المرأة لم يؤاكلوها، فقال النبي ﷺ : اصنعوا كل شيء إلا النكاح". رواه مسلم (١).
الحديث فيه دلالة على أنه يجوز مؤاكلة الحائض وملامستها ومضاجعتها ومباشرتها إلا النكاح، والمراد به الوطء مجازا من إطلاق السبب على المسبب.
واتفق العلماء على تحريم الوطء فمن فعله عالما عصى، ومن استحله كفر لأنه محرم بنص القرآن (٢)، ولا يرتفع التحريم إلا بقطع الدم والاغتسال عند الأكثر.
وقوله: "اصنعوا كل شيء": يعني من المضاجعة والمؤاكلة ونحوها، وهو تفسير للآية (أ) إذ (ب) الحديث المذكور مختصر. والحديث تمامه في مسلم قال: "إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت. فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ الآية (٣). فقال رسول الله ﷺ "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل (جـ أن يدع جـ) من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا (د): يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا فلا نجامعهن، فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما مخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبي ﵌ فأرسل في آثارهما، فسقاهما فعرفا أنه لم يجد عليهما. انتهى.
стр. 492
وقوله: ولم يجامعوهن في البيوت: أي لم يخالطوهن ولم يساكنوهن في بيت واحد. وقوله: فسأل (أأصحاب النبي أ) ﷺ : هل تجانبوهن في الأكل والشرب ونحوهما كما فعلت اليهود؟ فأنزل الله الآية. وقوله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (١) أي عن حكم زمان الحيض (ب) ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ أي قذر نجس يتأذى أزواجهن بمجامعتهن في ذلك الوقت فاعتزلوا أي ابعدوا منهن في المحيض (جـ) أي في مكان الحيض وهو الفرج يعني الحيض أذى يتأذى الزوج من مجامعتها فقط، وليس أذى في سائر الأعضاء حتى يخرجها الزوج من فراشه ومجلسه، ويترك مؤاكلتها كفعل اليهود.
١١٨ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يأمرني فَأتَّزِرُ فَيُباشِرُنِي وأنا حائض". متفق عليه (٢).
الحديث فيه دلالة على جواز مباشرة الحائض، وقد تقدم في الحديث الأول، إلا أنه زاد هنا الاتزار فأفهم أن مباشرته فيما دون الإِزار، ولكنه لا يدل على الوجوب بل على الاستحباب، لا سيما مع عموم الحديث الأول، وأمر بها بالإِتزار اتقاء عن موضع الأذى، والمباشرة أريد بها المفهوم من ظاهر اللفظ، وهو الإِفضاء بالبشرتين دون الكناية عن الجماع، والمعنى أنه كان يدخل معي في اللحاف فتمس بشرته بشرتي.
стр. 493
واعلم أن مباشرة الحائض على ضربين: ضرب مجمع على جوازه إلا ما يحكى عن عَبِيْدَة السلماني (١) من أنه لا يباشر شيئًا منها بشيء منه، لكنه شاذ منكر غير معروف ولا مقبول مسبوق بالإجماع محجوج بالأحاديث الصحيحة. والضرب الثاني فيما داخل الإزار وهو ما بين السرة والركبة في غير الفرجين، فذهب الهادي ومالك (٢) ومحمد أَن ذلك جائز غير مكروه، وقال القاسم (٣) إن ذلك مكروه، وقال أَبو حنيفة وأحد قولي الشافعي (٤) أن ذلك محظور. والقول الأول أقوى، لقوله: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" وقد عرفت توجيه اقتصار النبي ﷺ ، وممن ذهب إليه من السلف عكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي والحكم والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأصبغ وإسحق بن راهويه وأبو ثور وابن المنذر وداود (٥)، وممن ذهب إلى التحريم من السلف سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وعطاء وسليمان بن يسار وقتادة، وقول لأصحاب الشافعي إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج ويثق من نفسه باجتنابه إما لضعف شهوته، وإما لشدة ورعه جاز وإلا فلا. وهذا وجه حسن. وهذا هو الذي أشارت إليه عائشة ﵂ حيث قالت: "وأيكم (أ) يملك إربه" (٦).
١١٩ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: "يتصدق بدينار أو نصف دينار" رواه الخمسة وصححه الحاكم وابن القطان ورجح غيرهما وقفه (٧).
стр. 494
الحديث فيه أربع روايات: فرواية "يتصدق بدينار. إن جامع (أفي إقبال الدم، وبنصفه إن جامع في أ) إدباره".
ورواية "إذا وطئها في إقبال الدم فدينار، وإن وطئها في إدبار الدم بعد انقطاعه وقبل الغسل فعليه نصف دينار".
وفي رواية "إذا وقع بأهله وهي حائض، إن كان دما أحمر فليتصدق بدينار وإن كان أصفر فليتصدق بنصف دينار".
ورواية "من أتى حائضا فليتصدق بدينار أو نصف دينار".
وهذه الروايات الأربع مدارها على عبد الكريم بن أمية (١)، وهو مجمع على تركه، إلا أنه توبع في بعضها، وأعلت الطرق كلها بالاضطراب إلا الرابعة، فكل رواتها مخرج لهم في الصحيح وقد استوفى الكلام على تفصيل ما فيها في "التلخيص" فليرجع إليه (ب).
стр. 495
والحديث يدل على وجوب الكفارة، برقد قال بذلك الحسن البصري (١) وسعيد، وهي عتق رقبة [لأنه وطء يحرم (أ) فأشبه المجامع في رمضان] (ب)، وروي أيضًا عن ابن عباس، وقيل: دينار ونصف دينار على اختلاف بينهم في الحال (٢) الذي يجب فيه الدينار أو نصف الدينار، وذهب مالك والجديد من قولي الشافعي وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه وجماهير السلف أنه لا كفارة عليه (٣). قال الشافعي في أحكام القرآن: لو كان هذا الحديث ثابتا لأخذنا به. انتهى.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: الاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه
стр. 496
كثير جدًّا، و (أ) قال الخطابي (١): قال أكثر أهل العلم: لا شيء عليه، وزعموا أن هذا الحديث مرسل أو موقوف على ابن عباس، قال: والأصح أنه متصل مرفوع، لكن الذمم بريئة إلا أن تقوم الحجة بشغلها، وقال ابن عبد البر (٢): حُجةُ من لم يوجب اضطرابُ هذا الحديث، وإن الذمة على البراءة، ولا يجب أن يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه ولا مطعن عليه، وذلك معدوم في هذه المسألة.
وقد أمعن ابن القطان (ب) القول في تصحيح هذا الحديث، والجواب عن (جـ) طرق الطعن فيه بما يراجع منه، وأقر ابن دقيق العيد (٣) تصحيح ابن القطان وقواه (د) في الإمام وهو (هـ) الصواب، فكم من حديث قد احتجوا به فيه من الاختلاف أكثر من هذا وفي هذا رد على النووي في دعواه في شرح المهذب والتنقيح والخلاصة (٤) أن الأئمة كلهم خالفوا الحاكم في تصحيحه وأن الحق أنه ضعيف باتفاقهم، وتبع النووي في ذلك ابن الصلاح والله أعلم.
١٢٠ - وعن أَبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أليس إذا حاضت المرأة لم تصل، ولم تصم؟ " متفق عليه (٥) في حديث تمامه: "فذلك من نقصان دينها". ورواه (و) مسلم من
стр. 497
حديث ابن عمر بلفظ: "تمكث الليالي ما تصلى، وتفطر في شهر رمضان، فهذا نقصان دينها" (١)، ومن (أ) حديث أبي هريرة كذلك (٢)، وفي المستدرك (٣) من حديث ابن مسعود نحوه، ولفظه: "فإن إحداكن تفعل ما شاء الله من يوم وليلة فلا تسجد لله سجدة".
وفي الحديث دلالة على (ب) أن الحائض لا تجب عليها الصلاة والصوم إذ خروج اللفظ مخرج الإخبار عن الحالة التي بنيت عليها الحائض، واستقر أمرها عليه، وهذا أمر مجمع عليه في أنهما لا يجبان (جـ) عليها في حال الحيض، وأنه لا يجب عليها قضاء الصلاة إلا عند الخوارج (٤)، وفي أن الصوم يجب قضاؤه عليها، قال العلماء: والفرق بينهما أن الصلاة كثيرة متكررة فيشق قضاؤها، بخلاف الصوم فإنه يجب (د) في السنة مرة، واختلف العلماء في أن القضاء هل هو بأمر محدد أو بأمر الأداء؟ والصحيح أنه بأمر محدد وهو حديث عائشة "كنا نحيض مع النبي ﷺ ولا يأمرنا به" (٥). أخرجه البخاري.
[وفي إحدى روايات مسلم (٦): "كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء
стр. 498
الصلاة" (أوفي رواية للترمذي والدارمي: "فيأمرنا بقضاء الصوم ولا يأمرنا بقضاء الصلاة"أ) (١) وقال: حسن] (ب).
١٢١ - وعن عائشة ﵂ قالت: لما جئنا سَرِف حضت، فقال النبي ﷺ : "افعلي ما يفعل الحاجُّ، غيرَ أن لا تَطُوفي بالبيت حتى تطهري" متفق عليه (٢) في حديث.
سَرِف (٣): بفتح السين المهملة وكسر الراء، وهو ما بين مكة والمدينة بِقُرْب مكة على أميال منها، قيل: ستة، وقيل: سبعة، وقيل: تسعة (جـ)، وقيل: عشرة، وقيل: اثنا عشر ميلا.
وفي الحديث دلالة على أن الحائض والنفساء والجنب والمحدث يصح منهم جميع أفعال الحج وأقواله وهيئاته إلا الطواف وركعتيه، وهذا مجمع عليه واختلف في علة عدم صحة الطواف، فمن اشترط في الطواف الطهارة قال: العلة عدم الطهارة، ومن لم يشترط كأبي حنيفة وداود قالوا: العلة كونها ممنوعة من اللبث في المسجد (٤) والله أعلم.
стр. 499
والحديث لفظه في البخاري: قالت: "خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سَرِف طَمِثْتُ، فدخل النبي ﷺ وأنا أبكي فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام، قال: لعلك نُفِسْت، قلت: نعم، قال فإن ذلك شيء كتبه الله (أ) علي بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري".
١٢٢ - وعن معاذ ﵁ أنه سأل النبي ﷺ : ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: "ما فوق الإِزار"، رواه أَبو داود وضعفه (١).
هو أَبو عبد الرحمن معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي الجشمي، أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله بن مسعود، وقيل: جعفر بن أَبي طالب، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد، وبعثه (ب) إلى اليمن قاضيا ومعلما، وجعل إليه قبض الصدقات من
стр. 500
العمال باليمن. روى عنه: عمر، وابن عمر وابن عباس وابن عمرو وأنس وغيرهم، وكان إسلامه وهو ابن ثمان عشرة سنة في قول، استعمله عمر على الشام بعد أبي عبيدة فمات من عامه ذلك في (أ) طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وقيل سبع عشرة وله ثمان وثلاثون سنة وقيل: ثلاث أو أربع وثلاثون، وقيل غير ذلك (١).
الحديث ضعفه أَبو داود، وقال: ليس بالقوي ببقية عن سعيد بن عبد الله الأغطش، (ب ورواه الطبراني (٢) من رواية إسماعيل بن عياش عن سعيد بن عبد الله الخزاعي، فإن كان هو الأغطش ب) فقد توبع (٣).
والحديث فيه دلالة على أنه يحرم مباشرة محل الإِزار، وهو ما بين السرة وتحت الركبة (جـ)، إذ الإِزار مجاز عن ذلك، وهو معارض بحديث: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" (٤)، وقد عرفت ما فيه، وتقدم الكلام على فقه الحديث والخلاف في ذلك.
١٢٣ - وعن أم سلمة ﵂ "كانت النفساء تقعد في عهد رسول الله ﷺ بعد نفاسها أربعين". رواه الخمسة إلا النسائي، واللفظ لأبي داود وفي لفظ له: "ولم يأمرها النبي ﷺ بقضاء
стр. 501
صلاة النفاس "وصححه الحاكم (١)، أخرجوه من حديث أبي سهل كثير بين زياد عن مُسَّة الأزدية، وله ألفاظ وفيه من الزيادة: "وكنا نطلي وجوهنا بالورس والزعفران من الكلف".
وأبو سهل (٢) وثقه البخاري وابن معين، وضعفه ابن حبان، ومُسَّة مجهولة الحال (٣). قال الدارقطني: لا تقوم بها حجة، وقال ابن القطان: لا يعرف حالها وأغرب ابن حبان فضعفه (١) بكثير بن زياد فلم يصب (٤)، وقال النووي (٥): قول جماعة من مصنفي الفقهاء إن هذا الحديث ضعيف مردود عليهم، وله شاهد، أخرجه ابن ماجه من طريق سلام عن أنس: "أن رسول الله ﷺ وقَّتَ للنفساء أربعين يوما إلا أَنْ ترى الطهر قبل ذلك" (٦) قال: لم يروه عن حميد غير سلام، وهو ضعيف، ورواه
стр. 502
عبد الرزّاق (١) من وجه آخر عن أنس موقوفًا، وروى الحاكم (أ) من حديث الحسن عن (ب) عثمان بن أبي العاص قال: "وَقَّت رسول الله ﷺ للنساء في نفاسهن أربعين يوما" (٢) قال: صحيح إن سلم (من) (جـ) أبي بلال الأشعري (٣).
(د قال المصنف ﵀: وقد ضعفه الدارقطني، والحسن (٤) عن عثمان د) بن أبي العاص (٥) منقطع والمشهور عن عثمان موقوف عليه (٦).
النفاس: هو الدم الخارج عقيب الولادة، واشتقاقه من تنفس الرحم بالدم، أو خروج النفس وهو الولد، يقال: نُفست المرأة ونَفست بضم النون، وفتحها إذا ولدت فهي نفساء (هـ بضم النون وفتح الفاء والمد، وهي صاحبة النفاس، ويقال في الحيض نفست بفتح النون هـ) لا غير (٧) والفاء مكسورة في الكل،
стр. 503
وكله مأخوذ من النفس بسكون الفاء، وهو الدم، ويسمى الولد نفسا، لأن قوام الحيوانات كلها بالدم. وحكمه حكم الحيض غالبا.
والحديث يدل على أن النفاس أربعون يوما فما زاد عليها فليس بنفاس، وأما دون الأربعين إذا انقطع الدم فبدلالة حديث أنس: "إلا أن تري الطهر" فأفهم أن التوقيت بذلك إنما هو مع استمرار الدم، فإذا انقطع الدم، أو لم تر الدم رأسا فلا يلزمها ذلك الحكم، والقول بذلك للأكثر وعن إسماعيل وموسى ابني جعفر وعن الشافعي: بل أكثره سبعون يوما، إذ هو أكثر ما وجد (١) والعنبري وأحد أقوال (أ) الشافعي وعن (٢) مالك: بل ستون يوما لمثل (ب) ذلك التعليل وقيل: بل خمسون لذلك، وقالت الإِمامية (٣): بل نيف وعشرون، وهم محجوجون بالنص. وإذا تخلل الأربعين وقت طهر كامل لا ترى فيه الدم فما بعده حيض عند الهادوية والمؤيد وأبي طالب والإِمام يحيى وأحد أقوال الشافعي (٤)، وعند أبي حنيفة والشافعي (٥): بل هو والطهر نفاس كالنقاء المتوسط للحيض، قلنا: النقاء ليس بطهر تام، ولقوله ﷺ : "إلا أن تري الطهر" فاقتضى ارتفاع النفاس به. وعند زيد بن علي: إذا لم تر الدم، أو رأته عقيب الولادة، وانقطع تنتظر ثلاثة قروء، فذات الست ثمانية عشر يوما، وقِس عليه إذ (د) جعل
стр. 504
في العدة كثلاثة قروء. قلنا: يدفعه قوله ﷺ : "إذا طهرت المرأة حين تضع صلت" (١)، وعند أَبي حنيفة وأبي يوسف: بل أحد عشر يوما إذ هو أقل الموجود، وعند بعضهم بل ثلاثة أيام لذلك (أ).
(عدة (ب) أحاديث الباب اثنا عشر حديث) (جـ).
стр. 505
كتاب الصلاة
باب المواقيت
اختلف العلماء في أصل تسمية هذه العبادة بالصلاة، فقيل: [إنها منقولة من] (أ) الدعاء لاشتمالها عليه، وهذا قول جماهير أهل العربية والفقهاء وغيرهم، وقيل: لأنها ثانية (ب) لشهادة التوحيد كالمصلي من السابق في (جـ) خيل الحلبة، وقيل: من الصلوين، وهما عرقان من الردف، وقيل: هما عظمان ينحنيان في الركوع والسجود، قالوا: ولهذا كتبت الصلاة بالواو في المصحف، وقيل غير ذلك (١).
والمواقيت جمع ميقات وهو مفعال من الوقت وهو القَدْر المحدود للفعل من الزمان والمكان (٢).
١٢٤ - عن عبد الله بن (عمرو) (د) ﵄ أن النبي ﷺ قال: "وقت الظهر: إذا زالت الشمس، وكان ظلُّ الرجُلِ كَطُوله، ما لم يحضر العصر، ووقت العصر: ما لم تصفرّ الشمس، ووقت صلاة المغرب: ما لم يغبِ الشَّفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط،
стр. 506
ووقت صلاة الصبح، من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس" رواه مسلم (١) وله من حديث بريدة في العصر: "والشمس بيضاء نقية" (٢) ومن حديث أبي موسى: "والشمس مرتفعة" (٣) زوال الشمس ميلها إلى جهة المغرب. وقوله: "وكان ظلُّ الرجلِ كطوله" عطف على زالت (٤).
والحديث يدل على أن ابتداء وقت الظهر الزوال وأنها لا تجزئ قبله إذ (أ) لم ينقل أنه صلى قبله، وهذا هو الذي استقر عليه الإِجماع، وكان فيه خلاف قديم عن بعض الصحابة أنه جَوَّز صلاة الظهر قبيل الزوال، وعن أحمد وإسحق في الجمعة: وآخره مصير ظل الشيء كمثله، ولكن هل أول ذلك انتهاء الظهر أو وقت متسع للظهر، اللفظ محتمل، فقال الهادي وأحد قولي القاسم ومالك وطائفة (٥) من العلماء: إذا صار ظل الشيء مثله دخل وقت العصر ولم يخرج وقت الظهر بل يبقى قدر أربع ركعات صالحا للظهر والعصر أداء، ويدل على ذلك حديث صلاة جبريل في اليوم الأول "صلى به العصر حين صار ظل الشيء مثله، وفي اليوم الثاني صلى به الظهر حين كان ظله مثله، وصلى به العصر حين كان ظله مثليه" (٦) فالحديث يدل على أن ذلك المقدار مشترك بين الفريضتين،
стр. 507
وذهب الشافعي (١) إلى أن ذلك الوقت مختص بالعصر، والحديث محمول على أن قوله وكان ظل الرجل كطوله: بيان أن أول ذلك حد لآخر وقت الظهر فيكون تحققه ابتداء للعصر، وقوله: "ما لم يحضر وقت (أ) العصر" بيان وزيادة تقرير أنه ليس بين الظهر والعصر وقت مشترك، وحديث جبريل مؤول بأن (ب) قوله: "وصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين كان ظله مثله" يعني فرغ من صلاة الظهر ذلك الوقت، وصلاة العصر فيه في اليوم الأول أي شرع في الصلاة، ولا يخفى بعده (إلا أنه يقوي هذا التأويل أنه على إثبات الوقت المشترك، يكون انتهاء الظهر مجهولا، إذ مقدار أربع ركعات غير محدودة إذ القراءة فيها واستيفاء الأركان غير متعين، فلا يحصل بيان حدود الأوقات. وعلى قول الشافعي يتم بيانها (٢) والله أعلم) (جـ).
وقوله: "ووقت العصر ما لم تصفر الشمس": فيه بيان وقت العصر، وأنه ممتد إلى تلك الغاية، وهذا يضعف مذهب أَبي حنيفة أن أول العصر المثلان (٣)، وقول الإِصطخري (٤) أنه إذا صار ظل الشيء مثليه كان العصر قضاء (٥)(٦)،
стр. 508
ويدل على أنها بعد الاصفرار قضاء، كما ذهب إليه أبو حنيفة (١)، وقال الجمهور: إن العصر وقته ممتد إلى بقية تَسَعُ ركعة لحديث (أ): "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (٢).
وقوله: ووقت (ب) صلاة المغرب ما لم يغب الشفق (٣)، فيه دلالة على أن وقت المغرب ممتد إلى أن يغيب الشفق الأحمر، وهو قول الهادي والقاسم وجماعة (٤)، وذهب الشافعي إلى (٥) أنه ليس لها إلا وقت واحد، وهو عقيب غروب الشمس بقدر ما يتطهر ويستر عورته ويؤذن ويقيم، فإن أخر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت أثم، وصارت قضاءً، واحتج على ذلك بحديث جبريل فإنه صلى في اليومين المغرب في وقت واحد، وأجيب عنه (جـ) بثلاثة أوجه، أحدها: أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار والأفضل، ولم يستوعب وقت الجواز، وهذا جار في كل الصلوات سوى الظهر والعصر (د)، والثاني: أنه متقدم في أول الأمر بمكة، والأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة، فوجب اعتمادها، والثالث: أن هذه الأحاديث أصح إسنادا من حديث بيان جبريل فوجب تقديمها (هـ) (٦).
стр. 509
وقوله: ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل يدل على أن (أ) امتداد العشاء إلى تلك الغاية، وأن ما بعدها ليس بوقت، وقد ذهب إلى هذا الإِصطخري، وقال: إن بعد النصف يكون قضاء (١)، وخالفه الجمهور وقالوا: إن الوقت ممتد إلى إدراك ركعة قبل طلوع الفجر، قالوا: لحديث أبي قتادة أخرجه مسلم "ليس في النوم تفريط (إنما التفريط) (ب) على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى" (٢) (والحديث محمول على الوقت (جـ) الاختياري، وذهب إلى هذا الشافعي (٣) في أحد قوليه وذهب الهادي والقاسم (٤) وغيرهم إلى أن (د) اختيار العشاء إلى ثلث الليل، قالوا لحديث جبريل، وأجيب بأن هذا أصح، فيتعين العمل به. والله أعلم) (هـ).
وقوله: "ووقت صلاة الصبح من طلوع .. " إلخ فيه دلالة على امتداد الصلاة في ذلك الوقت إلى طلوع الشمس، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وخالف الإِصطخري (٥)، فقال: امتداده إلى الإِسفار، وبعده قضاء قال لحديث جبريل فإنه (و) صلاها (ز) في اليوم الثاني حين أسفر، وقال: الوقت ما بين هذين
стр. 510
الوقتين، والجواب عنه الوجوه الثلاثة التي مرت.
وقوله: "والشمس بيضاء نقية" أي: خالصة عن الصفرة، وقوله: "مرتفعة" أي لم تضيف للغروب.
واعلم أن للعصر خمسة أوقات: وقت فضيلة، واختيار، وجواز بلا كراهية، وجواز مع كراهية، ووقت عذر. فأما وقت الفضيلة فأول وقتها، و (أ) وقت الاختيار يمتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، ووقت الجواز إلى الاصفرار، ووقت الجواز مع الكراهة حال الاصفرار إلى الغروب، ووقت العذر هو وقت الظهر في حق من يجمع بين العصر والظهر لسفر أو نحوه. ويكون العصر في هذه الأوقات الخمسة أداء فإذا فاتت كلها بغروب الشمس صارت قضاء، والعشاء مثل ذلك والله أعلم (ب).
١٢٥ - وعن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة، والشمس حية، وكان يستحب أن يؤخر من العشاء، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجك جليسه، ويقرأ بالستين إلى المائة. متفق عليه (١). وعندهما من حديث جابر (٢):
стр. 511
"والعشاء أحيانا وأحيانا، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم ابطأوا أخر، والصبح كان النبي ﷺ يصليها بغلس".
ولمسلم من حديث أبي موسى: "فأقام الفجر حين انشق الفجر والثاني لا يكاد يعرف بعضهم بعضا" (١).
أَبو برزة (٢): نضلة بن عبيد بن الحارث، وقيل: نضلة بن عبد الله، وقيل: عبد الله بن نضلة بن سلامان بن أسلم الأسلمي، و (أ) في نسبه خلاف، أسلم قديما، وشهد فتح مكة، وهو الذي قتل عبد الله بن خطل، ولم يزل يغزو مع رسول الله ﷺ حتى قبض، فتحول ونزل البصرة، ثم غزا خراسان، ومات بمرو وهو الأشَهر، وقيل: مات بالبصرة (ب)، وقيل: مات بالمفازة (جـ) بين سجستان وهراة سنة (د ستين، وقيل د): سنة أربع وستين، وروى عنه المغيرة والحسن البصري وسعيد بن جمهان والأزرق بن قيس، وبرزة بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الزاي، ونضلة بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، وجُمْهان: بضم الجيم وسكون الميم وبالنون.
قوله في الحديث: "إلى رحله" بفتح الراء وسكون المهملة، وفي أقصى المدينة صفة للرحل، وقوله: "والشمس حية" أي: بيضاء. قال: قال الزين ابن المنير: المراد بحياتها: قوة أثرها حرارة ولونا وشعاعا وإنارة وذلك (هـ) لا يكون بعد مصير الظل مِثْلَيْه (٣). وفي سنن أبي داود عن خيثمة أحد التابعين قال:
стр. 512
حياتهما: أن يجد حرها (١)، وهذا يقضي بالاهتمام والمبادرة بصلاة العصر في أول وقتها، إذ لا يمكن أن يذهب الذاهب ميلَيْن أو ثلاثة، والشمس لم تتغير (أ) بصفرة أو نحوها إلا إذا صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ولا يكاد يحصل هذا إلا في الأيام الطويلة، وقوله: "وكان يستحب أن يؤخر من العشاء": أي من وقت العشاء، قال ابن دقيق العيد (٢): فيه دليل على استحباب التأخير قليلا لأن التبعيض يدل عليه، وتعقب بأنه بعض (ب) مطلق لا دلالة فيه على قلة ولا كثرة. وقوله: "و (جـ) كان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها": أما كراهة النوم فلخشية أن يستغرق النوم فيفوت جمع الوقت أو اختياره (٣) وأما الحديث بعدها فرعاية أن ينام مكفر (د) الخطيئة بصلاة العشاء (٤)، وهذا مخصوص بالحديث الذي فيه مصلحة من مصالح الدين كما روي عن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ يسمر عند أبي بكر الليلة كذلك (هـ) في الأمر من أمر المسلمين، وأنا معه" (٥) رواه أحمد والترمذي، وكحديث ابن عباس في بيت ميمونة: "فتحدث النبي ﷺ
стр. 513
مع (أ) أهله، ثم رقد". رواه (١) مسلم. "وكان ينفتل أي يلتفت إلى المأمومين أو ينصرف من الصلاة"، وصلاة الغداة: الصبح، وفيه: أنه لا كراهة في تسمية الصبح بذلك وفي (ح) قوله "حين يعرف الرجل جليسَه": دلالة على التعجيل بصلاة الصبح لأن ابتداء معرفة الانسان وجه جليسه يكون في أواخر الغلس (٢)، ومن المعلوم من عادته ﷺ ترتيل القراءة (جـ)، وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيها مغلسا، ولا يعارض حديث عائشة "في وصف النساء المنصرفات من صلاة الصبح لا يعرفن من الغلس" (٣) إذ المراد لا يعرفن وهن متلفعات مع بُعْدٍ، وهذا في معرفة الجليس. وقوله بالستين إلى المائة: أي من الآي وقدرها في رواية للطبراني (د): "بسورة الحاقة ونحوها" (٤) وفي رواية (هـ) ما بين الستين إلى المائة. وقوله: "والعشاء أحيانا" الأحيان: جمع حين وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان على المشهور (٥)، والحديث يدل على أن العادة مختلفة باختلاف أحوال المجتمعين للجماعة كما صرح (و) به، وأن الصلاة تأخيرها لأجل إدراك الجماعة أولى. قال ابن دقيق العيد: إذا تعارض في شخص أمران، أحدهما: أن يقدم الصلاة في أول الوقت منفردا، أو يؤخرها في الجماعة، أيهما أفضل؟ الأقرب عندي أن التأخير أفضل. وهذا الحديث يدل عليه (٦).
стр. 514
قال المصنف ﵀ في "الفتح" (١): بل وفي رواية: "إذا كثر الناس (أ) عجل، وإذا قلوا أخر" أن التأخير أفضل لانتظار من تكثر بهم الجماعة (ب)، ولا يخفى (جـ) أن محل ذلك إذا لم يفحش التأخير، ولم يشق على الحاضرين.
وقوله: "والصبح بغلس": تقدم الكلام في ذلك. وقوله: ولمسلم إلى آخره: تقدم الكلام (د) فيه أيضًا.
١٢٦ - وعن رافع بن خَدِيج ﵁ قال: "كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ ، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نَبْلهِ" متفق عليه (٢).
هو أَبو عبد الله رافع بن خَدِيج، ويقال أَبو خديج بن رافع الخزرجي (هـ) الحارثي الأنصاري الأوسي (٣)، من أهل المدينة، لم يشهد بدرا لِصغره، وشهد أحدا، والخندق وأكثر المشاهد، وأصابه سهم يوم أحد فقال له رسول الله ﷺ :
стр. 515
"أنا أشهد لك يوم القيامة" (١) وانتقضت جراحته (أ) زمن عبد الملك بن مروان فمات سنة ثلاث وسبعين، وقيل: أربع وسبعين بالمدينة، وله ست وثمانون سنة، وقيل زمن معاوية. روى عنه ابنه عبد الرحمن وابن عمر ومحمود بن لبيد والسائب بن يزيد وحنظلة بن قيس وعطاء بن صُهَيْب مولاه والشعبي ومجاهد.
خديج بالخاء المعجمة المفتوحة وكسر الدال المهملة وبالجيم.
وقوله: "مواقع نبله": بفتح النون وسكون الباء الموحدة (ب): أي المواضع التي تصل إليها سهامه إذا رمى بها، والنبل هي السهام العربية وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، قاله ابن سيده: وقيل واحدها نبلة مثل تمر وتمرة.
والحديث يدل على شرعية المبادرة بالمغرب في أول وقتها، بحيث إن الفراغ منها يقع والضوء باق.
١٢٧ - عن عائشة ﵂ قالت: "أعتم رسول الله ﷺ (جـ) ذات ليلة بالعشاء حتى ذهب عامة الليل، ثم خرج فصلى، وقال: إنه لوقتها لَوْلَا أن أشقَّ على أُمَّتي" رواه مسلم (٢).
стр. 516
"عامة الليل": كثيرٌ منه، وليس المراد أكثره، ولا بد من هذا التأويل لقوله: "وإنه لوقتها"، فلا يجوز أن يراد به ما زاد على النصف لأنه لم يقل أحد من العلماء: إن تأخيرها إلى بعد نصف الليل (أ) أفضل، وقوله: "إنه لوقتها" أي وقتها المختار والأفضل، ففيه دلالة على أن تأخيرها إلى ذلك أفضل، وإن كان الغالب منه تقديمها، وإنما كان الغالب التقديم مخافة المشقة على الأمة، ومعناه -والله أعلم- أنه خشي أن يواظبوا عليها فتفرض عليهم، أو يتوهموا إيجابه فلهذا تركه، كما ترك صلاة التراويح وعلل تركها لخشية (ب) افتراضها والعجز عنها.
وللعلماء مذهبان مشهوران في أن الأفضل التقديم أو التأخير، فمن فضل التأخير احتج بهذا، ومن فضل التقديم احتج بأنه الغالب المعتاد. قال الخطابي: وإنما استحب تأخيرها لتطول (جـ) مدة الانتظار للصلاة ومنتظر الصلاة في صلاة (١).
١٢٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اشتدَّ الحرُّ فأَبْردُوا بالصلاة، فإنّ شدة الحر من فَيْح جهنم" متفق عليه (٢).
قوله: "إذا اشتد" أصله اشتدد أدغمت الدال الأولى في الثانية، ومفهومه
стр. 517
أنه إذا لم يشتد لم يبرد بالصلاة (١)، وكذا في أيام البرد بالأَوْلى، وقوله: "فأبردوا" بالهمزة المفتوحة المقطوعة، وكسر الراء أي أخروا إلى أن يبرد الوقت، يقال: أبرد، إذا دخل في وقت البرد كأظهر: إذا دخل في الظهيرة، ومثله في المكان أنجد وأتهم: إذا دخل في نجد وتهامة.
والحديث يدل على شرعية تأخير الظهر في اليوم الحار حتى يبرد النهار، والأمر محمول على الاستحباب، وقيل للإِرشاد، وقيل للوجوب، حكاه القاضي عياض وغيره، وقال جمهور العلماء: إنه يستحب الإِبراد وتأخير الظهر في شدة الحر إلى أَنْ يبرد الوقت وينكسر الوهج، وخصه بعضهم بالجماعة، فأما المنفرد فالتعجيل في حقه أفضل، وهو قول أكثر المالكية (٢)، والشافعي لكن خصه أيضًا بالبلد الحار (٣)، وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجدا مِنْ بُعْد، فلو كانوا مجتمعين أو كانوا يمشون في كِنٍّ (٤) فالأفضل في حقهم التعجيل، والمشهور عن أحمد (٥) التسوية من غير تخصيص ولا قيد، وهو قول إسحق والكوفيين (أ) (٦) وابن المنذر، وذهب بعضهم إلى أن تعجيل الظهر أفضل مطلقا، وقال معنى "أبردوا": صلوا في أول الوقت أخذًا من برد النهار وهو أوله، وهو تأويل بعيد، ويرده قوله: "فإن شدة الحر من فَيْح جهنم" وذهب الهادي والقاسم
стр. 518
وغيرهما إلى أن أفضل الوقت أوله مطلقا (أ) في الظهر وغيره، قالوا للأحاديث الدالة على أفضلية أول الوقت (١)، وبأن الصلاة أيضًا أكثر مشقة (٢)، فتكون أفضل، ولحديث خباب: "شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرّمْضاء في جباهنا وأكفنا فلم يُشْكِنا: أي لم يزل شكوانا" وهو حديث صحيح. رواه مسلم (٣).
وأجيب عنه بأنه محمول على أنهم طلبوا تأخيرا زائدا على (ب) وقت الإبراد وهو زوال حر الرمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت، فلذلك لم يجبهم، أو أنه منسوخ بأحاديث الإِبراد فإنها متأخرة عنه (٤)، واستدل الطحاوي (٥) للنسخ بحديث المغيرة ابن شعبة قال: "كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الظهر بالهاجرة، ثم قال لنا: أبردوا بالصلاة" الحديث، وهو حديث رجاله ثقات، رواه أحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان (٦)، ونقل الخلال" عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمَريْن من رسول الله ﷺ . وجمع بعضهم بأن الإبراد رخصة والتعجيل أفضل (٧)، وهو قول من قال: إنه أمر إرشاد، وعكس بعضهم فقال: الإِبراد أفضل و (تأول) (جـ) حديث خباب بقوله: فلم يشكنا أي لم يحوجنا إلى شكوى، بل أذن لنا في الإبراد، كما حكى عن ثعلب
стр. 519
بعيد ويرده زيادة في الخبر رواها ابن المنذر، وقال: "إذا زالت الشمس فصلوا" (١) وأجيب عن أحاديث أفضلية أول (أ) الوقت أنها عامة أو مطلقة والأمر بالإِيراد خاص، وأما التعليل بالشقة فمدفوع (ب) بأن الأخف قد يكون أفضل كالقَصْر في السفر (جـ وقوله: "فإن شدة الحر من فيح جهنم" تعليل لشرعية الإِبراد والحكمة في ذلك قبل دفع المشقة جـ) لكونها (د) قد تسلب (هـ) الخشوع، وهذا (و) أظهر، وقيل لأنها الحالة التي يُنْشَر فيها العذاب.
قال الزين (٢) ابن المنير: لأن وقت ظهور أثر الغضب لا ينجع فيه الطلب إلا ممن أذن له فيه، ولذلك قال: "أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم" رواه مسلم (٣)، ويمكن أن يقال تسجر جهنم: سبب فيحها وفيحها سبب وجود شدة الحر وهو مظنة الشقة التي هي مظنة سلب الخشوع فناسب أن لا يقبل فيها لكن يرد عليه أن (ز) تسجرها مستمر في جميع السنة والإِبراد مختص بشدة الحر (ح منهما متغايران، فحكمة الإبراد دفع المشقة وحكمة الترك وقت تسجرها (ط) ح) لكونه وقت ظهور أثر الغضب، وفيح جهنم (٤) أي من سعة
стр. 520
انتشارها وتنفسها، ومنه مكان أفيح: أي متسع، وهذا (أ) كناية عن شدة إسعارها، وظاهره أن مثار (ب) وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة.
وقيل: هو تشبيه أي كأنه نار جهنم في الحر (والأول) (جـ) أولى، يؤيده حديث: "اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين" (١).
١٢٩ - عن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَصْبِحوا بالصُّبْح، فإنّه أعظمُ لأجوركم" رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان، وهذا لفظ أبي داود، وروي "أسْفِروا بالصبح .. " الحديث (٢).
احتجت به الحنفية على استحباب تأخير الفجر إلى الإِسفار (٣)، وأجيب عنه بأن المعنى به تحقيق طلوع الفجر. قال الترمذي: قال الشافعي وأحمد وإسحق: معناه: أن يضح الفجر فلا يشك فيه. قال: ولم يرو أن المعنى تأخير الصلاة (٤). يقال: وضح الفجر يضح (٥): إذا أضاء، ويرده رواية ابن أبي شيبة وإسحق وغيرهما بلفظ: "ثَوِّب بصلاة الصبح يا بلال، حتى ينظر القوم (د)
стр. 521
مواقع نبلهم من الإِسفار" (١) لكن روى الحاكم من حديث عائشة قالت:
"ما صلى رسول الله ﷺ الصلاة (أ) لوقتها الآخر حتى قبضه الله تعالى" (٢).
١٣٠ - عن أَبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" متفق عليه (٣).
ولمسلم عن عائشة (٤) نحوه وقال: "سجدة" بدل "ركعة"، ثم قال: والسجدة إنما هي الركعة.
стр. 522
الإدراك: الوصول إلى الشيء. وظاهره أنه يكتفي بذلك، (أوليس ذلك مرادا بالإجماع (١)، فلا بد من الحمل على أنه إذا (ب) أتى بما بقي، وهذا قول الجمهور، وقد صرح بذلك أ) في رواية الدراوردي عن زيد بن أسلم أخرجه البيهقي من وجهَيْن ولفظه: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس (جـ وركعة بعد أن تطلع الشمس جـ) فقد أدرك الصلاة" (٢)، وأصرح منه رواية أَبي (د) غسان محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عطاء هو ابن يسار عن أبي هريرة بلفظ: "من صلى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ثم صلى (هـ) ما بقي بعد غروب الشمس لم يفته العصر، وقال مثل ذلك في الصبح" (٣)، والنسائي من وجه آخر: "من أدرك (وركعة من و) الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي (ز) ما فاته" (٤). وللبيهقي من وجه آخر: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى" (٥).
والخلاف في ذلك لأبي حنيفة فقال: لا يصح الفجر بإدراك ركعة (٦)؛ لأنها
стр. 523
تصادف الوقت المنهى عنه، والصلاة عنده لا تصح في ذلك الوقت لا نفلا ولا فرضا، واحتج على ذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وادعى بعضهم أن أحاديث النهي ناسخة لهذا الحديث، وهي دعوى تحتاجُ إلى دليل (١)، وأنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن بأن تُحمل أحاديث (أ) النهي على ما لا سبب له من النوافل، ولا شك أن التخصيص أولى من النسخ (٢).
ومفهوم الحديث أَنَّ من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركا للوقت، قال بعضهم: ويكون ما أدركه من الوقت أداء وبعده قضاء، وقيل كذلك إلا أنه يلتحق بالأداء حكما، والمختار أن الكل أداء، وذلك من فضل الله تعالى. ونقل بعضهم الاتفاق على أنه لا يجوز لمن ليس له عذر تأخير الصلاة حتى لا يبقى منها إلا هذا القدر (٣).
وهذا الحديث في العصر والفجر، وأما العشاء فلعله يتفق على صحة ما أدرك منها ركعة لعدم مصادفة الوقت المنهى عنه، ولعموم حديث النسائي المار وترجم البخاري فقال: من أدرك من الصلاة ركعة، وساق الحديث بلفظ: من أدرك ركعة
стр. 524
من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (١) وقد رواه مسلم من رواية عبيد الله العمري (٢) عن الزهري وأحال به على حديث مالك، وأخرجه البيهقي (٣) وغيره من الوجه الذي أخرجه مسلم.
وقوله (أ): "وقال سجدة" بدل ركعة رواية مسلم (٤) لهذه من حديث عائشة انفرد بها عن البخاري، ورواه البخاري بلفظ: "سجدة" من حديث أَبي سلمة عن أبي هريرة: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته" (٥)، وقد رواه الإسماعيلي من طريق حسين بن محمد عن شيبان (ب) بلفظ: "من أدرك منكم ركعة" (٦)، فدل على أن الاختلاف في اللفظ وقع من الرواة (جـ)، والرواية من طريق مالك بلفظ ركعة لم يختلف على راويها في ذلك فكان عليها الاعتماد. قال الخطابي (٧): المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون (د) تمامها سجودها فسميت على هذا المعنى سجدة انتهى.
وقد روى البيهقي (٨) هذا الحديث (هـ) من طريق محمد بن الحسين بن أبي
стр. 525
الحسين عن الفضيل بن دُكَيْن وهو أَبو نُعيم (١) شيخ البخاري بلفظ: "إذا أدرك أحدكم أول سجدة من صلاة العصر" فسرت (أ) المراد.
وقوله: "والسجدة إنما هي الركعة"، ظاهره أنه من تمام الحديث و (ب) قال المحب الطبري في "الإحكام": يحتمل إدراج هذه اللفظة الأخيرة.
١٣١ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس" متفق عليه (٢)، ولفظ مسلم: "لا صلاة بعد صلاة الفجر". وله عن عقبة بن عامر (٣): "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تَضَيّف الشمس للغروب". والحكم الثاني عند الشافعي من حديث أبي
стр. 526
هريرة بسندٍ ضعيفٍ وزاد: "إلا يوم الجمعة" (١). وكذا لأبي داود عن أبي قتادة (٢) نحوه.
قوله: "لا صلاة بعد الصبح" المنفي حينئذ هي الصلاة الشرعية لا الفعل الحسي والنفي في معنى النهي، والمعنى لا تصلوا و (أ) قوله: "بعد الصبح": أي بعد صلاة الصبح وقد صرح في مسلم بلفظ صلاة و (ب) كذا بعد العصر أي: بعد صلاة العصر.
والحديث يدل على كراهة الصلاة (٣) في الوقتين المذكورين، وفيه خلاف، فذهب الشافعي والمؤيد بالله (٤) إلى أنه يكره من الصلاة ما لا سبب له، ولا يكره ما له سبب، (جـ قالوا: لصلاته ﷺ راتبة الظهر بعد العصر كما سيأتي، وهي لها سبب فدل على أن ما له سبب جـ) لا كراهة فيه جمعا
стр. 527
بين الحديثَيْن، وذهب أَبو حنيفة إلى كراهة ذلك مطلقا (١)، لعموم الحديث وذهب الهادي والقاسم إلى أن الصلاة في الوقتين لا تكره مطلقا، لصلاة النبي ﷺ نافلة الظهر بعد العصر (٢)، "وتقريره لقيس وقد (أ) رآه يصلي بعد صلاة الفجر نافلة الفجر" (٣) واستقرب في "البحر" قول المؤيد بالله والشافعي جمعا بين الأدلة (٤). وحكى أبو الفتح اليَعمري (٥) عن جماعة من السلف أنهم قالوا: إن النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر إنما هو إعلام بأنهما لا يتطوع بعدهما، ولم يقصد الوقت بالنهي كما قصد به وقت الطلوع ووقت الغروب، ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود والنسائي بإسنادٍ حَسَن عن علي (٦) ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تصلوا بعد الصبح ولا بعد العصر إلا أن تكون الشمس نقية" -وفي رواية: "مرتفعة"، فدل على أن المراد بالبُعدية ليس على عمومه وإنما المراد وقت الطلوع ووقت الغروب وما قاربهما، ويدل عليه حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال (ب): "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها" (٧) أخرجه البخاري، وحديث عائشة: "ما ترك السجدتَيْن بعد العصر عندي
стр. 528
قط" (١) وفي الرواية الأخرى: "لم يكن يدعهما سرًّا ولا علانية" (٢) وفي الرواية الأخيرة: "ما كان يأتيني في يومي بعد العصر إلا صلى ركعتين" (٣)، وقولها: "والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله" (٤). وأجاب من أطلق الكراهة بأن فعله هذا يدل على جواز استدراك ما فات من الرواتب من غير كراهة، ومواظبته ﷺ على ذلك من خصائصه، ويدل عليه رواية ذكوان مولى عائشة "أنها حدثته أنه (أ) ﷺ كان يصلي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال" (٥). رواه أبو داود، وفي رواية أبي سلمة عن عائشة في نحو (ب هذه القصة وفي آخرها: "وكان إذا صلى صلاة أثبتها" رواه مسلم (٦).
قال البيهقي (٧): الذي اختص به ب) المداومة على ذلك، لا أصل القضاء، وأما ما روي عن ذكوان عن أم سلمة في هذه القصة أنها قالت: فقلت يا رسول الله: أنقضيها إذا فاتتنا؟ فقال ﷺ "لا" (٨) فهي رواية ضعيفة لا تقوم بها حجة.
стр. 529
قال المصنف ﵀: أخرجها الظحاوي (١) واحتج (أ) بها على أن ذلك كان من خصائصه (٢)، وفيه ما فيه، ورواية الترمذي: "أنه ﷺ صلاهما بعد العصر لما فاتتا ولم يَعُدْ" (٣) معارضة بما مضى عن عائشة ﵂، وكذا ما روي عن أم سلمة: "صلاهما في بيته مرة واحدة" (٤) وفي رواية عنها: "لم أره يصليهما قبل ولا بعد"، وكذا "إنكار ابن عباس لصلاته لهما" (٥) فحديث عائشة مثبت ولأنه لما كان يصليهما في بيته فلم يطلع على ذلك، ولذلك قالت عائشة: "وكان (ب) لا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته" (٦)، وضَرْب عمر الناس على الصلاة بعد العصر (٧) إنما هو خشية مصادفة آخر الوقت كما روى عبد الرزاق عن زيد بن خالد (جـ) أن عمر رآه وهو خليفة ركع بعد العصر فضربه فذكر الحديث، وفيه: فقال (د) عمر: يا زيد لولا أني أخشى أن يتخذهما (هـ) الناس سلما إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب
стр. 530
فيهما (١) وفي رواية عن عمر: ولكني أخاف (أ) أن يأتي بعدم قوم يصلون ما بين العصر إلى الغروب حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول الله ﷺ أن يصلى فيها (٢).
وقوله: في حديث عقبة: "أن (ب) نقبر" بضم الباء وكسرها، وقوله: "بازغة" (٣) أي ظاهرة، وقوله: "حتى ترتفع" (جـ) قد ورد مفسرًا في رواية بارتفاعها قدر رمح (٤) وقوله: "وحين يقوم قائم الظهيرة": أي قيام الشمس وقت الزوال من قولهم (د): قامت به دابته (٥) وقفت، والشمس إذا بلغت وسط السماء أبطأت حركة الظل إلى أن تزول، فيتخيل الناظر المتأمل أنها وقفت وهي سائرة، وقوله: "و (هـ) حين تَضَيّف (و) " بفتح التاء الفوقية وفتح الضاد المعجمة وتشديد الياء أي تميل للغروب.
والحديث يدل على ظاهر النهي على تحريم الصلاة في الثلاثة الأوقات فَرْضًا، ونفلا، إذ النهي للتحريم حقيقة، وكذا قَبْر الموتى، واختلف العلماء في ذلك بعد