الاستسقاء. قال المنذري (١): وإذا تعذر الجمع، فرواية الإثبات مقدمة على النفي. وقد جاء في الرفع أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء، وروى الترمذي (٢) في حديث عمر ﵁ قال: [كان] (أ) النبي ﷺ إذا رفع يده في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. وفي "سنن أبي داود" (٣) عن ابن عباس نحوه، وفي إسنادهما مقالٌ. وقال الترمذي في الحديث الأول: إنه غريب. وإن قال عبد الحق (٤): إن الترمذي قال فيه: إنه صحيح. فليس ذلك في النسخ المعتمدة. وعقد البخاري (٥) لها بابًا مفردًا في "الأدب المفرد"، وذكر في قصة قدوم الطفيل بن عمرو [على] (ب) النبي ﷺ ، فقال: إن دوسًا عصت فادعُ الله عليها. فاستقبل القبلة وهو رافع يده. الحديث. وسنده صحيح، وأخرجه مسلم (٦).
وحديث عائشة (٧) أنها رأت النبي ﷺ يدعو رافعًا يديه يقول: "اللهم إنما أنا بشر". الحديث، ولمسلم (٨) في حديث الكسوف عن عبد الرحمن بن
стр. 4412
سمرة: فانتهيت إلى النبي ﷺ وهو رافع يديه يدعو. وفي حديث عائشة (١) في دعائه لأهل البقيع: فرفع يديه ثلاث مرات. ومن حديث أبي هريرة الطويل (٢) في فتح مكة: فرفع يديه وجعل يدعو. وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة، وأما ما أخرجه مسلم (٣) من حديث عمارة بن رويبة، براء مهملة وموحدة مصغرًا، أنه رأى بشر بن مروان يرفع يديه، فأنكر ذلك وقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ وما يزيد على هذا. يشير بالسبابة. فقد حكى الطبري (٤) عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره وقال: السنة أن الداعي يشير بإصبع واحدة. ورده بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق الحديث، فلا معنى للتمسك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار في شرعيتها. قال الطبري: وكره رفع اليدين في الدعاء ابن عمر وجبير بن مطعم، ورأى شريح رجلًا يرفع يديه داعيًا، فقال: من تتناول بهما لا أُمَّ لكَ. وذكر ابن التين عن عبد الله بن عمر بن غانم أنه نقل عن مالك أن رفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء، قال: وقال في "المدونة" (٥): ويختص الرفع بالاستسقاء، ويجعل بطونهما إلى الأرض. وروى الطبري (٤) عن ابن عمر، أنه إنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره. وكذلك أسنده الطبري عن ابن عباس، وأخرج أبو داود والحاكم
стр. 4413
عنه (١) من وجه آخر قال: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستسقاء أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمد يديك جميعًا. وأخرج الطبري (٢) من وجه آخر عنه قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه. وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" (٣) عن ابن عمر من طريق القاسم بن محمد: رأيت ابن عمر يدعو عند القاص، يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه.
واعلم أن الدعاء يتأكد استحبابه عقيب الصلوات، وقد روى الترمذي (٤) من حديث أبي أمامة قال: يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل، وأدبار الصلوات المكتوبات". وعقد البخاري في "الصحيح": باب الدعاء بعد الصلوات المكتوبات (٥).
وزعم بعض العلماء أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع، متمسكًا بالحديث الذي أخرجه مسلم (٦) من رواية عبد الله بن الحارث عن عائشة ﵄: كان النبي ﷺ لا يلبث إلا قدر ما يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". وقال ابن القيم في "الهدي النبوي" (٧): وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة سواء الإمام
стр. 4414
والمنفرد والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبي ﷺ أصلًا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن، وخصص بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبي ﷺ ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضًا من السنة بعدهما. قال: وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها. قال: وهذا اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربه يناجيه، فإذا سَلَّم منها انقطعت المناجاة وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه وهو مقبل عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه؟! ثم قال: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يستحب لمن أتى بها أن يصلي على النبي ﷺ بعد أن يفرغ منها، ويدعو بما شاء ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر لا لكونه دبر الصلاة المكتوبة.
ويجاب من حديث مسلم بأن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره جالسًا على هيئته قبل السلام إلا مقدار ما يقول ما ذكر، وبينت أنه كان إذا صلى أقبل بوجهه على أصحابه، فيحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقول بعد أن يقبل بوجهه على أصحابه، وهذا ما قاله ابن القيم من النفي مطلقًا؛ بأن ذلك قد ثبت عن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ قال: "يا معاذ، إني والله أحبك، فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (١). وحديث أبي بكرة في قوله: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر". كان النبي ﷺ يدعو بهن دبر كل صلاة، أخرجه
стр. 4415
أحمد والترمذي والنسائي وصححه الحاكم (١). وحديث زيد بن أرقم: سمعت رسول الله ﷺ يدعو بهن في دبر كل صلاة: "اللهم ربنا ورب كل شيء". الحديث أخرجه أبو داود والنسائي (٢). وحديث صهيب رفعه: كان يقول إذا انصرف من الصلاة: "اللهم أصلح لي ديني". الحديث. أخرجه النسائي وصححه ابن حبان وغيره (٣).
وأما التأويل بأن المراد بهذه دبر الصلوات هو أن يكون بعد التشهد قبل [السلام] (أ)، فإنه قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة، والمراد به بعد التسليم إجماعًا، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه، وقد فهم بعض الحنابلة من كلام ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقًا، وليس كذلك، فإن كلامه إنما هو قبل الأذكار، وأما بعد الأذكار فيدعو، وقد وردت الأحاديث الصحيحة في الأذكار بعد الصلاة في "الصحيحين"، وغيرهما (٤): كان النبي ﷺ إذا انصرف من الصلاة استغفر ثلاثًا وقال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". قيل للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: يقول: أستغفر الله، أستغفر الله. وحديث المغيرة في "الصحيحين" (٥): كان إذا فرغ من الصلاة وسلم قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله
стр. 4416
ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". وعن عبد الله بن الزبير (١) أنه كان يقول دبر كل صلاة حين يسلم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". قال ابن الزبير: كان رسول الله ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة. وحديث الفقراء في "الصحيحين" (٢) قال: "تسبحون، وتحمدون، وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين". وحديث كعب بن عجرة (٣)، قال: "معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة؛ ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع و [ثلاثون] (أ) تكبيرة". وفي "صحيح مسلم" (٤) عن أبي هريرة مثل ذلك، لكن تمام المائة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". وجاء من حديث ابن [عمرو] (ب): "يسبح الله دبر كل صلاة عشرًا، ويكبر عشرًا، ويحمد عشرًا، فذلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان، ويكبر إذا أخذ مضجعه أربعًا وثلاثين ويحمد ثلاثا وثلائين، ويسبح ثلاثا وثلائين، فذلك مائة
стр. 4417
باللسان وألف [في الميزان] (أ). أخرجه أبو داود (١).
وقد جاءت أحاديث في قراءة آية الكرسي عقيب كل صلاة، والآيتين من "آل عمران ": ﴿شَهِدَ الله﴾ (٢). و: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالكَ المُلْكِ﴾ (٣). وجاء في قراءة المعوذتين دبر كل صلاة وقراءة "الفاتحة"؛ قال ابن بطال (٤): في هذه الأحاديث الحض على الذكر بعد الصلاة في أدبارها، وأن ذلك يوازي إنفاق المال في طاعة الله تعالى؛ كما في حديث الفقراء. وسئل الأوزاعي عن الذكر بعد الصلاة أفضل أم تلاوة القرآن؟ قال: لا شيء يعدل القرآن، ولكن هدي السلف الذكر.
ومنها أن الذكر المذكور يلي الصلاة المكتوبة، ولا يؤخر إلى أن تصلى الراتبة؛ للتصريح في هذه الأذكار بأنها دبر الصلاة.
وحديث راتبة المغرب أنها ترفع مع المكتوبة (٥) لا يعارض حديث الذكر؛ فإنه ﷺ كان يصليها في البيت، فالفاصلة بينها وبين الصلاة لا يضر. والله أعلم.
١٣١١ - وعن عمر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا
стр. 4418
مد يده في الدعاء لم يردَّهما حتى يمسح بهما وجهه. أخرجه الترمذي (١)، وله شواهد؛ منها من حديث ابن عباس عند أبي داود (٢)، ومجموعها يقتضي أنه حديث حسن.
فيه دلالة على شرعية مسح الوجه باليدين، وكأن المناسبة -والله سبحانه أعلم- أنه لما كان الله سبحانه لا يردهما صفرا، فكأن الرحمة أصابتهما، فناسب إفاضة ذلك على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأحقها بالتكريم.
١٣١٢ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة". أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان (٣).
الحديث فيه دلالة على أفضلية إكثار الصلاة على النبي ﷺ ، وأن المكثر هو الأحقُّ بالشفاعة يوم القيامة.
والمراد بـ "أولى بي" أي: شفاعتي. والله أعلم.
١٣١٣ - وعن شداد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا
стр. 4419
أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فأغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". أخرجه البخاري (١).
تمام الحديث قال: "ومن قالها من النهار موقنًا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها، فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة".
هو أبو يعلى شداد بن أوس بن ثابت النجّاري الأنصاري، وهو ابن أخي حسان بن ثابت، يقال: إنه شهد بدرًا. ولا يصح. ونزل بيت المقدس، وعداده من أهل الشام، وروى عنه ابنه يعلى، ومحمود بن الربيع، وضمرة بن حبيب. مات بالشام سنة ثمان وخمسين وهو ابن خمس وسبعين. وقيل: مات سنة إحدى وأربعين. وقيل: سنة أربع وستين. قال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: كان شداد ممن أوتي العلم والحلم. واختلف في صحبة أبيه. وليس له في البخاري إلا هذا الحديث (٢).
قوله: "سيد الاستغفار". قال الطيبي (٣): لما كان هذا الدعاء جامعًا لمعاني التوبة كلها، استعير له اسم السيد، وهو في الأصل الرئيس الذي يُقصَد إليه في الحوائج، ويُرجَع إليه في الأمور. وجاء في رواية الترمذي (٤): "ألا أدلك على سيد الاستغفار؟ ". وفي حديث جابر
стр. 4420
عند النسائي (١): "تعلموا سيد الاستغفار؟ ".
وقوله: "لا إله إلا أنت خلقتني". وقع هكذا في معظم الروايات، ووقع في نسخة تُعتمَد بتكرير "أنت" فيقول: "لا إله إلا أنت، أنت خلقتني". ووقع عند الطبراني (٢) من حديث أبي أمامة زيادة: "من قال حين يصبح: اللهم لك الحمد، لا إله إلا أنت". وباقيه نحو حديث شداد، وزاد فيه: "آمنت لك مخلصًا لك ديني".
وقوله: "وأنا عبدك". جملة مؤكدة لقوله: "أنت ربي". ويحتمل أن يكون "عبدك" بمعنى عابدك، فلا يكون تأكيدًا، ويؤيده عطف قوله: "وأنا على عهدك". وسقطت الواو في رواية النسائي. قال الخطابي (٣): يعني: أنا على ما عاهدتك عليه وواعدتك من الإيمان بك، وإخلاص الطاعة لك، ما استطعت [من ذلك، ويحتمل أن يريد: أنا مقيم على ما عهدت إلي من أمرك] (أ) ومتمسك به، ومتنجز وعدك في [المثوبة] (ب) والأجر.
وقوله: "ما استطعت". اعتراف بالعجز والقصور عن كُنْه الواجب من حقه تعالى. وقال ابن بطال (٤): يريد بالعهد هو الذي أخذه الله على عباده حيث أخرجهم أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ
стр. 4421
بِربكم﴾ (١). فأقروا له بالربوبية، وأذعنوا له بالوحدانية، وبالوعد ما قال على لسان نبيه؛ أن من مات لا يشرك بالله شيئًا وأدَّى ما افترض عليه أن يدخله الجنة.
واستدرك المصنف (٢) على قوله: وأدى ما افترض عليه. أنه زيادة ليست بشرط في هذا المقام؛ لأنه جعل العهد الميثاق المأخوذ وهو على التوحيد خاصة، فالوعد هو إدخال الجنة من مات على ذلك. قال (٣): وقوله: "ما استطعت". إعلام لأمته أن أحدًا لا يقدر على الإتيان بجميع ما يجب عليه لله تعالى، ولا الوفاء بكمال الطاعة والشكر على النعم، فرفقَ الله بعباده ولم يُكلفهم إلّا وسعهم.
وقوله: "أبوء لك بنعمتك عليّ". سقط لفظ "لك" من رواية النسائي. و"أبوء": بالموحدة والهمز ممدود، ومعناه: أعترف. وأصله البوء. ومعناه اللزوم، ومنه: بوأه الله منزلًا. أي أسكنه. فكأنه ألزمه به.
وقوله: "وأبوء لك بذنبي". أي أعترف أيضًا، وقيل معناه: أحمله برغمي لا أستطيع صرفه عني. والمراد بالذنب هو وقوع الذنب مطلقًا، [لا أنه] (أ) الذنب الذي وقع بسبب التقصير في الشكر.
وقوله: "فأغفر لي؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". يؤخذ منه أن من اعترف بذنبه غفر له. وهذا الاستغفار فيه من بديع المعاني، وحسن
стр. 4422
الألفاظ، ما يحق له أن يسمى سيد الاستغفار؛ ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية والعبودية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، والرجاء بما وعد به، والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه، وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى نفسه، ورغبته في المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو، وفي كل ذلك الإشارة إلى الجمع بين الشريعة والحقيقة، فإن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كان في ذلك عون من الله تعالى، وهذا القدر الذي يكنى عنه بالحقيقة، فلو اتفق أن [العبد] (أ) خالف، وقامت الحجة ببيان المخالفة، لم يبق إلا أحد الأمرين، إمّا العقوبة بمقتضي العدل، وإما العفو بمقتضى الفضل، ولكن من شرط الاستغفار حسن النية والتوجُّه والأدب؛ فلو أن أحدًا حصَّل الشروط واستغفر بغير هذا اللفظ الوارد، أو استغفر أحد بهذا اللفظ الوارد، لكن أخلَّ بالشروط؛ هل يتساويان؟ فالظاهر ألا يكون سيد الاستغفار إلا إذا جمع الشروط المذكورة، وإن كان فضل الله أوسع، فعلى العبد التوجه بقدر استطاعته.
والاستغفار استفعال من الغفران، وأصله الغفر، وهو إلباس الشيء ما يصونه عما يُدنِّسه، ويُدَنَّس كلُّ شيء بحَسَبه، والغفران من الله للعبد أن يصونه عن العذاب.
ويُندَب تقديم الاستغفار والتوبة على الدعاء؛ لأن الإجابة تشرع إلى من لم يكن مُتلبسًا بذنب، فإذا قدَّم التوبة والاستغفار قبل الدعاء، كان أمْكَن لإجابته، ولا يختصّ بوقت، وقد أخرج البخاري (١) أنه قال ﷺ : "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة". رواه أبو هريرة.
стр. 4423
وفي رواية أنس (١): "إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة". وهو يحتمل أنه يريد العدد المعين، وأن يريد المبالغة والأكثر، وقد جاء في طريق أخرى من حديث أبي هريرة (٢): "إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة". وأخرج النسائي (٣) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ جمع الناس فقال: "يأيها الناس، توبوا إلى الله؛ فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة". وله من حديث الأغر المزني رفعه مثله (٤)، وهو عنده وعند مسلم (٥): "إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة". وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي ﷺ وهو معصوم من تلبُّسه بالمعصية، وأُجيب عن ذلك بأجوبةٍ؛ منها قول ابن الجوزي (٦): إن الهفوات البشرية لا يسلم منها أحد، والأنبياء وإن عصموا من الكبائر فلم يعصَموا من الصغائر. ومنها قول ابن بطال (٧): إن الأنبياء وإن كانوا أشدَّ الناس اجتهادًا في العبادة؛ لما أعطاهم الله من المعرفة، فهم دائبون في شكره، معترفون له بالتقصير. انتهى. يعني أن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب له تعالى.
ويحتمل أن يكون لاشتغاله بأمر نفسه؛ من أكل، وشراب، ونوم،
стр. 4424
وجماع، وإراحة النفس، ومخاطبة الناس والنظر في مصالحهم، ومداراة الناس وتأليفهم، فيعدّ ذلك ذنبًا بالنظر إلى المقام العَلِيِّ، وهو حضوره في حظيرة القدس. ومنها أن استغفاره تشريع لأمته، أو من ذنوب الأمة كالشفاعة لهم.
وقال الغزالي رحمه الله تعالى في "الإحياء" (١): كان ﷺ دائم الترقي، فإذا ارتقى إلى حال رأى ما قبلها دونها، فاستغفر من الحالة السابقة. وقال السهروردي (٢): لما كان روح النبي ﷺ وقلبه متحركين في العروج، وكانت خطى النفس تقصر عن مداهما في العروج، فاقتضت الحكمة إبطاء حركة القلب؛ لئلا تنقطع علاقة النفس عنه [فيبقى العباد] (أ) محرومين، وكان ﷺ يفزع إلى الاستغفار ليقيد الروح بحركة النفس. انتهى بمعناه.
وأما حديث الغين فاختلفوا في تفسيره؛ فقال القاضي عياض (٣): المراد بالغين فترات عن الذكر الذي شأنه أن يُدام عليه، فإذا فتر عنه لأمرٍ ما، عدّ ذلك ذنبًا فاستغفر له. وقيل: هو شيء يعتري القلب مما يقع من حديث النفس. وقيل: هو السكينة التي تغشى قلبه، والاستغفار لإظهار العبودية لله والشكر لما أولاه. وقيل: هي حالة [خشية] (ب) وإعظام، والاستغفار
стр. 4425
شكرها. ومن ثم قال المحاسبي (١): خوف المقربين خوف إجلال وإعظام. وقال السهروردي (٢): لا يعتقد أن الغين في نفسه نقص، بل هو كمال أو تتمة كمال. ثم (أ) مثَّل ذلك بجفن العين يُسبِل دمعها، ليدفع القذى عن العين مثلًا؛ فإنه يمنع العين من الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفي الحقيقة هو كمال. هذا محصل كلامه، قال: فهكذا بصيرة النبي ﷺ متعرضة للأغْيرة الثائرة من أنفاس الأغيار، فدعت الحاجة إلى [الستر] (ب) على حدقة بصيرته؛ صيانةً لها ووقايةً عن ذلك. انتهى. والله سبحانه أعلم.
وذكر السبكي في "الطبقات" (٣) في ترجمة الرافعي في حديث الغين، وأنه أنكره أبو نصر السراج صاحب كتاب "اللُّمَع" في التصوف، ورد عليه بأن الحديث صحيح، وروي عن شعبة أنه قال: سألت الأصمعي عن الحديث فقال: لو غان عن غير قلب النبي ﷺ لفَسَّرتُه، وأما قلب النبي ﷺ فلا أدري. فكان شعبة [يتعجَّب] (جـ) منه.
وعن الجنيد (٤): لولا أنه حال النبي ﷺ لتكلمت فيه، ولا يتكلم على حاله (د) إلا من كان مشرفًا عليها، وجلَّتْ حاله أن يشرف على [نهايتها] (هـ)
стр. 4426
أحدٌ من الخلق، وتمنّى الصديق ﵁ مع علوّ رتبته أن يشرف عليها، فعنه: ليتني شهدتُ ما استغفر منه رسول الله ﷺ . وعن أبي سعيد الخراز (١): شيء لا يجده إلا الأنبياء وأكابر الأولياء؛ لصفاء الأسرار، وهو كالغيم الرقيق الذي لا يدوم. وذكر الوجه الذي ذكره الغزالي في الاستغفار، قال السبكي (٢): وهذا ما كان يستحسِنُه والدي رحمه الله تعالى ويقرره. انتهى مختصرًا منه بعض الوجوه التي قد تقدمت.
١٣١٤ - وعن ابن عمر ﵄ قال: لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: "اللهم أسألك العافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يديَّ ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي". أخرجه النسائي وابن ماجه، وصححه الحاكم (٣).
قوله: "العافية في ديني". فالمراد بها السلامة من كل ما ينقص الدين، وكذلك الدنيا، وأما عافية الأهل فبالسلامة من عوارض البدن، والمال كذلك السلامة مما ينقصه ويعوقه، وهو مجاز فيما عدا البدن.
وقوله: "اللهم استر عوراتي". جمع عورة، وهو كل ما يُستحيا منه
стр. 4427
إذا ظهر.
وقوله: "وآمن روعاتي". جمع روعة، وهي الفزع.
وقوله: "واحفظني" إلى آخره. المراد الحفظ من جميع الجهات.
واستعاذ من الاغتيال من تحت؛ لأن الاغتيال أخذ الشيء [خفية] (أ)، والعذاب من تحت هو ما يخسف في الأرض؛ كما خسف بقارون، أو بالغرق؛ كما كان في فرعون وقومِ نوح.
١٣١٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك". أخرجه مسلم (١).
قوله: "وفجأة". هي بفتح الفاء وإسكان الجيم، مقصور، وفيها لغة بضم الفاء وفتح الجيم والمد، وهي البغتة.
وهذا الحديث أخرجه مسلم عن أبي زرعة [الرازي] (ب) أحد حفاظ الإسلام وأكثرهم حفظًا، [و] (جـ) لم يرو عنه مسلم في "صحيحه" غير هذا الحديث، وهو من أقران مسلم، توفى بعد مسلم بثلاث سنين سنة أربع وستين ومائتين.
стр. 4428
١٣١٦ - وعن عبد الله بن [عمرو] (أ) ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدَّين، وغلبة العدو، وشماتة الأعداء". رواه النسائي وصححه الحاكم (١).
قوله: "غلبة الدَّين". المراد به ما ثقل قضاؤه على المدين، وأما [ما] (ب) يغلب في ظنه أنه يتمكن من قضائه فلا يُستعاذ منه؛ فإن النبي ﷺ استدان وتكرر منه الاستدانة، ومات ودرعه مرهونة في آصُع من شعير عند يهودي (٢). واستدان عمر وهو خليفة، وقال لما طُعن: انظروا ما عليَّ من الدين. فحسبوه فوجدوه ثمانين ألفًا (٣). ومات الزبير وعليه دين كبير، وغيرهم من الصحابة، وكذلك السلف؛ كطاوس وابن سيرين والشافعي وغيرهم. وقد روى عبد الله بن جعفر مرفوعًا (٤): "إن الله تعالى مع المدين حتى يقضي دينه، ما لم يكن فيما يكره الله تعالى". وكان عبد الله بن جعفر يقول لحارثة: اذهب فخذ لي بدَيْن؛ فإني أكره أن أبيت ليلةً إلا والله معي، بعد ما سمعت من رسول الله ﷺ .
стр. 4429
وقد أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" (١) عن القاسم مولى معاوية أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: "من تداين بدين وهو يريد أن يقضيه، وحريص على أن يؤديه، فمات ولم يقض دينه، فإن الله تعالى قادر على أن يُرضي غريمه بما شاء من عنده، ويغفر للمتوفى، ومن تداين وهو لا يريد أن يقضيه، فمات على ذلك ولم يقض دينه، يقال له: أظننت أنّا لا نوفي فلانًا حقه منك؟ فيؤخذ من حسناته فيجعل زيادة في حسنات رب الدين، وإن لم يكن له حسنات أُخذ من سيئات رب الدين فتُجعل في سيئات الظالم".
فتكون الاستعاذة من الدين الذي لا يقدر المدين على قضائه، وإذا علم من يريد الاستدانة من حاله أنه لا يتمكن من قضاء الدين حرم الاستدانة عليه، وهو الذي ورد عنه ﷺ : "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله". أخرجه البخاري، وقد تقدم (٢).
فمن علم من حاله أنه لا يتمكن من القضاء فقد أراد إتلافها، وقد قالت عائشة للنبي ﷺ : ما أكثر ما تستعيذ من المغرم والمأثم! -والمغرم هو الدين، والمأثم الإثم- قال ﷺ : "إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف" (٣).
فالمستدين متعرض لهذا الأمر العظيم؛ فإنه قد يسأله صاحب الدين وهو لا يتمكن من القضاء في الحال، فيكون منه الوعد الذي لا يفي فيه بما وعد، فالاستعاذة من الدين سدّ للذريعة من الوقوع في هذا المحذور، وقد عوفي
стр. 4430
النبي ﷺ من ذلك، وأعاذه الله تعالى منه، وهذا تعليم لأمته وتحذير من الدخول فيما يؤدي إلى الإثم، ويقال: ما دخل هم الدين قلب أحد إلا ذهب من عقله ما لا يعود إليه أبدًا. أو أنه استعاذ بربه من وقوع ذلك بأمته، ويؤيده أنه قد جاء في الرواية لفظ: "تعوذوا" (١). في غير هذا الحديث،
ولا يعارض الاستعاذة أن المقضي واقع، لاحتمال أن يكون ما يقضى قد يقضى مشروطًا بألا يدعو، فإذا دعا كشف عنه، وفي ذلك إظهار العبد فاقته لربه وتضرعه.
وقوله: "وغلبة العدو". المراد به الغلبة بالباطل؛ لأن العدو في الحقيقة إنما هو المعادي لأمر باطل، إما لأمر ديني، وإما لأمر دنيوي؛ كغصب الظالم لحق غيره مع عدم القدرة على الانتصار منه، أو غير ذلك.
وقوله: "وشماتة الأعداء". هي فرح العدو بضر ينزل بعدوه، يقال: شمت به بكسر الميم، يشمت بفتحها، فهو شامت، وأشمته غيره، والتعوذ في الحقيقة إنما هو من وقوع سبب الشماتة، وهو نزول المضار وتغيّر الأحوال، وقال ابن بطال (٢): شماتة الأعداء ما ينْكأ القلب ويبلغ من النفس أشد مبلغ. نعوذ بالله من كل بلاء، ونسأله العافية من كل نازلة وطارقة.
١٣١٧ - وعن بريدة ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يقول: اللهم إنّي أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. فقال: "لقد
стр. 4431
سأل الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب". أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان (١).
وفي رواية لأبي داود (٢): "لقد سألت الله تعالى بالاسم الأعظم". قال المنذري (٣): قال شيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي: هذا -يعني الإسناد الذي ساقه أبو داود- لا مطعن فيه، ولا أعلم أنه روي في هذا الباب حديث أجود إسنادًا منه. قال: وهو يدل على بطلان مذهب من ذهب إلى نفي القول بأن لله تعالى اسمًا هو الاسم الأعظم. انتهى.
وهذا الدعاء الجليل متضمن لمعان لطيفة من التوحيد والثناء، فقوله: "أنك أنت الله". إثبات للذات، وقوله: "لا إله إلا أنت". نفي للشريك وكل ما سواه، وقوله: "الأحد". صفة كمال؛ لأن الأحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن (أ) التركيب والتعدد وما يستلزم أحدهما، كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها؛ كوجوب الوجود والقدرة الذاتية
стр. 4432
والحكمة المقتضية للألوهية.
و"الصمد" هو السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج ويُقصد، والمتصف به على الإطلاق، هو الذي يستغني عن غيره مطلقًا وكل ما عداه يحتاج إليه، قال الغزالي (١): ومن [جعَله] (أ) الله مقصد عباده في أمر دينهم ودنياهم، وأجرى على يده حوائج خلقه، فهو حظُّه من هذا الاسم.
وقوله: "الذي لم يلد". [لأنه] (ب) لم يجانس ولم يفتقر إلى ما يعينه أو يخلف عنه؛ لامتناع الحاجة و [الفناء] (جـ) عليه. وإنما نفى عنه الولادة في الماضي لأنه في سورة "الإخلاص" للرد على من قال: الملائكة بنات الله. وقول من قال: المسيح وعزير ابن الله. وجاء في هذا الدعاء على وفق ما في السورة الكريمة، ولانتفاء الولادة في الماضي والحال والمستقبل، أو ليجانس قوله: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾. وهو إنما يكون في الماضي.
وقوله: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾. لأنه لا يفتقر إلى شيء ولم يسبقه عدم.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. أي: لم يكن أحد يكافئه -أي يماثله- من صاحبة ولا غيرها، ولفظ "أحد" اسم "يكن" و"كفوًا" الخبر،
стр. 4433
و"له" متعلق بـ ﴿كُفُوًا﴾؛ لبيان من [نُفيت] (أ) عنه المكافأة، وإنما قدم الخبر على الاسم لأن المقصود نفي المكافأة، فكان تقديمها أولى، وقدم الظرف للاهتمام بذكر من [نُفيت] (ب) عنه المكافأة. نقل صاحب "الانتصاف" (١) عن سيبويه (٢) أنه سمع بعض جفاة العرب يقول: ولم يكن أحد كفوًا له. وجرى على ما هو الأصل في الكلام؛ وخفي عن طبعه لطف المعنى الذي لأجله اقتضى تقدم الظرف والخبر.
واعلم أن العلماء اختلفوا في أنه هل يوصف شيء من الأسماء بأنه الاسم الأعظم أو لا؟ فذهب قوم (٣) إلى إنكاره؛ كأبي جعفر الطبري وأبي الحسن الأشعري وأبي حاتم ابن حبان والقاضي أبي بكر الباقلاني، فقالوا: لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض. ونسب بعضهم ذلك إلى مالك، وأخذه عن قول مالك أنه يكره أن تعاد سورة أو تُردَّد دون غيرها من السور؛ لئلا يُظَن أن بعض القرآن أفضل من بعض، [فيؤذن] (جـ) باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل. وحملوا ما ورد من ذلك على أن المراد بالأعظم: العظيم، وأن أسماء الله تعالى كلها عظيمة. وعبارة أبي جعفر الطبري (٣): اختلفت الآثار
стр. 4434
في تعيين [الاسم] (أ) الأعظم، والذي عندي أن الأقوال كلها صحيحة؛ إذ لم يرد في خبر منها تعيين أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه. فكأنه يقول: كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم، فيرجع إلى معنى: عظيم. وقال ابن حبان (١): الأعظمية الواردة في الأخبار إنما يراد بها مزيد الثواب للداعي بذلك، كما أطلق ذلك في القرآن والمراد به مزيد ثواب القارئ.
و [قيل] (ب): المراد بالاسم الأعظم كل اسم من أسماء الله تعالى دعا العبد به ربه مستغرقًا، بحيث لا يكون في فكره حالتئذٍ غير الله، فإن من تأتى له ذلك استجيب له. ونُقل معنى هذا عن جعفر الصادق والجنيد وغيرهما.
وقال آخرون: إن الاسم الأعظم معين. واختلفوا في ذلك؛ قال المصنف ﵀ (١): جملة ما وقفت عليه من ذلك أربعة عشر قولًا؛
الأول: أنه لفظ "هو". نقله الفخر الرازي عن بعض أهل الكشف، واحتج له بأن من أراد أن يعبر عن كلامِ معظَّمٍ بحضرته لا يقول له: أنت قلت كذا. وإنما يقول: هو. تأدبًا معه.
الثاني: لفظ "الله". لأنه اسم لم يطلق على غيره، ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى، ومن ثم أضيفت إليه.
стр. 4435
الثالث: "الله الرحمن الرحيم". ولعل سنده ما أخرجه ابن ماجه (١) عن عائشة أنها سألت النبي ﷺ أن يعلِّمها الاسم الأعظم فلم يفعل، فصلّت ودعت: اللهم إني أدعوك الله، وأدعوك الرحمن، وأدعوك الرحيم، وأدعوك بأسمائك الحسنى كلها، ما علمتُ منها وما لم أعلم. الحديث.
وفيه أنه ﷺ قال لها: "إنه لفي الأسماء التي دعوت بها". قلت: وسنده ضعيف، وفي الاستدلال به نظر لا يخفى، وجه النظر أنها جمعت الأسماء كلها، فلم تتعين في الثلاثة الأسماء.
الرابع: "الرحمن الرحيم الحي القيوم". لما أخرج الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد أن النبي ﷺ قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الايتين؛ ﴿[و] (أ) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، وفاتحة سورة "آل عمران": ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. أخرجه أصحاب "السنن" إلا النسائي (٣)، وحسنه الترمذي وفي نسخة صحيحة: وفيه نظر؛ لأنه من رواية شهر بن حوشب (٤).
الخامس: "الْحَيُّ الْقَيُّومُ". أخرج ابن ماجه من حديث أبي أمامة (٥): "الاسم الأعظم في ثلاث سور؛ سورة "البقرة"، و "آل عمران"، و "طه"".
стр. 4436
قال القاسم عن أبي أمامة (١): التمسته فيها فعرفت أنه الحي القيوم. وقواه الفخر الرازي (٢)، واحتج بأنهما يدلان من صفات العظمة بالربوبية ما لا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما، وذلك لأن معنى الحي هو الفعال الدرَّاك، فمن لا فعل له ولا إدراك فهو ميت، والحي الكامل هو الذي يندرج جميع المدركات تحت إدراكه حتى لا يشذ عن [علمه] (أ) مدرك وهو الله تعالى، فكل شيء سواه فحياته بقدر إدراكه. والقيوم قال مجاهد (٣) وأبو عبيدة (٤): هو القائم على كل شيء؛ أي [يدبر] (ب) أمر خلقه ويقوم به كل موجود، حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به. قال ابن عباس: هو الذي لا يزول. وفيه لغات؛ قيِّم، وقيّام.
قال الغزالي (٥): وحظّ العبد منه بقدر استغنائه عما سوى الله تعالى، فكل من قام بنفسه في أموره ولم يفتقر إلى مخلوق فهو قائم بالله تعالى.
السادس: "الحنّان المنّان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام". أخرجه أبو يعلى (٦) من طريق السّريّ بن يحيى عن رجل من طيّئ
стр. 4437
وأثنى عليه، قال: كنت أسأل الله تعالى أن يريني الاسم الأعظم فرأيته مكتوبًا في الكوكب في السماء.
السابع: "ذو الجلال والإكرام". أخرج الترمذي (١) من حديث معاذ بن جبل قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يقول: يا ذا الجلال والإكرام. فقال: "قد استجيب لك فسل". واحتج له الفخر (٢) بأنه يشمل جميع الصفات المعتبرة في الإلهية؛ لأن في الجلال إشارة إلى جميع السلوب، وفي الإكرام إشارة إلى جميع الصفات (أ).
الثامن: "الله لا إله إلا هو الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد". أخرجه أبو داود (٣)، وهو المذكور في الأصل.
التاسع: "رب، رب". أخرجه الحاكم (٤) من حديث أبي الدرداء وابن عباس [بلفظ: اسم الله الأكبر، رب رب. وأخرج ابن أبي الدنيا (٥) عن عائشة]: (ب): إذا قال [العبد] (جـ): يا رب، يا رب. قال الله تعالى: لبيّك عبدي، سل تعط". ورواه مرفوعًا.
العاشر: دعوة ذي النون. أخرج النسائي والحاكم (٥) عن فضالة بن عبيد
стр. 4438
رفعه: "دعوة ذي النون في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع بها رجل مسلم قط إلا استجاب الله له".
الحادي عشر: نقل الفخر الرازي (١) عن زين العابدين أنه سأل الله تعالى أن يعلمه الاسم الأعظم، فرأى في المنام: هو الله الله الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم.
الثاني عشر: هو مخفي في الأسماء الحسنى. ويؤيده حديث عائشة المتقدم، لما دعت ببعض الأسماء وبالأسماء الحسنى، فقال لها ﷺ : "إنه لفي الأسماء التي دعوت بها".
الثالث عشر: كلمة التوحيد. نقله عياض.
الرابع عشر: ما روي عن ابن عباس مرفوعًا (٢) أنه قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ إلى آخر الآية (٣). وفي سنده جسر بن فرقد (٤). انتهى مع زيادة ألحقتها.
١٣١٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح يقول: "اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا، وبك نحيا وبك نموت، وإليك النشور". وفي المساء قال مثل ذلك، إلا أنه قال: "وإليك المصير". أخرجه الأربعة (٥).
стр. 4439
[قوله] (أ): "بك أصبحنا". أي: بقوتك وإيجادك أصبحنا , أي دخلنا في وقت الصباح، والصباح من طلوع الفجر، والمساء من غروب الشمس.
وقولة: "وإليك النشور". يقال: نشر الميت، ينشر نشورا. إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله أحياه. وناسب في الصباح؛ لأنه يكون فيه القيام من النوم، والنوم يشبه بالموت، والقيام منه بالحياة. وناسب في المساء: "وإليه المصير"؛ لأنه ينام فيه، والنوم يشبه بالموت، والميت يقال في حقه: إنه صار إلى الله تعالى. أي إلى دار جزائه من ثواب وعقاب.
١٣١٩ - وعن أنس ﵁ قال: كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ : "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". متفق عليه (١). رواه البخاري بلفظ الآية، وفي رواية أخرى (٢) له بلفظ: "اللهم [ربنا] (ب) آتنا في الدنيا حسنة". بزيادة "اللهم". وجاء في رواية مسلم قال: سأل قتادة أنسًا: أي دعوة كان يدعو بها النبي ﷺ أكثر؟ قال: "اللهم آتنا في الدنيا حسنة" إلخ. وأورده مسلم في رواية أخرى من دون زيادة: "اللهم" (٣).
وأخرج ابن أبي حاتم (٤) من طريق أبي نعيم، ثنا عبد السلام أبو طالوت: كنت عند أنس فقال له ثابت: إن إخوانك يسألونك أن تدعو لهم. فقال:
стр. 4440
اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وذكر القصة وفيها: إذا آتاكم الله ذلك فقد آتاكم الخير كله. قال القاضي عياض (١): إنما كان يكثر الدعاء بهذه الآية؛ لجمعها معاني الدعاء كله من أمر الدنيا والآخرة. قال: والحسنة عندهم ها هنا النعمة، [فسأل نعيم] (أ) الدنيا والآخرة والوقاية من العذاب. نسأل الله تعالى أن يمنّ علينا بذلك.
وقد جاءت عن السلف عبارات مختلفة؛ فقال الحسن: الحسنة العلم والعبادة في الدنيا، وفي الآخرة الجنة. أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح (٢)، وعنه بسند ضعيف (٣): الرزق الطب والعلم النافع، وفي الآخرة الجنة. وتفسير الحسنة في الآخرة بالجنة، نقله ابن أبي حاتم (٤) أيضًا عن السدّي ومجاهد وإسماعيل بن أبي خالد ومقاتل بن حيان. وعن ابن الزبير (٥): يعملون في دنياهم وآخرتهم. وعن قتادة (٦): هي العافية في الدنيا والآخرة. وعن محمد بن كعب القرظي (٧): الزوجة الصالحة من الحسنات. ونحوه عن يزيد بن [أبي] (جـ) مالك. وأخرج ابن المنذر (٨) من طريق سفيان الثوري قال:
стр. 4441
[الحسنة في الدنيا الرزق الطيب والعلم، وفي الآخرة الجنة. ومن طريق سالم بن عبد الله بن عمر قال] (أ): الحسنة في الدنيا المنى. ومن طريق السدّي (١) قال: المال. ونقل الثعلبي عن السدي ومقاتل: حسنة الدنيا الرزق الحلال الواسع والعمل الصالح، وحسنة الآخرة المغفرة والثواب. وعن عطية: حسنة الدنيا العلم والعمل به، وحسنة الآخرة تيسير الحساب ودخول الجنة. وبسنده عن عوف قال: من آتاه الله الإسلام والقرآن والأهل والمال والولد فقد آتاه الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. وأخرج ابن المنذر (٢) عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: حسنة الدنيا الثناء. ونقل الثعلبي عن سلف الصوفية أقوالًا أخرى متغايرة اللفظ متوافقة المعنى حاصلها السلامة في الدنيا والآخرة. واقتصر في "الكشاف" (٣) على ما رواه الثعلبي [عن] (أ) علي أنها في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء، ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: المرأة السوء. وقال الشيخ عماد الدين بن كثير (٤): الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي؛ من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، وولد بار، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنىّ، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما تشمله عباراتهم فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة، فأعلاها دخول الجنة وتوابعه من الأمن [من الفزع الأكبر
стр. 4442
في العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة] (أ)، وأما الوقاية من عذاب النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا؛ من اجتناب المحارم، وترك الشبهات. قلت (١): أو العفو محضًا. ومراده بقوله: وتوابعه. ما يلتحق به في الذكر لا ما [يَتْبَعُه] (ب) حقيقة. والله سبحانه أعلم.
١٣٢٠ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقول: "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني؛ أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير". متفق عليه (٢).
قوله: "اغفر لي خطيئتي". الخطيئة الذنب، يقال: خطئ يخطأ، ويجوز تسهيل الهمزة بقلبها ياء فيقال: خطيّة. بالتشديد.
وقوله: "وجهلي". الجهل ضد العلم.
وقوله: "وإسرافي في أمري". الإسراف مجاوزة الحد في كل شيء، و"في أمري". متعلق بـ "إسرافي"، ويحتمل أن يتعلق بجميع ما تقدم.
وقوله: "جدي وهزلي". كذا في مسلم بلفظ "جدي" وفي البخاري: "جهلي وهزلي". والذي في مسلم أنسب؛ لأن الجد بكسر الجيم ضد الهزل.
стр. 4443
وقوله: "وخطئي وعمدي". وقع في رواية الكشميهني (١) في طريق إسرائيل بإفراد: "خطئي". وكذا ذكره البخاري في "الأدب المفرد" (٢) بالطريق التي في "الصحيح"، وهو المناسب لذكر العمد؛ لأن المراد به المصدر، فيكون الخطأ كذلك مصدرا مفردا، وجمهور رواة البخاري رووه بصيغة: "خطاياي". جمع خطيئة، وعطفه على ما تقدم من عطف العام على الخاص؛ فإن الخطيئة تكون عن خطأ هزل وعن جدٍّ. وتكرير هذه المعطوفات لتعديد الأنواع التي تقع من الإنسان، والاعتراف بها، وإظهار أن النفس غير مبرأة من العيوب إلا من رحم علّام الغيوب.
وقوله: "وكل ذلك عندي". أي: موجود أو ممكن.
وقوله: "ما قدمت". أي: ما مضى من الذنوب. "وما أخرت". أي: ما يكون في المستقبل. وهذا شامل لجميع ما يتصف به الإنسان.
وقوله: "أنت المقدم". أي: تقدم من تشاء من خلقك، فيتصف بصفات الكمال، ويتحقق بحقائق العبودية بتوفيقك. "وأنت المؤخر". أي: تؤخر بخذلانك وتبعيدك من تشاء، فيصير في حضيض الصفات وأرذلها.
وقوله: "وأنت على كل شيء قدير". وقع في رواية عليٍّ (٣) ﵁: "لا إله إلا أنت". بدل قوله: "وأنت على كل شيء قدير".
قال الطبري (١) بعد أن ذكر استشكال صدور هذا الدعاء من النبي ﷺ
стр. 4444
مع قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (١). ما حاصله أنه ﷺ امتثل ما أمر الله به من تسبيحه وسؤاله المغفرة في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ (٢). قال: وزعم قوم أن استغفاره عما يقع منه بطريق السهو والغفلة، أو بطريق الاجتهاد مما لا يصادف [ما] (أ) في نفس الأمر. وتعقب بأنه لو كان كذلك للزم منه أن الأنبياء يؤاخذون بمثل ذلك، فيكونون (ب) أشدّ حالًا من أممهم. وأجيب بالتزامه. قال المحاسبي (٣): الملائكة والأنبياء أشد خوفا ممن دونهم، وخوفهم خوف إجلال وإعظام، واستغفارهم من التقصير لا من الذنب المحقق. وقال عياض: يحتمل أن يكون قوله: "اغفر لي خطيئتي". وقوله: "اغفر لي ما قدمت وما أخرت". على سبيل التواضع والاستكانة والخضوع والشكر لربّه لما علم أنه قد غفر له. وقيل: على ما مضى من قبل النبوة. وقال قوم: على الصغيرة، ووقوعها منهم جائز. وقيل: هذا مثل قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾. أي من ذنب أبيك آدم، ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾. من ذنوب أمتك. وقال القرطبي (٤): وقوع الخطيئة من الأنبياء جائز، يعني غير محال؛ [لأنهم] (أ) مكلفون، فيخافون وقوع ذلك، ويتعوذون منه.
وقوله في أول الحديث: كان النبي ﷺ يدعو بهذا الدعاء. قال
стр. 4445
المصنف رحمه الله تعالى (١): لم أر في شيء من طرقه محل الدعاء بذلك، وقد وقع معظم آخره في حديث ابن عباس (٢)، أنه ﷺ كان [يقوله] (أ) في صلاة الليل، وتقدم بيانه. ووقع في حديث عليّ عند مسلم أنه كان [يقوله] (أ) في آخر الصلاة. واختلفت الرواية؛ هل كان يقوله قبل السلام أو بعده؛ ففي رواية لمسلم (٣): ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والسلام: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أسرفت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني؛ أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت". وفي رواية له (٤): وإذا سلم قال: "اللهم اغفر لي ما قدمت". إلى آخره. ويجمع بينهما على إرادة السلام في الرواية الثانية؛ لأن مخرج الطريقين واحد. وأورده ابن حبان في "صحيحه" (٥) بلفظ: كان إذا فرغ من الصلاة وسلم. وهذا ظاهر في أنه بعد السلام، ويحتمل أنه كان يقول ذلك قبل السلام وبعده. وقد وقع في حديث ابن عباس نحو ذلك كما بينته في شرحه. انتهى.
١٣٢١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر". أخرجه مسلم (٦).
стр. 4446
تضمن هذا الحديث الدعاء بخير الدنيا والآخرة، وفيه دلالة على أنه يجوز الدعاء بالموت إذا خاف على نفسه الفتنة، وظاهره: ولو كانت الفتنة في الدنيا بوقوع المضار، ولكنه معارض بحديث: "لا يتمنَّيَن أحدكم الموت لضر نزل به" (١). ويحمل هذا على أن المراد بالشر ما كان من الشرور المتعلقة بالدين. والله أعلم.
١٣٢٢ - وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وارزقني علما ينفعني". رواه النسائي والحاكم (٢)، وللترمذي (٣) من حديث أبي هريرة نحوه، وقال في آخره: "وزدني علما، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار". وإسناده حسن.
في الحديث دلالة على أن العلم الذي يطلبه الإنسان ويسأل الله تعالى أن يعلمه إياه إنما هو ما كان نافعا، والنفع الحقيقي ما كان يتعلق بأمر المعاد، وما لم يكن بهذه المثابة فليس مطلوبا من الله تعالى ولا ينبغي الاشتغال به.
١٣٢٣ - وعن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ علمها هذا الدعاء: "اللهم إني أسألك من الحير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وأجله، ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك، وأعوذ بك من
стр. 4447
شر ما عاذ به عبدك ونبيك، اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرا". أخرجه ابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم (١).
الحديث تضمن الدعاء بخير الدنيا والآخرة، والاستعاذة من شر الدنيا والآخرة، وتكرير ما يؤدي هذا المعنى إظهارا للتخضع والتخشع واللجء إلى الله سبحانه، والامتثال بما أمر به من إخلاص الدعاء له والتذلل بين يديه، وإطالة الكلام مع الأحباب.
١٣٢٤ - وأخرج الشيخان (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم".
قوله: "كلمتان". الكلمة مراد بها الكلام، [فإنها] (أ) قد تستعمل في معنى الكلام، كقولهم: قال كلمة الشهادة. وهي خبر للمبتدأ وهو قوله: "سبحان الله". وصح الابتداء به، وإن كان جملة؛ لأنه في معنى هذا اللفظ، وقدم الخبر لتشويق السامع إلى المبتدأ باعتبار ما ذكره بعده من الأوصاف.
стр. 4448
وقوله: "حبيبتان". أي محبوبتان. والمعنى: محبوب قائلهما (١).
ومحبة الله للعبد تقدم حقيقتها في كتاب الزهد قريبا.
وقوله: "إلى الرحمن". خص الرحمن بالذكر؛ لأن المقصود بيان سعة رحمة الله تعالى على عباده؛ حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل.
وقوله: "خفيفتان". تثنية خفيفة، فعيلة بمعنى فاعلة.
وقوله: "ثقيلتان". قال الكرماني (٢): إن قيل: فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولا سيما إذا كان موصوفه مذكورا، فما وجه التأنيث في: "ثقيلتان"؟ ثم أجاب بأن ترك التأنيث جائز لا واجب، وأيضًا ذاك إنما هو في المفرد لا المثنى، أو أنه أنث لمزاوجة "خفيفتين"، أو لأنها بمعنى الفاعل، أو أن التاء [للنقل] (أ)، وهو أنه نقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، والجواب الأحسن أنها بمعنى الفاعل فلا يرد السؤال، ولا يظهر وجه كونها بمعنى المفعول [إذ] (ب) الفعل لازم، ووصف الكلمتين بالخفة والثقل لبيان قلة العمل وكثرة الثواب، وفي هذه الألفاظ الثلاثة سجع مستعذب، وليس من السجع المنهي عنه؛ لأن المنهي عنه ما كان متكلفا أو متضمنا لباطل، وأما ما جاء عفوا من غير قصد إليه فلا محذور فيه، قال الطيبي (٣): الخفة مستعارة للسهولة، شبه سهولة جريانها على اللسان بما
стр. 4449
خف على الحامل من بعض الأمتعة فلا يتعبه، كالشيء الثقيل، وفيه إشارة إلى أن سائر التكاليف صعبة شاقة على النفس ثقيلة، وهذه سهلة عليها، مع أنها تثقل في الميزان كثقل الشاق من التكاليف، وقد سئل بعض السلف عن سبب ثقل الحسنة، وخفة السيئة فقال: لأن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت، فلا يحملنك ثقلها على تركها، والسيئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها فلذلك خفت، فلا تحملنك خفتها على ارتكابها.
والحديث فيه دلالة على ثبوت الميزان، وأنه ميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال، وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على ثبوته، والحمل على الحقيقة هو المتبادر من اللفظ عند الإطلاق، والحمل على المجاز إنما هو يكون عند تعذر حمل اللفظ على معناه الحقيقي، وقد ذهب إلى ذلك أهل السنة قاطبة، [وأنكره] (أ) الجمهور من المعتزلة، وقال المصنف رحمه الله تعالى حكاية عن أبي إسحاق الزجاج (١): أنكرت المعتزلة الميزان وقالوا: هو عبارة عن العدل. [فخالفوا] (ب) الكتاب والسنة؛ لأنه أخبر تعالى أنه يضع الموازين لوزن الأعمال؛ ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين. وقال ابن فورك (١): أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها؛ إذ لا تقوم بأنفسها قال: وقد روى بعض المتكلمين عن ابن عباس أن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها. انتهى.
стр. 4450
ونسب في "شرح القلائد" للنجري (١) الخلاف إلى مجاهد من التابعين وإلى الإمام الهادي يحيى بن الحسين، وأن الميزان مجاز عن إقامة الحساب على السواء للأعمال صغيرها وكبيرها بالعدل والنصفة من غير أن يظلم عباده مثقال ذرة. قالوا: لأنه لا فائدة فيه؛ لعلم الخلق ضروريا يوم القيامة بعدل الله وحكمته ومقادير ما يستحقونه من الثواب والعقاب. انتهى. وقد أخرج [الطبري] (أ) (٢) الرواية عن مجاهد. ثم اختلفوا في الميزان، هل هو ميزان واحد أو لكل إنسان ميزان، أو لكل عمل ميزان؟ وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ (٣). بلفظ الجمع يدل [على] (ب) التعدد، فذهب البعض إلى أن الجمع على حقيقته، ويكون التعدد على أحد الوجهين. وذهب البعض إلى أنه ميزان واحد، والجمع إنما هو باعتبار تعدد الأعمال الموزونة أو الأشخاص، ويؤيد تعدد الأعمال قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾. ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ (٤). ويحتمل أن يكون الجمع