← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

عن إسحاق بن الفرات، ومحمد بن مسروق (١) لا يعرف، وإسحاق بن الفرات مختلف فيه. كذا قال المصنف (٢) ﵀، وفي "الكاشف" للذهبي (٣) قال: هو قاضي مصر ثقة معروف. قال المصنف (٢): ورواه تمام في "فوائده" من طريق أخرى عن نافع. وقد ذكر هذا الحديث البيهقي في باب النكول ورد اليمين. وضعفه بتفرد سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي إلا أنه قال: الاعتماد على غيره. وساق في هذا الباب أحاديث القسامة، وأمر النبي ﷺ أولياء الدم بأن يحلفوا فأبوا، قال: "فيحلف (أ) يهود؟ ". وهو حديث "الصحيحين" (٤). وأخرج (٥) من طريق الشافعي وغيره، أن رسول الله ﷺ بَدَّأ الأنصاريين فلما لم يحلفوا رد اليمين على يهود. ومن طريق مالك مرسلة في "الموطأ" (٦) كذلك، وأخرج (٧) من طرق أنه قدم أيمان اليهود، فلما قالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ قال: "أفيقسم (ب) منكم خمسون أنهم قتلوه (جـ)؟ ". ولكن هذا خلاف رواية الجماعة، والجماعة أولى بالحفظ من

стр. 4062

الواحد، يعني ابن عيينة، قال الشافعي ﵀ في كتاب القسامة (١): كان ابن عيينة لا يثبت: أقدّم النبي ﷺ الأنصاريين في الأيمان أو يهود؟ قال البيهقي (٢): والقول قول من أثبت ولم يشك دون من شك، والذين أثبتوه عدد كلهم حفاظ أثبات وبالله التوفيق. ثم أخرج (٣) عن عمر في قصة (أ) رجل من بني سعد بن ليث، أجرى فرسًا فوطئ على أصبع رجل من جهينة فنزي (ب) منها فمات، فقال عمر للذين (جـ) ادعي عليهم: تحلفون خمسين يمينًا ما مات منها؟ فأبوا وتحرجوا من الأيمان، فقال للآخرين: احلفوا أنتم. فأبوا. زاد أبو سعيد (٤) في روايته بإسناده قال: قال الشافعي رحمه الله تعالى: فقد رأى رسول الله ﷺ اليمين على الأنصاريين يستحقون، فلما لم يحلفوا حوَّلها على اليهود يبرءون بها، ورأى عمر ﵁ اليمين على الليثيين يبرءون بها، فلما أبوا حوّلها على الجهنيين يستحقون بها (د)، وكل هذا تحويل يمين من موضع رئيت (هـ) فيه إلى الموضع الذي يخالفه، فبهذا وما أدركنا عليه أهل العلم ببلدنا يحكونه عن مفتيهم وحكامهم قديمًا وحديثًا. انتهى.

стр. 4063

فهذه الأحاديث هي المعتمدة في رد اليمين على المدعي إذا لم يحلف المدعَى عليه. الحديث فيه دلالة على ثبوت رد اليمين على المدعي، والمراد به أنها تجب اليمين على المدعي، ولكن إذا لم يحلف المدعى عليه، وقد ذهب مالك والشافعي وفقهاء أهل الحجاز وطائفة من العراقيين إلى أنه إذا نكل المدعى عليه فقالوا: لا يجب بنفس النكول شيء إلا إذا حلف المدعي، ولكن اليمين عند مالك تكون في الموضع الذي يقبل فيه شاهد وامرأتان وشاهد ويمين، إلا في التهمة، ولمالك في التهمة قولان، وعند الشافعي في كل موضع تجب فيه اليمين، وقال ابن أبي ليلى: في كل موضع. وذهب الهدوية والناصر وأبو حنيفة وأصحابه وجمهور الكوفيين إلى أنه يثبت الحق بالنكول من دون تحليف للمدعي، إلا أن أبا حنيفة اشترط أن يكون النكول ثلاثًا، واستثنى القصاص في النفس، وصاحباه: القصاص ولو في دون النفس. (أوذهب الهادي إلى أنه لا يثبت به السبب، قال الإمام المهدي في "البحر": قلت: ولا خلاف فيه أ). واحتج له في "البحر" بفعل عمر في قصة (ب) مَن وطئ أصبع رجل (١)، وفعل عثمان لما قضى على عبد الله بن عمر في الغلام الذي باعه وادعى المشتري أن به داءً، وأمره عثمان أن يحلف لقد باعه وما به داءٌ، فأمر عثمان برد اليمين وارتجاع الغلام (٢)، وبما روي عن ابن عباس أنه قال لابن أبي

стр. 4064

مليكة: احكم بمثل هذا في امرأتين استعدت إحداهما على صاحبتها بأنها غرزت فيها [إِشْفَى] (أ)، فأنكرت المرأة ونكلت، فقرأ عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ (١). ثم ضمنها الأرش (ب) (٢) بالنكول (٣). ويجاب عما ذكر بأن فعل عمر وعثمان لم يكن الحكم بنفس النكول، بل مع تحليف المدعي كما ذهب الأولون، وحديث ابن عباس يمكن حمله على زيادة تحليف المدعي وإن لم يذكره الراوي، ليوافق غيره، وقال ابن رشد في "نهاية المجتهد" (٤): وعمدة من قضى بالنكول أن الشهادة لما كانت لإثبات الدعوى واليمين لإبطالها، وجب إن نكل عن اليمين أن [تحقق] (جـ) عليه الدعوى. قالوا: وأما نقلها من المدعى عليه إلى المدعي فهو خلاف النص؛ لأن اليمين قد نص على أنها دلالة المدعى عليه. انتهى. ويجاب عنه بأن النص قد دل أيضًا على ثبوتها على المدعي كما عرفت، فالعمل به واجب، واعلم أن الفقهاء المفرعين (د) على المذاهب قد ذكروا في مسائل كثيرة قبول يمين المدعي حيث لا يمكن إقامة البينة، وقد يستأنس له بما ذكر في حديث القسامة وغيره. والله أعلم.

стр. 4065

١١٨٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: دخل على النبي ﷺ ذات يوم مسرورًا تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم تري إلى مُجَزِّزٍ المدلجي نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: هذه أقدام بعضها من بعض؟ ". متفق عليه (١). قوله: تبرق. بفتح التاء وضم الراء. أي: تضيء وتستنير من الفرح والسرور. والأسارير: هي المخطوط التي في الجبهة، واحدها (أسِر، والجمع أ) سرر وجمع الجمع أسارير. وقولى: "ألم تري"؟. وفي لفظ للبخاري (٢): "ألم تسمعي؟ ". ومُجَزِّز بضم الميم وفتح الجيم ثم زاي مشددة مكسورة ثم زاي أخرى. وهذا هو الصحيح المشهور، وحكى القاضي عياض (٣) عن الدارقطني وعبد الغني أنهما حكيا عن ابن جريج (ب) أنه بفتح الزاي الأولى، وذكر مصعب الزبيري والواقدي (٤) أنه سمي مجززًا لأنه كان إذا أخذ أسيرًا في الجاهلية جزَّ ناصيته وأطلقه. وهذا يدفع رواية فتح الزاي الأولى من اسمه، ويدل على أن

стр. 4066

له اسمًا آخر، وهذا العلم طارئ عليه، ولكنه لم يذكره أحد، وكان مجزز عارفًا بالقيافة، وذكره ابن يونس (١) فيمن شهد فتح مصر، وقال: لا أعلم له رواية. وعن ابن عبد البر وأبي علي الغساني، أنه قال ابن جريج: إنه مُحْرِز بضم اليم والحاء المهملة الساكنة وكسر الراء المهملة وبعدها زاي، و (أ) هو ابن الأعور بن جعدة المدلجي؛ نسبة إلى مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة (٢)، وكانت القيافة في بني مدلج وبني أسد، والعرب تعترف لهم بذلك، وليس خاصًّا بهم (ب) على الصحيح، فقد أخرج يزيد بن هارون (٣) في "الفرائض" بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب، أن عمر كان قائفًا. أورده في قصة، وعمر قرشي ليس مدلجيًّا ولا أسديًّا، لا أسد قريش ولا أسد خزيمة. وقوله: "آنفا"، بالمد أي قريبا، أو أقرب وقت. قوله: "فقال: هذه أقدام بعضها من بعض؟ ". في رواية للبخاري (٤): "ألم تري أن مجززا المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطّيا رءوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض؟ ".

стр. 4067

الحديث فيه دلالة على اعتبار القيافة في ثبوت النسب، وهي مصدر قاف قيافة، يقال: فلان يقوف الأمر ويقتافه قيافة، مثل قفا الأثر واقتفاه. والقائف هو الذي يتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، والجمع القافة (١)، وكأنه مقلوب من قفا يقفو. وقد ذهب إلى اعتبارها مالك والشافعي وجماهير العلماء، قال النووي (٢): والمشهور عن مالك إثباتها في الإماء دون الحرائر. وفي رواية عنه إثياتها فيهما. وروى الخلاف في "نهاية المجتهد" (٣). واعتبارها يكون في الأمة المتناسخة بالشراء أو المشتركة، ووطئها المشتريان في طهر، أو المشتركة يطؤها الشريكان في طهر، وكذا الزوجة إذا تزوجها زوج في العدة جهلا في طهر واحد، ووطئها في ذلك الطهر، وكذا في اللقيط إذا ادعاه اثنان، فإذا ألحق القائف الولد بواحد لحق به، وإن أشكل عليه أو نفاه عنهما، فيترك الولد حتى يبلغ وينتسب (أ) إلى من أراد منهما، وإن ألحقه بهما، فذهب عمر بن الخطاب (٤) ومالك والشافعي إلى أنه يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من يميل إليه منهما. وقال أبو ثور: ويستحبون أنه يكون ابنا لهما. وقال الماجشون ومحمد بن مسلمة المالكيان: يلحق (ب) بأكثرهما له (جـ) شبها. قال محمد بن

стр. 4068

مسلمة: إلا أن يعلم الأول فيلحق به. وروى في "نهاية المجتهد" (١) عن مالك أنه ليس يكون ابنا لاثنين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (٢). وحجتهم هذا الحديث، ووجه الاحتجاج به أن سنة النبي ﷺ تنقسم إلى قول وفعل وتقرير، قالوا: وهذا (أ) من التقرير، وذلك لأن النبي ﷺ إذا رأى فعلا من فاعل، أو علم به وكان ذلك الفعل من الأفعال التي لم يعلم إنكاره عليها (ب وقد قدر عليها ب)، كمضي كافر إلى كنيسة، أو مع عدم القدرة، كما كان يشاهده من كفار مكة من عبادة الأوثان وأذى المسلمين ولم ينكره؛ كان ذلك تقريرًا، ودل على جوازه، فإن استبشر به (جـ) فأوضحُ، كما وقع في قصة مجزّز، فإنه تكلم بانتساب أسامة إلى زيد واستبشر به النبي ﷺ ، فدلّ على تقرير كون القيافة طريقا إلى معرفة الأنساب، وما رواه مالك (٣) عن سليمان بن يسار، أن عمر بن الخطاب كان يليط (٤) أولاد الجاهلية بمن ادّعاهم في الإسلام، فأتى رجلان كلاهما يدّعي ولد امرأة، فدعا قائفا، فنظر إليه القائف فقال: لقد اشتركا فيه. فضربه عمر بالدرة، ثم دعا المرأة فقال: أخبريني خبرك. فقالت: كان هذا -لأحد الرجلين- يأتيني في إبل

стр. 4069

لأهلها، فلا يفارقها حتى [يظُنَّ و] (أ) تظن أنه قد استمر بها حمل، ثم انصرف عنها، فأهريقت عليه دماء، ثم خلف عليها هذا -يعني الآخر- فلا أدري من أيهما هو؟ فكبّر القائف، فقال عمر للغلام؟ [وال] (ب) أيهما شئت. فقضى عمر بمحضر من الصحابة ﵃ بالقيافة من غير إنكار من واحد منهم، فكان كالإجماع. قالوا: وهو مروي عن ابن عباس (١) وأنس بن مالك (٢)، ولا مخالف لهما من الصحابة. وذهب العترة وأبو حنيفة والكوفيون وأكثر أهل العراق إلى أنه لا يعمل بالقيافة في إثبات النسب، والحكم في ذلك الولد المذكور أن يكون للشريكين أو المشتريين أو الزوجين، إلا أن في الزوجين [تفصيلًا] (جـ) عند الهدوية، وهو أنه إذا ترتب فراشان حكم به للآخر إن أمكن، وإلا فللأول إن أمكن، وإلا فلأيّهما، وفي اللقيط يكون لمن ادّعاه أولًا، فإن اتفقوا كان لهم الجميع إذا استووا، وإن كان أحدهم عبدًا كان للحر، أو (د) كان كافرًا كان للمسلم، وإن تداعى امرأتان فيه لحق بهما. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يلحق إلا بامرأة واحدة. وقال إسحاق: يقرع بينهما. قالوا: وحديث أسامة ليس من باب التقرير؛ وذلك لأن نسب أسامة كان معلوما إلى زيد، وإنما كان الكفار يقدحون في نسب أسامة

стр. 4070

لكونه كان أسود شديد السواد، وكان زيد أبيض. كذا قاله أبو داود (١) عن أحمد بن صالح، وقال القاضي عياض (٢): قال غير أحمد بن صالح: كان زيد أزهر اللون، وأم أسامة هي أم أيمن، واسمها بركة، وكانت حبشية سوداء. قال القاضي: هي بركة بنت محصن بن ثعلبة بن عمر بن حصن (أ) بن سلمة بن عمرو بن النعمان (٣)، وقد وقع في "الصحيح" (٤) عن ابن شهاب، أن أم أيمن كانت حبشية وصيفة لعبد الله والد النبي ﷺ ، ويقال: كانت من سبي الحبشة الذين قدموا زمن الفيل، فصارت لعبد المطلب فوهبها لعبد الله، وتزوجت قبل زيد عبيدًا الحبشي، فولدت له أيمن فكنيت به، واشتهرت به، وكان يقال لها: أم الظباء. قال القاضي عياض (٥): لو صح أن أم أيمن كانت سوداء لم ينكر سواد ابنها أسامة؛ لأن السوداء قد تلد من الأبيض أسود. قال المصنف رحمه الله تعالى (٥): يحتمل أنها كانت صافية فجاء أسامة شديد السواد، فوقع الإنكار لذلك، وذلك لأن القيافة إنما كانت من عادة الجاهلية، وقد جاء الإسلام بمحو آثارها، وتغيير أعلامها،

стр. 4071

وطمس آثارها، فسكوته عن الإنكار على مجزز لا يكون تقريرا لفعله، واستبشاره إنما هو لإلزام المعاند الطاعن في نسب أسامة بما يقوله ويعتمده، فلا حجة في ذلك. ولكنه يرد عليه أنه لم يكن قد عرف من النبي ﷺ إنكار القيافة، وليس كل ما كان يعتاد في الجاهلية غيّره الإسلام، فلا يبطل الاحتجاج، ويتأيد اعتبار هذا الحكم بما روي عن عمر، وعدم الإنكار عليه من الصحابة، وهو جار مجرى الإجماع، مع أنه قد روى الثوري (أ) عن صالح بن حيّ عن الشعبي عن زيد بن أرقم قال: كان علي ﵁ باليمن، فأتي بامرأة وطئها ثلاثة في طهر وأحد، فسأل كل واحد منهم أن يقر لصاحبه بالولد، فأبوا، فأقرع بينهم وقضى بالولد للذي أصابته القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فأعجبه وضحك حتى بدت نواجذه (١). وهذا يخالف القولين السابقين. واتفق القائلون بالقائف على أنه يشترط فيه العدالة، واختلفوا في أنه هل (ب) يشترط العدد أم يكتفى بواحد؟ والأصح عند أصحاب الشافعي الاكتفاء، وبه قال ابن القاسم المالكي. وقال مالك: يشترط اثنان. وبه قال بعض أصحاب الشافعي، والحديث يدل على أنه يكتفى بواحد. واختلف أصحاب الشافعي في أنه هل يختص هذا الحكم ببني مدلج؟ والأصح أنه لا يختص، ويدل عليه ما روي عن عمر.

стр. 4072

كتاب العتق العتق الحرية، قال أهل اللغة: يقال فيه: عتق عتقا. بكسر العين، وعتقا بفتحها أيضًا. حكاها صاحب "المحكم" وغيره (١). وعتاقا وعتاقة بفتح العين فهو عتيق وعاتق أيضًا. حكاها الجوهري (٢). وهم عتقاء، وأعتقه فهو معتق وعتيق، وأمة عتيق وعتيقة، وإماء عتائق، وحلف بالعتاق أي الإعتاق. قال الأزهري (٣): هو مشتق من قولهم: عتق الفرس. إذا سبق ونجا، وعتق الفرخ إذا طار واستقلّ، لأن العبد يتخلص بالعتق ويذهب حيث شاء. قال الأزهري وغيره (٣): وإنما قيل لمن أعتق نسمة: إنه أعتق رقبة وفك رقبة. فخصت الرقبة دون سائر الأعضاء مع أن العتق تناول الجميع؛ لأن (أحكم السيد أ) عليه وملكه له كحبل في رقبة العبد، وكالغل المانع له من الخروج، فإذا أعتق فكأنه أطلقت رقبته من ذلك. ١١٨٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلما، استنقذ الله بكل عضو منه عضوًا من

стр. 4073

النار". متفق عليه (١). وللترمذي (٢) وصححه عن أبي أمامة: "وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين، كانتا فكاكه من النار". ولأبي داود (٣) من حديث كعب بن مرة: "وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار". الحديث فيه دلالة على فضيلة العتق، وأنه من أفضل الأعمال، ومما يحصل له العتق من النار ودخول الجنة. وقوله: "أيما امرئ مسلم". جاء في رواية البخاري (أ): "أيما رجل"، والإسلام لابدّ من اعتباره، وإن صح العتق من الكافر، لكن لا نجاة له بسببه من النار. و (ب) قوله: "امرأ مسلما". يدل على أن هذه الفضيلة إنما هي في عتق الرقبة المؤمنة، وأما غير المؤمنة فإنها وإن كان (جـ) في عتقها فضل بلا خلاف، لكن دون المؤمنة، ولذلك وقع الإجماع في كفارة القتل على اشتراط الإيمان كما نص عليه ، وحكى القاضي عياض (٤) عن مالك أن

стр. 4074

الأعلى (أ) ثمنا أفضل وإن كان كافرا، وخالفه الجمهور من الصحابة وغيرهم. ويحتج لمالك بالحديث الذي يأتي عقيب هذا (١)، ويجاب بأنه مقيد بأن الأعلى ثمنا من المسلمين. وقوله: "بكل عضو". وقع في رواية مسلم (٢): "إرب". والإرب بكسر الهمزة وإسكان الراء: هو العضو، بضم (ب) العين وكسرها، ويدل على أن الأفضل عتق كامل الأعضاء، فلا يكون خصيًّا ولا فاقد غيره من الأعضاء، وفي الخصي وغيره الفضل العظيم، لكن الكامل أولى. وقال الخطابي (٣): إذا كان في الخصي منافع لا تكون في غيره، كان مثل غير الخصي، والأعلى (أ) ثمنا أفضل. وقد ورد ذلك في الحديث الآتي. وفي حديث أبي أُمامة دلالة على أن عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى. قال القاضي عياض (٤): وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فقال بعضهم: الإناث أفضل، لأنها إذا عتقت (د) كان ولدها حرًّا، سواء تزوجها حر أو

стр. 4075

عبد. وقال آخرون: عتق الذكر أفضل؛ لحديث أبي أُمامة، ولما في الذكر من المعاني العامة والمنفعة التي لا توجد في الإناث؛ من الشهادة والقضاء والجهاد، وغير ذلك مما يختصُّ بالرجال، إمَّا شرعًا وإما عادةً، ولأن في الإماء من لا ترغب في العتق، وتضيع به، بخلاف العبد. وقوله: "بكل عضو عضوًا". يدل على استغراق جميع الأعضاء. وتمام الحديث في رواية البخاري: "حتى فرجه بفرجه". وهذه الغاية تؤكد الاستغراق، وقد استشكل ابن العربي (١) عتق الفرج بالفرج، مع أن المعصية التي تتعلق بالفرج هي الزنى، والزنى كبيرة لا تكفره إلا التوبة، إلا أن تكون المعصية غير الزنى، كالملامسة بالفرج على غير الزنى في سائر الأعضاء، فهو ممكن إلا أن يقال: إن العتق يرجّح عند الموازنة بحيث تكون حسنات المعتق راجحةً توازي سيئة الزنى، مع أنه لا اختصاص لهذا بالزنى، فإن اليد يكون بها القتل، والرِّجل الفرار من الزحف، وغير ذلك، فلا بد من هذا الاعتبار. ١١٨٨ - "وعن أبي ذر ﵁ قال: سألت النبي ﷺ : أيّ العمل أفضل؟ قال: "إيمانٌ بالله، وجهادٌ في سبيله". قلت: فأيّ الرقاب أفضل؟ قال: "أعلاها (أ) ثمنًا، وأنْفَسُها عند أهلها". متفق عليه (٢). الحديث فيه دلالةٌ على تفضيل الجهاد على غيره، وقد تقدم في كتاب

стр. 4076

الصلاة أن الصلاة أول وقتها أفضل الأعمال (١)، والكلام هناك على الجمع بين الأحاديث. وقوله: "أعلاها ثمنا". بالعين المهملة لأكثر رواة البخاري، وللكشميهني بالغين المعجمة، وكذا في رواية النسفي (٢)، والمعنى متقارب. وفي رواية لمسلم (٣): "أكثرها ثمنًا". وهي تبين المراد، تدل على أن الأكثر ثمنًا (أعتقه أفضل أ)، وظاهره: ولو كانت رقبتان متساويتان (ب) في جهة الخير، وكانت إحداهما (جـ) أكثر ثمنًا على مشتريها (د) أن عتقها أفضل. قال النووي رحمه الله تعالى (٤): محله والله أعلم فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما لو كان مع شخص ألف درهم مثلًا فأراد أن يشتري بها رقبة يعتقها (هـ) فوجد رقبة نفيسة ورقبتين مفضولتين، قال: فثنتان أفضل بخلاف الأضحية، فإن الواحدة الثمينة أفضل، لأن المطلوب في العتق فك الرقبة، وفي الأضحية طيب اللحم. انتهى.

стр. 4077

والأولى أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فإنه إذا كان شخص من العلم والعمل وانتفاع المسلمين به بمحلّ عظيم، فعتقه أفضل من عتق جماعة ليس فيهم هذه السمات، فيكون الضابط اعتبار الأكثر نفعا. وقوله: "وأنفسها عند أهلها" أي (أ) ما كان اغتباطهم به أشدَّ، وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١). ١١٨٩ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوّم قيمة عدْل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلّا فقد عتق منه ما عتق". متفق عليه (٢). ولهما (٣) عن أبي هريرة ﵁: "وإلّا قُوِّم العبد عليه، واستسعي غير مشقوق عليه". وقيل: إن السعاية مدرجة في الخبر. قوله: "قيمة عدل". بفتح العين، لا زيادة فيه ولا نقص، وقد جاء في رواية النسائي (٤): "لا وكس ولا شطط". والوكس بفتح الواو وسكون الكاف بعدها سين مهملة: النقص، والشطط بمعجمة ثم مهملة مكررة والفتح: الجور.

стр. 4078

الحديث فيه دلالة على أن العبد المشترك إذا أعتق أحد الشريكين حصته فيه وكان موسرا من تسليم قيمة حصة الشريك، فإنه يقوم حصة الشريك بقيمة مثله، ولزمه تسليم ذلك، وعتق عليه العبد جميعه. وقد أجمع العلماء أن نصيب المعتق يعتق (أ) بنفس الإعتاق، إلا ما حكاه القاضي عن ربيعة أنه لا يعتق نصيب المعتق موسرا كان أو معسرًا. وهو مذهب باطل مخالف للأحاديث الصحيحة كلها. وحكى الإِمام المهدي أن خلافه إنما هو في نصيب الشريك، سواء كان موسرا أو (ب) معسرا. ولعله تأويل لقوله: وأما نصيب الشريك. فهذا حديث ابن عمر يدل على أنه لا يعتق إلَّا إذا كان موسرا, ولا يعتق مع الإعسار. وفي المسألة ستة أقوال: الأول: للهدوية، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وبه قال ابن شبرمة والأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل وإسحاق وبعض المالكية أنه يعتق بنفس الإعتاق، ويقوّم عليه نصيب شريكه بقيمته يوم الإعتاق ويكون ولاؤه جميعه للمعتق، وحكمه من حين الإعتاق حكم الأحرار في الميراث وغيره من الأحكام، وليس للشريك إلا المطالبة بقيمة نصيبه كما لو قتله، ولو أعسر المعتق بعد ذلك استمرّ نفوذ العتق وكانت القيمة دينًا في ذمته، ولو مات أخذت من تركته، فإن لم يكن له تركة ضاعت القيمة واستمرّ عتق جميعه. الثاني: أنه لا يعتق إلَّا بدفع القيمة، وهو المشهور من مذهب مالك، وبه قال أهل الظاهر، وهو قول للشافعي.

стр. 4079

الثالث: مذهب أبي حنيفة أن للشريك الخيار، إن شاء استسعى العبد في نصف قيمته، وإن شاء أعتق نصيبه والولاء بينهما جميعًا، وإن شاء قوّم نصيبه على شريكه المعتق، ويرجع بما دفع إلى شريكه على العبد يستسعيه في ذلك، والولاء كله للمعتق. قال: والعبد في مدة السعاية بمنزلة المكاتب في كل أحكامه. الرابع: مذهب عثمان البتِّي: لا شيء على المعتق إلَّا أن تكون جارية رائعة (١) تراد للوطء، فيضمن ما أدخل على شريكه فيها من الضرر. الخامس: محكي عن ابن سيرين أن القيمة في بيت المال. السادس: محكيٌّ عن إسحاق بن راهويه أن هذا الحكم للعبيد دون الإماء. ويُردّ قول إسحاق بما (أ) أخرجه الدارقطني (٢) من طريق الزهريّ عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له شريك في عبد أو أمة". الحديث. وأخرج الطحاوي (٣) من طريق ابن إسحاق عن نافع مثله، وقال فيه: "حمل عليه ما بقي في ماله حتى يعتق كله". والجمع بين العبد والأمة بنفي الفارق يقوّي هذا، وقد قال إمام الحرمين (٤): إدراك كون الأمة في هذا الحكم كالعبد حاصل للسامع قبل التفطن لوجه الجمع والفرق.

стр. 4080

وظاهر الحديث سواء كان العبد مسلما أم كافرا, ولا خيار للعبد ولا للشريك ولا للمعتق، بل ينفذ هذا الحكم وإن كرهوه كلهم رعاية لحق الله تعالى. وقوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" -بفتح العين من الأول، ويجوز فتح العين وضمها في الثاني. كذا قاله الداودي (١)، وتعقبه ابن التين بأنه لم يقله غيره، وإنما يقال: عتق. بالفتح، وأُعتق بضم الهمزة، ولا يعرف عُتق بضم أوله؛ لأنه لازم غير متعدٍّ. أي: وإن لا يكن له مال فقد عتق حصة المعتق، وبقي حصة الشريك مملوكة. هذه الزيادة في الحديث ظاهرها أنها من كلام النبي ﷺ ، وكذا رواه مالك (٢) وعبيد الله العمري (٣) فوصلاه بكلام النبي ﷺ وجعلاه منه، ورواه أيوب عن نافع (٤) فقال: قال نافع: وإلّا فقد عتق منه ما عتق. ففصله من الحديث وجعله من قول نافع. قال أيوب مرة: لا أدري هو من الحديث أم هو شيء قاله نافع؟ ولهذه الرواية قال ابن وضاح (٥): ليس هذا من كلام النبي ﷺ . قال القاضي (٥): وما قاله مالك وعبيد الله العمري أولى، وقد جوّداه، وهما في نافع أثبت من أيوب عند أهل هذا الشأن، كيف وقد شك أيوب فيه

стр. 4081

كما ذكرناه؟ قال: وقد رواه يحيى بن سعيد عن نافع، وقال في هذا الموضع: "وإلّا فقد جاز ما صنع" (١). سيأتي به على المعنى، وقد أثبتها جرير بن حازم عند البخاري (٢)، وإسماعيل بن أمية عند الدارقطني (٣)، وقد رجح الأئمة رواية من أثبت هذه الزيادة من قوله ﷺ ، قال الشافعي (٤): لا أحسب عالمًا في الحديث يتشكك في أن مالكا أحفظ لحديث نافع من أيوب؛ لأنه كان ألزم له، حتى ولو استويا، فشك أحدهما في شيء ولم يشك فيه صاحبه، كان الحجة مع من لم يشك، ويؤيد ذلك قول عثمان الدارمي (٥): قلت لابن معين: مالك في نافع أحب إليك أو أيوب؟ قال: مالك. وهذه الزيادة في الحديث ذهب إليها مالك والشافعي وأحمد وأبو [عبيد] (أ) وجمهور علماء الحجاز. وفي المسألة أربعة مذاهب هذا أولها. الثاني: ما ذهب إليه ابن شبرمة والأوزاعيّ وأبو حنيفة وابن أبي ليلى وسائر الكوفيين وإسحاق بن راهويه، وهو مذهب الهدوية: أنه يستسعى العبد في حصة الشريك ويعتق جميعه. واختلف هؤلاء في رجوع العبد بما أدّى، وفي سعايته على معتقه (أ)، فقال ابن أبي ليلي: يرجع به عليه. وقال

стр. 4082

أبو حنيفة وصاحباه: لا يرجع. بل هو عند أبي حنيفة في مدة السعاية بمنزلة المكاتب، وعند الآخرين حُرٌّ بالسعاية. المذهب الثالث: مذهب زفر وبعض البصريين أنه يقوّم على المعتق ويؤدي القيمة إذا أيسر. المذهب الرابع: حكاه القاضي عن بعض العلماء، أنه إن (أ) كان المعتق معسرا بطل عتقه في نصيبه أيضًا، فيبقى العبد كله رقيقا كما كان. وقوله في حديث أبي هريرة: "وإلا قوّم العبد واستسعي غير مشقوق عليه (ب) ". يدل على ثبوت السعاية. وقد احتج به من قال بوجوب السعاية، ولكنه جزم جماعة بأنه مدرج وليس من الحديث. قال القاضي أبو بكر بن العربي (١): اتفقوا على أن ذكر الاستسعاء ليس من قول النبي ﷺ وأنه من قول قتادة. ونقل الخلال في "العلل" (٢) عن أحمد أنه ضعف رواية سعيد بن أبي عروبة في الاستسعاء، وضعفه أيضًا الأثرم عن سليمان (جـ) بن حرب (٣)، واستند أن فائدة الاستسعاء

стр. 4083

ألا يدخل ضررا على الشريك، قال: لأنه لو كان مشروعا للزم إعطاؤه مثلًا كل شهر درهمين، وفي ذلك غاية الضرر. انتهى. قال النسائي (١): بلغني أن هماما رواه فجعل هذا الكلام؛ أي الاستسعاء، من قول قتادة. وكذا قال (أ) الإسماعيلي (١): إنما هو من قول قتادة مدرج على ما رواه (ب) همام. وقال ابن المنذر والخطابي (٢): هو من فتيا قتادة. وأخرج أبو داود (٣) الحديث من حديث همام عن قتادة، ولم يذكر الاستسعاء أصلًا. ورواه عن همام؛ عبد الله بن يزيد المقرئ، وذكر السعاية وفصَلها عن الحديث. كذا أخرجه الإسماعيلي وابن المنذر والدارقطني والخطابي والحاكم في "علوم الحديث" والبيهقي والخطيب وكذا الدارقطني (٤). فهؤلاء جزموا بأنه مدرج، وقد ردّ قول من قال: إنه مدرج. بما اتفق عليه الشيخان (٥) (جـ من رفعه جـ)؛ فإنها في أعلى درجات التصحيح، وقد روى (د)

стр. 4084

إثباته من الحديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة (١)، وهو أعرف بحديث قتادة؛ لكثرة ملازمته له وكثرة أخذه عنه من همام وغيره. وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد، لكنهما لم ينافيا ما رواه، وإنما اقتصرا من الحديث على بعضه، وليس المجلس واحدًا حتى يتوقف في زيادة سعيد، فإن ملازمة سعيد لقتادة كانت أكثر منهما، والإعلال بأن سعيدًا اختلط، مردود؛ لأنه في "الصحيحين" وغيرهما من رواية من روى عن سعيد قبل الاختلاط كيزيد بن زريع، ووافقه عليه غيره، وقد أشار البخاري (٢) إلى دفع هذا التعليل، فأخرج الحديث من رواية يزيد بن زريع عن سعيد، وهو من أثبت الناس فيه، وسمع منه قبل الاختلاط، ثم استظهر له برواية جرير بن حازم لمتابعته؛ لينفي عنه التفرد، ثم أشار إلى أن غيرهما تابعهما، ثم (أ) قال: اختصره شعبة. وكأنه جواب لسؤال مقدر تقديره أن شعبة أحفظ الناس لحديث قتادة، فكيف لم يذكر الاستسعاء؟ فأجاب بأن هذا لا يؤثر فيه ضعفًا؛ لأنه أورده (أ) مختصرًا وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، وقد جاء ذكر الاستسعاء من حديث جابر أخرجه الطبراني (٣) وأخرجه البيهقي (٤) من حديث رجل من بني عذرة، أن رجلًا منهم أعتق مملوكًا له عند موته

стр. 4085

وليس له مال غيره، فأعتق رسول الله ﷺ ثلثه وأمره أن يستسعي (أ) في الثلثين. وأخرج أبو داود (١) من حديث أبي المليح عن أبيه أن رجلًا أعتق شقصًا له من غلام، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "ليس لله شريك". وفي رواية: فأجاز عتقه. وأخرجه النسائي (٢) بإسناد قوي، وأخرج أحمد (٣) بإسناد حسن من حديث سمرة، أن رجلًا أعتق شقصًا له في مملوك (ب)، فقال النبي ﷺ : "هو [حُرٌّ] (جـ) كله، فليس لله شريك". وقد عورضت هذه الأحاديث بما أخرجه أبو داود (٤) من طريق ملقام (د) عن أبيه، أن رجلًا أعتق نصيبه من مملوك فلم يضمنه النبي ﷺ وإسناده حسن، وبحديث عمران بن حصين عند مسلم (٥)، أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزأهم أثلاثا (د) ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة. وسيأتي قريبًا. وذلك لأنه لو كان الاستسعاء مشروعًا لنجز من كل واحد منهم عتق ثلثه وأمره بالسعاية في بقية قيمته لورثة

стр. 4086

الميت، إلا أنه قد يجاب عنه بأنها قضية عين، أو كان ذلك قبل شرعية الاستسعاء. وأخرج النسائي (١) عن ابن عمر بلفظ: "من أعتق عبدًا (أ) وله فيه شركاء وله وفاء (ب)، فهو حر، ويضمن نصيب شركائه بقيمته بما أساء من مشاركتهم، وليس على العبد شيء". وبما تلوناه عليك عرفت صحة الحديثين، وظاهرهما التعارض، وقد جمع بينهما بوجهين؛ أحدهما، أن قوله: "وإلا فقد عتق ما عتق منه". ليس معناه أنه يستمر ملكه، وإنما المعنى أنه عتق ما عتق بإعتاق مالك الحصة، وحصة الشريك تعتق بالسعاية، فيعتق العبد بعد تسليم ما عليه ويكون كالمكاتب، وهذا هو الذي جزم به البخاري، والذي يظهر أنه في ذلك باختياره، لقوله: "غير مشقوق عليه". فلو كان ذلك على سبيل اللزوم بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل ذلك، حصل له بذلك غاية المشقة، وهو لا يلزم في الكتابة بذلك عند الجمهور؛ لأنها غير واجبة، هذا مثلها (جـ)، وإلى هذا الجمع مال البيهقي (٢) وقال: لا يبقى بين الحديثين معارضة أصلًا. وهو كما قال، إلا أنه يلزم منه أن يبقى الرق في حصة الشريك إذا لم يختر (د) العبد الاستسعاء، ويحمل حديث أبي المليح وحديث سمرة أن ذلك في حق

стр. 4087

الموسر فلا معارضة، وحديث الملقام في حق المعسر، وجمع أبو عبد الملك بأن المراد بالاستسعاء أن العبد يستمر في خدمة سيده الذي لم يعتق رقيقًا بقدر ماله من الرق. ومعنى "غير مشقوق عليه". أي: لا يكلفه سيده من الخدمة فوق ما يطيقه ولا فوق حصته من الرق. إلا أنه يبعد هذا الجمع حديث الرجل من بني عذرة، هذا إذا كان المعتق يملك بعض العبد، وأما إذا كان يملكه جميعًا فأعتق بعضه، فجمهور علماء الحجاز والكوفة والعراق أنه يعتق جميعه، وقال أبو حنيفة وأهل الظاهر: يعتق منه ذلك القدر الذي عتق ويسعى في الباقي. وهو قول طاوس وحماد. وحجة الأولين حديث أبي المليح وغيره. وبالقياس على عتق الشقص، فإنه إذا سرى إلى ملك الشريك فبالأولى إذا لم يكن له شريك، وحجة أبي حنيفة أن السبب في حق الشريك هو أنه لما يدخل على شريكه من الضرر، فإذا كان العبد له جميعه لم يكن هناك ضرر، فلا قياس. وبما رواه إسماعيل بن أمية عن أبيه عن جده أنه أعتق نصف عبده فلم ينكر النبي ﷺ عتقه (١). والله أعلم. ١١٩٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجزي ولد والده، إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه". رواه مسلم (٢). قوله: "لا يجزي". بفتح أوله، أي, لا يكافئه بإحسانه وقضاء حقه، إلا أن يعتقه.

стр. 4088

وقوله: "فيشتريه فيعتقه". ظاهره أنه لا يعتق بمجرد الشراء، وأنه لا بد من الإعتاق بعد الشراء، وقد ذهب إلى هذا الظاهرية، وذهب الجمهور إلى أنه يعتق بنفس الشراء، ومعنى قوله: "فيعتقه". هو أنه لما شراه تَسَبَّب منه (أ) العتق، فنسب إليه العتق مجازًا، وإنما كان جزاء له؛ لأن العتق أفضل ما أنعم به أحد على أحد، لتخليصه بذلك من الرق، فيكمل له أحوال الأحرار من الولاية والقضاء والشهادة بالإجماع. والحديث نص في عتق الوالد، وهو مجمع عليه في (ب) حق الأب والأم إلا داود الظاهري. ١٩٩١ - وعن سمرة بن جندب ﵁، أن النبي ﷺ قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر". رواه أحمد والأربعة (١)، ورجح جمع من الحفاظ أنه موقوف. الحديث أخرجه أبو داود مرفوعًا من رواية حماد وموقوفًا من رواية سعيد (جـ)، وقال: سعيد (جـ) أحفظ من حماد. فالوقف حينئذ أرجح، وأخرجه أيضًا من طريق سعيد (جـ) عن قتادة، أن عمر بن الخطاب قال: من ملك. الحديث، فوقفه على عمر، وقال أبو داود: ولم يحدث بهذا الحديث

стр. 4089

إلا حماد، وقد شك فيه. وقال علي بن المديني: هو حديث منكر. وقال البخاري (١): لا يصح. رواه ابن ماجه والنسائي والترمذي والحاكم (٢) من طريق ضمرة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر. قال النسائي: حديث منكر. وقال الترمذي: لم يتابع ضمرة عليه وهو خطأ. وقال [البيهقي] (أ) (٣): وهم في هذا الإسناد، والمحفوظ بهذا الإسناد: نهى عن بيع الولاء وعن هبته. ورد الحاكم (٢) هذا بأنه روى من طريق ضمرة الحديثين بالإسناد الواحد. وصححه ابن حزم (٤) وعبد الحق (٥) وابن القطان، وضمرة بن ربيعة هذا لا يضر تفرده؛ لأنه ثقة، لم يكن في الشام رجل يشبهه. الحديث فيه دلالة على أنه إذا ملك من بينه وبينه رحامة محرمة للنكاح، فإنه يعتق عليه؛ وذلك كالآباء وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا، والإخوة وأولادهم والأخوال والأعمام لا أولادهم، وقد ذهب إلى هذا الهادي وأبو حنيفة وأصحابه؛ للحديث المذكور، وذهب الشافعي إلى أنه لا يعتق إلا الآباء والأبناء نصًّا في الحديث السابق على الآباء وقياسًا للأبناء على الآباء. قالوا: ولأن البنوة صفة تنافي العبودية؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٦). فأفهمت الآية أنه يتنافى أن يكون

стр. 4090

عند الشخص أبناء له [عبيد] (أ)، وزاد مالك الإخوة والأخوات قياسًا على الآباء والأبناء، وذهب داود الظاهري إلى أنه لا يعتق أحد (ب) بهذا السبب، واحتج بظاهر قوله في حديث أبي هريرة (١): "فيشتريه فيعتقه". فظاهره أن الأب لا يعتق إلا بإعتاقه. وقد تقدم الجواب عنه. ١١٩٢ - وعن عمران بن حصين ﵁، أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له (ب) عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزأهم أثلاثًا ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولًا شديدًا. رواه مسلم (٢). القول الشديد في رواية النسائي وأبي داود (٣) أنه قال ﷺ : "لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين". وقد ذهب إلى ما دل عليه الحديث -وهو أن حكم التبرع في المرض حكم الوصية فينفذ من الثلث- مالك والشافعي وأحمد، ولكنهم اختلفوا، فذهب مالك إلى اعتبار التقويم، فإذا كانوا ستة أعبد مثلًا أعتق منهم الثلث بالقيمة، سواء كان الحاصل من ذلك اثنين منهم أو أقل أو [أكثر] (جـ)، ويكون تعيين المعتق بالقرعة، وبعضهم ذهب إلى أن المعتبر العدد من غير تقويم، فإن كانوا ستة أُعتق منهم اثنان،

стр. 4091

وإن كانوا مثلًا سبعة أُعتق منهم اثنان وثلث، ويكون ذلك بالقرعة، وهذا هو ظاهر الحديث، إلا (أ) أنه يحتمل أنه تساوى في هذا قيمهم. وذهب الهدوية وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يعتق من كل عبد ثلثه، ويسعى كل واحد في ثلثي قيمته للورثة. قالت الحنفية: إنه لا يعمل بهذا الحديث؛ لأنه أحادي خالف الأصول الثابتة بالتواتر. وهذه قاعدة الحنفية، وذلك أن السيد قد أوجب لكل واحد منهم العتق، فلو كان له مال لنفذ العتق في الجميع بالإجماع، وإذا لم يكن له مال وجب أن ينفذ لكل واحد منهم بقدر الثلث الجائز فعل السيد (ب) فيه. ولكنه يقال في الرد عليهم: إن هذا ليس ثابتًا في الأصول مطلقًا ولو أدخل ضررًا على الغير، وهذا يدخل ضررًا على الورثة وعلى العبيد المعتقين. وإذا جمع العتق في أشخاص بأعيانهم حصل الوفاء بحق المعتق وحق الوارث، فلا مخالفة للأصول. وقوله: ثم أقرع بينهم. قال الخطابي (١): فيه إثبات القرعة في تمييز الشائع. ١١٩٣ - وعن سفينة ﵁ قال: كنت مملوكًا لأم سلمة فقالت: أعتقتك واشترطت عليك أن تخدم رسول الله ﷺ ما عشت. رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم (٢).

стр. 4092

الحديث فيه دلالة على صحة اشتراط الخدمة على العبد العتق، والعتق يصح أن يعلق بشرط فيقع بوقوع الشرط، ويصح أن يكون معقودًا على عوض مال أو غرض كالخدمة، فيقع العتق بوقوع ذلك المعقود أو بالقبول لذلك، وإذا تعذرت الخدمة لزم (أ) العبد القيمة، ولعل هذه العبارة وهي قولها: واشرطت (ب) عليك. يتنزل منزلة العقد، كأنها قالت: على خدمة رسول الله ﷺ . وقد قال بهذا الهدوية، وروي عن عمر أنه أعتق رقيق الإمارة وشرط عليهم أن يخدموا الخليفة بعده ثلاث سنين. قال ابن رشد في "نهاية المجتهد" (١): ولم يختلفوا أن العبد إذا أعتقه سيده على أن يخدمه سنتين، أنه لا يتم عتقه إلا بخدمته. وهو يوافق ما ذكرته الهدوية، وكذا عند الحنفية، قال في "ملتقى الأبحر": ولو حرره على أن يخدمه سنة فقبل، عتق، وعليه أن يخدمه تلك المدة، فإن مات المولى قبلها, لزمه قيمة نفسه، وعند محمَّد قيمة خدمته. ١١٩٤ - وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إنما الولاء لمن أعتق". متفق عليه في حديث (أ) (٢). تقدم الحديث -وهذا بعض من حديث بريرة المذكورة في البيع- والكلام عليه.

стр. 4093

وقوله: "والولاء لمن أعتق". يعني لا يثبت لغير المعتق بشرط، كما في حديث بريرة، ولا بغيره كما في الحديث الآتي، و"إنما" للحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، وقد استدل به على أنه لا ولاء بالإِسلام خلافًا للهدوية والحنفية، ولا للملتقط خلافًا لإسحاق. ١١٩٥ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب". رواه الشافعي وصححه ابن حبان والحاكم (١)، وأصله في "الصحيحين" (٢) بغير هذا اللفظ. الحديث أخرجه الشافعي عن محمَّد بن الحسن عن أبي يوسف عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ورواه ابن حبان في "صحيحه" من طريق [بشر] (أ) ابن الوليد عن أبي يوسف، لكن قال: عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار. وكذا رواه البيهقي (٣)، وقال في "المعرفة" (٤): كأن الشافعي حدّث به من حفظه فنسي عبيد الله بن عمر من إسناده، وقد رواه محمَّد بن الحسن في كتاب "الولاء" له عن أبي يوسف عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار به (ب). وقال أبو بكر النيسابوري (٥): هذا خطأ بيِّن،

стр. 4094

الثقات رووه عن عبد الله بن دينار بغير هذا اللفظ، وهذا اللفظ إنما هو رواية الحسن المرسلة. ورواه البيهقي (١) من طريق ضمرة بن ربيعة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وقد جمع أبو نعيم طرق حديث النهي عن بيع الولاء عن هبته في "مسند عبد الله بن دينار" له، فرواه عن نحوٍ من خمسين رجلًا (أو أكثر أ) من أصحابه عنه، ورواه أبو جعفر الطبري في "تهذيبه"، وأبو نعيم في "معرفة "الصحابة" (٢)، والطبراني في "الكبير" من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وظاهر إسناده الصحة، وهو يعكر على البيهقي حيث قال (٣) عقيب حديث أبي يوسف: ويروى بأسانيد أخر كلها ضعيفة. وقوله: وأصله في "الصحيحين" (٤). أخرج البخاري من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: نهى النبي ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته. وكذا أخرجه مسلم عنه، وقال مسلم بعد إخراجه عن عبد الله بن دينار: الناس في هذا الحديث عيال عليه. وقال الترمذي (٥) بعد تخريجه: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار، رواه عنه سعيد وسفيان ومالك. وقوله: "الولاء لحمة كلحمة النسب". وفي رواية: "كلحمة الثوب". وقد اختلف في ضم اللام وفتحها؛ فقيل: هي في النسب مضمومة، وفي

стр. 4095

الثوب بالفتح وحده. وقيل: بالفتح في النسب والثوب، فأما بالضم فهو ما (أيصاد به أ) الصيد، وفي "القاموس" (١) بفتح اللام وضمها في النسب والثوب. ومعنى الحديث أن المخالطة في الولاء تحري مجرى النسب في الميراث، كما تخالط (ب) اللُّحمة سد الثوب حتى يصيرا (جـ) كالشيء الواحد. كذا في "النهاية" (٢). وقال ابن العربي (٣): معناه أن المعتق أخرجه بالحرية إلى النسب حكمًا، كما أن الأب أخرجه بالنطفة إلى الوجود حشًا؛ لأن العبد كان كالمعدوم بالنظر إلى الأحكام التي قصر فيها عن الحر، فلما شابه حكم النسب جعل للعتق (د) حكم النسب. انتهى. وقوله: "لا يباع ولا يوهب". فيه دلالة على أنه لا يصح بيع الولاء ولا هبته؛ لأن ذلك أمر معنوي كالنسب لا يتأتى انتقاله؛ كالأبوة والأخوة والجدودة التي لا يتأتى انتقالها، قال ابن بطال (٤): أجمع العلماء على أنه لا يجوز تحويل النسب. فإذا كان حكم الولاء حكم النسب، فكما لا ينتقل النسب لا ينتقل الولاء، وكانوا في الجاهلية ينقلون (هـ) بالولاء لا بالبيع وغيره،

стр. 4096

فنهى الشرع عن ذلك. وقال ابن بطال (١) وغيره: جاء عن عثمان جواز بيع الولاء، وكذا عن عروة، وجاء عن ميمونة جواز هبة الولاء، فإنها وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس. قال المصنف رحمه الله تعالى (٢): قلت: قد أنكر ذلك ابن مسعود في زمن عثمان، فأخرج عبد الرزاق (٣) عنه أنه كان يقول: أيبيع أحدكم [نسبه] (أ)؟ ومن طريق على: الولاء شعبة من النسب (٤). ومن طريق جابر أنه أنكر بيع الولاء وهبته (٥). ومن طريق عطاء أن ابن عمر كان ينكره (٦)، ومن طريق عطاء عن ابن عباس: لا يجوز (٧). وسنده صحيح، ومن ثم فصلوا في النقل عن ابن عباس بين البيع والهبة. انتهي. وروى في "البحر" عن مالك، أنه يجوز هبة الولاء وبيعه، ولم أره في غيره، ويحتج عليه بالحديث.

стр. 4097

باب المدبر والمكاتب وأم الولد المدبر بفتح الباء: اسم مفعول، هو الذي علق عتقه بموت مالكه؛ سمي بذلك لأن الموت دبر الحياة، أو لأن فاعله دبر أمر دنياه وآخرته؛ أما دنياه فباستمراره على الانتفاع بخدمة عبده، وأما آخرته فبتحصيل ثواب العتق، وهو راجع إلى الأول؛ لأن تدبير الأمور راجع إلى النظر في العاقبة، فيرجع إلى دبر الأمر وهو آخره. والمكاتب بفتح التاء اسم مفعول: مَنْ وقعت عليه الكتابة، وبالكسر اسم فاعل: مَن تقع منه الكتابة، والكتابة مصدر بكسر الكاف وفتحها، قال الراغب (١): اشتقاقها من كتب بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٢). ﴿نَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٣). أو بمعنى وجب وضم، ومنه كتب الخط، وعلى الأول فالمناسبة أن الكتابة يلتزم فيها أداء المال المناسب، بمعنى (أ) الوجوب، أي: الثبوت، وعلى الثاني، فلما يكون عند عقدها من كتابة نجوم الأداء وعقدها غالبًا. قال الروياني (٤): الكتابة إسلامية ولم تكن تعرف في الجاهلية. وقال ابن التين (٤): كانت الكتابة متعارفة قبل الإِسلام فأقرها

стр. 4098

النبي ﷺ . وقال ابن خزيمة في كلامه على حديث بريرة: قيل: إن بريرة أول مكاتبة في الإِسلام، وقد كانوا يكاتبون في الجاهلية بالمدينة، وأول من كوتب في الإِسلام من الرجال سلمان. وقال ابن التين حكاية (١): أن أول من كوتب أبو المؤمل فقال النبي ﷺ : " [أعينوه] " (أ). وأول من كوتب من النساء بريرة، وأول من كوتب بعد النبي ﷺ أبو أمية مولى عمر، [ثم] (ب) سيرين مولى أنس. وحقيقة الكتابة تعليق عتق على أداء مال أو نحوه من مالك أو نحوه لمملوك، وهي (جـ) على خلاف القياس عند من يقول: إن العبد لا يملك. وهي لازمة من جهة السيد إلا إن عجز العبد، وجائزة غير واجبة عليه على الراجح من أقوال العلماء. وأم الولد هي من ولدت من مالكها. ١١٩٦ - وعن جابر ﵁، أن رجلًا من الأنصار أعتق غلامًا له (د)، عن دبر لم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "من يشتريه مني؟ " فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم. متفق عليه (٢). وفي لفظ البخاري: فاحتاج. وفي رواية النسائي (٣): وكان عليه دين فباعه

стр. 4099

بثمانمائة درهم فأعطاه وقال: "اقض دينك". قوله: أن رجلًا. اسمه مذكور، والغلام اسمه يعقوب. كذا في رواية مسلم وأبي داود والنسائي (١)، والغلام قبطي. كذا في رواية مسلم (٢) وابن أبي شيبة (٣)، ومات أول عام في إمارة ابن الزبير. والحديث فيه دلالة على مشروعية التدبير، وهو متفق عليه، وله ألفاظ صريحة وكناية، فصريحه (أ): أنت حرٌّ على دبر مني. أو: أنت مُدَبَّر. وأما: أنت حر بعد موتي. فقال مالك (٤): إذا قاله وهو صحيح، فالظاهر أنه وصية، والقول قوله في ذلك، ويجوز رجوعه إلا أن يريد التدبير. وبه قال ابن (ب) القاسم، وقال (أبو حنيفة): الظاهر أنه تدبير فليس له الرجوع. وقال به من أصحاب مالك أشهب، إلا أن يكون هناك قرينة تدل على الوصية، مثل أن يكون على سفر، أو يكون مريضًا، أو ما أشبه ذلك من الأحوال التي جرت العادة أن يكتب الناس فيها وصاياهم. وجعله الإِمام المهدي في "البحر" صريح التدبير، وجعل في: دبرتك. احتمال الصريح والكناية، واختلف العلماء: هل ينفذ من رأس المال أو من الثلث؟ فذهب

стр. 4100

الجمهور إلى أنه ينفذ من الثلث، وذهب ابن مسعود والحسن البصري وسعيد بن جبير والنخعي ومسروق والظاهرية إِلى أنه ينفذ من رأس المال، وحجة الأولين القياس على الوصية بجامع أنه مال ينفذ بعد الموت فيكون من الثلث، وبما أخرجه البيهقي (١) من حدثنا علي بن ظبيان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "المدبر من الثلث". مرفوعًا، ورواه الشافعي (٢) أيضًا عن علي بن ظبيان وقال: قلت لعلي: كيف هو؟ قال: كنت أحدث به مرفوعًا، فقال لي أصحابي: ليس هو بمرفوع. فوقفته. قال الشافعي: و (أ) الحفاظ يقفونه على ابن عمر. ورواه الدارقطني (٣) من حديث عبيدة بن حسان (٤) عن أيوب عن نافع مرفوعًا بلفظ: "المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو حر من الثلث". قال أبو [حاتم] (ب) (٥): عبيدة منكر الحديث. وقال الدارقطني في "العلل" (٦): الأصح وقفه. وقال العقيلي (٧): لا يعرف إلا بعلي بن ظبيان وهو منكر الحديث (٨). وقال أبو زرعة (٩): الموقوف أصح. بل قال
следующие страницы →