← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

على معرفة سريرة البعض بالوحي، وقد انقطع الوحي بموته ﷺ . وقوله: أَمِنَّاه. بفتح الهمزة وكسر الميم وتشديد النون. ١١٧٤ - وعن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ ، أنه عد شهادة الزور في أكبر الكبائر. متفق عليه في حديث (١). الحديث في البخاري قال النبي ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " ثلاثًا. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين". وجلس وكان متكئًا فقال: "ألا وقول الزور". فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. الحديث فيه دلالة على تعظيم إثم شهادة الزور، والمراد بها أن يشهد الشاهد بما لا يعلمه. قال الثعلبيِ في "تفسيره" (٢): أصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، وقد جعلها مساوية للشرك في أنها من أكبر الكبائر. قال النووي (٣): وليس هو على ظاهره المتبادر؛ وذلك لأن الشرك أكبر منها بلا شك، وكذلك القتل، فلا بد من تأويله، وفي تأويله ثلاثة أوجه؛ أحدها: الحمل على الكفر، فإن الكافر شاهد بالزور وقائل به. والثاني: الحمل على المستحل ويصير بذلك كافرًا. الثالث: أن التفضيل لها

стр. 4027

بالنظر إلى ما يناظرها في المفسدة، فهي أكبر مما يناظرها في المفسدة، وهي التسبب إلى أكل المال بالباطل، وهذا التأويل هو متعين؛ لأن الحمل على الكفر بعيد؛ فإنه قد ذكر الإشراك بالله، ولأنه خرج مخرج الزجر عن شهادة الزور في الحقوق المالية، وأما قبح الكفر وكونه أكبر الكبائر فذلك معروف ولا يتشكك فيه أحد من أهل القبلة، وظاهر الحديث أنه لا فرق في شهادة الزور بين أن يكون المشهود به حقيرًا أو عظيمًا، وقد يحتمل أن يقال مثل ما تقدم في حد الكبيرة. انتهى كلام النووي مع تصرف فيه. وفي تمام الحديث تهويل وتحذر؛ فإنه ﷺ جلس وكان متكئًا، ثم أتى بحرف التنبيه؛ ليلقي الخاطب سمعه لما يُحذر منه، ثم أعاد اللفظ ثلاث مرات، ولعل سبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعًا على اللسان، والتهاون بها أكثر؛ فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يصرف عنه حسن الطبع وكرم الخلق، وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة؛ كالعداوة والحسد وغيرهما، [فاحتيج] (أ) إلى الاهتمام بتعظيمه، ولأن الإشراك مفسدته قاصرة لا (ب) تتعدى إلى غير المشرك القائم به الإشراك، وأما المعبود فهو الغني عن الخلق، له ما في السماوات وما في الأرض، وقول الزور مُتَعدٍّ إلى المقول فيه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١). وقد جاء في لفظ في البخاري: "ألا وقول الزور

стр. 4028

وشهادة الزور" (١). وهو يحتمل أن يكون من عطف الخاص على العام، أو من عطف الشيء على نفسه، زيادة في التحذير. وقوله: حتى قلنا: ليته سكت. أي شفقة عليه وكراهية لما يزعجه، مما يدل على نكارة الحال وشدتها، وهذا منهم لما كانوا عليه من الأدب معه ﷺ والمحبة والشفقة عليه. ١١٧٥ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لرجل: "ترى الشمس؟ ". قال: نعم. قال: "على مثلها فاشهد أو دع". أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف وصححه الحاكم فأخطأ (٢). الحديث أخرجه أيضًا العقيلي وأبو نعيم في "الحلية" والبيهقي (٣) من حديث طاوس عن ابن عباس أنه سئل ﷺ عن الشهادة فقال للسائل: "ترى الشمس؟ ". قال: نعم. قال: "على مثلها فاشهد أو دع". وفي إسناده محمَّد بن سليمان بن مشمول (أ) (٤) ضعفه النسائي (٥)، وقال البيهقي: لم يرو من وجه يعتمد عليه.

стр. 4029

الحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا على ما يعلمه علمًا يقينًا كما يعلم الشمس بالمشاهدة، ولا تجوز الشهادة بالظن، فإن كانت الشهادة على فعل فلا بد من رؤية ذلك الفعل، وإن كانت على صوت فلا بد من سماع ذلك الصوت ورؤية المصوِّت، أو التعريف بالمصوِّت بعدلين، أو عدل عند من يكتفي به، إلا في مواضع فيجوز الشهادة بالظن، وبوب البخاري لذلك بقوله: باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض، والموت القديم (١)، فعقد هذه الترجمة. وذكر في الباب أربعة أحاديث في إثبات الرضاع، وثبوته إنما هو بالاستفاضة فيها، لم يذكر فيها شهادة على رؤية الرضاع، وأشار بذلك إلى ثبوت النسب، فإنه من لازم الرضاع ثبوت النسب، وأما ثبوت الرضاعة نفسها بالاستفاضة فهي مستفادة من صريح الأحاديث، فإن الرضاعة المذكورة فيها كانت في الجاهلية وكان ذلك مستفيضًا عند من وقع له، وأما الموت القديم فمقيس على الرضاعة. قال ابن المنير (٢): واحترز البخاري بالقديم عن الموت الحادث، والمراد بالقديم ما تطاول الزمان عليه، وحدّه بعض المالكية بخمسين سنة. وقيل: بأربعين سنة. وحد الاستفاضة عند الهدوية شهرة في المحلة تثمر علمًا أو ظنّا، وأقل من يسمع منهم جمع يُؤمَن تواطؤهم على الكذب. وقيل: خمسة. وقيل: أربعة. وقيل: يكفي من عدلين. وقيل: يكفي من عدل واحد إذا سكن القلب إليه. وإنما اكتفي بالشهرة في المذكورة، إذ لا طريق إلى التحقيق

стр. 4030

[بالنسب، لتعذر] (أ) التحقيق فيه بحسب الأغلب، والموت يشق فيه التحقيق، ويلحق بما ذكر ما شابهها في هذا الوصف، وقد ذهب العترة والحنفية والشافعية وأحمد إلى العمل بالشهرة في النسب والموت، وفي الولاء العترة وأبو يوسف ومحمد وأحد قولي الشافعي؛ لأن الولاء كالنسب، وذهب أبو حنيفة وأحد قولي الشافعي إلى أنها لا تكفي، وتوقف أبو العباس، وذهب العترة وأبو حنيفة وصاحباه إلى أنها تكفي في النكاح، وذهبت الهدوية إلى أنها تكفي في الوقف والوصية، وذهب المنصور بالله، وكذا في مصرف الوقف والوصية، وذهب العترة وأبو حنيفة ومحمد إلى أنها تكفي في كونه قاضيًا، وذهب الشافعي واختاره الإمام المهدي إلى أنها تكفي في ثبوت الملك وثبوت اليد؛ لتعذر تعين الملك كالنسب، هكذا حكى الخلاف الإمام المهدي في "البحر". وقال المصنف رحمه الله تعالى في "الفتح" (١): اختلف العلماء في ضابط ما تقبل فيه الشهادة بالاستفاضة؛ فتصح عند الشافعية في النسب قطعًا والولادة وفي الموت والعتق والولاء والوقف والولاية والعزل (ب) والنكاح وتوابعه والتعديل والتجريح والوصية والرشد والسَّفَه والملك، على الراجح في جميع ذلك، وبلغها بعض المتأخرين من الشافعية بضعة وعشرين موضعًا، وهي مستوفاة في "قواعد العلائي"، وعن أبي حنيفة: تجوز في النسب والموت والنكاح والدخول وكونه قاضيًا، زاد أبو يوسف الولاء،

стр. 4031

ومحمد الوقف. قال صاحب "الهداية" (١): وإنما أجيزا (أ) استحسانًا، وإلا فالأصل أن الشهادة لا بد فيها من المشاهدة. انتهى. ١١٧٦ - وعن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد. أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وقال: إسناده جيد (٢). وعن أبي هريرة ﵁ مثله. أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان (٣). وأخرج حديث ابن عباس الشافعي (٤)، وزاد فيه: عن عمرو بن دينار أنه قال: وذلك في الأموال. قال الشافعي: وهذا الحديث ثابت لا يرده أحد من أهل العلم لو لم يكن فيه غيره، مع أن معه غيره مما شده. وقال البزار (٥): في الباب أحاديث حسان أصحها حديث ابن عباس. وقال ابن عبد البر (٦): لا مطعن لأحد في إسناده. كذا قال، ولكن قد قال عباس الدوري في "تاريخ يحيى بن معين" (٧) عنه: ليس بمحفوظ. وقال

стр. 4032

البيهقي (١): أَعلّه الطحاوي بأنه لا يعلم قيسًا يحدث عن عمرو بن دينار بشيء. قال: وليس ما لا يعلمه الطحاوي لا يعلمه غيره. ثم روى (أ) البيهقي (٢) حديث الذي وقصته ناقته عن قيس بن سعد (ب) عن عمرو بن دينار، يعني فقد ثبت روايته عنه، ثم قال البيهقي: وليس من شرط قبول الأخبار كثرة رواية الراوي عمن روى عنه، ثم إذا روى الثقة عمن لا ينكر سماعه منه حديثًا واحدًا، وجب قبوله وإن لم يرو عنه غيره، على أن قيسًا قد تابعه محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار في رواية عبد الرزاق، أخرجه أبو داود (٣). وتابع عبد الرزاق أبو حذيفة، وقال الترمذي في "العلل" (٤): سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: لم يسمعه عندي عمرو من ابن عباس. قال الحاكم (٥): قد سمع عمرو من ابن عباس عدة أحاديث، وسمع من جماعة من أصحابه، فلا ينكر أن يكون سمع منه حديثًا وسمعه من بعض أصحابه عنه، وأما رواية عصام البلخي وغيره ممن زاد فيه بين عمرو وابن عباس طاوسًا، فهم ضعفاء. قال البيهقي (٦): ورواية الثقات لا تعلل

стр. 4033

برواية الضعفاء. وحديث أبي هريرة أخرجه أيضًا الشافعي (١). وقال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه (٢): هو صحيح. ورواه البيهقي (٣) من حديث مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. ونقل عن أحمد أن حديث الأعرج ليس في الباب أصح منه (٤). وقد أخرج الحديث عن اثنين وعشرين من الصحابة (٥)، عمر، وجابر، وسعد بن عبادة، وعمارة بن حزم، وأبو هريرة، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وسُرَّق بن أسد، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وقضى به علي في العراق، وابن عمر، وأبو سعيد، وعامر بن ربيعة، وسهل بن سعد، والمغيرة بن شعبة، وبلال بن الحارث، ومسلمة بن قيس، وأنس، وتميم الداري، وزُبَيب بن ثعلبة -بضم الزاي وفتح الباء الموحدة ثم مثناة تحت ساكنة ثم باء موحدة، وقيل: زنيب بالنون- وأم سلمة. الحديث فيه في دلالة على أنه يثبت القضاء بشاهد ويمين، وقد ذهب إليه جماهير من الصحابة والتابعين والأئمة وهم؛ علي وأبو بكر وعمر وعثمان وابن عباس وأُبي وعمر بن عبد العزيز وشُريح والشعبي وربيعة وفقهاء المدينة السبعة والناصر والهدوية ومالك والشافعي؛ لهذه الأحاديث الصحيحة، وذهب زيد بن علي والزهري والنخعي والأوزاعي وابن شُبرمة والثوري

стр. 4034

وأبو حنيفة وأصحابه وجمهور أهل العراق إلى أنه لا يجوز القضاء بشاهد ويمين؛ قالوا: لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (١). وهذا يقتضي الحصر، والزيادة بالشاهد واليمين تخالفه، فإذا اعتبر مفهوم المخالفة كان المعنى: لا بغير ذلك. وزيادة الشاهد واليمين تكون نسخًا لمفهوم المخالفة عند من أثبته، أو على ما أصله الشيخ أبو الحسن الكرخي وأبو عبد الله البصري أن الزيادة باعتبار الشاهد واليمين على ما دلت عليه الآية من الاقتصار على الشاهدين أو الرجل والمرأتين- نسخ للاقتصار، وكذا على قول من قال: إن الزيادة على ما دل عليه (أالنص نسخ أ)؛ لأنها قد رفعت أجزاء المزيد عليه من دونها مطلقًا، سواء كانت الزيادة دالة على زيادة شطر لشيء؛ كزيادة ركعة في الفجر وزيادة التغريب في الحد، أو شرط؛ كزيادة وصف الإيمان في إعتاق رقبة بالإطلاق، وزيادة الطهارة على الطواف، أو رفع مفهوم مخالفة كما في هذا الذي نحن فيه. قالوا: ولا يصح نسخ العلوم بالمظنون، فوجب الاقتصار على ما دلت عليه الآية، وكذا قوله ﷺ في مخاصمة الأشعث بن قيس: "شاهداك أو يمينه". أخرجه البخاري ومسلم (٢). والجواب عن ذلك أن حديث ابن عباس صحيح كما عرفت، وهو متأيد بغيره كما نبهناك عليه، والآية الكريمة إن سلمنا دلالتها على مفهوم المخالفة الذي دلت عليه الآية

стр. 4035

الكريمة فالمفهوم ظني، فلا مانع أن ينسخها الحديث المذكور، وإن كان ظنيًّا فهو من باب نسخ الظني بالظني، وكذا الاقتصار على منطوق الآية ظني، وعلى ما حققه العلامة عضد الملة والدين والمدقق الفهامة سعد الدين رحمهما الله تعالى في "شرح مختصر ابن الحاجب" أنه لا نسخ حينئذٍ، وحاصل ذلك أن المرفوع بحديث الشاهد واليمين إنما هو عدم جواز الحكم به، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية. لم يثبته لا بمنطوقه ولا بمفهوم المخالفة؛ وذلك لأن الآية دلت على حصر طلب الاستشهاد؛ بمعنى أن اللازم رجلان على تقدير الإمكان، ورجل وامرأتان على تقدير التعذر، فإن منع المفهوم كما هو رأي الحنفية فلا نسخ، وإن سلم المفهوم فليس (أمفهوم قوله أ): ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾. سواء. أن غير هذا الاستشهاد ليس بمطلوب، بمعنى أن طلب الاستشهاد لم يتعلق إلا بهذين النوعين، وأما أنه لا يصح الحكم بغير هذين النوعين، فلا دلالة عليه للنص، لا بالمنطوق ولا بالمفهوم. انتهى. فيكون حديث الشاهد واليمين بيان حجة مستقلة يثبت بها الحق، وأما حديث: "شاهداك أو يمينه". فهذا الحديث مثله صحيح ظني فيعمل به فيما دل عليه صريحًا وإن خالف مفهوم: "شاهداك أو يمينه". وأجاب الإمام المهدي في "البحر" عن حجة الآخرين بالآية بقوله: قلنا: لم يصرح بإبطال ما روينا، فوجب الجمع. انتهى. وهذا الجواب مجمل لا يفيد المطلوب، ثم قال: وتوقف المؤيد بالله. قلنا: لا وجه موجب للتوقف، إذ الحجة الضعيفة إذا انضمت إلى القوية عمل بها، كالامرأتين مع الرجل.

стр. 4036

انتهى. ولا يخفى ركة الجواب والله أعلم. وفي وجه للشافعي وصححه الحنابلة أنه لا يقضى بالشاهد واليمين إلا إذا عدم الشاهدان. وقوله في زيادة الشافعي: وذلك في الأموال. يدل على أنه لا تثبت الحقوق والحدود بهما، قال الإمام المهدي في "البحر": ولا يحكم بذلك إلا في حق لآدمي محض لا في الحد والقصاص إجماعًا ثم قال: ولا في وقف وعتق إلا عن بعض أصحاب الشافعي. قلنا: فيهما (أ) حق لله تعالى فأشبها الحد. ثم قال: فرع: الهدوية: ويحكم بذلك في الحقوق؛ كالنكاح والطلاق والرجعة والوكالة والوصاية. الشافعي: لا، إلّا في الأموال وتوابعها؛ كالإبراء والكفالة والرد بالعيب. قلنا: والحقوق مقيسة، إذ لا فاصل. قلت: ويصح في غلة الوقف إذ هو مالي. انتهى. ولا يخفى أن النص حجة للشافعي، إلا أن الحقوق إذا كانت تئول إلى المال فقياسها قوي على المال، وأما الحق المحض فلا يصح قياسه لعدم الجامع. ثم قال الإمام في "البحر": فرع: ولا يحكم بامرأتين ويمين، إذ ضم ضعيف إلى ضعيف، كأربع نسوة أو يمينين. مالك: الامرأتان كالرجل. لنا ما مر، وكما لا يكفي في النكاح. انتهى. فائدة من "طبقات السبكي الكبرى" (١): حكى الكرابيسي عن معاوية أنه قبل شهادة أم سلمة لابن أخيها، وأجاز زُرارة شهادة أبي مجلز وحده، وأجاز شريح شهادة أبي إسحاق وحده، وأجاز شريح أيضًا شهادة أبي قيس

стр. 4037

على مصحف وحده. قال الكرابيسي: إن قال قائل: أجيز شهادة واحد. ارتد (أ)، فإن تاب وإلا قتل. قال: فإن قال قائل: هؤلاء من العلماء. قيل له: إنما يهدم الإسلام زَلَّةُ عالم ولا يهدمه ألف زلة جاهل. انتهى. وقد أخذ أبو مضر من قول المؤيد بالله: إن خبر الواحد مع القرينة قد يفيد العلم أن الحاكم إذا حصل له العلم بخبر الواحد جاز له الحكم إلا في الحدود. قال أبو مضر: أو ظن مقارب. قال: ولا فرق بين أن يكون المخبر عدلًا أو فاسقًا. قال الفقيه يحيى بن أحمد: هذا غلط، لأن الأمة أجمعت على اعتبار العدد. ومثل كلام أبي مضر قال المنصور بالله، قالوا: لأن الشهادة العادلة لا تحصل إلا الظن. والله سبحانه أعلم.

стр. 4038

باب الدعوى والبينات الدعوى: اسم مصدر من ادعى شيئًا (أإذا زعم أن له حقًّا أو باطلًا، ومن دَعَاه إذا صاح به أ)، والبينات: جمع بينة، وهي الحجة الواضحة، سميت الشهادة بينة لوضوح الحق وظهوره بها. ١١٧٧ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناسٌ دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعَى عليه". متفق عليه (١)، وللبيهقي بإسناد صحيح (٢): "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر". أخرجه البيهقي بإسناد حسن، قال المصنف ﵀ (٣): وزعم الأصيلي أن قوله: "البينة". إلى آخره إدراج في الحديث، حكاه القاضي عياض، وفي الباب عن مجاهد عن ابن عمر لابن حبان (٣) في حديث، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أخرجه الترمذي (٤)، وأخرجه الدراقطني (٥) بإسناد ضعيف بمسلم بن خالد الزنجي مولى بني مخزوم (ب)، قال الذهبي في

стр. 4039

"الكاشف" (١): وثق، ضعفه أبو داود الكثرة غلطه. وهذا الحديث دل على قاعدة كبيرة (أ) من قواعد أحكام الشرع؛ وهو أنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه لمجرد دعواه، بل يحتاج إلى بينة أو تصديق المدعَى عليه، فإن طلب يمين المدعَى عليه فله ذلك، وقد بين ﷺ الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه؛ لأنه لو أعطي بمجردها لادعى قومٌ دماء قوم وأموالهم واستبيح ذلك، ولا يمكن المدعى عليه أن يصون دمه وماله، وأما المدعي فيمكنه صيانتهما بالبينة، ودل على ما ذهب إليه الجمهور من سلف الأمة وخلَفها أن اليمين تتوجه على كل من ادُّعي عليه حق (ب)، سواء كان بينه وبين المدعي اختلاط أم لا، وقال مالك وجمهور أصحابه والفقهاء السبعة المدنيون: إن اليمين لا تتوجه إلا على من بينه وبين المدعي خلطة؛ لئلا [يبتذل] (جـ) السفهاء أهل الفضل بتحليفهم مرارًا في اليوم الواحد، فاشترطت الخلطة دفعًا لهذه المفسدة. والخلطة قيل: هي معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد أو شاهدين. وقيل: تكفي الشبهة، بأن تكون الدعوى مما يليق مثلها بمثله. وقيل: أن يليق بالمدعي أن يعامل المدعى عليه بمثلها. وذهب الإصطخرى من الشافعية أن قرائن الأحوال إذا شهدت

стр. 4040

بكذب المدعي لم يتلفت إلى دعواه، ويجاب عنهم بأن الحديث مطلق، ولم يدل على اشتراط الخلطة كتابٌ ولا سنة ولا إجماع، ولعل المستند مثل حديث: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" (١). فإذا لم يكن بينهما ما يظن من أسباب الخلطة التي تشكك في ثبوت الدعوى كان مجرد ضرار منهي عنه، قال العلماء: والحكمة في كون البينة على المدعي أن جانب المدعي ضعيف؛ لأنه يدعي خلاف الظاهر، فكلف الحجة القوية وهي البينة، فيقوى بها ضعف المدعي، وجانب المدعى عليه قوي؛ لأن الأصل فراغ ذمته، فاكتفي منه باليمين. وهي حجة ضعيفة؛ لأن الحالف يجلب النفع لنفسه ويدفع الضرر عنها. وقد اختلف في تعريف المدعي والمدعَى فقيل: المدعي من يُخلَّى وسكوتَه. وقيل: من معه أخفى الأمرين. والمدعى عليه بخلافه في الطرفين. ١١٧٨ - وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين فأسرعوا، فأمرهم أن يُسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف. رواه البخاري (٢). الحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة بهذا اللفظ، وأخرجه النسائي (٣) أيضًا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق، وقال فيه: فأسرع الفريقان. وقد رواه أحمد (٤) عن عبد الرزاق شيخ شيخ البخاري فيه بلفظ:

стр. 4041

"إذا أكره الاثنان على اليمين فاستحباها فليستهما عليه". وأخرجه أبو نعيم في "مسند إسحاق بن راهويه" (١) عن عبد الرزاق مثل رواية البخاري، و [تعقبه بأنه رآه] (أ) في أصل إسحاق عن عبد الرزاق باللفظ الذي رواه أحمد، وأخرجه أبو داود (٢) عن أحمد وسلمة بن شبيب عن عبد الرزاق بلفظ: "أو استحباها". قال الإسماعيلي (٣): هذا هو الصحيح. أي أنه بلفظ "أو" لا بالفاء ولا بالواو، وقد أخرجها الإسماعيلي من طريق عبد الرزاق بالواو. وحديث أبي هريرة المذكور أوَّلًا يحتمل أنه ورد في حق جماعة وجبت عليهم اليمين؛ بأن يكونوا مدعّى عليهم وتسارعوا من يحلف أوَّلًا، فإنه يقرع بينهم، وأما رواية: "إذا (ب) أكره". فقال الخطابي (٣): لا يراد به حقيقته (جـ)؛ لأن الإنسان لا يكره على اليمين، وإنما المعنى إذا توجهت اليمين على اثنين وأرادا الحلف، سواء كانا كارهين لذلك بقلبهما، وهو معنى الإكراه، أو مختارين لذلك بقلبهما، وهو معنى الاستحباب، وتنازعا أيهما يبدأ، فلا يقدم أحدهما إلا بالقرعة، وهو المراد بقوله: "فليستهما". وقيل صورة الاشتراك في اليمين أن يتنازع اثنان عينًا ليست في يد واحد منهما،

стр. 4042

ولا بينة لواحد منهما، ويكون هذا موافقًا لما رواه أبو داود والنسائي (١) من طريق أبي رافع عن أبي هريرة، أن رجلين اختصما في متاع ليس لواحد منهما بيّنة، فقال النبي ﷺ : "استهما على اليمين ما كان أحبا ذلك أو كرها". ويكون مفهوم الحديث أن يحلف من خرجت له القرعة ويستحقها. ولم أطلع على قول لأحد من الأئمة بمقتضى هذا المفهوم، والذي في كتب الفروع في الشيء المدعَى؛ إن كان عليه يد فالقول قول صاحب اليد واليمين عليه، وهو الموافق لحديث ابن عباس، وإن لم يكن عليه يد فهو لمن بيَّن أو حلف، فإن بيَّنا جميعًا أو تحالفا فبينهما. ذكره الإمام يحيى، وإن نكلا فلا شيء لهما. وقالت الهدوية: يقسم. وقال الفقهاء المفرِّعون على أصل الهادي: لا يقسم وإن حلفا، إذ (أ) مع عدم البينة هو كاللقطة. وأجاب الإمام المهدي بالفرق، وذلك أن يد الملتقط يد لبيت المال بخلاف ما لا يد عليه لأحد، فدعواه مع اليمين كاليد، ولم يكتف بالدعوى، لقوله ﷺ : "لو أعطي الناس بدعاويهم". الحديث. ١١٧٩ - وعن أبي أمامة الحارثي ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار وحرم الله عليه الجنة". فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: "وإن كان قضيبًا من أراك". رواه مسلم (٢).

стр. 4043

الحديث فيه دلالة على وعيد من حلف ليأخذ حقًّا على غيره، أو يسقط عن نفسه حقًّا استحقه غيره. وفي لفظ: "حق". دلالة على حصول الوعيد على من غصب ما ليس بمال؛ كجلد الميتة والسرجين (أ) (١) وغير ذلك من النجاسات التي ينتفع بها، وكذلك سائر الحقوق التي ليست بمال؛ كحد القذف ونصيب الزوجة في القسم وغير ذلك، والمال كذلك، فإنه يشمله الحق. وقوله: "مسلم". التقييد بالمسلم ليس لإخراج غير المسلم، فأما على قول من لا (ب) يقول بالمفهوم فالذكر لا يلزم منه أن غير المذكور بخلافه، وأما على قول من يقول بالمفهوم فيقول: المفهوم هنا غير معمول به؛ لأن المخاطب بذلك المسلمون، فخصهم بالذكر، أو لأن أكثر المعاملة بين المسلمين، فلا يلزم منه مغايرة غير المسلم في الحكم، بل الذمي كذلك، ويحتمل أن تكون هذه العقوبة العظيمة إنما تختص بمن اغتصب حق المسلم دون الذمي وإن كان محرمًا. وقوله: "وإن كان قضيبًا من أراك". مبالغة في تحريم حق المسلم، وأنه يستوي فيه قليل الحق (جـ) وكثيره.

стр. 4044

وقوله: "فقد أوجب الله له" إلخ. محمول على عدم التوبة، وأما إذا تاب وتخلص مما عليه، فإن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم. وفيه دلالة لمذهب الجمهور أن حكم الحاكم لا ينفذ باطنًا وإن نفذ ظاهرًا، وقد تقدم ذلك. ١١٨٠ - وعن الأشعث بن قيس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجرٌ، لقي الله وهو عليه غضبان". متفق عليه (١). هو أبو محمد الأشعث -بالشين المعجمة والعين المهملة والثاء المثلثة- ابن قيس بن معد يكرب الكندي، قدم على النبي ﷺ في وفد كندة، وكان رئيسهم، وذلك في سنة عشر، كان رئيسًا (أ) في الجاهلية، مطاعًا في قومه، وكان وجيهًا في الإسلام، وارتد عن الإسلام لما مات النبي ﷺ ، ثم راجع الإسلام في خلافة أبي بكر، وخرج مع سعد بن أبي وقاص إلى العراق فشهد القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند، ونزل الكوفة ومات بها سنة اثنين وأربعين، وصلى عليه الحسن بن علي وهو بها أيامَ صالح معاوية، وقيل: مات سنة أربعين بعد موت علي بأربعين يومًا. روى عنه ابنه محمد وقيس ابن

стр. 4045

ابنه وقيس بن أبي حازم وأبو وائل والشعبي وإبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن عدي الكندي (١). قوله: "هو فيها فاجرٌ". أي إذا كان متعمدًا عالمًا بأنه غير محق، والتقييد لا بد منه؛ لأنه لا وعيد يستحقه الحالف إلا إذا كان بهذه الصفة. وقوله: "وهو عليه غضبان". وفي رواية: "معرض". المراد به إرادته بُعد المغضوب عليه من رحمته وتعذيبُه وإنكارُ فعله وذمُّه (٢)، وهو مقيد بأن يموت ولم يتب، والله أعلم. ١١٨١ - وعن أبي موسى ﵁، أن رجلين اختصما في دابة ليس لواحد منهما بينة، فقضى بها رسول الله ﷺ بينهما نصفين. رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٣) وهذا لفظه، وقال: إسناده جيد. وأخرج الحديث الحاكم (٤)، وأخرجه البيهقي (٥) وذكر الاختلاف فيه على قتادة، وقال: هو معلول للاختلاف فيه على سعيد بن أبي عروبة؛ فقيل: عنه عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى. وقيل: عنه عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة، قال: أنبئت أن رجلين. قال

стр. 4046

سماك بن حرب: أنا حدثت أبا بردة بهذا الحديث (١). فعلى هذا لم يسمع أبو بردة هذا الحديث من أبيه، ورواه أبو كامل مظفر بن مدرك عن حماد عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبي بردة مرسلًا، قال حماد: [فحدثت] (أ) به سماك بن حرب، قال: أنا حدثت به أبا بردة (٢). وقال الدارقطني والبيهقي والخطيب (٣): الصحيح أنه عن سماك مرسلًا، ورواه ابن أبي شيبة (٤) عن [أبي] (ب) الأحوص عن سماك عن تميم بن طرفة أن رجلين ادعيا بعيرًا، فأقام كل واحد منهما البينة أنه له، فقضى النبي ﷺ [به] (جـ) بينهما. ووصله الطبراني (٥) بذكر جابر بن سمرة فيه بإسنادين في أحدهما حجاج بن أرطاة (٦) والراوي عنه سُويد بن عبد العزيز (٧)، وفي [الآخر] (د) ياسين الزيات (٨)، والثلاثة ضعفاء.

стр. 4047

وهذا حديث أبي بردة في أكثر ألفاظه بعير. وفي لفظ: في شيء (١). وفي لفظ: في دابة. وفي لفظ أبي داود: بعيرًا أو دابة. وفي النسائي بلفظ: دابة. من غير شك. الحديث محمول على أن الدابة في أيدي المتداعيين كما بوب على ذلك البيهقي (٢)، قال: باب المتداعيين يتنازعان المال وما يتنازعان في أيديهما معًا، ثم قال: قال الشافعي: فهو بينهما نصفان، فإن لم يجد واحد منهما بينة أحلفنا كل واحد منهما على دعوى صاحبه. ثم ساق حديث أبي موسى. وقد ذكر الإمام المهدي في "البحر" تفصيل المسألة والخلاف فيها، قال: ومتى كان المدعَى في أيديهما أو مقر لهما -قلت: أو لواحدٍ غير معين- فلِمَن بَيَّن أو حلف أو نكل صاحبه دونه، فإن بينا أو حلفا أو نكلا؛ ابن عمر وابن الزبير والثوري والهدوية وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي: يقسم نصفين؛ لفعله ﷺ في متداعيي البعير، لكن حيث بيّنا أو نكلا استحق كل واحد ما في يد خصمه ببينته، والنكول كالإقرار، وحيث لا بينة يتحالفان ويقسم؛ إذ كلٌّ مُدعٍ ومنكر، فيحلف كلٌّ فيما أنكره ولا يعطى ما ادعاه؛ لعدم البينة. الناصر ومالك والشافعي: بل تتهاتر البينتان (أ)؛ لتيقن كذب

стр. 4048

إحداهما، ولا تحالف (أ) مع عدمهما، فتقر مع ذي اليد، كتساقط الخبَرين والقياسين حيث تعارضا. الإمام يحيى: بل يحتمل صدقهما؛ لصحة تصرف كل واحد في كله تصرف المالك، فحملتا على الشركة؛ إذ الواجب التلفيق (١) ما أمكن. للشافعي: يقرع بينهما. للشافعي: بل يوقف حتى يصطلحا. قلنا: لا دليل. انتهى. ورواية: أنه أقام كل واحد منهما بينة. قال ابن رسلان في "شرح السنن": يحتمل أن تكون القصة في هذا الإسناد والذي قبله واحدة، إلا أن البيِّنتين لما تعارضتا تساقطتا وصارتا كالعدم، وحكم لهما نصفين؛ لاستوائهما في اليد، ويحتمل أن يكون الحديث الأول في عين كانت في يدهما، ويدل عليه أن في رواية ابن ماجه (٢): اختصم إليه رجلان بينهما دابة. والحديث الثاني: كانت العين في يد ثالث لا يدعيها. يدل عليه رواية النسائي (٣) بلفظ: ادعيا دابة وجداها عند رجل، فأقام كل واحد (ب) منهما شاهدين، فلما أقام كل واحد شاهدين نزع من يده ودفع [إليهما] (جـ) ليقتسماه بينهما نصفين. وهذا أظهر؛ لأن حمل الإسنادين على معنيين متعددين أرجح من حملهما على معنى واحد.

стр. 4049

١١٨٢ - وعن جابر (أ) ﵁، أن النبي ﷺ قال: "من حلف على منبري هذا بيمين آثمة تبوأ مقعده من النار". رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان (١). وأخرجه البيهقي (٢) من طريق الشافعي. الحديث فيه دلالة على عظم (ب) إثم من حلف اليمين الآثمة على منبر رسول الله ﷺ . وقد اختلف العلماء في تغليظ التحليف بالمكان والزمان، هل يجوز للحاكم أم لا؟ وهذا الحديث لا يدل على ذلك، وإنما فيه دلالة على وعيد من فعل اليمين الفاجرة فقط، وقد ذكره البيهقي في باب تأكيد اليمين بالمكان، فذهب العترة والحنفية إلى أنه لا تغليظ بمكان ولا زمان، والحنابلة كذلك، والمراد أنه لا يجب على الحالف الإجابة إلى ذلك، وذهب الجمهور إلى وجوب التغليظ؛ ففي المدينة المشرفة على المنبر، وفي مكة بين الركن والمقام، وفي غيرهما في المسجد الجامع، واحتج من لم يقل بالتغليظ

стр. 4050

بالأحاديث الواردة في اليمين كقوله: "شاهداك أو يمينه" (١). وغيره، ولم يذكر معها تغليظ؛ ولذلك بوب البخاري (٢): باب: يحلف المدعَى عليه حيثما وجبت عليه اليمين ولا يصرف من موضع إلى غيره، وقال النبي ﷺ : "شاهداك أو يمينه". ولم يخص مكانًا دون مكان. انتهى. وهذا من جودة فقه البخاري وقوة استنباطه، ولا يعترض عليه بما بوب قبله: باب: اليمين بعد العصر. وذكر فيه حديث أبي هريرة (٣): "ثلاثة لا يكلمهم الله ... " الحديث، وفيه: "ورجل ساوم بسلعته بعد العصر". انتهى. ولعله يقول: ورد التغليظ بالزمان فيكون خاصا كما في الحديث، وكما في قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ (٤). وقد فسرت بصلاة العصر، إلا أنه يرد عليه: القياس يقضي بالتغليظ بالكان قياسًا على الزمان. واحتج الجمهور لهذا بحديث جابر وحديث أبي أمامة مرفوعًا: "من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا". أخرجه النسائي (٥) ورجاله ثقات، وأخرج الكرابيسي (٦) في "أدب القضاء" بسند قوي إلى سعيد ابن المسيب قال: ادعى مدع على آخر أنه اغتصب له بعيرًا، فخاصمه إلى عثمان، فأمره عثمان أن يحلف عند المنبر، فأبى أن يحلف وقال: أحلف له

стр. 4051

حيث شاء غير المنبر. فأبى عليه عثمان أن يحلف إلا عند المنبر، فغرم له بعيرًا مثل بعيره ولم يحلف. وأخرج البيهقي (١) من طريق الشافعي عن أبي غطفان (أابن طريف أ) المري قال: اختصم زيد من ثابت وابن مطيع إلى مروان بن الحكم في دار، فقضى باليمين على زيد بن ثابت على المنبر، فقال زيد: أحلف له مكاني. فقال مروان: لا والله إلا عند مقاطع الحقوق. فجعل زيد يحلف أن حقه لحق، ويأبي أن يحلف على المنبر، فجعل مروان يعجب من ذلك. قال مالك: كره زيد صبر اليمين. وأخرج (١) عن الشافعي قال: وبلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ حلف على المنبر في خصومة كانت بينه وبين رجل، وأن عثمان ﵁ ردت عليه اليمين على المنبر فاتقاها وافتدى منها، وقال: أخاف أن يوافق قدر بلاء فيقال: بيمينه. وأخرج (١) عن ابن عباس أنه سئل عن امرأة شهدت أنها أرضعت امرأة وزوجها، فقال: استحلفها عند المقام؛ فإنها إن كانت كاذبة لم يحل عليها الحول حتى يَبيَضَّ ثدياها. فاستحلفت فحلفت، فلم يحل عليها الحول حتى ابيض ثدياها. وأخرج (٢) عن الشعبي قال: قُتل رجل فأدخل عمر بن الخطاب الحجرة من المدعَى عليهم خمسين رجلًا، فأقسموا: ما قتلنا ولا

стр. 4052

علمنا قاتلًا. وأخرج (١) عن عطاء بن أبي رباح، أن رجلًا قال لامرأته: حبلك على غاربك. مرارًا، فأتى عمر بن الخطاب، فاستحلفه بين الركن والمقام: ما الذي أردت بقولك؟ وهما مرسلان يؤكد أحدهما الآخر، وأخرج (١) من طريق الشافعي عن المهاجر بن أبي أمية قال: كتب إليَّ أبو بكر الصديق ﵁ أن ابعث إليّ بقيس بن مكشوح في وثاق، فأحلفه خمسين يمينا عند منبر النبي ﷺ ما قتل دادوي (أ). قال الشافعي (٢): وهذا قول حكام المكيين ومفتيهم. قال الشافعي: وأخبرني مسلم والقداح عن ابن جريج عن عكرمة ابن خالد، أن عبد الرحمن بن عوف رأى قوما يحلفون بين المقام والبيت، فقال: أعلى دم؟ فقالوا: لا. قال: فعلى عظيم من الأموال (ب)؟ قالوا: لا. قال: لقد خشيت أن يبهأ (جـ) الناس بهذا المقام. أي [يأنسوا] (د) به فتذهب (هـ) هيبته من (و) قلوبهم. قال أبو عبيد (٣): بَهَأت بالشيء إذا أنِسْت

стр. 4053

به. قال الشافعي (١): ذهبوا إلى أن العظيم من الأموال عشرون دينارًا. و [قال مالك] (أ): يحلف على ربع دينار. لانه نصاب السرقة عنده. فهذه الآثار عن الصحابة تدل على أن التغليظ بالمكان شائع ذائع واجب إذا طلبه الخصم؛ لأنه لو كان غير واجب لما امتنع البعض منه وافتدى منه بالمال. وقال الإمام يحيى: إن التغليظ يستحب وليس بواجب. وقال أبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي: يستحب أيضًا في القليل كالكثير؛ لقوله ﷺ : "ولو على أراك" (٢). قال الإمام المهدي: والأقرب أنه موضع اجتهاد للحاكم واستحسانه جنسًا وقدرًا. قال: كما أشار إليه الشافعي حيث قال: استحسنت له ذلك. انتهى. وظاهر كلام الشافعي الذي نقله عنه البيهقي الوجوب. والله أعلم. وقد ورد التغليظ بالزمان كما في قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ (٣). قال الشافعي (٤): وقال المفسرون: صلاة العصر. قال البيهقي (٥): قد روينا عن الشعبي في مثل قصة الآية الكريمة عن أبي موسى الأشعري: وأحلفهما بعد العصر ما خانا. وأخرج (٥) في حديث الثلاثة الذين لا يكلمهم. الحديث: "ورجل ساوم رجلًا على سلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطي بها كذا وكذا. فصدقه الآخر".

стр. 4054

(أعن أبي هريرة أ). وعن أبي هريرة (١) أيضًا: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم؛ رجل حلف على مال امرئ مسلم بعد صلاة العصر فيقتطعه ... " الحديث. أخرجاهما في "الصحيحين" (٢)، و (ب) قال الخطابي (٣): خص وقت العصر بتعظيم الإثم فيه وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة في كل وقت؛ لأن الله تعالى (جـ) عظم شأن هذا الوقت بأن جعل الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فغلظت العقوبة فيه؛ لئلا يقدم عليها تجرؤا، فإن من تجرأ عليها فيه اعتادها في غيره. وكان السلف يحلفون بعد العصر، وكذلك التحليف على المصحف. أخرج البيهقي (٤) عن الشافعي قال: أخبرني مُطَرف بن مازن (جـ) بإسناد لا أحفظه أن ابن الزبير أمر أن يحلف على المصحف. قال الشافعي: ورأيت مطرفًا بصنعاء يحلف على المصحف. قال الشافعي (٥): وقذ كان من حكام الآفاق من يستحلف علي المصحف، وذلك عندي حسن. قال الإمام يحيى: وفي المساجد لشرفها، وعلى المصاحف لحرمتها؛ فيضع يده على المصحف.

стр. 4055

ويكره اختصاص شيء من الحجارة، إذ فيه تشبه (أ) بالوثنيين؛ كما يفعل في مؤخر جامع صنعاء عند الحجر الأخضر، وهي في شرقي جامع صنعاء. انتهى (ب). ١١٨٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل، ورجل بايع رجلًا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله: لأخذها بكذا وكذا. فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إمامًا لا يبايِعه إلا للدنيا، فإن أعطاه منها وفي، وإن لم يعطه منها لم يف". متفق عليه (١). قوله: "لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم". هذا كناية عن غضبه تعالى عليهم، وإشارة إلى حرمانهم عما عند الله من المنازل والقرب، فإن من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه وعن التكلم معه والالتفات نحوه، كما أن من اعتد (جـ) بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه (٢). "ولا يزكيهم". أي: لا يطهرهم من الذنوب ولا يثني عليهم.

стр. 4056

"ولهم عذاب أليم". على ما فعلوا. لفظ: "ولا ينظر إليهم". زادها جرير من رواية الأعمش وسقط من روايته لفظ: "يوم القيامة". وسقط من روايته: "ولا يكلمهم". وثبت هذا اللفظ جميعه من رواية معاوية عن الأعمش عند مسلم على وفق الآية التي في "آل عمران" وقال في آخر الحديث: ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (١). وقوله: "رجل على فصل ماء". جاء في رواية (٢): "رجل كان له فضل ماء منعه من ابن السبيل". والمقصود واحد، وجاء في رواية البخاري "بالطريق" بدل "الفلاة". وقد تقدم في كتاب البيع الكلام عليه (٣). وقوله: "لأخذها بكذا". جاء في رواية البخاري (٤): "لقد أُعطي بها كذا وكذا". مضبوطًا بضم الهمزة وكسر الطاء على البناء للمجهول، وفي بعض نسخه بفتح الهمزة وفتح الطاء على البناء للفاعل، والضمير للحالف، وهي أرجح لمطابقتها لرواية: "لأخذها بكذا". وقوله: "فصدقه". أي المشتري. وقوله: "وهو على غير ذلك". الضمير في "وهو" إلى الآخذ المدلول عليه بالفعل بأقل مما ذكره الحالف، وفي نسخ البخاري (٤): "فصدقه فأخذها"

стр. 4057

أي (أ) المشتري، "ولم يعط بها القدر". أي القدر الذي حلف أنه عوضها. وقوله: "ورجل بايع إمامًا". جاء في رواية: "إمامه". وهذا حكم المؤلفة قلوبهم. وفي الحديث وعيد شديد في نكث البيعة والخروج على الإمام؛ لما في ذلك من تفريق الكلمة، ولما في الوفاء من تحصين الفروج والأموال وحقن الدماء. والأصل في مبايعة الإمام أن يبايعه على أن يعمل بالحق ويقيم الحدود ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فمن جعل مبايعته لمال يعطاه دون ملاحظة المقصود في الأصل، فقد خسر خسرانًا مبينًا، ودخل في الوعيد المذكور، وجاء في رواية البخاري (١) عوض الثالث: "ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم". قال الكرماني (٢): ولا منافاة؛ لأن التخصيص بعدد لا ينفي ما زاد عليه، يعني أن [الراويين] (ب) حفظ أحدهما ما لم يحفظ الآخر، فالمجتمع من الحديثين أربع خصال، وكل من الحديثين مصدر بثلاثة، فكأنه كان في الأصل أربعة، فاقتصر كل من الراويين على واحد ضمه مع الاثنين اللذين توافقا عليهما، فصار في رواية كل منهما ثلاثة، وقد أخرج مسلم (٣) حديث أبي هريرة ولكن قال: "وشيخ زان،

стр. 4058

وملك كذاب، وعائل مستكبر". وأخرج من حديث أبي ذر (١) عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، المنان الذي لا يعطي شيئًا (أ) إلا منه، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره". ويجتمع من مجموع هذه الأحاديث تسع خصال، ويحتمل أن تبلغ عشرًا، لأن النفق سلعته بالحلف الكاذب مغاير للذي حلف: لقد أعطى بها كذا. لأن هذا خاص بمن يكذب في أعمال الشراء، والذي قبله أعم منه، فتكون خصلة أخرى. ١١٨٤ - وعن جابر ﵁، أن رجلين اختصما في ناقة فقال كل واحد منهما: نُتِجت عندي. وأقاما (ب) بينة، فقضى بها رسول الله ﷺ لمن هي في يده (٢). الحديث أخرجه البيهقي (٣) ولم يضعف إسناده، وأخرج أيضًا من طريق الشافعي نحوه (٣) إلا أن فيه: تداعيا دابة. ولم يضعف إسناده أيضًا، وأخرج عبد الرزاق (٤) عن يحيى [بن] (جـ) الجزار قال: اختصم إلى علي رجلان في دابة وهي في يد أحدهما، فأقام هذا بينة أنّها دابته فقضى بها للذي هي في

стр. 4059

يده. قال: وقال علي: إن لم تكن في يد واحد منهما، فأقام كل واحد منهما بينة أنها دابته فهي بينهما. الحديث فيه دلالة على أن اليد مرجحة للشهادة الموافقة لها، وقد ذهب إلى هذا الشافعي ومالك وشريح والنخعي وأبو ثور والحكم (أ)، قال الشافعي رحمه الله تعالى: يقال لهما: قد استويتما في الدعوى والبينة، وللذي (ب) هو في يده سبب بكينونته في يده هو أقوى من سببك؛ فهو له بفضل قوة سببه، وفيه سنة بمثل ما قلنا. فذكر الحديث. وذهب الناصر والهادي والمؤيد وأبو طالب وأبو العباس وأحمد بن حنبل إلى أنها ترجح بينة الخارج، وهو من لم تكن في يده، قالوا: إذ شرعت له وللمنكر اليمين، وإذ قوله ﷺ : "البينة على المدعي" (١). يقتضي ألا تفيد بينة المنكر، وروي عن علي ﵁ أنه قال: من كان في يده شيء (جـ) فبينته لا تعمل له شيئًا. ذكره في "البحر"، وقد يجاب عن ذلك بأن حديث جابر خاص وحديث: "البينة على المدعي". عام، والخاص مخصص، وحديث علي ﵁ معارض بما سبق. وذهب القاسم في إحدى الروايتين عنه أنه يقسم بينهما؛ لأن اليد مقوية لبينة الداخل، فساوت بينة الخارج، والرواية الأخرى كقول الشافعي، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنها ترجح بينة الخارج حيث شهدت بملك مطلق أو مضاف إلى سبب يتكرر؛ كالمصبوغ الذي يتكرر بسبب صبغته حسب (جـ)

стр. 4060

الحاجة، وذلك فيما يصاغ من الذهب والفضة، وكخز مما ينسج مرتين أو كتان ينقض (أ) ثم ينسج، إذ (ب) الإطلاق يحقق كونه مُدعيا، والتكرار يفيد القوة، فإن أضيف إلى سبب لا يتكرر؛ كنتاج وصوف ونحوه، فبينة الداخل؛ لقوتها باليد وضعف الخارجة (جـ). كذا حكى الخلاف الإمام المهدي ﵇ في "البحر"، والجواب عن الحنفية، أن العمل بالسنة أولى. وأخرج البيهقي (١) عن شريح أن رجلين ادعيا دابة فأقام أحدهما البينة وهي في يده أنه نتجها، وأقام الآخر بينة أنها دابته عرفها، فقال شريح: الناتج أحق من [العارف] (د). وهذا الذي (هـ ذهب إليه هـ) يصلح أن يكون قولًا غير ما قد حكى. ١١٨٥ - وعن ابن عمر ﵁، أن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق. رواهما الدارقطني (٢) وفي إسنادهما ضعف. الحديث أخرجه البيهقي (٣) من طرق ومدارها (و) على محمد بن مسروق

стр. 4061

عن إسحاق بن الفرات، ومحمد بن مسروق (١) لا يعرف، وإسحاق بن الفرات مختلف فيه. كذا قال المصنف (٢) ﵀، وفي "الكاشف" للذهبي (٣) قال: هو قاضي مصر ثقة معروف. قال المصنف (٢): ورواه تمام في "فوائده" من طريق أخرى عن نافع. وقد ذكر هذا الحديث البيهقي في باب النكول ورد اليمين. وضعفه بتفرد سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي إلا أنه قال: الاعتماد على غيره. وساق في هذا الباب أحاديث القسامة، وأمر النبي ﷺ أولياء الدم بأن يحلفوا فأبوا، قال: "فيحلف (أ) يهود؟ ". وهو حديث "الصحيحين" (٤). وأخرج (٥) من طريق الشافعي وغيره، أن رسول الله ﷺ بَدَّأ الأنصاريين فلما لم يحلفوا رد اليمين على يهود. ومن طريق مالك مرسلة في "الموطأ" (٦) كذلك، وأخرج (٧) من طرق أنه قدم أيمان اليهود، فلما قالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ قال: "أفيقسم (ب) منكم خمسون أنهم قتلوه (جـ)؟ ". ولكن هذا خلاف رواية الجماعة، والجماعة أولى بالحفظ من

стр. 4062

الواحد، يعني ابن عيينة، قال الشافعي ﵀ في كتاب القسامة (١): كان ابن عيينة لا يثبت: أقدّم النبي ﷺ الأنصاريين في الأيمان أو يهود؟ قال البيهقي (٢): والقول قول من أثبت ولم يشك دون من شك، والذين أثبتوه عدد كلهم حفاظ أثبات وبالله التوفيق. ثم أخرج (٣) عن عمر في قصة (أ) رجل من بني سعد بن ليث، أجرى فرسًا فوطئ على أصبع رجل من جهينة فنزي (ب) منها فمات، فقال عمر للذين (جـ) ادعي عليهم: تحلفون خمسين يمينًا ما مات منها؟ فأبوا وتحرجوا من الأيمان، فقال للآخرين: احلفوا أنتم. فأبوا. زاد أبو سعيد (٤) في روايته بإسناده قال: قال الشافعي رحمه الله تعالى: فقد رأى رسول الله ﷺ اليمين على الأنصاريين يستحقون، فلما لم يحلفوا حوَّلها على اليهود يبرءون بها، ورأى عمر ﵁ اليمين على الليثيين يبرءون بها، فلما أبوا حوّلها على الجهنيين يستحقون بها (د)، وكل هذا تحويل يمين من موضع رئيت (هـ) فيه إلى الموضع الذي يخالفه، فبهذا وما أدركنا عليه أهل العلم ببلدنا يحكونه عن مفتيهم وحكامهم قديمًا وحديثًا. انتهى.

стр. 4063

فهذه الأحاديث هي المعتمدة في رد اليمين على المدعي إذا لم يحلف المدعَى عليه. الحديث فيه دلالة على ثبوت رد اليمين على المدعي، والمراد به أنها تجب اليمين على المدعي، ولكن إذا لم يحلف المدعى عليه، وقد ذهب مالك والشافعي وفقهاء أهل الحجاز وطائفة من العراقيين إلى أنه إذا نكل المدعى عليه فقالوا: لا يجب بنفس النكول شيء إلا إذا حلف المدعي، ولكن اليمين عند مالك تكون في الموضع الذي يقبل فيه شاهد وامرأتان وشاهد ويمين، إلا في التهمة، ولمالك في التهمة قولان، وعند الشافعي في كل موضع تجب فيه اليمين، وقال ابن أبي ليلى: في كل موضع. وذهب الهدوية والناصر وأبو حنيفة وأصحابه وجمهور الكوفيين إلى أنه يثبت الحق بالنكول من دون تحليف للمدعي، إلا أن أبا حنيفة اشترط أن يكون النكول ثلاثًا، واستثنى القصاص في النفس، وصاحباه: القصاص ولو في دون النفس. (أوذهب الهادي إلى أنه لا يثبت به السبب، قال الإمام المهدي في "البحر": قلت: ولا خلاف فيه أ). واحتج له في "البحر" بفعل عمر في قصة (ب) مَن وطئ أصبع رجل (١)، وفعل عثمان لما قضى على عبد الله بن عمر في الغلام الذي باعه وادعى المشتري أن به داءً، وأمره عثمان أن يحلف لقد باعه وما به داءٌ، فأمر عثمان برد اليمين وارتجاع الغلام (٢)، وبما روي عن ابن عباس أنه قال لابن أبي

стр. 4064

مليكة: احكم بمثل هذا في امرأتين استعدت إحداهما على صاحبتها بأنها غرزت فيها [إِشْفَى] (أ)، فأنكرت المرأة ونكلت، فقرأ عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ (١). ثم ضمنها الأرش (ب) (٢) بالنكول (٣). ويجاب عما ذكر بأن فعل عمر وعثمان لم يكن الحكم بنفس النكول، بل مع تحليف المدعي كما ذهب الأولون، وحديث ابن عباس يمكن حمله على زيادة تحليف المدعي وإن لم يذكره الراوي، ليوافق غيره، وقال ابن رشد في "نهاية المجتهد" (٤): وعمدة من قضى بالنكول أن الشهادة لما كانت لإثبات الدعوى واليمين لإبطالها، وجب إن نكل عن اليمين أن [تحقق] (جـ) عليه الدعوى. قالوا: وأما نقلها من المدعى عليه إلى المدعي فهو خلاف النص؛ لأن اليمين قد نص على أنها دلالة المدعى عليه. انتهى. ويجاب عنه بأن النص قد دل أيضًا على ثبوتها على المدعي كما عرفت، فالعمل به واجب، واعلم أن الفقهاء المفرعين (د) على المذاهب قد ذكروا في مسائل كثيرة قبول يمين المدعي حيث لا يمكن إقامة البينة، وقد يستأنس له بما ذكر في حديث القسامة وغيره. والله أعلم.

стр. 4065

١١٨٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: دخل على النبي ﷺ ذات يوم مسرورًا تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم تري إلى مُجَزِّزٍ المدلجي نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: هذه أقدام بعضها من بعض؟ ". متفق عليه (١). قوله: تبرق. بفتح التاء وضم الراء. أي: تضيء وتستنير من الفرح والسرور. والأسارير: هي المخطوط التي في الجبهة، واحدها (أسِر، والجمع أ) سرر وجمع الجمع أسارير. وقولى: "ألم تري"؟. وفي لفظ للبخاري (٢): "ألم تسمعي؟ ". ومُجَزِّز بضم الميم وفتح الجيم ثم زاي مشددة مكسورة ثم زاي أخرى. وهذا هو الصحيح المشهور، وحكى القاضي عياض (٣) عن الدارقطني وعبد الغني أنهما حكيا عن ابن جريج (ب) أنه بفتح الزاي الأولى، وذكر مصعب الزبيري والواقدي (٤) أنه سمي مجززًا لأنه كان إذا أخذ أسيرًا في الجاهلية جزَّ ناصيته وأطلقه. وهذا يدفع رواية فتح الزاي الأولى من اسمه، ويدل على أن
следующие страницы →