استيفاء النظر، وهو قياس مظنة، وكأن الحكمة في الاقتصار على الغضب لاستيلائه على النفس وصعوبة مقاومته، بخلاف غيره، مع أنه قد أخرج البيهقي (١) بسند ضعيف عن أبي سعيد رفعه: "لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان". قال الشافعي في "الأم" (٢): وأكره للحاكم أن يحكم وهو جائع أو تعب أو مشغول القلب، فإن ذلك يضر العقل.
١١٦١ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضي". قال علي: فما زلت قاضيًا بعد. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وقواه ابن المديني، وصححه ابن حبان (٣). وله شاهد عند الحاكم من حديث ابن عباس ﵁ (٤).
الحديث أخرجوه من طرق عن علي أحسنها رواية البزار (٥) عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي. وفي إسناده عمرو بن أبي المقدام (٦)، واختلف فيه على عمرو بن مرة، فرواه شعبة عنه عن أبي البختري (أ)، قال:
стр. 3992
حدثني من سمع عليًّا. أخرجه أبو يعلى (١) وإسناده صحيح لولا هذا المبهم، ومنهم من أخرجه عن أبي البختري عن علي (٢)، ومنها رواية [البزار] (ب) (٣) أيضًا عن حارثة بن مضرب (جـ)، عن علي قال. وهذا أحسن أسانيده، ومنها رواية أبي داود (٤) وغيره عن سماك بن حرب، عن حنش بن المعتمر (د)، عن علي. وأخرجه النسائي (٥) في "الخصائص"، والحاكم (٦)، وقد رواه ابن حبان (٧) من رواية سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن علي، وفيه مقال. ومنها رواية ابن ماجه (٨) من طريق أبي البختري عن علي، وهو منقطع، وأخرجها البزار والحاكم (٩).
الحديث فيه دلالة على أنه يجب على الحاكم أن يسمع دعوى المدعي ثم
стр. 3993
يسمع جواب المجيب، ولا يجوز له أن يبني الحكم على سماع دعوى المدعي قبل أن يسمع جواب المجيب، (أفإن حكم أ) قبل سماع الآخر عمدًا لم يصح قضاؤه، وكان قدحًا في عدالته، وإن كان خطأ لم يكن قدحًا وأعاد الحكم على وجه الصحة. وهذا حيث أجاب الخصم، فإن سكت عن الإجابة، أو قال: لا أقر ولا أنكر. فقال في "البحر" الإِمام يحيى، وعن مالك: يحكم عليه (ب) الحاكم لتصريحه بالتمرد، وإن شاء حبسه حتى يقر أو ينكر. وقال أبو العباس: بل يلزمه الحق بسكوته، إذ الإجابة تجب فورًا، فإذا سكت كان كنكوله. (جـ قلنا: النكول جـ) الامتناع من اليمين. وهذا ليس كذلك، وأحد قولي المؤيد بالله وابن أبي ليلى: بل يحبس حتى يقر أو ينكر، ولا يحكم عليه. قلنا: التمرد كاف في جواز الحكم، إذ الحكم شرع لفصل الشجار ودفع الضرار. انتهى. والأولى أن يقال: إن ذلك حكمه حكم الغائب، فمن أجاز الحكم على الغائب أجازه على الممتنع عن الإجابة؛ لاشتراكهما في عدم الإجابة.
والحديث فيه دلالة على أنه لا يحكم على الغائب لعدم سماعه لكلام الخصم، وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي وابن أبي ليلى وأبو حنيفة، قالوا: ولأنه لو كان الحكم جائزًا على الغائب لم يكن الحضور واجبًا. وذهب الهدوية والمؤيد بالله ومالك والليث والشافعي وابن شبرمة والأوزاعي وإسحاق وإحدى الروايتين عن أحمد إلى أنه يجوز الحكم على الغائب،
стр. 3994
واحتجوا بما تقدم من حديث هند وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى (١)، وحملوا حديث علي على الحاضر، وبأن الغائب لا يفوت عليه حق؛ فإنه إذا حضر فحجته قائمة، فيسمع ويعمل بمقتضاها ولو أدى إلى نقض الحكم؛ لأنه في حكم المشروط، ولأنه كما إذا لم يمكن الإجابة حيث كان المدعى عليه (أ) صغيرًا أو مجنونًا أو محجورًا عليه، إلا أن هذا الوجه الآخر يدفع بأن المجنون والصغير يملك عنهما وليهما، والمحجور إنما يبقى إقراره موقوفًا، وعند المانعين أن من هرب أو تستر بعد إقامة البينة فنادى عليه الحاكم ثلاثًا، فإن جاء وإلا أنفذ الحكم عليه، وأنكر ابن الماجشون صحة الرواية عن مالك، وأما ابن القاسم فاستثنى عن مالك ما يكون للغائب فيه حجج؛ كالأرض والعقار إلا إن طالت غيبته أو انقطع خبره، وقد جوز الحنفية الحكم على الغائب في نفقة الزوجة، فإذا ادعت (ب) نفقتها على زوجها الغائب، وأن له وديعة عند آخر، وقدرت على الوديع الوديعة، قضي لها مما عنده.
١١٦٢ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فإنما أقطع له قطعة من النار". متفق عليه (٢).
стр. 3995
قوله: "ألحن". اللحن: الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحن فلان في كلامه. إذا مال عن صحيح المنطق. وأراد: إن بعضكم يكون أعرف بالحجة وأفطن لها (أ) من غيره. ويقال: لحنت (ب) لفلان. إذا قلت له قولًا يفهمه ويخفى على غيره؛ لأنك تميله بالتورية عن الواضح المفهوم.
وقوله: "على نحو مما أسمع منه". ظاهره الحكم بما يسمع الحاكم من كلام المتخاصمين بما يثبت به الحكم من سرد الدعوى، أو من إجابة المدعى عليه، أو الإقرار من أي المتخاصمين، وكذلك بما يكون معهما من شهادة، وسواء كانت صادقة في نفس الأمر أو كاذبة، ومثلها اليمين.
وقوله: "فمن قطعت له من حق أخيه". هكذا في بعض روايات مسلم، والمراد: من قضيت له بشيء من مال أخيه. وأطلق عليه القطع استعارة، شبه القضاء بمال الغير بقطع الشيء من الشيء، بجامع أنه بَعُد صاحب الملك عن الانتفاع بملكه؛ لصيرورته مع الغير، كما أن المقطوع من الشيء المتصل بعضه ببعض يبعد عن المقطوع منه.
وقوله: "قطعة من النار". يعني باعتبار ما يئول إليه، فإنه يئول إلى أنه يعذب بسببه، فسماه نارًا لما كان سببًا لعذاب صاحبه بالنار، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (١). وتمامه في البخاري: "فليأخذها أو ليتركها". والأمر للتهديد فيه، مثل قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ
стр. 3996
وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١). والمراد منه: أن حكمي لا ينقل الشيء عن التحريم إلى التحليل. فرجع الأمر إلى المحكوم له أن يختار لنفسه أي الأمرين، وزاد عبد الله بن رافع في آخر الحديث: فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لك. فقال النبي ﷺ : "أما إذا فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق، ثم استهما، ثم تحاللا". أخرجه أبو داود (٢). وبكى الرجلان حين سمعا ذكر النار.
وقوله: حقي لك. الخطاب للنبي ﷺ . فيه (أ) دلالة على صحة هبة الشيء قبل ثبوته، والهبة للحاكم في حضرة المحكوم عليه والشريك قبل أن يستأذن شريكه.
وقوله: "أمَّا". بتخفيف الميم، فيه دلالة على أن الهبة لا تملك إلا بالقبول، وأن الحاكم إذا لم يظهر له الحق توقف، ويأمرهما بالصلح والتحلل، وأن الصلح لا (ب) يُحل ملك الغير، وأن التحلل من المجهول يصح، ولعله كان في يد ثالث لا يدعيه لنفسه، أو في يد واحد [طارئ] (جـ) على الشيء مقر بطروئها. والله سبحانه أعلم.
والحديث فيه دلالة على أن حكم الحاكم لا يحل للمحكوم له ما حكم به، مما هو على خلاف ما هو له في نفس الأمر، فإذا حكم الحاكم بشهادة شاهدين وظن عدالتهما، وهما في الباطن كاذبان في مال، لم يحل
стр. 3997
للمحكوم له ذلك المال، وكذا لو شهدا بقتل لم يحل لولي الدم الإقصاص، أو بزوجية امرأة لم تحل للمحكوم له، فحكم الحاكم صواب؛ لأنه قد حكم بما يجب الحكم به في الظاهر، وهو غير مطالب بالتفتيش عن جلية الحال، ولذلك قال ﷺ في حق المتلاعنين: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" (١). ولو شاء الله لأطلع رسوله ﷺ على باطن أمر الخصمين بيقين، فلا يكون حكمه مخالفًا لما في نفس الأمر من غير حاجة إلى شهادة أو يمين، ولكن لما أمر الله تعالى أمته ﷺ باتباعه، والاقتداء بأقواله وأفعاله وأحكامه، أجرى له حكمهم في عدم الاطلاع على باطن الأمور؛ ليكون حكم الأمة في ذلك حكمه، فأجرى الله تعالى حكمه في ذلك على الظاهر، الذي يستوي فيه هو وغيره؛ ليصح الاقتداء به، وتطيب نفوس العباد للانقياد للأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن، وقد ذهب إلى ما دل عليه الحديث الجمهور من علماء الإِسلام وفقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، إلا في الأحكام التي يوقعها الحاكم، وذلك مثل بيع مال المفلس إذا باعه لقضاء دينه بعد أن ظهر للحاكم إفلاسه، فإنه ينفذ باطنًا وظاهرًا, ولو كان في نفس الأمر موسرًا؛ لأن امتناعه من القضاء يبيح (أ) بيع ماله لقضاء غريمه، وكذا في فسخ اللعان فإنه ينفذ ظاهرًا وباطنًا ولو (ب) كان الزوج كاذبًا عليها في نفس الأمر، والخلاف لأبي حنيفة أن حكم الحاكم ينفذ ظاهرًا وباطنًا، فلو حكم الحاكم بشهادة زور أن هذه المرأة زوجة فلان حلت له عند أبي حنيفة،
стр. 3998
واحتج بما روي عن علي ﵁ أن رجلًا خطب امرأة فأبت، فادعى أنه تزوجها وأقام شاهدين، فقالت المرأة (أ): إنهما شهدا بالزور، فزوجني أنت منه فقد رضيت. فقال: شاهداك زوّجاك (ب). وأمضى عليها النكاح. وكذا إذا حكم بشهادة أن هذا باع من زيد أرضًا أو نحوها، فإنها تحل الأرض للمحكوم له، للزومه العوض، واحتج أيضًا من حيث النظر بأن الحاكم قضى بحجة شرعية فيما (جـ) له ولاية الإنشاء فيه، فجعل الإنشاء [تحرزًا] (د)؛ لأنه يملك إنشاء العقود والفسوخ، فإن له أن يبيع أمة زيد من عمرو حال خوف هلاكها لحفظها، وحال الغيبة، وإنشاء النكاح على الصغيرة، والفرقة على العنين، فلو لم ينفذ باطنًا وقد حكم مثلًا بطلاق هذه المرأة، لبقيت حلالًا للزوج الأول باطنًا وللثاني ظاهرًا، فلو حصل مع الثاني نزع، لحلت لثالث ورابع، ولا يخفى فحشه، ويوافق أبو حنيفة أنه إذا حكم الحاكم بتقرير يد من هو ثابت على ملك شيء بيمينه بعدأن عجز المدعي عن البينة، أو ببقاء زوجية امرأة بعد أن عجزت عن إقامة الشهادة على الطلاق (هـ) وكذا الحكم المطلق الذي لا ينضاف إلى عقد، وكذا القصاص وما كان فيه بسبب محرم، كالحكم بزوجية امرأة وينكشف أنها رضيعة، أن الحكم لا يحل للمحكوم له ما حكم به، كذا ذكره الإِمام المهدي في "الغيث"، وذكر
стр. 3999
النواوي في "شرح مسلم" (١) أن أبا حنيفة لا يقول بحل الأموال، وظاهره الإطلاق، وفي "ملتقى الأبحر" في فقه الحنفية ما لفظه: والقضاء بحل (أ) أو حرمة ينفذ ظاهرًا وباطنًا ولو بشهادة زور؛ إذا ادعى بسبب معين، وعندهما لا ينفذ باطنًا بشهادة الزور، فلو قامت بينة زور أنه تزوجها وحكم بها (ب) حل لها تمكينه، خلافًا لهما، وفي الأملاك المرسلة (٢) لا ينفذ باطنًا اتفاقًا. انتهى. وأجيب عن ذلك بأن الأثر المروي عن علي ﵁ لم يثبت، أو أن عليا ﵁ لما حكم بالشهادة التي تعين الحكم لأجلها، فعليٌّ مصيب في حكمه بالنظر إلى سبب الحكم، وإن كان مخالفًا في نفس الأمر للحقيقة، فلا مقتضى للاحتياط بإعادة العقد بالنظر إليه، وإن كان المحكوم له لا يحل له إمساكها، فهو زان في نفس الأمر، وإذا أقر على نفسه لزمه الحد، والمرأة لها أن تدفعه عن نفسها في باطن الأمر، وأما قولهم: إن الحاكم يملك إنشاء العقود. فهو مسلم أنما أصدره من الإيقاعات نفذ ظاهرًا وباطنًا، وكذا في الظنيات ينفذ الحكم ولو خالف مذهب المحكوم له، ويحل له ذلك عند الجمهور، ولا يلزم منه أن ينفذ حكمه فيما كان الحكم لتقرير ملك بسبب قد تقدم، أو نكاح، أو طلاق، أو غير ذلك، حيث لم يطابق الحقيقة، وقد نبه على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى
стр. 4000
الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ (١)، فنهي عن أكل المال بحكم الحاكم وسماه سبحانه باطلًا وإثمًا، فإن قيل: ظاهر الحديث أنه يقع من النبي ﷺ حكم في الظاهر مخالف للباطن، وقد اتفق الأصوليون على أنه ﷺ لا يقر على خطأ في الأحكام. أجيب بأنه لا تعارض بين ما دل عليه الحديث وما قرره الأصوليون؛ لأن مرادهم فيما حكم فيه ﷺ باجتهاده، والأكثرون على جواز الخطأ، ولا يقر عليه كما في قضية (أ) الأسارى، والإذن (ب) للمتخلفين، وأما الحكم الصادر عن الطريق التي قد فرضت كالحكم بالبينة أو بيمين المحكوم عليه، فإنه إذا كان مخالفًا للباطن فلا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح؛ لأنه (جـ) على وفق ما وقع به التكليف، ووجوب العمل بالشاهدين وإن كانا شاهدي زور فالتقصير منهما (د)، وأما الحاكم فلا حيلة له في ذلك ولا عيب عليه بسببه، بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد الذي صدر الحكم علي وفقه، مثل أن يحكم بأن الشفعة -مثلًا- للجار، وكان الحكم في ذلك -مثلًا- في علم الله أنه لا يثبت إلا للخليط، فإنه إذا كان مخالفًا للحق الذي في حكم الله بناء على وحدة الحق، فيثبت فيه الخطأ للمجتهد، وهو الذي تقدم في حديث عمرو، أو الإصابة ويكون له أجر واحد أو أجران.
стр. 4001
وفي الحديث دلالة على أنه ينبغي للحاكم موعظة المتخاصمين وتحذيرهم من الدعوى الباطلة، وأنه ليس للحاكم أن يحكم بما خطر له من غير استناد (أ) إلى أمر يكون مقتضيًا للحكم من بينة أو غيرها, ولذلك قال: "ألحن بحجته". وعلى أن النبي ﷺ إنما يحكم بالظاهر ولا يلزمه غيره، إلا أنه إذا قامت البينة بخلاف ما يعلمه الحاكم علمًا يقينًا لم يجز له أن يحكم بما قامت به البينة، ونقل بعضهم الاتفاق عليه وإن وقع الخلاف في القضاء بما يعلم الحاكم. والله سبحانه أعلم.
١١٦٣ - وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كيف تقدَّس أمة لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم! ". رواه ابن حبان (١). وله شاهد من حديث بريدة عند البزار (٢)، وآخر من حديث أبي سعيد عند ابن ماجه (٣).
أخرج حديث جابر أيضًا ابن خزيمة وابن ماجه (٤)، وفي الباب عن
стр. 4002
قابوس بن المخارق (ب) عن أبيه، رواه الطبراني وابن قانع (١)، وعن خولة -غير منسوبة- به. يقال: إنها امرأة حمزة. رواه الطبراني وأبو نعيم (٢). وروى الحاكم والبيهقي (٣) من حديث عثمان بن جبلة [عن شعبة] (ب)، عن سماك، عن شيخ، عن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رفعه: "إن الله لا يقدس أمة لا تأخذ للضعيف من القوي حقه وهو غير متعتع". ورواه الحاكم (٤) من حديث شعبة، عن سماك، عن عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث به في قصة. قال البيهقي: المرسل أصح. وقال الحاكم: بل الموصول صحيح، والمرسل مفسر لاسم المبهم الذي في الموصول. هذا معنى كلامه.
قوله: "كيف تقدس أمة". أي كيف تطهر، والتقديس التطهير، والمراد التطهير من الذنوب، ومنه بيت القدس لأنه يتطهر فيه من الذنوب. والاستفهام هنا للإنكار، أي لا تطهير من الذنوب مع كونهم موصوفين بهذه الصفة.
والحديث فيه دلالة على وجوب إنكار المنكر ونصرة الضعيف لأخذ
стр. 4003
الحق له.
١١٦٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول. "يدعى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره". رواه ابن حبان وأخرجه البيهقي (١)، ولفظه: "في تمرة".
الحديث أخرجوه عن عمران بن حطان الخارجي، قال العقيلي (٢): لا يتابع عليه في الرواية عن عائشة، ولم يتبين لي سماعه منها. انتهى. قال المصنف رحمه الله تعالى (٣): وقع في رواية الإِمام أحمد (٤) من طريقه قال: دخلت على عائشة فذاكرتها حتى ذكرنا القاضي.
والحديث فيه الدلالة على المبالغة في التحذير من الدخول في القضاء، وتعظيم خطره، وعلى أن الحاكم يحاسب بما قضى به بين المتخاصمين. فنسأل الله تعالى التجاوز والمسامحة بمنه وإحسانه.
١١٦٥ - وعن أبي بكرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة". رواه البخاري (٥).
الحديث فيه دلالة على اشتراط كون الحاكم ذكرًا, ولا يصح تولية امرأة
стр. 4004
الحكم، وكذا غير الحكم من أعمال المسلمين العامة، وذلك لما يحتاج إليه الوالي من كمال الرأي، ورأي المرأة ناقص، ولا سيما في محافل الرجال، وذهب الحنفية إلى جواز تولية المرأة الحكم، إلا الحدود فلا تتولاها، وذهب ابن جرير إلى صحة توليتها جميع الأحكام.
١١٦٦ - وعن أبي مريم الأزدي ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من ولاه الله شيئًا من أمر المسلمين فاحتجب عن حاجتهم وفقيرهم، احتجب الله دون حاجته". أخرجه أبو داود والترمذي (١).
أبو مريم الأزدي هو صحابي، روى عنه ابن عمه أبو الشماخ وأبو المعطل والقاسم بن مخيمرة.
الحديث أخرجه الحاكم (٢) وأبو داود من حديث القاسم بن مخيمرة، عن أبي مريم، وفيه قصة له مع معاوية، وأورد الحاكم (٣) له شاهدًا عن عمرو بن مرة الجهني، وعنه رواه أحمد والترمذي (٤)، ورواه الطبراني في "الكبير" (٥) من حديث ابن عباس بلفظ: "أيما أمير احتجب عن الناس فأهمهم احتجب الله عنه يوم القيامة". وقال ابن أبي حاتم (٦) عن أبيه في هذا الحديث: منكر.
وفيه دلالة على أنه يجب على من ولي من أمر المسلمين تسهيل
стр. 4005
الحجاب؛ ليصل إليه ذو الحاجة فيقضي حاجته، والفقير فيعطه من مال الله الذي يسد خلته، وأن من لم يفعل ذلك منعه الله تعالى فضله ورحمته، وكنى عن ذلك بالحجاب.
١١٦٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم. رواه أحمد والأربعة وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان (١). وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو عند الأربعة إلا النسائي (٢).
وحديث ابن عمرو بهذا اللفظ ولم يذكر لفظ: في الحكم. في رواية أبي داود، وزادها الترمذي، [قال الترمذي] (أ): وقواه الدارمي.
قوله: الراشي. هو المعطي، والمرتشي. الآخذ، وزاد أحمد (٣): والرائش. وهو الذي يمشي بينهما، وهو السفير بين الآخذ والدافع وإن لم يأخذ على سفارته أجرًا، فإن أخذ فهو أبلغ، والرشوة يدخل في إطلاقها رشوة الحاكم ورشوة العامل على أخذ الصدقات، وهي حرام بالإجماع.
стр. 4006
كذا قال في "شرح سنن أبي داود" لابن رسلان، ونقله الإِمام المهدي عن "شرح الإبانة" في "الغيث". ويدل على تحريمها أيضًا قوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (١). قال الحسن وسعيد بن جبير (٢) في "تفسيره": هي الرشوة. وقال مسروق (٣): سألت ابن مسعود عن السحت: أهو الرشوة في الحكم؟ قال: لا، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾، ولكن السحت أن يستعينك الرجل على مظلمة فيُهدي لك، [فإن أهدى لك] (أ) فلا تقبل. وقال أبو وائل شقيق بن سلمة أحد أئمة التابعين: القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت، وإذا أخذ الرشوة بلغت به الكفر. رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤) بإسناد صحيح، وإنما استحقا العقوبة معًا لاستوائهما في القصد و (ب) الإرادة، وأما إذا أعطى المعطي ليتوصل إلى حق، أو يدفع عن نفسه ظلمًا، فإنه لا يدخل في الوعيد، وقد أُخذ ابن مسعود بأرض الحبشة في شيء فأعطى دينارين حتى خُلي سبيله (٥)، وقال الحسن والشعبي (٦): لا بأس بذلك وكذا الأخذ،
стр. 4007
إنما يستحق الوعيد حيث كان (أما أخذه أ) على حق يلزمه أداؤه، أو على باطل يجب عليه تركه، ولكن لا يفعل ما ذكر حتى يصانع ويرشي، فإنها (ب) رشوة، وأما إذا كان الحق لا يلزمه فعله، والترك لا يجب عليه، فالظاهر جواز الأخذ.
١١٦٨ - وعن عبد (جـ) الله بن الزبير ﵁ قال: قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم. رواه أبو داود وصححه الحاكم (١).
وأخرجه أحمد والبيهقي (٢)، وقد أخرجوه من حديث مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، وقد ضعفه يحيى بن معين (٣) وابن حبان (٤). وقال الذهبي في "الكاشف" (٥): فيه لين؛ [لغلطه] (د). ولم يزد على ذلك، وقال
стр. 4008
ابن رسلان: روى عن جده مرسلًا، وعن أبيه وعمه عامر. قال أبو حاتم (١): صدوق كثير الغلط. وقال النسائي (٢) وغيره: ليس بالقوي.
وقد جاء في حديث علي الذي مر: "فإذا جلس الخصمان بين يديك". والحديث ظاهره يدل على أنه يتعين قعود الخصمين بين يدي الحاكم من غير تفرقة بين أن يستويا أو لا؛ وذلك لما فيه من العدل بينهما والإقبال عليهما. قال الماوردي (٣): ولا يسمع منهما الدعوى وهما قائمان. قال ابن رسلان (٤): إذا كانا شريفين جلس أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله. انتهى. وهذا التخصيص يحتاج إلى دليل، والله أعلم.
стр. 4009
باب الشهادات
هي جمع شهادة، وهي مصدر شهد يشهد، جمع المصدر لما أريد به أنواع الشهادات. قال الجوهري (١): الشهادة خبر قاطع، والمشاهدة المعاينة، مأخوذة من الشهود، أي: الحضور؛ لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره. وقيل: مأخوذة من الإعلام.
١١٦٩ - عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها". رواه مسلم (٢).
الحديث فيه دلالة على أن الأفضل للشاهد أن يأتي بشهادته قبل أن يسأله من له الشهادة أن يشهد له، وظاهر هذا معارض لحديث عمران المذكور عقيب هذا، فإنه جعل الشهادة قبل أن يستشهد من صفات الذم للآتين بعد القرون التي فيها الخير.
واختلف العلماء في الترجيح فجنح ابن عبد البر (٣) إلى ترجيح حديث زيد بن خالد؛ لكونه من رواية أهل المدينة، فقدمه على رواية أهل العراق، وبالغ فزعم أن حديث عمران لا أصل له، وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران؛ لاتفاق "الصحيحين" على إخراجه، وحديث زيد من أفراد مسلم،
стр. 4010
وذهب آخرون إلى الجمع بينهما، وأجابوا بأجوبة في الجمع (أ)؛ أحدها: أن المراد بحديث زيد أنه إذا كان عند الشاهد شهادة بحق لا يعلم بالشهادة صاحب الحق فيأتي إليه فيخبره بها، أو يموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم فيعلمهم بذلك. وهذا أحسن الأجوبة، وقد أجاب به يحيى بن سعيد شيخ مالك ومالك وغيرهما.
الثاني: المراد به شهادة الحسبة، وهي ما لا تتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم (ب) محضًا، ويدخل في الحسبة ما يتعلق بحق الله أو ما فيه شائبة؛ كالعتاق والوقف والوصية العامة والعدة والطلاق والحدود ونحو ذلك، وحديث عمران مراد به الشهادة في حقوق الآدميين المحضة.
الثالث: أن المراد بقوله: "أن يأتي بالشهادة قبل أن يسألها". هو المبالغة في الإجابة، فيكون لقوة استعداده كالذي أتى بها قبل أن يُسألها, كما يقال في حق الجواد: إنه ليعطي قبل الطلب.
وهذه الأجوبة مبنية على أن الشهادة عند الحاكم لا تصح أن تؤدى قبل أن يطلبها صاحب الحق. وذهب البعض إلى جواز أداء الشهادة قبل السؤال على ظاهر عموم حديث زيد، وتأول حديث عمران بتأويلات؛ أحدها: أنه محمول على شهادة الزور، أي يؤدون شهادة لم يسبق لهم تحملها، وهذا حكاه الترمذي (١) عن بعض أهل العلم. ثانيها: المراد بها الشهادة في الحلف،
стр. 4011
والمراد أن يأتي بالشهادة بلفظ الحلف بأن يقول الرجل: أشهد بالله ما كان إلا كذا. وهذا جواب الطحاوي (١). ثالثها: أن المراد الشهادة على ما لا يعلم ما سيكون من الأمور المستقبلة، فيشهد على قوم بأنهم من أهل النار، وعلى قوم بأنهم من أهل الجنة، بغير دليل، كما يصنع ذلك أهل الأهواء. حكاه الخطابي (٢). رابعها: أن ينتصب شاهدًا وليس من أهل الشهادة. خامسها: أن يتسارع إلى الشهادة وصاحبها يعلم أنه شاهد له من قبل أن يسأله. والله أعلم.
١١٧٠ - وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السِّمَن". متفق عليه (٣).
قوله: "إن خيركم قرني". القرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن [نبي] (أ) أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل، ويطلق القرن على
стр. 4012
مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام (أإلى مائة أ) وعشرين. قال المصنف (١) رحمه الله تعالى: إنه لم ير من صرح بالتسعين ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال به قائل. وذكر في "القاموس" (٢) إطلاقه من العشرة إلى مائة وعشرين، ولم يذكر فيها التسعين، ورجح الإطلاق على المائة، وذكر الجوهري (٣) الثلاثين والثمانين، وقد وقع في حديث عبد الله بن (ب) بسر عند مسلم (٤) ما يدل على أن القرن مائة. وقال صاحب "المطالع" (٥): القرن أمة هلكت فلم يبق منهم أحد. ولم يذكر صاحب "المحكم" (٦) الخمسين، وذكر من عشر إلى تسعين (٧)، وهو القدر المتوسط من أعمار (جـ) أهل كل زمن، وهذا أعدل الأقوال، وبه صرح ابن الأعرابي وقال: إنه مأخوذ من الأقران.
والمراد بقرن النبي ﷺ في هذا الحديث الصحابة، وفي صفة النبي ﷺ
стр. 4013
قوله: "وبعثت من خير قرون بني آدم" (١). وفي رواية بريدة عند أحمد (٢): "خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم". وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتبر ذلك بعد وفاته ﷺ فيكون مائة سنة أو تسعين أو سبعا وتسعين. وأما قرن التابعين فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين، وأما الذين بعدهم فإن اعتبر منها كان نحوًا من خمسين، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان، والله أعلم. واتفق أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن.
وقوله: "ثم الذين يلونهم". أي القرن الذي بعدهم وهم التابعون. "ثم الذين يلونهم". وهم أتباع التابعين، وهذا يقضي بأن الصحابة أفضل من التابعين، وأن التابعين أفضل من أتباعهم، وظاهر التفضيل أنه بالنظر إلى كل فرد فرد، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وذهب ابن عبد البر (٣) إلى أن التفضيل إنما هو بالنسبة إلى مجموع الصحابة، فإنهم أفضل ممن بعدهم لا كل فرد منهم، واحتج على ذلك بقوله ﷺ : "مثل أمتي مثل المطر لا يدرى خير أوله أم آخره". وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة،
стр. 4014
وإن كان النووي في "فتاويه" نسبه إلى "مسند أبي يعلى" (١) من حديث أنس بإسناد ضعيف، وغفل عن رواية الترمذي (٢) له بإسناد أقوى منه من حديث أنس أيضًا، وصححه ابن حبان (٣) من حديث عمار، ويقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة (٤) من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نُفَيْر أحد التابعين بإسناد حسن قال: قال رسول الله ﷺ : "ليدركن المسيح أقوامًا إنهم لمثلكم أو خير -ثلاثا- ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها". وأخرج أبو داود والترمذي (٥) من حديث ثعلبة رفعه: "تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين". قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: "بل منكم". واحتج ابن عبد البر (٦) أيضًا بحديث عمر رفعه: "أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني". أخرجه الطيالسي (٧) وغيره لكن إسناده ضعيف فلا حجة فيه. وروى أحمد والدارمي والطبراني (٨) من حديث أبي جمعة قال: قال أبو عبيدة: يا رسول الله، أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال: "قوم يكونون من بعدكم، يوُمنون بي ولم يروني". وإسناده حسن، وقد صححه الحاكم (٩)، واحتج من حيث القياس بأن السبب في كون القرن
стр. 4015
الأول خير القرون، أنهم كانوا غرباء في إيمانهم؛ لكثرة الكفار، وصبرهم على أذاهم، وتمسكهم بدينهم. قال: فكذلك أواخرهم إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على الطاعة حين ظهرت المعاصي والفتن -كانوا أيضًا غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك كما زكت أعمال أولئك، شهد له ما رواه مسلم (١) عن أبي هريرة رفعه: "بدأ الإِسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء". وأجيب عليه بالآيات الواضحة النيرة والأحاديث الصحيحة كحديث "الصحيحين" (٢): "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". و [هكذا] (أ) حديث عمران وغيرهما من الأحاديث المصرحة بأفضلية الصحابة على غيرهم، واستثنى ابن عبد البر (٣) أهل بدر والحديبية؛ فقال بأفضليتهم على غيرهم، وجمع الجمهور بين الأحاديث بأن الصحبة لها فضيلة ومزية لا يوازيها (ب) شيء من الأعمال؛ فلمن صحب النبي ﷺ فضيلتها وإن قصر عمله وأجره باعتبار الاجتهاد في العبادة، وتكون خيرية مَن سيأتي من المذكورين باعتبار كثرة الأجر بالنظر إلى ثواب الأعمال، وهذا قد يكون في حق بعض من الصحابة، وأما مشاهير الصحابة فإنهم حازوا مراتب السبق في كل نوع من أنواع الخير،
стр. 4016
وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث، وأيضًا فإن المفاضلة بين الأعمال بالنظر إلى الأعمال المتساوية في النوع، وفضيلة الصحبة مختصة بالصحابة لم يكن فيمن عداهم شيء من ذلك النوع، وأما حديث أبي جمعة فلم تتفق الرواة (أ) على لفظه؛ فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية، ورواه بعضهم بلفظ: قلنا: يا رسول الله، هل مِن قوم أعظم منا أجرًا؟ الحديث. أخرجه الطبراني (١)، وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة، وأجاب النووي عن حديث: "مثل أمتي مثل المطر". بما حاصله أن المراد ممن يشتبه عليه الحال في ذلك من أهل الزمان الذين يدركون عيسى بن مريم ﵇ ويرون ما في زمانه من الخير والبركة وانتظام كلمة الإِسلام ودحض أمر الكفر، فيشتبه الحال على مَن (ب) شاهد ذلك أي الزمانين خير. وهذا الاشتباه مندفع بصريح قوله ﷺ : "خير القرون قرني (جـ) ".
وذكر في حديث عمران قرنين (هـ) بعده، وكذا في حديث عائشة عند مسلم (٢)، وكذا عند الطبراني وسمويه (و) (٣) من حديث بلال بن سعد عن
стр. 4017
أبيه، وكذا من حديث عمر عند الطيالسي (١)، ووقع في حديث جعدة بن هبيرة عند ابن أبي شيبة والطبراني (٢) إثبات ثلاثة بعد قرن النبي ﷺ ، ورجاله ثقات، إلا أن جعدة مختلف في صحبته، ووقع في رواية البخاري (٣) لحديث عمران شك؛ قال: فلا أدري ذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. ووقع مثل هذا الشك في حديث ابن مسعود وأبي هريرة عند مسلم (٤)، وفي حديث بريدة عند أحمد (٥).
وقوله: "ثم يكون بعدهم قوم". إلخ. ظاهر هذا أنه (أ) لم يكن في القرون الثلاثة من يتصف بهذه الصفات، والظاهر في القرنين بعد الصحابة أنه قد كان فيهم من هو متصف بالصفات المذمومة، ولكن هذا بحسب الأغلب. وقد استدل بهذا الحديث على تعديل القرون الثلاثة وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، ولكنه محمول على الأغلب.
وقوله: "يخونون". بالخاء المعجمة والواو، مشتق من الخيانة، وهو كذا في جميع نسخ البخاري، وزعم ابن حزم (٦) أنه وقع في نسخته:
стр. 4018
"يحربون (أ) ". بسكون الحاء المهملة وبالراء بعدها باء موحدة، قال: فإن كان محفوظًا فهو من قولهم: حَرَبه يَحربه. إذا أخذ ماله (ب) وتركه بلا شيء، ورجل محروب أي مسلوب.
وقوله: "ولا يؤتمنون". من الأمانة، أي: لا يثق الناس بهم ولا يعتقدونهم أمناء. بأن تكون خيانتهم ظاهرة بحيث لا يبقى للناس اعتماد عليهم. ووقع في أكثر نسخ مسلم: "ولا يُتَّمنون". بتشديد التاء الفوقانية مثل قراءة ابن مُحَيْصن: (فليؤد الذي اتُّمن) بالإدغام (١).
وقوله: "وينذرون". بفتح أوله وكسر الذال المعجمة وضمها، تقدم الكلام على النذر (٢).
وقوله: "ويظهر فيهم السِّمَن". بكسر السين المهملة وفتح الميم بعدها نون، أي: يحبون التوسع في المآكل والمشارب. وهي أسباب السمن، والمراد ذم من قصد إلى حصوله لا من خلق كذلك. وقيل: أراد كثرة المال. وقيل: إنهم يتسمنون. أي يتكثرون (جـ) بما ليس فيهم، ويدعون ما ليس لهم من الشرف، وقد جاء في حديث الترمذي (٣) عن عمران بن حصين بلفظ:
стр. 4019
"ثم يجيء قوم يتسمنون ويحبون السمن". فجمع بين السمن أي التكثر (أ) بما ليس عنده وتعاطي أسباب السمن الحقيقي.
١١٧١ - وعن عبد الله بن عمرو (ب) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غِمْر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت". رواه أحمد وأبو داود (١).
أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولفظ أبي داود: أن رسول الله ﷺ رد شهادة الخائن والخائنة. الحديث. وأخرج الحديث ابن ماجه والبيهقي (٢) أيضًا، وسنده قوي، وساقه في "البدر المنير" (٣) من خمس طرق عن عمرو بن شعيب، وأخرجه الترمذي والدارقطني والبيهقي (٤) من حديث عائشة بلفظ: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غِمر لأخيه، ولا ظنين [في ولاءٍ] (جـ) ولا قرابة". وفيه يزيد بن زياد الشامي الواسطي، وهو ضعيف (٥)، وقال الترمذي (٦): لا يعرف هذا من حديث الزهري إلا من هذا الوجه، ولا يصح عندنا إسناده. وقال أبو زرعة
стр. 4020
في "العلل": منكر. وضعفه عبد الحق وابن حزم وابن الجوزي (١)، ورواه الدارقطني والبيهقي (٢) من حديث عبد الله بن عُمر، وفيه عبد الأعلى (٣)، وهو ضعيف، وشيخه يحيى بن سعيد الفارسي (٤)، وهو ضعيف. قال البيهقي (٥): لا يصح من هذا شيء عن النبي ﷺ .
قوله: "الخائن والخائنة". ظاهره الخيانة في الأموال، كخيانة الوديعة، والتطفيف بالكيل والوزن. وقال أبو [عبيد] (أ) (٦): لا نراه خص به الخيانة في أمانات الناس دون ما افترض الله على عباده وائتمنهم عليه؛ فإنه قد سمى ذلك أمانة: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ (٧). فمن ضيع شيئًا مما أمر الله تعالى به أو ركب ما نهى عنه فليس ينبغي أن يكون عدلًا. انتهى.
وقوله: "ولا ذي غِمْر": بكسر الغين المعجمة وسكون الميم بعدها راء مهملة، فسره أبو داود (٨) بالحنة، بكسر الحاء المهملة وتخفيف النون
стр. 4021
المفتوحة، لغة في الإحْنة، وهو الحقد والشحناء، بالمد، والمراد به العداوة.
وقوله: "على أخيه". المراد به السلم، والمقصود من ذكره التنبيه بأنه لا يحسُن الحقد والعداوة بين المسلمين؛ لأنهم إخوة، وهو بحسب الأغلب، وإلا فالكافر كذلك، لا يصح أن يشهد عليه وبينهما عداوة على سبب غير المخالفة في الدين.
وقوله: "القانع لأهل البيت". المراد به الخادم، والقانع المنقطع إلى خدمتهم ويتبع حوائجهم وموالاتهم عند الحاجة. وتمام الحديث: وأجازها لغيرهم. أي أجاز شهادة القانع لغير أهل البيت.
والعلة في رد شهادة المذكورين المناسبة لشرعية هذا الحكم، هو أن الشهادة مبناها على تحصيل الظن المشهود عنده ليعمل (أ) بمقتضى ما شهدوا به، والخائن غير موثوق بخبره؛ لأنه إذا لم يكن له تقوى تردعه عن ارتكاب محظورات الدين، لم يكن له ما يردعه عن ارتكاب الكذب، فلا يحصل الظن بصدق خبره؛ لأنه مَظِنَّة تهمة، أو مسلوب أهلية الشهادة والإخبار، وكذلك ذو الحقد والشحناء متهم في تحري الصدق؛ لمحبته إنزال الضرر بمن قد حقد عليه، وأما قبول شهادة المسلم على الكافر، وإن كان بينهما عداوة، (ب فهي عداوة دين، وعداوة ب) الدين لا تقضي بأن يشهد عليه زورًا؛ فإن الدين لا يسوغ ذلك، وكذا القانع إذا شهد لمن هو خادم له فهو مَظِنة تهمة؛ لأنه يجلب لنفسه استمرار النفع عند من هو تابع (جـ) له، ويلحق به الوكيل والوصي، فلا تصح شهادتهما فيما لهما فيه التصرف.
والحديث فيه دلالة على اشتراط عدالة الشاهد على وفق قوله تعالى:
стр. 4022
﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). فإن الخيانة إذا كانت في مال له خطر فذلك غصب وأكل مال المسلم بغير حق، وكذلك عدم الوفاء بما افترض الله على عباده، إذا كان ذلك مما هو واجب قطعي فهو كبيرة، ومرتكب الكبيرة غير عدل؛ لأن العدالة في عرف الشرع محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، أو ملكة نفسانية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، وهي تُحَقَّق باجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، واجتناب خصال الخسَّة، وهي ما لا يفعلها أمثاله من أهل زمانه ومكانه. قال الإِمام يحيى والغزالي: فحمل [ذي] (أ) المنصب العالي المتاع من السوق إلى بيته لا على وجه المجاهدة لنفسه جرح.
والكافر الصريح الحربي لا تقبل شهادته على المسلم إجماعًا, ولا على كافر مثله أو غيره عند الأكثر، وذهب الحسن البصري وعثمان البتي وحماد وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه تقبل شهادته على كافر ولو خالفه في الاعتقاد؛ إذ الكفر ملة واحدة، وذهب الشعبي وداود والحكم وإسحاق وأبو عبيد (ب) وبعض الهدوية، وهو المبني عليه عند المتأخرين منهم، إلى أنه تقبل على أهل ملته ولا تقبل على غيرهم للعداوة، ولا تقبل [من] (أ) الذمي على المسلم إجماعًا في غير الوصية في السفر، وفيها خلاف أبي موسى الأشعري وابن
стр. 4023
أبي ليلى وشريح والنخعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل، وذهب إليه المنصور بالله؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ (١).
وأما صاحب البدعة التي تئول بدعته إلى كفر أو فسق عند من يقول بكفر التأويل وفسقه؛ فالجمهور أنه تقبل شهادته وخبره، وكذا فسق التأويل، وفاسق (أالجارحة لا تصح شهادته أ) إجماعًا، للآية الكريمة وهذا الحديث، وإنما كان خصال الخسَّة جرحا؛ لأن ترك المروءة دليل عدم الحياء الذي هو مظنة الجرأة؛ لقوله ﷺ : "إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" (٢).
وأما ذو الغِمْر فذهب إلى أن شهادته لا تقبل الهدوية ومالك والشافعي وأحمد؛ لهذا الحديث، وذهب المؤيد بالله وأبو حنيفة إلى أن شهادته تقبل؛ قالوا: لأن العدالة تمنع التهمة. والجواب: السنة منعت وقد صار مظنة تهمة، والنفس طموح.
وأما شهادة القانع فذهب إلى أنها لا تقبل الهادي والقاسم والناصر والشافعي؛ قالوا: لاستغراق منافعه فأشبه العبد، وهو الذي يعبر عنه بالأجير الخاص الذي منافعه مستغرقة لمن تبعه. وأما الأجير المشترك فتصح شهادته فيما لا يتعلق بعمله، والخلاف للمؤيد بالله أنها لا تصح شهادة الأجير مطلقًا، وذلك لما يلحق من التهمة بالمحاباة.
стр. 4024
وأما المحاباة بالقرابة ففيها تفصيل وخلاف مستوفى في الفروع. وكذا بالرق والولاء، فالعبد (أ) لسيده إلا يصح إجماعًا، وأما لغيره ففيه خلاف.
١١٧٢ - وعن أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ قال: "لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية". رواه أبو داود وابن ماجه (١).
البدوي: هو من سكن البادية، والنسبة على خلاف القياس، والقياس بادوي، ومسكنه المضارب والخيام، وهو غير مقيم في موضع خاص، بل يرتحل من مكان إلى مكان، كذا ذكره ابن رسلان في "شرح سنن أبي داود"، ولم يذكر في "القاموس" ولا في "الضياء" ولا في "النهاية" هذا التفسير. والقرية بفتح القاف وبكسرها: المِصر الجامع، والنسبة إليها قريي، وقروي.
والحديث فيه دلالة على أن شهادة البدوي لا تصح على القروي، وأما على مثله فتصح، وقد ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل وجماعة من أصحابه، قال أحمد: أخشى ألا تقبل شهادة البدوي على صاحب القرية لهذا الحديث، ولأنه متهم حيث عدل عن أن يُشهِد قرويًّا وأشهد بدويًّا. وذهب إلى هذا أبو [عبيد] (ب)، وكذا قال مالك إلا أنه استثنى الدماء فتقبل فيها
стр. 4025
احتياطًا للدماء، وعلل هذا في "النهاية" (١)، قال: إنما كره شهادة البدوي لما فيه من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشرع، ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها. وذهب الأكثر ومنهم الهدوية والشافعي وأبو حنيفة وابن سيرين وأبو ثور، واختاره أبو الخطاب من الحنابلة إلى قبول شهادتهم، وحملوا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البادية، والغالب عليهم أن عدالتهم غير معروفة. واحتج الإِمام المهدي على ذلك في "البحر" بما ثبت من قبول النبي ﷺ للأعرابي في شهادة رمضان (٢).
١١٧٣ - وعن عمر بن الخطاب ﵁، أنه خطب فقال: إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم. رواه البخاري (٣).
الحديث تمامه: فمن أظهر لنا خيرًا أَمِنَّاه وقربناه وليس إلينا (أ) من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال: إن سريرته حسنة.
فيه دلالة على أنه تقبل شهادة من لم توجد منه ريبة بالنظر إلى ظاهر الحال، وأنه يكفي في التعديل ما يظهر من حال المعدل من الاستقامة من غير كشف عن سريرته؛ لأن ذلك متعذر، وكان في عهد النبي ﷺ قد يطلع
стр. 4026
على معرفة سريرة البعض بالوحي، وقد انقطع الوحي بموته ﷺ .
وقوله: أَمِنَّاه. بفتح الهمزة وكسر الميم وتشديد النون.
١١٧٤ - وعن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ ، أنه عد شهادة الزور في أكبر الكبائر. متفق عليه في حديث (١).
الحديث في البخاري قال النبي ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " ثلاثًا. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين". وجلس وكان متكئًا فقال: "ألا وقول الزور". فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.
الحديث فيه دلالة على تعظيم إثم شهادة الزور، والمراد بها أن يشهد الشاهد بما لا يعلمه. قال الثعلبيِ في "تفسيره" (٢): أصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، وقد جعلها مساوية للشرك في أنها من أكبر الكبائر. قال النووي (٣): وليس هو على ظاهره المتبادر؛ وذلك لأن الشرك أكبر منها بلا شك، وكذلك القتل، فلا بد من تأويله، وفي تأويله ثلاثة أوجه؛ أحدها: الحمل على الكفر، فإن الكافر شاهد بالزور وقائل به. والثاني: الحمل على المستحل ويصير بذلك كافرًا. الثالث: أن التفضيل لها
стр. 4027
بالنظر إلى ما يناظرها في المفسدة، فهي أكبر مما يناظرها في المفسدة، وهي التسبب إلى أكل المال بالباطل، وهذا التأويل هو متعين؛ لأن الحمل على الكفر بعيد؛ فإنه قد ذكر الإشراك بالله، ولأنه خرج مخرج الزجر عن شهادة الزور في الحقوق المالية، وأما قبح الكفر وكونه أكبر الكبائر فذلك معروف ولا يتشكك فيه أحد من أهل القبلة، وظاهر الحديث أنه لا فرق في شهادة الزور بين أن يكون المشهود به حقيرًا أو عظيمًا، وقد يحتمل أن يقال مثل ما تقدم في حد الكبيرة. انتهى كلام النووي مع تصرف فيه.
وفي تمام الحديث تهويل وتحذر؛ فإنه ﷺ جلس وكان متكئًا، ثم أتى بحرف التنبيه؛ ليلقي الخاطب سمعه لما يُحذر منه، ثم أعاد اللفظ ثلاث مرات، ولعل سبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعًا على اللسان، والتهاون بها أكثر؛ فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يصرف عنه حسن الطبع وكرم الخلق، وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة؛ كالعداوة والحسد وغيرهما، [فاحتيج] (أ) إلى الاهتمام بتعظيمه، ولأن الإشراك مفسدته قاصرة لا (ب) تتعدى إلى غير المشرك القائم به الإشراك، وأما المعبود فهو الغني عن الخلق، له ما في السماوات وما في الأرض، وقول الزور مُتَعدٍّ إلى المقول فيه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١). وقد جاء في لفظ في البخاري: "ألا وقول الزور
стр. 4028
وشهادة الزور" (١). وهو يحتمل أن يكون من عطف الخاص على العام، أو من عطف الشيء على نفسه، زيادة في التحذير.
وقوله: حتى قلنا: ليته سكت. أي شفقة عليه وكراهية لما يزعجه، مما يدل على نكارة الحال وشدتها، وهذا منهم لما كانوا عليه من الأدب معه ﷺ والمحبة والشفقة عليه.
١١٧٥ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لرجل: "ترى الشمس؟ ". قال: نعم. قال: "على مثلها فاشهد أو دع". أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف وصححه الحاكم فأخطأ (٢).
الحديث أخرجه أيضًا العقيلي وأبو نعيم في "الحلية" والبيهقي (٣) من حديث طاوس عن ابن عباس أنه سئل ﷺ عن الشهادة فقال للسائل: "ترى الشمس؟ ". قال: نعم. قال: "على مثلها فاشهد أو دع". وفي إسناده محمَّد بن سليمان بن مشمول (أ) (٤) ضعفه النسائي (٥)، وقال البيهقي: لم يرو من وجه يعتمد عليه.
стр. 4029
الحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا على ما يعلمه علمًا يقينًا كما يعلم الشمس بالمشاهدة، ولا تجوز الشهادة بالظن، فإن كانت الشهادة على فعل فلا بد من رؤية ذلك الفعل، وإن كانت على صوت فلا بد من سماع ذلك الصوت ورؤية المصوِّت، أو التعريف بالمصوِّت بعدلين، أو عدل عند من يكتفي به، إلا في مواضع فيجوز الشهادة بالظن، وبوب البخاري لذلك بقوله: باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض، والموت القديم (١)، فعقد هذه الترجمة. وذكر في الباب أربعة أحاديث في إثبات الرضاع، وثبوته إنما هو بالاستفاضة فيها، لم يذكر فيها شهادة على رؤية الرضاع، وأشار بذلك إلى ثبوت النسب، فإنه من لازم الرضاع ثبوت النسب، وأما ثبوت الرضاعة نفسها بالاستفاضة فهي مستفادة من صريح الأحاديث، فإن الرضاعة المذكورة فيها كانت في الجاهلية وكان ذلك مستفيضًا عند من وقع له، وأما الموت القديم فمقيس على الرضاعة. قال ابن المنير (٢): واحترز البخاري بالقديم عن الموت الحادث، والمراد بالقديم ما تطاول الزمان عليه، وحدّه بعض المالكية بخمسين سنة. وقيل: بأربعين سنة.
وحد الاستفاضة عند الهدوية شهرة في المحلة تثمر علمًا أو ظنّا، وأقل من يسمع منهم جمع يُؤمَن تواطؤهم على الكذب. وقيل: خمسة. وقيل: أربعة. وقيل: يكفي من عدلين. وقيل: يكفي من عدل واحد إذا سكن القلب إليه. وإنما اكتفي بالشهرة في المذكورة، إذ لا طريق إلى التحقيق
стр. 4030
[بالنسب، لتعذر] (أ) التحقيق فيه بحسب الأغلب، والموت يشق فيه التحقيق، ويلحق بما ذكر ما شابهها في هذا الوصف، وقد ذهب العترة والحنفية والشافعية وأحمد إلى العمل بالشهرة في النسب والموت، وفي الولاء العترة وأبو يوسف ومحمد وأحد قولي الشافعي؛ لأن الولاء كالنسب، وذهب أبو حنيفة وأحد قولي الشافعي إلى أنها لا تكفي، وتوقف أبو العباس، وذهب العترة وأبو حنيفة وصاحباه إلى أنها تكفي في النكاح، وذهبت الهدوية إلى أنها تكفي في الوقف والوصية، وذهب المنصور بالله، وكذا في مصرف الوقف والوصية، وذهب العترة وأبو حنيفة ومحمد إلى أنها تكفي في كونه قاضيًا، وذهب الشافعي واختاره الإمام المهدي إلى أنها تكفي في ثبوت الملك وثبوت اليد؛ لتعذر تعين الملك كالنسب، هكذا حكى الخلاف الإمام المهدي في "البحر". وقال المصنف رحمه الله تعالى في "الفتح" (١): اختلف العلماء في ضابط ما تقبل فيه الشهادة بالاستفاضة؛ فتصح عند الشافعية في النسب قطعًا والولادة وفي الموت والعتق والولاء والوقف والولاية والعزل (ب) والنكاح وتوابعه والتعديل والتجريح والوصية والرشد والسَّفَه والملك، على الراجح في جميع ذلك، وبلغها بعض المتأخرين من الشافعية بضعة وعشرين موضعًا، وهي مستوفاة في "قواعد العلائي"، وعن أبي حنيفة: تجوز في النسب والموت والنكاح والدخول وكونه قاضيًا، زاد أبو يوسف الولاء،