الأولى ما اندرج في عموم نهي، والمكروه ما نهي عنه بخصوصه، وقد ثبت النهي عن النذر بخصوصه فيكون مكروها. وذهب النووي في "شرح المهذب" (١) إلى أن النذر مستحب، وقال: إذا تلفظ به في الصلاة لا يبطلها؛ لأنها مناجاة لله تعالى فأشبهت الدعاء.
قال المصنف (٢) رحمه الله تعالى: وأنا أتعجب ممن انطلق لسانه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت النهي الصريح، فأقل درجاته أن يكون مكروها. وجمع ابن الرَّفعة بين قول من قال بالاستحباب وبالكراهة، بأن الكراهة في نذر المجازاة، والاستحباب في نذر الابتداء. وجزم به القرطبي (٢) وتأول أحاديث النهي به (٣)، قال: وهذه حالة البخيل الذي لا يخرج من ماله شيئًا إلا بعوض (أ) عاجل، وهذا المشار إليه في الحديث. قال: وقد ينضم إليه اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب (ب) حصول الغرض، أو أن الله تعالى يفعل ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وقد أشار إليه في الحديث؛ فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئًا، والحالة الأولى كفر أو تقارب الكفر، والثانية خطأ صريح، واختار التحريم في حق من له الاعتقاد الفاسد، والكراهة في حق غيره.
وقد أخرج الطبري (٤) بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ
стр. 3957
بِالنَّذْرِ﴾ (١). قال: كانوا ينذرون طاعة الله تعالى من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وما افترض عليهم، [فسَمّاهم] (أ) الله تعالى أبرارًا.
وقوله: "إنه لا يأتي بخير". بإثبات الياء لأكثر الرواة، ووقع في بعض النسخ (٢): "لا يأت". بغير ياء، وليس بلحن، لأنه قد سمع في (ب) كلام العرب نظيره، والباء في: "بخير". يحتمل أن تكون لتعدية (جـ): "يأتي". والمعنى: لا يجلب خيرا؛ لأن المقدور كائن لا محالة، ويحتمل أن تكون للسببية (د)، بمعنى أنه لا يحصل بسبب خير في نفس الناذر، لأنه إنما (هـ) فعله لتحصيل مراده لا لغرض التقرب إلى الله تعالى.
وقوله: "وإنما يستخرج به (و) من البخيل". على البناء للمفعول في رواية مالك وابن ماجه والنسائي (٣)، وفي لفظ (٤): "ولكنه شيء يستخرج به من البخيل". وفي رواية للبخاري (٥): "يستخرج الله به من البخيل". وقد جاء الحديث بألفاظ كثيرة. قال ابن العربي (٦): في الحديث دلالة على وجوب
стр. 3958
الوفاء بما التزمه الناذر؛ لأن الحديث نص على ذلك؛ لأنه لو لم يلزمه إخراجه لما تم المراد من استخراج مال البخيل.
وقد تعارض هذا الحديث بما أخرجه الترمذي (١) من حديث أنس، أن الصدقة تدفع ميتة السوء. ويجمع بينهما بأن الصدقة تكون سببا لدفع ميتة السوء، والأسباب مقدرة كالمسببات، وقد قال ﷺ لمن سأله عن الرقى: هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: "هي من قدر الله". أخرجه أبو داود والحاكم (٢)، ونحوه قول عمر (٣): نفر من قدر الله إلى قدر الله. ومثل ذلك مشروعية الطب والتداوي.
وقال ابن العربي (٤): النذر شبيه بالدعاء؛ فإنه لا يرد القدر ولكنه من القدر، وقد ندب إلى الدعاء ونهي عن النذر؛ وذلك لأن الدعاء عبادة عاجلة ويظهر به التوجه إلى الله تعالى والتضرع والخضوع، والنذر فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول وترك العمل (أ) إلى حين الضرورة.
١١٤٩ - وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر كفارة يمين". رواه مسلم (٥)، وزاد الترمذي (٦) فيه:
стр. 3959
"إذا لم يُسم". وصححه، ولأبي داود (١) من حديث ابن عباس مرفوعًا: "من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين". وإسناده صحيح إلا أن الحفاظ رجحوا وقفه. وللبخاري (٢) من حديث عائشة ﵂: "ومن نذر أن يعصي الله تعالى فلا يعصه". ولمسلم (٣) من حديث عمران: "لا وفاء لنذر في معصية".
قوله: "كفارة النذر كفارة يمين". ظاهر الحديث أن النذر سواء كان بمال الناذر جميعه، أو ببعضه، أو بمال في الذمة، أو بفعل من الأفعال، أو خرج مخرج الأيمان، كفارته كفارة يمين، ولا يجب الوفاء بما نذر به، وقد ذهب إلى هذا جماعة من فقهاء أهل الحديث، كذا قال النووي (٤)، وقال البيهقي (٥) في باب من جعل شيئًا من ماله صدقة أو في سبيل الله أو في رتاج الكعبة (أ) على معاني الأيمان: قال الشافعي رحمه الله تعالى: والذي يذهب إليه عطاء أنه يجزئه من ذلك كفارة يمين، ومن قال هذا القول قاله في كل ما حنث فيه سواء عتق أو طلاق، وهو مذهب عائشة ومذهب عدد من
стр. 3960
الصحابة. ثم أخرج (١) عن عطاء عن عائشة في رجل جعل ماله في المساكين صدقة، قالت: كفارة يمين. وأخرج (١) عن (أ) صفية أنها سمعت عائشة وإنسان يسألها عن الذي يقول: كل ماله في سبيل الله. أو: كل ماله في رتاج الكعبة. ما يكفر ذلك؟ قالت عائشة: يكفره ما يكفر اليمين. وأخرج (١) عن عائشة أن رجلا أو امرأة سألتها عن شيء كان بينها وبين ذي قرابة لها، فحلفت إن كلمته فمالها في رتاج الكعبة. فقالت عائشة ﵂: يكفره ما يكفر اليمين. وأخرج (٢) عن سعيد بن المسيب، أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال: لئن عدت تسألني القسمة لم أكلمك أبدًا. أو: كل مال لي في رتاج الكعبة. فقال عمر ﵁: إن الكعبة لغنية عن مالك، كفر عن يمينك، وكلم أخاك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لم تملك". وأخرج (٢) من طريق البخاري من حديث أبي رافع أنه كان مملوكا لابنة عم عمر بن الخطاب فحلفت أن مالها في المساكين صدقة. فقال ابن عمر: كفري يمينك. وأخرج (٢) عن عائشة وأم سلمة مثله. قال البيهقي (٢): وهذا في غير العتق، فقد روي عن ابن عمر من وجه آخر أن العتاق يقع. وكذلك عن ابن عباس، وأخرج (٣) عن عمر وعائشة في الرجل يحلف بالمشي، أو ماله في المساكين، أو في رتاج الكعبة، أنها يمين يكفرها إطعام عشرة مساكين. وأخرج
стр. 3961
الشافعي (١) في المشي إلى الكعبهْ عن عطاء، أنه يكفر كفارة يمين. وأخرج البيهقي (٢) عن عطاء فيمن قال: هو محرم بحجة. فحنث: كفارة يمين. قال البيهقي: من قال بهذا القول يشبه أن يحتج. وذكر حديث مسلم المتقدم وحديث عمرو بن شعيب: "إنما النذر ما ابتغي به وجه الله". مرفوعًا.
وذهب غيرهم إلى تفصيل المنذور به؛ فإن كان المنذور به فعلا، فالفعل إن كان غير مقدور فهو غير منعقد، وإن كان مقدوزا فإن كان جنسه واجبا لزم الوفاء به عند الهدوية، ومالك، وأحد قولي الناصر، وأحد قولي الشافعي، وعند أبي حنيفة وأصحابه. وذهب المروزي، والصيرفي، وأحد قولي الشافعي إلى أنه لا ينعقد النذر المطلق بل يصير يمينا فيكفر. هكذا حكى الخلاف في "البحر"، وذهب داود وأهل الظاهر، وذكر النووي في "شرح مسلم" (٣) ما لفظه: أجمع المسلمون على صحة النذر ووجوب الوفاء به إذا كان الملتزم طاعة، فإن كان معصية أو مباحا؛ كدخول السوق لم ينعقد النذر ولا كفارة عليه عندنا. وبه قال جمهور العلماء، وقال أحمد وطائفة: فيه كفارة يمين. قال: وأما الحقوق المالية فمجمع عليها وأما البدنية ففيها خلاف قدمناه في مواضع من هذا الكتاب. ثم قال (٤) في قوله ﷺ : "كفارة النذر كفارة يمين": اختلف العلماء في المراد به، فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج فهو مخير بين الوفاء بالنذر أو الكفارة، وحمله مالك وكثيرون -أو الأكثرون- على النذر المطلق كقوله: عليّ نذر. وحمله
стр. 3962
جماعة من فقهاء الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع أنواع المنذورات بين الوفاء بما التزم ولنن كفارة يمين. انتهى كلامه، ولا يخفى ما فيه من التدافع، ثم حكى في "البحر" الخلاف فيما إذا خرج مخرج اليمين؛ فروى عن مذهب الهدوية أنه يلزم الوفاء به، قال: لعموم الدليل. وحكى عن الصادق والباقر والناصر والشافعي أنه يخير بيين الوفاء والكفارة. قال الإمام المهدي: وهو قوي. وقيل: لا يلزمه وفاء ولا كفارة، إذ شرط النذر القربة، ولا قربة هنا. قلنا: الخبر، وهو قوله ﷺ : "إن شاء وفى وإن شاء كفَّر". أولى. وقال في النذر بالمال: إنه ينفذ من الثلث إذ هو في أصل شرعه قربة تعلقت بالمال كالوصية. قلت: ولخبر صاحب (أ) بيضة الذهب (١). وقال المؤيد: بل من جميع المال كالهبة. وقال الشافعي: بل يخير بين الوفاء والتكفير في المطلق لما مر. وقال النخعي والحكم بن زياد: لا شيء عليه. وقال ربيعة: بل يتصدق بقدر الزكاة إذ لم يوجب الله سبحانه في المال سواها. هكذا حكى الخلاف.
وذكر ابن رشد في "نهاية المجتهد" (٢) في تحقيق الخلاف في هذه المسألة ما حاصله أنه وقع الاتفاق على لزوم النذر بالمال إذا كان في سبيل البر وكان على جهة الخبر، وإن كان على جهة الشرط؛ فقال مالك: يلزم كالخبر، ولا كفارة يمين في ذلك، إلا أنه إذا نذر بجميع ماله لزمه ثلث ماله إذا كان مطلقا، وإن كان معينا المنذور به لزمه وإن كان جميع ماله، وكذا إذا كان
стр. 3963
المعين أكثر من الثلث. وذهب الشافعي إلى أنه تجب كفارة يمين لأنه ألحقها بالأيمان، وذهب قوم أنه إذا نذر بجميع ماله لزمه إخراج الكل. وبه قال إبراهيم النخعي وزفر، وقال أبو حنيفة: يخرج جميع الأموال التي تحب الزكاة فيها. وقال بعضهم: إن أخرج مثل زكاة ماله أجزأه. وفي المسألة قول خامس، وهو أنه إذا كان المال كثيرا أخرج خمسه، وإن كان وسطا أخرج سُبُعه، وإن كان يسيرا أخرج عشره. وحدَّ هؤلاء الكثير بألفين، والوسط بألف، والقليل بخمسمائة، وذلك مروي عن قتادة، فمن قال: يخرج جميع ماله. فقياسًا على النذر الذي لم يكن مشروطا، ومن قال بالثلث فلقوله ﷺ في حديث أبي لبابة (١) وقد أراد أن يتصدق بماله كله: "يجزئك من ذلك الثلث". وكذلك حديث (٢) صاحب بيضة ذهب وقد قال للنبي ﷺ : أصبت هذه من معدن، فخذها فهي صدقة، ما أملك غيرها. فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، ثم جاءه عن يمينه، ثم عن يساره، ثم من خلفه، فأخذها رسول الله ﷺ وحذفه بها، فلو أصابه بها لأوجعه، فقال ﷺ : "يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذا صدقة. ثم يقعد يتكفف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غِنى". وهذا الحديث يكون حجة لمن يقول: إن النذر لا يلزم ولو لم يكن مشروطا بشرط، ويوافق حديث عقبة بن عامر الذي مر. انتهى. وقال في النذر المطلق حيث يقول الناذر: لله عليَّ نذر: قال كثير من العلماء: في ذلك كفارة يمين لا غير. وقال قوم: فيه كفارة الظهار. وقال قوم: فيه أقل ما ينطلق عليه الاسم من القُرب؛ صيام يوم، أو
стр. 3964
صلاة ركعتين. وإنما صار الجمهور إلى وجوب كفارة اليمين للثابت من حديث عقبة بن عامر: "كفارة النذر كفارة يمين". وغيرهم اقتصر على أقل ما ينطلق عليه اسم النذر وهو صلاة ركعتين، وصيام يوم، وأما كفارة الظهار فخارج عن القياس. انتهى.
وقوله: "من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين". تقدم الكلام فيه من كلام "نهاية المجتهد". وهو قول الجمهور.
وقوله: "من نذر نذرا في معصية". الحديث فيه دلالة على وجوب الكفارة ولو فعل المعصية، قد ذهب إلى هذا السيد يحيى من الهدوية، واستقواه الإمام المهدي في "البحر"، قال: لولا القياس. يعني القياس على سائر المنذورات أنها إذا فعلت سقطت الكفارة. ويجاب عنه بأن النص أرجح من القياس.
وقوله: "ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين". الحديث فيه دلالة على أنه لا يصح النذر بما لا يقدر على فعله، وظاهره حيث كان غير مقدور عقلا؛ كصعود السماء، وصوم أمس، فإن كان غير مقدور شرعا، كحجتين في عام واحد، لزمه حجتان في عامين، وكذا صوم يومين في يوم، لزمه صوم يوم واحد، وذكر بعض مفرعي الهدوية أنه لا بد أن يكون مقدورًا عقلًا وشرعًا. وقال ابن الصباغ: إن للشافعي قولين في صوم أمس. وقال الإمام يحيى: بل قول واحد أنه لا ينعقد.
وقوله في حديث عائشة: "فلا تعصه". وحديث عمران بن حصين: "لا وفاء لنذر في معصية الله تعالى". يدل على أن النذر بالمعصية لا ينعقد ولا يلزمه كفارة يمين ولا غيرها. وقد ذهب إلى هذا الشافعي ومالك وأبو
стр. 3965
حنيفة وداود وجمهور العلماء، وذهب الهدوية وأحمد بن حنبل إلى وجوب الكفارة؛ لحديث ابن عباس وحديث عمران بن حصين وعائشة مرفوعًا: "لا نذر في معصية وكفارتة كفارة يمين". وأجيب عنه بأن حديث ابن عباس الراجح وقفه، وحديث عمران وعائشة ضعيف باتفاق المحدثين، كذا قال النووي (١). قال المصنف رحمه الله تعالى (٢): قد صححه الطحاوي (٣)، فأين الاتفاق؟! وزيادة حديث عمران: "وكفارته كفارة يمين". هذا الحديث بهذه الزيادة رواه النسائي والحاكم والبيهقي (٤)، ومداره على محمد بن الزبير الحنظلي (٥) وليس بالقوي وهو وأبوه (٦) مجهولان. وقد وقع في (١) طريق حديث عمران وقد اختلف عليه فيه، وله طريق أخرى إسنادها صحيح إلا أنه معلول، ورواه الأربعة (٧) من حديث عائشة وفيه سليمان بن أرقم متروك (٨). ورواه الدارقطني (٩) وفي سنده غالب بن [عبيد الله] (١) الجزري وهو متروك (١٠)،
стр. 3966
ورواه أبو داود (١) من حديث ابن عباس وإسناده حسن، لكن قال أبو داود: وقفه أصح.
١١٥٠ - وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية، فقال رسول الله ﷺ : "لتمش ولتركب". متفق عليه (٢) واللفظ لمسلم، ولأحمد والأربعة (٣): فقال: "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، مرها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام".
الحديث فيه دلالة على أن النذر بالمشي إلى بيت الله لا يلزم الناذر، وله أن يركب وإن أطاق المشي، وقد ذهب إلى هذا الشافعي، كذا ذكر عن الشافعي الإمام المهدي، ولكن يلزم دم إذا كان الركوب لغير العجز، وذهب الهدوية إلى أنه لا يجوز الركوب مع القدرة على المشي، فإذا عجز جاز الركوب ولزمه دم، وحديث أخت عقبة وإن جاءت الرواية مطلقة فقد رواها أبو داود (٤) مبينة أنها ركبت للعجز. قال: إن أختي نذرت أن تحج ماشية، وإنها لا تطيق. فقال رسول الله ﷺ : "إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب ولتهد بَدَنة". فيتأول قوله: "لتمش ولتركب". أي تمشي إن
стр. 3967
استطاعت، وتركب في الوقت الذي لا تستطع المشي فيه، أو لحقها مشقة ظاهرة فتركب. وحديث أبي إسرائيل (١) وقد رآه النبي ﷺ يهادى بين ابنيه، فقال النبي ﷺ : "ما بال هذا؟ " فقالوا: نذر أن يمشي. فقال: "إن الله غني عن تعذيب هذا نفسه". وأمره أن يركب، فالأمر بالركوب للعجز.
وقوله: "مرها فلتختمر". وقع في الرواية أنها نذرت أن تحج لله ماشية غير مختمرة، قال: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "مر أختك فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام". وأخرجه البيهقي (٢) وفي إسناده اختلاف، والأمر بالصيام ثلاثة أيام لعله للنذر بعدم الاختمار، وهو نذر معصية، فوجب كفارة يمين، وأما الركوب فلم يذكر الهدي لأجله، وقد جاءت فيه روايات مختلفة، قال البخاري (٢): لا يصح في حديث عقبة بن عامر الأمر بالهدي. وقد أخرج أبو داود (٣) من حديث ابن عباس، أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى البيت، فأمرها رسول الله ﷺ أن تركب وتهدي هديا. قال ابن دقيق العيد: إسناده على شرط الشيخين.
١١٥١ - وعن ابن عباس ﵁ قال: استفتى سعد بن عبادة رسول الله ﷺ في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال: "اقضه عنها". متفق عليه (٤). الحديث.
стр. 3968
قوله: في نذر. لم يبين في هذه الرواية النذر ما هو، وقد جاء في رواية: أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟ قال: "أعتق عن أمك". فظاهر هذه الرواية أن المنذور به عتق، وإن كان يحتمل أنها نذرت نذرًا مطلقا غير معين، فيكون في الحديث حجة لمن قال: يلزم في النذر المطلق كفارة يمين. والإعتاق أعلى كفارات الأيمان، فلذلك أمره أن يعتق عنها، وذهب بعضهم إلى أن النذر كان صومًا، واستند إلى حديث ابن عباس أن رجلا قال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم. الحديث، ورده ابن عبد البر (١) بأن هذا في سؤال امرأة؛ فإن في بعض رواياته عن ابن عباس: جاءت امرأة فقالت: إن أختي ماتت. ورجح المصنف رحمه الله تعالى (٢) أنهما قضيتان، وكذلك ما أخرجه النسائي (٣) عن سعد بن عبادة قال: قلت: يا رسول الله، إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؛ قال: "نعم". قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: "سقي الماء". وأخرجه الدارقطني (٤) في "غرائب مالك"، فيكون في شأنها الأمران؛ قضاء النذر عنها والصدقة.
وفي الحديث دلالة على أنه ينفع الميت ما فعله غيره عنه من واجب أو تطوع كما في رواية النسائي، وقد تقدم الكلام عليه في آخر كتاب الجنائز (٥).
стр. 3969
وقد يفهم من الحديث أن الوصية لمن كان فقيرا غير واجبة عليه؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليها ترك الوصية، ولكنه قد يجاب عنه بأنه لا فائدة للإنكار؛ لتعذر الفعل بالموت، إلا أن يقال: فائدته تعريف الغير وجوب الوصية، فلما أقر عليه دل على عدم الوجوب.
وأم سعد هي عمرة بنت مسعود -وقيل: سعد- بن قيس بن عمرو، أنصارية خزرجية، ذكر ابن سعد (١) أنها أسلمت وبايعت، وماتت سنة خمس والنبي ﷺ في غزوة دومة الجندل وابنها سعد بن عبادة معه. قال: فلما رجعوا جاء النبي ﷺ يصلي على قبرها. وعلى هذا فالحديث مرسل صحابي؛ لأن ابن عباس كان حينئذ مع أبويه بمكة، ويمكن أنه سمعه من سعد بن عبادة، وقد جاء في رواية سليمان بن كثير (٢)، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن سعد بن عبادة، أنه استفتى. الحديث.
واعلم أن مذهب الجمهور أنه لا يلزم الوارث أن يقضي عن الميت النذر إذا كان غير مالي، وكذا المالي إذا لم يُخَلِّفْ تركة، لكن يستحب، وقال أهل الظاهر: يلزمه ذلك، لحديث سعد. والجواب أنه لا دلالة فيه على وجوب ذلك، ولعله تبرع بذلك عنها برًّا منه لها، أو كان لها مال فقضاه من مالها.
١١٥٢ - وعن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلا ببُوانة، فأتى رسول الله ﷺ يسأله، فقال: "هل كان فيها
стр. 3970
وثن يعبد؟ ". قال: لا. قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ ". فقال: لا. فقال: "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ولا فيما لا يملك ابن آدم". رواه أبو داود والطبراني (١) واللفظ له، وهو صحيح الإسناد، وله شاهد من حديث كَردَم عند أحمد (٢).
هو ثابت بن الضحاك [الأشهلي] (أ)، قال البخاري (٣): إنه ممن بايع تحت الشجرة، حدث عنه أبو قلابة وغيره، توفي سنة خمس وأربعين.
وأخرجه أبو داود (٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ورواه ابن ماجه (٥) من حديث ابن عباس. ورواه أحمد (٦) في "مسنده" من حديث عمرو بن شعيب، عن ابنة كردم، عن أبيها أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر ثلاثة من إبلي. فقال: "إن كان على وثن من أوثان الجاهلية فلا". وفي لفظ لابن ماجه (٧): عن ميمونة بنت كردم الثقفية أن أباها لقي النبي ﷺ وهي رَديفة كَردَم وقال: إنىِ نذرت أن أنحر ببُوانة. فقال: "فهل فيها وثن؟ ". قال: لا. قال: "فأوف بنذرك".
стр. 3971
وبُوانة بضم الباء الموحدة وبعد الألف نون، موضع بين الشام وديار بكر. قاله أبو عبيد (١)، وقال البغوي: أسفل مكة دون يلملم. وقال المنذري: هضبة من وراء ينبع. وكذا في "النهاية" (٢).
الحديث فيه دلالة على أنه إذا نذر بفعل صدقة أو غيرها في محل معين، فإذا كان فعله في ذلك المحل جائزا لا يشوبه شيء من أعمال الجاهلية لزم الناذر الوفاء بذلك، وقد ذهب إلى أنه يتعين المكان المنذور بالفعل فيه المنصور بالله وأبو مضر من الهدوية، وظاهر الأثر يدل عليه، ولكنه يعارَض بحديث: "لا تشد الرحال". وسيأتي، فيكون قرينة على أن الأمر هنا للندب جمعا بين الأحاديث.
١١٥٣ - وعن جابر ﵁ أن رجلا قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت القدس. فقال: "صل ها هنا". فسأله، فقال: "صل ها هنا". فسأله، فقال: "شأنك إذن". رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم (٣).
وأخرج الحديث البيهقي (٤)، وصححه أيضًا ابن دقيق العيد في "الاقتراح".
الحديث فيه دلالة على أن المكان لا يتعين في النذر وإن عين.
١١٥٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال:
стр. 3972
"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي". متفق عليه (١) واللفظ للبخاري.
تقدم الكلام في الحديث في آخر باب الاعتكاف (٢)، ولعل المصنف رحمه الله تعالى ذكره للتنبيه على أن النذر لا يتعين فيه المكان في غير الثلاثة المساجد، وقد ذهب مالك والشافعي إلى أنه يلزم الوفاء بالنذر بالصلاة في الثلاثة المساجد، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الوفاء، وله أن يصلي في أي محل شاء. وإنما يجب عنده المشي إلى المسجد الحرام إذا كان لحج أو عمرة، وقال أبو يوسف: من نذر بالصلاة في بيت المقدس ومسجد النبي ﷺ أجزأه الصلاة في المسجد الحرام عن ذلك. وما عدا هذه الثلاثة المساجد فأكثر الناس على أنه لا يلزم، وذهب بعض إلى أن النذر إلى غير الثلاثة مما له فضل زائد يلزم؛ لما روي من فتوى ابن عباس في المرأة التي نذرت أن تمشي إلى مسجد قباء فماتت، فقال لولدها: امش عنها. وقد تقدم الكلام في آخر كتاب الاعتكاف.
١١٥٥ - وعن عمر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. قال: "أوف بنذرك". متفق عليه (٣) وزاد البخاري (٤) في رواية: "فاعتكف ليلة".
стр. 3973
الحديث فيه دلالة على وجوب الوفاء بالنذر من الكافر متى أسلم، وقد ذهب إلى هذا بعض أصحاب الشافعي والمغيرة المخزومي وأبو ثور والبخاري وابن جرير. وذهب الجمهور إلى أنه لا ينعقد النذر من الكافر، قال الطحاوي: لا يصح منه التقرب بالعبادة، ولكنه يحتمل أن النبي ﷺ فهم من عمر أنه سمح بفعل ما كان نذر فأمره به، لأن فعله طاعة وليس هو ما كان نذر به في الجاهلية. وقال بعض المالكية: إنما أمره بالوفاء استحبابا وإن كان التزمه في حال لا ينعقد فيها. قال عمر: ولم أعتكف إلا بعد حنين.
وقد استدل به على أن الاعتكاف لا يلزمه الصوم، إذ الليل ليس ظرفا له، وتعقب بأن في رواية شعبة عن عبد الله عند مسلم (١): "يوما" بدل "ليلة" (أ)، وجمع ابن حبان (٢) وغيره بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يوما أراد بليلته، وقد ورد ذكر الصوم صريحا في رواية أبي داود والنسائي (٣): "اعتكف وصم". وهو ضعيف.
وفي الحديث حجة على من قال: أقل الاعتكاف عشرة أيام. وهو مالك، وعنه: يوم أو يومان.
وأراد بقوله: في الجاهلية. ما قبل بعثة النبي ﷺ ، وقد تقرر أنه نذر قبل إسلامه، وبين البعثة وإسلامه مدة.
стр. 3974
البدرُ التمام شرح بلوغ المرام
للإمام القاضي الحسين بن محمد المغربي
(١٠٤٨ هـ- ١١١٩ هـ)
تحقيق
علي بن عبد الله الزبن
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
قدم له
فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان
رئيس مجلس القضاء الأعلى
الجزء العاشر
стр. 3975
البدرُ التمام شرح بلوغ المرام
стр. 3976
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٨ - هـ-٢٠٠٧ م
стр. 3977
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب القضاء
القضاء [في اللغة] (أ) بالمد في الأصل بمعنى إحكام الشيء والفراغ منه؛ كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (١). وبمعنى إمضاء الأمر؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٢). وبمعنى الحتم والإلزام؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾ (٣). وبمعنى إمضاء الحكم، وسمي القاضي حاكما لأنه يمضي الأحكام. وشرعا: هو إلزام ذي الولاية بعد الترافع. وقيل: هو الإكراه بحكم الشرع في الوقائع الخاصة لمعين أو جهة. فخرج الفتيا بقوله: إلزام. إذ لا إلزام من المفتي، وبقيد الترافع يخرج إلزام من له ولاية بأمر شرعي؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبقوله: في الوقائع الخاصة. يخرج إلزام مثلًا بوجوب الصوم عموما، وقوله: أو جهة. يدخل فيه القضاء على بيت المال أوله؛ كالحكم بنفقة فقير في بيت المال أو بوجوب الدية، وله كالميراث لبيت المال، ويجوز أن يكون وجه تسميته بالقاضي لإيجابه الحكم على من وجب عليه، وتسميته حاكما لمنعه الظالم من المظلوم، يقال: حكمت الرجل وأحكمته إذا منعته. وسميت حَكَمة الدابة لمنعها [الدابة] (أ).
стр. 3978
والحُكم في اللغة قد استعمل بمعنى المنع ونقل إلى المعنى الشرعي، وهو الخطاب المتناول للأحكام الخمسة؛ لمنعها من فعل القبيح.
١١٥٦ - عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "القضاة ثلاثة؛ اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق ولم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار". رواه الأربعة وصححه الحاكم (١).
وقال الحاكم في "علوم الحديث": تفرد به الخراسانيون ورواته مراوزة. قال المصنف رحمه الله تعالى (٢): له [طرق] (أ) غير هذه [جمعتها] (ب) في جزء مفرد.
١١٥٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين". رواه أحمد والأربعة وصححه ابن خزيمة وابن حبان (٣).
стр. 3979
الحديث معناه التحذير من الدخول في القضاء والحرص عليه، كأنه يقول: من تصدى للقضاء فقد تعرض للذبح، فليحذره وليتوقه.
وقوله: "بغير سكين". يحتمل وجوها؛ أحدها: أن الذبح يكون عرفا وغالب عادته بالسكين، فعدل به عن ظاهر العرف ليعلم أن الخوف هلاك دين من تعرض لذلك. أو أراد أن الذبح [الوَحِيَّ] (أ) هو ما يقع بالسكين وفيه خلاص الذبيحة من الألم، فضرب الشارع المثل بذلك ليبعد طالبه عن طلبه والتعرض (ب) لشأنه. وقيل: ذبح ذبحا معنويا، وهو لازم له؛ لأنه إن (جـ) أصاب ورشد فقد أتعب نفسه في الدنيا؛ للوقوف للحق وطلبه واستقصاء ما يجب عليه رعايته في النظر في الحكم، والوقوف مع الخصمين بالتسوية بينهما (هـ في العدل هـ) والقسط، وإن أخطأ في ذلك لزمه عذاب الآخرة، فلا بدَّ له من التعب والنصب. قال أبو العباس أحمد بن القاص: ليس في الحديث كراهية القضاء وذمه، إذ الذبح بغير سكين مجاهدة النفس وترك
стр. 3980
الهوى، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ (١). وقد جاء في حديث أبي هريرة: "عليك بطريق قوم إذا فزع الناس أمِّنُوا". قلت: من هم يا رسول الله؟ قال: "هم قوم تركوا الدنيا فلم يكن في قلوبهم ما يشغلهم عن الله، قد أجهدوا أبدانهم، وذبحوا نفوسهم في طلب رضا الله" الحديث. فذكر من صفات هؤلاء الموصِي بمتابعتهم ذبح النفوس، فدل ذلك على عظم ما بذلوا نفوسهم لتحصيله وأنهكوها في رضا الله سبحانه، حتى صارت كأنها مذبوحة، فالحاكم المجتهد في إنفاذ ما (أ) أمر الله به (أ) سبحانه له هذه الفضيلة المضاهية لفضيلة الشهداء الذين لهم الجنة. والله سبحانه أعلم.
١١٥٨ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة". رواه البخاري (٢).
قوله: "على الإمارة". يدخل فيها الإمارة العظمى وهي الخلافة، والصغرى وهي الولاية على بعض البلاد، وهذا من أعلام النبوة؛ للإخبار به قبل وقوعه، ووقع كما أخبر به.
وقوله: "ندامة". أي على من لا يعمل فيها بما ينبغي. وزاد في رواية
стр. 3981
شبابة (١): "وحسرة". وجاء ذلك في رواية البزار والطبراني (٢) بسند صحيح عن عوف بن مالك بلفظ: "أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلا من عدل". وجاء في حديث أبي هريرة موقوفًا: الإمارة أولها ندامة، وأوسطها غرامة، وآخرها عذاب يوم القيامة. أخرجه الطبراني (٣)، وأخرج (٤) من حديث شداد بن أوس رفعه بلفظ: "أولها ملامة وثانيها ندامة". ومن حديث زيد بن ثابت (٥) رفعه: "نعم الإمارة لمن أخذها بحقها وحلها، وبئس الشيء الإمارة لمن أخذها بغير حقها، تكون عليه حسرة يوم القيامة". وهذا يقيد ما أطلق في (أ) الذي قبله، وهو مثلما أخرجه مسلم (٦) عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: "إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها". قال النووي (٧): هذا أصل عظيم في اجتناب الولاية، ولا سيما لمن كان فيه ضعف. وهو في حق من دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل، فإنه يندم على ما فرَط منه إذا جوزي [بالخزي] (٥) يوم القيامة، وأما من كان أهلا
стр. 3982
وعدل فيها فأجره عظيم، كما تظاهرت به الأخبار، ولكن في الدخول فيها خطر عظيم، ولذلك امتنع الأكابر منها.
وقوله: "فنعم المرضعة". الحديث. قال الداودي: أي نعمت المرضعة في الدنيا وبئست الفاطمة أي بعد الموت؛ لأنه يصير إلى المحاسبة على ذلك، فهو كالذي يفطم قبل أن يستغني، فيكون في ذلك هلاكه. وقال غيره: نعمت المرضعة؛ لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسية والوهمية حال حصولها، وبئست الفاطمة عند الانفصال عنها بموت أو غيره وما (أ) يترتب عليها من التبعات في الآخرة. وإنما ألحق التاء في "بئست" ولم يلحقها في "نعم" مع أن الفاعل فيهما مؤنث للافتنان (ب)؛ لما كان لحوق التاء بأفعال المدح والذم غير واجب، استعمل أحد الجائزين في لفظ والجائز الآخر في لفظ. وقال الصبي: تأنيث الإمارة غير حقيقي، فترك تأنيث "نعم" وألحقها بـ "بئس"، نظرا إلى كون الإمارة حينئذ داهية دهياء. قال: وإنما أنث المرضعة والفاطمة لما صوَّر قوة الحالتين المتجددتين في الإرضاع والفطام.
١١٥٩ - وعن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر". متفق عليه (١).
стр. 3983
قوله: "إذا حكم الحاكم". أي إذا أراد أن يحكم فاجتهد؛ لأن الاجتهاد مقدم على الحكم، ويحتمل أن يكون قوله: "فاجتهد". تفسيرًا لـ: "حكم". فتكون الفاء تفسيرية لا للتعقيب.
وقوله: "فأصاب" أي صادف ما في نفس الأمر من حكم الله تعالى.
"فله أجران" الحديث فيه دلالة على أن الحق عند الله تعالى واحد، وأن لله حكما معينا في كل جزئية، وأن المجتهد إذا أعمل فكره، واستقصى جهده في تحصيل حكم من الأحكام، فحصَّل فيه مطلبًا من تحريم أو تحليل، فإن وافق حكم الله تعالى كان مصيبا، وإن لم يوافق كان مخطئا، وقد ذهب إلى هذا أكثر أهل التحقيق من الفقهاء والمتكلمين، وهو مروي عن جماعة من قدماء أهل البيت وعن الأئمة الأربعة، وهو الأصح عن الشافعي، وفي كلمات الصحابة ﵃ ما يدل على ذلك، وفي قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (١) ما يدل على ذلك، وذهب جماعة من المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم وأبي الهذيل وأبي عبد الله البصري وقاضي القضاة، ومن أهل البيت كأبي طالب والمؤيد بالله والمنصور بالله وأحمد بن الحسين -إلى أن الحق غير متعين، وأنه ليس لله تعالى في الأحكام الفروعية الاجتهادية مراد معين، وإنما المطلوب من المجتهد العمل بما أدى إليه اجتهاده، فما أدى إليه اجتهاده فهو مراد الله تعالى منه، قالوا: لأن الأجر الذي حازه مع الخطأ إنما كان لأجل الإصابة للحق. قالوا: وتسميته مخطئا؛ لأن الكلام وارد في حق من اجتهد وأخطأ النص بغير تعمد، لا في الحكم الذي لا نص فيه. وقال
стр. 3984
القرطبي في "المفهم" -وما أحسن ما قال-: ينبغي أن يكون هذا الحكم المذكور في الحديث مختصًّا بالحاكم لا يتعداه إلى سائر المجتهدين؛ لأن الخصمين إذا تحاكما إلى حاكم فهناك حق معين في نفس الأمر يتنازعه الخصمان، فإذا قضي به لأحدهما بطل حق الآخر، فإذا كان المقضي له مبطلا فقد أخطأ الحاكم، والحاكم لا يطلع على ذلك، فهذه الصورة لا يختلف فيها بأن المصيب واحد لكون الحق واحدا أو في طرف واحد، وينبغي أن يختص الخلاف بأن المصيب واحد أو كل مجتهد مصيب بالمسائل التي يستخرج الحق منها بطريق الدلالة. انتهى.
قلت: ويؤيد هذا حديث أم سلمة: "إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت (أ) له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار". وسيأتي قرييا إن شاء الله تعالى (١).
وقوله: "فله أجران". أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، والذي أخطأ له أجر الاجتهاد فقط، وقد جاء في حديث عمرو بن العاص (٢) في الإصابة: "فلك عشر حسنات". وكذلك في حديث عقبة بن عامر (٣). وفي سند كل منهما ضعف.
стр. 3985
واعلم أن هذا الاختلاف في خطأ المجتهد وصوابه إنما هو في الاجتهاد في الفروع، فأما أصول الدين فالمصيب فيها واحد عند الأكثر، والخلاف في ذلك [لعبيد الله] (أ) بن الحسن العنبري وداود فصوبا المجتهدين فيه، وتأول العلماء قولهما بأنهما أرادا المجتهدين من أهل الملة دون مجتهدي اليهود والنصارى وغيرهم، وإن كان ظاهر احتجاجهم شاملا.
والحديث يدل على أن الحاكم لا يكون إلا مجتهدا، وهو المتمكن من أخذ الأحكام من الأدلة الشرعية، ولكنه يعِزُّ وجوده بل كاد يعدم بالكلية (ب)، ومع تعذره فمن شرطه أن يكون مقلدا مجتهدا في مذهب إمامه، ومن شرطه أن يتحقق أصول إمامه وأدلته، وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصا من مذهب إمامه، وأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له
стр. 3986
الحكم فإن حكم فأصاب اتفاقا فلا أجر له بل هو آثم، وهو أحد الثلاثة الذي مرَّ ذكرهم (١)، وهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها ولا يعذر في شيء من ذلك. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يكون عامِّيًّا. وحكي عن مذهب مالك. وقال الكرابيسي صاحب الشافعي في كتاب "أدب القضاء" (٢): لا أعلم بين (أ) العلماء ممن سلفى خلافا أن أحق
стр. 3987
الناس أن يقضي بين المسلمين من بان فضله وصدقه وعلمه وورعه، وأن يكون قارئا لكتاب الله تعالى، عالمًا بأكثر أحكامه، عالما بسنن رسول الله ﷺ ، حافظا لأكثرها، وكذا لأقوال الصحابة، عالما بالوفاق والخلاف وأقوال فقهاء التابعين، يعرف الصحيح من السقيم، يتبع في النوازل الكتاب، فإن لم يجد فالسنن, فإن لم يجد عمل بما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن ثم بالسنة ثم بفتوى أكابر الصحابة، ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم والمشاورة لهم، مع فضل وورع، ويكون حافظا للسانه و [بطنه] (أ) وفرجه فَهِمًا لكلام الخصوم، ثم لا بد أن يكون عاقلا مائلا عن الهوى. ثم قال: وهذا وإن كنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات، ولكن يجب أن يطلب من أهل كل زمان (ب) أكملهم وأفضلهم. قال ابن حبيب (١) عن مالك: لا بد أن يكون القاضي عالما عاقلا. قال ابن حبيب: فإن لم يكن علم فعقل وورع؛ لأنه بالورع يعف، وبالعقل يسأل، وهو إذا طلب العلم وجده، وإذا طلب العقل لم يجده. قال ابن العربي (١): واتفقوا على أنه لا يشترط أن يكون غنيا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ﴾ الآية (٢). قال:
стр. 3988
والقاضي لا يكون في حكم الشرع إلا غنيا؛ لأن غناه في بيت المال، فإذا منع من بيت المال واحتاج كان تولية من يكون غنيًّا أولى من تولية من يكون فقيرًا؛ لأنه يصير في مظنة من يتعرض لتناول ما لا يجوز له تناوله. قال المصنف رحمه الله تعالى (١): وهذا قاله بالنسبة إلى الزمان الذي كان فيه، ولم يدرك زماننا هذا الذي صار من يطلب القضاء فيه يصرح بأن سبب طلبه الاحتياج إلى ما يقوم به أوده، مع العلم بأنه لا يحصل له شيء من بيت المال.
١١٦٠ - وعن أبي بكرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان". متفق عليه (٢).
هذا الحديث لفظ مسلم، وقد ورد بألفاظ غير هذا.
وقوله: "لا يحكم أحد" إلخ. نهي (أ)، وظاهر النهي (ب) التحريم، وقد صرح الإِمام المهدي في "البحر" (٣) بهذا، وأطلقه ولم ينسبه إلى أحد، وقال: ويحرم قضاؤه حال تأذٍّ بغضب أو (جـ) ألم أو جوع أو احتقانٍ أو نعاس غالب؛ لمنافاته التثبت. وقريب من هذا ذكره ابن رشد في "نهاية المجتهد" (٤)، وظاهر
стр. 3989
كلام الجمهور حمل النهي على الكراهة، وبوب مسلم بذلك وقال باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان. والبخاري بوب ذلك: باب هل يقضي القاضي أو يفتي (١) المفتي وهو غضبان؟ وصرح النووي بالكراهة في ذلك (٢)، وكأنهم حملوا النهي على الكراهة نظرًا إلى العلة المستنبطة المناسبة لذلك، وهو أنه لما رتب النهي على الغضب، والغضب. بنفسه لا مناسبة فيه لمنع (ب) الحكم، وإنما ذلك لما هو مظنة لحصوله، وهو تشوش الفكر، وشغله القلب عن استيفاء ما يجب من النظر، وحصول هذا قد يفضي إلى الخطأ عن الصواب، ولكنه غير مطردٍ مع كل غضب ومع كل إنسانٍ، فإن أفضى الغضب إلى عدم تمييز الحق عن الباطل فلا كلام في تحريمه، وإن لم يصل إلى هذا الحد فأقل أحواله الكراهة، قال النووي (١): حديث اللقطة وجواب النبي ﷺ مع الغضب، وكذلك الحكم في قصة الزبير وهو غاضب. ولكنه يجاب عنه بأن النبي ﷺ لا يخرجه الغضب إلى غير الحق؛ فإنه معصوم.
وظاهر الحديث أنه لا فرق بين مراتب الغضب و (جـ لا بين جـ) أسبابه، وخصه إمام الحرمين والبغوي (٢) بما (د) إذا كان الغضب لغير الله تعالى،
стр. 3990
واستبعده الرُّوياني (١) وغيره؛ لمخالفته ظاهر الحديث وللمعنى الذي لأجله نهي عن الحكم، وكان الأولى أن يقال: إنه يختص بما إذا أدى الغضب إلى عدم تمييز الحق من الباطل، فهو سبب النهي، وإن كان الغضب دون ذلك فإن قلنا بتحريم الحكم مع هذا، كان اعتبار الغضب المطلق لأنه منضبط، وهذا غير منضبط، فتعلق الحكم بالمظنة، وسواء وجد معها المأمنة أو لا، فلا فرق بين مراتب الغضب؛ كالسفر المعتبر للقصر، والإفطار وإن لم توجد المشقة، فلو حكم في حال الغضب وصادف الحق نفذ الحكم وصح، وهذا مع القول بأن النهي للكراهة ظاهر، وإن كان للتحريم فكذلك أيضًا، إذا لم يكن فيه ذلك على وجه الجرأة، وإلا كان قادحًا في العدالة، فلا يصح الحكم لكونه لم يكن عدلًا، وقال بعض الحنابلة: لا ينفذ الحكم في حال الغضب لثبوت النهي، والنهي يقتضي الفساد. ولكنه متعقب بأن الصحيح أن النهي لا يقتضي الفساد إلا إذا كان النهي لذات المنهي أو لوصف ملازم، وهنا (أ) النهي لوصف مفارق للمنهي عنه، فإنه إنما نهى لما يؤدي إلى تشويش (ب) الخاطر، فيكون كالنهي عن البيع وقت النداء للجمعة، وبعضهم قال: ينفذ إذا كان الغضب بعد أن قد استبان له الحق، وإلا لم ينفذ. وهذا القول خارج عن محل النزاع، ويقاس على القضاء في حال الغضب غيره من المشوشات للخاطر؛ كالجوع والعطش وغلبة النعاس، وسائر ما يشغل القلب عن
стр. 3991
استيفاء النظر، وهو قياس مظنة، وكأن الحكمة في الاقتصار على الغضب لاستيلائه على النفس وصعوبة مقاومته، بخلاف غيره، مع أنه قد أخرج البيهقي (١) بسند ضعيف عن أبي سعيد رفعه: "لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان". قال الشافعي في "الأم" (٢): وأكره للحاكم أن يحكم وهو جائع أو تعب أو مشغول القلب، فإن ذلك يضر العقل.
١١٦١ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضي". قال علي: فما زلت قاضيًا بعد. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وقواه ابن المديني، وصححه ابن حبان (٣). وله شاهد عند الحاكم من حديث ابن عباس ﵁ (٤).
الحديث أخرجوه من طرق عن علي أحسنها رواية البزار (٥) عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي. وفي إسناده عمرو بن أبي المقدام (٦)، واختلف فيه على عمرو بن مرة، فرواه شعبة عنه عن أبي البختري (أ)، قال:
стр. 3992
حدثني من سمع عليًّا. أخرجه أبو يعلى (١) وإسناده صحيح لولا هذا المبهم، ومنهم من أخرجه عن أبي البختري عن علي (٢)، ومنها رواية [البزار] (ب) (٣) أيضًا عن حارثة بن مضرب (جـ)، عن علي قال. وهذا أحسن أسانيده، ومنها رواية أبي داود (٤) وغيره عن سماك بن حرب، عن حنش بن المعتمر (د)، عن علي. وأخرجه النسائي (٥) في "الخصائص"، والحاكم (٦)، وقد رواه ابن حبان (٧) من رواية سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن علي، وفيه مقال. ومنها رواية ابن ماجه (٨) من طريق أبي البختري عن علي، وهو منقطع، وأخرجها البزار والحاكم (٩).
الحديث فيه دلالة على أنه يجب على الحاكم أن يسمع دعوى المدعي ثم
стр. 3993
يسمع جواب المجيب، ولا يجوز له أن يبني الحكم على سماع دعوى المدعي قبل أن يسمع جواب المجيب، (أفإن حكم أ) قبل سماع الآخر عمدًا لم يصح قضاؤه، وكان قدحًا في عدالته، وإن كان خطأ لم يكن قدحًا وأعاد الحكم على وجه الصحة. وهذا حيث أجاب الخصم، فإن سكت عن الإجابة، أو قال: لا أقر ولا أنكر. فقال في "البحر" الإِمام يحيى، وعن مالك: يحكم عليه (ب) الحاكم لتصريحه بالتمرد، وإن شاء حبسه حتى يقر أو ينكر. وقال أبو العباس: بل يلزمه الحق بسكوته، إذ الإجابة تجب فورًا، فإذا سكت كان كنكوله. (جـ قلنا: النكول جـ) الامتناع من اليمين. وهذا ليس كذلك، وأحد قولي المؤيد بالله وابن أبي ليلى: بل يحبس حتى يقر أو ينكر، ولا يحكم عليه. قلنا: التمرد كاف في جواز الحكم، إذ الحكم شرع لفصل الشجار ودفع الضرار. انتهى. والأولى أن يقال: إن ذلك حكمه حكم الغائب، فمن أجاز الحكم على الغائب أجازه على الممتنع عن الإجابة؛ لاشتراكهما في عدم الإجابة.
والحديث فيه دلالة على أنه لا يحكم على الغائب لعدم سماعه لكلام الخصم، وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي وابن أبي ليلى وأبو حنيفة، قالوا: ولأنه لو كان الحكم جائزًا على الغائب لم يكن الحضور واجبًا. وذهب الهدوية والمؤيد بالله ومالك والليث والشافعي وابن شبرمة والأوزاعي وإسحاق وإحدى الروايتين عن أحمد إلى أنه يجوز الحكم على الغائب،
стр. 3994
واحتجوا بما تقدم من حديث هند وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى (١)، وحملوا حديث علي على الحاضر، وبأن الغائب لا يفوت عليه حق؛ فإنه إذا حضر فحجته قائمة، فيسمع ويعمل بمقتضاها ولو أدى إلى نقض الحكم؛ لأنه في حكم المشروط، ولأنه كما إذا لم يمكن الإجابة حيث كان المدعى عليه (أ) صغيرًا أو مجنونًا أو محجورًا عليه، إلا أن هذا الوجه الآخر يدفع بأن المجنون والصغير يملك عنهما وليهما، والمحجور إنما يبقى إقراره موقوفًا، وعند المانعين أن من هرب أو تستر بعد إقامة البينة فنادى عليه الحاكم ثلاثًا، فإن جاء وإلا أنفذ الحكم عليه، وأنكر ابن الماجشون صحة الرواية عن مالك، وأما ابن القاسم فاستثنى عن مالك ما يكون للغائب فيه حجج؛ كالأرض والعقار إلا إن طالت غيبته أو انقطع خبره، وقد جوز الحنفية الحكم على الغائب في نفقة الزوجة، فإذا ادعت (ب) نفقتها على زوجها الغائب، وأن له وديعة عند آخر، وقدرت على الوديع الوديعة، قضي لها مما عنده.
١١٦٢ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فإنما أقطع له قطعة من النار". متفق عليه (٢).
стр. 3995
قوله: "ألحن". اللحن: الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحن فلان في كلامه. إذا مال عن صحيح المنطق. وأراد: إن بعضكم يكون أعرف بالحجة وأفطن لها (أ) من غيره. ويقال: لحنت (ب) لفلان. إذا قلت له قولًا يفهمه ويخفى على غيره؛ لأنك تميله بالتورية عن الواضح المفهوم.
وقوله: "على نحو مما أسمع منه". ظاهره الحكم بما يسمع الحاكم من كلام المتخاصمين بما يثبت به الحكم من سرد الدعوى، أو من إجابة المدعى عليه، أو الإقرار من أي المتخاصمين، وكذلك بما يكون معهما من شهادة، وسواء كانت صادقة في نفس الأمر أو كاذبة، ومثلها اليمين.
وقوله: "فمن قطعت له من حق أخيه". هكذا في بعض روايات مسلم، والمراد: من قضيت له بشيء من مال أخيه. وأطلق عليه القطع استعارة، شبه القضاء بمال الغير بقطع الشيء من الشيء، بجامع أنه بَعُد صاحب الملك عن الانتفاع بملكه؛ لصيرورته مع الغير، كما أن المقطوع من الشيء المتصل بعضه ببعض يبعد عن المقطوع منه.
وقوله: "قطعة من النار". يعني باعتبار ما يئول إليه، فإنه يئول إلى أنه يعذب بسببه، فسماه نارًا لما كان سببًا لعذاب صاحبه بالنار، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (١). وتمامه في البخاري: "فليأخذها أو ليتركها". والأمر للتهديد فيه، مثل قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ