فنهى الشرع عن ذلك. وقال ابن بطال (١) وغيره: جاء عن عثمان جواز بيع الولاء، وكذا عن عروة، وجاء عن ميمونة جواز هبة الولاء، فإنها وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس. قال المصنف رحمه الله تعالى (٢): قلت: قد أنكر ذلك ابن مسعود في زمن عثمان، فأخرج عبد الرزاق (٣) عنه أنه كان يقول: أيبيع أحدكم [نسبه] (أ)؟ ومن طريق على: الولاء شعبة من النسب (٤). ومن طريق جابر أنه أنكر بيع الولاء وهبته (٥). ومن طريق عطاء أن ابن عمر كان ينكره (٦)، ومن طريق عطاء عن ابن عباس: لا يجوز (٧). وسنده صحيح، ومن ثم فصلوا في النقل عن ابن عباس بين البيع والهبة. انتهي. وروى في "البحر" عن مالك، أنه يجوز هبة الولاء وبيعه، ولم أره في غيره، ويحتج عليه بالحديث.
стр. 4097
باب المدبر والمكاتب وأم الولد
المدبر بفتح الباء: اسم مفعول، هو الذي علق عتقه بموت مالكه؛ سمي بذلك لأن الموت دبر الحياة، أو لأن فاعله دبر أمر دنياه وآخرته؛ أما دنياه فباستمراره على الانتفاع بخدمة عبده، وأما آخرته فبتحصيل ثواب العتق، وهو راجع إلى الأول؛ لأن تدبير الأمور راجع إلى النظر في العاقبة، فيرجع إلى دبر الأمر وهو آخره. والمكاتب بفتح التاء اسم مفعول: مَنْ وقعت عليه الكتابة، وبالكسر اسم فاعل: مَن تقع منه الكتابة، والكتابة مصدر بكسر الكاف وفتحها، قال الراغب (١): اشتقاقها من كتب بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٢). ﴿نَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٣). أو بمعنى وجب وضم، ومنه كتب الخط، وعلى الأول فالمناسبة أن الكتابة يلتزم فيها أداء المال المناسب، بمعنى (أ) الوجوب، أي: الثبوت، وعلى الثاني، فلما يكون عند عقدها من كتابة نجوم الأداء وعقدها غالبًا. قال الروياني (٤): الكتابة إسلامية ولم تكن تعرف في الجاهلية. وقال ابن التين (٤): كانت الكتابة متعارفة قبل الإِسلام فأقرها
стр. 4098
النبي ﷺ . وقال ابن خزيمة في كلامه على حديث بريرة: قيل: إن بريرة أول مكاتبة في الإِسلام، وقد كانوا يكاتبون في الجاهلية بالمدينة، وأول من كوتب في الإِسلام من الرجال سلمان. وقال ابن التين حكاية (١): أن أول من كوتب أبو المؤمل فقال النبي ﷺ : " [أعينوه] " (أ). وأول من كوتب من النساء بريرة، وأول من كوتب بعد النبي ﷺ أبو أمية مولى عمر، [ثم] (ب) سيرين مولى أنس.
وحقيقة الكتابة تعليق عتق على أداء مال أو نحوه من مالك أو نحوه لمملوك، وهي (جـ) على خلاف القياس عند من يقول: إن العبد لا يملك. وهي لازمة من جهة السيد إلا إن عجز العبد، وجائزة غير واجبة عليه على الراجح من أقوال العلماء. وأم الولد هي من ولدت من مالكها.
١١٩٦ - وعن جابر ﵁، أن رجلًا من الأنصار أعتق غلامًا له (د)، عن دبر لم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "من يشتريه مني؟ " فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم. متفق عليه (٢). وفي لفظ البخاري: فاحتاج. وفي رواية النسائي (٣): وكان عليه دين فباعه
стр. 4099
بثمانمائة درهم فأعطاه وقال: "اقض دينك".
قوله: أن رجلًا. اسمه مذكور، والغلام اسمه يعقوب. كذا في رواية مسلم وأبي داود والنسائي (١)، والغلام قبطي. كذا في رواية مسلم (٢) وابن أبي شيبة (٣)، ومات أول عام في إمارة ابن الزبير.
والحديث فيه دلالة على مشروعية التدبير، وهو متفق عليه، وله ألفاظ صريحة وكناية، فصريحه (أ): أنت حرٌّ على دبر مني. أو: أنت مُدَبَّر. وأما: أنت حر بعد موتي. فقال مالك (٤): إذا قاله وهو صحيح، فالظاهر أنه وصية، والقول قوله في ذلك، ويجوز رجوعه إلا أن يريد التدبير. وبه قال ابن (ب) القاسم، وقال (أبو حنيفة): الظاهر أنه تدبير فليس له الرجوع. وقال به من أصحاب مالك أشهب، إلا أن يكون هناك قرينة تدل على الوصية، مثل أن يكون على سفر، أو يكون مريضًا، أو ما أشبه ذلك من الأحوال التي جرت العادة أن يكتب الناس فيها وصاياهم. وجعله الإِمام المهدي في "البحر" صريح التدبير، وجعل في: دبرتك. احتمال الصريح والكناية، واختلف العلماء: هل ينفذ من رأس المال أو من الثلث؟ فذهب
стр. 4100
الجمهور إلى أنه ينفذ من الثلث، وذهب ابن مسعود والحسن البصري وسعيد بن جبير والنخعي ومسروق والظاهرية إِلى أنه ينفذ من رأس المال، وحجة الأولين القياس على الوصية بجامع أنه مال ينفذ بعد الموت فيكون من الثلث، وبما أخرجه البيهقي (١) من حدثنا علي بن ظبيان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "المدبر من الثلث". مرفوعًا، ورواه الشافعي (٢) أيضًا عن علي بن ظبيان وقال: قلت لعلي: كيف هو؟ قال: كنت أحدث به مرفوعًا، فقال لي أصحابي: ليس هو بمرفوع. فوقفته. قال الشافعي: و (أ) الحفاظ يقفونه على ابن عمر. ورواه الدارقطني (٣) من حديث عبيدة بن حسان (٤) عن أيوب عن نافع مرفوعًا بلفظ: "المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو حر من الثلث". قال أبو [حاتم] (ب) (٥): عبيدة منكر الحديث. وقال الدارقطني في "العلل" (٦): الأصح وقفه. وقال العقيلي (٧): لا يعرف إلا بعلي بن ظبيان وهو منكر الحديث (٨). وقال أبو زرعة (٩): الموقوف أصح. بل قال
стр. 4101
أبو زرعة: بل (أ) رفعه باطل. وقال ابن القطان (١): المرفوع ضعيف. وقال البيهقي (٢): الصحيح موقوف كما رواه الشافعي. وروي من وجه آخر عن أبي قلابة مرسلًا، أن رجلًا أعتق عبدًا له عن دبر فجعله النبي ﷺ من الثلث، وعن علي كذلك موقوفًا عليه، وروى بسنده عن عثمان بن أبي شيبة أنه قال: حديث علي بن ظبيان خطأ (٣). وعلي بن ظبيان هو قاضي بغداد تفقه بأبي حنيفة. وحجة الآخرين القياس على الهبة ونحوها مما يخرجه الإنسان من ماله في حال حياته فأشبه الهبة، وكأنهم رجعوا إلى القياس لما ضعف الحديث، ولكنه يقال: هذا الحديث وإن ضعف فضعفه لأجل الوقف، إلا أنه مؤيد بالقياس على الوصية، ويتأيد بصحة بيعه (ب) لإعسار صاحبه، فإن أكثر التصرفات التي تنقض إنما هي ما لم تكن نافذة في حال الحياة، وهذا في الوصية لا في غيرها، فهذا لما نقض كان كالوصية، وإن كان النقض لأجل إعسار السيد فهي قضية عينية لا يمنع البيع لغيرها، وقد روي عن عائشة ﵂، أنها باعت جارية سَحَرتها وقد كانت مُدَبَّرة (٤). ولعل هذا حجة الهدوية الذين قالوا: إنه يجوز بيع المدبر لفسق أو ضرورة.
والحديث فيه دلالة على صحة بيع المدبر ولكن في حق من لا مال له،
стр. 4102
كما في رواية البخاري، أو في قضاء الدين، كما في رواية النسائي، وقد احتج بهذا الهادي والقاسم والمؤيد وأبو طالب، أنه لا يجوز بيعه إلا لضرورة، وذهب إليه طاوس أيضًا، وذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة إلى أنه ليس للسيد أن يبيع مُدَبَّره، قالوا: لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١). ولأنه عتق إلى أجل فأشبه أم الولد، أو أشبه العتق المطلق، إلا أن مالكًا قال: إذا باعه إلى من يعتقه نفذ البيع والعتق، وقال أبو حنيفة والكوفيون: البيع مفسوخ سواء أعتقه المشتري أم لم يعتقه. وظاهر كلامهم أنه لا يصح بيعه ولو للدين، والحديث يرد عليهم ويكون تخصيصًا (ب) لعموم الآية، وذهب الشافعي وأحمد وأهل الظاهر وأبو ثور وأهل الحديث، ونقله البيهقي في "المعرفة" (٢) عن أكثر الفقهاء، إلى أن للسيد أن يبيع مدبره، قالوا: لحديث جابر، ولشبهه بالوصية، وينفذ غير البيع من الهبة والنذر كما يبطل الوصية، والحديث لم يكن فيه قصر الحكم على حالة الحاجة والضرورة، وإنما الواقع [جزئي] (أ) من جزئيات صور بيعه، وقياسه على الوصية يؤيد اعتبار الجواز المطلق، وأبو حنيفة يجوّز بيعه إذا كان التدبير مقيدًا كـ: إن مت في شهري أو مرضي هذا. لشبهه بالمشروط، كذا روى الخلاف هذا عن أبي حنيفة في "البحر"، وكذا في "ملتقى الأبحر"، ورده
стр. 4103
الإِمام المهدي بأن الدليل لم يفصل (أ)، وبأن المختار في مثل هذا أنه ليس بتدبير بل عتق معلق على شرط، وفيه تفصيل؛ أنه إن قصد به تنجيز العتق بطل العتق؛ لأنه بعد موته قد صار في ملك الورثة، وإن قصد به الوصية كان وصية، وقد تقدم الخلاف في هذا، وروي عن أحمد الجواز في المدبرة دون المدبر. وعن الليث: يجوز إن شرط على المشتري عتقه. وعن ابن سيرين: يبيعه من نفسه.
١١٩٧ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم". أخرجه أبو داود (١) بإسناد حسن، وأصله عند أحمد والثلاثة وصححه الحاكم (٢).
رووا الحديث من طرق، ورواه النسائي وابن حبان (٣) من وجه آخر من حديث عطاء عن عبد الله بن عمرو في حديث طويل ولفظه: "ومن كان مكاتبًا على مائة درهم فقضاها إلا أوقية فهو عبد". قال النسائي (٤): هذا
стр. 4104
حديث منكر، وهو عندي خطأ. وقال ابن حزم (١): عطاء عندي هذا هو الخراساني ولم يسمع من عبد الله بن عمرو. وقال الشافعي (٢) في حديث عمرو بن شعيب: لا أعلم أحدًا روى هذا إلا عمرو بن شعيب، ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبته، وعلى هذا فتيا المفتين. واخرج ابن أبي شيبة (٣) موقوفًا على عائشة ﵂ عن سليمان بن يسار قال: استأذنت على عائشة فعرفت صوتي فقالت: سليمان (أ)؟ فقلت: سليمان. فقالت: أديت ما بقي عليك من كتابتك؟ قلت: نعم، إلا شيئًا يسيرًا. قالت: ادخل فإنك عبد ما بقي عليك شيء. وأخرج الشافعي (٤) أن زيد بن ثابت قال في المكاتب: هو عبد ما بقي عليه درهم.
والحديث فيه دلالة على أن المكاتب إذا لم يوف ما عليه من مال الكتابة فهو عبد له أحكام المملوك جميعها، وقد ذهب إلى هذا الجمهور؛ منهم عمر وابن عمر وعائشة وأم سلمة والحسن وابن المسيب والزهري والثوري والهادي وأبو حنيفة والشافعي ومالك، وقد روي عن علي (٥)، أنه يعتق إذا أدّى الشطر. ورواية عنه (٦) أنه يعتق منه بقدر ما أدّى. وعن ابن
стр. 4105
مسعود (١): لو كاتبه على ما في أوقية وقيمته مائة فأدى المائة عتق. وهو رواية عن عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت (٢). والأشهر عنهم مثل قول الجمهور، وروي عن بعض من السلف أنه يعتق بعقد الكتابة. وعن بعض: إذا أدى الثلث. وقول الجمهور هو الأولى، وهو متأيد بالآثار عن (١) الصحابة وقد صحت عنهم الرواية, وروى ذلك مالك في "الموطأ" (٣)، ولأنه أخذ بالاحتياط في ملك السيد لا يزول إلا بما قد رضي به من تسليم ما عقد عليه، وشبهة من قال: يعتق بعقد الكتابة. أنه شبه الكتابة بالبيع، فكأن المكاتب اشترى نفسه من سيده. ومن ذهب إلى أنه يعتق منه بقدر ما أدى احتج بما أخرجه النسائي (٤) من حديث يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن النبي ﷺ قال: "يُودى المكاتب بحصة ما أدى دية حر وما بقى دية عبد". قال البيهقي (٥): قال أبو عيسى فيما بلغني عنه: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: روى بعضهم هذا الحديث عن أيوب عن عكرمة عن علي ﵁. قال البيهقي: فاختلف على عكرمة فيه، ورواية عكرمة عن علي مرسلة، ورواه حماد بن زيد وإسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة عن النبي ﷺ مرسلًا، وجعله إسماعيل من قول عكرمة. وروي موقوفًا عن علي
стр. 4106
من طرق أخرجها البيهقي، ومن طرق مرفوعًا (١). وقد ذهب إلى هذا من الهدوية المؤيد بالله وأبو طالب، وهذا الخلاف إنما هو في جري الأحكام على المكاتب في الحدود والدية وغيرها. وأما بيع المكاتب فقد تقدم الكلام عليه في كتاب البيع (٢).
١١٩٨ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه". رواه أحمد والأربعة (٣) وصححه الترمذي.
الحديث من رواية سفيان عن الزهريّ. قال الشافعي (٤): ولم أحفظ عن سفيان أن الزهريّ سمعه من نبهان مكاتب أم سلمة (٥). وقد روي من حديث معمر عن الزهريّ، قال الشافعي: ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبت واحدًا من هذين الحديثين. يعني حديث نبهان وحديث عمرو بن شعيب الذي مرَّ وتعقب عليه البيهقي بأن حديث عمرو قد روي من أوجه، وحديث نبهان قد صرح فيه معمر بسماع الزهريّ من نبهان، إلا أن البخاري ومسلمًا لم يخرجا حديث نبهان في الصحيح، وكأنه لم تثبت عدالته عندهما، أو لم يَخْرُجْ من حد الجهالة برواية عدل عنه، وقد أخرجه ابن
стр. 4107
خزيمة (١) عن أبي بكر بن إسحاق [الصغاني] (أ) عن قبيصة عن سفيان عن محمَّد بن عبد الرحمن مولى [آل] (ب) طلحة عن مكاتب مولى أم سلمة يقال له: نبهان. فذكر هذا الحديث، وأخرجه محمَّد بن يحيى الذهلي (٢) عن محمَّد بن يوسف عن سفيان بالإسناد الأول، فذكر حديث نبهان.
الحديث فيه دلالة على أن المكاتب إذا كان معه وفاء مال الكتابة، أنه قد صار حرًّا فتحتجب منه سيدته، وظاهره: وإن لم يكن قد سلَّم ذلك. وهو يخالف حديث عمرو بن شعيب، ولذلك تأوله الشافعي وقال (٣): إن هذا يجوز أن يكون خاصًّا بأزواج النبي ﷺ وهو احتجابهن عن المكاتب، وإن لم يكن قد سلَّم مال الكتابة إذا كان يجده، ولا (جـ) منع من ذلك كما منع سودة من نظر ابن زمعة إليها مع أنه قد قال: "الولد للفراش" (٤). وهو قريب، وأما ما رواه عبد الله بن زياد بن سمعان (٥) عن ابن شهاب أن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت لنبْهان مكاتبها: ادفع ما بقي من كتابتك إلى ابن أخي ابن عبد الله بن أبي أمية فإني قد أعنته بها، ثم لا تكلمني إلا من وراء حجاب.
стр. 4108
فبكى نبهان، فقالت أم سلمة: إن رسول الله ﷺ قال لنا: "إذا كاتبت إحداكن عبدها [فليرها] (أ) ما بقي عليه شيء من كتابته، فإذا قضاها فلا تكلمن إلا من وراء حجاب". فهو ضعيف، ورواية الثقات عن الزهريّ بخلافه.
والحديث فيه دلالة بمفهومه، وهو مفهوم الشرط، أنه يجوز له النظر إذا لم يكن معه وفاء مال الكتابة أولم يؤد ذلك، وذلك لأنه باق على ملك المكاتبة، والمملوك يجوز له النظر إلى سيدته، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. في سورة "النور" (١) وقد ذهب إلى هذا أكثر السلف، ورواه في "البحر" عن عائشة وابن المسيب وأحد قولي الشافعي؛ للآية الكريمة ولحديث أم سلمة، ويحتج أيضًا لهم بقوله ﷺ لفاطمة لما تقنعت بثوب إذا قنعت رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها فقال ﷺ : "ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك" (٢). ثم قال: وذهب الهدوية وأبو حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي إلى أن المملوك كالأجنبي؛ بدليل صحة تزويجها إياه بعد العتق، وأجاب عن الآية بأن سعيد بن المسيب قال: لا تغرنكم آية "النور" فالمراد بها الإماء (٣). وأن سعيدًا رجع عن مذهبه، قال في "البحر": وخصهن بالذكر رفعًا لتوهم مخالفتهن للحرائر في قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾. إذ الإماء ليس من نسائهن، إذ الإضافة تقتضي أن المراد أمثالهن، وقالت ميسون لمعاوية في الخصي: إن المثلة لا تحل ما حرم الله. وأجاب عن حديث أم سلمة بأنه مفهوم لا يؤخذ به انتهى. ولا يخفى
стр. 4109
عليك ما في هذا؛ فإن الآية ظاهرة في تعميم: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. ولا مساغ للتوهم الذي قال برفعه، وقول ميسون لا يعتد به، والمفهوم معمول به عند الأكثر مع أن في كلام أم سلمة تصريح بجواز النظر عند ألا يفي، وفي كلام عائشة وفعلها ذلك، وهن أعرف بمعاني خطابه ﷺ لهن، والله سبحانه أعلم (أ).
١٢٠٠ - وعن عمرو بن الحارث، أخي جُوَيرية أم المؤمنين ﵂، قال: ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهما ولا دينارًا, ولا عبدًا ولا أمةً، ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة. رواه البخاري (١).
هو عمرو بن الحارث بن أبي ضرار، بكسر الضاد المعجمة وبراء خفيفة، ابن عايذ، بالعين المهملة وباثنتين من أسفل تحتها نقطان وبالذال المعجمة، ابن مالك بن جذيمة، وهو المصطلق بن سعد الخزاعي عداده في أهل الكوفة، روى عنه أبو وائل شقيق بن سلمة وأبو إسحاق السبيعي (٢).
الحديث فيه دلالة على ما كان عليه ﷺ من الزهد في الدنيا وإنفاق ما وصل إليه ﷺ ، وتنزهه عن أعراضها وأدناسها، وخلو قلبه وقالبه عن
стр. 4110
الاشتغال بغير عبادة ربه ، حتى نقله إلى الرفيق الأعلى سالمًا عن الأغراض والأعراض، وكان ما قد ملكه من أرقائه إما قد مات أو معتقا.
وفيه دلالة على أن أم الولد تعتق بموت سيدها، فإن مارية القبطة أم إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم توفيت في زمن عمر بن الخطاب سنة ست عشرة ودفنت بالبقيع، وهذا وجه ذكر الحديث هنا. وقد قيل: إنها ماتت في حياة النبي ﷺ . والأول هو الأشهر.
وقوله: ولا شيئًا. على الأصح في رواية البخاري وكذا رواية الإسماعيلي (١)، وفي رواية الكشميهني (١): ولا شاة. وفي رواية مسلم (٢) عن عائشة قالت: ما ترك رسول الله ﷺ درهما ولا دينارًا ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء.
وقوله: وأرضًا جعلها صدقة. جاء في رواية أبي داود (٣) أن صدقته ﷺ كانت في المدينة أرضا، قال: فكانت نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة، أعطاها [الله] (أ) إياه، فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (٤). قال: فأعطى أكثرها للمهاجرين، وبقى منها صدقة رسول الله ﷺ التي في أيدي بني فاطمة. ولأبي داود (٥) أيضًا من طريق ابن شهاب، قال: كانت
стр. 4111
لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا؛ [بنو] (أ) النضير وخيبر وفدَك، فأما بنو النضير فكانت حُبُسًا لنوائبه، وأما فدك فكانت حُبُسًا لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزأها ما (ب) بين المسلمين، ثم قسم جزءًا لنفقة أهله، وما فَضَلَ منه جعله في فقراء المهاجرين. وجاء في رواية [أبي] (جـ) إسحاق (١): وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة.
١٢٠١ - وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته". أخرجه ابن ماجه والحاكم (٢) بإسناد ضعيف، ورجح جماعة وقفه على عمر ﵁.
تقدم الكلام في هذا الحديث في كتاب البيع فخذه من هناك وافيا (٣).
١٢٠٢ - وعن سهل بن حنيف ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من أعان مجاهدًا في سبيل الله، أو غارمًا في عسرته، أو مكاتبًا في رقبته، أظله الله يوم لا ظل إلا ظله". رواه أحمد، وصححه الحاكم (٤).
стр. 4112
وأخرج الحديث البيهقي (١) أيضًا، وقد تقدم بعض مباحث الحديث في تحقيق الظل في باب الصدقة (٢). والله أعلم.
стр. 4113
كتاب الجامع
باب الأدب
١٢٠٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حق المسلم على المسلم ست؛ إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه". رواه مسلم (١).
قوله: "حق المسلم". الحق معناه ما لا ينبغي تركه، ويكون فعله إما واجبًا أو مندوبًا ندبًا مؤكدا شبيها بالواجب الذي لا ينبغي تركه، ويكون استعماله في المعنيين من باب استعمال المشترك في معنييه، فإن الحق مستعمل في معنى الواجب. كذا ذكره ابن الأعرابي، وفي معنى الثابت، ومعنى اللازم، ومعنى الصدق وغير ذلك، فيكون هنا مستعملا في الواجب والمندوب ندبًا مؤكدًا تشبيهًا (أ) بالواجب، وكون بعض هذه المذكورة واجبًا على خلاف فيه.
وقوله: "ست". جاء في رواية لمسلم (٢): "خمس تجب للمسلم على أخيه، رد السلام". وذكر الباقي، وأسقط منها "إذا استنصحك فانصح له".
стр. 4114
وقوله: "إذا لقيته فسلم عليه". من باب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.
والحديث فيه دلالة على شرعية الابتداء بالسلام، ونقل ابن عبد البر (١) وغيره إجماع المسلمين أن ابتداء السلام سنة وأن رده فرض، وأقل السلام أن يقول: السلام عليكم. فإن كان المسلَّمُ عليه واحدًا فأقله: السلام عليك. والأفضل أن يقول: السلام عليكم. ليتناوله وملائكته، وأكمل منه أن يزيد: ورحمة الله. وأيضًا: وبركاته. ولو قال: سلام عليكم. أجزأه.
واستدل العلماء لزيادة: ورحمة الله وبركاته. يقول الله تعالى إخبارًا عن سلام الملائكة بعد ذكر السلام: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (٢). وبقول المسلمين في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وإذا كان المسلِّم جماعة فهو سنة كفاية في حقهم، إذا سلم بعضهم حصلت أصل سنية السلام في حق جميعهم، فإن كان المسلَّم عليه واحدًا تعين عليه الرد، وإن كانوا جماعة كان الردُّ فرض كفاية في حقهم، فإذا ردَّ واحدٌ سقط عن الباقين، والأفضل أن يبتدئ الجميع بالسلام وأن يرد الجميع. وعن أبي يوسف: يتعين على الجميع الرد (٣). ويكره أن يقول المبتدئ: عليكم السلام. فإن قاله استحق الجواب على الصحيح المشهور، وقيل: لا يستحق. وقد صحَّ أن النبي ﷺ قال: "لا تقل:
стр. 4115
عليك السلام. فإن عليك السلام تحية الموتى" (١).
وأما صفة الرد فالأفضل والأكمل أن يقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فيأتي بالواو، فلو حذفها جاز وكان تاركًا للأفضل، ولو اقتصر على: وعليكم السلام. أو على: عليكم السلام. أجزأه، فلو اقتصر على: عليكم. لم يجزئه بلا خلاف، ولو قال: وعليكم. بالواو، ففي إجزائه وجهان لأصحاب الشافعي، فإذا قال المبتدئ: سلام عليكم. أو: السلام عليكم. أجزأه وكان الجواب مثله. قال الله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ (٢). ولكن بالألف واللام أفضل، وأقل السلام ابتداء وردًّا أن يسمع صاحبه، ولا يجزئه دون ذلك، ويشترط كون الرد على الفور، ولو أتى سلام من غائب مع رسول أو في ورقة، وجب الرد على الفور، وجاء في رواية مسلم (٣): "يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير". وفي رواية البخاري (٤): "والصغير على الكبير". وهذا كله للاستحباب، فلو عكسوا جاز وكان خلاف الأفضل.
стр. 4116
ومفهوم قوله: "حق المسلم". أنه لا يسلم على الكافر ابتداء ولو ذمِّيًّا، وأخرج البخاري في "صحيحه" (١) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه". وفي "الصحيحين" (٢) عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم". وفي "صحيح البخاري" (٣) عن ابن عمر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم. فقل: وعليك". وفي ذلك أحاديث كثيرة، وقد قَطَع بأنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام الأكثرُ، وقال بعض أصحاب الشافعي: يكره. وحكى الماوردي وجهًا لبعض أصحاب الشافعي بجواز الابتداء بالسلام لهم، لكن يقتصر المسلم على قوله: السلام عليك. وروي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة (٣) بن محيريز (٤)، وحكى القاضي عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم للضرورة والحاجة، وهو قول علقمة والنخعي، وعن الأوزاعي قال: فإن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد ترك الصالحون. ولو سلم على رجل ظنه مسلمًا فبان كافرا، استحب أن يسترد سلامه ويقول له: رُدَّ علي سلامي. والغرض من ذلك أن يوحشه ويُظهر له أنه ليس بينهما ألفة.
стр. 4117
وروي أن ابن عمر، ﵄، سلم على رجل، فقيل له: إنه يهودي. فتبعه وقال له: ردّ عليّ سلامي (١). وفي "الموطأ" (٢) عن مالك أنه لا يسترده، واختاره ابن العربي، وقال أبو سعد. لو أراد تحية ذمي فعلها بغير السلام بأن يقول: هداك الله. أو (أ) أنعم الله صباحك. قال النووي (٣): لا بأس بذلك إذا احتاج إليه، وأما إذا لم يحتج إليه فالاختيار ألا يقول شيئًا؛ فإن في ذلك إيناسًا وإظهار تودد. وأما إذا من على جماعة فيهم مسلم وكافر، فالسنة أن يسلم عليهم ويقصد المسلم؛ كما في "الصحيحين" (٤) عن أسامة ﵁، أن رسول الله ﷺ مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود فسلم عليهم النبي ﷺ . وفي "الصحيحين" (٥) في كتاب النبي ﷺ في قصة هرقل، أن رسول الله ﷺ كتب: "من محمَّد عبدِ الله ورسوله إلى هرقل عظّم الروم: سلام على مِن إتبع الهدى".
وأما جواب سلام الذمي ففي "الصحيحين" (٦) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 4118
"إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم". وفي "صحيح البخاري" (١) عن ابن عمر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك. فقل: وعليك".
وقد ذهب إلى هذا أكثر العلماء بأن يقتصر في الجواب بقوله: وعليكم. بإثبات الواو وبحذفها، فإن كان بالواو فمعناه: وعليكم الموت. أي: نحن وأنتم فيه سواء كلنا يموت، ويحتمل الواو للاستئناف لا للعطف، وتقديره: وعليكم ما تستحقونه من الذم. ومع حذف الواو؛ تقديره: بل عليكم السام. واختار ابن حبيب حذف الواو لئلا يقتضي التشريك، وقال غيره بإثباتها كما في أكثر الروايات، وقال بعضهم: يقول: عليكم السِّلام. بكسر السين، أي الحجارة، وهذا ضعيف، قال الخطابي (٢): عامة المحدثين يروون هذا الحرف: وعليكم. بالواو، وكان ابن عيينة يرويه بغير واو. قال الخطابي: وهذا هو الصواب؛ لأنه إذا حذف الواو صار كلامه بعينه مردودا عليهم خاصة، وإذا أثبت الواو اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه. انتهى.
والصواب أن كلا الأمرين جائزان والمعنى مستقيم عليهما، وثبوت الرواية بالواو عند الأكثر، وحذفها عند ابن عيينة، وظاهر قوله: "فقولوا". يدل على وجوب الرد على أهل الكتاب وهو متأيد بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا
стр. 4119
حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ (أ) (١) الآية. فإن الآية مطلقة في حق المسلم وغيره، وذهب إلى هذا أكثر العلماء وعامة السلف، وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يرد ﵈، ورواه ابن وهب وأشهب عن مالك (٢)، ولكن الحديث يرد عليهم.
والسلام قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى. فقوله: السلام عليكم: أي اسم الله تعالى [عليكم] (ب). أي أنت في حفظ الله، كما يقال: الله معك. و: الله يصحبك. وقيل: السلام بمعنى السلامة. أي السلامة ملازمة لك. والله أعلم.
وقوله: "وإذا دعاك فأجبه". المراد به إجابة دعوة الوليمة ونحوها من الطعام، وقد تقدم ذلك في باب الوليمة من كتاب النكاح.
وقوله: "إذا استنصحك". أي طلب منك النصيحة فانصحه، يدل على وجوب بذل النصيحة؛ لأن تركها من باب الغش، وليس منا من غش.
стр. 4120
وقوله: "وإذا عطس فحمد الله فشمته". الحديث فيه دلالة على شرعية الحمد للعاطس، وقد اتفق العلماء على استحبابه، وأن يقول: الحمد لله. فلو زاد: رب العالمين. لكان أحسن، وفي "سنن أبي داود" (١) وغيره بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال". قال: "وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك الله. ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم". وفي "سنن الترمذي" (٢) عن ابن عمر ﵁، أن رجلًا عطس إلى جنبه فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله ﷺ . فقال ابن عمر: وليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ ؛ علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال (٣).
وفي "صحيح البخاري" (٤) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله. وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله. فإذا قال له: يرحمك الله. فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم". قال العلماء: أي: شأنكم. وفي "موطأ مالك" (٥) عن نافع عن ابن عمر ﵁، أنه قال, إذا عطس فقيل له: يرحمك الله. يقول يرحمنا الله وإياكم، ويغفر الله لنا ولكم.
стр. 4121
والتشميت سنة على الكفاية، لو قال بعض الحاضرين أجزأ عنهم، ولكن الأفضل أن يقول له كل واحد؛ لظاهر قوله ﷺ في حديث أبي هريرة أخرجه البخاري (١) قال: "إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله، كان حقًّا على كل مسلم سمعه أن يقول: يرحمك الله تعالى". واختلف أصحاب مالك في وجوبه؛ فقال القاضي عبد الوهاب: هو سنة ويجزئ تشميت واحد. وقال ابن مريم: يلزم كل واحد منهم. وهو مذهب أهل الظاهر، واختاره ابن العربي المالكي. ومفهوم الشرط يدل على أنه إذا لم يحمد لا يشمت.
وفي "الصحيحين" (٢) عن أنس قال: عطس رجلان عند النبي ﷺ فشمَّت أحدهما ولم يُشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمتَّه وعطست فلم تشمتني؟ فقال: "هذا حمد الله تعالى وأنت لم تحمد الله تعالى".
وفي "صحيح مسلم" (٣) عن أبي موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا عطس أحدكم فحمد الله تعالى فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه". وأقل الحمد والتشميت أن يرفع صوته بحيث يسمعة صاحبه، ويستحب لمن حضر العاطس إذا لم (أيحمد الله أ) أن يذكره
стр. 4122
الحمد، ورواه في "معالم السنن" (١) عن إبراهيم النخعي، وهو من باب الأمر بالمعروف، قال ابن العربي: لا يستحب. وفي كتاب ابن السني (٢) بإسناد فيه من لم يتحقق عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، وإن زاد على ثلاث فهو مزكوم ولا يُشمت بعد ثلاث".
قال ابن العربي (٣): قيل: يقال في الثانية: إنك مزكوم. كما في رواية مسلم (٤) عن سلمة بن الأكوع أنه قاله النبي في الثانية، وقيل: يقال في الثالثة. كما في رواية أبي داود والترمذي (٥) لحديث سلمة بن الأكوع، أنه قال في الثالثة: "رحمك الله هذا رجل مزكوم". وقيل: في الرابعة. والأصح أنه في الثالثة. وأما ما رواه في "سنن أبي داود" و"الترمذي" (٦) عن عبيد بن رفاعة قال: قال رسول الله ﷺ : "يشمت العاطس ثلاثًا (أفإن زاد أ)، فإن شئت فشمته وإن شئت فلا". فهو حديث ضيعف، قال الترمذي: إسناده مجهول.
стр. 4123
قال ابن العربي (١): والمعنى فيه: إنك لست ممن يشمت بعد هذا؛ لأن هذا الذي بك زكام ومرض (ألا خِفَّة أ) العطاس. ولكنه يدعى له بدعاء المسلم للمسلم بالعافية والسلامة، ولا يكون من باب التشميت.
وناسب العطاس التحميد؛ لأن العطاس سببه محمود، وهو خفة الجسم التي تكون لقلة الأخلاط وتخفيف الغذاء، وهو أمر مندوب إليه؛ لأنه يضعف الشهوة ويسهل الطاعة، وهذه نعمة يحمد عليها. والتثاؤب بضد ذلك، ولذلك يؤمر برده ما استطاع.
وإذا عطس وهو يصلي يستحب له أن يقول: الحمد لله. ويسمع نفسه، ذكره النووي، قال (٢): ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال؛ أحدها هذا واختاره ابن العربي، والثاني: يحمد في نفسه، والثالث قاله سحنون: لا يحمد جهرًا ولا في نفسه. والسنة أن يضع العاطس يده أو ثوبه أو نحو ذلك على فمه، وأن يخفض صوته، وفي "سنن أبي داود" و"الترمذي" (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ وإذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض -أو غض- بها صوته، شك الراوي، قال الترمذي (٤): حديث حسن. وفي كتاب ابن السني (٥) عن عبد الله بن الزبير ﵁
стр. 4124
قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله يكره رفع الصوت بالتثاؤب والعطاس". وفيه (١) عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "التثاؤب الرفيع والعطسة الشديدة من الشيطان".
وإذا سمع التحميد بعض الحاضرين دون بعض فيشمته من سمعه دون من لم يسمعه، وحكى ابن العربي (٢) خلافًا في تشميت الذين لم يسمعوا الحمد إذا سمعوا تشميت صاحبهم.
وإذا عطس يهودي، فأخرج أبو داود والترمذي (٣) وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عن أبي موسى قال: كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله ﷺ يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله. فيقول: "يهديكم الله ويصلح بالكم".
والتسميت بالسين المهملة والمعجمة لغتان مشهورتان، قال الأزهري (٤): قال الليث: التسميت (أ) ذكر الله تعالى على كل شيء، ومنه قولك للعاطس: يرحمك الله. وقال ثعلب: يقال: سمت العاطس وشمته إذا دعوت له بالهدى، وقصد السمت المستقيم. قال: والأصل فيه السين المهملة فقلبت شينًا معجمة.
стр. 4125
وقال صاحب "المحكم" (١): تسميت (أ) العاطس معناه: هداك الله إلى السمت. قال: وذلك لما في العاطس من الانزعاج والقلق.
قال أبو عبيد (٢) وغيره: الشين المعجمة على اللغتين. قال ابن الأنباري (٣): يقال منه: (ب شمته وسمت عليه ب). إذا دعوت له بخير، وكل داعٍ بالخير فهو مُشمَّت ومُسَمَّت.
وقوله: "وإذا مرض فعده". فيه دلالة على شرعية عيادة المريض، وهي مشروعة بالإجماع، وجزم البخاري بوجوبها، وقال (٤): باب وجوب عيادة المريض. وقال ابن بطال (٥): يحتمل أن يكون الوجوب للكفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير، ويحتمل أن يكون الوارد فيها محمولا على الندب. وجزم الداودي (٤) بالأول، وقال الجمهور بالندب، وقد يصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض. وعن الطبري (٤): يتأكد في حق من ترجى بركته، ويُسَنُّ فيمن يراعى حاله، ويباح فيما عدا ذلك، وفي الكافر خلاف. ونقل
стр. 4126
النووي (١) الإجماع على عدم الوجوب، قال المصنف (٢) رحمه الله تعالى: يعني على الأعيان. و [هي] (أ) عامة في كل مرض، وقد استثنى الرمد، ولكنه قد أخرج أبو داود (٣) من حديث زيد بن أرقم قال: عادني رسول الله ﷺ من وجع بعيني. وصحح الحديث الحاكم (٤)، وأخرجه البخاري (٥) في "الأدب المفرد". وظاهر العيادة ولو في أول مرضه، وقد أخرج ابن ماجه (٦) من حديث أنس: كان النبي ﷺ لا يعود إلا بعد ثلاث. تفرد به [مسلمة] (ب) ابن عُلَيٍّ (٧) وهو متروك. وسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه، والقريب والأجنبي.
وقوله: و"إذا مات فاتبعه". كذلك فيه دلالة على شرعية اتباع الجنائز, وهو سنة بالإجماع، وسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه، والقريب والأجنبي، وقد تقدم في الجنائز (٨).
١٢٠٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 4127
"انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم". متفق عليه (١).
قوله: "أجدر". أي: أحق، والازدراء: الاحتقار، والمراد بـ "أسفل منكم". أي: في المال والخَلق، وكذلك قوله: "فوقكم". وهو مصرح بهذا في حديث آخر أخرجه مسلم (٢) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخَلق فلينظر إلى من هو أسفل منه". وهذا حديث جامع لأنواع من الخير؛ لأنه إذا رأى من فُضل عليه في الدنيا طلبت نفسه مثل ذلك، فاستصغر ما عنده من نعمة الله، وحرص على الازدياد ليلحق بذلك أو يقاربه، هذا هو الموجود في غالب الناس، وأما إذا نظر في أمور الدنيا إلى من هو دونه فيها، ظهرت له نعمة الله تعالى فشكرها وتواضع وفعل فيه الخير.
١٢٠٥ - وعن النَّوَّاس بن سَمْعان ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم، قال: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس". أخرجه مسلم (٣).
هو النواس بفتح النون وتشديد الواو وبالسين المهملة، وسمعان بفتح السين المهملة وكسرها وبالعين المهملة، الكلابي، ورد أبوه سمعان على النبي ﷺ وزوجه بابنته، وهي الكلابية التي تعوذت من النبي ﷺ ، سكن
стр. 4128
النواس الشام، وهو معدود فيهم، له سبعة عشر حديثًا، روى عنه جُبير بن نُفَير وأبو إدريس الخولاني، ووقع في "صحيح مسلم" نسبته إلى الأنصار، قال المازري (١) والقاضي عياض (٢): والمشهور أنه كلابي ولعله حليف الأنصار.
قوله: "البر حسن الحلق". ظاهر هذا حَصْر البر في حسن الخلق وأنهما في معنى واحد، وقد فسر قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ (٣) إلى آخر الآية. وهو بتقدير مضاف، أي: بِرَّ مَن آمن بالله. أو: ذو البر من آمن. والمراد به أن الخصال المذكورة هي نفس البر ويفسره قراءة من قرأ: (ولكن البار من آمن) (٤). فيكون المراد بحسن الخلق هو استكمال ما يجب شرعًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٥). قال النووي (٦): قال العلماء رحمهم الله تعالى: البر يكون بمعنى الصلة وبمعنى الصدق وبمعنى اللطف، والمبرة وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع (أ) حسن الخلق.
стр. 4129
وقال القاضي عياض (١): حسن الخلق مخالقة (أ) الناس بالجميل، والبشر والتودد لهم والإشفاق عليهم واحتمالهم، والحلم عنهم والصبر عليهم في والمكاره وترك الكبر والاستطالة عليهم، ومجانبة الغلظة والغضب والمؤاخذة. وحُكِي فيه خلاف هل هو غريزة أو مكتسب؟ قال القاضي (٢): والصحيح أن منه ما هو غريزة ومنه ما هو مكتسب بالتخلق والاقتداء بغيره.
وقال السيد شريف الجرجاني ﵀ في "تعريفات معاني العلوم" (٣): حسن الخلق هيئة راسخة تصدر عنها الأفعال المحمودة بسهولة ويسر من غير حاجة إلى إعمال فكر وروية. انتهى.
وكأنه أراد ما أشار إليه القائل:
بشاشة الوجه وكف الأذى ... وبذلك المعروف حسن الخلق
فيكون المراد بحسن الخلق هو الخصال التي يحمد الشخص عليها عادة وشرعا، وقد عد بعض العارفين مكاوم الأخلاق فقال: هي طلاقة الوجه، وإفشاء السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف حيث يحسن، وإطعام الطعام، وكظم الغيظ، وكف الأذى عن الخلق، واحتماله منهم، والإيثار حيث يشرع، وترك الاستئثار، وترك الانتصاف، وشكر المتفضل، والمجازاة على الإحسان بحسب الإمكان، والسعي في قضاء حوائج ذوي الحاجات،
стр. 4130
وبذل الجاه في الشفاعات، والتحبب إلى الجيران والأقارب، وصلة الأرحام، والرفق بالطلبة وإعانتهم ومواساتهم والصبر عليهم والنصيحة لهم، وهذه الخصال كلها محمودة شرعا وعادة.
وقال بعضهم: علامات حسن الخلق أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الزلل، قليل الفضول، وهو بَرٌّ وصول، وقور صبور، رضي شكور، حليم رفيق، عفيف شفيق، لا لعان ولا سباب، ولا نمام ولا مغتاب، ولا عجول ولا حقود، ولا بخيل ولا حسود، هشاش بشاش، يحب في الله ويرضى في الله.
والظاهر في الحديث أن المراد به ما دل الشرع على حسنه وجوبًا أو ندبًا أو إباحة، وظهرت الدلالة عليه، ويدل عليه تفسير الإثم بقوله: "ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس". أي: تحرك الخاطر في صدرك وترددت هل تفعله لكونه لا لوم فيه، أو تتركه خشية اللوم عليه من الله ومن الناس فلا يطلعون عليه لو فعلته؟ يعني: لم ينشرح لك صدرك (أ) وتحصل الطمأنينة بفعله خوف كونه ذنبا. ويفهم منه أنه ينبغي ترك ما تردد في إباحته، ويؤيده قوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (١).
وأن الاحتياط في تغليب جنبة الحظر على الإباحة، والله أعلم.
стр. 4131
١٢٠٦ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس؛ من أجل أن ذلك يحزنه". متفق عليه (١)، واللفظ لمسلم.
الحديث فيه دلالة على تحريم مناجاة اثنين ومعهما ثالث دونه، والمناجاة: المسارَّة، يقال: انتجى القوم وتناجوا. أي تساروا، أي سَارَّ بعضهم بعضًا، ويقاس على ذلك مناجاة ثلاثة ومعهم رابع، وأما مناجاة اثنين من أربعة فلا محظور فيه إلا إذا أذن الثالث لاثنين بالمناجاة جاز ذلك، وظاهر النهي العموم في جميع الأزمان و (أ) في الحضر والسفر، وقد ذهب إلى هذا ابن عمر (٢) ومالك وأصحاب الشافعي وجماهير العلماء، وادعى بعضهم (ب) أن هذا منسوخ وأنه كان في صدر الإسلام، فلما فشا الإسلام وحصل الأمان مع الناس نسخ حكمه، و (جـ) كان المنافقون يفعلون (د) ذلك بحضرة المؤمنين ليحزنوهم. وكان الحزن؛ لأنه قد يتوهم الحاضر أن تناجي الاثنين من أجله لتدبير أمر فيه أو دسيسة غائلة، أو أن ذلك من أجل الاختصاص بالكرامة.
стр. 4132
قال الخطابي (١): سمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي عُبيد بن حرب أنه قال: هذا في السفر الذي لا يأمن الرجل في صاحبه على نفسه، أما في الحضر وبين ظهراني العمارة فلا.
وقوله: "يحزنه" بفتح الياء وضم الزاي من حزنه يحزنه، وبضم الياء وكسر الزاي من أحزنه، وقد قرئ بهما في السبع.
١٢٠٧ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا" متفق عليه (٢).
قوله: "لا يقيم". بصيغة الخبر، والمراد به النهي، وفي لفظ لمسلم (٣): "لا يقيمنَّ أحدكم الرجل من مجلسه". بصيغة النهي المؤكد، ظاهر النهي التحريم؛ فمن سبق إلى موضع مباح من مسجد أو غيره يوم جمعة أو غيرها لصلاة أو لغيرها من الطاعات، فهو أحق به ويحرم على غيره إقامته منه، إلا أنه يستثنى منه إذا كان قد سبق لغيره (أ) حق فيه بأن يكون قد قعد فيه مصل إذا كان في المسجد ثم قام منه لإعادة الوضوء أو يقضي شغلًا يسيرًا ثم يعود
стр. 4133
إليه، فإن له أن يقيم من كان قد قعد فيه، لقوله ﷺ : "من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به". أخرجه مسلم (١). وقد ذهب إلى هذا الشافعية، وذكر مثل هذا في "البحر" للهدوية، وكذا في الأماكن المباحة مَن قعد في موضع مخصوص لحرفة أو تجارة أو محل لقراءة في المسجد معتاد (أ) لمقرئ، فإنه يكون أولى به ليس لأحد أن يقعد فيه إلا إذا طالت مفارقته لذلك بحيث ينقطع معاملوه، ذكره الذُّويد (ب) في شرحه على "الأزهار"، وكذا النووي في "شرح مسلم" (٢)، وقال الإمام المهدي في "الغيث": يكون أحق به إلى العشي. وقال الغزالي: هو أحق به الأبد ما لم يَضرب. وقال بعض أصحاب الشافعي: إن ذلك على وجه الندب لا على الوجوب. وهو مذهب مالك، وقال أصحاب الشافعي: ولا فرق في المسجد بين أن يقوم منه ويترك له فيه سجادة ونحوها أم لا، فهو أحق به في الحالين. قالوا: وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة وحدها دون غيرها، وظاهر الحديث الإطلاق.
ويدل الحديث على أنه إذا قام القاعد باختياره وأقعد غيره في مكانه أنه يجوز. وجاء في رواية عن ابن عمر أخرجها مسلم (٣): وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه. ولعل هذا تورع من ابن عمر، وليس
стр. 4134
قعوده حراما إذا قام برضاه؛ لأنه أسقط حق نفسه. وتورع ابن عمر لوجهين؛ أحدهما، أنه ربما استحيى منه إنسان فقام له من مجلسه من طيب قلبه أو من غيره، فسدَّ ابن عمر هذا الباب، الثاني، أن الإيثار لمحل الفضلية مكروه وخلاف الأولى، كالقيام من الصف الأول إلى الثاني، فترك ذلك ابن عمر لئلا يرتكب أحدٌ خلاف الأولى لأجله، والإيثار إنما عهد بحظوظ النفس وأمور الدنيا دون الفضائل.
١٢٠٨ - وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده حتى يَلعَقَها أو يُلعِقَها". متفق عليه (١).
قوله: "يَلعقها". بفتح الياء من الثلاثي، أي يَلعقها هو. وقوله: "أو يلعقها". بضم الياء من الرباعي، أي يُلعقها غيره، واللعق هو المص.
الحديث فيه دلالة وإرشاد إلى أن من سنن الأكل لعق اليد بعد الطعام حتي يزيل ما عليها من أثر الطعام قبل أن يمسحها بالمنديل. وفيه دلالة على جواز مسح اليد بالمنديل لكن بعد اللعق منه أو من غيره، وعلل ذلك ﷺ بأن لا يدري الآكل في أي الطعام البركة، هل فيما أكل أو فيما بقي على الأصابع، أو ما بقي في الصحفة، أو ما سقط من اليد عند الأكل؟ كما في رواية لمسلم (٢) أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: "إنكم لا
стр. 4135
تدرون في أَيِّه البركة". وفي رواية لمسلم (١) "إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط ما عليها من الأذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أي طعامه البركة".
ومعنى الحديث -والله أعلم- أن الطعام الذي يحضره الإنسان فيه بركة ولا يدري أن البركة فيما أكله، أو فيما بقي على أصابعه أو ما بقي في أسفل القصعة، أو في اللقمة الساقطة، فينبغي أن نحافظ على هذا كله لتحصل البركة.
وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير، والمراد هنا ما تحصل به التغذية وتسلم عاقبته من أذىً ويقوي على طاعة الله تعالى وغير ذلك. وأراد بقوله: "فلا يمسح أحدكم يده حتى يلعقها". أصابعه، كما فسر ذلك الأحاديث الأُخر، وقد جاء مصرحًا به في هيئة أكله ﷺ ، أنه كان يأكل بثلاث أصابع (٢). فدل على أن السنة الأكل بالثلاث، ولا يضم الرابعة أو الخامسة إلا إذا احتاج إلى ذلك؛ يأن يكون الطعام غير مشتد لا يحفظه الثلاث، فيستعين عليه بما يمكنه التناول، ويلعق ما مسه الطعام من اليد. وقد أخرج سعيد بن منصور (٣) من مرسل ابن شهاب، أن النبي ﷺ كان إذا أكل أكل بخمس. فيجمع بينه وبين حديث الثلاث بأنه إذا كان الطعام غير مشتد.
وإلعاق الغير للأصابع إذا كان ممن لا يتقذر ذلك؛ كالصبي والزوجة