← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

* والحديث رَوَى نحوه أبو داود والترمذي وابن ماجه (١) وغيُرهم من حديث البَرَاء بن عازب. قال (أ) ﷺ : "توضؤوا من لحوم الإِبل، ولا توضؤوا من لحوم الغنم" قال ابن خزيمة في "صحيحه": لم أر خلِافًا بين علماء الحديث أنَّ هذا الخبر صحيح (ب) من جهة النقل لعدالة نَاقِلِيْهِ (٢). * والحديثان فيهما دلالة على أنَّ أكل لحوم الإِبل يوجب استئناف الوضوء، وقد ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن رَاهَوَيْه ويحيى بن يحيى وأبو بكر بن المنذر وابن خزيمة، وهو قول قديم للشافعي (٣)، واختاره الحافظ البيهقي، وحُكي عن أصحاب الحديث مطلقا، وحكي عن الشافعي أنه قال: إن صح الحديث في لحوم الإِبل قلتُ به، قال البيهقي: قد صح فيه حديثان: حديث جابر وحديث البَرَاء. وذهب الجماهير من العلماء إلى أنه لا ينقض، ومنهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأُبَيّ بن كعب وابن عباس وأبو الدَّرْدَاء وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أُمامه وجماهير التابعين ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم، وهو المروي عن العترة ﵈ (٤). قالوا: والحديثان منسوخان بحديث تَرْك الوضوء مما

стр. 352

مست النار (١). قال النووي (٢): ودعوى النسخ باطل لأن هذا الحديث الأخير عام وذلك خاص، والخاص مُقَدَّم على العام. ويجاب عنه بأن ذلك وارد على قول من يقول: إن العام المتأخر مخصص بالخاص المتقدم كما هو مذهب الشافعي، وأما على قول من يقول إنه ناسخ فهو مستقيم دعوى النسخ (٣). وأقرب ما يستروح له من تقوية النسخ موافقة الخلفاء الأربعة وأكابر الصحابة والتابعين، وأظهر من ذلك ما رواه في "الشفاء" عن علي ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ العَشْر الأواخر من شهر رمضان المُعَظَّم، فلما نادى بلال بالمغرب أُتِيَ رسول الله ﷺ بكَتِف جَزُور مشوية، فأمر بلالا فكَفَّ هنيهة، فأكل ﵇ وأكلنا، ثم دعا بلبن إبل قد مذق له (أ)، فشرب وشربنا، ثم دعا بالغسل فغسل يده من غمر اللحم ومضمض فاه ثم تقدم فصلى بنا ولم يحدث طهورا. والجزور اسم لما يجزر (ب) من الإبل والبقر ولعله في الإبل أظهر. وقد أوّل

стр. 353

حديث الوضوء (أ) من لحم الإبل بأنه يحتمل (ب) أن يراد الوضوء اللغوي، وهو غسل اليد بقرينة الأكل لشدة الزهومة في لحوم (جـ) الإبل وليس حدثا في نفسه (١)، والله أعلم، وقد عده الدميري مستحبا فذكره في "شرح المنهاج" من جملة الأنواع التي يستحب الوضوء بعدها. ٦٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ غَسَل ميتا فلْيَغتَسِل، ومَنْ حَمَلَهُ فلْيَتوضَّأ". أخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي و (٥) حَسَّنه، وقال أحمد: لا يصحّ في هذا الباب شيء. (٢) أخرجه أحمد والبيهقي من رواية ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة وصالح ضعيف (٣)، وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد العزيز

стр. 354

ابن المختار وابن حبان. من رواية حماد بن سلمة كلاهما عن سُهَيل بن أبي صالح (١) عن أبيه عن أبي هريرة، وهذا الحديث حَسَّنَهُ الترمذي وصححه ابن حبان (٢)، وقد خرج هذا الحديث من طرق كثيرة يمكن تصحيح بعضها وأقل مراتبها الحَسَن حتى ذكر الماوردي أَنَّ بعضَ أصحاب الحديث خرج لهذا مائة وعشرين طريقا (٣)، وإنما أجاب أحمد عن هذا بأنه منسوخ وكذا أبو داود، ودليل النسخ ما رواه البيهقي (٤) عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس عليكم في غَسْلِ مَيِّتكم غُسْل إذا غَسّلْتُموهُ، إنَّ ميتكم لمؤمن طاهر (أ) وليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم"، وضعفه البيهقي بأبي شيبة (٥)، وأبو شيبة المذكور في إسناد هذا الحديث -هو إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة- احتج به النسائي، ووثقه الناس، ومن فوقه من رجال إسناد الحديث، احتج بهم البخاري، وقد يجعل هذا الحديث قرينة على حَمْل الأمر بالغسل والوضوء على النَّدْب، أو الراد بالغسل للأيدي كما صرح به في هذا، ويدل على (ب) الندب ما أخرجه عبد الله بن أحمد عن ابن عمر (٦): "كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل". قال المصنف (٧) ﵀: وهذا إسناد صحيح، وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث وسيأتي زيادة (جـ) تحقيق في باب الغسل.

стр. 355

٧٠ - وعن عبد الله بن أبي بكر (١) ﵄: "إن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: أن لا يمسَّ القرآنَ إلا طاهرٌ". رواه مالك مرسلًا، ووصله النسائي وابن حبان، وهو مَعْلُول (٢). هو عبد الله بن أبي بكر الصديق القرشيّ التَّيْمِيّ شهد الطائف مع رسول الله ﷺ فرُمِي بسهم، رماه أبو محجن الثقفي فبرئ ثم انتقض عليه فمات منه في أول خلافة أبيه في شوال سنة إحدى عشرة وكان أسلم قديما ولم يسمع له بمشهد إلا شهوده الفتح وحُنَينا والطائف (٣). الحديث رواه أبو داود في "المراسيل" (٤) عن ابن شهاب، فال: قرأتُ في كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران. . .، وهو الكتاب الطويل المشتمل على ذِكْر الديات، ووصله النسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي (٥) وفي الإِسناد سليمان بن داود قال: حدثني الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزم عن أبيه عن جده، وسليمان بن داود هذا متفقٌ على تركه، كذا قال ابن حزم (٦)، ونقل عن أحمد أنه قال: أرجو أن يكون صحيحا (٧)، قال:

стр. 356

وهو من رواية سليمان بن داود (١) الخولاني، وهو ثقة، والذي قال إنه سليمان بن داود (٢) اليمامي الذي هو ضعيف فقد وهم، وكلا الرجلَيْن يروي عن الزهري، قال: وقد أثنى على سليمان بن داود الخولاني هذا أبو زرعة وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ (٣)، وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعةٌ من الأئمة لا من حيث الإِسناد بل من حيث الشهرة، فقال الشافعي في "رسالته" (٤): لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ ، (أوقال ابن عبد البر أ) أشبه المتواتر (ب) لتلقي الناس له بالقَبُول والمعرفة، وقال يعقوب بن (جـ) سفيان (٥): لا أعلم كتابًا أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه، وَيَدعون رأيهم، وقال الحاكم (٦): قد شهد عمر بن عبد العزيز وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب ثم ساق ذلك بسنده إليهما. وفي الباب من حديث حكيم بن حِزام: "لا يمس المصحف إلا طاهر" (٧)،

стр. 357

وفي إسناده سويد أبو (أ) حاتم (١)، وهو ضعيف، ومن حديث ابن عمر (٢) رواه الدارقطني والطبراني، وإسناده لا بأس به، وذكر الأثرم أن أحمد احتج به وغير ذلك، وفي الكل مقال: إلا أنه يقوي بعض الأحاديث بعضا. والنهي يدل (ب) على أنه لا يجوز لَمْس المصحف لمن ليس بطاهر بأن يكون مُحْدِثًا، فإن كان بالحَدَثِ الأكبر فإجماع إلا ما يُرْوَى عن داود، وإن كان بالحَدَث الأصغر فمذهب العترة إلا الإمام يحيى وبعض الفقهاء أن ذلك جائز (جـ) وأكثر الفقهاء والإمام يحيى لا يجوز، قالوا لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ (٣) ولما تقدم من الحديث (٤)، وأجيب عن الآية بأن الضمير عائد إلى المكنون من (د) اللوح المحفوظ، وهو كذلك لا يمسه إلا الملائكة المطهرون، والحديث متأول بالطهارة من الحَدَث الأكبر، والقرينة على ذلك قياس اللمس على التلاوة ودخول المسجد ومتنجس البدن، والله أعلم. ٧١ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أَحْيانِه" رواه مسلم وَعلَّقه البخاري (٥).

стр. 358

هذا الحديث أصل في جواز ذكر الله تعالى بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وشبهها من الأذكار في حال الجنابة والحدث، وهذا جائز بإجماع المسلمين، واختلف العلماء في جواز القراءة للقرآن (أ) للجُنُب والحائض، والجمهور على تحريم ذلك، ولا فَرْق بين آية وبعض آية، ويجوز أَنْ يُجْرِيَا القرآن على قلوبهما، وأن ينظرا في المصحف، ويستحب لهما التسمية في الغُسل، وكذا على الطعام ونحوه. (ب ووقولها: "على كل أحيانه". (جـ مخصوص بما (د) سِوَى المواضع التي يكره الذكر فيها كحال البول ب) والغائط والجِمَاع، ويكون الراد بكل جـ) أحيانه أي المُعْظَم كحال الطهارة والحدث والقيام والقعود ونحو ذلك. ٧٢ - وعن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ احْتَجَمَ وصلَّى ولم يتوضّأ". أخرجه الدارقطني (١) ولينه؛ لأن في إسناده صالح بن مقاتل (٢)، وقال: إنه ليس بالقوي.

стр. 359

وذكره (أ) النووي في فصل الضعيف. وفي الباب: أن الدم لا ينقض عن ابن عمر، وعن ابن عباس، وعن ابن أبي أوفى، وعن أبي هريرة موقوفًا، وعن جابر (١) وهي كلها مخرجة موصولة إلا حديث جابر فعلقه البخاري ووصله غيره، والكلام تقدم على هذا قريبا. ٧٣ - وعن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : "العَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فإذا نامت العَيْنانِ اسْتَطْلَقَ الوكاءُ"، رواه أحمد والطبراني (٢) وزاد: "وَمَنْ نام فلْيَتَوَضَّأ" (٣) وهذه الزيادة في هذا الحديث عند أبي داود من حديث علي دون قوله: استطلق الوكاء وفي كلا الإِسنادين ضعف. ولأبي داود عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "إنما الوضوء على مَنْ نام مضطجعا" (٤) وفي إسناده ضعف أيضًا. هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان، واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة ابن عبد شمس، كان هو وَأبوهْ من مُسْلِمَةِ الفتح، ثم من المؤلفة قلوبهم، قيل:

стр. 360

إنه ممن كَتَبَ لرسولِ الله ﷺ الوحي، وقال الذهبي (١): إنما كَتَبَ كُتُبًا للنبي ﷺ فيما بينه وبين العرب، تولى الشام بعد أخيه يزيد في زمن عمر ولم يزل بها متوليا حاكمًا إلى أن مات، وذلك أربعون سنة، ومات سنة ستين في رجب بدمشق وله ثمان وسبعون سنة، وقيل: ست وثمانون سنة (٢). ضعف (أإسناد الأول ببقية (٣) عن أبي بكر بن أبي مريم (٤)، وهو ضعيف أ)، وإسناد الثاني (٥) ببقية عن الوَضِين بن عطاء (٦)، قال الجُوْزَجَانِيّ (٧): واهي، وقال ابن أبي حاتم (٨): سألتُ أبي عن هذين الحديثَيْن فقال: ليسا بقَوِيَّيْن، وقال أحمد: حديث علي أثبت من حديث معاوية في هذا الباب، وحَسَّنَ المنذري وابن الصلاح والنووي حديث علي (٩)، وقال الحاكم في "علوم الحديث" (١٠): لم يَقُلْ فيه: "ومن نام فليتوضأ" غير إبراهيم بن موسى الرازي، وهو ثقة، كذا قال وقد تابعه غيره (١١).

стр. 361

والسَّهِ بفتح السين المهملة وكسر الهاء في هذا الحديث، وهي الدُّبُر، وفي الديوان: السَّهِ (أ) الاست، وأصلها سته فحُذِفَت العين اعتباطا، وتُرَدّ في التصغير، جعل اليقظة كالوكاء للقِرْبة، وهو الخيط الذي يشد به فوها، والكلام (ب) تقدم على فقه الحديث في أول الباب فارجع إليه. ٧٤ - وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ : قال: "يأتي أحدكم الشيطان في صلاته (جـ)، فينفخ في مقعدته، فيخيل إليه أنه أحْدَث، ولم يُحْدِثْ، فإذا وجد ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا" أخرجه البزار (١)، وأصله في الصحيحَيْن من حديث عبد الله بن زيد (٢). ولمسلم عن أبي هريرة ﵁ نحوه (٣). وللحاكم عن أبي سعيد مرفوعًا: "إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك (د) أحدثت، فليقل كذبتَ" (٤) وأخرجه ابن حبان بلفظ: ". . فليقل في نفسه. ." (٥). حديث ابن عباس أخرجه البزار، وفي إسناده أبو أُوَيْس (٦)، ولكن تابعه الدراوردي عند البيهقي، وحديث عبد الله بن زيد في الصحيحَيْن، وهو عبد الله بن زيد بن عاصم، وحديث أبي هريرة تقدم في هذا الباب، وحديث أبي سعيد

стр. 362

أخرجه الحاكم من طريق عياض بن عبد الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جاء. ." الحديث، بزيادة بعد قوله "كذبتَ": إلا ما وجد ريحا بأنفه أو سَمِعَ صوتا بأذنه". وهو عند أحمد بلفظ: "إن الشيطان ليأتي أحدكم في صلاته فيأخذ شعرة من دبره فيمدها فيرى أنه أحدث، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا" (١) وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان (٢)، والكلام على فقه (أ) الحديث تقدم في هذا الباب فارجع إليه. [اشتمل الباب على خمسة عشر حديثًا] (ب).

стр. 363

باب قضاء الحاجة [الحاجة كناية عن خروج البَول أو الغائط، وهو مأخوذ من قوله ﷺ "إذا قعد أحدكم لحاجته. ."، وعبارة الفقهاء لهذا الباب: الاستطابة، والمحدثين التخلي والتبرز] (أ). ٧٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل، الخلاءَ وَضعَ خاتمه" أخرجه الأربعة وهو معلول (١). أعل بأنه من رواية همام عن ابن جُرَيج عن الزهري عن أنس، ورواته ثقات لكن لم يخرج الشيخان من رواية همام عن ابن جريج، وابن جريج قيل: لم يسمعه من الزهري، وإنما رواه عن زياد بن سعد (ب) عن الزهري بلفظ آخر [وهو أن النبي ﷺ اتخذ خاتما من ورق (جـ ثم ألقاه جـ) والوهم فيه من همام، كذا قال أبو داود (٢)، وهمام (٣) هو ابن يحيى بن دينار الأزدي العوذي مولاهم، البصري، وإن كان قد (د) تكلم فيه فقد اتفق الشيخان على الاحتجاح بحديثه، وقال ابن معين: ثقة صالح، وقال أحمد: ثبت في كل المشايخ] (هـ). وقد رواه مع همام مع

стр. 364

ذلك مرفوعًا يحيى بن الضرير البجلي ويحيى بن المتوكل أخرجهما الحاكم والدارقطني (١)، وقد رواه عمر (أ) بن عاصم وهو من الثقات عن همام موقوفًا على أنس (ب)، وأخرج له البيهقي شاهدا وأشار إلى ضعفه، ورجاله ثقات، ورواه الحاكم أيضًا، ولفظه: أن الرسول ﷺ لبس خاتما نقشه محمد رسول الله، وكان إذا دخل الخلاء وضعه (٢). وقوله: "إذا دخل الخلاء" أي (جـ) أراد دخوله، والخلاء بالمد هو المكان الخالي، كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة ثم كثر حتى تجوز به في غير ذلك. والحديث يدل على أنه (د) يُبْعَدُ عنه عند قضاء الحاجة ما فيه ذكر الله، أو ذكر نبي أو شيء من القرآن. وعن بعضهم: أنه يحرم إدخال المصحف الخلاء لغير ضرورة. قيل: فلو غفل عن تنحية ما فيه شيء من ذلك حتى اشتغل بقضاء الحاجة غيبه وضم (هـ) كفه عليه، أو جعله في فيه أو عمامة، قيل فلو تختم في يساره بما فيه شيء مما تقدم وجب نزعه عند الاستنجاء خشية تنجيسه، وهذا إذا كان اللفظ مقصودا به الذكر، فأما لو كان اللفظ مما يصح إطلاقه على غير الله سبحانه مثل لفظ كريم وعزيز وأراد به غير الله لم يكره استصحابه نظرا إلى المقصود والله أعلم، وهذا هو المشهور عند العلماء، وعن المنصور بالله أنه لا يندب نزع الخاتم الذي فيه ذكر الله ونحوه لتأديته إلى ضياعه، وقد نهي عن إضاعة المال، وهذا الحديث يرد عليه.

стр. 365

٧٦ - وعنه ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللَّهمَّ إني أعوذ بك من الخُبُثِ والخَبَائث" أخرجه السبعة (١). قوله: "إذا دخل" (أ): أي إذا أراد الدخول، وقد صرح بهذا البخاري في "الأدب المفرد" (٢) من حديث أنس قال: "كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء قال": فذكر مثل حديث الباب، وهذا في الأمكنة المعدة لذلك بقرينة الدخول، ولهذا قال ابن بطال: رواية "إذا أتى" أعمُّ لشمولها، وهل يختص هذا الذكر بالأمكنة المعدة لذلك لكونها حضرة الشياطين كما ورد في حديث زيد بن أرقم (٣) في السنن أو يشمل؟ الأصح أنه يشمل ما لم يشرع في قضاء الحاجة، ووقت هذا الذِّكْر إن كان في الأمكنة المعدة لذلك قبل الدخول، وفي غيرها في أول الشروع كتشمير (ب) ثيابه، وهذا مذهب الجمهور (٤) وأما من يستعيذ بقلبه أو بلسانه على مذهب مالك من أنه لا يكره الذكر عند قضاء الحاجة، فلا فَرْق.

стр. 366

والخُبُث بضم المعجمة والموحدة كذا في الرواية، وقال الخطابي (١): إنه لا يجوز غيره، وتُعُقب بأنه يجوز إسكان الموحدة كما في نظائره من التخفيف. قال النووي (٢): وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة منهم: أبو عُبَيد (أ) القاسم بن سلام (٣) والخبث: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة يريد ذُكْران (ب) الشياطين وإناثهم، ويحتمل على سكون الباء كما قال ابن الأعرابي أنه بمعني المكروه، فإن كان من الكلام (جـ) فهو الشتم وإن كان من المِلَل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار (٤)، وعلى هذا فالمراد بالخبائث المعاصي أو مطلق الأفعال المذمومة ليحصل التناسب (٥)، ولهذا وقع في رواية الترمذي (٦) وغيره: "أعوذ بالله من الخُبْث والخبائث"، أو "الخُبُث والخُبائث" هكذ على الشك، الأول بإسكان الباء، والثاني بضمها. وكان ﷺ يستعيذ إظهارا للعبودية، ويجهر بها للتعليم، وقد روى المعمري (٧) هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر قال: "إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله، أعوذُ بالله مِن الخُبُثِ والخَبَائِثِ". وإسناده على شرط مسلم وفيه زيادة تسمية، قال المصنف -رحمه الله تعالى- في "الفتح" (٨): ولم أرها في غير هذه الرواية.

стр. 367

٧٧ - وعن أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأكل أنا وغلام نحوي إدَاوَة من مَاءٍ وعَنَزَة، فيستنجي بالماء" متفق عليه (١). المراد بالخلاء هنا الفضاء لقرينة العَنَزة (٢)، ولأن خدمته في البيوت كانت تختص بأهله. [والغلام هو (أ) المترعرع، وقيل إلى حد السبع السنين، وقيل إلى حد الالتحاء، وبعد ذلك مَجَاز] (ب). والإِداوة -بكسر الهمزة-:- إناء صغير من جلد يُتخذ للماء كالسطيحة ونحوها، وجمعها إداوى. والعَنَزَة بفتح العين والزاي، وهي عصا طويلة في أسفلها زُجّ، ويقال: رمح قصير (٣) وإنما كان يستصحبها رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان إذا توضأ صلى فيحتاج إلى نصبها بين يديه سُترة. ويُفهم من تبويب البخاري (٤) أنها كانت تُحمل ليستتر بها عند قضاء الحاجة، وذلك أنه يمكن أن يضع عليها الثوب فيستتر، أو يكون إشارة إلى مَنْ يروم المرور بقربه، ويحتمل أنه (جـ) إنما استصحبها لنبش الأرض الصلبة، أو لمنع ما يعرض من هوام الأرض لكونه ﷺ كان يبعد عند قضاء الحاجة.

стр. 368

وفي الحديث جواز استخدام الرجل الفاضل بعض أصحابه، واستحباب الاستنجاء بالماء ورجحانه على الحَجَر، والذي عليه الجماهير (١) من السلف والخلف أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحَجَر فيستعمل الحَجَر أولًا لتخف النجاسة، فإن اقتصر على أحدهما فالماء أفضل، حيث لم يُردِ الصلاة، فإن أرادها فخلاف في وجوب الماء، وروي عن سعيد بن المسيب كراهة الاستنجاء بالماء (٢) فقيل لأنه مطعوم، وروى عنه أنه قال: "إنما الماء للنساء"، ويؤول بأنه لعله فَهِمَ من السائل الغُلُوّ في ذلك. واستدل بعضهم بهذا على أن التوضؤ من الأواني دون المشارع والمسالك أفضل، إذ لم يتوضأ النبي ﷺ إلا منها، ورُدَّ بأن النبي ﷺ لم يعدل إلى الأواني عند وجودها، إذ لم ينقل ذلك (أ)، فلا دلالة. [والغلام المُبْهَم في هذا الحديث في البخاري ما يُشْعِرُ بأنه ابن مسعود فإنه أورد هذا بعد ذِكْر (ب) حديث أبي الدَّرْدَاء في شأن ابن مسعود (٣)، وقد يطلق الغلام على غير الصغير مَجَازًا ويؤيده أنه قال النبي ﷺ لابن مسعود: "إنك (جـ) لغلُامٌ مُعَلَّم" (٤)، وفي رواية الإسماعيلي: "غلامٌ من الأنصار" (٥) فلعلها (د) مِنْ تَصَرُّف الراوي للرواية الأخري: "غلامًا منا" (٦) وهي محتَمِلَة

стр. 369

للتأويل، أي من الصحابة أو (أ) من خدم النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون ذلك الغلام هو أبو هريرة (١) فإنه كان يحمل ذلك مع النبي ﷺ ، وجابر بن عبد الله فَعَلَ ذلك (٢)، فيحتمل ذلك وهو أنصاري أيضًا. والله أعلم] (ب). ٧٨ - وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : "خذ الإِداوة فانطلق حتى توارى عني فقضى حاجته" متفق عليه (٣). (جـ في الحديث دلالة على استحباب التباعد لقضاء الحاجة عن الناس والاستتار عن أعين الناظرين جـ). ٧٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا اللَّاعِنَيْين (د)، الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم" رواه مسلم (٤). وزاد أبو داود عن معاذ: "والموارد" [ولفظه: اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظِّلَّ] (هـ) (٥).

стр. 370

ولأحمد عن ابن عباس: "أو نقع ماء". وفيهما ضعف (١). وأخرج الطبراني (٢) النهي عن تحت الأشجار المثمرة وضفة النهر الجاري من حديث ابن عمر بسند ضعيف. في رواية مسلم: "اتقوا اللَّعَّانيْن، قالوا: وما اللَّعَّانان يا رسول الله؟ قال: الذي. . ." (أ) الحديث، ومعني اللعان: أي صاحب اللعن فهو للنسبة أي الذي ينسب إلى اللعن. والمراد أن الناس يلعنونهما في العادة، ووقع في رواية أبي داود "اللاعنَيْن" كما في الأصل بصيغة التثنية (ب). قال الخطابي (٣): المراد باللعانين: الآمرين الجالبين للعن الحاملين الناس (جـ)، عليه، والداعيين إليه، وذلك أن مَنْ فعلهما لعن وشتم، يعني عادة الناس لعنه، فهو سبب (د)، فإسناد اللعن إليهما من المجاز العقلي، قال: وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون أي الملعون فاعلهما (٤)، فهو كذلك من المجاز العقلي. وقوله: "الذي يتخَلَّى في طريق الناس"، أي يَتَغوَّط في موضع يمر به الناس، [وفي الحديث حذف مُضَاف، والتقدير: تخلى الذي يتخلى] (هـ)،

стр. 371

ووجه النهي: لما فيه من إيذاء المسلمين بتنجيس مَن يمر به ونتنه واستقذاره. والمراد بالظل هنا: مستظل الناس الذي اتخذود مقيلا ومناخا ينزلونه ويقعدون فيه، وليس كل ظل يحرم القعود تحته، فقد قعد النبي ﷺ تحت حايش النخل لحاجته (١)، وله ظل بلا شك. وحديث معاذ بزيادة: "الموارد" وهي جمع مورد، وهو الموضع الذي يأتيه الناس، من رأس عين أو نهر لشرب الماء أو التوضؤ وفيه ذكر قارعة الطريق، والمراد: الطريق الواسع الذي يقرعه الناس بأرجلهم، أي يدقونه ويمرون عليه (٢). وقد صححه ابن السكن والحاكم (٣)، واعترض عليهما في ذلك بأن أبا سعيد الحميري (٤) راويه (أعن معاذ أ) لم يسمع منه، ولا يعرف بغير هذا الإِسناد، قاله (ب) ابن القطان. وحديث أحمد عن ابن عباس ضعفه لأجل ابن لَهيعة (٥)، والراوي عن ابن عباس متهم أيضًا. [ونقع الماء المراد به: الماء المجتمع، كذا في النهاية] (٦) (جـ).

стр. 372

وحديث الطبراني (١) ضعفه بفُرَات (أ) بن السائب (٢) -راويه عن ميمون بن مِهْرَان- وهو متروك قاله البخاري وغيره (٣). [وقوله فيه: وضفة (ب النهر: ضَفَّة ب) بفتح الضاد المعجمة وكسرها جانب النهر كذا ذكره في القاموس] (٤) (جـ). والحديث يدل على تحريم ذلك الفِعل في المواضع المذكورة، وفي ذلك تفصيل معروف في كتب الفروع (٥). ٨٠ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا تَغوَّط الرجلان فلْيتَوارى كُلُّ واحدٍ منهما عن صاحبه، ولا يتحدَّثا، فإن الله يمقُتُ على ذلك". رواه وصححه ابن السكن وابن القطان (٦)، وهو معلول (٧).

стр. 373

وأخرج أبو داود وابن ماجه (١) من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يخرج الرجلان يضْربان الغائِطَ كاشِفَيْن عن عَوْرتهما يتحدَّثان فإن الله يَمْقُتُ على ذلك".

стр. 374

والحديث يدل علي وُجُوب سَتْر العورة، وقوله (أ) "ولا يتحدثا": نهي عن التحديث (ب) وتعليله بالمقت إظهارًا لعلة النهي. المقت: أشد البُغض (١)، ومعناه إعلام العباد بأن الفعل قبيح من فاعله يستحق عليه الذم والعقاب، ولكنه حمل هنا (جـ) على ترك الأحسن استعارة لأن فاعل القبيح تارك للأحسن، والقرينة على هذا الحمل (د) الإِجماع على أن الكلام غير محرم في هذا الحال (هـ)، كذا ذكره الإِمام المهدي في "الغيث"، قيل فإن عطس حمد بقلبه، قيل: وقراءة (و) القرآن حال قضاء الحاجة مكروهة كسائر أنواع الكلام، وقيل: يحرم حال خروج الخارج، فأما قبله أو بعده فيحتمل (ز)، واللائق بالتعظيم المنع. ٨١ - وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يمَسَّنَّ أحدُكُم ذَكرهُ بيمِينه وهو يبول، ولا يتمسَّح من الخلاءِ بيمِينه، ولا يتنفَّس في الإِناء". متفق عليه، واللفظ لمسلم (٢).

стр. 375

الحديث يدل على النهي عن مس الذكر باليمين (أ)، وهو نهي تنزيه لا تحريم. وقوله: "ولا يتمسح من الخلاء بيمينه"، الخلاء بالمد هو الغائط، وليس في ذلك الذكر دلالة على أن البول يخالف ذلك بل هما سواء، وقد أجمع العلماء على أنه منهيّ عن الاستنجاء باليمين، والجمهور على أنه نَهْى تنزيه، وذهب أهلُ الظاهر إلى أنه حرام (١)، وأشار إليه جماعة من الشافعية (٢)، ويستحب أن لا يستعين باليمين في شيء من أمور الاستنجاء إلا لعذر، وإذا استنجى بماءٍ صَبَّه باليمنى (ب) ومسح باليسرى وإن كان بحَجَر فإن كان في الدُّبُر مسح بيساره (جـ) وإن كان في القُبُل وأمكنه وضع الحجر على الأبيض، أو بين قدميه (د) بحيث يتأتى مسحه أمسك الذكر بيساره ومسحه على الحجر، وإن لم يمكنه ذلك، واضطر إلى حمل الحجر حمله بيمينه، وأمسك الذكر بيساره ومسح بها، ولا يحرك اليمنى، هذا هو الصواب، وقال بعض الشافعية: يأخذ الحجر بيساره، والذكر بيمينه ويمسح ويحرك اليسرى وهذا ليس بصحيح لأنه يمس الذكر بيمينه من غير ضرورة. وفي هذا تنبيه على إكرام اليمين وتشريفها وصيانتها عن الأقذار (٣). وقوله: ولا يتنفس في الإِناء (٤)، المراد: لا يتنفس إلى داخل الإِناء، وأما

стр. 376

التنفس ثلاثا خارج الإِناء فسُنَّة معروفة (١). قال العلماء: والنهي عن التنفس في الإناء هو على طريق (أ) الأدب مخافة من تقذيره ونتنه وسقوط شيء من الفم والأنف فيه ونحو ذلك فيفسده على غيره، والله أعلم. ٨٢ - وعن سلمان ﵁ قال: "لقد نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أنْ نَسْتَنْجِيَ باليميِن، أو أنْ نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثة أحجار، أو أن نَسْتنجَي بِرَجيْعٍ أو عَظْم". رواه مسلم (٢). وللسبعة من حديث أبي أيوب (٣): "لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول، ولكن شَرِّقُوا أو غربوا". هو أبو عبد الله سَلْمَان الفارسس، ويقال له: سلمان الخير، مولى رسول الله ﷺ ، أصله من فارس من رَامَهُرْمُز -وقيل من أصبهان-، من بلدٍ يقال لها: جَيّ، سافر لطلب الدين فتنصّر، وقرأ الكتب، ووقع في يد قوم من العرب، فباعوه من (ب) يهود، وكوتب فأعانه (جـ) النبي ﷺ ، وقيل اشتراه بشرط العتق، أسلم لما قدم النبي ﷺ المدينة، وأول مشاهده الخندق (د) منعه الرق (هـ عما تقدم هـ)، وقال النبي ﷺ لما اختصم فيه المهاجرون والأنصار في عمل الخندق

стр. 377

كل يقول هو منه، فقال النبي ﷺ : "سلمان منا أهل البيت" (١). وَلَّاهُ عمر المدائن وكان من المعمرين، قيل: عاش مائتين وخمسين سنة، وقيل ثلاثمائة وخمسين سنة، وكان يأكل من عمل يده، ويتصدق بعطائه، مات بالمدينة سنة خمس وثلاثين، وقيل سنة اثنتين وثلاثين (٢)، وقيل: مات في زمن عمر، والأول أكثر. روى عنه أبو هريرة وأنس بن مالك وغيرهما. قوله في الحديث "بغائط" بالباء، ووقع أيضًا في نسخ مسلم باللام، قال النووي (٣): كذا ضبطناه، وأصل الغائط: المطمئن من الأرض، ثم صار عبارة عن الخارج المعروف من دُبُر الآدمي (٤). والحديث يدل على النهي عن استقبال القبلة بما ذكر، وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال خمسة (أ). الأول: أن النهي للتنزيه فيكون مكروها، وهو قول (٥) القاسم، وأشار إليه في الأحكام وحصله القاضي زيد لمذهب الهادي ﵇، قال: ولا فرق بين الصحاري والعمران (ب) والاستقبال والاستدبار، قالوا: وَرَدَتْ أحاديث النهي كحديث (جـ) أبي هريرة: "فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروهما" (٦) رواه مسلم

стр. 378

ونحوه، من رواية أبي داود والنسائي وله شواهد أيضًا، وورد ما يدل علي الإِباحة كحديث جابر: "ثم رأيته قبل موته بعام مستقبل (أ) القبلة" (١) رواه أحمد والبزار وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وغيرهم، واللفظ لابن حبان، وكحديث ابن عمر: "رقيت السطح مرة فرأيت النبي ﷺ جالسا على لبنتين مستقبلا بيت المقدس مستدبر القِبْلَة" (٢) متفق عليه، و (ب) له طرق كحديث عائشة: "حولوا بمقعدتي إلى القبلة" رواه ابن ماجه وإسناده حسن (٣)، ورواه أحمد في مسنده فجمع بين الأحاديث بالحمل على الكراهة بل وفي متون (جـ) هذه ما يدل على أنها ناسخة للتحريم كحديث جابر وحديث عائشة. القول الثاني: لأبي طالب والمنتخب، وهو قول الناصر (٤)، ورواية عن أبي

стр. 379

حنيفة أنه محرم فيهما، ودليلهم أحاديث النهي، وحملوا أحاديث الإِباحة أنها لعذر. القول الثالث: لربيعة شيخ مالك وداود الظاهري، وتبعهما الأمير الحسين أنه مباح فيهما قالوا: وَرَدَت أحاديث النهي ثم نسخت فبقيت (أ) الإِباحة وهو قول قوي (١)، مع ما عرفت من الإِشعار بالنسخ. القول الرابع: أنه يحرم (ب) في الصحاري دون العمران (٢)، وهو مذهب مالك والشافعي وهو مروي عن ابن عباس وعبد الله (جـ) بن عمر والشعبي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في إحدى روايتين عنه، ورواه أبو الفوارس تحصيلا لأبي العباس، قالوا: وردت أحاديث الإِباحة في العمران فحملت عليها، وبقي الصحراء على التحريم، وفي حديث ابن عمر عن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن: أليس قد نهي عن هذا؟ فقال: بلى إنما نهي (د) عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس. رواه أبو داود وغيره (٣) والجمع بين الأحاديث ما أمكن هو الواجب، وفرقوا أيضًا بين الصحراء والعمران من حيث المعنى بأنه يلحق المشقة في البنيان في تكليفه ترك القبلة بخلاف الصحراء، واعترض بأن علة النهي إنما هي الحرمة، وهي حاصلة فيهما ولو كان العمران حائلا كافيا في ذلك لجاز في الصحراء (هـ) إذ لا تخلو من جبال وموانع، والفرق المذكور يكفي في الجواب.

стр. 380

القول الخامس: إنه يحرم الاستقبال فيهما، ويجوز الاستدبار فيهما، وهو إحدى (أ) روايتين عن أبي حنيفة وأحمد (١)، ولعل حجتهم حديث سلمان (٢) من الاقتصار على الاستقبال فيهما، وهو مردود لورود النهي فيهما والإباحة فيهما بهذه (ب) الأقوال الخمسة (جـ) وأما تأويل حديث ابن عمر بأنه (د) مخصوص بالنبي ﷺ فلا وجه له، لحديث عائشة، وعموم آية التأسي إلا فيما (هـ) صرح بالخصوصية، وفي مذهب الشافعي في جواز ذلك في العمران مشروط بأن (و) يكون قريبًا من جدار أو (ز) نحوه، بأن لا يكون بينهما زائد على ثلاثة أذرع وأن يكون الحائل مرتفعًا بحيث يستر أسافل الإِنسان، وقَدَّرُوه بآخِرة الرَّحْل وهو نحو ثلثي ذراع إلا إذا كان في بيت بني لذلك فلا شرط، فإذا كان في الصحراء وتستر بشيء على الشرط المذكور زال التحريم، وهذا هو المشهور عند الشافعية (٣) (ح)، ولا فرق في الحائل بأن (ط) يكون حيوانًا أو جمادًا أو وهدة، ولو أرخى ذيله قبالة القبلة أجزأ عندهم على المشهور، وهذه الأقوال في الكعبة وأما بيت المقدس

стр. 381

فالظاهر من مذهب العِترة (١) وصَرَّح به المنصور بالله والإِمام يحيى والغزالي أنه كالكعبة، وقالوا لنهيه ﷺ عن استقبال القبلتَيْن بغائط أو بول. [أخرجه أبو داود (٢) وغيره، وهو حديث ضعيف لأن فيه راويا مجهول الحال] (أ) ونَسْخ الاستقبال للصلاة لا يُبطل الحرمة، وقال الناصر: إنه غير منهي عنه، ومثله في "الشامل"، وبيان العمراني، وقال (ب) أصحاب الشافعي: النهي عن استقبال بيت (جـ) المقدس حين كان قبلة لكن جمعهما الراوي، أو ذلك في حق أهل المدينة لأنه يؤدي إلى استدبار الكعبة (٣)، وصرح النووي في شرح مسلم بالكراهة (٤). فَرْعٌ: يجوز الجماع مستقبل القبلة في الصحراء والبنيان (د)، وهو المختار عند الشافعية (٥) ومذهب أبي حنيفة وأحمد وداود، واختلف (هـ) فيه أصحاب مالك، فجوزه (و) ابن القاسم وكرهه ابن حبيب، وظاهر مذهب العترة أنه يكره، وكذا الاستنجاء وإخراج الريح والفصد والحجامة والصواب الجواز، إذ التحريم والكراهة إنما يثبتان بدليل شرعي ولم يرد نهي عن ذلك (٦).

стр. 382

وقوله: "أو (أ) أن تستنجي باليمين" (ب)، تقدم الكلام فيه. وقوله: "أو (جـ) أن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار" (د) يدل على أنه يجب الاستنجاء بثلاثة أحجار، وهذه المسألة فيها خلاف عند العلماء، فمذهب (٥) الهادي وغيره من الأئمة أن الاستجمار لا يجب إلا على المتيمم، أو من خشي تعدي الرطوبة ولم تَزُلْ النجاسةُ بالماء، وفي غير هذه الحال (و) الاستجمار (ز مندوب لا واجب، والاستنجاء بالماء لإِزالة النجاسة لأجل الصلاة واجب، ويدل على عدم وجوب الاستجمار ز) ما تقدم من حديث أنس وحديث المغيرة (١)، وما سيأتي من حديث أهل قباء (٢) على بعض رواياته من ذكر الماء من دون الحجارة (ح) وعلى القول بندبيته فالعدد (ط) وكونه وترا مندوب أيضًا، وذهب (ى) الشافعي إلى أنه مخير (ك) بين الماء والحجارة وأيهما فعل في الاستنجاء أجزأه (٣) فإذا استنجى بالحجر فلا بد من إزالة عَيْن النجاسة، وثلاث مَسْحَات،

стр. 383

ولو زالت النجاسة بدونها، وبه قال أحمد وإسحاق ابن رَاهَوَيْه وأبو ثَوْر، وقال مالك (١) وداود: إذا حصل الإنقاء بدون الثلاث أجزأ، ولو كانت الحجر لها ثلاثة أركان ومسح بكل ركن أجزأ، ويجب التثليث في القُبُل والدبر، فتكون ستة أحجار أو حجر له ستة أَحْرُف، وإذا لم يحصل الإنقاء بالثلاثة وجب (أ) الزيادة على ذلك حتى ينقى، ويستحب الإيتار، ويقوم غير الحجر مما يشابهه في الإِنقاء مقامه، خلافًا لبعض الظاهرية (٢) (ب) تمسكًا بظاهر الدليل، وأجيب بأن ذكرها إنما هو لكونها (جـ) الغالب المتيسر ويدل على ذلك (د) نهيه عن العَظْم والبَعْر والرجيع، ولو كان الحجر متعينا لنهى عما سواه، فيجوز الاستنجاء بكل جماد طاهر مُنْقٍ لا حرمة له. وقوله: "أو أن يستنجي برجيع أو عظم"، نبه ﷺ بذكر الرجيع على أنه لا يجزئ بالنجس، فإن الرجيع هو الروث، وأما العَظْم فلكونه طعاما للجن، وقد نبه به (هـ) على جنس المطعومات، وكذا الحمم لحديث أبي داود: "انْه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة، فإن الله جعل لنا فيها رزقًا" (٣)، فنهى رسول الله ﷺ . وورد (و) في كيفيته ما رواه الدارقطني وحَسَّنه من حديث أبي بن (ز) عباس بن

стр. 384

سهل بن سعد عن أبيه عن جده (أقال: سُئل رسول الله ﷺ عن الاستطابة فقال أ): "أولًا يجد أحدكم ثلاثة أحجار، حجرين (ب) للصفحتين، وحجرا " للمَسْرُبة " (١) (جـ)، ضعفه غير الدارقطني. المسرُبَة (٢): بسين مهملة وراء مضمومة أو مفتوحة: مجرى الحَدَث من الدبر. وفي قوله: "ولكن شَرِّقوا أو غربوا"، المراد في حق مَنْ لم تكن قبلته إلى جهة المشرق أو المغرب كأهل المدينة، وأما من كان قبلته إلى هذا السَّمْت فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال. فائدة: نقل ابنُ التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي ﷺ استنجى بالماء (٣)، وادعى الأصيلي متعقبًا على البخاري أن قوله في حديث أنس: "يستنجي بالماء" أنه من قول أبي الوليد أحد الرواة عن شعبة، وقد رواه سليمان بن حرب عن شعبة فلم يذكرها، قال: فيحتمل أن يكون إعداد الماء لوضوئه، وقيل: إن قوله " يستنجي بالماء" مدرج من (د) قول عطاء الراوي عن أنس فيكون مرسلًا فلا حجة فيه.

стр. 385

وأجيب عن ذلك بأن البخاري أخرج من طريق روح بن القاسم عن عطاء ابن أبي ميمونة: "إذا تبرز أتيته بماء فيغسل به" (١) ومسلما من طريق خالد الحذاء عن عطاء عن أنس: ". . . فخرج علينا، وقد استنجى بالماء" (٢). وأخرج البخاري من طريق محمد بن جعفر عن شعبة فقال: ". . . يستنجي بالماء" (٣) والإِسماعيلي من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة: "فانطلقتُ أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ماء يستنجى منها (١) النبي ﷺ " (٤) فإن هذه الروايات تدل على أنه من قول أنس، وأنها تُثبت أن النبي ﷺ وقع منه الاستنجاء بالماء. ٨٣ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من أتى الغائط فلْيَسْتَتِر" رواه أبو داود (٥). وعنها: "أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الغائط قال: غُفْرانَك" أخرجه الخمسة وصححه الحاكم وأبو حاتم (٦).

стр. 386

[الحديث الأول نسبه في السنن إلى أبي هريرة، وكذا في التلخيص، وقال: مداره على أبي سعيد الحبراني الحمصي (١)، وفيه اختلاف، وقيل: إنه صحابي، ولا يصح، والراوي عنه حصين الحبراني (٢)، وهو مجهول، وقال أبو زُرْعَة (٣): شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات (٤)، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في العلل] (أ). قوله: "فليستتر"، أمر بالاستتار (ب) ما أمكن حتى لا يكون قعوده حيث تقع عليه أبصار الناظرين أو تَهُبُّ عليه الريح فيصيبه البلل فتتلوث ثيابه وبدنه، وتمام الحديث: "فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، ومن فَعَلَ فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" ومعنى قوله: "فإن الشيطان" إلخ: إن الشيطان يحضر الرجل إذا قضى حاجته؛ لأن الرجل في هذا الوقت لا يذكر الله تعالى، فإذا خلا الرجل من ذكر الله تعالى يحضره الشيطان، ويأمره بالسوء، فكذلك عند قضاء الحاجة يأمره بكشف العورة، وبالبول في الموضع الصلب ومستقبل الرج ليصيبه رشاش البول، وكل ذلك لعب الشيطان ببني آدم، فأمر النبي ﷺ أمته بستر العورة مخالفة للشيطان لأنه إذا لم يستر (جـ) يمكن الشيطان من وسوسته إلى الغير للنظر إلى مقعده (د).

стр. 387

وقوله: "غُفْرانك": الغُفران مصدر كالمغفرة منصوب بتقدير أسأل غفرانك (أأو أطلب (ب) مفعولًا به، ويحتمل أنه مفعول مطلق، أي اغفر غُفْرَانَكَ أ). قيل: إنه أستغفر من تَرْك ذِكْر الله تعالى وقت الخلاء، فإنه كان يذكر الله على كل أحواله إلا حال قضاء الحاجة، فجعل هجران الذكر في تلك الحال تقصيرا، وعده على نفسه ذنبًا فتدارك بالاستغفار. وقيل: معناه التوبة من تقصيره في شكر نعمته التي أنعم الله بها عليه، فأطعمه، ثم هضمه، ثم سهل خروج الأذى منه، فرأى شكره قاصرًا عن بلوغ حق (جـ) هذه النعم ففزع إلى الاستغفار منه، وهذا أنسب ليوافق حديث أنس قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: الحمد الله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" (١) (د) رواه ابن ماجه فإن فيه الحمد على هذه النعمة العظمى، وما ورد في وصف نوح ﵊ بقوله تعالى: ﴿إنه كان عبدًا شكورًا﴾ (٢) وكان من جملة شكره أن يقول بعد الغائط: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى ولو شاء لحبسه فِيَّ". ٨٤ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: "أتى النبي ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجَريْن، ولم أجد ثالثًا، فأتيته برَوْثَةٍ

стр. 388

فأخذهما، وألقى الرَّوثة، وقال: إنها رِكْسٌ" أخرجه البخاري (١). زاد أحمد والدارقطني: "ائتني بغيرها" (٢). الحديث أخرجه البخاري وبين أن إسناده صحيح متصل، وفيه رد على من زعم أن فيه تدليسا خفيًّا، فليرجع إلى الصحيح وشرحه "الفتح" (٣). والحديث استدل به الطحاوي (٤) على عدم اشتراط الثلاثة، قال: لأنه لو كان مشترطًا (أ) لطلب ثالثا، وغفل ﵀ عن هذه الزيادة من طريق أحمد في "مسنده" (٥) أخرجها من طريق معمر عن أبي إسحاق عن علقمة عن

стр. 389

ابن مسعود وتابع معمرا أيضًا عليها أبو شيبة الواسطي (١)، وهو ضعيف أخرجه الدارقطني (٢) وتابعهما أيضًا عمار بن زريق أحد الثقات عن أبي إسحاق (٣)، وقد قيل إن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة، لكن أثبت سماعه لهذا الحديث منه الكرابيسي، وعلى تقدير أن يكون أرسله، فالمرسل حجة عند قوم، وعند الشافعي (أ) إذا اعتضد، وفي استدلاله أيضًا نظر لاحتمال أن يكون اكتفى بالأمر الأول في طلب الثلاثة، أو اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث (٤) وقال أبو الحسين ابن القصار المالكي: روي أنه أتاه بثالث لكن (ب) لا يصح ولو صح فقد اكتفى بالثلاثة في الموضعَيْن، ففي كل موضع أقل من ثلاثة، وفيه نظر لجواز أنه لم يكن الخارج إلا من سبيل واحد، أو اكتفى في القبل بمسحه في الأرض، أو مسح من (جـ) كل منهما بطرفين [وزاد ابن خزيمة (٥) في رواية له لهذا الحديث: "إنها كانت روثة حمار" ونقل التيمي: أن الروث مختص بما يكون بن الخيل والبغال والحمير] (٦) (د).

стр. 390

وقوله: إنها رِكْس، بكسر الراء وإسكان الكاف، قيل: لغة في (أ) رجس. وفي بعض نسخ البخاري: "رجس"، وكذا في رواية ابن ماجه، وابن خزيمة، وقيل: "الركس": الرجيع لأنه رد من حالة الطهارة إلى حالة النجاسة (١)، أو من حالة الطعام إلى حالة الروث (٢)، وفي رواية الترمذي: "ركس: يعني نجسا"، وهو يؤيد الأول (ب) وقال النسائي، وقد أغرب: "الركس: طعام الجن" وهو بعيد من الإِشكال (٣). ٨٥ - وعن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يستنجى بعظم أو رَوْثٍ، وقال: إنهما لا يُطَهِّرانِ" رواه الدارقطني وصححه (٤). ورواه أيضًا ابن خزيمة بهذا اللفظ، ورواه البخاري في باب الطهارة بلفظ: "ولا تأتني بعظم ولا روث" (٥)، وزاد في باب البعث (جـ) في هذا الحديث أن أبا هريرة قال له لما أن فرغ: ما بال العظم والروث؟ قال: "هي من طعام الجن" (٦)
следующие страницы →