١٢٠٦ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس؛ من أجل أن ذلك يحزنه". متفق عليه (١)، واللفظ لمسلم.
الحديث فيه دلالة على تحريم مناجاة اثنين ومعهما ثالث دونه، والمناجاة: المسارَّة، يقال: انتجى القوم وتناجوا. أي تساروا، أي سَارَّ بعضهم بعضًا، ويقاس على ذلك مناجاة ثلاثة ومعهم رابع، وأما مناجاة اثنين من أربعة فلا محظور فيه إلا إذا أذن الثالث لاثنين بالمناجاة جاز ذلك، وظاهر النهي العموم في جميع الأزمان و (أ) في الحضر والسفر، وقد ذهب إلى هذا ابن عمر (٢) ومالك وأصحاب الشافعي وجماهير العلماء، وادعى بعضهم (ب) أن هذا منسوخ وأنه كان في صدر الإسلام، فلما فشا الإسلام وحصل الأمان مع الناس نسخ حكمه، و (جـ) كان المنافقون يفعلون (د) ذلك بحضرة المؤمنين ليحزنوهم. وكان الحزن؛ لأنه قد يتوهم الحاضر أن تناجي الاثنين من أجله لتدبير أمر فيه أو دسيسة غائلة، أو أن ذلك من أجل الاختصاص بالكرامة.
стр. 4132
قال الخطابي (١): سمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي عُبيد بن حرب أنه قال: هذا في السفر الذي لا يأمن الرجل في صاحبه على نفسه، أما في الحضر وبين ظهراني العمارة فلا.
وقوله: "يحزنه" بفتح الياء وضم الزاي من حزنه يحزنه، وبضم الياء وكسر الزاي من أحزنه، وقد قرئ بهما في السبع.
١٢٠٧ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا" متفق عليه (٢).
قوله: "لا يقيم". بصيغة الخبر، والمراد به النهي، وفي لفظ لمسلم (٣): "لا يقيمنَّ أحدكم الرجل من مجلسه". بصيغة النهي المؤكد، ظاهر النهي التحريم؛ فمن سبق إلى موضع مباح من مسجد أو غيره يوم جمعة أو غيرها لصلاة أو لغيرها من الطاعات، فهو أحق به ويحرم على غيره إقامته منه، إلا أنه يستثنى منه إذا كان قد سبق لغيره (أ) حق فيه بأن يكون قد قعد فيه مصل إذا كان في المسجد ثم قام منه لإعادة الوضوء أو يقضي شغلًا يسيرًا ثم يعود
стр. 4133
إليه، فإن له أن يقيم من كان قد قعد فيه، لقوله ﷺ : "من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به". أخرجه مسلم (١). وقد ذهب إلى هذا الشافعية، وذكر مثل هذا في "البحر" للهدوية، وكذا في الأماكن المباحة مَن قعد في موضع مخصوص لحرفة أو تجارة أو محل لقراءة في المسجد معتاد (أ) لمقرئ، فإنه يكون أولى به ليس لأحد أن يقعد فيه إلا إذا طالت مفارقته لذلك بحيث ينقطع معاملوه، ذكره الذُّويد (ب) في شرحه على "الأزهار"، وكذا النووي في "شرح مسلم" (٢)، وقال الإمام المهدي في "الغيث": يكون أحق به إلى العشي. وقال الغزالي: هو أحق به الأبد ما لم يَضرب. وقال بعض أصحاب الشافعي: إن ذلك على وجه الندب لا على الوجوب. وهو مذهب مالك، وقال أصحاب الشافعي: ولا فرق في المسجد بين أن يقوم منه ويترك له فيه سجادة ونحوها أم لا، فهو أحق به في الحالين. قالوا: وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة وحدها دون غيرها، وظاهر الحديث الإطلاق.
ويدل الحديث على أنه إذا قام القاعد باختياره وأقعد غيره في مكانه أنه يجوز. وجاء في رواية عن ابن عمر أخرجها مسلم (٣): وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه. ولعل هذا تورع من ابن عمر، وليس
стр. 4134
قعوده حراما إذا قام برضاه؛ لأنه أسقط حق نفسه. وتورع ابن عمر لوجهين؛ أحدهما، أنه ربما استحيى منه إنسان فقام له من مجلسه من طيب قلبه أو من غيره، فسدَّ ابن عمر هذا الباب، الثاني، أن الإيثار لمحل الفضلية مكروه وخلاف الأولى، كالقيام من الصف الأول إلى الثاني، فترك ذلك ابن عمر لئلا يرتكب أحدٌ خلاف الأولى لأجله، والإيثار إنما عهد بحظوظ النفس وأمور الدنيا دون الفضائل.
١٢٠٨ - وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده حتى يَلعَقَها أو يُلعِقَها". متفق عليه (١).
قوله: "يَلعقها". بفتح الياء من الثلاثي، أي يَلعقها هو. وقوله: "أو يلعقها". بضم الياء من الرباعي، أي يُلعقها غيره، واللعق هو المص.
الحديث فيه دلالة وإرشاد إلى أن من سنن الأكل لعق اليد بعد الطعام حتي يزيل ما عليها من أثر الطعام قبل أن يمسحها بالمنديل. وفيه دلالة على جواز مسح اليد بالمنديل لكن بعد اللعق منه أو من غيره، وعلل ذلك ﷺ بأن لا يدري الآكل في أي الطعام البركة، هل فيما أكل أو فيما بقي على الأصابع، أو ما بقي في الصحفة، أو ما سقط من اليد عند الأكل؟ كما في رواية لمسلم (٢) أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: "إنكم لا
стр. 4135
تدرون في أَيِّه البركة". وفي رواية لمسلم (١) "إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط ما عليها من الأذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أي طعامه البركة".
ومعنى الحديث -والله أعلم- أن الطعام الذي يحضره الإنسان فيه بركة ولا يدري أن البركة فيما أكله، أو فيما بقي على أصابعه أو ما بقي في أسفل القصعة، أو في اللقمة الساقطة، فينبغي أن نحافظ على هذا كله لتحصل البركة.
وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير، والمراد هنا ما تحصل به التغذية وتسلم عاقبته من أذىً ويقوي على طاعة الله تعالى وغير ذلك. وأراد بقوله: "فلا يمسح أحدكم يده حتى يلعقها". أصابعه، كما فسر ذلك الأحاديث الأُخر، وقد جاء مصرحًا به في هيئة أكله ﷺ ، أنه كان يأكل بثلاث أصابع (٢). فدل على أن السنة الأكل بالثلاث، ولا يضم الرابعة أو الخامسة إلا إذا احتاج إلى ذلك؛ يأن يكون الطعام غير مشتد لا يحفظه الثلاث، فيستعين عليه بما يمكنه التناول، ويلعق ما مسه الطعام من اليد. وقد أخرج سعيد بن منصور (٣) من مرسل ابن شهاب، أن النبي ﷺ كان إذا أكل أكل بخمس. فيجمع بينه وبين حديث الثلاث بأنه إذا كان الطعام غير مشتد.
وإلعاق الغير للأصابع إذا كان ممن لا يتقذر ذلك؛ كالصبي والزوجة
стр. 4136
والخادم ونحوه، كمن يعتقد التبرك بالشخص. وقال البيهقي (١) إن "أو" في قوله: "أو يعلقها". يحتمل أن يكون شكا من الراوي، ويحتمل أن ذلك مقصود إذا كان محفوظا، وإذا تنجست اللقمة الساقطة أزال ما عليها من النجاسة وغسل المتنجس إن أمكنه ذلك، فإن تعذر أطعمها حيوانًا ولا يدعها للشيطان. وكذا ذكره النووي (٢) بناء على أنه يجوز تمكين الحيوان من أكل المتنجس، وعليه الإجماع الفعلي خلفًا عن سلف.
١٢٠٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير". متفق عليه (٣) وفي رواية لمسلم (٤): "والراكب على الماشي".
تقدم الكلام عليه أول الباب.
١٢١٠ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يجزئ [عن] (أ) الجماعة إذا مروا أنْ يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجماعة أن يرد أحدهم". رواه أحمد والبيهقي (٥).
стр. 4137
تقدم الخلاف فيه قريبا (١).
فائدة: قد تكلم العلماء في الحكمة فيمن يشرع لهم الابتداء بالسلام؛ فقال ابن بطال (٢) عن المهلب: يسلم الصغير على الكبير لأجل حق الكبير؛ لأنه أمر بتوقيره والتواضع له، ويسلم القليل لأجل حق الكثير؛ لأن حقهم أعظم، ويسلم المار على القاعد لشبهه بالداخل على أهل المنزل، ويسلم الراكب لئلا يتكبر بركوبه فيرجع إلى التواضع.
قال ابن العربي (٣): حاصل ما في الحديث أن المفضول بنوع ما يبدأ الفاضلَ، فلو تعارضت الجهة بأن يكون الراكب مثلًا كبيرًا والماشي صغيرًا بدأ الراكب. كذا نقله ابن دقيق العيد عن ابن رشد (٤)، وإن كانا راكبين أو ماشيين بدأ الصغير، وظاهر هذه الأوامر الندب وخلافها مكروه، فلو ترك المأمور بالابتداء فبدأه الآخر كان المأمور تاركًا للمستحب والآخر فاعلًا للسنة. كذا ذكره المازري (٤)، ويكون حكم سائر الصفات مثل هذا، وإذا تساوى المتلاقيان من كل وجه فكل منهما مأمور بالابتداء وخيرهما من يبدأ بالسلام. وقد أخرج البخاري من حديث جابر في "الأدب المفرد" (٥) بسندٍ
стр. 4138
صحيح "الماشيان إذا اجتمعا فأيهما يبدأ بالسلام فهو أفضل". وأخرج الطبراني (١) بسند صحيح عن الأغر المزني: قال لي أبو بكر: لا يسبقك أحد إلى [السلام] (أ). والترمذي (٢) من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "إن أولى الناس بالله من بدأ بالسلام". وقال: حسن. وأخرج الطبراني (٣) من حديث أبي الدرداء، قلنا: يا رسول الله (ب)، إنا نلتقى، فأينا يبدأ (جـ) بالسلام؟ قال: "أطوعكم لله".
قال النووي (٤): يستثنى من العموم بابتداء السلام من كان مشتغلًا بأكل أو شرب أو جماع أو كان في الخلاء أو الحمام أو نائما أو ناعسا (د) أو مصليا أو مؤذنا، ما دام متلبسًا بشيء مما ذكر، إلا أن السلام على من كان في الحمام إنما يكره إذا لم يكن عليه إزار، وإلا فلا كراهة، وقد ثبت في "صحيح مسلم" (٥) أن أم هانئ أتت النبي ﷺ -وهو يغتسل وفاطمة تستره فسلمت عليه. الحديث.
стр. 4139
قال النووي (١): وأما السلام حال الخطبة في الجمعة فيكره؛ للأمر بالإنصات، فلو سلم لم يجب الرد عند من قال: الإنصات واجب. ويجب عند من قال: إنه سنة. وعلى الوجهين لا ينبغي أن يرد أكثر من واحد، وأما المشتغل بقراءة القرآن فقال الواحدي (٢): الأولى ترك السلام عليه، فإن سلم عليه كفاه الرد بالإشارة، وإن رد لفظا استأنف الاستعاذة وقرأ. قال النووي (٢): فيه نظر، والظاهر أنه يشرع السلام عليه، ويجب عليه الرد ثم (أ) قال: وأما من كان مشتغلًا بالدعاء مستغرقا فيه مستجمع القلب فيحتمل أن يقال: هو كالقارئ. والأظهر عندي أنه يكره السلام عليه؛ لأنه يتنكد (ب) به ويشق عليه أكثر من مشقة الأكل، وأما الملبي في الإحرام فيكره أن يسلم عليه؛ لأن قطع التلبية مكروه، ويجب عليه الرد مع ذلك لفظًا إن سلم عليه. قال: ولو تبرع واحد من هؤلاء برد السلام، هل يشرع له أو يستحب؟ فيه تفصيل؛ إن كان مشتغلًا بالبول ونحوه يكره، وإن كان آكلًا أو نحوه فيستحب، وإن كان مصليًا لم يجز أن يقول: عليك السلام. بلفظ الخطاب، فلو فعل بطلت صلاته إن علم التحريم لا إن جهل في الأصح، وإن أتى بضمير الغيبة لم تبطل، ويستحب أن يرد بالإشارة، وإن رد بعد فراغ الصلاة لفظا فهو أحب، وإن كان مؤذنا أو ملبيا لم يكره له الرد لفظا، لأنه
стр. 4140
قدر يسير لا يبطل الموالاة. انتهى.
وما ذكره من بطلان الصلاة إذا كان بلفظ الخطاب ليس متفقًا عليه عند الشافعية؛ فعن الشافعي نص أنه لا تبطل؛ لأنه لا يريد حقيقة الخطاب بل الدعاء، وذكر بعض الحنفية أن من جلس في المسجد للقراءة أو التسبيح أو لانتظار الصلاة لم يشرع التسليم عليهم، وإن سلم عليهم لم يجب الرد، قال (١): وكذلك الخصم إذا سلم على القاضي لا يجب عليه الرد، وكذلك الأستاذ إذا سلم عليه تلميذه لا يجب عليه الرد. كذا قال ولا يوافق على الطرف الأخير.
ويندب أن يسلم من دخل بيتًا ليس فيه أحدٌ، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية (٢). وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" وابن أبي شيبة (٣) بإسناد حسن عن ابن عمر: يستحب إذا لم يكن في البيت أحد أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وأخرج [الطبري] (أ) عن ابن عباس نحوه (٤).
ويدخل فيه من مرَّ على مَنْ يظن أنه إذا سلم عليه لم يرد؛ لأنه قد يخطئ
стр. 4141
ظنه، قال النووي (١): وأما قول من لا تحقيق عنده أن ذلك يكون سببًا لتأثيم الآخر فهو غباوة، فإن المأمورات الشرعية لا تترك بمثل (أ) هذا. قال: وينبغي لمن وقع له ذلك أن يقول له بعبارة لطيفة: رد السلام واجب، فينبغي أن ترد ليسقط [عنك] (٥) الفرض. وينبغي إذا تمادى على الترك أن يحلله من ذلك؛ لأنه حق آدمي. ورجح ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" (٢) المقالة التي زيفها (جـ) النووي بأن مفسدة توريط المسلم في المعصية أشد من مصلحة السلام عليه، وامتثال حديث الأمر بالإفشاء يحصل مع غير هذا. والله أعلم.
١٢١١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه". أخرجه مسلم (٣).
تقدم الكلام في بداية اليهود والنصارى بالسلام.
وقوله: "وإذا لقيتموهم في طريق". إلى آخره. المراد أنه إذا كان المسلمون يطرقون فلا يتركون يمرون في وسط الطريق، بل في جانبه، لكن
стр. 4142
بحيث لا يقع في هوة ولا يصدمه جدار، وإن خلت الطريق عن المسلمين فلا حرج أن يمروا في أيها شاءوا.
١٢١٢ - وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله. وليقل له أخوه: يرحمك الله. فإذا قال: يرحمك الله. فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم". أخرجه البخاري (١).
تقدم الكلام عليه (٢).
١٢١٣ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يشربن أحدكم قائمًا". أخرجه مسلم (٣).
وتمامه: "فمن نسى فليستقئ". وأخرجه أحمد من وجه آخر وصححه ابن حبان (٤) عن أبي صالح عنه بلفظ: "لو يعلم الذي يشرب وهو قائم لاستقاء". ولأحمد (٥) من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ رأى رجلًا يشرب قائما فقال: "مه (أ) " فقال: لمه؟ قال: "أيسرك أن يشرب معك الهر؟ ". قال: لا. قال: "قد شرب معلث من هو شر منه؛ الشيطان".
стр. 4143
وهو من رواية شعبة عن أبي زياد (أ) [الطحان] (ب) مولى الحسن بن علي عنه، وأبو زياد لا يعرف اسمه، وقد وثقه يحيى بن معين (١).
والحديث يدل على النهي عن ذلك، ولكن هل النهي محمول على حقيقته وهو التحريم أو مصروف عن ظاهره؛ فذهب ابن حزم إلى الأول، وهو مقتضى قاعدة الظاهرية. وذهب الجمهور إلى أنه محمول على خلاف الأولى، وبعضهم قال بكراهته. قال المازري (٢): قال بعض شيوخنا: لعل النهي منصرف إلى من أتى أصحابه بماءٍ فبادر ليشربه (جـ) قائما قبلهم، استبدادًا به وخروجا عن كون ساقي القوم آخرهم شربا، وبعضهم أن في الشرب قائما ضررًا ما، ولذلك كان القيء دواء له، ويؤيده قول النخعي: إنما نهي عن ذلك لداء البطن.
وتكلم عياض على حديث أبي هريرة هذا بأن في سنده عمر بن حمزة (٣)، وقد خالف غيره ولا يحتمل منه مثل هذا، والصحيح أنه موقوف. انتهى.
وقد روى نحوه مسلم (٤) من حديث أنس، واعترضه عياض بأنه من
стр. 4144
رواية قتادة عن أنس، وهو معنعن، وكان شعبة يترك من حديثه ما لم يصرح فيه بالتحديث، هذا كلامه، وقد أجاب عنه المصنف ﵀ (١) بأن قتادة قد أشار في سند حديث أنس بالتحديث منه؛ فإن فيه: قلنا لأنس: فالأكل؟ قال: أشر منه. واعترض عياض على رواية مسلم له من حديث أبي سعيد بأن في إسناده أبا عيسى (٢) وهو غير مشهور ولم يرو عنه إلا قتادة، وقد سبق إلى هذا الاعتراض علي بن المديني وأجاب عنه المصنف ﵀ (١) بأنه قد وثقه الطبري وابن حبان. ومئل هذا يخرج في الشواهد، ودعوى اضطرابه مردودة؛ لأن لقتادة إسنادين وهو حافظ. قال المصنف (١): وأما تضعيفه لحديث أبي هريرة بعمر بن حمزة فهو مختلف في توثيقه، ومثله يخرج له مسلم في المتابعات، وقد تابعه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة كما تقدم عند أحمد وابن حبان، فالحديث بمجموع طرقه صحيح. انتهى.
فتقرر أن الحديث لا مطعن فيه، ولكنه معارض بما أخرجه مسلم (٣) عن ابن عباس قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم. وفي الرواية الأخرى، أن رسول الله ﷺ شرب من زمزم وهو قائم. وفي "صحيح البخاري" (٤)، أن عليا ﵁ شرب قائما وقال: رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت. فطريق الجمع أنه فعل ذلك ﷺ لبيان الجواز، ولا
стр. 4145
يقال: إنه فعل مكروها أو خلاف الأولى؛ لأن البيان في حقه واجب، وقد وقع مثل هذا في كثير من الأحكام مثل؛ توضئه مرةً مرةً مع أن المندوب الثلاث، والطواف راكبًا مع أن الأفضل المشي، وكذلك فعل علي ﵁، أنه شرب قائمًا فرأى الناس كأنهم أنكروه، فقال: ما ينظرون؟! إن أشرب قائما فقد رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما، وإن أشرب قاعدا فقد رأيته يشرب قاعدا. وصحح الترمذي (١) من حديث ابن عمر: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام. وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص أخرجه الترمذي (٢)، وفي عبد الله بن أنيس أخرجه الطبراني (٣)، وعن أنس أخرجه البزار والأثرم (٤)، وعن (أعمرو بن شعيب أ) عن أبيه عن جده أخرجه الترمذي (٥) وحسنه، وعن عائشة أخرجه البزار وأبو علي الطوسي في "الأحكام" (٤).
وعن أم سُليم نحوه أخرجه ابن شاهين (٦) وغير ذلك، وثبت عن عمر
стр. 4146
وعن عثمان أخرجه في "الموطأ" (١)، وقال الأثرم (٢): إن أحاديث الجواز أقوى من أحاديث النهي فترجح. قال: ويدل على وهاء أحاديث النهي اتفاق العلماء على أنه ليس على أحد أن يستقيء إذا شرب قائما، ومثله عن عياض، وقد دفع ذلك النووي بأنه لا يلزم من عدم القول بوجوب الاستقاء عدم الاستحباب.
وبعضهم ادعى أن أحاديث الجواز ناسخة لأحاديث النهي؛ بقرينة عمل الخلفاء الراشدين ومعظم الصحابة والتابعين، وأن استقاء النبي ﷺ من زمزم في حجة الوداع متأخر.
وعكس ابن حزم (٣) وادعى أن أحاديث النهي ناسخة لأحاديث الجواز؛ لأن الجواز مقرر لحكم الأصل من الإباحة، وأحاديث النهي ناقلةٌ لذلك، فمن ادعى الجواز بعد النهي فعليه البيان؛ فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وجمع أبو الفرج (٢) بين الأحاديث بتأويل الشرب قائما بأن المراد بالقيام المشي، يقال: قمت في الأمر، إذا مشيت فيه. وقصت في حاجتي إذا سعيت وقضيتها؛ وقوله تعالى: ﴿إلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (٤). أي: مواظبًا بالمشي إليه. وتأول عكرمة حديث ابن عباس بأن المراد أنه شرب راكبًا، والراكب يشبه القائم من حيث كونه سائرًا، وشبه القاعد من حيث كونه مستقرا على الدابة؛ وذلك لأن النبي ﷺ طاف على بعيره، إلا أنه
стр. 4147
يخدش فيه ما أخرجه أبو داود (١) عن عكرمة عن ابن عباس، أن النبي ﷺ طاف على بعيره ثم أناخه فصلى ركعتين. فلعله حينئذ شرب من زمزم قبل أن يعود إلى بعيره ويخرج إلى الصفا.
وأما شرب الراكب، فقد أخرج البخاري (٢) أن النبي ﷺ شرب وهو واقف على بعيره، وقد تقدم في كتاب الصيام (٣).
١٢١٤ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، فإذا نزع فليبدأ بالشمال، ولتكن اليمين أولهما تُنْعل وآخرهما تنزع". أخرجه مسلم (٤) إلى قوله: "بالشمال". وأخرج باقيه مالك والترمذي وأبو داود (٥).
ولفظ مسلم: "وإذا خلع" عوض: "وإذا نزع".
الحديث فيه دلالة على شرعية البداية باليمين في الانتعال، وظاهر الأمر الوجوب ولكنه محمول على الاستحباب، ونقل القاضي عياض الإجماع على أن الأمر للاستحباب، قال ابن العربي (٦): البداءة باليمين مشروعة في جميع الأعمال الصالحة؛ لفضل اليمنى حسًّا في القوة، وشرعا في الندب
стр. 4148
إلى تقديمها. قال النووي (١): يُستحب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والزينة، والبداءة باليسار في ضد ذلك؛ كالدخول في الخلاء، ونزع النعل، والخف، والخروج من المسجد، والاستنجاء، وغيره من جميع المستقذرات. وقد مَرَّ بعض ذلك في الوضوء.
وقوله: "وإذا نزع". إلى آخره. قال الحليمي (٢): إنما بدئ بالشمال عند الخلع لأن اللبس كرامة؛ لأنه وقاية للبدن، فلما كانت اليمنى أكرم من اليسرى بدئ بها في اللبس وأخرت في النزع لتكون الكرامة لها أدوم وحظها منها أكثر.
قال ابن عبد البر (٣): مَنْ بدأ في الانتعال باليسرى أساء؛ لمخالفته السنة، ولكن لا يحرم عليه لبس نعله. وقال غيره: ينبغي له أن ينزع النعل من اليسرى ثم يبدأ باليمنى، ويمكن أن يكون مراد ابن عبد البر ما إذا لبسهما معا فبدأ باليسرى، فإنه لا يشرع له أن ينزعهما ثم يلبسهما على الترتيب المأمور به؛ إذ قد فات محله.
وهذا الحديث لا دلالة فيه على استحباب لبس النعل؛ لأنه قال: "إذا انتعل". وقد أخرج مسلم (٤) من حديث جابر مرفوعًا: "استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبا ما انتعل". أي أنه يشبه الراكب في خفة المشقة وقلة التعب وسلامة الرجل من أذى الطريق، وهذا يدل على
стр. 4149
الاستحباب، وهذا اللفظ في غاية البلاغة والفصاحة لم ينسج على منواله ولا يؤتى بمثاله، وهو إرشاد إلى المصلحة وتنبيه على ما يخفف المشقة؛ فإن الحافي المديم للمشي يلقى من الآلام والمشقة بالعثار وغيره ما يقطعه عن المشي ويمنعه من الوصول إلى مقصده، بخلاف المنتعل فإنه لا يمنعه من إدامة المشي، فيصل إلى مقصده كالراكب فلذلك شبه به.
١٢١٥ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمش أحدكم في نعل واحد ولينعلهما جميعًا أو ليخلعهما جميعًا". متفق عليه (١).
الحديث فيه دلالة على أنه لا يشرع المشي في نعل واحدة؛ قال العلماء: إن ذلك مكروه. حملوا النهي على الكراهة، واختلفوا في علة الكراهة؛ فقيل: إن النعل شرعت لوقاية الرجل عمَّا يكون في الأرض من شوك أو نحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشي أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، فيخرج بذلك عن سجية مشيته ولا يأمن مع ذلك العثار. وقيل: إنه قد ينسب فاعل ذلك إلى ضعف الرأي لما لم يسوِّ بين جوارحه.
وقيل: إنها مشية الشيطان. وقيل: لخروجها عن الاعتدال.
وقال البيهقي (٢): الكراهة لما في ذلك من الشهرة في اللباس. وقد ورد في رواية لمسلم (٣) عن أبي هريرة بلفظ: "إذا انقطع شِسْع أحدكم فلا يمش
стр. 4150
في نعل واحدة حتى يصلحها". ومن حديث جابر (١) بلفظ: "حتى يصلح نعله". فقد يفهم من التقييد بالشرط أن ذلك إنما هو عند وقوع هذه الحالة وكانتا قبل ذلك منتعلتين، وأما إذا لبسها ابتداءً فلا نهي. ويجاب عنه بأن التقييد إنما هو لكونه هو الغالب، فلا يعمل بالمفهوم، وبأنه قد يمكن أن يكون ذلك من باب مفهوم الموافقة؛ وهو أنه إذا كره مع كون أصل الانتعال لهما جميعا أن ينفرد أحدهما بالنعل لضرورة الانقطاع، فبالأولى الكراهة لذلك ابتداء، وقد عورض هذا الحديث بما أخرجه الترمذي (٢) عن عائشة قالت: ربما انقطع شسع رسول الله ﷺ فمشى في النعل [الواحدة] (أ) حتى يصلحها. وقد رجح البخاري (٣) وغير واحد أن هذا موقوف على عائشة من فعلها، كما أخرج الترمذي (٤)، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أنها مشت في نعل واحدة. وقال الترمذي: هذا أصح. إلا أنه ذكر رزين (٥) عنها قالت: قد رأيت رسول الله ﷺ ينتعل قائمًا ويمشي في نعل واحدة غير ما مرة. وقال القاسم بن محمد: رأيت عائشة تمشي بنعل واحدة -أو قال: في خف واحد- وهي تصلح الأخرى. ولعل رواية الخف أصح؛ فإنه قد أخرج أبو داود (٦) عن ابن أبي مليكة، قال: قيل لعائشة: هل تلبس المرأة النعل؟
стр. 4151
فقالت: قد لعن رسول الله ﷺ الرَّجُلة من النساء. ويمكن الجمع بأنه إن صحَّ أن رسول الله ﷺ فعل ذلك، ففعله لبيان الجواز، وأن النهي ليس للتحريم، أو أن ذلك كان وقتا يسيرا كما قالت: حتى يصلحها. وأمّا فعل عائشة لذلك فيحمل على أنها لم يبلغها النهي، أو كان زمن الفعل يسيرا، أو أنها حملت النهي على التنزيه، وكذلك يحمل ما روي عن علي وابن عمر (١) أنهما فعلا ذلك. والشِّسْع بكسر الشين المعجمة وسكون المهملة: أحد سيور النعل التي تكون في أصبع الرِّجل من الرَّجل، والشراك بكسر المعجمة وتخفيف الراء وآخره كافٌ: أحد سيور النعل التي تكون في وجهها، وكلاهما يختل السير بفقده، وقد فهم البعض من قوله: "لا يمش". أنه لا كراهة في وقوفه بنعل واحدة إذا عرض للنعل ما يحتاج إلى إصلاحها، وقد نقل عياض (٢) عن مالك أنه قال: يخلع الأخرى ويقف إذا كان في أرض حارة أو نحوها مما يضر به المشي حتى يصلحها، أو يمشي حافيا إن لم يكن ذلك. فأفهم أنه لا يقعد في نعل واحدة، إلا أن العلل التي ذكرت لا تظهر في القعود بنعل واحدة.
وقوله: "لينعلهما جميعًا". أعاد الضمير إلى القدمين وإن لم يجر لهما ذكر؛ لذكر ما يدل عليهما من النعل، وضبطه النووي (٣) بضم الياء من أنعل يُنعل، أي: ألبس رجله نعلًا. وأنعل دابته: جعل لها نعلًا. كذا ذكره أهل
стр. 4152
اللغة، وذكر في "شرح الترمذي" (١) أن أهل اللغة قالوا: نعل بفتح العين وحكى كسرها، وانتعل، أي: لبس النعال. فالياء مفتوحة على هذا، والضمير للنعلين لا للقدمين، والحاصل أن الضمير إن كان للنعلين كانت الياء مفتوحة، وإن كان للقدمين كانت الياء مضمومة، وقال صاحب "المحكم" (٢): نَعَلَ الدابة والبعير ونعّلهما. بالتشديد فعلى هذا فيجوز الفتح مع عود الضمير إلى القدمين.
وقوله: "أو ليخلعهما جميعًا". أي النعلين، كذا في رواية مسلم، وفي رواية البخاري: "أو ليحفهما جميعًا". والضمير للقدمين، ويلحق بهذا كل لباس شفع كالخفين.
وقد أخرج ابن ماجه (٣) حديث أبي هريرة بلفظ: "لا يمشي أحدكم في نعل واحدٍ ولا خف واحد". وهو عند مسلم (٤) من حديث جابر، وعند أحمد (٥) من حديث أبي سعيد، وعند الطبراني (٦) من حديث ابن عباس، قال الخطابي (٧): وكذا إخراج (أ) اليد الواحدة من الكم دون الأخرى،
стр. 4153
والتردي على أحد (أ) المنكبين دون الآخر، والإلحاق يستقيم على بعض الوجوه المناسبة، فتأمل.
والنعل مؤنثة تجمع على نعال؛ وهي ما لها قبالان أو قبال واحد واسع.
والقِبال بكسر القاف وتخفيف الباء، هو الزمام، وهو السير الذي يعقد فيه الشسع الذي يكون بين إصبعي الرِّجل. قال ابن العربي (١): النعل لباس الأنبياء، وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من الطين، وقد يطلق النعل على كل ما يقي القدم. قال في "المحكم" (٢): النعل والنعلة ما وقيت به القدم، وكانت نعل النبي ﷺ لها قبالان، سبتية، بكسر السين المهملة وسكون الموحدة بعدها مثناة، منسوبة إلى السِّبت. قال أبو عبيدة (٣): أي المدبوغة. زاد أبو عمرو: بالقرظ. وقال بعضهم: هي التي حلق عنها الشعر. وهو مأخوذ من السبت؛ لأن معناه القطع، وقيل: لأنها سبتت بالدباغ. أي: لانت قال أبو عبيدة (٤): كانوا في الجاهلية لا يلبس المدبوغة إلا أهل السعة. وقد روي من حديث أنس (٥) أنه أخرج نعلين لهما قبالان، فقال ثابت البناني: هذه نعل النبي ﷺ . روي ذلك عن أنس، وكذا أخرج
стр. 4154
الترمذي عن ابن عباس في "الشمائل" (١): كان لنعل النبي ﷺ قبالان مُثَنَّى شراكهما. ولا كراهة (أ) في لبسها في أي محل. وقال أحمد (٢): يكره لبسها في المقابر؛ لحديث بشير بن الخصاصية؛ قال: بينما أنا أمشي في المقابر وعليّ نعلان إذا رجل من خلفي ينادي: يا صاحب السبتيتين، إذا كنت في (ب) هذا الموضع فاخلع نعليك. أخرجه أبو داود وصححه الحاكم (٣)، وتعقب ذلك الطحاوي (٤) بأنه يجوز أن يكون الأمر بخلعها لأذى كان فيهما، وقد ثبت في الحديث أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا ولوا عنه مدبرين (٥). وهو دالٌّ على جواز لبس النعال في المقابر، وقد ثبت في حديث أنس أن النبيَّ ﷺ صلى في نعليه (٦). فإذا جاز دخول المسجد بالنعل فالمقبرة أولى. قال المصنف رحمه الله تعالى (٧): ويحتمل أن يكون النهي لإكرام الميت، كما ورد النهي عن الجلوس على القبر (٨)، وقوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ (٩). إما لتكريم
стр. 4155
مقام المناجاة، أو لما قيل: إنهما كانتا من جلد حمار غير مدبوغ فهو للنجاسة. والله سبحانه أعلم.
١٢١٦ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خيلاء". متفق عليه (١).
قوله: "لا ينظر الله". النظر حقيقة في إدراك العين للمرئي، وهو هنا مجاز عن الرحمة. أي: لا يرحم الله. لامتناع حقيقة النظر في حقه تعالى (٢)، والعلاقة هو السببية، فإن من نظر إلى غيره في حالة ممتهنة، أو إلى من لم يكن بينه وبينه عداوة رحمه ووصله بإحسانه، وإذا استعمل في غير معناه الحقيقي في حق غير الله تعالى، كان كناية إذا لم تمنع القرينة من إرادة المعنى الحقيقي.
وقال في "شرح الترمذي" (٣): عبّر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر، لأن من نظر إلى متواضع رحمه، ومن نظر إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر.
стр. 4156
وقوله: "إلى مَنْ جرَّ" ظاهر "مَنْ" العموم للرجال والنساء، وقد فهمت ذلك أم سلمة ﵂ فقالت بعد ذكر النبيّ ﷺ هذا الحديث: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال: "يرخين شبرا". فقالت: إذن تنكشف أقدامهن. قال: "فيرخينه ذراعًا لا يزدن عليه". أخرجه النسائي والترمذي (١)، والمراد بالذراع ذراع اليد، وهو شبران بشبر اليد المعتدلة.
وجرّ الثوب: المراد به جره على الأرض، وهو الموافق لقوله ﷺ : "ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار". أخرجه البخاري (٢).
وقوله: "خيلاء". الخُيَلاء: فُعَلاء بضم الخاء المعجمة ممدود، والخيلة والبطر والكبر والزهو والتبختر كلها بمعنى واحد، يقال: خال واختال اختيالًا. إذا تكبر، و: هو رجلٌ خال. أي متكبر، و: صاحب خال. أي صاحب كبر. والتقييد بالخيلاء يدل بمفهومه أن جرَّ الثوب لغير الخيلاء لا يكون داخلًا في هذا الوعيد. قال ابن عبد البر (٣): مفهومه أن الجار لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد (أإلا أنه أ) مذموم. وقال النووي (٤): إنه مكروه وهذا نص الشافعي. قال البويطي في "مختصره" عن الشافعي (٥): قال: لا يجوز
стр. 4157
السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء، ولغيرها خفيف؛ لقول النبي ﷺ لأبي بكر. انتهى. وحديث أبي بكر أنه قال أبو بكر بعد أن قال النبي ﷺ : "منْ جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة". فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن إزاري يَسترخي إلا أن أتعاهده. فقال له رسول الله ﷺ : "إنك لست ممن يفعله خيلاء". أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي (١)، فقوله: خفيف. ليس صريحًا في نفي التحريم، وقد صرّحت السنة بأن أحسن الحالات أن يكون إلى نصف الساق ودون ذلك لا حرج على فاعله إلى الكعبين، وما دون الكعبين فهو حرام إن كان للخيلاء، وإن كان لغير الخيلاء فقال النووي (٢) وغيره: إنه مكروه وقد يتجه أن يقال: إن كان الثوب على قدر لابسه لكنه يسدله، فإن كان لا عن قصد كالذي وقع لأبي بكر، فهو غير داخل في الوعيد، وإن كان الثوب زائدا على قدر لابسه فهذا ممنوع من جهة الإسراف؛ فهو محرم لأجله ومن أجل التشبه (أ) بالنساء، ومن حيث إن لابسه لا يأمن أن تعلق النجاسة به كما في حديث الترمذي والنسائي (٣) عن عبيد بن خالد قال: كنت أمشي وعليّ برد أجره فقال لي رجل: "ارفع ثوبك فإنه أتقى وأنقى" (أ). فنظرت فإذا هو النبي ﷺ ، فقلت: إنما هي بردة مَلْحاء -بفتح الميم ولام ساكنة وحاء مهمله ممدوًا، أي فيها خطوط سود
стр. 4158
وبيض- فقال: "ما لك في أسوةٌ؛". قال: فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه (أ). وسنده جيدٌ، ويعلل أيضًا تحريم الإسبال بأنه مظنة للخيلاء. قال ابن العربي (١): لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول: لا أجره خيلاء. لأن النهي قد تناوله لفظا، ولا يجوز لمن يتناوله اللفظ أن يخالفه، إذ صار حكمه أن يقول: لا أمتثله؛ لأن تلك [العلة] (ب) ليست فيّ. فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالة ذيله دالة على تكبره. انتهى.
وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصده اللابس، ويؤيده ما أخرجه أحمد بن منيع (٢) عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه: "إياك وجرَّ الإزار؛ فإن جر الإزار من المخيلة". وأخرج الطبراني (٣) من حديث أبي أمامة: بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ لحقنا عَمرو بن زرارة الأنصاري في حلةٍ؛ إزارٍ ورداءٍ قد أسبل، فجعل رسول الله ﷺ يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله تعالى ويقول: "عبدك وابن عبدك وأمتك". حتى سمعها عمرو، فقال: يا رسول الله، إني حمش الساقين (٤). فقال: "يا عمرو، إن الله تعالى قد أحسن كلَّ شيء خلقه، يا عمرو، إن الله
стр. 4159
لا يحب المسبل" (١) الحديث. وأخرجه [الطبراني] (أ) عن عمرو بن زرارة، وفيه: وضرب رسول الله ﷺ بأربع أصابع تحت ركبة عمرو، فقال: "يا عمرو، هذا موضع الإزار". ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع فقال: "يا عمرو، وهذا موضع الإزار" الحديث. ورجاله ثقات، وظاهره أن عمرًا لم يقصد الخيلاء وقد منعه (ب) منه لكونه مظنته، وغير هذا من الأحاديث الدالة على منع الإسبال وإن لم يقصد به الخيلاء، وما يفهم منها من قصد إرادة العموم معارض للمفهوم، فلا يخصص المفهوم. وما أخرجه ابن أبي شيبة (٢) عن ابن مسعود بسندٍ جيد، أنه كان يسبل إزاره، فقيل له في (جـ) ذلك فقال: إني أحمش الساقين. فهو محمول على أنه أسبله قدرًا زائدا على المستحب من نصف الساق، ولعله فعل ذلك إلى الكعب أو أعلى منه وهو جائز، ولا يظن به أنه جاوز الكعب؛ إذ لا حاجة إلى ذلك لحصول ستر الساق بدونه، ولعله لم يبلغه قصة عمرو بن زرارة.
وحكم غير الثوب والإزار حكمهما؛ ولذلك لما سأل شعبة مُحارب -بضم الميم وبعدها حاء مهملة وبالراء المهملة المكسورة بعدها باء موحدة بوزن مقاتل- بن دِثار بكسر المهملة وتخفيف الثاء المثلثة -فقال شعبة: أذَكَر
стр. 4160
الإزار؟ قال: ما خص إزارًا ولا قميصا (١). ومقصوده أن التعبير بالثوب يشمل الإزار وغيره، ويؤيد ذلك ما أخرجه أصحاب السنن إلا الترمذي (٢) عن ابن عمر عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جرَّ منها شيئًا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة". وفي إسناده عبد العزيز بن [أبي] (أ) رواد، وفيه مقال.
قال ابن بطال: وإسبال العمامة المراد به إرسال العذبة زائدًا على ما جرت به العادة. وقد أخرج النسائي (٣) من حديث عمرو بن أمية أن النبي ﷺ أرخى طرف عمامته بين كتفيه. انتهى. وكذلك أكمام القميص تطويلها زائد على المعتاد كما يفعله بعض أهل الحجاز إسبالٌ محرم، وقد نقل القاضي عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة. والله أعلم.
١٢١٧ - وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويضرب بشماله". أخرجه مسلم (٤).
الحديث فيه دلالة على استحباب الأكل والشرب باليمين وكراهتهما
стр. 4161
بالشمال، وقد زاد نافع الأخذ والإعطاء (١)؛ وهذا إذا لم يكن له عذرٌ، فإن عرض مانع من مرض أو جراحة أو غير ذلك، فلا كراهة في الشمال. وأنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين. وأن الشيطان يأكل ويشرب وأن له يدين. والله أعلم.
١٢١٨ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلْ واشربْ والبس وتصدقْ في غير سَرفٍ ولا مَخيلة". أخرجه أبو داود وأحمد وعلقه البخاري (٢)، ثبت هذا التعليق في البخاري للمستملي والسرخسي فقط، وسقط للباقين ولم يصله البخاري في محل آخر.
وقوله: "في غير سرف". يدل على أن الإسراف منهي عنه؛ وهو عبارة عن مجاوزة الحد في كل فعل أو (أ) قولٍ، وهو في الإنفاق أشهر، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٣)، وقال الله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (٤).
وقوله: "ولا مخيلة". بوزن عطيمة وهي الخيلاء والتكبر. قال
стр. 4162
الراغب (١): الخيلاء في النفس، ووجه الحصر في الإسراف والمخيلة أن المنوع من تناوله أكلا ولبسًا وغيرهما، إما لمعنى فيه وهو تجاوز الحد وهو الإسراف، وإما للتعبد كالحرير إن ثبتت علة النهي عنه وهو الراجح. ومجاوزة الحد تتناول مخالفة ما ورد به الشرع، فدخل الحرام وقد يستلزم الإسراف الكبر وهو المخيلة، قال الموفق عبد اللطيف البغدادي: هذا الحديث جامع لفضائل تدبير الإنسان نفسه، وفيه تدبير مصالح النفس والجسد في الدنيا والآخرة، فإن السرف في كل شيء يضر بالجسد ويضر بالعيشة ويؤدي إلى الإتلاف، فيضر بالنفس إذا كانت تابعة للجسد في أكثر الأحوال، والمخيلة تضر بالنفس حيث تكسبها العُجب، وتضر بالآخرة حيث تكسب الإثم، وبالدنيا حيث تكسب المقت من الناس.
وعلق البخاري (٢) عن ابن عباسٍ وقال: قال ابن عباسٍ: كلْ ما شئت واشرب ما شئت، ما أخطأك ثنتان، سرف أو مخيلة.
стр. 4163
باب البر والصلة
١٢١٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحب أن يبسط [له] (أ) في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه". أخرجه البخاري (١).
قوله: "من أحب". لفظ البخاري: "من سره أن يبسط له في رزقه".
أي يوسع له (ب).
وقوله: "وأن ينسأ له (جـ) ". بضم الياء وسكون النون بعدها مهملة ثم همزة، أي يؤخر.
وقوله: "في أثره". أي أجله، وسمى الأجل أثرًا لأنه ينقطع الأثر في الأرض بانقطاع العمر. قال زهير (٢):
والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا ينقضي العمر حتى ينتهي الأثر
قال ابن التين (٣): ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا
стр. 4164
يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (١). والجمع بينهما من وجهين؛
أحدهما: أن الزيادة كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة وصيانته عن تضييعه في غير ذلك، ومثل هذا ما جاء أن النبي ﷺ تقاصر أعمار أمته بالنسبة إلى أعمار من مضى من الأم فأعطاه الله ليلة القدر (٢)، وحاصله أن صلة الرحم تكون سببا للتوفيق للطاعة والصيانة عن المعصية، فيبقى بعده الذكر الجميل، فكأنه لم يمت، ومن جملة ما يحصل له من التوفيق العلم الذي ينتفع به من بعده، والصدقة الجارية عليه، والخلف الصالح.
وثانيهما: أن الزيادة على حقيقتها وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر والذي في الآية بالنسبة إلى علم الله تعالى؛ كأن يقال للملك مثلًا: إن عمر فلان -مثلًا- ماثة إن وصل رحمه، وإن قطعها ستين. وقد سبق في علم الله تعالى أنه يصل أو يقطع، فالذي في علم الله تعالى لا يتقدم ولا يتأخر، والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٣). فالمحو والإثبات بالنسبة إلى ما في علم الملك، وما في أم الكتاب وهو الذي في علم الله تعالى لا محو فيه البتة، ويقال له: القضاء
стр. 4165
المبرم. ويقال للأول: القضاء المعلق. والوجه الأول أليق، فإن الأثر ما يتبع الشيء فإذا أخر حسن أن يحمل على الذكر الحسن بعد فقد المذكور، ورجحه الطيبي (١)، وأشار إليه في "الفائق" (٢) قال: يجوز أن يكون المعنى أن الله يُبقِي ذكر واصل الرحم في الدنيا طويلا، فلا يضمحل سريعا كما يضمحل ذكر قاطع الرحم. ولما أنشد أبو تمام (٣) قوله في بعض المراثي:
توفيت الآمال بعد محمد ... وأصبح في شغل عن السفر السفر
قال له أبو دلف: لم يمت من قيل فيه هذا الشعر. ومن هذه المادة قول إبراهيم الخليل ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ (٤). وأخرج الطبراني في "الصغير" (٥) بسند ضعيف عن أبي الدرداء قال: ذكر عند رسول الله ﷺ من وصل رحمه أنسئ له في أجله فقال: "إنه ليس زيادة في عمره؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ (٦). ولكن الرجل يكون له الذرية الصالحة يدعون له من بعده". وله في "الكبير" (٧) من حديث أبي مشجعة الجهني يرفعه: "إن الله لا
стр. 4166
يؤخر نفسا إذا جاء أجلها وإنما هو زيادة العمر؛ ذرية صالحة". وجزم ابن فورك (١) بأن المراد بزيادة العمر نفى الآفات عن صاحب البر في فهمه وعقله، وقال غيره في أعم من ذلك وفي وجود البركة في رزقه وعلمه، ونحو ذلك، وجاء في الباب عند الترمذي (٢) عن أبي هريرة: إن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر. وعند أحمد (٣) بسند رجاله ثقات عن عائشة مرفوعًا: "صلة الرحم وحسن الجوار وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار". وأخرج عبد الله بن أحمد (٤) في زوائد "المسند" من حديث علي نحو حديث الباب، وقال فيه: "ويندفع عنه ميتة السوء". ولأبي يعلى (٥) من حديث أنس رفعه: "إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء". فجمع الأثرين (أ) وسنده ضعيف، وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" (٦) من حديث ابن عمر بلفظ: "من اتقى ربه ووصل رحمه ينسأ له في عمره وثرى ماله وأحبه أهله".
١٢٢٠ - وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 4167
"لا يدخل الجنة قاطع". (أيعني قاطع أ) رحم. متفق عليه (١).
الحديث أخرجه البخاري ومسلم من رواية مالك عن الزهري بحذف "رحم"، وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٢) بزيادة لفظ "رحم"، ومسلم جعل ذلك تفسيرا من ابن عيينة عن الزهري، قال: قال سفيان: يعني قاطع رحم (٣). وأخرج إسماعيل القاضي في "الأحكام" (٤) من طريق الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، ومن طريق أخرى عن أبي موسى رفعه: "لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا مصدق بسحر ولا قاطع رحم". أخرجه ابن حبان والحاكم (٥)، ولأبي داود (٦) من حديث أبي بكرة رفعه: "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما ادخر (ب) له في الآخرة من قطعة الرحم". وللبخاري في "الأدب المفرد" (٧) من حديحث أبي هريرة رفعه: "إن أعمال أمتي تعرض عشية [كل] (جـ) خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل
стр. 4168
قاطع رحم". وللطبراني (١) من حديث ابن مسعود: "إن أبواب السماء مغلقة دون قاطع الرحم". وللبخاري في "الأدب المفرد" (٢) من حديث ابن أبي أوفى رفعه: "إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم". قال الطيبي (٣): يحتمل أن يراد بالقوم الذين يساعدونه على قطيعة الرحم ولا ينكرون عليه، ويحتمل أن يراد بالرحمة المطر وأنه يحتبس عن الناس عموما بشؤم التقاطع.
وقد دل الحديث أن قطع الرحم من الكبائر وأن ذلك من معاظم الذنوب، قال القاضي عياض (٤): ولا خلاف أن قطع الرحم معصية وأن صلتها واجبة، ولكن اختلفوا في حد الرحم التي يجب صلتها؛ فقيل هي الرحم التي يحرم النكاح بينهما بحيث لو كان أحدهما ذكرا حرم على الآخر، فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام ولا أولاد الأخوال. واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح لا يؤدي إليه من التقاطع، وقيل: هو من كان يتصل بميراث، ويدل عليه قوله ﷺ : "ثم أدناك أدناك" (٥). انتهى. وقيل: من كان بينه وبين الآخر نسب سواء كان يرثه أو لا. قال القاضي عياض (٤). وصلة الرحم درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة فمنها واجب ومنها مستحب، ولو وصل بعض
стр. 4169
الصلة ولم يصل غايتها لم يسمّ قاطعا، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لم يسمّ واصلا. انتهى. وقال القرطبي (١): الرحم التي توصل عامة وخاصة؛ فالعامة رحم الدين وتجب صلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة، والرحم الخاصة تزيد بالنفقة على القريب وتفقد حاله والتغافل عن زلته. وقال ابن أبي جمرة (أ) (١): تكون صلة الرحم بالمال وبالعون على الحاجة ودفع الضرر وطلاقة الوجه والدعاء. والمعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، وهذا في حق المؤمنين، وأما الكفار والفساق فتجب المقاطعة لهم إذا (ب) لم تنفع الموعظة، واختلف العلماء أيضًا بما تحصل القطيعة للرحم، فقال أبو زرعة الولي بن العراقي: تكون بالإساءة إلى الرحم. وقال غيره: تكون بترك الإحسان؛ لأن الأحاديث آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة ولا واسطة بينهما، والصلة أيضًا نوع من الإحسان كما فسرها بذلك غير واحد، والقطيعة ضدها وهي ترك الإحسان. انتهى. واختار شيخ الإسلام أحمد بن حجر الهيتمي في كتابه "الزواجر" أن قطعة الرحم تكون بقطع ما ألفه القريب منه من الصلة والإحسان لغير عذر شرعي، وسواء كان المألوف مالا أو مكاتبة أو مراسلة أو زيارة أو غير ذلك، فقطع ذلك كله يعد فعله كبيرة إذا كان لغير عذر، والعذر في المال يكون إما لفقده أو لاحتياجه إليه أو لتقديم غير القريب
стр. 4170
عليه لحاجته أو لأنه أصلح، وأما عذر الزيارة فيكون بالأعذار التي يسقط معها وجوب حضور الجمعة؛ لأن كلا منهما فرض عين، وأما عذر المكاتبة والمراسلة فهو ألا يجد من يثق به في أداء ما يرسله به. انتهى كلامه. وهو كلام حسن إلا أنه ينبغي أن يقال: يقطع ما ألفه القريب مما قد عوده، أو يعوده أمثاله لمثل ذلك القريب، وإلا لزم أن يكون معذورا بترك الإحسان من أصله ويلزم منه ألا يحسن قريب إلى قريبه أصلا وهو المتبادر عرفا من القطع، وإذا كان أحد الرحمين قد وصل أحدهما صاحبه فكافأه على ذلك فهو واصل، وأما قوله ﷺ : "ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها" (١). فقال ابن العربي (٢) في "شرح الترمذي": المراد به الكامل في الصلة. وقوله: "قطعت" ضبط في بعض الروايات بضم أوله وكسر ثانيه مبني للمجهول وفي أكثرها بفتحتين، وقال الطيبي (٣): معناه ليست حقيقة الوصل ومن يعتد بصلته من يكافئ صاحبه بمثل فعله، ولكنه من يتفضل على صاحبه. وقال المصنف رحمه الله تعالى (٤): لا يلزم من نفي الوصل ثبوت القطع فهم ثلاث درجات؛ مواصل، ومكافئ، وقاطع؛ فالمواصل هو الذي يتفضل ولا يُتفضل عليه، والمكافئ الذي لا يزيد في الإعطاء على ما يأخذ، والقاطع الذي لا يتفضل عليه ولا يتفضل. وأقول: بالأولى مَن يُتفضل عليه ولا يتفضل إنه قاطع، ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك تقع بالمقاطعة من