← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

يدور على أربعة أحاديث. هذه الثلاثة، وحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١). وقفيل: حديث: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس" (٢). قال العلماء رحمهم الله تعالى: وسبب عظم موقعه أنه ﷺ نبّه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها؛ بأنه ينبغي أن يكون حلالًا، وأرشد إلى معرفة الحلال، وأنه ينبغي ترك المشتبهات؛ فإنه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، ثم بين أهم الأمور، وهو مراعاة القلب، فقال ﵊: "ألا وإن في الجسد مضغة" إلى آخره. فبين أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه. وأمَّا قوله ﵇: "الحلال بين والحرام بين". فمعناه أن الأشياء ثلاثة أقسام؛ حلالٌ بين واضح لا يخفى حله، كالخبز والفواكه والزيت والعسل والسمن ولبن مأكول اللحم وبيضه وغير ذلك من المطعومات، وكذلك الكلام والنظر والمشي وغير ذلك من التصرفات، فإن هذه الأشياء حلال في أنفسها، واضحة الحل، والحرام البين كالخمر والخنزير والميتة والدم والبول، وكذلك الزنى والكذب والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية لشهوة، وأشباه ذلك، وأما المشتبهات فهي التي (أ) ليست بواضحة الحل ولا الحرمة، فلهذا لا

стр. 4202

يعرفها كثيرٌ من الناس ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب وغير ذلك، فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن فيه نص ولا إجماع، اجتهد فيه المجتهد وألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال، فيكون الورع تركه، ويكون داخلًا في قوله ﵇: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه". وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء وهو مشتبه، فهل يؤخذ بحله أو بحرمته أو يتوقف فيه؟ ثلاثة مذاهب، وهي مخرجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع؛ فعند من لا يثبت أن العقل حاكم قبل ورود الشرع لا حكم فيها (أبحل ولا حرمة أ) ولا إباحة ولا غيرها؛ لأن التكليف إنما هو بعد ورود الشرع، ومن قال بحكم العقل ففيها التحريم والإباحة والتوقف (ب). وقال الخطابي (١): ما شككت فيه فالورع اجتنابه، وهو على ثلاثة أحوال؛ واجب، ومستحب، ومكروه، فالواجب اجتناب ما يستلزم المحرم، والمندوب اجتناب معاملة مَنْ غلب على ماله الحرام، والمكروه اجتناب الرخصة المشروعة. انتهى. وقد ينازع في المندوب، فإنه إذا غلب الحرام الأولى أن يكون واجب الاجتناب، وهو الذي بنى عليه الهدوية في معاملة (جـ) الظالم فيما لم يظن

стр. 4203

تحريمه؛ لأن الذي غلب عليه الحرام يظن فيه التحريم. وقال البخاري (١): باب من لم ير الوساوس من الشبهات. كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون انفلت من يد إنسان، وكمن يترك شراء ما يحتاج إليه من مجهول لا يدري أماله حرام أم حلال، ولا علامة تدل على ذلك التحريم، وكمن يترك تناول شيء لخبر ورد فيه متفق على ضعفه (أ) ويكون دليل إباحته قويا وتأويله ممتنع أو مستبعد. وقسم الغزالي (٢) الورع أقسامًا؛ ورع الصدّيقين؛ وهو ترك ما لم يكن بَيّنة واضحة على (ب حله. وورع ب) المتقين؛ وهو ما لا شبهة فيه ولكن يخاف أن يجر إلى حرام. وورع الصالحين، وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم، بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع، وإلا فهو ورع الموسوسين، وقد مرّ مثاله. قال: ووراء ذلك ورع الشهود، وهو ترك ما يسقط الشهادة أعم من أن يكون حرامًا أم لا. انتهى. وغير الحرام وهو ما يخل بالمروءة، بأن لا يفعله أمثال الفاعل، كالأكل في السوق وغير ذلك. وقوله: "مشتبهات". ويروى " مُشبهات"، بضم الميم وتشديد الموحدة، و "مُشتبهات"، بضم الميم وتخفيف الموحدة.

стр. 4204

وقوله: "فقد استبرأ لدينه وعرضه". بالهمز بوزن "استفعل"، من البراءة، أي حصل له البراءة لدينه من الذم الشرعي، وصان عرضه عن كلام الناس فيه. وقوله: "إنَّ لكل ملك حمًى". معناه: أن الملوك من العرب وغيرهم يكون لكل واحدٍ حمًى يحميه من الناس ويمنعهم عن دخوله، فمن دخله أوقع به العقوبة، ومن احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى خوفًا من الوقوع فيه، ولله تعالى أيضًا حمًى، وهو محارمه، أي المعاصي التي حرمها؛ كالقتل، والزني، والسرقة، والقذف، والخمر، والكذب، والغيبة، والنميمة، وأكل المال بالباطل، وأشباه ذلك، وكل هذا حمى الله، من دخله بارتكاب شيء من المعاصي استحق العقوبة، ومن قاربه يوشك أن يقع فيه، فمن احتاط لنفسه لم يقاربه، فلا يتعلق بشيء لقربه من المعصية، ولا يدخل في شيء من الشبهات. وقوله: "ألا وإن في الجسد مضغة". المضغة القطعة من اللحم، سُميت بذلك لأنها تمضع في الفم لصغرها. وقوله: "إذا صلحت" و "إذا فسدت". بفتح اللام والسين وضمهما، والفتح أشهر وأفصح، والمراد تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد، مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب، وفي هذا الدلالة على أنه يجب أن يسعى الإنسان في صلاح قلبه وحمايته عن الفساد، ويحتج بهذا الحديث على أن العقل في القلب لا في الرأس، وقد حكي الأول أيضًا عن الفلاسفة، والثاني عن الأطباء. قال المازري رحمه الله تعالى (١): احتج

стр. 4205

القائلون بأنه في القلب بقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (٢). وبهذا الحديث، فإنه جعل صلاح الجسد وفساده تابعًا للقلب، مع أن الدماغ من جملة الجسد فيكون صلاحه وفساده تابعًا للقلب، فعلم أنه ليس محلًّا للعقل، واحتج القائلون بأنه في الدماغ بأنه إذا فسد الدماغ فسد العقل، ويكون من فساد الدماغ الصرع في زعمهم، ولا حجة لهم في ذلك، لأنه يجوز أن الله أجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ مع أن العقل ليس فيه، ولا امتناع من ذلك. قال المازري (٣): لا سيما على أصولهم في الاشتراك الذي يذكرونه بين الدماغ والقلب، وهم يجعلون بين رأس المعدة والدماغ اشتراكا. وفي إشارة النعمان بأصبعيه إلى أذنيه تصريح بسماعه من النبي ﷺ ، وهو الذي ذهب إليه أهل العراق والجماهير من العلماء، قال القاضي عياض (٣): وقال يحيى بن معين: إن أهل المدينة لا يصححون سماع النعمان من النبي ﷺ ، وهذه حكاية ضعيفة أو باطلة. وقوله ﷺ : "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام". يحتمل وجهين؛ أحدهما: أنه من كثر تعاطيه الشبهات يصادف الحرام وإن لم يتعمده، وقد يأثم به، وذلك إذا نسب إلى تقصير. والثاني: أنه يعتاد

стр. 4206

التساهل ويتمرن عليه، وينتقل من شبهة إلى شبهة أغلظ من الأولى، وهكذا حتى (أ) يقع في الحرام عمدًا، وهذا نحو قول السلف: إن المعاصي بريد الكفر. أي تسوق إليه، عافانا الله من الشرك. وقوله: "يوشك أن يقع فيه". يقال: أوشك يوشك. بضم الياء وكسر الشين، أي يسرع ويقرب. ١٢٣٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض". أخرجه البخاري (١). قوله: "تعِسَ". بكسر العين المهملة ويجوز الفتح، أي سقط، والمراد هنا أنه هلك. وقال ابن الأنباري (٢): التعسر الشر، قال الله تعالى: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ (٣). أراد: ألزمهم الشر. وقيل: التعس البعد، أي: بعدًا لهم. وقال غيره: قولهم: تعسًا لفلان. نقيض قولهم: لعًا له. دعاء عليه بالعثرة، ولَعًا دعاء له بالانتعاش. و"عبد الدينار". أي: طالب الدينار الحريص على جمعه القائم على حفظه، شبهه بالعبد لأنه لانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها كالأسير الذي لا يجد خلاصًا، كالعبد الذي لا يخلص من أحكام الرِّقِّيَّة، وليس المذموم مجرد

стр. 4207

ملك الدينار المنتفع به في حاجاته ومقاصده، فإن ذلك مما يمدح ويحمد، بل قد يجب التملك ليسد به الخلة، وينفق على من يجب عليه الإنفاق. والقطيفة هي الثوب الذي له خَمل، والخميصة هي الكساء المربع (أ). وقوله: "إن أعطي رضي". يؤذن بشدة الحرص على ذلك، وذكر البخاري (١) الحديث في كتاب الجهاد بلفظ: "تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش". قال الطيبي (٢): فيه ترقٍّ في الدعاء عليه؛ لأنه إذا تعس انكب على وجهه، وإذا انتكس انقلب على رأسه. وقيل: التعس الجر على الوجه، والنكس الجر على الرأس. و "شيك" بكسر المعجمة بعدها ياء تحتانية ساكنة ثم كاف؛ أي إذا دخلت فيه شوكة لم يجد من يخرجها بالمنقاش، وهو معنى قوله: "فلا انتقش". أو أن الطيب لا يتمكن من إخراجها، وجاز الدعاء عليه لأنه قصر عمله على جمع الدنيا والاشتغال بها عن أمر الدين الذي أمر به. وقوله: "إن أُعطي". بضم أوله بتغيير صيغته، وهو يحتمل أن يكون ذما للمؤلَّف الذي لا يرضى إلا بما أعطي من الدنيا، أو لمن لم يرض بقسمة الله تعالى له من الرزق إذا قتر عليه ولا يرضيه إلا الغنى. ١٢٣٥ - وعن ابن عمر ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". وكان ابن

стр. 4208

عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك. أخرجه البخاري (١). قوله: بمنكبي (أ). المنكِب بكسر الكاف مجمع العضد والكتف، وضبط في بعض الأصول بصيغة التثنية، وجاء في رواية الترمذي (٢) عن الليث: أخذ ببعض جسدي. وقوله: "كأنك غريب". الغريب هو الذي ليس له مسكن يأويه ولا سكن يأنس به. وقوله: "أو عابر سبيل". من باب عطف الترقي، و "أو" ليست للشك بل للتخيير أو الإباحة، يعني: قدر نفسك ونزلها منزلة من أردت من المذكورين، ويحتمل أن يكون بمعنى "بل" للإضراب قصدًا للترقي، يعني أن الناسك السالك ينزل نفسه منزلة الغريب، ثم يترقى إلى أن يكون عابر سبيل؛ لأن الغريب قد يسكن في بلد الغربة، بخلاف عابر السبيل القاصد إلى بلد شاسع، وبينهما أودية مردية، ومفاوز مهلكة، وقطاع طريق، فإن من شأنه ألا يقيم لحظة ولا يسكن لمحة. وقال ابن بطال (٣): لما كان الغريب قليل الانبساط إلى الناس بل هو مستوحش [منهم] (ب)، لا يكاد يمر بمن

стр. 4209

يعرفه فيأنس به، فهو ذليل في نفسه خائف، وكذلك عابر السبيل لا ينفذ في سفره إلا بقوته عليه وتخفيفه من الأثقال، غير متشبث بما يمنعه من قطع سفره، معه زاده وراحلته يبلغانه إلى بغيته من قصده، فشبه السالك بهما (أ). وفي هذا إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا، وأخذ البلغة منها والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل. وقوله: وكان ابن عمر. إلى آخره. زاد عبدة في روايته عن ابن عمر: اعبد الله كأنك تراه، وكن في الدنيا. الحديث (١). وزاد ليث في روايته: وعد نفسك في (ب) أهل القبور (٢). وهذا الموقوف عن ابن عمر جاء معناه في حديث ابن عباس مرفوعًا أخرجه الحاكم (٣) أن النبي ﷺ قال لرجل وهو يعظه: "اغتنم خمسًا قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك". قال بعض العلماء: كلام ابن عمر منتزع من الحديث المرفوع، وهو متضمن لنهاية تقصير الأمل، وأن العاقل ينبغي له إذا أمسى لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء، بل يظن (جـ) أن أجله يدركه قبل ذلك.

стр. 4210

وقوله: وخذْ من صحتك لمرضك. يعني أن العمر لا يخلو من صحة ومرض، فإذا كنت صحيحًا فسر سير القصد، وزد عليه بقدر قوتك ما دامت فيك قوة، بحيث يكون ما فعلت من الزيادة قائمًا مقام ما لعله يفوت حالة المرض والضعف، أو أن المعنى أن تعمل ما تلقى نفعه بعد الموت، وبادر أيام صحتك بالعمل الصالح، فإن المرض قد يطرأ فيمنع من العمل، فيخشى على من فرط في ذلك أن يصل إلى المعاد بغير زاد، ولا يعارض هذا الحديث الذي أخرجه البخاري (١): "إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا". لأنه ورد في حق من قد ثبت منه العمل. وهذا الحديث في تحذير من لم يكن قد عمل عملًا معتادًا مداومًا عليه، فإنه إذا مرض ندم على ترك العمل فلا ينفعه الندم. وقوله: وخُذْ من صحتك لمرضك. أي من زمن صحتك لمرضك، وجاء في رواية ليث: لسقمك (٢). وقوله: ومن حياتك لموتك. في رواية ليث (٢): قبل موتك. وزاد: فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدًا. يعني هل يقال لك شقي أو سعيد: أو المراد: هل حيٌّ أو ميت. وفي الحديث دلالة على أنه ينبغي للعالم تأنيس المتعلم والواعظ المتعظ بمس شيء من جسده، وتوجيه الخطاب إلى واحد وإن كان يراد الجمع،

стр. 4211

وحرص النبي ﷺ على إيصال الخير إلى أمته، والحض على ترك الدنيا والاقتصار على ما لا بد منه. ١٢٣٦ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تشبه بقوم فهو منهم". أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان (١). الحديث في سنده ضعف، لكن له شواهد عند البزار عن حذيفة (٢) وأبي هريرة (٣)، وعن أنس في "تاريخ أصبهان" (٤) لأبي نُعيم والقضاعي (٥) عن طاوس مرسلًا، ومن شواهده قوله ﷺ : "من رضي عمل قوم كان منهم". عن ابن (أ) مسعود، رواه أبو يعلى (٦) مرفوعًا. الحديث فيه دلالة على أنه يحرم التشبه بالكفار والفساق فيما يختصون به، من كلام، أو مشي، أو هَيْئة، أو لباس، وإذا تشبه بالكافر في زي يختص به، واعتقد أن يكون بذلك مثله كفر، وإنْ لم يعتقد ففيه خلاف بين الفقهاء، قال في "شرح الإبانة": إنه لا يكفر عند السادة والفقهاء. وهو قول أبي هاشم، والقاضي عبد الجبار، لكن يؤدب. وقال أبو علي: إنه يكفر. وذهب إلى ذلك أبو طالب، وهو ظاهر الحديث.

стр. 4212

١٢٣٧ - وعن ابن عباس ﵁ قال: كنت خلف النبي ﷺ يومًا فقال: "يا غلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". رواه الترمذي (١)، وقال: حسن صحيح. تمام الحديث: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف". وجاء من رواية رزين (٢): فقال لي: "يا غلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك -أو قال: أمامك- تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، فإن العباد لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك، لم يقدروا على ذلك، ولو اجتمعوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك، جفت الأقلام، وطويت الصحف، فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل، وإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا، ولن يغلب عسرٌ يسرين". وقد جاء نحو هذا في "مسند أحمد بن حنبل" (٣) ﵀. قوله: "احفظ الله". أي احفظ أمر الله تعالى بملازمة طاعته وتقواه؛ فلا يراك حيث نهاك، واحفظ حدوده ومراسيم واجباته؛ فلا تضيع منها

стр. 4213

شيئًا، فإذا قمت بذلك تسبب منه أن يحفظك الله تعالى في دنياك ودينك، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (١). فقوله: "يحفظك". مجزوم جواب شرط الأمر. وقوله: "تجده تجاهك". التاء في "تجاه" مبدلة من الواو وأصله وجاه، وهو كناية عن كونه يقبل على العباد بقبول طاعتهم، ويجازي بالقليل من العمل الكثير الطيب، فالمراد هنا أنه يكون مع المطيع في كل أحواله بالحفظ والكلاءة والتأييد والإعانة. وفي الحديث دلالة على أنه ينبغي للمؤمن إمحاض التوكل على الله تعالى، والاعتماد عليه في جميع أحواله فيما سأل ورغب في حصوله، وفيما (أ) استعاذ من حصوله والتجأ إلى الله تعالى في دفع مكروهه. والتوكل هو إسناد الأمر إلى الله تعالى والوثوق به، ويكون بما عند الله أوثق بما عنده، ولا ينافيه القيام بالأسباب، فإن الله جعل الأرزاق في الأغلب مشروطة بشروط، فإذا طلب الإنسان رزقه بسبب فإن كان قد كتب له إدراك شيء بذلك السبب شكر على حصوله، وإن حرم صبر على الحرمان ورضي بما قسم الله له، ويعتقد أن الذي وصل إليه من الرزق من النعم الواصلة من الله تعالى، وأن الفائت له منه لمصلحة له، فطلب الرزق لا ينافي التوكل على الله، فقد جاء في الحديث: "كسب الحلال فريضة". أخرجه الطبراني والبيهقي والقضاعي (٢)، عن ابن مسعود مرفوعًا، وفيه عَبّاد

стр. 4214

ابن كثير وهو ضعيف، وله شواهد. وأخرج الديلمي (١)، عن أنس: "طلب الحلال واجب على كل مسلم". وعن ابن عباس مرفوعًا: "طلب الحلال جهاد". رواه القضاعي (٢). ومثله في "الحلية" (٣)، عن ابن عمر. وبعضها يقوي بعضًا، وشواهدها كثيرة، والكسب الممدوح الذي يكون لطلب الكفاية له ولمن يعول، أو الزائد على ذلك إذا كان لقصد إغاثة ملهوف، أو إعانة طالب علم أو مفتٍ أو قاض وغيرهم، ممن كان اشتغالهم بمصالح المسلمين لا بغير (ب) ذلك، فإنه يكون من الإقبال على الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة، وأما العالم المشتغل بالتدريس والحاكم المستغرق أوقاته في إقامة الشريعة، ومن كان من أهل الولايات العامة كالإمام، فترك التكسب أوْلى بهم؛ لما فيه من الاشتغال عن القيام بما هم فيه، ويرزقون من الأموال المعدة للمصالح. قال بعض العارفين: وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (٤). بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ (٥). وهو كلامٌ حسن، بل وقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ

стр. 4215

وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ (أ)﴾ (١). والله سبحانه أعلم. ١٢٣٨ - وعن سهل بن سعد ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. فقال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس". رواه ابن ماجه، وسنده حسن، (ب وصححه الحاكم ب) (٢). الحديث في إسناده خالد بن عمرو القرشي (٣)، عن الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي. وخالد مجمع على تركه بل نسب إلى الوضع، فلا يصح قول الحاكم: إنه صحيح الإسناد. لكن قد رواه غيره عن الثوري (٤). وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٥) من حديث منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن أنس رفعه نحوه. ورجاله ثقات ولم يثبت سماع مجاهد عن أنس، وقد رواه الأثبات فلم يجاوزوا به مجاهدًا. وكذا يروى من حديث ربعي بن خراش، عن الربيع بن خثيم، رفعه مرسلًا (٦)، وقد حسن الحديث النووي (٧) رحمه الله تعالى.

стр. 4216

الحديث فيه دلالة على فضيلة الزهد، وأن الزهد سبب في محبة الله للعبد، التي هي أشرف المقاصد وأفضل المطالب، وكذلك الزهد فيما عند الناس؛ فإنه لا يرق المرء لغيره ويستحكم عليه نفاذ ما طلب منه إلا إذا كان له طمع فيما عند الناس، ويحصل بذلك إهانته والتبرم من حاله وكراهة مقامه. ١٢٣٩ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي ". أخرجه مسلم (١). قوله: "إن الله يحب". قال العلماء: محبة الله لعبده هي إرادته الخير له، وهدايته ورحمته، ونقيض ذلك البغض، وهو إرادة عقابه وشقاوته (٢). وقوله: "التقي". وهو الآتي بما يجب عليه من التكاليف، و "الغني". المراد به غنى النفس، وهو الغنى المحبوب؛ لقوله ﷺ : "ولكن الغنى غنى النفس" (٣). وأشار القاضي عياض (٤) إلى أن المراد به غنى المال، وهو محتمل. وقوله: "الخفي". بالخاء المعجمة، هذا هو الموجود في النسخ والمعروف في روايات مسلم، وذكر القاضي عياض أن بعض رواة مسلم رووه بالمهملة، ومعناه بالمعجمة الخامل المنقطع إلى العبادة والاشتغال بأمور نفسه، ومعناه بالمهملة الوَصُول للرحم اللطيف بهم وبغيرهم من الضعفاء. وفي الحديث دلالة على تفضيل الاعتزال وترك الاختلاط بالناس، وفي ذلك خلاف، وقد يحمل هذا على ترك الاختلاط في أيام الفتنة، كما قد

стр. 4217

جاء الأمر بذلك صريحًا. والله أعلم. ١٢٤٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حُسْنِ إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". رواه الترمذي وقال: حسن (١). وأخرج الحديث مالك (٢) عن الزهري عن علي بن الحسين أن النبي ﷺ قال: "من حسن إسلام المرء". الحديث. لما سأل رجل مالكًا عن رجل يشرب في الصلاة ناسيًا فقال: ولم لا يأكل؟! ثم ذكر الحديث. وهذا الحديث من جوامع الكلم التي أعطيها رسول الله ﷺ ، وهو يعم الأقوال، كما روي أن في صحف إبراهيم ﵇: "من عدَّ [كلامه] (أ) من عمله قَلَّ كلامه إلا فيما يعنيه" (٣). ويعم الأفعال، فيندرج في هذا ترك التوسع في الدنيا وطلب المناصب والرئاسة، وحب المحمدة والثناء وغير ذلك مما لا يحتاج إليه المرء في إصلاح دينه وكفايته من دنياه، ولا يقال: إنه يكون من الاشتغال بما لا يعني ما ذكر العلماء من المسائل الفرضية التي يندر وقوعها أو يعدم، وقد بالغ العلماء في تدوين ذلك وتخريجه وتنقيحه وتصحيحه؛ لأنه صدر منهم ذلك لما عرفوه من وقوع الجهل بالشرائع في الأعصار المتأخرة، وتهدم أركانها كما قال ﷺ : "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ" (٤). و: "أول ما يرفع من هذه الأمة من العلم علم الفرائض" (٥).

стр. 4218

و: "إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا" (١) الحديث. وغير ذلك، فهذبوا المسائل، وأتعبوا القرائح، وخرّجوا التخاريج، وقدروا التقادير تسهيلًا للطالبين، وإرشادًا للراغبين في نيل فضيلة التعليم والإرشاد والتفهم، لا لطلب التعمق والتكلف والتنطع ليقال: إنه العالم المحقق، والفاحص المدقق. والأعمال بالنيات، والله المجازي لكل أحد بما سعى وما جهر به وما أخفى. وقوله: "ما لا يعنيه". أي يهمه، من: عناه يعنوه ويعنيه، أي أهمه. ١٢٤١ - وعن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطن". أخرجه الترمذي وحسنه (٢). وأخرج الحديث ابن ماجه وابن حبان في "صحيحه" (٣)، وتمامه: "بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة -وفي لفظ ابن ماجه: "فإن غلبت ابن آدم نفسه، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه". الحديث فيه دلالة على ذم الشبع والامتلاء من الطعام، وأن ذلك شر، وهو مشهور معروف عند علماء الطب، أن الشبع أصل الأدواء، وأكثرها سببًا في فساد البدن، وترادف العلل، وقد أجاب الواقدي على مَنْ قال: إنه لم يكن في القرآن ذكر علم (أ) الطب بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا

стр. 4219

تُسْرِفُوا﴾ (١). بناء على أن توسعة الأكل والشرب من الإسراف المضر بالأبدان. وهذا الحديث منبه على القدر المحتاج إليه الذي يكون بلغةً للإنسان إلي حفظ البدن مدة بقائه في الدنيا، وقد جاء في الحديث كثير طيب في (أ) التحذير من توسيع الأكل. أخرج البزار (٢) بإسنادين أحدهما ثقات مرفوعًا: "أكثر الناس شبعًا في الدنيا أكثرهم جوعًا يوم القيامة". قاله لأبي جحيفة لما تجشأ قال: فما ملأت بطني منذ ثلاثين سنة. وأخرج الطبراني (٣) بسند حسن "أن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع غدًا في الآخرة". زاد البيهقي (٤): "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر". والطبراني (٥) بسندٍ جيد أنه ﷺ رأى رجلًا عظيم البطن فقال بأصبعه: "لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك". والبيهقي واللفظ له والشيخان (٦) باختصار: "ليؤتين يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا إن شئتم:

стр. 4220

﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (١). وابن أبي الدنيا (٢) أنه ﷺ أصابه جوع يومًا، فعمد إلى حجر فوضعه على بطنه ثم قال: "ألا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم". وصح حديث: "من الإسراف أن تأكل كلما اشتهيت" (٣). والبيهقي (٤) بسند فيه ابن لهيعة (٥) عن عائشة ﵂: أتى رسول الله ﷺ وقد أكلت في اليوم مرتين فقال: "يا عائشة، أمَّا تحبين أن يكون لك شغل إلا جوفك!! الأكل في اليوم مرتين من الإسراف، والله لا يحب المسرفين". وصح: "كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة". أخرجه أحمد والنسائي (٦). والبزار (٧) بإسناد صحيح إلا أنه مختلف فيه: "إن من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم ونبتت عليه أجسامهم". وابن أبي الدنيا والطبراني في "الكبير" و "الأوسط" (٨): "سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام، ويشربون ألوان الشراب، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدقون في الكلام، فأولئك شرار أمتي". فهذه الأحاديث تزهد في اختيار الطعامات، والتوسع في الأكل، وأن

стр. 4221

ذلك يجلب الغفلة والتثاقل عن العبادة، والميل إلى الدنيا والرغبة في لذاتها. قال الحليمي (١) في قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية (٢): إن الوعيد وإن كان للكفار الذين يسارعون في الطيبات المحرمة؛ ولذا قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. فقد يخشى مثله على المنهمكين في الطيبات المباحة؛ لأن من تعودها مالت نفسه إلى الدنيا، فلم يأمن أن يرتكب الشهوات والملاذ، كلما أجاب نفسه إلى واحدة منها دعته إلى غيرها، فيعسر عليه عصيان نفسه في هؤى قط، وينسد باب العبادة دونه فلا ينبغي أن يعود النفس بما تميل به إلى الشره ثم يصعب تداركها، ولتُرَضْ من أول الأمر على السداد، فإن ذلك أهون من أن تدرب على الفساد ثم يجتهد في إعادتها إلى الصلاح، والله أعلم. انتهى. وقد فهم عمر (٣) ﵁ أن الآية عامة، ولذلك اجتهد في جهاد نفسه. نسأل الله تعالى السلامة والتوفيق لما يرضاه منا. وقد أخرج الشيخان (٤) وغيرهما حديث: "المسلم يأكل في معًى واحدٍ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء". وأخرج مسلم (٥) أن النبي ﷺ أضاف ضيفًا كافرًا، فأمر ﷺ له بشاة فحلبت فشرب حلابها، ثم أخرى حتى شرب حلاب سبع شياه، فقال ﷺ : "إن المؤمن يشرب في معًى واحد، وإن الكافر يشرب في سبعة أمعاء" الحديث. وقد تأوله العلماء بتأويلات، ومن

стр. 4222

جملتها أن المؤمن يقتصد في أكله، فيكون مطابقًا لهذه الأحاديث، وقيل غير ذلك، والله أعلم، والسبعة الأمعاء التي في الإنسان هي المعدة وثلاثة رقاق وثلاثة غلاظ. ١٢٤٢ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل بني آدم خطاء، وخير الخاطئين التوَّابون". أخرجه الترمذي وابن ماجه (١). وسنده قوي. الحديث فيه دلالة على أن بني آدم كل واحد لا يخلو عن خطيئة، وظاهره وفي حق الأنبياء ﵈. وقد ذهب إلى هذا الجمهور من العلماء، فإنه يجوز وقوع الخطيئة من النبي وتكون صغيرة في حقه مغفورة، ولا يجوز عليهم الكبائر ولا صغائر الخسة، وقد ورد في كتاب الله ما يدل على ذلك، وقد جاء عن النبي ﷺ أن يحيى بن زكريا ما هم بخطيئة (٢). وقد روي أن يحيى بن زكريا صلى الله على نبينا وعليهما رأى إبليس ومعه معاليق من كل شيء، فسأله عنها فقال: هي الشهوات التي أصيب بها بني آدم. فقال: هل لي فيها شيء؟ فقال: ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة والذكر. قال: هل غير ذلك؟ قال: لا. قال: لله عليّ ألا أملأ بطني من طعام أبدًا. قال إبليس: ولله عليّ ألا (أ) أنصح مسلمًا أبدًا (٣).

стр. 4223

فيكون مخصصًا لهذا العموم. ويؤيد هذا الحديث حديث: "لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم" الحديث (١). وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ (٢). بعد ذكر الإنسان، وظاهره الاستغراق، والله سبحانه أعلم. ١٢٤٣ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصمت حُكْمٌ وقليل فاعله". أخرجه البيهقي في "الشعب" (٣) بسند ضعيف، وصحح أنه موقوف من قول لقمان الحكيم. الحديث فيه دلالة على حسن الصمت، وهو محمول على ترك الفضول من الكلام، كما قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ الآية (٤). وقوله ﷺ : "ألا وإن كلام المرء كله عليه" الحديث (٥). وقوله: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (٦). وغير ذلك كثير. وقوله: "حكم". أي منع من التكلم بما لا يعني، مأخوذ من الحَكَمة التي تمنع الفرس من الجمُوح.

стр. 4224

باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ١٢٤٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". أخرجه أبو داود (١)، ولابن ماجه (٢) من حديث أنس نحوه. حديث ابن ماجه فيه زيادة: "والصدقة تطفئ الخطيئة كما يُطفئ الماء النار، والصلاةُ نور المؤمن، والصيام جُنَّةٌ". أي ساتر ووقاية من النار. وفي الباب أحاديث كثيرة؛ أخرج أحمد والضياء والترمذي (٣): "دبَّ إليكم داء الأم قبلكم؛ الحسد والبغضاء، هي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم". وأخرج ابن صصرى (أ): "الغل والحسد يأكلان الحسنات، كما تأكل النار الحطب" (٤). وأخرج الطبراني (٥): "ليس مني (ب) ذو حسد ولا نميمة ولا

стр. 4225

كهانةٍ، ولا أنا منه". وأخرج الطبراني (١): "لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا". وأخرج الحاكم والديلمي (٢) أن إبليس يقول: ابغوا من بني آدم البغي والحسد، فإنهما يعدلان عند الله الشرك. وأخرج الشيخان (٣) قوله ﷺ : "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث"، وروي عنه ﷺ : "أخوف ما أخاف على أمتي أن يكثر فيهم المال، فيتحاسدون ويقتتلون" (٤). ثم قال: "استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود (أ) " (٥). وفي رواية: "إن لنعم الله تعالى أعداء". قيل: ومن أولئك؟ قال: "الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" (٦). وفي رواية: "ستة يدخلون النار قبل الحساب لستة". قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالتكبر -والدهقان هو القوي على التصرف- والتجار بالخيانة، وأهل الرساتيق بالجهالة -وهم أهل السواد والقرى- والعلماء بالحسد" (٧).

стр. 4226

وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة. وقوله: "إياكم والحسد". الضمير منصوب على التحذير، والمحذر منه الحسد، والحسد مصدر حَسَده، بالفتح، يحسُده بالضم، حسودا وحسدا، وقال الأخفش (١): يحسد، بالكسر، حسدا وحسادة. والحسد هو أن يتمنى الحاسد زوال نعمة المحسود إليه، وفي "القاموس" (٢): نعمة المحسود أو فضيلته. وفي "الكشاف (٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ (٤): يتمنوا أن يكون لهم نعمة غيرهم. وزيادة "القاموس" الفضيلة إنما هو زيادة تصريح، وإلا فالنعمة تشمل الفضيلة. وقال المصنف (٥) ﵀: الحسد تمني الشخص زوال النعمة عن مستحق لها، أعم من أن يسعى في ذلك أو لا؛ فإن سعى كان باغيًا، لأن لم يسع في ذلك ولا أظهره، ولا تسبب (أ) في ذلك نظر؛ فإن كان المانع له من ذلك العجز بحيث لو تمكن لفعل فهو مأزور، وإن كان المانع له من ذلك التقوى فقد يعذر؛ لأنه لا يستطع دفع الخواطر النفسانية، فيكفيه في مجاهدتها ألا يعمل بها، ولا يعزم على العمل بها. انتهى. وذكر مثل هذا في "الإحياء" (٦) قال: فإن كان

стр. 4227

بحيث لو ألقي الأمر إليه ورد إلى اختياره، لسعى في إزالة النعمة عنه، فهو حسود حسدًا مذمومًا، وإن كان يزعه التقوى عن إزالة ذلك، فيعفى عنه ما يجده في طبعه، من ارتياحه إلى زوال النعمة عن محسوده، مهما كان كارهًا لذلك من نفسه بعقله ودينه. وهذا التفصيل يشير إليه ما أخرجه عبد الرزاق (١) عن معمر عن إسماعيل بن أمية مرفوعًا: "ثلاث لا يسلم منها أحد؛ الطيرة، والظن، والحسد". قيل: فما الخرج منها يا رسول الله؟ قال: "إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ". وأخرج ابن عدي (٢): "إذا حسدتم فلا تبغوا، وإذا ظننتم فلا تحققوا، وإذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا". وأبو نعيم: "كل ابن آدم حسود؛ ولا يضر حاسدًا حسده ما لم يتكلم باللسان أو يعمل باليد". وفي رواية (٣): "كل ابن آدم حسود؛ وبعض الناس (أ) في الحسد أفضل من بعض، ولا يضر حاسدا حسده ما لم يتكلم باللسان أو يعمل باليد". وعليه يحمل الحديث الذي رواه في كتاب "الفردوس" وهو قوله : "لا تقبلوا أقوال العلماء بعضهم على بعض؛ فإن حسدهم عدد نجوم السماء، وإن الله لا ينزع الحسد من قلوبهم حتى يدخلهم الجنة". ومؤلف الكتاب هو أبو منصور شَهْرَدار بن أبي شجاع الديلمي. قال ابن الصلاح: يقال إنه كثير الأوهام. وقد اختصر

стр. 4228

أحاديثه [عبد المجيد القرشي الميَّانِشِي] (أ) في كتاب سماه "الانتقاء والانتخاب" فأفاد وأجاد، وصرح جلال الدين الأسيوطي في "الجامع الكبير" بضعف (ب) أحاديثه، وأن عزوه إليه في "الجامع" غير منبه على التضعيف مغنٍ عن ذلك (١). فهذه الأحاديث تدل على ما ذكر، وذلك لأن الخاطر في القلب من دون عمل لا يستطيع الإنسان دفعه، فينبغي الاحتياط التام في مدافعة مثل هذا الخاطر، ويكره من نفسه إمرار الخاطر فيها، ويكون إن شاء الله تعالى كفارة له. وقال المحقق أحمد بن حجر الهيتمي في كتابه "الزواجر": إن للحسد مراتب، وهي (جـ) إمَّا محبة زوال نعمة الغير وإن لم تنتقل للحاسد، وهذا غاية الحسد، أو مع انتقالها إليه، أو انتقال مثلها إليه، وإلا أحب زوالها لئلا يتميز عليه، أولًا مع محبة زوالها، وهذا الأخير هو المعفو عنه من الحسد إن كان في الدنيا، والمطلوب إن كان في الدين. انتهى. وهذا القسم الأخير يسمى غيرة، وإن (د) كان في الدين فهو المطلوب، ولذلك قال العلماء: ينبغي للقدوة إذا كان يأمن على نفسه من الرياء أن يظهر صالحات أعماله، عسى أن تتحرك نفوس العجزة بالغيرة فيفعلوا كفعله. ويحمل عليه ما رواه

стр. 4229

الشيخان (١) بن حديث ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حسد إلا على [اثنتين] (أ)؛ رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار". والمراد أنه يُغار ممن اتصف [بهاتين] (ب) الصفتين، فيقتدي به من أثَّر في قلبه محبة السلوك في هذا المسلك، ولعل تسميته حسدًا مجازًا، وليس من هذا المعنى قوله ﷺ : "الغيرة من الإيمان، والمذاء (جـ) من النفاق". أخرجه الديلمي والقُضاعي والبزار والبيهقي في "السنن" (٢) عن أبي سعيد مرفوعًا وفيه: فقال رجل من أهل الكوفة لزيد بن أسلم [راويه] (د): ما المِذَاء؟ فقال: الذي لا يغار على أهله. فإن المراد بالغيرة هنا الغيرة على محارمه بألا يراد بهم سوءًا، ومقابله الديوث الذي لا غيرة له. والحديث فيه دلالة على تحريم الحسد، وأنه من الكبائر، فإنه إذا أكل الحسنات فقد أحبطها، ولا يحبط إلا الكبيرة، ونسبة الأكل إليه مجاز، وهو من باب الاستعارة بالكناية؛ شبه الحسد بالحيوان الذي يأكل قوته حتى

стр. 4230

يفنيه، ولا يبقى من صفته الأولى شيء، في أن الحَسَدَ تذهب معه الحسنات حتى لا يبقى لها نفع لفاعلها، ونسبة الأكل استعارة تخييلية؛ لأن الحيوان من لوازمه الأكل. وفي قوله: "كما تأكل النار الحطب". تحقيق لذهاب الحسنات بالحسد، كما يذهب الحطب بالنار ويتلاشى جرمه، فعلى العاقل أن يداوي هذا الداء ويزيله عن قلبه، بمعرفة أن الحسد يضر الحاسد دينًا ودنيا، ولا يضر المحسود دينًا ولا دنيا، إذ لا تزول نعمة بحسد قط، وإلا لم يبق لله نعمةٌ على أحد حتى الإيمان؛ لأن الكفار يحبون زواله عن المؤمنين، بل المحسود ينتفع بحسنات الحاسد له، لأنه مظلوم من جهته، سيما إذا ظهرت آثار الحسد بالانتقاص: الغيبة وهتك الستر وغيرها من أنواع الإيذاء، فيلقى الله يوم القيامة مفلسًا من الحسنات محرومًا من نعم الآخرة، كما حرم من نعمة سكون القلب وسلامة الصدر في الدنيا، بل في الحقيقة اعتراضه على ربه الذي أولى المحسود نعمته، فقد سخط القضاء، ولم يرض بما اختار الله سبحانه ورضيه له ولمن حسده، وأشبه إبليس في اعتراضه في حق آدم وإبائه على (أ) الذي أراده الله سبحانه، فنسأل الله تعالى السلامة والتسليم لقضائه والرضا بماضي أحكامه. ١٢٤٥ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". متفق عليه (١).

стр. 4231

قوله: "ليس الشديد". أي: شديد القوة، "بالصُّرَعة" لضم الصاد المهملة وفتح الراء المهملة، وبالعين المهملة علي بناء فُعَلَة كالهُمَزة واللمزة للمبالغة، أي كثير الصرع لغيره، وبسكون الراء لمن يصرعه غيره كثيرا، قال ابن التين (١): ضبطاه بفتح الراء، ورواه بعضهم بسكونها، وليس بشيء، لأنه عكس المطلوب. قال: وضبط في بعض الكتب بفتح الصاد. ويدل على المعنى الأول ما جاء في حديث ابن مسعود عند مسلم (٢): "ما تعدون الصُّرَعة فيكم؟ ". قالوا: الذي لا يصرعه الرجال. وقوله: "إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". المراد بالشديد هنا هو شدة القوة المعنوية، وهو مجاهدة النفس وإمساكها عن الشر، ومنازعتها للجوارح بالانتقام ممن أغضبها، فالنفس في حكم الأعداء الكثيرين، وغلبتها فيما تشتهيه، في حكم من هو شديد القوة في غلبة الجماعة الكثيرين فيما يريدونه منه. وفيه إشارة إلى أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو، لأنه ﷺ جعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوة. والغضب عند الحكماء هو حركة النفس إلى خارج الجسد لإرادة الانتقام، وفسره أهل اللغة بضد الرضا، والرضا فسروه بضد السخط. والحديث فيه دلالة على أنه يجب على من أغضبه امرؤ وأرادت النفس المبادرة إلى الانتقام ممن أغضبه أن يجاهد نفسه ويمنعها عما طلبت، قال

стр. 4232

بعض العلماء: خلق الله الغضب من النار، وجعله غريزة في الإنسان، فمهما قصد أو نوزع في غرض ما اشتعلت نار الغضب وثارت حتى يحمر الوجه والعينان من الدم؛ لأن البشرة تحكي لون ما وراءها، وهذا إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه، وإن كان ممن فوقه تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب، فيصفر اللون حزنا، وإن كان على النظير (أ) تردد الدم بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر. ويترتب على الغضب تغير الظاهر والباطن، كتغير اللون والرعدة في الأطراف، وخروج الأفعال على غير ترتيب، واستحالة الخلقة، حتى لو رأى الغضبان نفسه في حال غضبه لسكن غضبه (ب) حياءً من قبح صورته واستحالة خلقته، هذا في الظاهر، وأمّا الباطن فقبحه أشد من الظاهر، لأنه يولد الحقد في القلب والحسد وإضمار السوء على اختلاف أنواعه، بل أول شيء يقبح منه باطنه، وتغير ظاهره (جـ) ثمرة تغير باطنه، فيظهر في اللسان الفحش والشتم، ويظهر في الأفعال بالضرب والقتل وغير ذلك من المفاسد، وقد جاءت الأحاديث في النهي عن الغضب، والمراد النهي عن آثار الغضب، لأن الغضب أمر جبلي لا يزول عن النفس. وفيما يعالج به نفسه من وجد فيها الغضب أخرج ابن عساكر (١):

стр. 4233

"الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من النار، والماء يُطفئ النار، فإذا غضب أحدكم فليغتسل". وفي رواية: "فليتوضأ". وابن أبي الدنيا وابن عساكر (١): "اجتنب الغضب". وابن عدي (٢): "إذا غضب أحدكم فقال: أعوذ بالله. سكن غضبه". وأحمد (٣): "إذا غضب أحدكم فليسكت". وأحمد وأبو داود وابن حبان (٤): "إذا غضب أحدكم فليجلس، فإذا ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع". وأبو الشيخ: "الغضب من الشيطان، فإذا وجده أحدكم قائمًا فليجلس، وإذا وجده جالسًا فليضطجع". والمراد بالغضب المنهي عنه هو الغضب في غير الحق؛ ولذلك بوّب البخاري (٥): باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله تعالى، وقال الله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٦). كأنه يشير إلى أن الحديث الوارد في أنه ﷺ كان يصبر على الأذى إنما هو فيما كان من حق نفسه، وأمّا إذا كان لله تعالى فإنه يمتثل فيه أمر الله تعالى من الشدة، وذكر فيه خمسة أحاديث، وفي كل منها ذكر غضب النبي ﷺ في أسباب مختلفة مرجعها إلى أن ذلك كان في أمر الله تعالى، وأظهر الغضب فيها ليكون أوكد، وكفى بما ذكر الله تعالى في قصة موسى صلى الله (أ) على نبينا وعليه: ﴿وَلَمَّا

стр. 4234

سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ (١) الآية. ١٢٤٦ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الظلم ظلمات يوم القيامة". متفق عليه (٢). الحديث فيه دلالة على تحريم الظلم، وهو يشمل جميع أنواعه، سواء كان في نفس أو مال أو عرض. وقوله: "ظلمات يوم القيامة". قال القاضي عياض (٣): قيل: هو على ظاهره فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة سبيلًا حيث يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم، ويحتمل أن الظلمات مرادٌ بها الشدائد، وبه فَسَّرُوا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٤). أي من شدائدهما، ويحتمل أنها كناية عن [الأنكال] (أ) والعقوبات، والله أعلم. ١٢٤٧ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم". أخرجه مسلم (٥).

стр. 4235

قوله: "واتقوا الشح". قال جماعة: الشح أشد البخل، وأبلغ في المنع من البخل. وقيل: هو البخل مع الحرص. وقيل: البخل في بعض الأمور، والشح عام. وقيل: البخل بالمال خاصة، والشح بالمال والمعروف. وقيل: الشح الحرص على ما ليس عنده، والبخل بما عنده. وقوله: "فإنه أهلك من كان قبلكم". يحتمل أن يريد الهلاك الدنيوي المفسر بما بعده في تمام الحديث، وهو قوله: "حملهم على أن يسفكوا دماءهم ويستحلوا محارمهم". وهذا هلاك دنيوي، والحامل لهم هو شحهم على حفظ المال وجمعه وازدياده وصونه عن أن يذهب في النفقة، فطلبوا أن يصان بما ينضم إليه من مال الغير الذي لا يدرك إلا بالإغارة المفضية إلى القتل واستحلال المحارم، ويحتمل أن يراد الهلاك الأخروي الحاصل بما اقترفوه من هذه المظالم، ويحتمل أن يراد مجموع هلاكي (أ) الدنيا والآخرة. والحديث فيه دلالة على قبح الشح وتحريمه، ويكون المحرم منه ما أدى إلى منع واجب شرعي أو عرفي، وما زاد على ذلك فهو معدود من السخاء، وهو صفة كمال ممدوح ما لم يفض إلى إسراف، كما قال الله تعالى في حق نبيه ﷺ : ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (١). وكما قيل (٢): * كلا طَرَفي قَصْدِ الأُمور ذميمُ * وخير الأمور أوسطها، وحاصل الأمر أن المال إذا كان موجودًا فينبغي أن يكون حال صاحبه الإيثار والسخاء واصطناع المعروف بالتي هي أحسن،

стр. 4236

ويكون الإنسان مع ذلك المال بما عند الله أوثق منه بما عنده، وإن كان مفقودًا يكون حال الإنسان القناعة والتكفف وقلة الطمع فهو أحمد في العقبى، أراح للقلب في الدنيا. ١٢٤٨ - وعن محمود بن لبيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الرياء". أخرجه أحمد بإسناد حسن (١). هو محمود بن لبيد بن رافع بن امرئ القيس بن زيد الأنصاري الأشهلي من بني عبد الأشهل، ولد على عهد النبي ﷺ وحدث عنه أحاديث، قال البخاري (٢): له صحبة. وقال أبو حاتم (٢): لا نعرف له صحبة. وذكره مسلم (٣) في التابعين في الطبقة الثانية منهم، قال ابن عبد البر (٤): والصواب قول البخاري. فأثبت له صحبة. وهو أحد العلماء، روى عن ابن عباس وعتبان بن مالك، مات سنة ست وتسعين، وعِتْبان بكسر العين وسكون التاء فوقها نقطتان وبالباء الموحدة. الحديث فيه دلالة على قبح الرياء، وأنه من أعظم المعاصي المحبطة للأعمال، فإنه إذا كان أخوف الخوفات كان أعظمها وأخطرها، وتسميته شركًا أصغر يدل على أنه في رتبة تلي الشرك الأكبر الذي هو الظلم العظيم، والوبال المهلك الوخيم.

стр. 4237

والرياء مصدر راءى فاعَل، وهو يأتي على مفاعلة وفِعال بكسر الفاء وفتح العين وهو مهموز العين؛ لأنه من الرؤية، ويجوز فيه تخفيف الهمزة بقلبها ياء، وقرأ السبعة بتحقيق (أ) الهمزة إلا حمزة في حال الوقف فخففها بقلبها ياء كـ: مئة (١). ولام الرياء في الأصل ياء وقعت بعد ألف زائدة فقلبت همزة ككساءٍ، وحقيقة الرياء لغة هو أن يُرِي غيره خلاف ما هو عليه، وشرعًا هو أن يفعل الطاعة أو يترك المعصية مع ملاحظة غير الله، أو يخبر بها أو يحب الاطلاع عليها لقصدٍ دنيوي إما مالٍ أو عرض، وهو محرم إجماعًا، وقد ذكره (ب) الله ونبه على قبحه وتوعد مرتكبه بعقابه، كقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (٢) الآية، وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣). وغير ذلك، والأحاديث الكثيرة المتعاضدة المهوِّلة لعقاب (جـ) المرائي، والإجماع من الأمة على قبحه، والرياء ينقسم (د) إلى أقسام بعضها أشد من بعض، فأقبح أقسامه ما كان في الإيمان، فإذا أرَى أنه مؤمنٌ وليس بمؤمن فهو حال المنافقين الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا﴾ (٤). ويقرب منهم الباطنية الذين يظهرون أنهم موافقون في الاعتقاد وهم يبطنون خلافه، ويقرب من ذلك من يفعل

стр. 4238

الفريضة إذا كان في الملأ، ويتركها في الخلاء خوف الذم، ويقرب من ذلك الذي يفعل النوافل في الملأ لئلا ينتقص بعدم فعلها، ويتركها في الخلوة كسلًا وعدم احتفال بما يقربه من الثواب، ويقرب من ذلك من يحسن فعل العبادة بالخضوع والخشوع واستكمال هيئاتها ومسنوناتها في الملأ، ويقتصر في الخلوة على فعل الواجب من ذلك؛ لئلا يُذم على ذلك، وقد يزين الشيطان لفاعل هذا بأنه إنما فعله لئلا يقع الغير في عرضه، وفاته النظر الشديد بأنه كان الباعث له على الفعل هو النظر إلى الخلق رجاء الثناء عليه، ولا بد من تفصيل فيما يصحبه الرياء من الأعمال في صحته وعدم صحته، وحاصل ذلك أنه إذا كان الباعث على أداء العبادة هو ملاحظة غير المعبود لغرض دنيوي فالعبادة غير صحيحة، ويجب على المرائي إعادتها، فإذا كان الباعث مثلًا على فعل الصلاة أو غيرها هو محبة الثناء أو غيره فالصلاة باطلة؛ لأنه لم ينو العبادة للمعبود، وهذا هو الشرك الأصغر، وإنما لم يكن شركًا أكبر؛ لأنه لم يقصد بالعبادة تعظيم المراءَى، وإنما قصد أن يثني عليه مثلًا، وأما السجود لغير الله فقد قصد به تعظيم المسجود له، وهذا هو السر في تسميته الشرك الأصغر، وكان شبيهًا بالشرك الأكبر؛ لأن المرائي لما عظم قدر المخلوق عنده حتى حمله على الركوع والسجود لله، فكان ذلك المخلوق هو المعظم بالسجود من وجه، وهذا هو الشرك الخفي لا الجلي، وإن كان الباعث على الطاعة هو الامتثال لأمر الله وقصد محبة الثناء مثلًا واجتمع الباعثان عند نية العبادة ولم يستقل أحدهما بالانبعاث على الفعل، فكذلك لا تصح العبادة، وقد أخرج الخطيب" (١) أن الله يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك

стр. 4239

معي شيئًا فهو لشريكي، يأيها الناس، أخلصوا أعمالكم لله، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له، ولا تقولوا: هذا لله وللرحم. فإنه للرحم وليس لله منه شيء. وإن كان كل واحد منهما مستقلًّا بحيث لو عدم باعث الرياء لفُعِل الفعل، فهذا مَحل النظر، ولعله يكون مثل الصلاة في الدار المغصوبة، وفيها الخلاف، وأما إذا كان الباعث خالصًا وورد عليه وارد الرياء، فإن كان بعد الفراغ من العمل لم يؤثر فيه، إلا إذا أظهر العمل للغير وتحدث به. وقد أخرج الديلمي (١) مرفوعًا: "إن الرجل ليعمل عملا سرًّا فيكتبه الله عنده سرا، فلا يزال به الشيطان حتى يتكلم به فيمحى من السر ويكتب علانية، فإن عاد [فتكلم] (أ) الثانية محي من السر والعلانية وكتب رياءً". وقال الغزالي (٢) في هذا القسم: الأقيس أن ثوابه على عمله باق، ويعاقب على الرياء الذي قصده، وأما إذا عرض عليه قصد الرياء في أثناء العبادة التي باعثها خالص، فإن تمحض قصدُ الرياء أفسدها وأحبط ثوابها، وإن لم يتمحض ولكن غَلَب قصد القربة فهذا يتردد في إفسادها، ومال (جـ). الحارث المحاسبي (٣) إلى أن العبادة تفسد. قال الغزالي (٤): والأظهر أن هذا القدر إذا لم يظهر أثره في العمل بحصول زيادة فيه أنه لا يفسد العمل، لبقاء

стр. 4240

أصل النية الباعثة عليه والحاملة على إتمامه، وأما إذا كان باعث الرياء مقارنًا لباعث العبادة ثم ندم في أثناء العبادة، فأوجب البعض الاستئناف لعدم انعقادها، وقال بعض: يلغو جميع ما فعله إلا التحريم. وقال بعض: يصح؛ لأن النظر إلى الخواتم، كما لو ابتدأ بالإخلاص وصحبه الرياء من بعدُ (أ). قال (١): والقولان الأخيران خارجان عن قياس الفقه. وقد أخرج الواحدي في "أسباب النزول" (٢) جواب جندب بن زهير لما قال للنبي ﷺ : إني أعمل العمل لله، وإذا اطلع عليه سرني. فقال ﷺ : "لا شريك لله في عبادته". وفي رواية: "إنّ الله لا يقبل ما شورك فيه". رواه ابن عباس. وروى عن مجاهد أيضًا (٢): جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: إني أتصدق، وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله، فيذكر ذلك مني، فيسرني ذلك، وأعجب به. فلم يقل النبي ﷺ شيئًا حتى نزلت الآية. فالحديث يدل على أن السرور بالاطلاع على العمل رياء، وظاهره ولو كان بعد العمل، وقد عارضه ما أخرجه الترمذي (٣) عن أبي هريرة، وقال: حديث غريب. قال: قلت يا رسول الله، بينا أنا في بيتي في مصلاي، إذ دخل عليّ رجل، فأعجبني الحال التي رآني عليها. فقال رسول الله ﷺ : "لك أجران". وفي "الكشاف (٤) من حديث جندب قال له: "لك أجران؛ أجر السر
следующие страницы →