← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

على ذلك الشيطان، ويدل على هذا ما وقع في رواية الإِسماعيلى: "فإن معه الشيطان" (١)، ورواية مسلم: "فإن معه القرين" (٢). واستنبط ابن أبي حمزة من هذا أن الأمر بالمقاتلة المراد به المدافعة اللطيفة، لأن مقاتلة الشيطان إنما هي بالاستعاذة منه. واختلف في الحكمة المقتضية للأمر بالمدافعة، فقيل: إنها (أ) لدفع الإِثم عن المار، وقيل لخلل يقع في الصلاة، والأخير أرجح (٣) إذ اشتغال المصلي بصلاته أهم من دفعه الإِثم عن غيره، وقد روى ابن أبي شيبة (٤) عن ابن مسعود: إن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته، وروى أبو نعيم عن عمر: "لَوْ يَعلَمُ المصلِّي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلَّى إلا إلى شيءٍ سَتَره (ح) من الناس". والأثران يُؤَيِّدَان الأخير ولهما حكم الرفع، والله أعلم. ١٧٩ - وعن أَبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإنْ لم يجد فلينصِب عَصًا، فإن لم يكن فليخط خطا، ثم لا يضره من مَرَّ بين يَدَيْه" أخرجه أحمد وابن ماجه، وصححه ابن حبان (٥)، ولم يُصب مَنْ زعم أنه مضطرب بل هو حسن. الزاعم بأنه مضطرب ابن الصلاح حيث أورده مثالا للمضطرب (٦).

стр. 667

قال المصنف ﵀ (١) -: وقد نوزع في ذلك كما بينته في "النكت" (٢)، وقد ذكره الشافعي في القديم، وأخرجه أبو داود والبيهقي وصححه أحمد وابن المديني فيما نقله ابن عبد البر (٣) في "الاستذكار"، وأشار إلى ضعفه سفيان بن عيينة (٤) والشافعي (٥) والبغوي (٦) وغيرهم، وقال الشافعي (٧) في البويطي: ولا يخط المصلي بين يديه خَطًّا إلا أن يكون في ذلك حديث ثابت، وكذا قال في "سنن حرملة"، ورواه المزني في المتوسط عن الشافعي وهو من الجديد فلا اختصاص له بالقديم. والحديث يدل على أن السترة تجزئ من أي شيءٍ، وقد ورد في الصحيحَيْن من حديث ابن عمر (٨) "أن النبي، ﷺ ، كان يعرض راحلته فيصلي إليها" أي: ينيخها بالعَرْض من القبلة حتى تكون معترضة بينه وبين من يمر بين يَدَيْه. وفي ذلك الحديث قلت: أفرأيت إذا هبت الركاب، أي قامت والركاب جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده راحلة. قال: كان يأخذ الرحل فيعد له فيصلي إلى آخرته وقد تقدم ذلك.

стр. 668

(أقال أصحاب الشافعي (١): وإذا لم يجد العصا جمع أحجارًا أو ترابا أو متاعه، فإن لم يكن شيءٌ من ذلك خطَّ خَطًّا، والخط قال أبو داود (٢) (ب): سمعت أحمد بن حنبل سئل عن الخط غير مرة فقال: هكذا يعني عرضا مثل الهلال، قال أبو داود: وسمعت مسددا قال: قال أبو داود: الخط بالطول [أي يكون مستقيما أ) بين يديه إلى القبلة، قال النووي (٣): المختار في كيفيته (جـ) ما قاله الشيخ أبو إسحاق أنه إلى القبلة، لقوله (د في الحديث د) تلقاء وجهه، واختار في "التهذيب" أنْ يكون من المشرق إلى المغرب كالجنازة] (هـ). وقوله: "ثم (و) لا يضره مَنْ مَرَّ بين يديه" لفعله ما شرع له من الإِعلام بأنه مصلي (ز) بخلاف ما إذا قصر في ذلك، وقد تقدم معنى الضرر وأنه يرجع إلى نقص صلاة المصلي، وهذا إذا كان منفردا، أو إماما، وأما إذا كان مؤتمًّا فسترة الإِمام سترة له، وقد بوب البخاري وأبو داود (٤) لذلك وأورد بعده حديث ابن عباسٍ (٥) وحماره في صلاة النبي ﷺ في مِنًى. قال القاضي عياض (٦): الاتفاق على أنَّ المأمومين يصلون إلى سترة لكن اختلفوا هل سترتهم سترة الإِمام أم سترتهم الإِمام نفسه. انتهى.

стр. 669

قال المصنف ﵀ (١) -: وفيه نظر لما رواه عبد الرزاق عن الحكم بن عمرو الغفاري الصحابي "أنه صلى بأصحابه في سفر (أ)، وبين يديه سترة، فمرت حمير بين يدي أصحابه فأعاد لهم الصلاة" (٢)، وفي رواية (ب له أنه قال ب): "إنها لم تقطع صلاتي ولكن قطعت صلاتكم" (٣) فهذا يعكر على ما نُقل من الاتفاق، وقد ورد (جـ في حديث مرفوع جـ) عن أنس أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤) من طريق سويد بن عبد العزيز عن عاصم عن أنس مرفوعًا: "سترة الإِمام سترة لمن خلفه"، وقال: تفرد به سويد عن عاصم وسويد ضعيف عندهم، وورد أيضًا في حديث موقوف على ابن عمر أخرجه عبد الرزاق (٥) ويظهر (د) أثر الخلاف الذي نقله القاضي عياض فيما لو مر بين يدي الإِمام أَحَدٌ فعلى قول مَنْ يقول: إن سترة الإِمام سترة من خلفه يضر صلاته وصلاتهم معا وعلى قول من يقول: إن الإِمام نفسه سترة من خلفه يضر صلاته ولا يضر صلاتهم. واعلم أن ظاهر الحديث وما كان عليه، ﷺ ، واستمرت عادته في الصلاة إلى السترة سواء كان في فضاء أو غيره فثبت أنه كان، ﷺ : إذا صلى إلى الجدار جعل بينه وبينه قَدْر (هـ) ممر الشاة (٦) ولم يكن يتباعد منه بل أمرنا بالقرب من السترة، وكان إذا صلى إلى عُودٍ أو عمود أو شجرة جعله على جانبه الأيمن أو

стр. 670

الأيسر ولم يصمد له صمدا، وكان يركز الحربة في السفر والبرية فيصلي إليها فتكون سترته، وكان يعرض راحلته فيصلي إليها، وكان يأخذ الرحل فيعدله فيصلي إلى آخرته، وأمر المصلي أن يستتر ولو بسهم أو عصا، فإِنْ لم يجد فليخط خَطًّا، وقاس بعضُ الشافعية (١) علي ما ذكر بسط المصلى بجامع إشعار المار، والحكمة في اعتبار ذلك هو منع المار (أمن المرور أ) بينه وبين قبلته وقد مر تفصيل ذلك، والله أعلم. ١٨٠ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ : "لا يقطع الصلاة شيءٌ وادْرَأْ ما اسْتَطَعْتَ" أخرجه أبو داود وفي سنده ضعف (٢). وأخرج نحوه أيضًا الدارقطني من حديث أنس (٣) وأبي أمامة (٤)، وأخرج أيضًا الطبراني من حديث جابر (٥)، وفي إسناده ضعف، وترجم البخاري (٦): من قال لا يقطع الصلاة شيءٌ وأورد هذه الجملة من قول الزهري، ورواها مالك في "الموطأ" (٧) عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه من قوله، ورواها سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح عن علي وعثمان وغيرهما موقوفًا. الكلام تقدم على فقه الحديث والجمع بينه وبين معارضه. عدة (ب) أحاديث الباب اثنا عشر حديثًا.

стр. 671

باب الحث على الخشوع (أ) في الصلاة قال: الخشوع تارة يكون من قبل القلب كالخشية، وتارة يكون من قِبَل البَدَن كالسكون، وقيل لا بد من اعتبارها، حكاه الفخر الرازي في تفسيره، ويدل على أنه مِنْ عَمَل القلب حديث علي ﵁: "الخشوعُ في القلب" (١) أخرجه الحاكم، وأما حديث: "لو خشع قلبه لخشعت جوارحه" ففيه إشارة إلى أن الظاهر عنوان الباطن (أ). ١٨١ - عن أبي هريرة - رضي الله عمه- قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل مختصرًا" متفق عليه، واللفظ لمسلم (٢)، ومعناه: أن يجعل يده على خاصرته. وفي البخاري عن عائشة أن ذلك فِعْل (ب) اليهود (٣). تفسير الاختصار بما ذكره المصنف عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والغريب والمحدثين (٤)، وبه قال أصحاب الشافعي، وقال الهروي (٥): قيل: هو

стр. 672

الذي يأخذ بيده عصا يتوكأ عليها، وقيل (١): أن يختصر السورة يقرأ من آخرها آية أو آيتين، وقيل: أن يحذف منهما ولا يمد قيامها وركوعها وسجودها وحدودها، والصحيح ما ذكره المصنف. والحكمة في النهي عنه قيل: لأنه فِعْل اليهود (٢)، وقيل: فِعْل الشيطان، وقيل: لأن إبليس هبط من الجنة كذلك (٣)، وقيل: إنه فِعل المتكبرين (٤)، (٥) والله أعلم. ١٨٢ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله، ﷺ ، قال: "إذا قُدِّم العَشَاءُ فابْدَووا به قبل أَنْ تصلُّوا المغرب". متفق عليه (٦). الحديث ورد في هذه الرواية بالتصريح بالمغرب، وورد في غيره من الروايات بإطلاق لفظ الصلاة، قال ابن دقيق العيد (٧): فيحمل المطلق على المقيد والحديث يفسر بعضه بعضا، وقد ورد في رواية صحيحة: "إذا وُضِعَ العَشَاءُ وأحدُكم صائمٌ ... " (٨) فلا ينبغي أن تُحمل الأحاديث المطلقة على هذه الرواية

стр. 673

فإن الحكمة في ذلك هو دفع ما يحصل من تشويش الخاطر المفضِي إلى ترك الخشوع في الصلاة وقد يكون الجائع غير الصائم أشوق إلى الأكل من الصائم، والأولى حَمْل المطلق على إطلاقه، وذكر الخاص الموافق لا يقتضي تقييدا ولا تخصيصا، والجمهور حملوا الأمر على الندب، ثم اختلفوا فمنهم من قيده بمن كان محتاجا إلى الأكل وهو المشهور عند الشافعية (١)، وزاد الغزالي قيدا وهو إذا خشي فساد المأكول، وحمله ابن حزم والظاهرية على الوجوب (٢)، وقالوا: تبطل الصلاة إذا قدّمها، ومنهم مَن اختار البداءة بالطعام إذا كان خفيفا، نقله ابن المنذر عن مالك (٣)، وفصل أصحابه فقالوا: يبدأ بالصلاة إن لم تكن النفس متعلقة بالأكل أو (أ) كان لا يشغله عن صلاته، وإن كان ذلك يشغله بدأ بالطعام واستحب له الإعادة. ويلحق باشتغال النفس بالطعام اشتغالها بغير ذلك من سائر مقاصدها فيندب تقديم ذلك، وهذا إذا كان في الوقت سَعَة، فإن ضاق صلى على حاله محافظة على حُرمة الوقت، ولا يجوز التأخير، وحكى المتولي وجهًا أنه يبدأ بالأكل وإن خرج الوقت؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا (ب) يفوته، كذا ذكره النووي (٤)، وهذا إنما يجيئ على قول من يوجب الخشوع في الصلاة، وفي قولهم أيضًا نظر لأن المفسدتين إذا تعارضتا اقتصر على أخفهما، (جـ) فخروج الوقت أشد من ترك الخشوع بدليل صلاة الخوف والغريق وغير ذلك، وإذا صلَّى لمحافظة الوقت صحت مع الكراهة، ويستحب الإعادة عند الجمهور (٥).

стр. 674

واستدل بالحديث على أن الجماعة ليست بواجبة، وفيه نظر لأن بعض من أوجب الجماعة كابن حِبَّان (١) جعل حضور الطعام عُذْرًا، في تَرْك الجماعة، فلا دليل فيه حينئذ على إسقاط الوجوب. وظاهر قوله "فابدؤوا" في حق من لم يكن قد أكل شيئًا وأما من قد شرع في الأكل فلا يتمادى فيه. وقد استدل به بعض الشافعية على ذلك، وقد أخرج البخاري (٢) عن ابن عمر "أنه كان إذا حضر عشاؤه وسمع الإِقامة وقراءة الإِمام لم يقم حتى يفرغ"، ورواه ابن حبان (٣) عن نافع أن ابن عمر كان يصلي المغرب إذا غابت الشمس وكان أحيانا يلقاه وهو صائم فيقدّم له عشاءه وقد نودي للصلاة ثم تقام وهو يسمع، فلا يترك عشاءه، ولا يعجل حتى يقضي عشاءَه ثم يخرج فيصلِّي، وروى سعيد بن منصور (٤) وابن أبي شيبة بإسناد حسن عن أبي هريرة وابن عباس: أنهما كانا يأكلان طعاما، وفي التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم الصلاة فقال له ابن عباس: "لا تعجل لا نقوم، وفي أنفسنا منه شيءٌ". وفي رواية ابن أبي شيبة (٥): "لئلا يعرض لنا في صلاتنا"، وله (٦) عن الحسن

стр. 675

ابن علي قال: "العَشَاء قبل الصلاة يذهب النفس اللوامة". وفي هذا كله إشارة إلى أن العلة في ذلك (أ) تشوق النفس إلى الطعام فيدار الحكم معها وجودا وعدمًا بالنظر إلى البداية بالطعام والتمام إلا في حق من منعه (ب) الشرع من الأكل كالصائم فلا يكره له ذلك؛ إذ الممتنع شرعا لا تشوق النفس إليه لكن يستحب له الانتقال، إذا شغله، إلى غير ذلك المكان. ١٨٣ - وعن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمةَ تُواجِهه". رواه الخمسة بإسناد صحيح، وزاد أحمد: "واحدة أودع" (١). وفي الصحيح عن معيقيب نحوه بغير تعليل (٢).

стр. 676

حديث معيقيب متفقٌ عليه في الرجل و (أ) يسوي التراب حيث يسجد فقال النبي ﷺ : "إن كنت فاعلا فواحدة"، أي: إنْ كنتَ لا بد أن تسوِّيَ فسوِّ مرة واحدة. وقوله: "فلا تمسح الحصا" المراد بمَسح الحصا اللعب به وتسويته ليسجد عليه وذلك مما يشغل القلب. وقوله: "فإن الرحمة" إلخ يعني الرحمة تقبل عليه وتنزل فلا يليق اللعب بالحصى وغيره مما تغشاه الرحمة وتواجهه والله أعلم. [ومُعَيْقِيْبِ (١) بضم الميم وفتح العين المهملة: وسكون الياء تحتها نقطتان وكسر القاف بعدها ياء أخرى ساكنة بعدها باء موحدة، وهو معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي مولى سعيد بن أبي العاص، وقيل حليف لآل سعيد شهد بدرا وكان أسلم قديما بمكة وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وأقام بها حتى قدم على النبي ﷺ بالمدينة وكان على خاتم النبي ﷺ ، واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال. روى عنه ابنه محمد وابن ابنه إياس بن الحارث وأبو سلمة بن عبد الرحمن، مات سنة أربعين، وقيل في آخر خلافة عثمان] (ب). ١٨٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: سألتُ رسول الله ﷺ ، عن الالتفات في الصلاة، فقال: "هو اختلاسٌ يخْتَلِسُه الشيطان من صلاةِ العبد" رواه البخاري (٢).

стр. 677

وللترمذي وصححه (١): "إياكَ والالتفاتَ في الصلاة فإنه هلكةٌ، فإنْ كان لا بدَّ ففي التطوع". الحديث فيه دلالة على كراهة الالتفات، وهو إجماع (٢)، و (أ) لكن الجمهور على أنها للتنزيه والمراد به الالتفات الذي لم يبلغ إلى استدبار القبلة بصدره أو عنقه كله، وسبب الكراهة يحتمل أَنْ يكون لنقص الخشوع كما أراده المصنف بإيراده في هذا الباب أو لترك استقبال القبلة ببعض البَدَن، أو لما فيه من الإِعراض عن التوجه إلى الله تعالى. كما أشار إلى ذلك فيما أخرجه أحمد وابن خزيمة من حديث أبي ذر، رفعه: "لا يزالُ الله مُقبلًا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف" (٣)، وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي (٤). وقوله: "اختلاس" أي اختطاف بسرعة، وفي النهاية (٥): اختلاس افتعال من الخلسة وهو ما يؤخذ سلبا مكابرة. وقال غيره: المختلس الذي يخطف من غير غلبة ويهرب ولو مع معاينة المالك له، والناهب يأخذ بقوة، والسارق يأخذ في خفية (ب).

стр. 678

ونسبه إلى الشيطان مجازا عقليا، لما كان الالتفات سبب ما يوسوس به الشيطان من أخطار الأسباب المفضية إلى التفات المصلي، وأطلق على ذلك الالتفات اسم الاختلاس مبالغة في تشبيهه بالاختطاف بسرعة، وقيل: أسند إلى الشيطان لأن فيه انقطاعا عن ملاحظة التوجه إلى الحَقّ سبحانه. وقال الطيبي (١): سماه اختلاسا تصويرا لقُبح تلك الفعلة بالمختلس لأن المصلي يُقْبِلُ على الرب تعالى والشيطان مرتصد له ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة فيسلبه تلك الحالة. وقوله: "يختلسه" بالضمير في رواية الكشميهني (٢)، وهي رواية أبي داود (٣) عن مسدد شيخ البخاري وفي سائر الروايات بحذف الضمير. وقوله: "فإنه هلكة" أطلق اسم الهلكة عليه مبالغة لما فيه من طاعة الشيطان والإِعراض عن التوجه إلى الرحمن. ١٨٥ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه فلا يبصقن بين يديه ولا عن يمينه ولكن عن شماله تحت قدمه" متفق عليه (٤). وفي رواية: "أو تحت قدمه" (٥). قوله: "إذا كان أحدكم في الصلاة" ورد في رواية التقييد بالصلاة وفي غيرها أورده البخاري (٦) من طريق ابن شهاب من حديث أبي هريرة، ومن

стр. 679

طريق قتادة (١) من حديث أنس أيضًا (أ) مطلق من التقييد بكونه في الصلاة. ولعله بحمل المطلق على القيد والتعليل بقوله: "فإنه يناجي ربه" يدل على ذلك في حق القبلة، وأما في حق اليمين فقد علل في حديث أبي هريرة المطلق فإن على يمينه ملكًا (٢)، وظاهره الإِطلاق، وورود المقيد المطابق للمطلق لا يدل على التقييد، وقد جزم النووي (٣) بالمنع في كل حالة (ب) داخل الصلاة وخارجها، سواء كان في المسجد أم في غيره، ونقل عن مالك (٤) أنه قال: لا بأس به خارج الصلاة، ويشهد للإِطلاق ما رواه عبد الرزاق (٥) وغيره عن ابن مسعود: أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في الصلاة، وعن معاذ بن جبل قال: ما بصقتُ عن يميني منذ أسلمت (٦)، وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى ابنه عنه مطلقا (٧). وقوله: "فإنه يناجي ربه" وفي البخاري زيادة: "وإن ربه بينه وبين القبلة" (٨) بواو العطف في رواية الحموي والمستملي، وبالشك في رواية الأكثر (٩)، والمناجاة من العبد مراد بها حقيقة النجوى ومن قِبَل الرب لازم ذلك فيكون مجازا، والمراد إقباله عليه بالرحمة والرضوان. وأما قوله: "فإن ربه بينه وبين القبلة" فمعناه أن توجهه إلى القبلة مفضٍ

стр. 680

بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير كأن مقصوده بينه وبين قبلته، وقيل: هو على حذف مضاف أي عظمة الله أو ثواب الله (١)، وقال ابن عبد البر: هو كلامُ خرج مخرج التعظيم لشأن القبلة. وقد أفهم الحديث أن البصاق إلى القبلة حرام سواء كان في المسجد أم غيره، وسواء كان في الصلاة أم غيرها، ويؤيده ما في صحيحَي ابن خزيمة وابن حبان من حديث حذيفة مرفوعًا: "مَنْ تَفَلَ تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينَيْه" (٢)، وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر مرفوعًا: "يُبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة، وهي في وجهه" (٣)، ولأبي داود وابن حبان من حديث السائب بن خلاد أن رجلا أَمَّ قوما فبصق (أ) في القبلة، فلما فرغ قال رسول الله، ﷺ : "لا يصلي لكم ... " الحديث، وفيه أنه قال له (ب): "إنك (ح) آذيت الله ورسوله" (٤). وقوله: "فلا يبصقن بين يديه" أي قبلته، يقال: بصق وبزق لغتان مشهورتان، والبصاق والبزاق (٥) من الفم، وقد يقال: بساق، لغة قليلة. وعدها جماعة خطأ (٦). والنخامة و (د) هي النخاعة من الصدر (٧)، يقال: تنخع وتنخم.

стр. 681

وقوله: "ولكن عن يساره أو تحت قدمه" وهذا إذا كان في غير المسجد، وأما إذا كان في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه لقوله: "البصاق في المسجد خطيئة" (١)، وقد أورد البخاري في بعض روايات حديث أنس: "ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض، فقال: أو يفعل هكذا" (٢). فائدة: قد تقدم تعليل النهي بالبصق عن اليمين بأن على يمينه ملكا فيقال: واليسار عليها ملك وهو الموكل بالسيئات. وأجيب باحتمال اختصاص ذلك بمَلَك اليمين تشريفا له وتكريما، هكذا قاله جماعة من القدماء، وأجاب بعض المتأخرين بأن الصلاة أم الحسنات البدنية فلا دخل لكاتب السيئات فيها، ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة. من حديث حذيفة موقوفًا في هذا الحديث قال: "ولا عن يمينه (أفإن عن يمينه أ) كاتب الحسنات" (٣)، وفي الطبراني من حديث أبي أمامة في هذا الحديث: "فإنه يقوم بين يدي الله وملكه عن يمينه وقرينه عن يساره" (٤) انتهى. فالتفل حينئذ إنما يقع على القرين وهو الشيطان، ولعل مَلَك اليسار حينئذ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك، أو أنه يتحول في الصلاة إلى اليمين. والله أعلم. ١٨٦ - وعنه ﵁ قال: "كان قِرَامٌ لعائشة ﵂ سترت به جانب بيتها فقال النبي، ﷺ : "أَمِيطِي عنا قِرَامَكِ هذا، فإِنَّه لا تزال تَصاويرُه تَعرِض لي في صلاتي" رواه البخاري (٥).

стр. 682

واتفقا على حديثها في قصة أَنْبِجَانِيَّة أبي جهم وفيه: "فإنها ألهتني عن صلاتي" (١). "القِرَام" بكسر القاف وتخفيف الراء: ستر رقيق من صوف ذو ألوان (٢). وقوله: "أميطي": أزيلي. وقوله: "تصاوير" روي بحذف الضمير. قال المصنف ﵀ (٣): كذا في روايتنا، ورواه الباقون بإثبات الضمير كما في الأصل فيكون الضمير في قوله: "فإنه" ضمير الشأن على حذف ضمير "تصاوير"، وعلى إثبات الضمير فيكون ضمير "فإنه" عائد إلى القرام. وقوله: "تَعرِض" بفتح أوله وكسر الراء: أي تَلُوح، وللإِسماعيلي (٤) تعرَّض بفتح العين وتشديد الراء وأصله: تتعرض. وفي الحديث دلالة على أن الصلاة لا تفسد بذلك؛ لأنه، ﷺ ، لم يقطعها ولم يُعِدْها. وقوله: "في قصة أَنْبِجَانيَّة" (٥): بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الموحدة وتخفيف الجيم وبعد النون ياء النسبة: كساء غليظ لا عَلَم له، وقال ثعلب: يجوز فتح همزته وكسرها، وكذا الموحدة يقال: كبش أنبجانيّ: إذا كان ملتفًّا كثير الصوف، وكساء أنبجاني كذلك، وأنكر أبو موسى المديني على مَنْ زعم أنه منسوب إلى "منبج" البلد المعروف بالشام، قال صاحب "الصحاح" (٦):

стр. 683

إذا نسبتَ (أ) إلى منبج فتحت الباء فقلت كساء مَنْبجَانِيّ، وقال أبو حاتم السجستاني: لا يُقال كساء أنبجاني وإنما يقال: منبجاني، قال: وهذا مما يخطئ فيه العامة، وتعقبه أبو موسى فقال: الصواب أن هذه النسبة إلى موضع يقال له: "أنبجان". وأبو جهم (١) هو (ب) عبيد -ويقال عامر- بن حذيفة العدوي صحابي مشهور، [أسلم عام الفتح، وكان مقدما في قريش معظما في مشيخة قريش، عالما بالأنساب، معمرا، حضر بناء الكعبة مع قريش مع عبد الله بن الزبير، وهو أحد الأربعة الذين دفنوا عثمان] (جـ). والحديث عن عائشة "أن النبي، صلى الله عليه رسلم، صلَّى في خَمِيصَةٍ لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي" (٢)، وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال النبي، ﷺ : "كنتُ أنظر إلى عَلَمِها، وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني" (٣) والخميصة: كساء مربع له عَلَمان (٤) وهي بفتح المعجمة وكسر اليم وفتح الصاد الهملة، وإنما خصه، ﷺ ، بإرسال الخميصة لأنه كان أهداها له كما رواه مالك في "الموطأ" من طريق أخرى عن عائشة قالت: "أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله ﷺ خميصة لها عَلَم، فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال:

стр. 684

رُدِّي هذه الخميصة إلى أبي جهم" (١) ولأبي داود من طريق أخرى: "وأخذ كرديًّا لأبي جهم فقيل: يا رسول الله الخميصة كانت خيرا من الكرديّ" (٢). قال ابن بطال (٣): إنما طلب منه ثوبا غيرها لِيُعْلمَهُ أنه لم يردّ عديه هديته استخفافا به، قال (أ): وفيه أن الواهب إذا ردت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها من غير كراهة. وقوله: "ألهتني" أي: شغلتني، يقال لهي بالكسر: إذا غفل: ولها بالفتح: إذا لعب (٤). وقوله: "آنفا" أي: قريبا، مأخوذ من انتياف الشيء أي ابتدائه (٥). وقوله: "عن صلاتي" أي: كمال الحضور فيها، وفي بعض طرق الحديث ما يدل على أنه لم يقع الإِلهاء لأنه قال: "وأخاف"، وكما تقدم في رواية هشام "فأخاف"، ويمكن الجمع بينهما بأن الإِلهاء وقع في الصلاة الواقعة والخوف في الصلاة المستقبلة [أو أن معنى ألهتني: كادت تلهيني فإطلاق حقيقة الإِلهاء عليه مبالغة في القُرْب (ب) لا لتحقق الإِلهاء] (جـ). وفي الحديت الدلالة على مبادرة الرسول ﷺ إلى مصالح الصلاة، ونفي ما لعله يخدش فيها، ويدل على كراهية ما شَغَلَ (د) عن الصلاة مِن الإِمتاع والنقوش، ونحوها.

стр. 685

وفيه قَبول الهدية من الأصحاب والإِرسال إليهم والطلب منهم. و (أ) قال الطيبي (١): فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرا في القلوب الطاهرة والنفوس الزكية، يعني: فضلا عما دونها. وفي هذا الحديت دلالة على أن الاستملاء من الكتابة لا يفسد الصلاة واستثبات المكتوب كذلك إذ الأنبجانية وتعرض التصاوير لا تشغله إلا وقد استثبت ما فيها، والله أعلم. ١٨٧ - وعن جابر بن سَمُرَة ﵁ قال: قال، رسول الله ﷺ : "لَيُنْتَهَيَنَّ قَوْمٌ يرفعون أبصارَهم إلى السماء في الصلاة أولًا ترجع إليهم" رواه مسلم (٢). [قوله: "لَيُنْتَهيَنَّ": في رواية المستملي والحموي للبخاري (٣) بضم الياء وسكون النون وبفتح المثناة والهاء والياء وتشديد النون على البناء للمفعول والنون للتأكيد، وللباقين بفتح أوله وسكون النون وضم الهاء على البناء للفاعل وهو الضمير المحذوف. "وقوم" فاعل أيضًا على لغة أكلوني البراغيث] (ب)، وفي رواية "أو لتخطفن أبصارهم".

стр. 686

في الحديث النهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك، [وعلى هذا فهو حرام، وقال ابن حزم: تبطل به الصلاة (١)، وقيل المعنى: إنه يخشى على الأبصار من الأنوار التي تنزل على المصلي، وفي قصة قراءة أُسَيْد بن (أ) حُضَير (٢) ما يدل على ذلك أشار إلى هذا المعنى الداودي] (ب)، وقد قيل إنه مجمع على أنه منهيّ عن ذلك في الصلاة. قال القاضي عياض (٣): واختلفوا في غير الصلاة في الدعاء فكرهه شريح وآخرون وجوّزه الأكثرون، وقالوا إن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة فلا يكره رفع الأبصار إليها كما لا يكره رفع اليد بالدعاء قال الله تعالى ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ (٤) (جـ). ١٨٨ - وله عن عائشة ﵂ قالت: "سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان" (٥). تقدم الكلام في حضور الطعام. وقوله: "ولا وهو يدافعه الأخبثان": فيه دلالة على أنّ ذلك مع المدافعة لا إذا كان يجد في نفسه ثقل ذلك ولا يحتاج إلى دفعِ خارجٍ فلا كراهة، والمراد بالأخبثين البول والغائط، ويلحق بهما ما كان شاغلا عن الصلاة وعن كمال

стр. 687

الخشوع وحضور القلب، وهو محمول على كراهة التنزيه دون الحَصْر مع استكماله لواجب الصلاة، فقوله: "لا صلاة" متوجه إلى نفي الكمال والأفضل، إذ ذات الصلاة غير منفيَّة لإمكان وقوعها، وتقديم إزالة الخَبَث إذا كان الوقت فيه سَعَة، فإن ضاق الوقت وأمَكن تأدية الصلاة وجب تقديمها كما تقدم في حضور الطعام (أ)، والله أعلم. ١٨٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع" رواه مسلم والترمذي (١) وزاد: "في الصلاة". قوله: "التثاؤب" مصدر تثاءب الرجل، وتثاوب على وزن تفاعل إذا فتح فاه من غَلَبَةِ النوم أو الغفلة أو كثرة امتلاء البطن، وكل ذلك غير مرضيّ، فلأجل هذا كره التثاؤب، ومن وجد ذلك في نفسه فليكظمه أي (ب) وأضيف إلى الشيطان لما يوثر من الغفلة والكسل عن الطاعة التي يرضاها الشيطان، ولعل الشيطان وسوسه، وتنشيطا لحضور ذلك، قد أشار إلى هذا في تمام الحديث (٢) في رواية مسلم بقوله: "فإن الشيطان يدخل". وقوله: "فليكظم" الكَظْم المَنْع والإِمساك.

стр. 688

وزاد: "في الصلاة" ظاهره أنها زيادة للترمذي، وهي أيضًا في البخاري، وتمام رواية البخاري: "ولا تَقُلْ (أ) ها فإنما ذلكم من (ب) الشيطان يضحك منه" (١)، والضمير في "منه" عائد إلى الحالة المعبر عنها بقوله "ها"، وزيادة "في الصلاة" لا تنافي النهي عن تلك الحالة مطلقا، لموافقة الطلق والمقيد في الحكم فلا تقييد حينئذ، والله أعلم. عدد أحاديث الباب: أربعة عشر حديثًا.

стр. 689

باب المساجد ١٩٠ - عن عائشة ﵂ قالت: "أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصحح إرساله (١). المساجد جمع مسجد بفتح العين وكسرها، وقال سيبويه: إذا قصدت بالمسجد المكان المخصوص الذي على هيئة مخصوصة يقع فيه السجود فهو بالكسر لا غير؛ لأنه أخرجته عما يكون عليه اسم المكان، وإن قصدت به موضع السجود وموضع وقوع الجبهة في الأبيض فهو بالفتح لأنه جاري على الفعل وفعله فَعَل يَفْعُل وحق المكان منه على مَفْعَل بالفتح لا غير. والدور جمع دار، والدار لغة: العامر المسكون والغامر المتروك، وهي مأخوذة من الاستدارة لأنهم كانوا يخطون بطرف رماحهم قدر ما يريدون أن يتخذوه مسكنا ويدورون حوله. والظاهر أن الأمر محمول على الندب لقرينة وهو قوله: "أيضًا أدركت الصلاة فصل" (٢) "ولا صلاة لجار المسجد" (٣) وغير ذلك ولعله إجماع. ١٩١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله

стр. 690

عليه وسلم: "قَاتَلَ الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" متفق عليه (١)، وزاد مسلم: "والنصارى" (٢). ولهما من حديث عائشة: "كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا"، وفيه: "أولئك شِرَار الخلق" (٣). الحديث أخرجه البخاري بأسانيد مختلفة في أبواب متعددة، ومعنى "قاتل" أي: قتلهم الله، أو المعنى: لعن، فإنه قد ورد بذلك (٤) اللفظ. واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها كما هو الظاهر، أو بمعنى الصلاة عليها، وقد أورد مسلم من طريق أبي يزيد الغنوي مرفوعًا: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها أو عليها" (٥)، وليس على شرط البخاري، فلذلك أشار إليه في ترجمة باب (٦). وقوله: "اتخذوا": جملة استئنافية بيان لسبب اللعن كأنه قيل: ما سبب لعنهم؟ فأجيب بقوله: اتخذوا، وزاد (أ) مسلم قوله: "والنصارى" وقد (ب) استشكل ذكر النصارى فيه لأن اليهود لهم أنبياء بخلاف النصارى، فليس بين عيسى وبين نبينا ﷺ

стр. 691

نبي، وليس له قبر أو لأن أنبياء اليهود كموسى وهرون وغيرهما أنبياء للنصارى، وإنما شريعة عيسى ناسخة لبعض شريعة موسى ﷺ أجمعين. وأجيب أنه كان فيهم أنبياء غير مرسلين كالحواريين ومريم -في قولٍ-، والجمع في قوله "أنبيائهم" للمجموع من اليهود والنصارى، أو المراد الأنبياء وكبار أتباعهم، فاكتفى بذِكْر الأنبياء، ويؤيده قوله في رواية مسلم من طريق جندب: "كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد" (١) ولهذا (أ) لما أفرد النصارى كما في حديث عائشة قال: "إذا مات في الرجل الصالح" (٢) ولما أفرد اليهود كما في حديث أبي هريرة قال: "أنبيائهم" (٣)، أو المراد بالاتخاذ أعمّ من أن يكون ابتداعا أو اتباعا، فاليهود ابتدعت والنصارى اتبعت، ولا ريب أَنَّ النصارى تعظم قبور كثير من الأنبياء الذين يعظمهم اليهود. وحديث عائشة أخرجه البخاري (٤) بألفاظ في بعضها أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأيتها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا ذلك للنبي ﷺ فقال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصورة وأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة"، وهذا القول كان في مرض النبي صلى الله عاجه وسلم الذي مات منه قبل أن يتوفى بخمس. أخرجه مسلم (٥) وزاد فيه: "فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك"، وهذا يدل على أن هذا النهي ثابت غير منسوخ وإنما صَوَّرَ الصورة أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك

стр. 692

الصورة ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ثم خَلَفَ من بعدهم خُلُوف جهلوا مرادهم، وسوس (أ) لهم الشيطان أن آباءم كانوا يعبدون هذه الصورة يعظمونها فيعبدونها، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك سدا للذريعة المؤدية إلى ذلك. وفي الحديث دليل على تحريم التصوير، وحمل بعضهم الوعيد على مَنْ كان في ذلك الزمان لِقُرْب العهد بعبادة الأوثان وأما الآن فلاث وقد رد ابن دقيق العيد على ذلك أحسن رد (١). وقال البيضاوي (٢): لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانا لعنهم ومنع المسلمين من ذلك، فأما من اتخذ مسجدا في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا لتعظيم له ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد (٣)، وظاهر الأحاديث في النهي عن اتخاذ المساجد على القبور غير معلل بما ذكروا، إنما النهي مطلق، ولعل الحكمة في ذلك النهي سدا للذريعة، وبُعْدًا عن التشبه بعبدة الأوثان التي تعظّم الجمادات التي لا تسمع ولا تنفع (ب ولا تشفع ب) ولا تدفع ولِما في إنفاق المال في ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلية، وفي حديث ابن عباس تصريح بالنهي، وهو ما أحرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن ابن (جـ) عباس قال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها

стр. 693

المساجد والسُّرج" (١)، والله سبحانه أعلم. ١٩٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "بَعَثَ النبي ﷺ خيلا فجاءت برجل فربطوه بسارية من سواري المسجد. . ." الحديث متفق عليه (٢). قوله: "خيلا" أي: فُرسانا، والرجل التي أتت به هو ثُمامة بن أَثَال، صرح بذلك في الصحيحَيْن وغيرهما. وقوله: "فربطوه" فيه دلالة على أن الربط لم يكن بأمر النبي ﷺ ولكن النبي ﷺ قرر ذلك؛ لأن في القصة أنه كان يمر به ثلاثة أيام وكان (١) يقول له: ما عندك يا ثمامة؟ ففي هذا تصرج بأن النبي ﷺ قرر ذلك الفعل، ففيه دلالة على جواز ربط الأسير بالمسجد وإن كان كافرا، وأن ذلك مخصوص لعموم قوله ﷺ : "إنما المسجد لذكر الله والطاعة" (٣). ويدل على جواز دخول الكافر المسجد، وقد ذهب إلى هذا المؤيد بالله وأبو حنيفة (٤) لهذا ولإدخاله ﷺ وفد ثقيف (٥)، ويقاس بقية المساجد

стр. 694

على مسجده ﷺ ولو المسجد الحرام، وأما قوله تعالى ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (١) فالمراد: لا يمكنون من الحج والعمرة كما ورد في القصة التي بعث النبي ﷺ بآيات براءة إلى مكة، وقوله: "فلا يحجن بعد هذا العام مشرك". وقال الشافعي (٢): يجوز دخول الكافر المساجد إلا المسجد الحرام بإذن المسلم، سواء كان مشركا أو كتابيا، وذهب الهادي والناصر ومالك وعمر بن عبد العزيز وقتادة والإِمام يحيى (٣) إلى أنه لا يجوز دخول الكافر مطلقا إلى المسجد سواء كان المسجد الحرام أو غيره، قالوا لقوله تعالى ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، وقوله ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ﴾ (٤) ويجاب عن الآية الأولى بما عرفت وعن الآية الثانية (٥) بأن ذلك في حقّ من استولى عليها، وصار له الحكمة والمنعة كما وقع في سبب نزول الآية الكريمة أنها نزلت في شأن النصارى، واستيلائهم على بيت المقدس وتخريبه، وإلقاء الأذى والأزبال فيه، أو أنها نزلت في شأن قريش ومنعهم رسول الله ﷺ عام الحديبية عن العمرة، وأما مجرد دخوله من دون استيلاء وتخريب ومَنْع فمن أين يُفهم ذلك والأحاديث موضحة لهذا المعنى أشد إيضاح (أ)؟ وفي الحديث دلالة أيضًا على جواز الربط للأسير وحبسه والاستيثاق منه والمنّ عليه كما وقع في تمام القصة.

стр. 695

١٩٣ - عنه ﵁ "أن عمر ﵁ مر بحسان ينشد في المسجد فلحظ إليه فقال: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك" متفق عليه (١). يريد بالخير: النبي ﷺ ، وأنه أنشد الشعر في المسجد لما قال له النبي ﷺ : "يا حسان، أجب عن رسول الله ﷺ "، وقد أشار البخاري في باب بدء الخلق في رواية هذه القصة عن سعيد بن المسيب أن قوله ﷺ : "أَجِبْ" كان في المسجد، وأنه أنشد فيه ما أجاب به المشركين. وإيراده للقصة في كتاب الصلاة من حديث أبي سلمة (٢) مجردة عن ذكر المسجد لا ينافيه، وقد أورده في باب الشعر في المسجد (٣)، ولعل البخاري اختصر القصة في كتاب الصلاة لإِيرادها في موضع آخر. (أ) وفي الحديث دلالة على جواز إنشاد الشعر في المساجد (ب)، وقد ورد ما يعارض ذلك وهو ما أخرجه ابن خزيمة وصححه والترمذي وحسنه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "نهى رسول الله ﷺ عن تناشد الأشعار في المساجد" (٤) وفي هذا المعنى عدة أحاديث وإن كان

стр. 696

في إسنادها مقال، وطريق الجمع أن يُحْمَلَ النهيُ على تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين وما لم يكن فيه غرض صحيح والمأذون ما سَلِم من ذلك. وقيل: المأذون فيه مشروط بأن لا يكون ذلك مما يتشاغل مَنْ في المسجد به، وأدعى أبو عبد الملك البوني (١) بأن أحاديث الإِذن منسوخة بأحاديث النهي، ولم يوافق على ذلك، والله أعلم. ١٩٤ - عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإنَّ المساجد لم تُبْنَ لهذا" رواه مسلم (٢). قوله "يَنْشُد": بفتح الياء وضم الشين من نشد بفتح النون والشين المعجمة يقال: نشدت الدابة إذا طلبتها ويقال: أنشدت أي عرفتها. قوله: (أ "ضالة" يقال بالهاء للذَّكَر والأنثى والجمع ضوال، مثل: دابة ودواب، والضالة مخصوصة بالحيوان ويقال: لغير الحيوان ضائع ولقطة أ)،

стр. 697

والجواب عليه بلا ردها الله عليك عقوبة له لما ارتكب من العمل الذي لا يجوز في المسجد. وقوله: "فإن المساجد لم تبن لهذا" معناه: أنها لم تبن إلا لذكر الله تعالى والصلاة والعِلْم والمذاكرة في الخير ونحوها. قال القاضي عياض (١): وفيه دليل على منع عمل الصنائع في المساجد قال فيه: قال بعض شيوخنا: إنما يمتنع في المساجد عمل الصناعة التي يختص نفعها بالآحاد ويكتسب به ويتخذ متجرا، فأما الصنائع التي يشمل نفعها المسلمين في دينهم، كمبايعة وإصلاح آلات الجهاد (أ) ومما لا امتهان (ب) للمسجد في عمله فلا بأس به (٢) قال: وحكى بعضهم في تعليم الصبيان فيها خلافا (٣)، [وعلل بعض المالكية كراهة تعليم الصبيان في المساجد وقال: إنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة، فإن كان بغير أجرة منع أيضًا من وجه آخر، وهو أن الصبيان لا يتحرزون من القذر والوسخ فيؤدي ذلك إلي عدم تنظيف المسجد، وقد أمر رسول الله ﷺ بتنظيفها وقال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم. . ." (٤)] (جـ). وفي الحديث دلالة على أن إنشاد الضالة لا يجوز في السجد، ويلحق به ما في

стр. 698

معناه من البيع والشراء والإِجارة ونحوها في (أ) العقود، وكراهة رفع الصوت في المسجد، قال مالك وجماعة من العلماء (١): يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره، وأجاز أبو حنيفة (٢) ومحمد بن مسلم من أصحاب مالك رفع الصوت بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس لأنه مجمعهم ولابد لهم منه. ١٩٥ - عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك". رواه النسائي والترمذي وحَسَّنه (٣). في الحديث دلالة على أن البيع والشراء لا يجوزان في المساجد وقد تقدم تعليل ذلك في الحديث الذي قبله، وقال الماوردي: اختلفوا في جواز ذلك في المسجد مع اتفاقهم على صحة العقد لو وقع. ١٩٦ - وعن حكيم بن حِزَام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُقَامُ الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها". رواه أحمد وأبو داود بسندٍ ضعيف (٤).

стр. 699

هو أبو خالد حكيم بن حِزَام -بكسر الحاء المهملة وبالزاي- بن خويلد، ابن أخي خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، ولد في الكعبة قبل الفيل بثلاثة عشر سنة، وكان من أشراف قريش ووجوهها في الجاهلية والإسلام، وتأخر إسلامه إلى عام الفتح، وهو من مسلمة الفتح هو وبنوه عبد الله وخالد ويحيى وهشام وكلهم صَحِبَ النبي ﷺ ، ومات بالمدينة في داره سنة أربع وخمسين، وقيل ثمان وخمسين وله مائة وعشرون سنة ستون في الجاهلية وستون في الإِسلام، كان عاقلًا، سَرِيًّا، فاضلا، تقيا، حسن إسلامه بعد أن كان من المؤلفة قلوبهم، أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، وكان مع المشركين يوم بدر فنجا من القتل، وكان إذا حلف بعد أن أسلم قال: "لا والذي نجاني يوم بدر"، روى عنه عُروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وموسى بن طلحة (١). الحديث رواه أيضًا الحاكم وابن السكن وأحمد بن حنبل والدارقطني والبيهقي. قال المصنف -رحمه الله تعالى- في "التلخيص" (٢): ولا بأس بإسناده، ورواه البزار (٣) من حديث جبير بن مطعم وفيه الواقدي (٤). ورواه ابن ماجه (٥) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: "نهي أن يجلد الحد في المسجد" (أ) وفيه ابن لهيعة (٦)، ورواه الترمذي وابن ماجه

стр. 700

من حديث ابن عباس (١) وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف (٢). والحديث فيه دلالة على النهي عن فِعْل ما ذكر في المسجد لما تقدم أن المساجد إنما هي للذكر وما يتبعه، وهو إخبار في معنى الإِنشاء لامتناع الحقيقة، فوجب الحمل على المجاز وظاهر النهي التحريم إذ هو حقيقة ولا مقتضى لصرفه عن ظاهره، والله أعلم. ١٩٧ - وعن عائشة ﵁ قالت: "أُصِيبَ سعد يوم الحندق فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة في المسجد، ليعوده مِنْ قُرْب" متفق عليه (٣). وهو سعد بن معاذ (٤) أصابه رجل منْ قريش، قال ابن الكلبي: اسم هذا الرجل حِبَّان -بكسر الحاء المهملة- ابن أبي قيس بن علقمة ويقال له: ابن العَرِقَة -بعين مهملة مفتوحة ثم راء مكسورة ثم قاف- وهي أمه، واسمها قِلَابة -بقاف مكسورة وبباء موحدة- بنت سعيد بن سهيل وهو من بني عبد مناف بن الحارث وسميت بالعَرِقَة لطيب ريحها، وكنيتها أم فاطمة. رماه في الأكحل وهو عِرْق معروف، قال الخليل: إذا قطع في اليد لم يرق (أ) الدم، وهو عرق الحياة في كل عضو منه شعبة.

стр. 701

وقوله: "فضرب عليه" إلخ: فيه دلالة على جواز النوم في المسجد وجواز مكث المريض فيه وإن كان جريحا وفي ذلك فضيلة ظاهرة لسعد ﵁. ١٩٨ - وعنها ﵁ قالت: "رأيتُ رسول ﷺ يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد. . ." الحديث، متفقُ عليه (١). قولها: "يسترني" يدل على أن ذلك كان بعد نزول الحجاب، ويدل على جواز نظر المرأة إلى الرجل، وأجيب بأن ذلك قبل بلوغ عائشة، وهو مردود بالستر، وقولها في تمام الحديث في رواية الزهري: "فاقدروا قَدْر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو" (٢) وفي رواية أبي سلمة: "فقلتُ يا رسول الله. لا تَعْجَل. فقال لي ثم قال: حسبك قلتُ: لا تَعْجَل، قالت: وما بي حب النظر إليهم، ولكن أحببت أن تنظر النساء مقامه لي ومكاني منه" (٣). وظاهر هذا أنها حينئذ شابة، وأجيب بأن ذلك منسوخ بحديث: "أفعمياوتان أنتما؟ " (٤) ويجاب بأن هذا مُخْتَلَفٌ فيه لا يقاوِم هذا الحديث، وأيضًا فإنه مؤيد بظاهر قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (٥) فإن الظاهر أن "مِنْ" للتبعيض فيكون الغض عند خشية الفتنة

стр. 702

والنظر إلى المحاسن والجواز فيما عدا ذلك، وأيضًا فتظاهر الأخبار بخروج النساء في عصره ﷺ إلى المسجد وحضور الصلاة والخروج إلى الجبانة، وأَمْر النبي ﷺ بالصدقة وإلقاء حليهن في ثوب بلال (١). ويبعد مع تلك الأحوال عدم رؤيتهن للرجال وإنما أمرن بإدناء الجلابيب وإجماع المسلمين خَلَف عن سلف بعدم منع النساء من الخروج لقضاء ما يحتجن له من البيع والشراء والتحاكم. قال القاضي عياض (٢): وفيه جواز نظر النساء إلى الرجال الأجانب لأنه إنما يكره لهن النظر إلى المحاسن والاستلذاذ لذلك، وقال النووي (٣): النظر بشهوة وعند خشية الفتنة حرام اتفاقا، وأما بغير شهوة فالأصح أنه يحرم. وأجاب عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل بلوغ عائشة وقد عرفت الجواب عنه، قال: وكانت تنظر إلى لعبهم بحرابهم لا إلى وجوههم وأبدانهم، وإن وقع بلا قصد إن أمكن أن تصرفه في الحال. انتهى. وقد عرفتَ بُعْدَ هذا وقولها: "وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون" وقع في رواية البخاري في موضعٍ (٤): "وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدرق (٥) والحِرَاب" في رواية عروة عن عائشة، ووقع في رواية الزهري في البخاري في موضع: "والحبشة يلعبون في المسجد" (٦) ووصلها مسلم: "بحرابهم"، ولمسلم من رواية هشام عن أبيه: "جاء حبش يلعبون في المسجد" (٧) قال المحب الطبري (٨): هذا السياق يُشْعِرُ بأن عادتهم ذلك في كل عيد، ووقع في رواية ابن حبان (٩): "لما قَدِمَ وفد الحبشة قاموا

стр. 703

يلعبون في المسجد"، وهو يُشْعِر بأن الترخيص لهم في ذلك بحال القدوم، ولا تنافي بينهما لاحتمال أن يكون قدومهم صادف يوم عيد، وكان من عادتهم اللعب في الأعياد يفعلون ذلك كعادتهم ثم صاروا يلعبون في كل عيد، ويؤيده ما رواه أبو داود عن أنس: "لما قدم النبي ﷺ المدينة جاء الحبش بحرابهم" (١) ولا شك أن يوم قدومه كان أعظم عندهم من يوم العيد. وفي الحديث دلالة على جواز مثل ذلك اللعب في المسجد إذا كان في يوم من أيام المسرة التي شرع للمسلمين إظهار المسرة والتلبس بشعار النعمة، وحكى ابن التين عن أبي الحسن اللخمي أن اللعب بالحراب في المسجد منسوخ بالقرآن والسنة، أما القرآن فقوله تعالى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (٢) وأما بالسنة فحديث: "جَنِّبوا صِبْيَانَكُمْ مَسَاجِدَكُمْ. . ." (٣) الحديث، وتعقب بأن الحديث ضعيف وليس فيه ولا في الآية تصريح بما ادعاه ولا عُرِفَ التاريخ فيثبت النسخ. وحكى بعض المالكية عن مالك أن لعبهم كان خارج المسجد وكانت عائشة في المسجد، وهذا لا يثبت عن مالك فإنه خلاف ما صرح به في طرق هذا الحديث، وفي بعضها أن عمر أنكر عليهم لعبهم في المسجد فقال له ﷺ : "دَعْهُمْ" (٤) من (أ) طريق أبي الزناد وعن عروة عن عائشة أنه، ﷺ ، قال: "لِتعلمَ يهودُ (ب) أنّ في ديننا فسحةً وأني بعثت بحنيفيَّة سَمْحَة" (٥)، وكأنَّ عمر بَنَى على الأصل من تنزيه المساجد فبين له النبي صلى الله

стр. 704

عليه وسلم أن التعمق والتشديد ينافي قاعدة شريعته، ﷺ ، من التسهيل والتيسير، وهذا يدفع جواب الطبري بأنه يغتفر للحبش ما لا يغتفر لغيرهم فيقرر (أ) حيث ورد ويدفع قول من قال: إن اللعب بالحراب ليس لَعِبًا مجردا بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدو ففي ذلك من المصلحة التي تجمع عامة المسلمين ويحتاج إليها إقامة الدين فيجوز في المسجد. وفي الحديث دلالة على جواز النظر إلى اللهو المباح، وفيه حُسْن خُلُقِه، ﷺ ، مع أهله وكرم معاشرته، وفَضْل عائشة وعِظَم محلها عنده. فائدة في سَتْرِهِ ﷺ لها (ب): فوقع في البخاري في بعض ألفاظه "سترني بردائه" (١)، وفي بعض ألفاظه: "فأقامني وراءه خدي على خده" (٢) أي متلاصقين، وفي بعضها: "فوضعت رأسي علي مَنْكِبه" (٣)، وفي رواية: "فوضعتُ ذَقني على عاتقه وأسندت وجهي إلى خده" (٤)، وفي رواية: "أنظر بين أذنه وعاتقه" (جـ) (٥) وقد استنبط من هذه الألفاظ أنها كانت مستترة بقيامها خلف النبي، ﷺ ، وأن مثل ذلك يكفي في الستر إذا قام مقام الرداء، ويجاب عنه بأن الستر بالرداء متعين لأن القصة واحدة، وقد وقع التعيين في بعض الألفاظ بالساتر فتحمل بقية الألفاظ عليه، والله أعلم. ١٩٩ - وعنها ﵂ "أنَّ وليدةً سوداءَ كان لها خِباءٌ في المسجد،

стр. 705

فكانت تأتيني فتحدث عندي. . ." الحديث، متفقُ عليه (١). وسياق الحديت في البخاري: عن عائشة أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها فكانت معهم، قالت: فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور، قالت: فوضعته -أو وقع (أ) منها- فمرت حدياة وهو ملقى فحسبته لحمًا فخطفته، قالت: فالتمسوه فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، قالت: وطفقوا (ب) يفتشون حتى فتشوا قُبُلَهَا، قالت: والله إني لقائمة معهم إذ مرت الحدياة فألقته فوقع بينهم، قالت: فقلتُ للذي اتهمتموني (جـ) به: زعمتم وأنا منه بريئة -وهو ذا هو قالت: فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، قالت عائشة: فكان (د) لها خباء في المسجد أو حِفْش، قالت: فكانت تأتيني فتحدث عندي قالت: فلا تجلس عندي مجلسا إلا قالت: ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ... ألا إنه من بلدة الكفر نجاني قالت عائشة: فقلتُ لها: ما شأنُكِ لا تقعدين معي إلا قلتِ هذا؟ قالت: (هـ) فحدثتني بهذا الحديث. قولها (و) "وليدة": الوليدة هي أَمَة (ز)، وهي في الأصل لها ساعة تولد، قال
следующие страницы →