًا ومرسلًا، والمرسل أشبه. وفي "الموطأ" عن زيد بن أسلم، أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنى على عهد رسول الله ﷺ ، فدعا له رسول الله ﷺ بسوط. الحديث، ثم قال: "أيها الناس، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، فمن أصاب من هذه القاذورات". فذكره، وفي اخره: "نقم عليه كتاب الله". ورواه الشافعي (١) عن مالك، قال: وهو منقطع. وقال ابن عبد البر (٢): لا أعلم هذا الحديث أسند بوجه من الوجوه. ومراده بذلك من حديث مالك، وأما حديث الحاكم فهو مسند، مع أن إمام الحرمين في "النهاية" قال: إنه صحيح متفق على صحته. قال ابن الصلاح: وهذا مما يتعجب منه العارف بالحديث، وله أشباه بذلك كثيرة أوقعه فيها اطراحه صناعة الحديث التي يفتقر إليها كل فقيه وعالم. انتهى. ولكنه ورد على ابن الصلاح بأن الحاكم ذكر أنه على شرطهما، فلعل إمام الحرمين أراد بالاتفاق على صحته أنه على شرط الصحة. والله أعلم.
قوله: "اجتنبوا هذه القاذورات". الأمر للوجوب؛ فإن القاذورة المراد بها الفعل القبيح والقول السيئ مما نهى الله عنه مما يجب عليه
стр. 3540
حد كالزنى وشرب الخمر. والحديث يدل على أنه يجب على من فعل معصية أن يستتر بستر الله تعالى، ولا يفضح نفسه بالإقرار بذلك الفعل، ويبادر إلى التوبة، وان أخبر أحدًا بذلك ندب له أن يأمره بالتوبة، ويستره عن الناس، كما جرى لماعز مع أبي بكر ثم عمر، فإنهما أمراه بالستر والتوبة (١). وقولة ﷺ لهزال: "لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك" (٢). وذكر الثوب مبالغة؛ أي. لو لم تجد السبيل إلى ستره [إلا] (أ) بردائك ممن علم أمره كان أفضل مما أشرت عليه به من الإظهار.
وقوله: "بيد لنا صفحته". أي يظهر لنا حقيقة أمره، استعار الصفحة التي هي جانب الوجه للأمر المظهر؛ لإظهارها عند الإقرار بالشيء والمواجهة بالخطاب.
وقوله: "نقم عليه كتاب الله". أي الحد الذي وجب بكتاب الله تعالى، وفيه دلالة على أنه إذا ظهر عند الإمام أو الحاكم ما يوجب الحد باستكمال شروطه وجب إقامته وحرم العفو، وهو في معنى قوله: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب". ترجم له أبو داود (٣): العفو عن الحد ما لم بيلغ السلطان. وصححه الحاكم (٤)، وسنده إلى عمرو بن شعيب صحيح.