للشافعية، وعندهم وجه أغرب منه؛ أنه ليس في شيء من ذلك صريح إلا لفظ الجلالة. والأحاديث ترده، والمشهور (أعندهم وأ) عند الحنابلة أنها ثلاثة أقسام؛ أحدها، ما يختص به تعالى؛ كالرحمن، ورب العالمين، وخالق الخلق، فهو صريح تنعقد به اليمين، سواء قصد الله تعالى أم أطلق.
ثانيها، ما يطلق عليه تعالى وقد يقال على غيره لكن بقيد؛ كالرب، والخالق، فتنعقد به اليمين، إلا أن يقصد به غير الله تعالى.
ثالثها، ما يطلق عليه وعلى غيره على السواء؛ كالحي، والموجود، والمؤمن، فإن نوى غير الله تعالى أو أطلق فليس بيمين، وإن نوى به الله تعالى انعقد على الصحيح، فمثل: والذي نفسي بيده. ينصرف عند الإطلاق إلى الله تعالى جزما، وإن نوى به غيره، كملك الموت مثلًا، لم يخرج عن الصراحة، وكذا: الذي فلق الحبة، ومقلب القلوب. صريح لا يشاركه غيره، وكذا: الذي أعبده، أو: أسجد له، أو: أصلي له، صريح. وفرقت (ب) الحنفية بين العلم والقدرة، فقالوا: إن حلف بقدرة الله انعقدت به اليمين، وإن حلف بعلم الله لم ينعقد به؛ لأن العلم يعبر به عن المعلوم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ (١). ويجاب بأن ذلك مجاز، والكلام في المعنى الحقيقي.
١١٤٤ - وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: جاء أعرابي
стр. 3922
إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ فذكر الحديث، وفيه: "اليمين الغموس". وفيه: قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: "الذي يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب". أخرجه البخاري (١).
قوله: جاء أعرابي. قال المصنف (٢) ﵀: لم أقف على اسم هذا الأعرابي.
وقوله: ما الكبائر؟ هي جمع كبيرة، وقد اختلف العلماء في المعاصي، هل تنقسم إلى صغيرة وكبيرة أو جميعها كبيرة؟ فذهب جماعة منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني والقاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين في "الإرشاد"، وابن القشيري في "المرشد"، وحكاه ابن فُورَك عن الأشاعرة، واختاره في "تفسيره"، واعتمد ذلك السبكي، إلى أنها كلها كبائر، وقال القاضي عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال في معصية: إنها صغيرة. إلا على معنى أنها تصغُر باجتناب غيرها. وأخرج مثل هذا الطبراني (٣) عن ابن عباس بإسناد منقطع، أنه ذكر عنده الكبائر فقال: ما نهى الله عنه فهو كبيرة. وفي رواية عنه (٤): كل شيء عصي الله فيه (أ) فهو كبيرة.
وذهب الجماهير من العلماء إلى أن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر؛
стр. 3923
لقوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٣). وفي الأحاديث الصحيحة ما هو صريح في ذلك؛ ولذلك قال الغزالي (٤): لا يليق إنكار الفرق بين الكبائر والصغائر، وقد عرفا من مدارك الشارع. وقال بعضهم: إنه لا خلاف في المعنى، وإنما الخلاف في التسمية والإطلاق؛ لإجماع الكل على أن من المعاصي ما يقدح في العدالة، ومنها ما لا يقدح، وإنما فر الأولون من تسمية المعصية صغيرة نظرًا إلى عظمة الله وشدة عقابه وإجلاله عن تسمية معصيته صغيرة. ثم اختلف القائلون بالفرق في حدّ الكبيرة؛ فقال النووي في "الروضة" (٥): هي ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة. ولفظ: شديد. قيد واقع لا مخصص. وقال البغوي (٦): كل معصية أوجبت الحد. وهذا الحد منتقض بكبيرة وقع النص عليها بأنها كبيرة ولا حد؛ كأكل الربا، وعقوق الوالدين، وغير ذلك. وقال بعضهم: كل ما نص الكتاب على تحريمه، أو وجب في جنسه حد، أو ترك فريضة تجب فورا، والكذب في الرواية واليمين وكل قول خالف الإجماع العام. وقال بعضهم: كل جريمة (أ) تؤذن بقلة اكتراث
стр. 3924
مرتكبها بالدين ورقة الديانة مبطلة للعدالة، وكل جريمة لا تؤذن بذلك، بل يبقى حسن الظن ظاهرا بصاحبها، لا تبطل العدالة. وذهب إلى هذا ابن القشيري في "المرشد"، واختاره الإمام السبكي وغيره، إلا أن هذا ما جعله ضابطًا إلا لما يخل العدالة، وقد شمل صغائر الخسة وليست بكبائر، إلا أنه قد شمل جميع ما عد من الكبائر. وقال الماوردي (١): الكبيرة ما أوجب الحد أو توجه إليه الوعيد. وقال ابن عطية: كل ما وجب فيه حد، أو ورد فيه وعيد بالنار، أو جاءت فيه لعنة. وقال الحليمي (٢) فيما نقله عنه القاضي حسين: إنها كل محرم لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه، فإن فعله على وجه يجمع وجهين أو وجوها من التحريم، كان فاحشة، فالزنى كبيرة، وبحليلة الجار فاحشة، والصغيرة تعاطي ما تنقص رتبته عن رتبة المنصوص عليه، أو تعاطيه على وجه دون المنصوص عليه، فإن تعاطاه على وجه يجمع وجهين أو وجوها من التحريم كان كبيرة، فالقبلة واللمس والمفاخذة صغيرة، ومع حليلة الجار كبيرة، فما من ذنب إلا وفيه صغيرة وكبيرة، وقد تنقلب الصغيرة كبيرة بما ينضم إليها، والكبيرة فاحشة كذلك، إلا الكفر بالله، فإنه ليس من نوعه صغيرة.
وقال بعضهم: إنها كل فعل نص الكتاب على تحريمه. يعني بلفظ التحريم. وقال الواحدي (٣): إنه لا حصر لها على وجه تعرفه (أ) العباد، وإنما
стр. 3925
ذلك أخفاه الله سبحانه ليجتهد العباد في اجتناب المنهي عنه رجاء أن تجتنب الكبائر، كما أخفى الصلاة الوسطى وليلة القدر. وقال الحسن، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك: كل ذنب وعد فاعله بالنار. وقال الغزالي (١): كل معصية يُقدم المرء عليها من غير إشعار خوف ووجدان (أ) ندم تهاونًا واستجراءً عليها، فهي كبيرة، وما كان من فلتات النفس ولا ينفك عن ندم يمتزج بها ويُنغِّص التلذذ بها، فليس بكبيرة. وقال مرة أخرى (٢)؛ لا مطمع في معرفة الكبائر مع الحصر، إذ لا يعرف ذلك إلا بالسمع، ولم يرد. وقال ابن عبد السلام (٣): الكبيرة ما تشعر بتهاون مرتكبها بدينه (ب) إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها. قال: وإذا أردت الفرق لون الصغيرة والكبيرة فأعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل الكبائر فهي صغيرة، وإلا فكبيرة. ويرد عليه أن الإحاطة بمفاسدها كلها حتى يعلم أقلها مفسدة في غاية الندور بل التعذر والاستحالة، إذ لا يطلع على ذلك إلا الشار ﷺ . وقال الجلال البلقيني (٤) على ما لخصه البارزي في "تفسيره" الذي على "الحاوي": التحقيق أن الكبيرة كل ذنب قرن به وعيد أو لعن بنص كتاب أو سنة، أو علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به وعيد أو حد
стр. 3926
أو لعن، أو أكبر من مفسدته، أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعار (أ) أصغر الكبائر المنصوص عليها بذلك، كما لو قتل من يعتقده معصوما فظهر أنه مستحق لدمه، أو وطئ امرأة ظانا أنه زان بها، فإذا هي زوجته أو أمته. وأول الضابط يؤيده قول ابن عباس: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو لعنة، أو غضب، أو عذاب. رواه عنه ابن جرير (١). وآخره مثل قول ابن عبد السلام. وذهب آخرون إلى تعريفها بالعد من غير حد؛ فعن ابن عباس (٢) وجماعة أنها ما ذكره الله تعالى في أول سورة "النساء" إلى قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. وقيل: سبع. ويستدل له (ب) بخبر "الصحيحين" (٣): "اجتنبوا السبع الموبقات؛ الشرك بالله ، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". وفي رواية لهما (٤): "الكبائر؛ الشرك بالله، والسحر، وعقوق الوالدين، وقتل النفس". زاد البخاري: "واليمين الغموس". ومسلم بدلها: "وقول الزور". وروي عن علي ﵁ أنها سبع (٥). وكذا عن عطاء وعبيد بن عمير. وقيل:
стр. 3927
خمس عشرة. وقيل: أربع عشرة. وقيل: أربع. ونقل عن ابن مسعود (١). وعنه أنها ثلاث (٢). وعنه أنها عشر (٣). وعن ابن عباس كما رواه عبد الرزاق والطبري (٤): هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. وقال سعيد بن جبير: هي إلى السبع المائة أقرب. وروى الطبري (٥) هذه المقالة عن سعيد، عن ابن عباس، أن رجلا قال لابن عباس: كم الكبائر، سبع هي؟ قال: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. وقد عد العلائي في "قواعده" خمسة وعشرين، وهو ما نص النبي ﷺ على أنه كبيرة، وهو الشرك بالله، والقتل، والزنى؛ وأفحشه بحليلة الجار، والفرار من الزحف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، والسحر، والاستطالة في عرض السلم بغير حق، وشهادة الزور، واليمين الغموس، والنميمة، والسرقة، وشرب الخمر، واستحلال بيت الله الحرام، ونكث الصفقة، وترك السنة، والتعرب بعد الهجرة، واليأس من رَوْح الله، والأمن من مكر الله، ومنع ابن السبيل من فضل الماء، وعدم التنزه من البول، وعقوق الوالدين، والتسبب إلى شتمهما، والإضرار في الوصية. وقد تعقب بأن السرقة لم ينص على أنها كبيرة، وإنما في "الصحيحين" (٦): "ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن". وفي رواية النسائي (٧): "فإن فعل
стр. 3928
ذلك فقد خلع رِبْقةَ (١) الإِسلام من عنقه، فإن تاب تاب الله عليه". وقد جاء في أحاديث صحيحة النص على الغلول (٢) -وهو إخفاء بعض الغنيمة- بأنه كبيرة، وقد جاء في حديث الجمع بين الصلاتين لغير عذر (٣)، ومنع الفحل (٤). [ولكنه] (أ) حديث ضعيف. وقال أبو طالب المكي (٥): الكبائر سبع عشرة؛ أربع في القلب؛ الشرك، والإصرار على المعصية، والقنوط، والأمن من المكر. وأربع في اللسان؛ القذف، وشهادة الزور، والسحر، وهو كل كلام يغير الإنسان أو شيئًا من أعضائه، واليمين الغموس، وهي التي يُبطل بها حقًّا أو يثبت بها باطلا. وثلاث في البطن؛ أكل مال اليتيم ظلما، وأكل الربا، وشرب كل مسكر. واثنتان في الفرج؛ الزنى واللواط. واثنتان في اليد؛ القتل والسرقة. وواحدة في الرجل؛ الفرار من الزحف.
وواحدة في جميع الجسد؛ عقوق الوالدين.
وقوله: فذكر الحديث [و] (ب) فيه: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين لغموس". وفي رواية غُنْدَر، عن شعبة: "وعقوق الوالدين -أو قال: -اليمين الغموس". شك شعبة. أخرجه البخاري (٦) في
стр. 3929
أوائل الديات. وأخرجه الإسماعيلي (١) عن شعبة بلفظ: "الكبائر؛ الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين -أو قال: قتل النفس". وفي رواية شيبان (٢)، عن فراس: "الإشراك بالله". قال: ثم ماذا؟ قال: "ثم عقوق الوالدين". قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس". ولم يذكر قتل النفس. قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: "التي اقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب". والقائل هو عبد الله بن عمرو راوي الخبر، والمجيب النبي ﷺ . ويحتمل أن يكون السائل من دون عبد الله، والمجيب هو عبد الله أو من دونه. قال المصنف ﵀ (٣): الحديث أخرجه في "صحيح ابن حبان" (٤) بالسند الذي أخرجه البخاري، فقال في آخره بعد قوله: "ثم اليمين الغموس". قلت لعامر: ما اليمين الغموس؟ إلخ. فظهر أن السائل عن ذلك فراس، والمسئول الشعبي وهو عامر. فلله الحمد على ما أنعم، ثم لله الحمد، ثمَّ لله الحمد، فإني لم أر من تحرر (أ) له ذلك من الشراح. انتهى.
وهذه المذكورات في الحديث أنها الكبائر قد جاءت في الأحاديث الصحيحة أنها من أكبر الكبائر، ولا منافاة في ذلك، إلا أنه يدل على أن في الذنوب كبيرا وأكبر، وقد جاء في الحديث أيضًا تسمية أكبر (ب) غير ما ذكر،
стр. 3930
مثل ما جاء في حديث ابن مسعود (١): أي الذنب أعظم؛ فذكر فيه الزنى بحليلة الجار. وحديث أبي هريرة: "إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم". أخرجه ابن أبي حاتم (٢) بإسناد حسن. وحديث بريدة يرفعه: "من أكبر الكبائر". وذكر منها منع فضل الماء، ومنع الفحل. أخرجه البزار (٣) بسند ضعيف. وغير ذلك.
وقوله: "الغموس". هو بفتح الغين المعجمة وضم الميم وآخره سين مهملة، قيل: سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار. فهي فَعول بمعنى فاعل. وقيل: الأصل في ذلك أنهم كانوا إذا أرادوا أن يتعاهدوا أحضروا جَفنة فجعلوا فيها طينا أو دما أو رمادا، ثم يحلفون عندما يُدخلون أيديهم فيها، ليتم لهم المراد من جميد ما أرادوا، فسميت بذلك إذا غدر صاحبها غموسا؛ لكونه بالغ في نقض العهد، وكأنها على (أ) هذا مأخوذة من اليد المغموسة، فيكون فَعول بمعنى مفعولة.
وظاهر الحديث أنه لا يلزم كفارة في اليمين الغموس؛ لأن الكفارة لم تُذكر في الحديث، ولأنها قرنت بما لا يكفره إلا التوبة ولا كفارة فيها. ونقل ابن المنذر ثم ابن عبد البر (٤) اتفاق العلماء على أنه لا كفارة فيها. وهو
стр. 3931
مذهب الهدوية، ولكن الاستدلال بما ذكر غير صحيح، فإن عدم الذكر لا ينفي أن يكون لها دليل آخر، وكذا الاقتران بما لا كفارة له، فإن الجمع بين مختلف الأحكام واقع، إلا أنه يحتج لذلك بما أخرجه ابن الجوزي في "التحقيق" (١) عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليس فيها كفارة، يمين صبر (٢) يقتطع بها مالا بغير حق". وظاهر سند الحديث الصحة، إلا أن فيه عنعنة بقية (٣)، وفي إسناده أبو المتوكل. وقد أخرجه أحمد (٤) بهذا السند، وقال: عن التوكل (٥)، أو أبي المتوكل (٥). وهذا ليس هو أبا المتوكل الناجي الثقة (٦)، بل آخر مجهول. وبما رواه آدم بن أبي إياس في "مسند شعبة"، وإسماعيل القاضي في "الأحكام" (٧)، عن ابن مسعود: كنا نعد الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس، أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبا ليقتطعه. قالوا: ولا مخالف له من الصحابة. وذهب الحكم، وعطاء، والأوزاعي، ومعمر، والشافعي، إلى وجوب الكفارة في اليمين الغموس؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٨).
стр. 3932
واليمين المغموسة معقودة، والكفارة وإن لم ترفع الإثم كله فيما كان المحلوف عليه مال الغير، لكنها قد نفعته في الجملة، فإن ضم إلى الكفارة التحلل من حق الغير نفعه مجموعهما. والحديث (أ) قد عرفت ما فيه. وأثر ابن مسعود تكلم في صحته ابن حزم (١)، واحتج ابن حزم بالقياس على من جامع في نهار رمضان متعمدا وفيمن أفسد حجه. وقد يجاب عنه بأن هذا يستقيم فيمن لم يقتطع مال الغير، وأما من اقتطع مال الغير، فقد ثبت وعيده بالنار، وقد عرفت الجواب عن هذا، والله أعلم.
١١٤٥ - عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢). قالت: هو قول الرجل؛ لا والله. و: بلى والله. أخرجه البخاري، ورواه أبو داود مرفوعًا (٣).
الحديث فيه دلالة على أن لغو اليمين لا حنثَ فيه، وقد (ب) فسرت عائشة اللغو بما لا يكون عن قصد الحلف، وإنما جرى على اللسان من غير قصد للحلف، وهذا أنسب، لموافقته الوضع اللغوي للغو (ب)؛ وذلك لأن اللغو حقيقة فيما كان باطلا وما لا يعتد به من القول، ومنه قيل لولد الناقة
стр. 3933
الذي لا يعتد به في الدية: لغو. وقد ذهب إلى هذا الشافعي، ونقله ابن المنذر (١) وغيره عن ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة، وعن القاسم، وعطاء، والشعبي، وطاوس، والحسن. وعن أبي قلابة: لا والله، وبلى والله. لغة من لغات العرب لا يراد بها اليمين، وهي من (أ) صلة الكلام. ودليلهم تفسير عائشة ﵂؛ لكونها شهدت التنزيل، وقد جزمت بأن الآية نزلت فيما ذكر. وقد رواه أبو داود مرفوعًا أن النبي ﷺ قال: "لغو اليمين هو كلام الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله". وأشار أبو داود (٢) إلى أنه اختلف على عطاء وعلى إبراهيم الصائغ في رفعه ووقفه. وقد أخرج ابن أبي عاصم، وابن وهب، وعبد الرزاق (٣)، عن معمر، كلهم عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: لغو اليمين ما كان في المراء والهزل والمراجعة في الحديث الذي لا يعقد عليه القلب. وهذا موقوف. وأخرج الطبري (٤) من طريق الحسن مرفوعًا في قصة الرماة: وكان أحدهم إذا رمى حلف أنه أصاب، فيظهر أنه أخطأ، فقال النبي ﷺ : "أيمان الرماة لغو لا كفارة لها ولا عقوبة". ولكنه من مراسيل الحسن وهو غير ثابت.
وذهب أبو حنيفة، والهدوية، وغيرهم، إلى أن لغو اليمين هو ما حلف على الشيء يظن صدقه فينكشف خلافه. وبه قال ربيعة، ومالك،
стр. 3934
ومكحول، والأوزاعي، والليث. وعن أحمد روايتان. وأخرجه عبد الرزاق (١) عن الحسن. وذهب طاوس إلى أن اللغو أن يحلف وهو غضبان. وأخرجه الطبري (أ) (٢) من طريق طاوس، عن ابن عباس. وروي عن علي؛ لقوله ﷺ : "لا يمين في إغلاق". وعن ابن عباس أن اللغو أن يحرم ما أحل الله له. أخرجه الطبري (٣) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس. ولكنه معارض بما صح عن ابن عباس من وجوب الكفارة فيه. أخرجه البخاري (٤). وقال بعض أهل العلم: إن اللغو ما يجب نقضه؛ لأن اللغو واجب الرفع. فقال الشعبي ومسروق: هو أن يحلف على معصية فلا يكفر. ويروى عن ابن عباس أيضًا (٥). وقال بعضهم: هو أن يقول: إن فعلت كذا فهو كافر بالله، أو مشرك، أو يهودي، أو نصراني. فلا كفارة إذا فعل ذلك، ولكن يقال: ليس ذلك لغوا؛ لأنه مؤاخذ باليمين المحرمة، وإنما لم تلزم كفارة. وقد ذهب إلى عدم لزوم الكفارة مالك والشافعي، وهو (ب) قول الهدوية. وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى لزوم الكفارة، وتجال بعضهم: إن اللغو ما تجب فيه الكفارة؛ لأنها إذا لزمت الكفارة لم يتعلق
стр. 3935
حنث بالحالف. وأجيب بأن الله تعالى رفع المؤاخذة عن اللغو مطلقا، فلا إثم ولا كفارة، فكيف يفسر اللغو بما فيه الكفارة، وثبوت الكفارة من لوازم الحنث؟ والأظهر من هذه الأقوال هو القولان الأولان. والله أعلم.
١١٤٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة". متفق عليه (١). وساق الترمذي وابن حبان (٢) الأسماء، والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الزوائد (أ).
لفظ "اسما" منصوب على التمييز في معظم الروايات، وحكى السهيلي (٣) أنه رُوي بالجر، وخرجه على لغة من يعرب "تسعين" بالحركات، فيجعل النون محل الإعراب وتضاف مع بقاء النون، مثل قوله (٤):
* وقد جاوَزْتُ حَدَّ الأرْبَعينِ*
بكسر النون.
قوله: "تسعة وتسعين". ظاهر الحديث أن الأسماء الحسنى منحصرة في
стр. 3936
هذا العدد بدلالة مفهوم العدد، ويحتمل أن الحصر في هذه الأسماء باعتبار ما ذكر بعده من قوله: "من أحصاها دخل الجنة". وهو خبر المبتدأ، والمعنى أن هذه التسعة والتسعين لها فضيلة تختص (أ) بها من بين (ب) سائر الأسماء، وهو أن حفظها سبب لدخول الجنة، وليس المقصود حصر الأسماء فيها؛ لثبوت غيرها، فهي كثيرة، وذهب الجمهور إلى هذا، ونقل النووي (١) اتفاق العلماء عليه، وقال: ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى، وليس معناه أنه ليس له اسم غير هذه التسعة والتسعنِن، وإنما مقصود الحديث أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة. ويدل عليه حديث ابن مسعود الذي أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان (٢): "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك". وعند مالك (٣): وأسألك بأسمائك الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم. قال الخطابي (٤): خصصها بالذكر لكونها أكثر الأسماء وأثبتها (جـ) معاني. وحكى القاضي أبو بكر بن العربي (٤) عن بعضهم
стр. 3937
أن لله ألف اسم. ونقل الفخر الرازي (١) عن بعضهم أن لله أربعة آلاف اسم، قال: استأثر الله بعلم ألف منها، وأعلم الملائكة بالبقية، والأنبياء بألفين منها وسائر الناس بألف. وهذه دعوى تحتاج إلى دليل. وقد ورد في حديث قيام الليل: "أنت المقدم وأنت المؤخر" (٢). وفي "صحيح البخاري" (٣) حديث أنه وتر يحب الوتر. وذهب ابن حزم إلى أن الأسماء منحصرة في هذا العدد لا تزيد عليه، قال في "المحلى" (٤) بعد أن روى حديث "الصحيح": قال الله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ (٥). فصح أنه لا يحل لأحد أن يسمَّي الله تعالى إلا بما سمى به نفسه، وصح أن أسماءه لا تزيد على تسعة وتسعين اسما؛ لقوله ﷺ : "مائة إلا [واحدًا] (أ) ". فنفى الزيادة وأبطلها، وظاهره أنها موجودة في القرآن. وحكى الفخر الرازي (٦) عن الأكثر أن ذكر العدد المذكور تعبد (ب) لا يعقل معناه، كما قيل في عدد الصلوات. وعن أبي خلف السلمي أن ذكر هذا العدد إشارة إلى أن الأسماء لا تؤخذ قياسا. وقيل: الحكمة فيه أن العدد زوج وفرد، والفرد أفضل من الزوج، ومنتهى الأفراد من غير تكرار تسعة وتسعون؛ لأن مائة وواحدا
стр. 3938
يتكرر فيه الواحد. وقيل: الكمال في العدد حاصل في المائة؛ لأن الأعداد ثلاثة أجناس، آحاد وعشرات ومئات، والألف مبتدأة لآحاد أخر، فأسماء الله مائة استأثر الله منها بواحد، وهو الاسم الأعظم، فلم يطلع عليه أحدٌ، فكأنه قيل: إن لله مائة لكن واحد منها عند الله. وقيل: إن مكمل المائة هو الجلالة. وجزم بذلك السهيلي (١) وقال: الأسماء الحسنى على عدد درجات الجنة، والذي يكمل المائة "الله"، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٢). فالتسعة والتسعون لله، فهي زائدة عليه، وبه تكمل المائة.
وقوله: "من أحصاها دخل الجنة". هكذا في رواية سفيان من طريق ابن أبي عمر (٣). وفي رواية علي بن المديني (٤)، ووافقه الحميدي، وكذا عمرو الناقد عند مسلم (٥) بلفظ: "من حفظها". وفي "تفسير ابن مردويه" [و] (أ) عند أبي نعيم (٦)، من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة بلفظ: "من دعا بها دخل الجنة". وفي سنده حصين بن [مخارق] (ب) وهو ضعيف (٧)، وزاد خليد
стр. 3939
ابن دعلج في روايته: "وكلها في القرآن" (١). وكذا وقع من (أ) قول سعيد بن عبد العزيز. وفي حديث ابن عباس وابن عمر معا بلفظ: "من أحصاها دخل الجنة، وهي في القرآن" (٢).
وقد اختلفوا في تفسير الإحصاء، فقال الخطابي (٣): يحتمل وجوها؛ أحدها، أن يعدها حتى يستوفيها، يعني: لا يقتصر على بعضها، بل يدعو الله بها كلها ويثني عليه بجميعها، فيستوجب الموعود عليه من الثواب. ثانيها، أنه بمعنى الإطاقة، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ (٤). ومنه حديث: "استقيموا ولن تحصوا" (٥). أي: تبلغوا كنه الاستقامة. والمعنى: من أطاق القيام بحق هذه الأسماء والعمل بمقتضاها، وهو أن يعتبر معانيها، فيلزم نفسه بواجبها، فإذا قال: الرزاق. وثق بالرزق، وكذا سائر الأسماء. ثالثها، المراد الإحاطة بمعانيها، من قول العرب: فلان ذو حصاة. أي: ذو عقل ومعرفة. انتهى.
قال القرطبي (٣): المرجو من كرم الله تعالى أن من حصل له إحصاء هذه
стр. 3940
الاسماء على إحدى (أ) هذه المراتب مع صحة النية أن يدخله الله الجنة، وهذه المراتب الثلاث للسابقين والصديقين وأصحاب اليمين. وقيل: "أحصاها" أي: عرفها؛ لأن العارف بها لا يكون إلا مؤمنا. وقيل: عدها معتقدا؛ لأن الدَّهري لا يعترف بالخالق، والفلسفي لا يعترف بالقادر. وقيل: "أحصاها" أي: أراد بها إعظامه تعالى. وقيل: "أحصاها": عمل بها، فإذا قال: الحكيم. سلم لجميع أوامره، لأن جميعها على (ب) مقتضى الحكمة، وإذا قال: القدوس. استحضر كونه منزها عن جميع النقائص. واختاره أبو الوفاء بن عقيل (١). وقال ابن بطال (٢): هو أن ما كان يسوغ الاقتداء به سبحانه فيها، كالرحيم والكريم، فيمرن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف [بها] (جـ)، وما كان يختص به سبحانه، كالجبار والعظيم، فعلى العبد الإقرار بها والخضوع لها وعدم التحلي بصفة منها، وما كان فيه (د) معنى الوعد يقف فيه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه (د) معنى الوعيد يقف منه عند الخشية والرهبة، ويؤيد هذا أن حفظها لفظا من دون اتصاف كحفظ القرآن من دون عمل لا ينفع، كما جاء: "يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم" (٣). ولكن
стр. 3941
هذا الذي ذكره لا يمنع من ثواب من قرأها سردا وإن كان متلبسا بمعصية، وإن كان ذلك مقام الكمال الذي لا يقوم به إلا أفراد الرجال. قال النواوي (١): وقال البخاري وغيره من المحققين: معناه: حفظها. وهذا ظاهر، فإن إحدى الروايتين تكون مفسرة للأخرى. وبه قال ابن الجوزي (٢). ولكنه يحتمل لفظ: "حفظها" الحفظ المعنوي، فلا يكفي حفظها سردًا. وقيل: المراد بحفظها حفظ القرآن جميعه، لأنها موجودة في القرآن مفرقة فيه. وقال ابن عطية (٣): إنه يتضمن إحصاؤها وحفظها الإيمان بها، والتعظيم لها، والرغبة فيها، والاعتناء بمعانيها. وهذا قريب مما فصله ابن بطال، وكذا ما قاله أبو نعيم الأصفهاني (٣): إن المراد به العلم والعقل بمعاني الأسماء والإيمان بها. وكذا ما قال أبو عمَنْكي مر الطلَمَنْكي (٣) أن يكون عالمًا بمعاني الأسماء، مستفيدا بذكرها ما تدل عليه من المعاني. وقال أبو العباس بن معد (٣): يحتمل معنيين؛ هو أن يتتبعها من الكتاب والسنة حتى يحصل عليها، أو أن يحفظها بعد أن يجدها محصاة. ثم قال: وللإحصاء معان أخر، منها الإحصاء الفقهي؛ وهو العلم بمعانيها وتنزيلها على الوجوه المحتملة شرعا، ومنها الإحصاء النظري، وهو أن يعلم معنى كل اسم بالنظر في الصيغة ويستدل عليه بأثره الساري في الوجود، فلا تَمُرُّ على موجود إلا ويظهر لك فيه معنى من معاني تلك الأسماء، وتعرف خواص بعضها، وموقع القيد بمقتضى كل اسم. قال: وهذا أرفع مراتب الإحصاء. قال:
стр. 3942
وتمام ذلك أن يتوجه إلى الله تعالى من العمل الظاهر والباطن بما يقتضيه كل اسم من الأسماء، فيعبد الله بما يستحقه من الصفات المقدسة التي وجبت لذاته. قال: فمن حصلت له جميع مراتب الإحصاء حصل على الغاية، ومن منح منحًى من مناحيها (أ) فثوابه بقدر ما قال. فهذا ما قيل في تفسير الإحصاء، وقد قيل غير ذلك إلا أنه يرجع إلى بعض ما ذكر.
وقوله: وساق الترمذي. إلى آخره. الحديث رواه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم (١)، من حديث الوليد بن مسلم، عن [شعيب] (ب)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة وسَرَد الأسماء. وقال الترمذي (٢): لا نعلم في كثير شيء من الروايات ذكر الأسماء (جـ) إلا في هذا الحديث. ثم قال: هذا حديث غريب حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح، [ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح] (د)، وهو ثقة.
وقد اختلف العلماء في سرد الأسماء، هل هو مرفوع أو مدرج من بعض الرواة؛ فمشى كثير منهم على الأول، واستدلوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يرد في القرآن بصيغة الاسم، لأن كثيرا من هذه الأسماء
стр. 3943
كذلك. وذهب آخرون إلى أن التعيين مدرج؛ لخلو أكثر الروايات عنه. ونقله عبد العزيز النخشبي (أ) عن كثير من العلماء. قال الحاكم (١) بعد تخريج الحديث من طريق صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بسياق الأسماء، والعلة فيه عندهما تفرد الوليد بن مسلم. قال: ولا أعلم خلافا عند أهل الحديث أن الوليد أوثق وأحفظ وأجل وأعلم من بشر بن شعيب [وعلي بن عياش وغيرهما من أصحاب شعيب. يشير إلى أن بشرا وعليا وأبا اليمان رووه عن شعيب] (ب) بدون سياق الأسماء. وقد تعقب هذا بأنه ليس العلة تفرد الوليد، وإنما العلة الاختلاف عليه والاضطراب وتدليسه، واحتمال الإدراج، فقد جاء في رواية عثمان الدارمي (٢)، عن هشام بن عمار، عن الوليد بإسناده إلى أبي هريرة. فذكره بدون التعيين. قال الوليد: وحدثنا سعيد بن عبد العزيز مثل ذلك، وقال: "كلها في القرآن، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم". وسرد الأسماء. وأخرجه أبو الشيخ بن حيان (جـ) (٣) من رواية أبي عامر القرشي، عن الوليد بن مسلم بسند آخر، فقال: حدثنا زهير بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة. قال زهير: فبلغنا أن غير واحد من أهل
стр. 3944
العلم قال: إن أولها أن تفتتح بلا إله إلا الله. وسرد الأسماء. وهذه الطريق أخرجها ابن ماجه، وابن أبي عاصم، والحاكم (١)، من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير بن محمد. لكن سرَد الأسماء أولًا فقال بعد قوله: "من حفظها دخل الجنة"- "الله، الواحد، الصمد". إلى آخره. ثم قال بعد أن انتهى العد (أ): قال زهير: فبلغنا عن غير واحد من أهل العلم أن أولها يفتتح بقول: لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى.
قال المصنف (٢) ﵀: والوليد بن مسلم أوثق من عبد الملك بن محمد الصنعاني، ورواية الوليد تشعر بأن التعيين مدرج، وقد تكرر في رواية الوليد عن زهير ثلاثة أسماء، وهي الأحد الصمد الهادي، ووقع بدلها في رواية عبد الملك: المقسط القادر الوالي (ب) الرشيد، وعند الوليد [أيضًا: الوالي الرشيد] (جـ)، وعند عبد الملك: [الوالي الراشد. وعند الوليد: العادل المنير، وعند عبد الملك] (جـ): الفاطر القاهر. واتفقا في البقية. وأما رواية الوليد، عن شعيب، وهي أقرب الطرق إلى الصحة، وعليها عول غالب من شرح الأسماء الحسنى، (د فساقها عنه د) الترمذي (٣): هو الله الذي لا إله إلا
стр. 3945
هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحصي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي (أ) المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرءوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور. وقد أخرجه الطبراني (١) عن أبي زرعة الدمشقي، عن صفوان بن صالح، فخالف في عدة أسماء، فقال: القائم الدائم بدل القابض الباسط، والشديد (ب) بدل الرشيد، والأعلى المحيط مالك يوم الدين، بدل الودود المجيد الحكيم. ووقع عند ابن حبان (٢) عن الحسن بن سفيان، عن صفوان: الرافع بدل المانع. ووقع في (صحيح ابن خزيمة" (٣) في رواية صفوان أيضًا مخالفة في بعض الأسماء: الحاكم بدل الحكم (جـ)، والقريب بدل الرقيب، والمولى بدل الوالي، والأحد بدل المغني.
стр. 3946
ووقع في رواية البيهقي وابن منده (١) من طريق موسى بن أيوب، عن الوليد: المغيث، بالمعجمة والمثلثة بدل المقيت، بالقاف والمثناة. ووقع في رواية زهير وصفوان، عن الوليد المخالفة في ثلاثة وعشرين اسما، فليس في رواية زهير وصفوان عن الوليد: [الفتاح القهار الحكم العدل الحسيب] (أ) الجليل المحصي المقتدر المقدم المؤخر البر المنتقم الغني النافع الصبور البديع الغفار الحفيظ الكبير الواسع الأحد مالك الملك ذو الجلال والإكرام. وذكر بدلها: الرب الفرد الكافي القاهر المبين -بالموحدة- الصادق الجميل البادئ -بالدال- القديم البار -بتشديد الراء- الوفي البرهان الشديد الواقي -بالقاف- القدير الحافظ العادل المعطي العالم الأحد [الأبد] (أ)، الوتر ذو القوة. ووقع في رواية عبد العزيز بن الحصين (٢) اختلاف آخر، فسقط فيها مما في رواية صفوان من القهار إلى تمام خمسة عشر اسما على الولاء، [وسقط منها أيضًا القوي الحليم الماجد القابض الباسط الخافض الرافع المعز الذل المقسط الجامع الضار النافع الوالي الرب، فوقع فيها مما في رواية موسى بن عقبة الذكورة آنفا ثمانية عشر اسما على الولاء] (أ) وفيها أيضًا: الحنان المنان الجليل الكفيل المحيط القادر الرفيع الشاكر [الأكرم] (ب) الفاطر الخلاق الفاتح المثبت -بالمثلثة ثم الموحدة- العلام المولى (جـ) النصير ذو الطول ذو المعارج ذو الفضل الإله
стр. 3947
المدبر -بتشديد الموحدة. قال الحاكم (١): إنما أخرجت رواية عبد العزيز بن الحصين شاهدًا لرواية الوليد، عن شعبة، لأن الأسماء التي زادها على الوليد كلها في القرآن. كذا قال، وقد أورد عليه أنه ليس الأمر كذلك؛ وإنما تؤخذ من القرآن بضرب من التكلف، لا أن جميعها أورد فيه (أ) بصورة الأسماء.
والأسماء الحسنى على أربعة أقسام؛ الأول، الاسم العلم، وهو الله، وقد اختلف فيه هل مرتجل أو منقول؟ واختلف أيضًا في اشتقاقه. والثاني ما يدل على الصفات الثابتة للذات، كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير. والثالث، ما يدل على إضافة أمر ما إليه؛ كالخالق، والرازق. والرابع، ما يدل على سلب شيء عنه؛ كالعلي، والقدوس.
واختلف أيضًا هل هي توقيفية؟ بمعنى أنه لا يجوز لأحد أن يشتق من الأفعال الثابتة لله اسما إلا إذا ورد نص في الكتاب أو السنة، فقال الفخر الرازي (٢): المشهور عن أصحابنا أنها توقيفية. وقالت المعتزلة والكرّامية: إذا دل العقل على معنى للفظ ثابت في حق الله تعالى جاز إطلاقه على الله. وقال القاضي أبو بكر والغزالي (٣): الأسماء توقيفية دون الصفات. قال الغزالي: كما ليس لنا أن نسمي النبي ﷺ باسم لم يسمه به أبوه ولا أمه ولا
стр. 3948
سمى به نفسه، فكذلك في حق الله تعالى.
واتفقوا أنه لا يجوز أن يطلق عليه اسم أو صفة توهم نقصا، فلا يقال: ماهد، ولا زارع، ولا فالق. وإن جاء في القرآن: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ (١). ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٢). ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ (٣) ونحوها، ولا يقال: ماكر، ولا بناء، وإن ورد: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (٤). ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾ (٥). وقال أبو القاسم القشيري (٦): الأسماء تؤخذ توقيفا من الكتاب والسنة والإجماع، فكل اسم ورد فيها (أ) وجب إطلاقه في وصفه، وما لم يرد لم يجز ولو صح معناه. قال ابن حزم (٧): قد صح عندي قريب من ثمانين اسما اشتمل عليها القرآن، فليطلب الباقي من الصحاح. والذي التقطه ابن حزم (٨) هو: الله الرحمن الرحيم العليم الحكيم الكريم العظيم الحليم القيوم الأكرم السلام التواب الرب الوهاب الغني الكبير الخبير القدير البصير الغفور الشكور الغفار القهار الجبار المتكبر المصور البر المقتدر البارئ العلي الولي القوي
стр. 3949
المحيي (أ) الإله [القريب] (ب) المجيب السميع الواسع العزيز الشاكر القاهر الآخر الظاهر المجيد الحميد الودود الصمد الأحد الواحد الأول الأعلى المتعال الخالق الخلاق الرزاق الحق اللطيف الرءوف العفو الفتاح المبين المتين المؤمن المهمين الباطن القدوس [الملك] (جـ) المليك الأكبر الأعز السيد السبوح الوتر المحسن الجميل الرفيق المعز القابض الباسط الباقي المعطي المقدم المؤخر الدهر. فهذه أحد وثمانون اسما (د). قال القرطبي (١): وفاته: الصادق المستعان المحيط الحافظ الفعال الكافي النور الفاطر البديع الفالق الرافع المخرج. قال المصنف (١) رحمه الله تعالى: والذي ذكره ابن حزم لم يقتصر فيه على ما في القرآن، بل ذكر ما اتفق له العثور عليه منه، وهو [سبعة] (هـ) وستون اسما في القرآن إلى قولك: الملك. وما بعد ذلك التقطه من الأحاديث، ومما لم يذكره وهو في القرآن: المولى النصير الشهيد الشديد الحفي الكفيل [الوكيل] (و) الحسيب الجامع الرقيب النور البديع الوارث السريع المقيت الحفيظ المحيط القادر الغافر الغالب الفاطر العالم القائم المالك الحافظ المنتقم المستعان الحكم الرفيع
стр. 3950
الهادي الكافي [ذو الجلال والإكرام] (أ). فهذه [اثنان] (ب) وثلاثون، وجميعها واضحة في القرآن، والحفي في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ (١). ثم قال المصنف (٢) رحمه الله تعالى: وهذه تسعة وتسعون اسما منتزعة من القرآن منطبقة على قوله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسما". موافقة لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٣). فلله الحمد على جزيل عطائه، وجليل نعمائه، وقد رتبتها على هذا الوجه ليدعى بها: الله الرب الإله الواحد الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الأول الآخر الظاهر الباطن الحي القيوم العلي العظيم التواب الحكيم الواسع الحليم الشاكر العليم الغني (جـ) الكريم العفو القدير اللطيف الخبر السميع البصير المولى (د) النصير القريب المجب الرقيب الحسيب القوي الشهيد الحميد المجيد المحيط الحفيظ الحق المبين الغفار القهار الخلاق الفتاح الودود الغفور الرءوف الشكور الكبير المتعال المقيت المستعان الوهاب الحفي الوارث الولي القائم القادر الغالب القاهر البر الحافظ الأحد الصمد المليك المقتدر الوكيل الهادي الكفيل الكافي الأكرم الأعلى
стр. 3951
الرزاق ذو القوة المتين غافر إلذنب قابل التوب شديد العقاب ذو الطول رفيع الدرجات سريع الحساب (أعالم الغيب والشهادة أ) فاطر السماوات والأرض بديع السماوات والأرض نور السماوات والأرض مالك الملك ذو الجلال والإكرام.
وهذه الأسماء مائة واثنان (ب)، وإذا ضم ما ثبت في الأحاديث إلى هذه المنتزعة من القرآن كانت زائدة على المائة زيادة كبيرة، وهذا أيضًا مما يدل على أنها غير منحصرة في العدد المذكور.
والحديث فيه دلالة على أن هذه (جـ الأسماء لله جـ) تعالى، فإذا وقع الحلف بأي اسم منها انعقدت به اليمين، وفيها التفصيل الذي قد مر في شرح حديث: "لا ومقلب القلوب".
١١٤٧ - وعن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا. فقد أبلغ في الثناء". أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان (١).
قوله: "معروف". هو ضد المنكر، والمراد: من أحسن إليه.
стр. 3952
وقوله: "فقد أبلغ في الثناء". يدل على أن الدعاء للمحسن مكافأة له على إحسانه، وقد ورد في الحديث أن الدعاء إذا عجز عن المكافأة مكافأة.
وذكر هذا الحديث في هذا الباب غير مناسب. والله أعلم.
١١٤٨ - وعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ ، أنه نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل". متفق عليه (١).
قوله: نهى عن النذر. هذا أول الكلام في النذور، والنذر في اللغة: التزام خير أو شر، وفي الشرع: التزام المكلف شيئًا لم يكن عليه، منجزا أو معلقا، وهو قسمان: نذر تبرر ونذر لجاج، ونذر التبرر قسمان، أحدهما، ما يتقرب به ابتداء: لله عليَّ أن أصوم (أ) كذا. ويلحق به ما إذا قال: لله عليَّ أن أصوم كذا شكرًا لله على ما أنعم به من شفاء مريضي. والثاني، ما يتقرب به معلقا بشيء ينتفع به إذا حصل له، كـ: إن قدم غائبي، أو كفاني شر عدوي، فعليَّ صوم كذا. مثلًا.
ونذر اللجاج وهو ما كان معلقا على فعل شيء أو تركه، وهو قسمان؛ أحدهما، أن يعلقه على فعل حرام أو ترك واجب، فلا ينعقد في الراجح إلا إذا كان فرض كفاية وكان في فعله مشقة فيلزمه، ويلحق به ما يعلقه (ب) على
стр. 3953
فعل مكروه. والثاني، ما يعلقه (أ) على فعل خلاف الأولى أو مباح أو ترك مستحب؛ وفيه ثلاثة أقوال للعلماء؛ الوفاء، أو كفارة يمين، أو التخيير بينهما. واختلف الترجيح عند الشافعية، وكذا عند الحنابلة، وجزم الحنفية بكفارة اليمين في الجميع، والمالكية بأنه لا ينعقد أصلا.
وقوله: نهى عن النذر. ظاهر الحديث النهي عن النذر على جهة الإطلاق، وقد اختلف العلماء في هذا النهي؛ فمنهم من حمله على ظاهره، ومنهم من تأوَّله؛ قال ابن الأثير في "النهاية" (١): تكرر النهي عن النذر في الحديث هو تأكيد لأمره وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال لحكمه وإسقاط للزوم الوفاء به إذ (ب) كان بالنهي يصير معصية فلا يلزم، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك الأمر لا يجر لهم في العاجل نفعا، ولا يصرف عنهم ضَرًّا، ولا يغير قضاء، فقال: لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئًا لم يقدر الله لكم أو [تصرفون] (جـ) عنكم ما قدره عليكم، فإذا نذرتم فاخرجوا [عنه] (د) بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم. انتهى.
ونسبه (هـ) بعض شراح "المصابيح" إلى الخطابي، وأصله من (و) كلام أبي
стр. 3954
[عبيد] (أ) فيما نقله ابن المنذر في كتابه "الكبير"، وذلك معنى ما ذكر، وقال المازري (١): ذهب بعض علمائنا إلى أن الغرض بهذا الحديث التحفظ في النذر والحض على الوفاء به. قال: وهذا عندي بعيد من ظاهر الحديث. قال: ويحتمل عندي أن يكون وجه الحديث أن الناذر يأتي بالقربة مستثقلا لها لما صارت عليه ضربة لازب (٢)، فلا ينشط للفعل نشاط مطلق الاختيار، أو لأن الناذر يصير القربة كالعوض عن المنذور لأجله فلا تكون (ب) خالصة. ويدل عليه قوله: "إنه لا يأتي بخير". وقوله: "إنه لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره" (٣). وهذا الاحتمال يخص نذر المجازاة، وقال القاضي عياض (٤): إن المعنى أنه لا يغالب القدر، والنهي لخشية أن يقع في ظن بعض الجهلة ذلك. وذهب مالك إلى أن النذر مباح إلا (جـ) إذا كان مؤبدا. قال القاضي (٥): وقوله: "لا يأتي بخير" أي أن عقباه لا تحمد، وقد يتعذر الوفاء به، أو أنه لا يكون سببا لخير لم يقدر فيكون مباحا.
стр. 3955
وذهب أكثر الشافعية ونقله أبو علي السنجي (أ) عن نص الإمام الشافعي، أن النذر مكروه؛ لثبوت النهي عنه، وكذا نقل عن المالكية وجزم به عنهم ابن دقيق العيد (١)، وأشار ابن العربي (٢) إلى الخلاف عنهم، والجزم عن الشافعية بالكراهة، قال: واحتجوا بأنه ليس طاعة محضة؛ لأنه لم يقصد خالص القربة، وإنما قصد أن ينفع نفسه أو يدفع عنها ضررًا بما التزم. وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم، وتوقف بعضهم في صحتها، وقال الترمذي (٣) بعد أن ترجم كراهة النذر وأورد حديث أبي هريرة، ثم قال: وفي الباب عن ابن عمر: العمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، كرهوا النذر. وكذا قال ابن المبارك: يكره النذر في الطاعة وفي المعصية؛ فإن نذر بالطاعة ووفى بالنذر كان له الأجر.
قال ابن دقيق العيد (٤): وفيه إشكال على القواعد، فإنه يقتضي أن الوسيلة إلى الطاعة طاعة كما أن الوسيلة إلى المعصية معصية، والنذر وسيلة إلى التزام القربة، فيلزم أن يكون قربة، إلا أن الحديث دل على الكراهة. ثم قال: الكراهة في نذر المجازاة، وأما نذر الابتداء فهو قربة محضة. وقال ابن أبي الدم (٥): هو خلاف الأولى وليس بمكروه. وأورد عليه بأن خلاف
стр. 3956
الأولى ما اندرج في عموم نهي، والمكروه ما نهي عنه بخصوصه، وقد ثبت النهي عن النذر بخصوصه فيكون مكروها. وذهب النووي في "شرح المهذب" (١) إلى أن النذر مستحب، وقال: إذا تلفظ به في الصلاة لا يبطلها؛ لأنها مناجاة لله تعالى فأشبهت الدعاء.
قال المصنف (٢) رحمه الله تعالى: وأنا أتعجب ممن انطلق لسانه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت النهي الصريح، فأقل درجاته أن يكون مكروها. وجمع ابن الرَّفعة بين قول من قال بالاستحباب وبالكراهة، بأن الكراهة في نذر المجازاة، والاستحباب في نذر الابتداء. وجزم به القرطبي (٢) وتأول أحاديث النهي به (٣)، قال: وهذه حالة البخيل الذي لا يخرج من ماله شيئًا إلا بعوض (أ) عاجل، وهذا المشار إليه في الحديث. قال: وقد ينضم إليه اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب (ب) حصول الغرض، أو أن الله تعالى يفعل ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وقد أشار إليه في الحديث؛ فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئًا، والحالة الأولى كفر أو تقارب الكفر، والثانية خطأ صريح، واختار التحريم في حق من له الاعتقاد الفاسد، والكراهة في حق غيره.
وقد أخرج الطبري (٤) بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ
стр. 3957
بِالنَّذْرِ﴾ (١). قال: كانوا ينذرون طاعة الله تعالى من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وما افترض عليهم، [فسَمّاهم] (أ) الله تعالى أبرارًا.
وقوله: "إنه لا يأتي بخير". بإثبات الياء لأكثر الرواة، ووقع في بعض النسخ (٢): "لا يأت". بغير ياء، وليس بلحن، لأنه قد سمع في (ب) كلام العرب نظيره، والباء في: "بخير". يحتمل أن تكون لتعدية (جـ): "يأتي". والمعنى: لا يجلب خيرا؛ لأن المقدور كائن لا محالة، ويحتمل أن تكون للسببية (د)، بمعنى أنه لا يحصل بسبب خير في نفس الناذر، لأنه إنما (هـ) فعله لتحصيل مراده لا لغرض التقرب إلى الله تعالى.
وقوله: "وإنما يستخرج به (و) من البخيل". على البناء للمفعول في رواية مالك وابن ماجه والنسائي (٣)، وفي لفظ (٤): "ولكنه شيء يستخرج به من البخيل". وفي رواية للبخاري (٥): "يستخرج الله به من البخيل". وقد جاء الحديث بألفاظ كثيرة. قال ابن العربي (٦): في الحديث دلالة على وجوب
стр. 3958
الوفاء بما التزمه الناذر؛ لأن الحديث نص على ذلك؛ لأنه لو لم يلزمه إخراجه لما تم المراد من استخراج مال البخيل.
وقد تعارض هذا الحديث بما أخرجه الترمذي (١) من حديث أنس، أن الصدقة تدفع ميتة السوء. ويجمع بينهما بأن الصدقة تكون سببا لدفع ميتة السوء، والأسباب مقدرة كالمسببات، وقد قال ﷺ لمن سأله عن الرقى: هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: "هي من قدر الله". أخرجه أبو داود والحاكم (٢)، ونحوه قول عمر (٣): نفر من قدر الله إلى قدر الله. ومثل ذلك مشروعية الطب والتداوي.
وقال ابن العربي (٤): النذر شبيه بالدعاء؛ فإنه لا يرد القدر ولكنه من القدر، وقد ندب إلى الدعاء ونهي عن النذر؛ وذلك لأن الدعاء عبادة عاجلة ويظهر به التوجه إلى الله تعالى والتضرع والخضوع، والنذر فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول وترك العمل (أ) إلى حين الضرورة.
١١٤٩ - وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر كفارة يمين". رواه مسلم (٥)، وزاد الترمذي (٦) فيه:
стр. 3959
"إذا لم يُسم". وصححه، ولأبي داود (١) من حديث ابن عباس مرفوعًا: "من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين". وإسناده صحيح إلا أن الحفاظ رجحوا وقفه. وللبخاري (٢) من حديث عائشة ﵂: "ومن نذر أن يعصي الله تعالى فلا يعصه". ولمسلم (٣) من حديث عمران: "لا وفاء لنذر في معصية".
قوله: "كفارة النذر كفارة يمين". ظاهر الحديث أن النذر سواء كان بمال الناذر جميعه، أو ببعضه، أو بمال في الذمة، أو بفعل من الأفعال، أو خرج مخرج الأيمان، كفارته كفارة يمين، ولا يجب الوفاء بما نذر به، وقد ذهب إلى هذا جماعة من فقهاء أهل الحديث، كذا قال النووي (٤)، وقال البيهقي (٥) في باب من جعل شيئًا من ماله صدقة أو في سبيل الله أو في رتاج الكعبة (أ) على معاني الأيمان: قال الشافعي رحمه الله تعالى: والذي يذهب إليه عطاء أنه يجزئه من ذلك كفارة يمين، ومن قال هذا القول قاله في كل ما حنث فيه سواء عتق أو طلاق، وهو مذهب عائشة ومذهب عدد من
стр. 3960
الصحابة. ثم أخرج (١) عن عطاء عن عائشة في رجل جعل ماله في المساكين صدقة، قالت: كفارة يمين. وأخرج (١) عن (أ) صفية أنها سمعت عائشة وإنسان يسألها عن الذي يقول: كل ماله في سبيل الله. أو: كل ماله في رتاج الكعبة. ما يكفر ذلك؟ قالت عائشة: يكفره ما يكفر اليمين. وأخرج (١) عن عائشة أن رجلا أو امرأة سألتها عن شيء كان بينها وبين ذي قرابة لها، فحلفت إن كلمته فمالها في رتاج الكعبة. فقالت عائشة ﵂: يكفره ما يكفر اليمين. وأخرج (٢) عن سعيد بن المسيب، أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال: لئن عدت تسألني القسمة لم أكلمك أبدًا. أو: كل مال لي في رتاج الكعبة. فقال عمر ﵁: إن الكعبة لغنية عن مالك، كفر عن يمينك، وكلم أخاك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لم تملك". وأخرج (٢) من طريق البخاري من حديث أبي رافع أنه كان مملوكا لابنة عم عمر بن الخطاب فحلفت أن مالها في المساكين صدقة. فقال ابن عمر: كفري يمينك. وأخرج (٢) عن عائشة وأم سلمة مثله. قال البيهقي (٢): وهذا في غير العتق، فقد روي عن ابن عمر من وجه آخر أن العتاق يقع. وكذلك عن ابن عباس، وأخرج (٣) عن عمر وعائشة في الرجل يحلف بالمشي، أو ماله في المساكين، أو في رتاج الكعبة، أنها يمين يكفرها إطعام عشرة مساكين. وأخرج