← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الحديث، وهو صاحب القصة، كان يتوضأ، وهو جنب، ولا يغسل رجليه (١)، وهو معارض بأنه قد ثبت من روايته تقييد الوضوء "بأنه كان كوضوء الصلاة" (أ) (٢)، ولعلة (ب) ترك غسل رجليه لعذر. والحكمة في الوضوء أن فيه تخفيف الحدث برفع الجنابة عن الأعضاء، وقد ورد ذلك فيما رواه ابن أبي شيبة (٣) بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابي قال: إذا أجنب أحدكم من الليل، ثم أراد أن ينام، فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة، (جـ وقيل ليبيت على إحدى (د) الطهارتين، فعلى هذا يقوم التيمم مقامه جـ) وقد روى البيهقي بإسناد حسن عن عائشة "أنه ﷺ كان إذا أجنب، فأراد أن ينام، توضأ أو تيمم" (٤)، ويحتمل أن يكون التيمم عند تعسر وجود الماء، وقيل: الحكمة فيه أنه ينشط إلى العود، وقد صرح به في رواية الحاكم (٥)، وقيل (هـ) أنشط إلى الغسل، ونص الشافعي على أن الحائض ليس عليها ذلك إلا (و) إذا انقطع دمها. وفي الحديث دلالة على أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيق عند القيام

стр. 422

إلى الصلاة، واستحباب التنظيف عند النوم، قال ابن الجوزي: والحكمة فيه أن الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة، بخلاف الشياطين فإنها تقرب من ذلك. والله أعلم (١). وقوله في (أ) حديث عائشة (٢): وهو معلول [أخرجوه (ب) من حديت الأسود عن (جـ) عائشة (د). قال أحمد: إنه ليس بصحيح، وقال أبو داود (٣): وهم، وقال يزيد بن هارون: هو خطأ، وأخرج مسلم الحديث دون قوله: ولا يمس ماء، وكأنه حذفها عمدًا لأنه عللها في كتاب التمييز (٤)، وقد بين المصنف في التلخيص (٥) وجه العلة بأنه من رواية أبي إسحق] (هـ عن الأسود عن عائشة وقد قال ابن مغور: أجمع المحدثون أنه خطأ من أبي إسحق] هـ)، كذا قال مع أن البيهقي قد صححه (٦)، وقال: إن أبا إسحق قد بين سماعه من الأسود في رواية زهير عنه، وجمع بينهما ابن سريج، وقال الدارقطني في العلل: يشبه أن يكون الخبران صحيحين (وقاله (ز) بعض أهل العلم، وقال الترمذي: يرون أن هذا غلط من أبي إسحق وعلى تقدير صحته و) فيحتمل (حـ) أن المراد لا يمس ماء للغسل، ويؤيده

стр. 423

رواية عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عند أحمد بلفظ: "كان يجنب من الليل، ثم يتوضأ وضوءه (أ) للصلاة، حتى يصبح، ولا يمس ماء" (١) أو كان يفعل الأمرين لبيان الجواز، وبهذا جمع ابن قتيبة في اختلاف الحديث (٢) ويؤيده (ب) ما رواه هشيم بن عبد الملك عن عطاء عن عائشة مثل رواية أبي إسحق عن الأسود وما رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما (٣) عن ابن عمر: أنه سأل النبي ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم، ويتوضأ إن شاء" وأصله في الصحيحين (٤) دون قوله: "إن شاء". ٩٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يُفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم حَفَن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه متفق عليه (٥)، واللفظ لمسلم ولهما (٦) من حديث ميمونة: "ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله، ثم ضرب بها الأرض"، وفي رواية "فمسحها بالتراب" وفي آخره: "ثم أتيته بالمنديل فرده" وفيه: "وجعل ينفض الماء بيده".

стр. 424

[قوله: إذا اغتسل، أي شرع في الفعل (أ)، ومن في: الجنابة سببية] (ب) وقوله: يبدأ فيغسل يديه، أي يغسلهما قبل إدخالهما في الإِناء، وقد ورد مصرحًا به في رواية (١). وغسل الفرج ظاهره مطلق الغسل فيكفي مرة وهذا المعنى يفهم من حديث ميمونة أظهر (٢)، إذ ضرب الأرض بيده لأجل إزالة الرائحة من اليد، ولم يذكر أنه أعاد غسل الفرج بعد ذلك مع أنه إذا كانت الرائحة في اليد فهي باقية أيضًا في الفرج (٣)، وهذا ما يفهم من الحديث، ويدل أيضًا على (جـ) أن الماء الذي تطهر به محل النجاسة طاهر مطهر. وعلى صحة تشريك النية للغسلة التي تزيل النجاسة برفعها الحدث، وهي مسألة (د) خلاف، صحح النووي (٤) جواز ذلك. وقد استدل بهذا على نجاسة المني، إذ دلّك اليد بالأرض لإزالته ويحتمل أن يكون ذلك للتنظيف، [ويستدل به على أن بقاء رائحة النجاسة بعد غسل المحل

стр. 425

لا يضر، (أ)، واستدل البخاري (١) بهذا على أن الواجب في غسل الجنابة مرة واحدة. وقوله: ثم يتوضأ، أي يغسل أعضاء الوضوء وقد ورد به مصرحا (ب) في رواية البخاري كما يتوضأ في الصلاة (٢)، وهذا يحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل بنية مستقلة بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد، ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول جزء، وإنما قدم غسل أعضاء الوضوء تشريفا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى، وقد اختلف العلماء في دخول الطهارة الصغرى تحت الكبرى، وفي إجزاء الوضوء قبل إزالة الحدث الأكبر، فذهب أكثر العترة وأحد أقوال (جـ) الشافعي وأبو ثور (٣) وداود إلى أنه لا يدخل الوضوء في الغسل بل يجبان، وذهب زيد بن علي وقول للشافعي (٤) ورواية عن أبي حنيفة إلى أنهما يتداخلان، فيجزئ الغسل مرة وإن لم يرتب، ونقل ابن بطال الإِجماع (٥) (د) على ذلك، وقول للشافعي: إذا توضأ مرتبا، ثم غسل ما بقي أجزأ لهما، وقول له: إن سبقت الجنابة تداخلا لطروء الأصغر لا العكس حجة القول الأول واجبان: تغاير سببهما وصفتهما فلم يتداخلا، وروي عن علي ﵁ أنه قال:

стр. 426

من اغتسل من جنابة ثم حضرت الصلاة فليتوضأ (١). وكان (أ) ﵁ يفعله، وروى الهادي (ب في الإِحكام ب) عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ أعاد وضوءا بعد اغتساله من الجنابة (٢) رواه في الشفاء، وأجيب بالعارضة بحديث (جـ) عائشة وميمونة، فإنهما لم تذكرا إعادة وضوء، وأُورِد عليه بأن ذلك يدل على أنه يكفي (د) في رفع الجنابة ما وصفتاه من فعله لا أنه يغني عن الوضوء لعدم ذكر الصلاة بعده ودفع (هـ) بما في سنن أبي داود من حديث عائشة: كان يغتسل ويصلي الركعتين وصلاة الغداة، ولا يمس ماء (٣) وحديث الأحكام لا يعارض ذلك لجواز حصول (و) ناقض بعد الغسل، وهذه المعارضة هي حجة المذهب الثاني، ومسألة إجزاء الوضوء قبل إزالة الحدث الأكبر، الخلاف فيها (ز) ذهب الهادي (٤) والقاسم إلى أنه لا يجزئ إذ لا يقع إلا على ظاهر البدن من الحدث، وذهب الناصر وأبو ثور إلى أنه يجب تقديم الوضوء على الغسل لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ (حـ) (٥) فأوجب الوضوء عند إرادة القيام إلى الصلاة ولم يفصل، والفاء تقتضي التعقيب من دون تراخ، ولا تنافي بينهما، وذهب المؤيد

стр. 427

بالله والإِمام يحيى إلى أنه مخير، قالوا: عارض مفهوم الآية قول علي ﵁ المتقدم، فرجع إلى التخيير. وقوله: ثم يدخل أصابعه في أصول الشعر، أي شعر رأسه، ويدل عليه رواية البيهقي (١) "يخلل بها شق رأسه الأيمن، فيتتبع (أ) بها أصول الشعر ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك" وقال القاضي عياض: احتج به بعضهم على تخليل شعر اللحية في الغسل، إما لعموم الشعر، وإما بالقياس على شعر الرأس، وفائدة التخليل ليصل الماء إلى الشعر والبشر وهذا التخليل غير واجب اتفاقا إلا إذا كان الشعر متلبدا بحيث لا يصل الماء إلى أصوله (ب). وقوله: ثم حفن (٢) على رأسه، وفي رواية للبخاري (٣) ثلاث غرفات، وفيه دلالة على استحباب التثليث في الغسل، قال النووي (٤): ولا نعلم فيه خلافا إلا ما تفرد به الماوردي فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل: [والحفنة، ملء الكفين جميعا، وفي رواية الطبري ثلاث حفنات (جـ) ملء كفيه (٥)، وإن كان رواية الأكثرين لصحيح مسلم ملء كفه (٦) فالإِفراد للجنس لا ينافي الكثرة، وهذه الرواية مفسرة للمراد] (د).

стр. 428

وقوله: ثم أفاض، الإِفاضة: الإِسالة (١)، وقد استدل به على عدم وجوب الدلك وقال الماوردي (أ) لا حجة في ذلك، فإن أفاض بمعنى غسل (ب)، والخلاف قائم في حقيقة الغسل، وقال القاضي عياض (٢): لم يأت في شيء من الروايات في وصف (جـ) الغسل ذكر التكرار. قال المصنف -رحمه الله تعالى (٣) -: بل ورد ذلك من طريق صحيحة أخرجها النسائي والبيهقي من رواية أبي سلمة عن عائشة (٤): أنها وصفت غسل النبي ﷺ من الجنابة .. الحديث وفيه: "تمضمض ثلاثا، ويستنشق ثلاثا، ويغسل وجهه ثلاثا، ويديه ثلاثا، ثم يفيض على رأسه ثلاثا" وقوله: "على سائر جسده"، يدل على أنه لم يعد غسل أعضاء الوضوء، وقوله: "ثم غسل رجليه" (٥)، يدل على تأخير غسل الرجلين (د وأن الوضوء الأول بدون غسل الرجلين د)، وهذه رواية مسلم لحديث عائشة من رواية أبي معاوية عن هشام، وقد تفرد بها أبو معاوية دون أصحاب هشام، قال البيهقي (٦): غريبة صحيحة (هـ). قال المصنف -رحمه الله تعالى (٧) -: في رواية أبي معاوية (٨) عن هشام

стр. 429

مقال: نعم له شاهد من رواية أبي سلمة عن عائشة: أخرجه أبو داود الطيالسي (١)، وفيه: "فإذا فرغ غسل رجليه" وسائر الرواة لحديث عائشة لم يذكروا غسل الرجلين بعد ذلك (٢) ولكن (أ) هذا محتمل (ب) أن يكون أعاد غسل الرجلين بعد أن كان غسلهما في الوضوء فيوافق رواية البخاري لحديث عائشة فإن فيه: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم قال: ثم يفيض الماء على جلده كله (جـ) والشافعي اختار (٣) إكمال الوضوء قبل الغسل، وأبو حنيفة (٤) اختار تأخير غسل الرجلين وفي كتب مالك (٥) له أو لبعض أصحابه فرق بين أن يكون الموضع وسخا فيؤخر غسلهما لئلا يحصل إسراف في الماء [بإعادة غسلهما] (د) وبين أن يكون طاهرا فيقدم غسلهما (٦)، وقد أخذ من هذا جواز التفريق بين أعضاء الطهارة (٧).

стр. 430

وقوله في حديث ميمونة: ثم أتيته بالمِنديل فرده، هو بكسر الميم وهو معروف، قال ابن فارس (١): لعله مأخوذ من الندل وهو النقل، وقال غيره: هو مأخوذ من الندل وهو الوسخ لأنه يندل به، ويقال: تندلت بالمنديل، وقال الجوهري (٢): ويقال أيضًا: تمندلت به، وأنكره الكسائي. وفي رده دلالة على استحباب ترك تنشيف الأعضاء وفي ذلك خمسة أوجه، أشهرها: أن المستحب تركه ولا يقال فعله مكروه، والثاني: أنه مكروه، والثالث: أنه مباح يستوي فعله وتركه، وهذا اختاره النووي (٣)، قال (أ): لأن المنع والاستحباب يحتاج إلى دليل واضح، والرابع: أنه يستحب لا فيه من الاحتراز عن الأوساخ، والخامس: يكره في الصيف دون الشتاء، وهذه الوجوه لأصحاب الشافعي (٤)، وللصحابة (ب) والتابعين ثلاثة أقوال، الأول: أنه لا بأس به في الوضوء والغسل، وهو قول أنس بن مالك ومالك (٥) والثوري، والثاني (جـ): أنه مكروه فيهما، وهو قول ابن عمر وابن أبي ليلى، والثالث: يكره في الوضوء دون الغسل، وهو قول ابن عباس. والوارد عن النبي ﷺ في ترك التنشيف هذا، وحديث في الصحيح: أنه ﷺ "اغتسل، وخرج ورأسه يقطر ماء" (٦) وأما فعل التنشيف فقد رواه جماعة من الصحابة، لكن قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء عن النبي ﷺ .

стр. 431

وقوله: "وجعل ينفض الماء بيده"، فيه دلالة على أن النفض لا بأس به، وفيه وجوه أحدها: أن المستحب تركه ولا يقال إنه مكروه (أ، والثاني أنه مكروه أ)، والثالث أنه مباح يستوي فعله وتركه، وقد ورد في إباحته هذا الحديث، وفي النهي عنه قوله: "لا تنفضوا أيديكم، فإنها مراوح الشيطان" (١)، وهو ضعيف لا يقاوم هذا الصحيح. ١٠٠ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله: إني امرأة أشدُّ شعر رأسي، أفأَنْقُضُهُ لغُسْل الجنابة؟ وفي رواية: والحيضة؟ فقال: "لا إنما يكفيك أنْ تَحْثِي على رأسِك ثلاثَ حَثَياتٍ". رواه مسلم (٢). الحديث. قوله: أشد شعر -لفظ مسلم أشد ضفر رأسي، وكأن المصنف رواه بالمعني (٣)، وضَفْر بفتح الضاد وإسكان الفاء، وهذا هو المشهور عند المحدثين والفقهاء وغيرهم ومعناه أحكم فتل شعري. وقال الإِمام ابن بري (٤)، [وهو ابن مالك] (ب) في الجزء الذي صنفه في لحن الفقهاء: من ذلك قولهم في حديث أم

стр. 432

سلمة: أشد ضفر رأسي، يقولونه بفتح الضاد وإسكان الفاء، وصوابه ضم (أ) الضاد والفاء جمع ضفيرة كسفينة وسفن، قال النووي ﵀: وهذا الذي أنكره ليس بصحيح، بل الصواب جواز الأمرين ولكل منهما وجه صحيح، ولكن يترجح الأول لأنه المسموع في الروايات الثابتة المتصلة. وقوله: "أَفَأَنْقُضُهُ .. " إلى آخره، فيه دليل على أنه لا يجب عليها نقض الشعر، وظاهر الحديث وإن لم يصل الماء إلى باطنه، وسواء كان اجتماعه باختيارها أو بغير اختيارها والحكمة في ذلك التيسير عليها، لما في ذلك من الحرج، وفي المسألة أقوال: ذهبت (ب) الهادوية وهو مذهب الحسن البصري (١) وطاوس إلى أنه لا يجب النقض في الجنابة دون الحيض والنفاس، فيجب فيهما لقوله ﷺ لعائشة "انقضي شعرك، واغتسلي" (٢) وأجيب بأن ذلك معارض بحديث (جـ) أم سلمة (٣)، وهذا ممكن، حمل الأمر على الندب فيجب الصير إلى التأويل جمعا بين الحديثَيْن، وحديث أم سلمة لا يحتمل مثل هذا، وذهب الجمهور من

стр. 433

الشافعية (١) وغيرهم والإِمام يحيى إلى أنه لا يجب نقض الشعر مطلقا بشرط أن يصل الماء إلى باطن الشعر، فيبله وإلا وجب النقض، لقوله ﷺ "بلوا الشعر" (٢) ولم يفرق، قالوا: وحديث أم سلمة محمول على أنه عرف (أ) خفة شعرها وكان (ب) الماء يصل إلى جميعه، ويمكن الجواب بأن حديث أم سلمة خاص ببعض أحوال الشعر وهو ما كان مشدودا، وحديث "بلوا"، عام للشعر سواء كان مشدودا أو منشورا، والواجب العمل بالخاص فيما تناوله، وبالعام فيما بقي، [مع أنه فيه مقالا] (٣) (جـ) وحكى عن النخعي (٤) وجوب النقض بكل حال، لقوله: بلوا وقد عرفت الجواب عنه، وذهب أبو يوسف إلى أنه يجب في الجنابة دون الحيض، قال: إذ هي من الكتاب، لا الحيض إذ هو من السنة، ولتأكيد الجنابة بقوله: بلوا، والجواب عنه حديث أم سلمة. وقوله: "تحثي على رأسك ثلاث حثيات"، هي (د) بمعنى الحفنات، والحفنة (هـ) ملء الكفين من أي شيء كان، ويقال: حثيت وحثوت (و) بالواو والياء لغتان مشهورتان. ١٠١ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :

стр. 434

"إنِّي لا أحِلُّ المسجدَ لحائض، ولا جُنب". رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة (١). أخرجه أبو داود من حديث جسرة (٢) عن عائشة، وفيه قصة، وابن ماجه (٣) والطبراني من حديث (أ) جسرة عن أم سلمة، وحديث الطبراني (٤) أتم، وقال أبو زرعة الصحيح حديث جسرة عن عائشة، وضعف هذا الحديث بأنه من رواية أفلت ابن خليفة (٥)، وهو مجهول الحال، وقد ذكر ابن الرفعة أنه متروك، ورد عليه بأن أحمد قال: لا أرى به بأسا، وقد صححه ابن خزيمة وحسنه ابن القطان. والحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز للحائض والجنب دخول المسجد بكل حال وهو مذهب الأكثر، وقال داود والمزني: أنه يجوز لهما ذلك قياسا على العبور، وأجيب بأن الأصل ممنوع، وإن سلم فالعبور خصصته الآية (٦)، وبقي ما عداه داخلا تحت مفهوم الحديث، وذهب أحمد (٧) وإسحاق إلى أنه يجوز للجنب إن غسل

стр. 435

ما يباشر به المسجد لا الحائض، فتمنع للتنجيس، الجواب: الحديث لم يفصل (١). وذهب العترة أيضًا وأبو حنيفة (٢) وأصحابه ومالك إلى أنه لا يجوز أن يعبر للحديث، وكالحائض، وذهب ابن مسعود وابن عباس والشافعي وأصحابه إلى جواز ذلك (٣)، قالوا: لقوله تعالى إلا عابري سبيل (٤) وأراد مواضع الصلاة (٥) بدليل الاستثناء، وأجيب (٦) بأن الآية محمولة على من أجنب في المسجد، فإنه يخرج منه للغسل، أو على أن معنى عابري سبيل مسافرين وفقدتم الماء، فتيمموا لفقدان الماء (٧)، وذكر السفر لأنه غالب فقد الماء فيه، وإن كان ذلك الحكم يجري في الحضر عند عدم الماء، أو يحمل (أ) على أن الطريق إلى الماء إنما هي في المسجد أو كان الماء في المسجد، ذكره الزمخشري وهو يجوز من دون (ب) تيمم عند الحنيفة في الأخيرين والله أعلم. ١٠٢ - وعنها ﵂ قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ في إناء واحد، تختلف أيدينا فيه من الجنابة. متفق عليه (٨). زاد ابن حبان: وتلتقى.

стр. 436

الحديث يدل (أ) على جواز اجتماع المرأة والرجل في الاغتسال من إناء واحد، وقد تقدم ما في هذه المادة من الكلام، ومحل هذا الحديث اللائق به في باب المياه. والله أعلم. ١٠٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر". رواه أبو داود والترمذي وضعفاه (١). ولأحمد (٢) عن عائشة نحوه، وفيه راوٍ مجهول. الحديث ضعفاه لأنه من رواية الحارث بن وجيه (٣)، قال أبو داود: حديثه منكر، وهو ضعيف، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث الحارث، وهو شيخ ليس بذاك وقال الدارقطني: إنما يروى هذا عن مالك بن دينار عن الحسن مرسلًا، ورواه سعيد بن منصور عن هشيم، عن يونس، عن الحسن قال: نبئت أن رسول الله الله ﷺ فذكره، ورواه أبان العطار (ب) عن قتادة (٤) عن الحسن عن أبي هريرة من قوله، وقال الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت، وقال البيهقي (٥): أنكره أهل العلم بالحديث، البخاري (٦) وأبو داود وغيرهما،

стр. 437

وفي الباب عن أبي (أ) أيوب رواه ابن ماجه من حديث فيه: من أداء الأمانة غسل الجنابة فإن تحت كل شعرة جنابة (١)، وإسناده ضعيف (٢)، وعن علي مرفوعًا: "من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا (ب) وكذا (٣) الحديث، وإسناده صحيح، فإنه من رواية عطاء بن السائب، وقد سمع منه حماد بن سلمة (٤) قبل الاختلاط، أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث حماد، لكن قيل: إن الصواب وقفه على علي ﵁. وفي الحديث دلالة على أنه يجب غسل جميع البدن في الجنابة ولا يعفي عن شيء منه والظاهر أنه إجماع إلا المضمضة والاستنشاق ففيهما خلاف الناصر والشافعي (٥) وأصحابه ومالك، قالوا: لقوله في حديث أم سلمة: إنما يكفيك أن تحثي .. الحديث، ولم يذكرهما، قلنا: أنقوا البشر، والبشر عام، ومن جزئياته بشرة الفم والأنف، وقد قال ثعلب: البشرة هي الجلدة التي تقي اللحم من الأذى فبين عموم البشر، وأجيب بأن الحديث ضعيف، فلا يقاوم حديث مسلم المتقدم، ويجاب بأن له شاهدا وهو ما تقدم من حديث يتوضأ وضوءه للصلاة، والأحاديث منتشرة بأن وضوءه للصلاة كان بالمضمضة والاستنشاق ويؤيد أيضًا بحديث (جـ) علي ﵁ فإنه صريح في التعميم،

стр. 438

وبحديث (أ) عائشة ﵂ "كان إذا اغتسل من الجنابة تمضمض واستنشق" أخرجه النسائي (١)، وعن (ب) ابن عباس عن خالته ميمونة قالت: "وضعت لرسول الله ﷺ غسلا فتمضمض" أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود (٢)، فعرفتَ بمجموع ذلك أنه يجب غسل الفم والأنف. والله سبحانه أعلم. قال سفيان بن عيينة: المراد بقوله: وأنقوا البشر، غسل الفرج وتنظيفه، كني عنه بالبشرة. قال ابن وهب: ما رأيت أعلم بتفسير الأحاديث من ابن عيينة. ذكره في شرح الترمذي. [اشتمل الباب على خمسة عشر حديثًا] (جـ).

стр. 439

باب التيمم [التيمم في اللغة: القَصْد، قال امرؤ القيس: تيممتها من أذرعات .. البيت (١)، أي قَصَدْتُها. وفي الشرع: القصد إلى الصعيد لمسح (أ) الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة ونحوها (٢)، وقال ابن السكيت: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾: أي اقصدوا، ثم كَثُر استعماله حتى صار التيممُ: مسحُ الوجه واليدَيْن بالتراب. انتهى. فعلى هذا: هو مَجَازٌ لغويٌّ، وعلى الأول حقيقة شرعية. واختلف في التيمم هل هو عزيمة أو رخصة؟ وفَصَّل بعضهم بأنه لعدم الماء عزيمة وللعذر رخصة] (ب). ١٠٤ - عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسا لم يُعطَهنَّ أحدٌ قبلي، نُصرت بالرُّعب مسيرةَ شهر، وجُعلَتْ لِيَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا، فأيُّما رجلٍ (جـ) أدركته الصلاةُ فَليُصلِّ ... " (٣). وذكر الحديث.

стр. 440

وفي حديث حذيفة ﵁ عند مسلم: "وجعلت تربتها لنا طهورا، إذا لم نجد الماء" (١). وعن علي ﵁ عند أحمد: "وجعل التراب لي طهورا" (٢). * الحديث متفق عليه، وتمامه: "وأُحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأُعْطيتُ الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة". قاله ﷺ في غزوة تبوك كما بينه البخاري من رواية عمرو بن شعيب (٣). * وقوله: "أعطيت خمسا": من لا يثبت مفهوم العدد لا إشكال عليه بأنه قد ورد غير ذلك، ومن أثبته ترد عليه، وطريق الجمع أن يُقَالَ: لعله اطلع أولًا على بعض ما اختص به فذكره، ثم اطلع على غيره من بعد، أو المفهوم غير مقصود هنا بقرينة ذكر غيره (أ) وقد ورد غير هذه الخمس كما في حديث أبي هريرة عند مسلم: "فضلت على الأنبياء بست" (٤) ولم يذكر الشفاعة، وزاد خصلتين وهما: "وأعطيت جوامع الكلم، وختم بي (ب) النبيون". ولمسلم من حديث (٥) حذيفة: "فُضِّلْتُ على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة"، وذكر خصلة الأرض، قال: "وذكر خصلة أخرى أبهمها"، وقد بينها ابن خزيمة والنسائي (٦) وهي: "وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة

стр. 441

مِنْ كَنْزٍ تحت العرش"، يشير إلى ما حطه الله تعالى عن أمته من الإِصر، وتَحَمُّل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان. ولأحمد من حديث علي ﵁: "أعطيت أربعا لم يعطهن أحد من أنبياء الله: أعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت أمتي خير الأمم" (١) وذكر خصلة التراب فصارت الخصال اثنتي عشرة. وقد نظم بعضهم الخمس المذكورة في حديث جابر فقال: جاء بالخمس ثم خص بخمس ... بعد سبع عددن (أ) للتلاء (ب) فله الأرض مسجد وطهور ... لمصل وعاجز عن ماء وأحلت له الغنائم يمضي ... حكمه في التنفيل والاصطفاء وعموم النعت الذي خصه منه ... بما (جـ) شاء ألطف اللطفاء (٢) وله في غد بكبرى الشفاعات ... مقام يشفي من الأصداء (نُصْرَة الله في (د) مسيرة شهر ... يقذف الرعب منه (هـ) في قلوب العداء (و) وقلت في نظم السبع المذكورة: هذه الخمس واحفظ السبع تحظى ... بسنى الجلال للكملاء (٣) فهو للرسل أجمعين ختام ... وَلِكَلْم جوامع الأنباء ومقام الصلاة خص بصفٍ ... كصفوفِ الملائك الأمناء

стр. 442

وبآي كُنِزّن من ذُخُر العرش ... خواتيم (أ) السورة الزهراء ثم سماه أحمد في ... معنييه لأحمد الأسماء وبإعطائه المفاتيح للأرض ... سما قدره عن (ب) الأدباء وبتفضيلنا على أمم الرسل ... رحمة منه أرحم الرحماء [هذه السبع ثم ضم إليها ... بعدها ما روي تفز بولاء فبإعطائه اللواء لواء الحمد ... كذا كوثر لسقي الماء ثم شيطانه بإسلامه (جـ) خص ... وغفران (د) ذنبه بالوفاء ثم بعض يقول ستون قد خص (د) ... بها الله سيد الأمناء ولبعض نيف مع (هـ) مائتين ... وبها فضله على الأنبياء] (١) (و) وقد ورد غير ذلك، ففي (ز) حديث البزار عن أبي هريرة رفعه (٢): "فضلت على الأنبياء بست: غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجعلت أمتي خير الأم، وأعطيت الكوثر، وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه"، وذكر ثنتين مما تقدم، وله من حديث ابن عباس (٣) رفعه: "فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرا فأعانني الله عليه فأسلم"، قال:

стр. 443

ونسيت الأخرى. وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب "شرف المصطفى": إن الخصائص ستون. قال السيوطي (١): ثم لما صنفت كتاب "المعجزات (أ) والخصائص" تتبعتها فزادت على المائتين، وظاهر الحديث يدل على أن كل خَصْلة من هذه لم تكن لأحد قبله. * فقوله (ب): "مسيرة (جـ) شهر"، نصب على أنه مفعول فيه بتقدير في، وفي حديث أحمد عن أبي أمامة "يقذف في قلوب أعدائي" (٢)، وفي الطبراني عن ابن عباس (د) بالرعب على عدوه (هـ) مسيرة شهرين (٣)، وأخرج عن السائب بن يزيد مرفوعًا: "نصرت بالرعب شهرا أمامي، وشهرا (و) خلفي" (٤)، وهو جامع بين حديث شهر وشهرين، وإنما جعل الغاية الشهر لأنه لم يكن بينه وبين (ز) أحد من أعدائه أكثر منه وهذه الخصوصية (حـ) حاصلة له، وإن لم يكن معه عسكر، وهل هي حاصلة لأمته؟ فيه احتمال (٥).

стр. 444

* وقوله: "وجعلت لي الأرض مسجدا": أي موضع سجود، لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويحتمل أن يراد بالمسجد المسجد المبني للصلاة فيكون الكلام تشبيها بليغا، وهذه لم تكن لغيره كما صرح به في رواية عمرو بن شعيب بلفظ: "وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم"، وفي حديث البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب، وفيه: "ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه"، وبهذا (أ) الوارد يندفع ما قيل: إن الخصوصية مجموع الأمرين: مسجدا وطهورا، قال: لأن عيسى كان يسبح ويصلي حيث أدركته وما قيل: إن من قبله أبيح لهم الصلاة في أماكن يتيقنون طهارتها، بخلاف هذه الأمة فإن لهم أن يصلوا (ب) فيما لا يتيقنون نجاسته. وقوله: "وطهورا"، يحتمل أن يكون معنى (جـ) الطهور (د) الطاهر في نفسه، ولكنه لا يبقى (هـ) فيه معنى الخصوصية، إذ (و) هي طاهرة (ز) له ولغيره، ويحتمل أن يكون (دـ) معناه أنه مطهر (حـ) لغيره، وهذا هو المراد، ويؤيده حديث ابن المنذر وابن الجارود بإسناد صحيح عن أنس مرفوعًا: "جعلت لي الأرض طيبة، مسجدا وطهورا" (١)، ومعنى "طَيّبة": طاهرة فلو كان طهورا بذلك المعنى لكان تكريرا. * ويفهم من الحديث أن التيمم يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في هذا

стр. 445

الوصف، وعلى أن التيمم جائز بجميع (أ) أجزاء الأرض، وفي رواية أبي أمامة بقوله: "وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدا وطهورا" (١)، وقد يُدفع ذلك برواية مسلم: "وجعلت تربتها طهورا" (٢). ويجاب عنه بأن ذكر حكم بعض ما تناوله العام لا يخصص كما هو المختار، والمفهوم مفهوم (ب) لقب لا يعمل به. وقد يجاب بأن الحديث عند مسلم من حديث حذيفة: "وجعلت لنا (جـ) الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء" (٣) فوقع التعميم والتأكيد بكلها في جعلها مسجدا دون المعطوف، فدل على عدم التعميم في المعطوف، وإلا لكان العطف على نسق واحد، ويجاب عنه بما تقدم، [إلا أنه يدفع بقوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ (٤) قال الزمخشري (٥): فإنْ قلتَ: لا يفهم أحد من العرب من قول القائل مسحت برأسي من الدهن أو غيره إلا معنى التبعيض، قلتُ: هو كما تقول، والإِذعان للحق خير من الراء. انتهى] (د). * وقوله: "فأيما رجل": "أي" شرطية، وهي في محل رفع على أنها مبتدأ، ولفظ "ما" زائدة للتأكيد، وهي للعموم.

стр. 446

* وقوله: "فليصل"، هذا هو الجزاء، والمعنى: على كل حال، وإن لم يكن متوضئا ولم يجد المسجد، والمراد: فليصل بالتيمم. وحديث جابر مختصر (أ)، ويدل على ذلك رواية أبي أمامة عند البيهقي: "فأيما رجل من أمتي أتى (ب) الصلاة فلم يجد ماء؛ وجد الأرض طهورا ومسجدا" (١) وعند أحمد: "فعنده طهوره ومسجده" (جـ) (٢). * وقوله: "وأحلت لي الغنائم"، وفي رواية الكشميهني: "المغانم"، وهي رواية مسلم (٣)، قال الخطابي (٤): كان من تقدم على ضربين: منهم من لم يؤدن له في الجهاد، فلم يكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له (د) فيه، لكن إذا غنموا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته، وقيل: المعنى أحل لي التصرف فيها بالتنفيل والاصطفاء والصرف في الغانمين، كما قال تعالى ﴿قُلِ الأنفَالُ للهِ والرَّسُولِ﴾ (٥). * قوله: "وأعطيت الشفاعة": الشفاعة (هـ) الأخروية الثابتة له (و) ﷺ ستة

стр. 447

أنواع، بعضها مختلف فيه، وبعضها متفق عليه، وبعضها مختص به، وبعضها غير مختص. فالأولى (أ): الشفاعة العظمى في إراحة الناس من طول القيام في المحشر وهذه مختصة به كما ورد التصريح بذلك (١)، ولا خلاف فيها. والثانية: الشفاعة في إدخال قوم الجنة من دون حساب، وهذه أيضًا قد وردت (ب) لنبينا ﷺ ولا أعلم الاختصاص فيها أو (جـ) عدمه (٢). والثالثة: الشفاعة لقوم (د) قد استوجبوا النار فيشفع في عدم دخولهم، وفيها الخلاف، والظاهر أنها غير مختصة عند من أثبتها. والرابعة: الشفاعة لقوم دخلوا النار فيشفع في خروجهم (هـ)، وهي مختلف فيها والقائلون بها يقولون هي غير مختصة لورودها في حق الملائكة والأنبياء والمؤمنين والأطفال. والخامسة: الشفاعة في زيادة الدرجات لمن في الجنة، وهذه متفق عليها، ولعلها غير مختصة. والسادسة: ذكرها القرطبي وهي: الشفاعة لعمه أبي طالب في التخفيف عنه (و) كما في حديث مسلم "لعله تنفعه شافعتي، فيجعل في ضحضاح من نار

стр. 448

يبلغ كعبه يغلي منه دماغه" (١)، وفي حديث العباس "لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" (٢) والضحضاح الماء القليل استعير للنار وشبهت به في القلة، وهذه مختصة به ﷺ . والسابعة: الشفاعة لمن مات بالمدينة (أ) أخرجه الترمذي (٣) وصححه. والثامنة: في التجاوز (ب) عن جماعة من صلحاء المؤمنين في تقصيرهم في العبادة ذكرها القزويني في العروة الوثقى. والتاسعة: شفاعته لمن صبر على لأواء المدينة (٤). والعاشرة: شفاعته لفتح باب الجنة، رواه مسلم (٥). والحادية عشرة: شفاعته لمن زاره (٦)، رواه ابن خزيمة في صحيحه عن ابن عمر (٧).

стр. 449

والثانية عشرة: شفاعته لمن أجاب المؤذن، وصلى عليه، لما في الصحيحين من قوله ﷺ : "حلت له شفاعتي" (١) (أ) قال ابن دقيق العيد: والظاهر أن (ب) المعنى في الحديث هي الشفاعة الأولى، إذ هي مختصة، ولعله قد كان سبق من النبي ﷺ الإِخبار بها، فقصد المعهود فيكون العهد خارجيا، وأقول: لعله يحمل على الاستغراق، ومجموع ذلك مختص به ﷺ ، ولا حاجة إلى التكلف المذكور. وقوله: و (جـ) كان النبي يبعث ... " إلح، فيه تصريح باختصاصه بذلك دون سائر الأنبياء، وقد يرِدُ أن نوحا كان بعد الطوفان مبعوثا إلى أهل الأرض، لأنه لم يبق إلا مَنْ كان مؤمنا به، وقد كان مرسلًا إليهم، ويدفع بأن ذلك لم يكن في بعثته، وإنما اتفق بالحادث، وقول أهل الموقف: أنت أول رسول إلى أهل الأرض (٢) ليس المراد عموم البعثة بل أولية الرسالة إلى أهل الأرض، وهو صادق بالنسبة إلى البعض، وقال ابن دقيق العيد (٣): يجوز أن تكون شريعته عامة بالنسبة إلى التوحيد، وإن كانت خاصة بالنسبة إلى فروع الدين، ولذلك عم الهلاك، ويحتمل أن عدم عمومها عدم بقائها بعده لنسخها بالشرائع بعدها، وأما عموم بعثة نبينا ﷺ فهي ببقائها إلى يوم القيامة. قال الداودي: المختص بالنبي ﷺ مجموع (د) الخمس لا كل واحدة منها، فلا يرد ذلك، وقد غفل، فإن في هذه الخصوصية الأخيرة تصريح بالاختصاص فالوجه أحد ما قيل.

стр. 450

وفي هذا الحديث من الفوائد: مشروعية تعديد نِعَم الله، وإلقاء العلم قبل السؤال، وأن الأصل في الأرض الطهارة، وأن الصلاة لا تختص بالمسجد المبنى (أ) لذلك، وحديث "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" ضعيف أخرجه الدارقطني من حديث جابر (١)، وقال صاحب المبسوط (ب) من الحنفية: فيه إظهار كرامة الآدمي، قال: لأن آدم خلق من ماء وتراب وهما طهوران. ١٠٥ - وعن عمار بن ياسر ﵄ قال: "بعثني رسول الله ﷺ في حاجة، فأَجْنَبْتُ، فلم أجِد الماء (جـ)، فتمرَّغْتُ في الصَّعِيدِ كما تتَمرَّغُ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ ، فذكَرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه" متفق عليه. واللفظ لمسلم (٢). وفي (د) رواية للبخاري: "وضرب بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه" (٣). هو أبو اليقْظَان عمارُ بن ياسر (٤) بن مالك العنسي مولى بني مخزوم وحليفهم، حالف ياسر بعد قدومه من اليمن وسكونه في مكة (هـ) أبا حذيفة بن المغيرة بن مخزوم، فزوجه أَمة له يقال لها: سُمية، فوَلدت (و) عمارا، فأعتقه

стр. 451

أبو حذيفة، فهو مولى لأبي حذيفة، أسلم عمار قديما وعذب في مكة، وأحرق بالنار، وكان يمر النبي ﷺ به، فيمر يده عليه ويقول: "يا نار كوني بردًا وسلامًا على عمار كما كنت على إبراهيم" (١)، وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة وصلى إلى القبلتين، وهو من (أ) الأولين وشهد بدرا والمشاهد كلها، وأبلى فيها بلاء حسنا وسماه النبي ﷺ الطيب والطيب، قتل بصفين مع علي بن أبي طالب ﵁ سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة روى عنه علي بن أبي طالب وابن عباس، ومن أولاده محمد وأبو عبيدة. قوله: فأجنبتُ، أي صرت جنبا، يقال: أجنب، أي صار (ب)، ولا يقال: اجْتُنِبَ (جـ) بصيغة المجهول، وإن وقع في كتب الفقهاء (د) كذا بينه شراح الحديث. وقوله: فتمرغت، و (هـ) في رواية للبخاري (٢) فتمعكت، المعنى واحد، [أي تقلبت، وكأن عمارا استعمل القياس، وهو أنه لما كان نائبا عن الغسل فحقه أن يعم] (و). وقوله: "إنما يكفيك"، فيه دلالة على أن هذه هي الصفة المشروعة، وأنه الواجب المجزئ، ودل على أنه يكفي ضربة واحدة، وأنه يكفي من (ز) اليد (حـ)

стр. 452

الكفان والراحتان، حيث قال: مسح الشمال على اليمين وظاهر الكفين، وأفهم أن الترتيب بين اليدين والوجه غير واجب، وإن كان هذا اللفظ محتملا، وقد عطفه في رواية للبخاري (أ) ثم، فقال: "ثم مسح وجهه" (١) بعد أن ذكر حكم الكفين، وفي رواية أيضًا لأبي داود ولفظه (ب): "ضرب بشماله على يمينه" (٢)، وبيمينه على شماله على الكفين ثم مسح وجهه. وفي رواية للإِسماعيلي ما هو أصرح من (جـ) ذلك ولفظه: "إنما يكفيك أن تضرب بيدك على الأرض، ثم تنفضها، ثم تمسح بيمينك على شمالك وبشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك" (٣). ودل الحديث أيضًا على أن التيمم مشروع في حق من أجنب، وفي هذه الأطراف الأربعة خلاف، فالطرف الأول، وهو أنه يكفي ضربة واحدة ذهب إليه: عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحق وابن المنذر، ونقله عن جمهور العلماء (٤)، وقال به عامة أهل الحديث (٥)، وأشار إلى القول به البخاري (٦)، ورواه في البحر عن الصادق والإمامية (٧)، وحجتهم هذا الحديث، وذهب إلى أنه لا يكفي الضربة الواحدة، وأَنه لا بد من ضربتين: علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر والحسن البصري والشعبي وسالم بن عبد الله وسفيان الثوري وجمهور العترة ومالك وأبو حنيفة وأصحاب الرأي والشافعي وغيرهم (٨)، قالوا: لحديث

стр. 453

ضربتان (١) وسيأتي من (أ) حديث ابن عمر وغيره، وحديث عمار أنكر عليه عمر روايته وابن مسعود لم يعمل به، وأجيب بأن حديث عمار أصح ما ورد في صفة (ب) التيمم، ومثله حديث أبي جهم (جـ) (٢) ولم يذكر فيه زيادة على أنه أتى الجدار فمسح بوجهه (د) ويديه والظاهر (هـ) أنه فعل واحد وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه (و) ووقفه، والراجح وقفه، وإنكار عمر لا يقدح فلعله نسي القصة (٣)، وأما ابن مسعود فقد روي عنده الرجوع إلى الحديث (٤)، وغاية الأمر أن ما زاد على الضربة الواحدة فغير واجب. وفي قوله: "يكفيك" إيماء إلى أنه الواجب الذي لا يجزئ دونه، وروي عن ابن سيرين أنه لا يجزيء أقل من ثلاث ضربات، ضربة للوجه، وضربة لكفيه، وضربة لذراعيه (٥) والله أعلم. الطرف الثاني: أنه يكفي (ز) من اليد الكفان والراحتان، وفي المسألة أقوال

стр. 454

فالأول ما في الحديث وقد ذهب إليه أحمد بن حنبل وإسحق وابن جرير وابن المنذر وابن خزيمة، ونقله ابن الجهم عن مالك (١)، ونقله الخطابي عن أصحاب الحديث (٢)، وقال النووي: رواه أبو ثور وغيره عن الشافعي في القديم (٣)، ورواه في البحر عن علي والصادق والناصر وغيرهم (٤)، وأشار البخاري إلى قوة (أ) القول (٥) به، قالوا: لحديث عمار في الصحيحين، وقد ورد من حديث عمار في السنن بذكر المرفقين (٦)، وفي رواية "إلى نصف الدراع"، وفي رواية ["إلى المناكب، ومن بطون أيديهم] (ب)، إلى الآباط"، إلا أن في رواية المرفقين، وكذا نصف الذراع مقالا (جـ)، وأما رواية الآباط فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي ﷺ فكل تيمم صح للنبي ﷺ بعده فهو ناسخ له، وإن كان بغير أمره فالحجة فيما أمر به، ولكن رواية الصحيحين تتقوى بأن عمَّارًا كان يفتي بذلك بعد النبي ﷺ ، وراوي الحديث أعرف بالمراد منه من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد. القول الثاني: أنه يجب مسح (د) اليدين مع المرفقين، وهو قول القاسم

стр. 455

والهادي والمؤيد بالله وأبي طالب، والفريقين (١) قالوا: لحديث ابن عمر الآتي، وفيه: "لليدين إلى المرفقين"، وقياسا على الوضوء، وقد يجاب عنه بأن حديث ابن عمر الأصح فيه الوقف، وللاجتهاد فيه مسرح، فلا حجة، وأما القياس على الوضوء فهو قياس خالفه النص، فلا يصح، وهو (أ) أيضًا معارض بالقياس على القطع في السرقة (٢). القول الثالث: للزهري، أنه يجب المسح إلى المنكبين لأن ذلك اسم لليد (٣) إذا أطلقت ولحديث عمار: إلى الآباط، والجواب أن حديث عمار أقوى في بيان الواجب من اليد، ورواية الآباط قد عرفت ما فيها، وقد روي عن ابن سيرين أنه يجب مسح الذراعين، وقد حكى عن بعض أن الواجب أربع أصابع فقط، والله سبحانه أعلم. (الطرف الثالث: وهو أن الترتيب بين الوجه واليدين غير معتبر وإن تيمم اليدين قبل الوجه، والقائل به (ب) من قال: إن التيمم ضربة واحدة كما هو صريح حديث عمار كما تقدم والعطف في الآية الكريمة بالواو فلا يعارض الحديث، والخلاف في ذلك لمن أوجب ضربتين كما تقدم) (جـ). (الطرف الرابع: هو (د) أن التيمم كاف في حق الجنب، ويقاس عليه

стр. 456

الحائض والنفساء، ولم يخالف فيه أحد من (أ) السلف والخلف إلا ما جاء عن عمر وعبد الله بن مسعود وحكي مثله (ب) عن إبراهيم النخعي، وقيل: إن عمر وابن مسعود رجعا عنه، وأما (جـ) كونه يرفع الجنابة فالعتزة وأكثر الفقهاء لا يرفعها، لقوله في حديث (د) عمرو بن العاص: "صليت وأنت جنب" (١)، وقال داود وبعض المالكية وبعض الشافعية: بل يرفع (و) لقوله: وطهورا، وقد تقدم (٢) (ز).

стр. 457

وفي قوله: ثم ضرب بيديه (أ) فيه دلالة على أن المشروع هو الضرب وأما وضع التراب فذهب الهادي والناصر إلى أنه لا يجزئ (ب) (١)، وقال الشافعي: بل وضع التراب وكذا الذرور يجزئ، لحديث ابن عمر (٢): وضع يده على الحائط. في رواية. [وفي رواية (جـ): ضرب بيده على الحائط، أخرجه أبو داود (٣)] (د). وحديث عمار فيه دلالة على الإِجزاء، إذ عمار تمعك في التراب، ولم يأمره النبي ﷺ بالإِعادة (هـ)، وإنما قال له: "يكفيك"، فهو يدل على أن هذا الواجب لا أن (و) غيره لا يجزئ، وقال الإِمام يحيى: لو معك وجهه ويديه أجزأ لحصول المقصود، ولحديث عمار. وقوله: "ونفخ فيهما"، وفي رواية "أدناهما من فيه"، وفي رواية "تفل فيهما"، والتفل دون البزاق، والنفث دونه، وهو يدل على تخفيف التراب، وقال الهادي والشافعي: النفخ مندوب لهذا، وقال الناصر: لا يندب، إذ في حديث عمار لم ينفضوا من التراب شيئًا، ويجاب بأنه لا ينفي الندب الوارد، وقال الإِمام يحيى: إن كثر التراب نفخ، وإلا فلا جمعا بين الروايتين. وقد يستدل به (ز) على جواز التيمم بالصخر، وما ليس عليه تراب، وفيه

стр. 458

ما تقدم (أ). ١٠٦ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "التَّيممُ ضربتان، ضربةٌ للوجه، وضربة لليديْنِ إلى المرفقين" (ب) رواه الدارقطني (جـ) وصحح الأئمة وقفه (١). أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث علي بن ظبيان عن (د) عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال الدارقطني: وقفه (هـ) يحيى القطان وهشيم وغيرهما، وهو الصواب، ثم رواه من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا (و)، قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وعلي بن ظبيان ضعيف ضعفه القطان وابن معين وغير واحد. وأخرجه أبو داود بسند ضعيف مداره على محمد بن ثابت، وقد ضعفه ابن

стр. 459

معين وأبو حاتم والبخاري وأحمد. قال أحمد والبخاري: ينكر عليه حديث التيمم هذا، قال البخاري: خالفه أيوب وعبيد الله والناس وقفوه على ابن عمر. وقال الخطابي (أ): محمد بن ثابت ضعيف (١)، ورواه الدارقطني من طريق سالم عن ابن عمر مرفوعًا، لكن فيه سليمان بن أرقم (٢)، وهو متروك، قال (ب) البيهقي: رواه معمر وغيره عن الزهري مرفوعًا (٣)، هو الصحيح، ومن طريق سليمان بن أبي داود الحراني (٤)، وهو متروك أيضًا عن سالم ونافع جميعا عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "في التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرافق" (٥)، (جـ) قال أبو زُرعة: حديث باطل، وقد ورد تثنية الضرب من حديث جابر (٦)، وإسناده لا بأس به، وصوب (د) الدارقطني وقفه، وحديث أسلع بن شريك أخرجه الطبراني والدارقطني وفيه الربيع بن بدر (٧)، وهو ضعيف، وعن أبي أمامة رواه الطبراني وإسناده ضعيف أيضًا (٨)، ورواه البزار

стр. 460

وابن عدي (١) من حديث عائشة مرفوعًا، تفرد به الحريش عن ابن أبي مليكة عنها، قال أبو حاتم: حديث منكر، والحريش شيخ لا يحتج بحديثه، [وفي الكاشف: الحريش بن الخريت (أ): واه، روى عن ابن أبي مليكة] (ب). وعن عمار قال: كنت في القوم حين نزلت الرخصة فأمرنا فضربنا واحدة للوجه ثم ضربة أخرى لليدين إلى المرفقين. رواه البزار (٢). ١٠٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والصَّعيدُ وَضُوءُ المسلم، وإن لم يجد الماءَ عشرَ سنينَ، فإذا (جـ) وجد الماء فلْيتق الله (د)، وليمسه بشرته" رواه البزار وصححه ابن القطان، لكن صوب الدارقطني إرساله (٣). وللترمذي (٤) عن أبي ذر نحوه، وصححه الحاكم أيضًا، وأخرج حديث أبي ذر أبو داود وأصحاب السنن من رواية خالد الحذاء، إلا أن لفظ الترمذي:
следующие страницы →