يؤخر نفسا إذا جاء أجلها وإنما هو زيادة العمر؛ ذرية صالحة". وجزم ابن فورك (١) بأن المراد بزيادة العمر نفى الآفات عن صاحب البر في فهمه وعقله، وقال غيره في أعم من ذلك وفي وجود البركة في رزقه وعلمه، ونحو ذلك، وجاء في الباب عند الترمذي (٢) عن أبي هريرة: إن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر. وعند أحمد (٣) بسند رجاله ثقات عن عائشة مرفوعًا: "صلة الرحم وحسن الجوار وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار". وأخرج عبد الله بن أحمد (٤) في زوائد "المسند" من حديث علي نحو حديث الباب، وقال فيه: "ويندفع عنه ميتة السوء". ولأبي يعلى (٥) من حديث أنس رفعه: "إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء". فجمع الأثرين (أ) وسنده ضعيف، وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" (٦) من حديث ابن عمر بلفظ: "من اتقى ربه ووصل رحمه ينسأ له في عمره وثرى ماله وأحبه أهله".
١٢٢٠ - وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 4167
"لا يدخل الجنة قاطع". (أيعني قاطع أ) رحم. متفق عليه (١).
الحديث أخرجه البخاري ومسلم من رواية مالك عن الزهري بحذف "رحم"، وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٢) بزيادة لفظ "رحم"، ومسلم جعل ذلك تفسيرا من ابن عيينة عن الزهري، قال: قال سفيان: يعني قاطع رحم (٣). وأخرج إسماعيل القاضي في "الأحكام" (٤) من طريق الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، ومن طريق أخرى عن أبي موسى رفعه: "لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا مصدق بسحر ولا قاطع رحم". أخرجه ابن حبان والحاكم (٥)، ولأبي داود (٦) من حديث أبي بكرة رفعه: "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما ادخر (ب) له في الآخرة من قطعة الرحم". وللبخاري في "الأدب المفرد" (٧) من حديحث أبي هريرة رفعه: "إن أعمال أمتي تعرض عشية [كل] (جـ) خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل
стр. 4168
قاطع رحم". وللطبراني (١) من حديث ابن مسعود: "إن أبواب السماء مغلقة دون قاطع الرحم". وللبخاري في "الأدب المفرد" (٢) من حديث ابن أبي أوفى رفعه: "إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم". قال الطيبي (٣): يحتمل أن يراد بالقوم الذين يساعدونه على قطيعة الرحم ولا ينكرون عليه، ويحتمل أن يراد بالرحمة المطر وأنه يحتبس عن الناس عموما بشؤم التقاطع.
وقد دل الحديث أن قطع الرحم من الكبائر وأن ذلك من معاظم الذنوب، قال القاضي عياض (٤): ولا خلاف أن قطع الرحم معصية وأن صلتها واجبة، ولكن اختلفوا في حد الرحم التي يجب صلتها؛ فقيل هي الرحم التي يحرم النكاح بينهما بحيث لو كان أحدهما ذكرا حرم على الآخر، فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام ولا أولاد الأخوال. واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح لا يؤدي إليه من التقاطع، وقيل: هو من كان يتصل بميراث، ويدل عليه قوله ﷺ : "ثم أدناك أدناك" (٥). انتهى. وقيل: من كان بينه وبين الآخر نسب سواء كان يرثه أو لا. قال القاضي عياض (٤). وصلة الرحم درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة فمنها واجب ومنها مستحب، ولو وصل بعض
стр. 4169
الصلة ولم يصل غايتها لم يسمّ قاطعا، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لم يسمّ واصلا. انتهى. وقال القرطبي (١): الرحم التي توصل عامة وخاصة؛ فالعامة رحم الدين وتجب صلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة، والرحم الخاصة تزيد بالنفقة على القريب وتفقد حاله والتغافل عن زلته. وقال ابن أبي جمرة (أ) (١): تكون صلة الرحم بالمال وبالعون على الحاجة ودفع الضرر وطلاقة الوجه والدعاء. والمعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، وهذا في حق المؤمنين، وأما الكفار والفساق فتجب المقاطعة لهم إذا (ب) لم تنفع الموعظة، واختلف العلماء أيضًا بما تحصل القطيعة للرحم، فقال أبو زرعة الولي بن العراقي: تكون بالإساءة إلى الرحم. وقال غيره: تكون بترك الإحسان؛ لأن الأحاديث آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة ولا واسطة بينهما، والصلة أيضًا نوع من الإحسان كما فسرها بذلك غير واحد، والقطيعة ضدها وهي ترك الإحسان. انتهى. واختار شيخ الإسلام أحمد بن حجر الهيتمي في كتابه "الزواجر" أن قطعة الرحم تكون بقطع ما ألفه القريب منه من الصلة والإحسان لغير عذر شرعي، وسواء كان المألوف مالا أو مكاتبة أو مراسلة أو زيارة أو غير ذلك، فقطع ذلك كله يعد فعله كبيرة إذا كان لغير عذر، والعذر في المال يكون إما لفقده أو لاحتياجه إليه أو لتقديم غير القريب
стр. 4170
عليه لحاجته أو لأنه أصلح، وأما عذر الزيارة فيكون بالأعذار التي يسقط معها وجوب حضور الجمعة؛ لأن كلا منهما فرض عين، وأما عذر المكاتبة والمراسلة فهو ألا يجد من يثق به في أداء ما يرسله به. انتهى كلامه. وهو كلام حسن إلا أنه ينبغي أن يقال: يقطع ما ألفه القريب مما قد عوده، أو يعوده أمثاله لمثل ذلك القريب، وإلا لزم أن يكون معذورا بترك الإحسان من أصله ويلزم منه ألا يحسن قريب إلى قريبه أصلا وهو المتبادر عرفا من القطع، وإذا كان أحد الرحمين قد وصل أحدهما صاحبه فكافأه على ذلك فهو واصل، وأما قوله ﷺ : "ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها" (١). فقال ابن العربي (٢) في "شرح الترمذي": المراد به الكامل في الصلة. وقوله: "قطعت" ضبط في بعض الروايات بضم أوله وكسر ثانيه مبني للمجهول وفي أكثرها بفتحتين، وقال الطيبي (٣): معناه ليست حقيقة الوصل ومن يعتد بصلته من يكافئ صاحبه بمثل فعله، ولكنه من يتفضل على صاحبه. وقال المصنف رحمه الله تعالى (٤): لا يلزم من نفي الوصل ثبوت القطع فهم ثلاث درجات؛ مواصل، ومكافئ، وقاطع؛ فالمواصل هو الذي يتفضل ولا يُتفضل عليه، والمكافئ الذي لا يزيد في الإعطاء على ما يأخذ، والقاطع الذي لا يتفضل عليه ولا يتفضل. وأقول: بالأولى مَن يُتفضل عليه ولا يتفضل إنه قاطع، ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك تقع بالمقاطعة من
стр. 4171
الجانبين فمن بدأ حينئذٍ فهو القاطع، فإن جوزي سمي من جازاه مكافئا.
فائدة: الرحم من أسماء المعاني، وهي قرابة ونسب (أ) لجمعه (ب) رحم والده، ويتصل بعضه ببعض فسمى ذلك الاتصال رحما، وقد أخرج البخاري (١) مرفوعًا: "الرحم شجنة -بكسر الشين المعجمة وسكون الجيم بعدها نون وجاء بضم أوله وفتحه- من الرحمن". أي أخذ اسمها من اسمه، وجاء في حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه في السنن (٢) مرفوعًا: "أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمى". ومعنى اشتقاقها من اسم الرحمن أنها أثر من آثار الرحمة، فلها مسكة بالرحمن، فالقاطع لها منقطع من رحمة الله تعالى، وقوله ﷺ : "قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذلك لك". أخرجه مسلم (٣)، وفي رواية أخرى (٤): "الرحم متعلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله". قال ابن أبي جمرة: الوصل من الله كناية عن عظم إحسانه، وإنما خاطب الناس بما يفهمون، ولما كان أعظم ما يعطيه المحبوب لمحبه الوصال وهو القرب وإسعافه بما يريد ومساعدته على ما يرضيه، وكأن
стр. 4172
حقيقة ذلك مستحيلة في حق الله تعالى، عرف أن ذلك كناية عن عظم إحسانه لعبده. قال: وكذا القطع كناية عن حرمان الإحسان. قال القرطبي (١): وسواء قلنا: إن القول المنسوب إلى الرحم على سبيل المجاز أو الحقيقة أو أنه على جهة التقدير والتمثيل كأن يكون المعنى لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت كذا، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا﴾ الآية. وفي آخرها: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢). فمقصود هذا الكلام الإخبار بتأكيد صلة الرحم وأنه تعالى أنزلها منزلة من استجار به فأجاره فأدخله في حمايته، وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول.
١٢٢١ - وعن المغيرة بن شعبة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال". متفق عليه (٣).
قوله: "عقوق الأمهات". وهو جمع "أمهة"، وأمهة لغة في الأم قيل: هما أصلان، أو أن الهاء زائدة والأصل (أ) "أم" عند غير المبرد؛ لأن المبرد لا يعد الهاء من حروف الزيادة، ولا تطلق "أمهة" إلا على من يعقل
стр. 4173
بخلاف "أم" فإنها تعم، وخص النبي ﷺ الأم بالذكر هنا وإن كان الأب مثلها إظهارًا لعظم موقع عقوقها، وضابط العقوق المحرم هو أن يحصل من الولد للأبوين أو لأحدهما إيذاء ليس بالهين عرفا، فيخرج من هذا ما إذا حصل من الأبوين أمر أو نهي فخالفهما بما لا يعد في العرف مخالفته عقوقا، فلا يكون ذلك عقوقا، وكذلك لو كان على الأبوين مثلًا دين للولد أو حق شرعي فرافعه إلى الحاكم فلا يكون ذلك عقوقا، كما وقع من بعض أولاد الصحابة شكاية الأب إلى النبي ﷺ في اجتياحه لماله، فلم يعد النبي ﷺ شكايته عقوقا (١). فعلى هذا العقوق أن يؤذي الولد أحد أبويه بما لو فعله مع غير أبويه كان محرما من جملة الصغائر، فيكون ذلك في حق الأبوين كبيرة أو مخالفة الأمر أو النهي فيما يدخل فيه الخوف على الولد من فوات نفسه أو عضو من أعضائه في غير الجهاد الواجب عليه، أو مخالفتهما في سفر يشق عليهما وليس بفرض على الولد، أو في غيبة طويلة فيما ليس لطلب علم نافع ولا كسب أو فيه وقيعة في العرض، [أو] (أ) ترك تعطم الوالدين، فإنه لو قدم عليه أحدهما ولم يقم إليه أو قطب (٢) في (ب) وجهه، فإن هذا وإن لم يكن في حق الغير معصية فهو عقوق في حق الأبوين، وقد ذكر معنى هذا التحقيق البُلقيني في "فتاويه" وهذا خلاصته مع تصحيح في بعض أطرافه.
стр. 4174
وقوله: "ووأد البنات". الوأد بسكون الهمزة هو دفن البنت وهي حية، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك كراهة لهنَّ، ويقال: أول من فعل ذلك قيس بن عاصم التميمي، وكان بعض أعدائه أغار عليه فأسر بنته فاتخذها لنفسه، ثم حصل بينهم صلح فخير ابنته فاختارت زوجها، فآلى قيس على نفسه ألَّا يولد له بنت إلا دفنها حية، فتبعه العرب على ذلك، وكان من العرب من يقتل أولاده مطلقا خشية الإملاق أو لعدم النفقة، وكان صعصعة أول من فدى الموءودة، وذلك أنه كان يعمد إلى من يريد أن يفعل ذلك فيفتدي الولد منه بمال وإلى ذلك أشار الفرزدق (١) بقوله:
وجدي الذي منع الوائدا ... ت وأحيا الوئيد فلم يوأْد (أ)
وقد بقي كل من قيس وصعصعة إلى أن أدركا الإسلام ولهما صحبة، وإنما خص البنات بالذكر؛ لأنه الغالب من فعلهم، وكان الوأد على طريقين عندهم؛ أحدهما أن يأمر امرأته إذا اقترب وضعها أن تطلق بجانب حفرة، فإن وضعت ذكرا أبقته، وإن وضعت أنثى طرحتها في الحفرة، وهذا في حق من يقتل البنت، ومنهم من كان إذا صارت البنت سداسية قال لأمها: طيبيها وزينيها لأزور بها أقاربها. ثم يبعد بها في الصحراء حتى يأتي البئر فيقول لها: انظري في البئر. فيدفعها من خلفها ويطمها.
وقوله: "ومنعا وهات". المنع بسكون النون مصدر منع يمنع، وقد جاء
стр. 4175
في بعض ألفاظ البخاري (١) عن بعض رواته، "ومنع" بغير تنوين، ولعله لمناسبة لفظ: "هات" والمراد به منع ما أمر بإعطائه
وقوله: "وهات". فعل أمر مجزوم بحذف الياء وهو مكسور التاء المثناة من فوق، وهو من الإيتاء، قال الخليل (٢): أصله آت فقلبت الهمزة هاء. والمراد به طلب ما لا يستحق أخذه، ويحتمل أن يكون معناهما هو أن يمنع بره وإحسانه مَن يسترفده (٣)، ثم يطلب من الناس برهم فيبخل بما في يده ويسأل الناس تكثرا.
وقوله: "وكره لكم قيل وقال". وقع في أكثر الروايات بغير تنوين، وهو حكاية للفظ الفعل، والمراد به نقل الكلام الذي يسمعه إلى غيره فيقول: قيل: كذا وكذا. بغير ذكر القائل، وقال فلان: كذا وكذا. وإنما كره ذلك لما فيه من الاشتغال بما لا يعني المتكلم، ولكونه قد يتضمن النميمة والغيبة والكذب، لا سيما مع الإكثار من ذلك، فقلما يخلو عنه، ويجوز الإعراب فيهما وإجراؤهما مجرى الأسماء بالنقل إلى الأسماء، وإن كان النقل من الفعل إلى اسم الجنس قليلًا، ولكن ورد فيه شطر صالح كما قيل في "الدُّئل"، وقد جاء في رواية الكشميهني (٤) للبخاري: "قيلًا وقالًا" بالنصب، قال الجوهري (٥): قيل وقال اسمان. يقال: كثير القيل والقال.
стр. 4176
قال ابن دقيق العيد (١): لو كانا اسمين لم يكن لعطف أحدهما على الآخر فائدة؛ لأنهما بمعنى القول. وقال المحب الطبري (١): في قيل وقال ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنهما مصدران للقول، تقول: قلت قولًا وقيلًا وقالًا. والمراد في الحديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام لأنها تئول إلى الخطأ، وإنما كرره للزجر عنه.
ثانيها: إرادة حكاية أقاويل الناس والبحث عنها ليخبر عنها فيقول: قال فلان: كذا. وقيل له: كذا. والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه، وإما لما يكرهه المحكي عنه.
ثالثها: إن ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدين كقوله: قال فلان: كذا. وقال فلان: كذا. ومحل كراهة ذلك أن يكثر منه بحيث لا يؤمن من الزلل، وهو في حق من ينقل بغير تثبت تقليدًا لمن سمعه (أ) ولا يحتاط له، ويؤيد هذا الحديث الصحيح: "كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع" أخرجه مسلم (٢).
وقوله: "وكثرة السؤال". وهو إما المسألة في المال أو السؤال عن المشكلات والمعضلات أو مجموع ذلك وهو الأولى، وقد تقدم في الزكاة تحريم مسألة المال (٣)، وقد ثبت النهي عن الأغلوطات. أخرجه أبو داود (٤) من
стр. 4177
حديث معاوية وثبت عن جمعٍ من السلف كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها عادة، أو يندر جدًّا لما في ذلك من التنطع والقول بالظن الذي لا يخلو صاحبه عن الخطأ (أ)، وكذلك النهي عن المسائل التي ما قد نزل فيها شيء من الوحي في زمان نزول الوحي، كما قال الله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١). وذلك خاص بزمان نزول الوحي والبقاء على الإباحة الأصلية، كما أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله (٢): "أعظم الناس جرمًا عند الله من سأل عن شيء لم يُحرم، فحرم من أجل مسألته". وأشار بقوله: "كثرة السؤال". إلى أن بعض المسألة لا بد منها، وذلك فيما التبس على المكلف من أمر الدين؛ وسأل ليتبين له حقيقة ما قد وقع في زمان الوحي وفي غيره فيما هو أعم من ذلك، وكذلك سؤال المال للضرورة، وقد تقدم تفصيل ذلك في الزكاة، وتأوله بعض العلماء بأن المراد كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان، أو كثرة سؤال إنسان معين عن تفاصيل حاله وكان مما يكرهه المسئول.
وقوله: "وإضاعة المال". المتبادر من الإضاعة ما لم تكن لغرض ديني ولا دنيوي، وقيل: هو الإسراف في الإنفاق. وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام، ورجح المصنف (٣) رحمه الله تعالى أنه ما أنفق في غير وجهه المأذون
стр. 4178
فيه شرعا سواء كانت دينية أو دنيوية؛ لأن الله تعالى جعل المال قيامًا لمصالح العباد، وفي التبذير تفوت تلك المصالح إما في حق صاحب المال أو في حق غيره، قال: والحاصل في كثرة الإنفاق ثلاثة وجوه؛ الأول: الإنفاق في الوجوه المذمومة شرعًا، ولا شك في تحريمه. والثاني: الإنفاق في الوجوه المحمودة شرعًا، ولا شك في كونه مطلوبًا ما لم يفوِّت حقا آخر أهم من ذلك المنفق فيه. والثالث: الإنفاق في المباحات وهو ينقسم إلى قسمين؛ أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله، فهذا ليس بإضاعة ولا إسراف. والثاني: أن يكون فيما لا يليق به عرفًا؛ فإن كان لدفع مفسدة إما حاضرة أو متوقعة فذلك ليس بإسراف، وإن لم يكن لذلك فالجمهور على أنه إسراف.
قال ابن دقيق العيد (١): ظاهر القرآن أنه إسراف. وصرح بذلك القاضي حسين (٢) فقال في كتاب "قسم الصدقات": هو حرام. وتبعه الغزالي وجزم به الرافعي في الكلام على الغارم وصحح في باب الحجر من "الشرح" وفي "المحرر" أنه ليس بتبذير، وتبعه النووي، وقد تقدم في كتاب الزكاة البحث في جواز التصدق بجميع المال، وأن ذلك يجوز لمن عرف من نفسه الصبر على المضايقة (٣).
وقال الباجي من المالكية: إنه يحرم استيعاب جميع المال بالصدقة. قال: ويكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا ولا بأس به إذا وقع نادرا لحادث
стр. 4179
يحدث؛ كضيف أو عيد أو وليمة والاتفاق على كراهة الإنفاق في البناء الزائد على قدر الحاجة، ولا سيما إن أضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرفة، وكذلك احتمال الغبن الفاحش في المبايعات بغير سبب، وأما إضاعة المال في المعصية فلا يختص (أ) بارتكاب الفواحش، بل يدخل فيها سوء عدم القيام على الرقيق والبهائم حتى يهلكوا، ودفع مال من لم يؤنس منه الرشد إليه، وقسمة ما لا ينتفع بجزئه كالجوهرة النفيسة. انتهى كلام الباجي. وقال السبكي في "الحلبيات" (١): وأما إنفاق المال في الملاذ المباحة فهو موضع اختلاف، فظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٢). إن الزائد الذي لا يليق بحال المنفق إسراف، ومن بذل مالًا كثيرا في عرض يسير تافه عده العقلاء مضيعًا. انتهى.
الحديث فيه دلالة على تحريم المحرمات الثلاث؛ فأما العقوق والوأد فلا كلام في التحريم وأن ذلك من الكبائر، وأما المنع وهات فهو محرم على بعض الوجوه التي مرت، فيحمل الحديث على ذلك وكراهة الثلاث تحتمل كراهة التحريم، وهي محمولة على الوجوه المحرمة المذكورة في تفسيرها، ويحتمل كراهة التنزيه، ويحمل أيضًا على بعض الوجوه التي لا تقتضي التحريم.
стр. 4180
وفي رواية لأبي داود بلفظ: نهى. والنهى كذلك يحتمل التحريم والإرشاد، وإن كان حقيقته (أ) التحريم، والله أعلم.
١٢٢٢ - وعن عبد الله بن [عمرو] (ب) ﵁، عن النبي ﷺ قال: "رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين". أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم (١).
صححه الحاكم وقال: على شرط مسلم. ورجح الترمذي وقفه.
الحديث فيه دلالة على أنه يجب على الولد الوقوف على حال الذي يرضاه الوالدان ولا يسخطهما؛ ففي ذلك سخط الله ، فيقدم رضاهما على فعل ما يجب عليه إذا كان من فروض الكفاية، كما ثبت في حديث ابن عمرو (٢) في الرجل الذي جاء يستأذن النبي ﷺ للجهاد فقال له النبي ﷺ : "أحَيٌّ والداك؟ ". قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد". وفي رواية (٣): "ارجع إليهما ففيهما المجاهدة". وفي رواية (٤): جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبواي يبكيان. فقال: "ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما". وفي إسناده عطاء بن السائب (٥) من رواية سفيان عنه، وأخرج أبو داود (٦) عن أبي سعيد
стр. 4181
الخدري، أن رجلًا هاجر إلى رسول الله ﷺ من اليمن فقال: يا رسول الله، إني قد هاجرت. فقال رسول الله ﷺ : "هل لك أحدٌ باليمن؟ ". فقال: أبواي. فقال: "أذنا لك؟ ". قال: لا. قال: "فارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما". وفي إسناده دَرّاج أبو السمح [المصرى] (أ) ابن سمعان (١)، ضعفه أبو حاتم وغيره، ووثقة يحيى، وفي هذا أحاديث كثيرة، وقد ذهب إلى ظاهر الحديث الأمير الحسين ذكره في "الشفا" وفي "مهذب الشافعي"، وأنه يتعين ترك الجهاد إذا لم يرض الأبوان، وكذلك غيره من الواجبات، ولعله يستثنى من ذلك فرض العين؛ مثل الصلاة الواجبة وغير ذلك فإنه يقدم فعل ذلك وإن لم يرض به الأبوان بالإجماع، وهو الواجب الذي لا يؤدي إلى تلف الولد، وذهب الأكثر إلى أنه يجوز فعل الواجبات، وإن كان فرض كفاية، والمندوبات والخروج لذلك وإن كره الوالدن ما لم يتضررا مضرة بدن بسبب فقد الولد، وتحمل الأحاديث على المبالغة في رعاية حق الوالدين، وأنه يتبع رضاهما فيما لم يكن في ذلك سخط الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢). وإذا تعارض حق الأم وحق الأب فظاهر قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا﴾ (٣) الآية. أن لها مزيد
стр. 4182
اختصاص بالبر، وكذلك قوله ﷺ لما قال له رجل: مَن أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال: "أمك". ثلاث مرات ثم قال: "أبوك". أخرجه البخاري (١) بتقديم رضا الأم على رضا الأب، قال ابن بطال (٢): مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب. قال: وكأن ذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع ثم تشارك الأب في التربية. وقال القرطبي: المراد أن الأم تستحق على الولد الحظ الأوفر من البر، وقد يقدم ذلك على حق الأب عند المزاحمة، وقال عياض: ذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل على الأب في البر. وقيل: هما سواء. ونقله بعضهم عن مالك، ونقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفضيل الأم في البر، وذكر ابن بطال (٣) عن مالك لمن سأله وقال: طلبني أبي ومنعتني أمي: قال: أطع أباك ولا تعص أمك. وهذا يدل على أنه يرى أنهما سواء، وقال الليث في مثل هذا: أطع أمك فإن لها ثلثي البر. وهذا منه موافق للرواية التي ذكرت فيها الأم مرتين والأب في الثالثة، وقد وقع هذا في رواية لمسلم (٤)، وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" وأحمد وابن ماجه وصححه الحاكم (٥) من حديث المقدام بن معد يكرب مرفوعًا: "إن الله يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بآبائكم ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب".
стр. 4183
وأخرج الحاكم (١) من حديث أبي رمثة -بكسر الراء المهملة وسكون الميم وبعدها مثلثة- انتهيت إلى رسول الله ﷺ فسمعته يقول: "أمك وأباك ثم أختك وأخاك ثم أدناك أدناك". وأصل الحديث عند أصحاب السنن (أ) الثلاثة وأحمد وابن حبان (٢)، وظاهره التسوية بين الأب والأم، والمراد بالأدنى: الأقرب إلى البار (ب). قال القاضي عياض: تردد بعض العلماء في الجد والأخ والأكثر على تقديم الجد، وجزم به الشافعية وقالوا: يقدم الجد ثم الأخ ويقدم من أدلى بسببين على من أدلى بسبب واحد، ثم القرابة من ذوي الرحم، ويقدم منهم المحارم على من ليس بمحرم، ثم العصبات، ثم المصاهرة، ثم الولاء، ثم الجار. وأشار ابن بطال إلى أن الترتيب حيث لا يمكن البر دفعةً واحدة، وجاء في حق المرأة تقديم (جـ) الزوج، وهو ما أخرجه أحمد (٣) والنسائي وصححه الحاكم (٤) من حديث عائشة ﵂: سألت النبي ﷺ : أيُّ الناس أعظم حقا على المرأة؟ قال: "زوجها". قلت: فعلى الرجل؟ قال: "أمّه". ولعل مثل هذا مخصوص بما إذا حصل التضرر
стр. 4184
مع الوالدين فإنه يقدم حقهما على حق الزوج جمعًا بين الأحاديث.
١٢٢٣ - وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه". متفق عليه (١).
الحديث فيه دلالة على رعاية حق الأخ والجار، وقد وقع في مسلم بالشك، وكذا هو في "مسند عبد بن حميد" (٢) على الشك، وهو في البخاري وغيره "لأخيه" من غير شك. قال العلماء: معناه لا يؤمن الإيمان التام، وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة، والمراد: يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحة، ويدل عليه ما جاء في رواية النسائي في هذا الحديث: "حتى يحب لأخيه من الخير (أ) ما يحب لنفسه".
قال ابن الصلاح: وهذا قد يعد من الصعب الممتنع وليس كذلك؛ إذ معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه من الخير، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة عليه، وذلك يسهل على القلب السليم وإنما يعسر على القلب الدّغِل (٣) عافانا الله وإخواننا
стр. 4185
أجمعين. انتهى.
وهذا على رواية "الأخ"، وأما على رواية "لجاره" فظاهر الجار أعم من أن يكون مسلما، أو كافرًا، أو فاسقا، أو صديقًا، أو عدوًّا، أو قريبًا، أو أجنبيًّا، والأقرب دارًا، أو الأبعد، فمن اجتمعت فيه الصفات المقتضية لمحبة الخير له، فهو في أعلى المراتب ومن كان فيه أكثرها فهو لاحق به وهلم جرّا إلى الخصلة الواحدة، فيعطي كل ذي حق حقه بحسب حاله، وقد روي عن عبد الله بن عمر أنه ذبح شاة فأهدى منها لجاره اليهودي. أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" والترمذي (١) وحسنه، وقد أخرج الطبراني (٢) من حديث جابر: "الجيران ثلاثة؛ جار له حقٌّ وهو المشرك، له حق الجوار، وجارٌ له حقان وهو المسلم، له حق الجوار وحق الإسلام، وجارٌ له ثلاثة حقوق؛ مسلمٌ له رحم جار، له حق الإسلام والرحم والجوار". قال القرطبي: الجار قد تطلق ويراد به الداخل في الجوار، ويراد به المجاور في الدار وهو الأغلب. انتهى. ولعله المراد هنا؛ فإذا كان جارًا أخًا أحب له ما يحب لنفسه، وإن كان كافرًا أحبَّ له الدخول في الإيمان أولًا مع ما يحب لنفسه من المنافع بشرط الإيمان، قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: حفظ حق الجار من كمال الإيمان والإضرار به من الكبائر؛ لقوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره" (٣). قال: ويفترق الحال في ذلك بالنسبة إلى
стр. 4186
الجار الصالح وغيره، والذي يشمل الجميع إرادة الخير وموعظته بالحسنى والدعاء له بالهداية وترك الإضرار له، إلا في الموضع الذي يحل له الإضرار بالقول والفعل، والذي يخص (أ) الصالح هو جميع ما تقدم وغير الصالح كفه عن الأذى وأمره بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكافر يعرض الإسلام عليه والترغيب فيه برفق، والفاسق يعظه بما يناسبه بالرفق ويستر عليه الله، وينهاه بالرفق، فإن نفع وإلا هجره قاصدًا لتأديبه على ذلك مع إعلامه بالسبب ليكف. ويقدم عند التعارض من كان أقرب إليه بابًا، كما في حديث عائشة قلت: يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما بابًا". أخرجه البخاري (١).
والحكمة فيه أن الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها، فيتشوق لها بخلاف الأبعد، وأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات، ولا سيما في أوقات الغفلة، واختلف في حدّ الجوار فجاء عن علي ﵁: من سمع النداء فهو جار. وقيل: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار. وعن عائشة: حدّ الجوار أربعون دارًا من كل جانب (٢). وعن الأوزاعي مثله (٣)، وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" (٤) عن الحسن مثله، وأخرج ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب: أربعون
стр. 4187
دارًا عن يمينه وعن يساره ومن خلفه ومن بين يديه (١). وهذا يحتمل أنه كالأول، وأن يريد التوزيع فيكون من كل جانب عشرة.
١٢٢٤ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أيُّ الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك". قلت: ثمّ أيٌّ؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك". قلت: ثم أيٌّ؟ قال: "أن تُزاني حليلة جارك". متفق عليه (٢).
قوله: "أي الذنب أعظم". تقدم الكلام في الذنوب وأن منها ما هو أعظم من غيره.
وقوله: "ندًّا" الند: الضد والشبه، وفلان ندّ فلان ونديده: أي مثله.
كذا رواه شمر عن الأخفش.
وقوله: "مخافة أن يأكل معك". وفي لفظ مسلم: "أن يطعم معك". وهو في معنى يأكل، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٣). أي فقر.
وقوله: "أن تزاني". أي تزني بها برضاها، وهذا يتضمن الزنى وإفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزانى، وذلك أفحش، وهو مع
стр. 4188
امرأة الجار أقبح وأعظم جرما؛ لأن الجار يتوقع من جاره الذبَّ عنه وعن حريمه ويأمن بوائقه ويطمئن إليه، وقد أمرنا بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنى بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه، كان في غاية من القبح، والحليلة بالحاء المهملة وهي الزوجة سميت بذلك لكونها تحل له، وقيل: لكونها تحل معه.
والحديث فيه دلالة على أن الشرك أعظم المعاصي وهو ظاهر لا خفاء به، وأن القتل بغير حق يليه، وقد نصَّ على هذا الشافعي في كتاب الشهادات في "مختصر المزني" (١) أن القتل بعد الشرك، وبنى عليه أصحابه. وسائر الكبائر يختلف أمرها باختلاف الأحوال والمفاسد المرتبة عليها، وعلى هذا يحمل ما جاء في شيء منها: "أكبر الكبائر" والمراد: من أكبر الكبائر. كما تقدم الكلام على ذلك.
١٢٢٥ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من الكبائر شتم الرجل والديه". قيل: وهل يسب الرجل والديه؟! قال: "نعم؛ يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه". متفق عليه (٢).
قوله: "شتم الرجل والديه". المراد به التسبب إلى شتم الوالدين، فهو من باب المجاز المرسل استعمال المسبب في السبب، وقد بين ذلك النبي ﷺ
стр. 4189
بقوله: "نعم؛ يسب أبا الرجل" إلى آخره.
والحديث فيه دلالة على رعاية حق الوالدين وأنه يجب الترك لما قد يؤدي إلى سبهما، فإن المسبوب أبوه قد يجازي بذلك وقد لا يفعله، قال ابن بطال (١): هذا الحديث أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم حرم عليه الفعل وإن لم يقصد إلى المحرم. وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢) الآية. واستنبط منه الماوردي (٣) تحريم بيع الثوب الحرير إلى من يتحقق منه لبسه، والغلام الأمرد إلى من يتحقى منه فعل الفاحشة، والعصير ممن يتخذه خمرا، ويدل على أنه يعمل بالغالب؛ لأن الذي يسب أبا الرجل قد لا يجازيه بالسب لكن الغالب هو المجازاة. ويستفاد من الحديث جواز مراجعة الطالب لشيخه فيما يقوله مما أشكل عليه.
١٢٢٦ - وعن أبي أيوب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال؛ يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام". متفق عليه (٤).
الحديث فيه دلالة على أنه يحرم على المسلم هجران المسلم، فإن نفي الحل دال على التحريم.
стр. 4190
وقوله: "فوق ثلاثة أيام (أ) " مفهومه أن الهجرة في الثلاثة الأيام رخصة، قال العلماء: وإنما عُفي عنها في الثلاثة الأيام؛ لأن الآدمي مجبول على الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك، فعفي عن الهجرة في الثلاثة الأيام؛ ليذهب ذلك العارض تخفيفًا على الإنسان ورفعًا للإصر، ولأنه في اليوم الأول يسكن غضبه، وفي الثاني يراجع نفسه، وفي الثالث يعتذر، وما زاد على ذلك قطع لحقوق الأخوة. وقيل: إن الحديث لا يقضي بإباحة الهجرة في الثلاثة الأيام، وهو مبني على عدم القول بالمفهوم.
وقوله: "يلتقيان" إلى آخره. تحقيق لمعنى الهجرة المنهي عنها، وهو على الغالب من حال المتهاجرين عند اللقاء.
وقوله: "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام". فيه دلالة على أن الهجرة تزول برد السلام. وقد ذهب إلى هذا الجمهور؛ ومنهم الشافعي ومالك، ويستدل له بما رواه الطبراني (١) من طريق زيد بن وهب عن ابن مسعود في أثناء حديث موقوف، وفيه: ورجوعه أن يأتي ويسلم عليه. وقال أحمد وابن القاسم المالكي: إن كان يؤذيه ترك الكلام لم يكف رد السلام، بل لا بد من الرجوع إلى الحال الذي كان بينهما، وأحسن من هذا أنه ينظر إلى حال المهجور، فإن كان خطابه بما زاد على السلام عند اللقاء مما تطيب به نفسه ويزول عنه غل الهجر كان من تمام الوصل، وتركه هجر، وإن كان لا
стр. 4191
يحتاج إلى ذلك كفى السلام. وقال ابن عبد البر (١): أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث لمن كانت مكالمته تجلب نقصا على المخاطِب له في دينه، أو مضرة تحصل عليه في نفسه أو دنياه، فرب هجر جميل خير من مخاطبة مؤذية، انتهى. وكذلك هجر من صدر عنه ما يلام عليه شرعا وكان في هجره صلاح له فإنه يحسن، بل قد يجب، كما أمر النبي ﷺ بهجر الثلاثة المخلفين؛ وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع (٢)، كما أفهم قوله تعالى: ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ (٣). وبوب البخاري لقصتهم في الصحيح، وقد جرى بين السلف من الهجران فوق الثلاث، كما وقع من أبي ذر (٤) وابن مسعود (٥) وعمار (٦) في حق بعض الصحابة، وهو مذكور في تراجمهم، واستمروا على ذلك حتى ماتوا، وقطع عثمان ﵁ رزق ابن مسعود من بيت المال، وبعد موته عول الزبير على عثمان في إجرائه لأولاده وقد كان وصيًّا عليهم (٧). وفي صحيح البخاري (٨) أن عائشة ﵂ نذرت أن لا تكلم عبد الله بن الزبير لما هم بالحجر عليها، لما رأى من إنفاقها حتى كانت لا تدع شيئًا مما جاءها من رزق الله،
стр. 4192
فقال: أما والله، لتنتهين عائشة عن بيع رباعها أو لأحجرن عليها. فرأت أن ذلك نوع عقوق منه؛ لأنه لم يكن عندها أحد في منزلته (أ) وهي خالته أخت أمه، فرأت مجازاته ترك مكالمته. وهجر ابن مسعود من ضحك في جنازة (١)، وحُذَيفة من شد الخيط للحمى، وهجر عمر من سأل عن معنى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾. و ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ (٢). وهجرت عائشة حفصة، وعبد الرحمن هجر عثمان إلى أن مات، وطاوس هجر وهبًا إلى أن مات، وكان الثوري يتعلم من ابن أبي ليلى ثم هجره ومات ابن أبي ليلى ولم يشهد جنازته (٣)، وقد روي عن أحمد بن حنبل أنه هجر أولاده وعمه وابن عمه لما أخذوا جائزة السلطان، حتى قال الذهبي في "الميزان" (٤): لا يقبل جرح الأقران بعضهم على بعض سيما السلف، وحدهم رأس ثلاثمائة من الهجرة. ونقول: إن الأمر مستمر إلى وقتنا، بل في وقتنا من هذا العجب العجاب الذي نسأل الله تعالى السلامة منه، وأن يشرح صدورنا بالتسليم والإغضاء عن العيوب، ويطهر الصدر من الغل والحوب بمنه وإفضاله، ويحمل ما وقع من المذكورين وغيرهم من الأفاضل بأن الهجر لمصلحة دينية، وقد يكون مصيبًا من وقع منه في نظره، وقد يكون مخطئًا، والعصمة مرتفعة في حق الجميع، والعفو من الله تعالى مرجو للمقصر والمطيع، وقد
стр. 4193
ذكر الخطابي (١) أن هجر الوالد لولده والزوج لزوجته ونحو ذلك لا يتضيق بالثلاث، واستدل بأن النبي ﷺ هجر نساءه شهرا (٢)، وكذلك ما صدر من. كثير من السلف في استجازتهم ترك مكالمة بعضهم بعضًا مع علمهم بالنهي عن المهاجرة، انتهى.
ولا يخفى أن ها هنا مقامين أعلى وأدنى، فالأعلى اجتناب الإعراض جملة وهو يكون ببذل السلام والكلام والموادة بكل طريق، والأدنى بالاقتصار على السلام دون غيره، والوعيد الشديد إنما وقع لمن يترك الأدنى، وأما الأعلى فمن تركه من الأجانب لا يلحقه اللوم، بخلاف الأقارب فإنه يدخل في قطيعة الرحم، وإلى هذا أشار ابن الزبير في قوله في هجر عائشة له: فإنها لا يحل لها قطيعتي. أي إن كانت هجرتنى عقوبة على ذنبي فليكن لذلك أمد، وإلا فتأبيد ذلك يفضي إلى قطيعة الرحم.
١٢٢٧ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل معروف صدقة". أخرجه البخاري (٣).
قوله: "كل معروف صدقة". المعروف ضد المنكر، والإخبار عنه بأنه صدقة من التشبيه البليغ بحذف أداة التشبيه، والمقصود المبالغة بأن له حكم الصدقة في الثواب، وأنه لا يحتقر الفاعل شيئًا من المعروف ولا يبخل به، وقد جعل النبي ﷺ كل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، والأمر
стр. 4194
بالمعروف صدقة، والنهي عن المنكر صدقة، وقال: "في بضع أحدكم صدقة" (١). والإمساك عن الشر صدقة (٢)، وغير ذلك من الأعمال الصالحة، والصدقة هي ما يعطه المتصدق للتقرب إلى الله تعالى، فتشمل الصدقة النافلة والواجبة.
١٢٢٨ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق".
١٢٢٩ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك". أخرجهما مسلم (٣).
قوله: "بوجه طلق". يجوز في "طلق" إسكان اللام وكسرها، ويقال: طليق. بزيادة الياء، ومعناه بوجه سهل منبسط.
وفي الحديث دلالة على فعل المعروف وما تيسر منه وإن قلَّ، حتى طلاقة الوجه عند اللقاء.
وقوله: "إذا طبخت مرقة". الحديث فيه دلالة على التوصية بحق الجار والإحسان إليه وبيان عظيم حقه.
١٢٣٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب
стр. 4195
يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن يستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". أخرجه مسلم (١).
قوله: "من نَفَّس عن مسلم". لفظ مسلم (٢): "من فرّج" عوض "نفس". فيه دلالة على فضيلة إعانة المسلم، وتفريج الكربة يكون إما بإعطائه من ماله صدقة أو قرضه، أو بجاهه، ويدخل فيه ما كان يحصل به التفريج ولو بالإشارة والرأي والدلالة على المقصد الذي يقصد.
وقوله: "ومَنْ يَسّر على معسرٍ". لم يكن هذا في مسلم (٣)، وقد أخرجه غيره من أهل السنن (٤)، والتيسير على المعسر هو إنظاره في دينه أو إبراؤه من الدين.
وقوله: "ومن يستر (أ) مسلما". فيه دلالة على أنه ينبغي من المسلم أن يستر ما اطلع عليه من زلات المسلم، وقد ورد التجاوز عن ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود (٥)، وكذلك من لم يعرف منه معاودة المعاصي والفساد،
стр. 4196
كما جاء في حق ماعز: "هلَّا سترت عليه بردائك يا هَزَّال" (١). وأما المعروف بالفساد والتمادي عليه فلا يستحب الستر عليه، بل ترفع قصته إلى من له الولاية إذا لم يخف من ذلك مفسدة؛ لأن الستر عليه يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرم وجسارة غيره على مثل فعله، هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت، أما معصية تراه وهو متلبس بفعلها فالواجب المبادرة بإنكارها والمنع منها على من قدر على ذلك، ولا يحل تأخيرها، فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة، وأما جرح الرواة والشهود والأمناء على الأوقاف والصدقات والأيتام ونحوهم فيجب جرحهم عند الخاصة، ولا يحل الستر عليهم إذا رئي منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة بل من النصيحة الواجبة، وهذا مجمع عليه؛ قال العلماء: والقسم الأول الذي يستر فيه هو مندوب، فلو رفعه إلى السلطان ونحوه لم يأثم بالإجماع، لكن هذا خلاف الأولى، وقد يكون في بعض صوره ما هو مكروه.
وقوله: "واللَّهُ في عون العبد" إلى آخره. لفظ مسلم (٢): "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته". والمراد منه أن الله يعين المذكور في قضاء حوائجه ويلطف به فيها جزاء وفاقا بجنس ما فعله من إعانة أخيه.
١٢٣١ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 4197
"مَنْ دَلَّ على خير فله مثل أجر فاعله". أخرجه مسلم (١).
الحديث فيه دلالة على فضيلة الدلالة على الخير، وأن ثواب الدلالة كثواب الفعل، ومثله قوله ﷺ : "مَنْ سنَّ في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئةً فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء" (٢).
١٢٣٢ - وعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من استعاذكم بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له". أخرجه البيهقي (٣).
الحديث (أ) أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان في "صحيحه" والحاكم (٤) وصححه، وفيه زيادة: "ومن استجار بالله فأجيروه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه". وفي رواية (٥): "فإن عجزتم عن مجازاته فادعوا له حتى تعلموا أن
стр. 4198
قد شكرتم فإن الله يحب الشاكرين". والترمذي (١) وقال: حسن غريب: "من أعطي عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثنِ؛ فإن من أثنى فقد شكر ومن كتم فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وفي رواية جيدة لأبي داود (٢): "من أبلي -أي أنعم عليه إذ الإبلاء الإنعام- فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره".
وقوله: "استعاذكم بالله". أي: طلب الخلاص من العمل الذي يطلب منه؛ لأن الاستعاذة بمعنى الالتجاء، فإذا طلب الالتجاء إلى الله تعالى بخلاصه. "فأعيذوه". أي: خلصوه من ذلك.
وقوله: "ومن سألكم بالله فأعطوه". فيه دلالة على أنه يجب الإعطاء لمن سأل بالله تعالى، وقد جاءت الأحاديث بلعن السائل بوجه الله ولعن المسئول إذا لم يعطه؛ أخرج الطبراني (٣) بسند رجاله رجال الصحيح إلا شيخه وهو ثقة على كلام فيه، عن أبي موسى الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هُجْرا". بضم الهاء وسكون الجيم، أي أمرًا قبيحا لا يليق، ويحتمل أنه أراد ما لم يسأل سؤالا قبيحا، أي بكلام قبيح. وغير ذلك من الأحاديث، إلا أن العلماء حملوا هذا على الكراهة، إلا أنه يمكن حمل الحديث على منع المضطر، ويكون ذكره هنا أن منعه مع سؤاله بالله تعالى
стр. 4199
أقبح وأفظع، ويحمل لعن السائل على ما إذا ألح المسألة حتى أضجر المسئول. وقد أفهم كلام الحليمي في "المنهاج" (١) أن منع السائل قد ينتهي إلى أن يكون كبيرة، حيث قال: منع الزكاة كبيرة، ورد السائل صغيرة، فإن أجمع على منعه، أو ضمّ مع المنع الانتهار والإغلاظ، كان كبيرة. قال: وهكذا إن رأى محتاجٌ طعام رجلٍ موسعٍ عليه وتاقت إليه نفسه وسأله منه فردّه فذاك كبيرة. انتهى كلامه. واعترض الأذرعي الطرف الأخير وقال: إن رد السائل صغيرة. وحمله الجلال البلقيني على المضطر، وحمل الطرف الأول في منع سائل الزكاة بأن الفقير منحصر في ذلك البلد.
وقوله: "ومن أتى إليكم معروفًا" إلى آخره. يدل على وجوب المكافأة للمحسن، وهو من باب شكر المنعم، فتجب المكافأة أو الشكر للمنعم بالاعتراف له بحق النعمة ولو بالدعاء والذكر باللسان، والله سبحانه أعلم.
стр. 4200
بابُ الزُّهدِ والوَرَع
١٢٣٣ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول -وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه-: "إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس؛ فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمًى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله (أ)، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". متفق عليه (١).
أجمع العلماء على عظم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، قال جماعة: هو ثلث الإسلام. وإن الإسلام يدور عليه وعلى حديث: "الأعمال بالنية" (٢)، وحديث: "من حسن إسلام المرء تركه ما (ب لا يعنيه ب) " (٣)، وقال أبو داود السجستاني (٤):
стр. 4201
يدور على أربعة أحاديث. هذه الثلاثة، وحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١). وقفيل: حديث: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس" (٢).
قال العلماء رحمهم الله تعالى: وسبب عظم موقعه أنه ﷺ نبّه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها؛ بأنه ينبغي أن يكون حلالًا، وأرشد إلى معرفة الحلال، وأنه ينبغي ترك المشتبهات؛ فإنه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، ثم بين أهم الأمور، وهو مراعاة القلب، فقال ﵊: "ألا وإن في الجسد مضغة" إلى آخره. فبين أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه.
وأمَّا قوله ﵇: "الحلال بين والحرام بين". فمعناه أن الأشياء ثلاثة أقسام؛ حلالٌ بين واضح لا يخفى حله، كالخبز والفواكه والزيت والعسل والسمن ولبن مأكول اللحم وبيضه وغير ذلك من المطعومات، وكذلك الكلام والنظر والمشي وغير ذلك من التصرفات، فإن هذه الأشياء حلال في أنفسها، واضحة الحل، والحرام البين كالخمر والخنزير والميتة والدم والبول، وكذلك الزنى والكذب والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية لشهوة، وأشباه ذلك، وأما المشتبهات فهي التي (أ) ليست بواضحة الحل ولا الحرمة، فلهذا لا
стр. 4202
يعرفها كثيرٌ من الناس ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب وغير ذلك، فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن فيه نص ولا إجماع، اجتهد فيه المجتهد وألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال، فيكون الورع تركه، ويكون داخلًا في قوله ﵇: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه". وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء وهو مشتبه، فهل يؤخذ بحله أو بحرمته أو يتوقف فيه؟ ثلاثة مذاهب، وهي مخرجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع؛ فعند من لا يثبت أن العقل حاكم قبل ورود الشرع لا حكم فيها (أبحل ولا حرمة أ) ولا إباحة ولا غيرها؛ لأن التكليف إنما هو بعد ورود الشرع، ومن قال بحكم العقل ففيها التحريم والإباحة والتوقف (ب). وقال الخطابي (١): ما شككت فيه فالورع اجتنابه، وهو على ثلاثة أحوال؛ واجب، ومستحب، ومكروه، فالواجب اجتناب ما يستلزم المحرم، والمندوب اجتناب معاملة مَنْ غلب على ماله الحرام، والمكروه اجتناب الرخصة المشروعة. انتهى.
وقد ينازع في المندوب، فإنه إذا غلب الحرام الأولى أن يكون واجب الاجتناب، وهو الذي بنى عليه الهدوية في معاملة (جـ) الظالم فيما لم يظن
стр. 4203
تحريمه؛ لأن الذي غلب عليه الحرام يظن فيه التحريم.
وقال البخاري (١): باب من لم ير الوساوس من الشبهات. كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون انفلت من يد إنسان، وكمن يترك شراء ما يحتاج إليه من مجهول لا يدري أماله حرام أم حلال، ولا علامة تدل على ذلك التحريم، وكمن يترك تناول شيء لخبر ورد فيه متفق على ضعفه (أ) ويكون دليل إباحته قويا وتأويله ممتنع أو مستبعد. وقسم الغزالي (٢) الورع أقسامًا؛ ورع الصدّيقين؛ وهو ترك ما لم يكن بَيّنة واضحة على (ب حله. وورع ب) المتقين؛ وهو ما لا شبهة فيه ولكن يخاف أن يجر إلى حرام. وورع الصالحين، وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم، بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع، وإلا فهو ورع الموسوسين، وقد مرّ مثاله. قال: ووراء ذلك ورع الشهود، وهو ترك ما يسقط الشهادة أعم من أن يكون حرامًا أم لا. انتهى. وغير الحرام وهو ما يخل بالمروءة، بأن لا يفعله أمثال الفاعل، كالأكل في السوق وغير ذلك.
وقوله: "مشتبهات". ويروى " مُشبهات"، بضم الميم وتشديد الموحدة، و "مُشتبهات"، بضم الميم وتخفيف الموحدة.
стр. 4204
وقوله: "فقد استبرأ لدينه وعرضه". بالهمز بوزن "استفعل"، من البراءة، أي حصل له البراءة لدينه من الذم الشرعي، وصان عرضه عن كلام الناس فيه.
وقوله: "إنَّ لكل ملك حمًى". معناه: أن الملوك من العرب وغيرهم يكون لكل واحدٍ حمًى يحميه من الناس ويمنعهم عن دخوله، فمن دخله أوقع به العقوبة، ومن احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى خوفًا من الوقوع فيه، ولله تعالى أيضًا حمًى، وهو محارمه، أي المعاصي التي حرمها؛ كالقتل، والزني، والسرقة، والقذف، والخمر، والكذب، والغيبة، والنميمة، وأكل المال بالباطل، وأشباه ذلك، وكل هذا حمى الله، من دخله بارتكاب شيء من المعاصي استحق العقوبة، ومن قاربه يوشك أن يقع فيه، فمن احتاط لنفسه لم يقاربه، فلا يتعلق بشيء لقربه من المعصية، ولا يدخل في شيء من الشبهات.
وقوله: "ألا وإن في الجسد مضغة". المضغة القطعة من اللحم، سُميت بذلك لأنها تمضع في الفم لصغرها.
وقوله: "إذا صلحت" و "إذا فسدت". بفتح اللام والسين وضمهما، والفتح أشهر وأفصح، والمراد تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد، مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب، وفي هذا الدلالة على أنه يجب أن يسعى الإنسان في صلاح قلبه وحمايته عن الفساد، ويحتج بهذا الحديث على أن العقل في القلب لا في الرأس، وقد حكي الأول أيضًا عن الفلاسفة، والثاني عن الأطباء. قال المازري رحمه الله تعالى (١): احتج
стр. 4205
القائلون بأنه في القلب بقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (٢). وبهذا الحديث، فإنه جعل صلاح الجسد وفساده تابعًا للقلب، مع أن الدماغ من جملة الجسد فيكون صلاحه وفساده تابعًا للقلب، فعلم أنه ليس محلًّا للعقل، واحتج القائلون بأنه في الدماغ بأنه إذا فسد الدماغ فسد العقل، ويكون من فساد الدماغ الصرع في زعمهم، ولا حجة لهم في ذلك، لأنه يجوز أن الله أجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ مع أن العقل ليس فيه، ولا امتناع من ذلك. قال المازري (٣): لا سيما على أصولهم في الاشتراك الذي يذكرونه بين الدماغ والقلب، وهم يجعلون بين رأس المعدة والدماغ اشتراكا.
وفي إشارة النعمان بأصبعيه إلى أذنيه تصريح بسماعه من النبي ﷺ ، وهو الذي ذهب إليه أهل العراق والجماهير من العلماء، قال القاضي عياض (٣): وقال يحيى بن معين: إن أهل المدينة لا يصححون سماع النعمان من النبي ﷺ ، وهذه حكاية ضعيفة أو باطلة.
وقوله ﷺ : "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام". يحتمل وجهين؛ أحدهما: أنه من كثر تعاطيه الشبهات يصادف الحرام وإن لم يتعمده، وقد يأثم به، وذلك إذا نسب إلى تقصير. والثاني: أنه يعتاد