وقوله: "فضرب عليه" إلخ: فيه دلالة على جواز النوم في المسجد وجواز مكث المريض فيه وإن كان جريحا وفي ذلك فضيلة ظاهرة لسعد ﵁.
١٩٨ - وعنها ﵁ قالت: "رأيتُ رسول ﷺ يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد. . ." الحديث، متفقُ عليه (١).
قولها: "يسترني" يدل على أن ذلك كان بعد نزول الحجاب، ويدل على جواز نظر المرأة إلى الرجل، وأجيب بأن ذلك قبل بلوغ عائشة، وهو مردود بالستر، وقولها في تمام الحديث في رواية الزهري: "فاقدروا قَدْر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو" (٢) وفي رواية أبي سلمة: "فقلتُ يا رسول الله. لا تَعْجَل. فقال لي ثم قال: حسبك قلتُ: لا تَعْجَل، قالت: وما بي حب النظر إليهم، ولكن أحببت أن تنظر النساء مقامه لي ومكاني منه" (٣).
وظاهر هذا أنها حينئذ شابة، وأجيب بأن ذلك منسوخ بحديث: "أفعمياوتان أنتما؟ " (٤) ويجاب بأن هذا مُخْتَلَفٌ فيه لا يقاوِم هذا الحديث، وأيضًا فإنه مؤيد بظاهر قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (٥) فإن الظاهر أن "مِنْ" للتبعيض فيكون الغض عند خشية الفتنة
стр. 702
والنظر إلى المحاسن والجواز فيما عدا ذلك، وأيضًا فتظاهر الأخبار بخروج النساء في عصره ﷺ إلى المسجد وحضور الصلاة والخروج إلى الجبانة، وأَمْر النبي ﷺ بالصدقة وإلقاء حليهن في ثوب بلال (١). ويبعد مع تلك الأحوال عدم رؤيتهن للرجال وإنما أمرن بإدناء الجلابيب وإجماع المسلمين خَلَف عن سلف بعدم منع النساء من الخروج لقضاء ما يحتجن له من البيع والشراء والتحاكم.
قال القاضي عياض (٢): وفيه جواز نظر النساء إلى الرجال الأجانب لأنه إنما يكره لهن النظر إلى المحاسن والاستلذاذ لذلك، وقال النووي (٣): النظر بشهوة وعند خشية الفتنة حرام اتفاقا، وأما بغير شهوة فالأصح أنه يحرم. وأجاب عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل بلوغ عائشة وقد عرفت الجواب عنه، قال: وكانت تنظر إلى لعبهم بحرابهم لا إلى وجوههم وأبدانهم، وإن وقع بلا قصد إن أمكن أن تصرفه في الحال. انتهى. وقد عرفتَ بُعْدَ هذا وقولها: "وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون" وقع في رواية البخاري في موضعٍ (٤): "وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدرق (٥) والحِرَاب" في رواية عروة عن عائشة، ووقع في رواية الزهري في البخاري في موضع: "والحبشة يلعبون في المسجد" (٦) ووصلها مسلم: "بحرابهم"، ولمسلم من رواية هشام عن أبيه: "جاء حبش يلعبون في المسجد" (٧) قال المحب الطبري (٨): هذا السياق يُشْعِرُ بأن عادتهم ذلك في كل عيد، ووقع في رواية ابن حبان (٩): "لما قَدِمَ وفد الحبشة قاموا
стр. 703
يلعبون في المسجد"، وهو يُشْعِر بأن الترخيص لهم في ذلك بحال القدوم، ولا تنافي بينهما لاحتمال أن يكون قدومهم صادف يوم عيد، وكان من عادتهم اللعب في الأعياد يفعلون ذلك كعادتهم ثم صاروا يلعبون في كل عيد، ويؤيده ما رواه أبو داود عن أنس: "لما قدم النبي ﷺ المدينة جاء الحبش بحرابهم" (١) ولا شك أن يوم قدومه كان أعظم عندهم من يوم العيد.
وفي الحديث دلالة على جواز مثل ذلك اللعب في المسجد إذا كان في يوم من أيام المسرة التي شرع للمسلمين إظهار المسرة والتلبس بشعار النعمة، وحكى ابن التين عن أبي الحسن اللخمي أن اللعب بالحراب في المسجد منسوخ بالقرآن والسنة، أما القرآن فقوله تعالى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (٢) وأما بالسنة فحديث: "جَنِّبوا صِبْيَانَكُمْ مَسَاجِدَكُمْ. . ." (٣) الحديث، وتعقب بأن الحديث ضعيف وليس فيه ولا في الآية تصريح بما ادعاه ولا عُرِفَ التاريخ فيثبت النسخ.
وحكى بعض المالكية عن مالك أن لعبهم كان خارج المسجد وكانت عائشة في المسجد، وهذا لا يثبت عن مالك فإنه خلاف ما صرح به في طرق هذا الحديث، وفي بعضها أن عمر أنكر عليهم لعبهم في المسجد فقال له ﷺ : "دَعْهُمْ" (٤) من (أ) طريق أبي الزناد وعن عروة عن عائشة أنه، ﷺ ، قال: "لِتعلمَ يهودُ (ب) أنّ في ديننا فسحةً وأني بعثت بحنيفيَّة سَمْحَة" (٥)، وكأنَّ عمر بَنَى على الأصل من تنزيه المساجد فبين له النبي صلى الله
стр. 704
عليه وسلم أن التعمق والتشديد ينافي قاعدة شريعته، ﷺ ، من التسهيل والتيسير، وهذا يدفع جواب الطبري بأنه يغتفر للحبش ما لا يغتفر لغيرهم فيقرر (أ) حيث ورد ويدفع قول من قال: إن اللعب بالحراب ليس لَعِبًا مجردا بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدو ففي ذلك من المصلحة التي تجمع عامة المسلمين ويحتاج إليها إقامة الدين فيجوز في المسجد.
وفي الحديث دلالة على جواز النظر إلى اللهو المباح، وفيه حُسْن خُلُقِه، ﷺ ، مع أهله وكرم معاشرته، وفَضْل عائشة وعِظَم محلها عنده.
فائدة في سَتْرِهِ ﷺ لها (ب): فوقع في البخاري في بعض ألفاظه "سترني بردائه" (١)، وفي بعض ألفاظه: "فأقامني وراءه خدي على خده" (٢) أي متلاصقين، وفي بعضها: "فوضعت رأسي علي مَنْكِبه" (٣)، وفي رواية: "فوضعتُ ذَقني على عاتقه وأسندت وجهي إلى خده" (٤)، وفي رواية: "أنظر بين أذنه وعاتقه" (جـ) (٥) وقد استنبط من هذه الألفاظ أنها كانت مستترة بقيامها خلف النبي، ﷺ ، وأن مثل ذلك يكفي في الستر إذا قام مقام الرداء، ويجاب عنه بأن الستر بالرداء متعين لأن القصة واحدة، وقد وقع التعيين في بعض الألفاظ بالساتر فتحمل بقية الألفاظ عليه، والله أعلم.
١٩٩ - وعنها ﵂ "أنَّ وليدةً سوداءَ كان لها خِباءٌ في المسجد،
стр. 705
فكانت تأتيني فتحدث عندي. . ." الحديث، متفقُ عليه (١).
وسياق الحديت في البخاري: عن عائشة أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها فكانت معهم، قالت: فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور، قالت: فوضعته -أو وقع (أ) منها- فمرت حدياة وهو ملقى فحسبته لحمًا فخطفته، قالت: فالتمسوه فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، قالت: وطفقوا (ب) يفتشون حتى فتشوا قُبُلَهَا، قالت: والله إني لقائمة معهم إذ مرت الحدياة فألقته فوقع بينهم، قالت: فقلتُ للذي اتهمتموني (جـ) به: زعمتم وأنا منه بريئة -وهو ذا هو قالت: فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، قالت عائشة: فكان (د) لها خباء في المسجد أو حِفْش، قالت: فكانت تأتيني فتحدث عندي قالت: فلا تجلس عندي مجلسا إلا قالت:
ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ... ألا إنه من بلدة الكفر نجاني
قالت عائشة: فقلتُ لها: ما شأنُكِ لا تقعدين معي إلا قلتِ هذا؟
قالت: (هـ) فحدثتني بهذا الحديث.
قولها (و) "وليدة": الوليدة هي أَمَة (ز)، وهي في الأصل لها ساعة تولد، قال
стр. 706
ابن سيده: ثم أطلق على الأمة وإن كانت كبيرة.
والخِبَاء -بكسر الخاء المعجمة بعدها موحدة وبالمد- الخيمة مِنْ وَبَر أو غيره، وعن أبي عبيدة: لا تكون من شَعَر، وفي البخاري: أو حِفْش -وهو بكسر المهملة وبعدها فاء ساكنة وشين معجمة- البيت الصغير القريب السمك (١)، مأخوذ من الانخفاش وهو الانضمام، وأصله الوعاء الذي تضع المرأة فيه غَزْلَها.
وقولها: "فتحدث" بلفظ المضارع بحذف إحدى التائين.
وفي الحديث دلالة على إباحة المبيت والمقيل في المسجد لمن لا سَكَنَ له من المسلمين رجلا كان أو امرأة عند أمن الفتنة، وإباحة (أ) استظلاله بالخيمة ونحوها.
وفي تمام القصة دلالة على الخروج من البلد الذي تحصل للمرء فيه المحنة، ويتحول إلى ما هو خير منه.
وفيه: فضل الهجرة من دار الكفر وإجابة دعوة المظلوم ولو كان كافرا لأن في السياق إسلامها كان بعد قدومها المدينة، والله أعلم.
فائدة: (ب) قال المصنف ﵀ (٢) -: لم أقف على اسم المرأة، ولا على اسم القبيلة التي كانت لهم، ولا على اسم الصبية صاحبة الوشاح، والبيت الذي كانت تنشده عروضه من الضرب الأول من الطويل وأجزاؤه ثمانية ووزنه: فعولن مفاعيلن أربع مرات (جـ) لكن دخل البيت المذكور القبض وهو حَذف الخامس
стр. 707
الساكن في ثاني جزء منه فإن أشبعت حركة الحاء من الوشاح صار سالما أو قلت: ويوم وشاحٍ بالتنوين صار القبض في أول جزء من البيت وهو أخف من الأول، واستعمال القبض في الجزء الثاني وكذا في السادس في أشعار العرب كثير جدا نادر في أشعار المولدين (١).
٢٠٠ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" متفق عليه (٢).
وفي لفط للبخاري: "البزاق" ولمسلم "التفل" (٣).
والتفل -بالمثناة من فوق-: أخف من البزاق، والنفث بمثلثة آخره: أخف منه.
وفي الحديث دلالة على أن ذلك في المسجد خطيئة، والدفن مكفر لها، وهو معارَض بحديث "فليبصق عن يساره أو تحت قدمه" (٤)، وظاهره سواء كان في المسجد أو في غيره، قال النووي (٥): هما عمومان تعارضا (أ) ولكن العموم الثاني مخصوص بما إذا لم يكن في المسجد ويبقى عموم الخطئة إذا كان في المسجد من دون تخصيص، وقال القاضي عياض (٦): إنما يكون البصاق في المسجد خطيئة إذا لم يدفنه وأما مَنْ أراد دفنه فلا.
وذهب إلى هذا ابن مكي في التنقيب والقرطبي في "المفهم" (٧) وغيرهما،
стр. 708
ويشهد لهم ما رواه أحمد بإسنادٍ حسن (١) من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا قال: "فمن تنخم في المسجد فليغيب (أ) نخامته أن يصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه".
وأوضح منه ما رواه أحمد أيضًا والطبراني بإسنادٍ حَسَن (٢) من حديث أبي أمامة مرفوعًا قال: "فمن تنخّع في المسجد فلم يدفنه فسيئة، وإنْ دفنه فحسنة" فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، ونحوه حديث أبي ذر عند مسلم مرفوعًا قال: "ووجدت في مساوئ أعمال أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تُدْفَنُ" (٣).
وروى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة بن الجراح أنه تنخم في المسجد ليلة فنسي أن يدفنها حتى رجع إلى منزله أخذ شعلة من نار ثم جاء فطلبها حتى دفنها ثم قال: "الحمد لله الذي لم يكتب علي خطيئة الليلة" (٤)، فدل على أن الخطيئة مختص عن تركها.
وعند أبي داود من حديث عبد الله بن الشخير "أنه صلى مع النبي، ﷺ ، فبصق تحت قدمه اليسرى ثم دلكه بنعله" (٥) إسناده صحيح، وأصله في مسلم، والظاهر أن ذلك كان في المسجد.
قال النووي (٦): قال الجمهور: والمراد بدفنها في تراب المسجد ورمله
стр. 709
وحصائه، وحكى الروياني (١) أن المراد بدفنها: إخراجها من المسجد، وهو بعيد، والظاهر أن (أ) الخطيئة وقوع البزاق في المسجد (ب سواء كان الفاعل داخل المسجد أو من خارج المسجد إلى داخله، والله أعلم ب).
(جـ وأما حديث: "إن المسجد جـ) لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة من النار" (٢)، لم (د) أقف على مَنْ خرجه، وبمعناه رواه في "الأمالي" عن علي ﵁ فلا يدل على تحريم التنخم في المسجد، أو يحمل على عدم دفنها فيوافق الأحاديث الصحيحة، والله أعلم.
[فائدة: ورد في القملة إذا وجدها وهو ما رواه الطبراني في "الأوسط" عن مالك عن عامر قال: "رأيت معاذ بن جبل يقتل القملة والبراغيث في المسجد" (٣)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فليدفنها"، وزاد "وليمطها عنه" (٤)، وروي في الكبير والبزار بسندٍ رجاله موثقون عن رجل من الأنصار أن رسول الله، ﷺ ، قال: "إذا وجد أحدكم القملة فليصرها في ثوبه ولا يُلْقِهَا في المسجد" (٥)] (هـ).
стр. 710
٢٠١ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناسُ في المساجد" أخرجه الخمسة إلا الترمذي، وصححه ابن خزيمة (١).
[وأورده البخاري (٢) تعليقا عن أنس فقال: وقال أنس: "يتباهَوْن" بفتح الهاء.
قال المصنف: وهذا التعليق رويناه موصولا في مسند أبي يعلى وصحيح ابن خزيمة من طريق أبي قلابة أن أنسا قال: سمعته يقول: "يأتي على أمتي زمان يتباهَوْن بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا" (٣) والمراد بعمارتها قليلا هو عمارتها بالذكر والصلاة] (أ) التباهي في المساجد بأن يقول واحد منهم مسجدي أحسن من مسجدك زينة وعلوًّا وغير ذلك.
[وذلك بأن يتفاخروا في إحداث بناء (ب) المساجد وقد جاء في رواية أنه في حسن بنائها وفي رواية البخاري يتباهون بها أي تنقيش المساجد وكثرتها] (جـ).
стр. 711
٢٠٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أمرت بتشييد المساجد". أخرجه أبو داود (١)، وصححه ابن حبان (٢).
تمام حديث ابن عباس قال: "لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى"، والمراد بالتشييد: هو رفع البناء وتزيينه بالشيد وهو الجصّ، وظاهر هذين الحديثين الكراهة إن لم يكن في تمام رواية ابن عباس التشبه باليهود والنصارى دلالة على التحريم، وظاهره سواء كان المحراب وحده أو جميع المسجد، وقال أبو طالب (٣): لا كراهة في تزيين المحراب لعمل السلف من غير نكير، وقال المنصور بالله إنه يجوز في جميع المسجد، وقال أبو مضر: يجوز من بذر المسجد، قال الإِمام المهدي في "البحر" (٤): فأما تزيين الحرمَيْن فلم يكن برأي ذي حَلّ وعقد ولا سكوت رضي، وفي تخريبه إضاعة، فلم يغير أحد من بعد ما قد وضع، ومثله ذكر الإِمام يحيى، قال (أ): وإنما فعلها أهل الدول الجائرة من غير مؤاذنة لأَحدٍ من أهل الفضل، وسكت المسلمون والعلماء من غير رضي.
وحديث ابن عباس أورده البخاري تعليقا فقال (ب): وقال ابن عباس: "لتزخرفنها. ." الحديث (٥)، ولم يذكر البخاري المرفوع وهو قوله: "ما أمرت" إلخ للخلاف على يزيد بن الأصم (٦) في وصله وإرساله، وقد توهم الطيبي (٧) أن قوله: "لتزخرفنها"، من تمام الحديث، وأنه بكسر اللام تعليل لما
стр. 712
قبله، وليس كذلك وإنما هو بفتح اللام وهو (أ) جواب قَسَم.
وأخرج البخاري عن نافع أن عبد الله بن عمر أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيا باللبن وسقفه الجريد، وعُمُده خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه (ب) في عهد رسول الله ﷺ باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبا، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقَصَّة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج" (١).
والقَصَّة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة وهي الجص بلغة أهل الحجاز، وقال الخطابي (٢): يشبه الجص وليست به.
والساج نوع من الخشب معروف، يؤتى به من (جـ) الهند.
قال ابن بطال (٣) وغيره: وهذا يدل على أن السنة في بنيان المسجد القصد وترك الغلوّ في تحسينه، فقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه، وإنما احتاج إلى تجديده لأن جريد النخل قد نخر في أيامه، ثم قال عند عمارته: "أكنَّ الناس من المطر وإياك أن تحمّر أو تصفر فيفتن الناس" (٤) ثم كان عثمان والمال في زمانه أكثر فحسّنه بما لا يقتضي الزخرفة، ومع ذلك فقد (د) أنكر بعض الصحابة عليه، وأول من زخرف
стр. 713
المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان وذلك في أواخر عصر الصحابة، وسكت كثيرُ من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفا من الفتنة، ورخص في ذلك بعضهم، وهو قول أبي حنيفة (١) إذا وقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد ولم يقع الصرف على ذلك من بيت المال.
وقال ابن المنير (٢): لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صونا لها عن الاستهانة، وهو مستقيم إذا كانت العلة فيه هو ترك الرفاهية، وأما إذا كانت العلة هو شغله بال المصلي فالعلة مستمرة (٣).
٢٠٣ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عرضت عليَّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد" رواه أبو داود، والترمذي، واستغربه، وصححه ابن خزيمة (٤).
стр. 714
القِذَى -بالقاف والذال المعجمة مقصور: جمع قذاة (أ)، وجمع الجمع أقذية، قال أهل اللغة: القذى في العين والشراب ما سقط فيه، ثم استعمل في كل شيء يقع في البيت وغيره إذا كان يسيرا.
وفي الحديت دلالة على أن ذلك مما يؤجر عليه المسلم وإنْ قَلَّ وحَقُرَ.
[وفيه ترغيب في تنظيف المساجد مما يحصل فيها من القمامات القليلة أنها تكتب في أجورهم، وتعرض على نبيهم ﷺ ، وإذا كتب هذا القليل وعرض فيكتب الكبير ويعرض من باب الأولى، ففيه تنبيه بالأدنى على الأعلى، وبالطاهر على النجس، والحسنات على قدر الأعمال، وينبغي لمن أخرج قذاة من المسجد أو أذى من طريق أن يقول عند أخذها لإِزالتها: لا إله إلا الله، ليجمع بين أدنى شعب الإِيمان وأعلاها وهي كلمة التوحيد، وبين الأفعال والأقوال، وإن جمع القلب مع اللسان كان أكمل] (ب).
٢٠٤ - وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتَيْن". متفق عليه (١).
فيه دلالة على أن الصلاة مأمور بها لأن النبي عن الشيء أمر بالضد أو يقتضيه، والجمهور على أن ذلك أمر ندب، والقرينة على ذلك قوله، ﷺ ، للذي رآه يتخطى: "اجلس فقد آذيت" (٢) ولم يأمره
стр. 715
بصلاة (أ)، وكذلك مِثل قوله، ﷺ : "أفلح إن صدق" (١) لمن قال: لا أزيد على ذلك، [وكذا ما أخرجه ابن أبي شيبة عن الدراوردي عن زيد بن أسلم قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصّلون" (٢)، وروى حماد بن زيد قال: إذا دخلتَ المسجد فَصَلِّ فيه، فإن لم تصل فيه فاذكر الله تعالى، وهذا مثل ما قاله الغزالي ﵀ وغيره: إن داخل المسجد إذا كان على غير وضوء يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر] (ب).
ونقل ابن بطال (٣) عن أهل الظاهر أن الأمر على وضعه وهو الوجوب وابن حزم (٤) (جـ) صرح بمثل قول الجمهور.
وظاهر الحديث أن ذلك مشروع في جميع الأوقات لا يختص منه وقت الكراهة لإِطلاق اللفظ، ولكنه قد عارضه عموم كراهة الصلاة في الأوقات المخصوصة لمن دخل المسجد وغيره، فذهب جمع إلى تخصيص النهي وتعميم هذا الأمر وهو الأصح عند الشافعية (٥)، وذهب جمع إلى عكسه وهو قول الحنفية والمالكية (٦).
стр. 716
وظاهر الحديث أن ذلك مشروع قبل أن يجلس فإن خالف وجلس فصرح جماعة بأنه لا يشرع له التدارك (١)، وفيه نظر لما رواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي ذر أنه دخل المسجد فقال له النبي ﷺ : "أَرَكَعتَ ركعتَيْن؟ " قال: لا، قال: "قُمْ فاركعهما" (٢) وترجم عليه ابن حبان أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس، وكذلك ما سيأتي من قصة سُليك الغطفاني (٣).
وقال المحب الطبراني (٤): يحتمل أن يقال: وقتها قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز، أو يُقَال: وقتهما قبله أداء وبعده قضاء، ويحتمل أن مشروعيتهما بعد الجلوس على ما إذا لم يَطُل الفصل، وقد أخرج ابن أبي شيبة حديث أبي قتادة من وجه آخر: "أعطوا المساجد حقها، قيل: وما حقها؟ قال: ركعتين قبل أن تجلس" (٥).
[وبقي الكلام فيمن يكثر تردده إلى المسجد (٦) ويتكرر هل تتكرر عليه التحية؟ قال بعضهم: لا، وقاسه على الحطابين والفكاهين المترددين إلى مكة في سقوط الإِحرام عليهم. والحديث يدل على تكرار التحية بتكرار الدخول، قلتُ: والقول بالتكرار أولى (٧)، وهل يدخل في ذلك من دخل المسجد ولم يجلس؟ ظاهر قوله ﷺ : "إذا دخل. . ." إلخ أنه يدخل في عمومه المجتاز، ونازع في ذلك ابن دقيق العيد (٨) لظاهر قوله، ﷺ : "فلا يجلس حتى يصليَ ركعتَيْن" لأنه علَّق النهي عن الجلوس بالصلاة فإذا لم يكن جلوس انتفى النهي، وقيل: وفيه نظر لأن الجلوس بخصوصه ليس هو
стр. 717
المقصود بالتعليق عليه، بل المقصود هو الحصول في بقعته كما نبه عليه إمام الحرمين، والنهي عن الجلوس إنما ذُكِرَ للتنبيه على أنه لا يشتغل بشيء غير صلاة ركعتين كما في نظيره وهي تحية البيت الحرام أو المسجد الطواف بالبيت فإنه معلّق (أ) بالحصول بالحرم (ب) لا بالجلوس.
قال البرماوي: ويدل على ذلك أنه لو دخل ونام أو استمر قائما فإنه يكره له ذلك حتى يصلي، وحديث أبي داود يصرح بهذا فإنه أخرج الحديث بلفظ: "إذا جاء أحدكم. . ." إلخ، وفي رواية أخرى للحديث بزيادة: "ثم ليقعد بعد إن شاء أو ليذهب لحاجته" أخرجها أبو داود] (جـ).
وقوله: "ركعتين" لا مفهوم له في جانب الكثرة، واختلف في جانب العلة والصحيح اعتباره، فلا تتأدى هذه السُّنَّة بأقل من ركعتين، وقد أخرج من عموم المسجد المسجد الحرام فتحيته الطواف وذلك لأن النبي ﷺ لم يُصَلِّ قبلها ولا بعدها وقد يَرِد على ذلك أنه لم يصلها في مسجد. قلتُ: ولعله يجاب بأنه، ﷺ ، صلَّى العيد عقب وصوله قبل أن يجلس والمنهي عنه إنما هو الجلوس قبل الصلاة، وأما إذا اشتغل بصلاة ولو كانت فرضا فقد أجزته عن التحية. وقد أخرج مسلم وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان من رواية عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" (١) وأورده البخاري ترجمة (٢)، ولعل ذلك منه لما اختلف
стр. 718
على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه.
[فائدة: ويستحب لمن دخل المسجد أن يدعو بالدعاء المأثور وذلك ما رواه أبو داود عن عبد الملك بن سعيد بن سويد قال: سمعتُ أبا سعيد أو أبا أسيد الأنصاري يقول: قال رسول الله، ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلّم على النبي ﷺ ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك" (١).
وقد ورد في صفة الصلاة على النبي، ﷺ ، عند الدخول عن أنس من رواية ابن السني: "كان رسول الله، ﷺ ، إذا دخل المسجد قال: بسم الله اللهم صلى على محمد، وإذا خرج قال: بسم الله اللهم صل على محمد"، وروى ابن مردويه (أ) السلام على رسول الله ﷺ عند دخول المسجد والخروج منه، وزاد في الموضع السلام على رسول الله اللهم صلى على محمد وعلى (ب) آل محمد] (جـ).
(د عدد أحاديث الباب ستة عشر حديثًا د).
آخر الجزء الثاني، ويتلوه إن شاء الله الجزء الثالث
وأوله: باب صفة الصلاة
والحمد لله رب العالمين
стр. 719
البدرُ التمام شرح بلوغ المرام
للإمام القاضي الحسين بن محمد المغربي
(١٠٤٨ هـ- ١١١٩ هـ)
تحقيق
علي بن عبد الله الزبن
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
قدم له
فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان
رئيس مجلس القضاء الأعلى
الجزء الثالث
стр. 720
البدر التمام شرح بلوغ المرام
стр. 721
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤ - هـ = ٢٠٠٣ م
стр. 722
باب صفة الصلاة
٢٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "إِذَا قمتَ إِلى الصَّلاه فأسْبغ الوضوءَ، ثم استقبل القبْلَة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثمَّ اركع حتَّى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتَّى تعتدلَ قائِمًا، ثم اسْجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". أخرجه السبعة (١) واللفظ للبخاري (٢).
ولابن ماجه بإسناد مسلم: "حتى تطمئِنَّ قائمًا" (٣) ومثله في حديث رفاعة عند أحمد وابن حبان (٤).
وفي لفظٍ لأحمد: "فأقِمْ صُلْبَكَ حتَّى تَرجِعَ العِظَامُ" (٥).
وللنسائي وأبي داود (٦) من حديث رفاعة بن رافع: "إِنها لن (أ) تتم صلاة
стр. 723
أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، ثم يكبر الله ويحمده ويثنى عليه" وفيها: "فإِنْ كانَ مَعَكَ قُرآنٌ فَاقْرَأْ (أ)، وإِلا فاحْمِدِ الله وَكَبّرْهُ وَهَلّلهُ" (١).
ولأبي داود: "ثُمَّ اقرأْ بأمِّ الكِتَابِ (ب). وَبِمَا شاءَ الله" (٢).
ولابن حبان: "ثم بما شِئتَ" (٣).
الحديث أخرجه البخاري في مواضع فمنها ما هو مختصر ذكر الوضوء، وهو في باب صفة الصلاة ويذكر في الوضوء، في باب الاستئذان من رواية ابن نمير (٤) بلفظ "فأسبغِ الوضوء"، وفي رواية يحيى بن علي (٥): "فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد وأقم"، وأخرجه النسائي (٦) من رواية إسحاق بن أبي طلحة: "إِنَّها لَنْ تَتِمَّ صَلاةُ أحَدِكمْ حتىِ يسْبغَ الوِضوءَ كما أمره الله تعالى فَيَغْسلَ وجْهَهُ ويديه إلى المِرْفَقَيْنِ ويَمْسحَ برأَسه وِرجْلَيْه إِلى الكَعْبَيْنِ، ثمَّ يكبر الله ويَحْمَده ويمجده" وعندَ أبي داود (٧) بدل "يمجده" "ويثني عليه".
стр. 724
وفي هذا دلالة على [وجوب] (أ) إسباغ الوضوء، فإن كان المراد به إكمال الأعضاء فهو على ظاهره، وإن كان المراد به تثليث الأعضاء مع الإكمال فلعله (ب) يحمل تمام الصلاة على إكمال الفضيلة لا على الأجر أو يتعين حمل الإسباغ على إكمال الأعضاء، ويدل عليه الرواية الأخرى بقوله: "كما أمرك الله" (١)، وتفصيل المأمور به ليس فيه التثليث، ويدل التفصيل أيضًا على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق، ويصح أن يكون هذا قرينة على حمل الأمر بهما على الندب.
وقوله: "ثم استقبل القبلة": فيه دلالة على وجوب ذلك، وهو مجمع عليه، وقد تقدم تفصيل ذلك (٢) وعفوه عن الراكب.
وقوله: "فكبِّر": فيه دلالة على استفتاح الصلاة بالتكبير وتعين ذلك اللفظ، ويدل على تعين هذا اللفظ (جـ) رواية الطبراني لحديث رفاعة بلفظ: "ثم يقول: الله أكبر (٣) وحديث أبي حميد أخرجه ابن ماجه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان: "إذا قامَ إلى الصلاة اعْتَدَلَ قائمًا ورفع يديه ثم قال: الله أكبر" (٤) وروى البزار بإسنادٍ صحيِح على شرط مسلم عن علي ﵁ قال: "إن النبي ﷺ كَان إذَا قَام إلى الصَّلاةِ قال: الله أكبر" (٥)، وأخرج
стр. 725
أحمد والنسائي من (أ) طريق واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر ﵁ عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: "الله أكبر كُلما وَضَعَ وَرَفَع" (١) فهذه فيها بيان للمراد من قوله "فَكبر"، وأن المراد اللفظ لا الإتيان بما فيه معنى التكبير، وهذا (ب) قول الجمهور (٢) وأبي يوسف (٣) وعن الحنفية وزيد بن علي أنه يجزئ كل لفظ يفيد التعظيم كالتسبيح (٤)، وقال أحمد بن يحيى وأبو العباس (٥) وأبو طالب: أنه يجزئ كل ما فيه صيغة التفضيل نحو: "الله أجَلُّ وأعظَمُ"، ونحو ذلك، وقال أبو طالب (٦): وكذا التهليل، والحجة لقول (جـ) الجمهور ما مر [وهو اتباع (د) اللفظ، وظاهره تعين التكبير ويتأيد ذلك بأن العبادات محل التعبدات (هـ) ويكثر ذلك فيها، والاحتياط فيها الاتباع (و)، وأيضًا فإن الخصوص قد يكون مطلوبًا أعني خصوص التعظيم بلفظ: "الله أكبر" لأن رتب هذه الألفاظ مختلفة. كما تدل عليه الأحاديث، فقد لا تتأتى مرتبة بما يُقْصَدُ من أخري كما أَنَّا نفهم أن الركوع المقصود منه التعظيم والخضوع، فلو أقام غيره مقامه خضوعًا لم
стр. 726
يكتف به، وكما أنه شرع (أ) التكبير عند القيام والسجود، ولا يقوم غيره مقامه من التسبيح والتحميد] (ب).
واختلف العلماء في تكبيرة الإحرام فقال الجمهور: إنها ركن (١)، وقيل: شرط، وهو عند الحنفية (٢)، ووجه عند الشافعية، وقيل: سنة، وقال ابن المنذر: لم يقل به أحد غير الزهري (٣). ونقله غيره عن سعيد بن المسيب والأوزاعي ومالك، ولم يثبت عن أحدٍ منهم تصريحًا وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعًا: تجزئه تكبيرة الركوع، ونقله الكرخيُّ من الحنفية عن ابن عُلَيَّةَ وأبي بكر الأصم (جـ).
وقوله "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن": فيه دلالة على وجوب قراءة القرآن في الصلاة سواء كان الفاتحة أو غيرها، ولا تتعين الفاتحة، وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة وأصحابه (٤)، فتجزِئ عنده آية، وعن أبي يوسف ومحمد: آية طويلة، أو ثلاث آيات، وأجاب من أوجب الفاتحة (٥) بأن قوله "ما تيسر" وإن أفهم ما ذكره وهو كذلك في رواية أبي هريرة، ولم
стр. 727
يختلف الرواة فيه (أ) فقد ورد في حديث رفاعة مختلف بألفاظ ففي رواية إسحاق: "ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله" (١)، وفي رواية يحيى بن علي (٢): "فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله تعالى وكبره وهلله". وفي رواية محمد بن عمرو عند أبي داودة "ثم اقرأ بأُمِّ القرآن وبما شاء الله تعالى" (٣)، ولأحمد وابن حبان من هذا الوجه (ب) "ثم اقرأ بأمِّ القرآن ثم اقرأ بما شئت" وترجم له ابن حبان (٤): "باب فرض المصلي فاتحة الكتاب في كل ركعة"، فمع هذه الرواية المصرحة بأم القرآن: ثم اقرأ بما شئت يحمل ما تيسر علي الفاتحة، وكانت هي (جـ) المتيسرة لحفظ المسلمين لها فهي المتيسرة أو أنه عرف من حال الرجل أنه لا يحفظ الفاتحة، ومن كان كذلك وهو يحفظ غيرها فله أن يقرأه، أو أنَّ ذلك منسوخ بحديث تعيين الفاتحة أو أن المراد ما تيسر فيما زاد على الفاتحة، ولعل الرواي ذهل عن ذكر الفاتحة، ويؤيد هذا برواية أحمد وابن حبان، وأيضًا فإن في هذه الرواية زيادة وهي غير (د) معارضة مع الجمع بين الأمرين، وهذا أرجح.
ويؤخذ من الحديث أنه لا يجب على من لم يحسن القراءة والتعلم وإن أمكنه بل يعدل إلي التسبيح ونحوه.
стр. 728
وأنه لا يتعين منه قدر مخصوص ولا لفظ مخصوص، وقد ورد في تعيين اللفظ حديث عبد الله بن أبي أوفى (١) قال: جاء رجل إلي النبيِّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي لَا أسْتَطيعُ أنْ آخُذَ منْ القُرآن شَيْئًا فَعَلِّمني مَا يُجزئ مِنْهُ، قالَ: "قلْ سبْحانَ الله والحَمْدُ لله وَلَا إلهَ إلَّا اللهَ والله أكْبَرُ، ولا حوْلَ وَلَا قُوةَ إلَّا بالله العَليِّ العظيم" ولكن لا دلالة فيه على أنه يتعين ذلك إذ هو مَقَيَّد موافق لمطلق ولا (أ) دلالة على التقييد بمفهوم ولا منطوق والله أعلم.
وقوله: "ثم اركع حتى تطمئن راكعًا": فيه دلالة على وجوب الركوع وعلى وجوب الطمأنينة في الركوع لأن قوله: "حتى تطمئن" إنما هو صفة الركوع المتمكن، فلا يتوهم المغايرة من الغاية، وفي رواية أحمد لهذا الحديث: "فَإذَا رَكَعْتَ فاجْعلْ رَاحَتَيْكَ علَى رُكْبَتَيْكَ، وامْدُدْ ظَهْرَكَ وَمَكِّنْ رُكُوعَكَ" (٢) وفي رواية إسحاق بن طلحة: "ثمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْكَعُ حَتَّى تطمئن مَفَاصِلَهُ وتَسْتَرْخِي (٣).
وقوله: "ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائمًا" فيه دلالة على وجوب الرفع وعلى وجوب الانتصاب قائمًا، وأما الطمأنينة في حال القيام فقال إمام الحرمين: في القلب من وجوبها شيء؛ لأنها لم تذكر في حديث المسيء صلاته
стр. 729
وكأنه لم يقف على ما صح فيها، ففي رواية ابن نمير عند ابن ماجه: "حتى تطمئن قائما" (١) من رواية ابن أبي شيبة عنه وهو على شرط مسلم، وكذا أخرجه إسحاق ابن راهوية في "مسنده" عن أبي أسامة وهو في "مستخرج أبي نعيم" من طريقه، وكذا أخرجه السراج عن يوسف بن موسى أحد شيوخ البخاري عن أبي أسامة فهو على شرط البخاري أيضًا، ومثله في حديث رفاعة عند أحمد وابن حبان، وفي لفظ لأحمد: "أَقِمْ صُلْبَكَ حَتَّى تَرْجِعَ العِظَامُ إلى مَفَاصِلهَا" (٢) والخلاف في الرفع لأبي حنيفة (٣) فقال: الواجب هو الركوع فقط لقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا﴾، والجواب ما ثبت في الحديث.
وقوله: "ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا": فيه دلالة على وجوب السجود والطمأنينة فيه (أ) وفي رواية إسحاق بن طلحة: "ثم يكبر ويسجد حتى يمكن وجهه أو جبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي" (٤) وهو مجمع على وجوب السجود (٥)، والخلاف في الطمأنينة لأبي حنيفة (٦) قال: لقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٧) ولم يوجب ما زاد على ذلك، والجواب ما ثبت في الحديث.
وقوله: "ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِن جَالسًا": وفي رواية إسحاق: "ثم يكبر
стр. 730
فيرفع رأسه حتّى يستوى قَاعدًا على مقعدته ويقيم صلبهُ" (١)، وفي رواية محمّد بن عمرو: "فإِذَا رفعت رأَسك فاجلس على فخذك اليسرى" (٢): فيه دلالة على وجوب الرفع وعلى الطمأنينة في حال الرفع، وقال أبو حنيفة: (٣) يكتفي بأدنى رفع ولو مقدار حد السيف، وقال مالك: يكون أقرب إلى الجلوس، وفي قوله "تجلس على فخذك اليسرى": دلالة على أنّ هيئته افتراش اليسرى ونصب اليمنى، والخلاف فيه لأحد قولي الشّافعيّ أنه يقعد على رؤوس أصابعه (٤).
وقوله "ثُمَّ اسْجُدْ حتّى تطمئن ساجدًا ثمّ افعل كذلك في صلاتك كلها": دليل على أنه لا يقعد للاستراحة حيث لا قعود للتشهد، ولكنه قد وقع في رواية ابن نمير ذكره البخاريّ في باب الاستئذان بعد السجود (أ) الثاني "ثمّ ارفع حتّى تطمئن جالسًا"، ولكن البخاريّ أشار إلى أنّ هذه
стр. 731
الزيادة وهم، فإنّه عَقَّبه بأن قال: قال أبو أُسامة (١) في الاُخير "حتَى تَسْتَوي قَائِمًا" ولكنه إذا كان ذلك اللّفظ محفوظًا فيحمل على القعود للتشهد، ويدلُّ عليه أنّ في رواية إسحاق: "فإذَا جَلَسْتَ في وَسَط الصَّلاة فاطْمَئن جَالسًا ثُمَّ افْتَرِشْ فَخْذَكَ اليُسْرَى ثُمّ تَشَهَّدْ" (٢)، فذكر جلَوس التشَهد لكن رواه إسحاق ابن راهوية في "مسنده" عن أبي أُسامة كما قال ابن نمير بلفظ " ثُمَّ اسْجُدْ حتّى تَطْمَئِن سَاجدًا، ثمَّ اقعدْ حتّى تَطْمَئِن قَاعدًا، ثُمَّ اسْجُدْ حتى تَطْمَئِن سَاجدًا، ثمَّ اقْعُدْ حتّى تَطْمَئِنَ قَاعدًا، ثمَّ افعلْ ذَلِكَ في كلِّ رَكْعةٍ" (٣).
وأخرجه البيهقي من طريقه قال: وكذا قال إسحاق ابن راهويه عن أبي أُسامة، والصّحيح رواية عبيد الله بن سعيد أبي قلابة ويوسف بن موسى عن أبي أُسامة، بلفظ "ثُمَّ اسْجُدْ حتّى تَطْمَئِن سَاجدًا ثمَّ ارْفَعْ حتّى تستوي قائمًا" ثمّ ساقه من (أ) طريق يوسف بن موسى كذلك.
واعلم أنه تكرر من العلماء الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه، وعلى عدم وجوب ما لم يُذْكَرْ أنها الوجوب فللأمر بذلك، وأما عدمه فلكون المقام مقام تعليم الواجب في الصّلاة فلو لم يذكر بعض ما يجب (ب) لكان فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو لا يجوز بالإجماع، فإذا حصرت ألفاظ هذا الحديث الصحيحة أخذ منها بالزائد ثمّ إنْ عارض الوجوب أو عدمه دليل أقوي منه عُمِلَ به، وإن جاءت صيغة أمر بشيء لم
стр. 732
يذكر في هذا الحديث احتمل أنْ يكون هذا الحديث قرينة على حمل الصيغة على الندب واحتمل البقاء على الظّاهر فيحتاج إلى مرجح (أ) للعمل به، وقد ذكرنا الزيادات الواردة في طرق هذا الحديث.
واعلم أنّ من الواجبات المتفق عليها ولم تُذْكَر في هذا الحديث: النية (١) والقعود الأخير (٢)، ومن المختلف فيه التشهد الأخير (٣). والصلاة على النَّبيِّ، ﷺ فيه، السّلام في آخر الصّلاة (٤).
واستدل بهذا الحديث على وجوب الطمأنينة في أركان الصّلاة، وبه قال الجمهور (٥) واشتهر عن الحنفية (٦) أنّ الطمأنينة سنة، وصرح بذلك كثير من مصنفيهم قالوا: لأن هذا الحديث خبر آحاد، وفيه زيادة على النص وهو قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ (٧) وهما حاصلان بغير طمأنينة والطمأنينة زيادة والزيادة على المتواتر بالآحاد لا تعتبر، وعورض بأن ذلك ليس زيادة بل بيان للمراد بالسجود والركوع، وأنه مخالف للسجود اللغوي، وِهو وضع الجبهة على الأرض مطلقًا وكذا الركوع مجرد انحناء الظهر (ب) فَبَيَّنَت السنة أنّ المأمور به في الصّلاة ما كان على هذه الكيفية المخصوصة من التمكن، ويؤيده أنّ الآية الكريمة إنّما نزلت بعد ثبوت كون
стр. 733
النَّبيِّ ﷺ كان يصلّي ويركع ويسجد ولم يثبت أنه ﷺ فعل ذلك بغير طمأنينة.
وأما الطحاوي (١)، فظاهر كلامه موافقة الحنفية للجمهور في الوجوب، فإنّه ترجم: "مقدار الركوع والسجود" ثمّ ذكر حديث أبي داود في قول: "سبحان ربي العظيم" ثلاثًا في الركوع وذلك أدناه، قال: فذهب قوم إلى أنّ هذا مقدار الركوع والسجود لا يجزئ أدنى منه. قال: وخالفهم آخرون فقالوا: إذا استوى راكعًا، واطمأن ساجدًا أجزأ (أ)، ثمّ قال: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.
فائدة: الرَّجل الّذي علمه النَّبيُّ ﷺ اسمه: خلادُ بن رافع جد علي بن يحيى راوي الحديث، وصرح ابن أبي شيبة (٢) باسمه في روايته لحديث رفاعة، وفي رواية التّرمذيّ (٣): "جاء رجل كالبدوي" لا ينافي ذلك لأنه شبه بالبدوي؛ لأنه أخف صلاته، ووقع في رواية النَّسائيّ (٤) أنه صلّى ركعتين وفيه إشعار بأن الصّلاة نفل ولعلّها تحية المسجد، وفي الرِّواية المذكورة: "وقد كان النَّبيُّ ﷺ يرمقه في صلاته" زاد في رواية إسحاق بن طلحة (٥) ولا يدري ما يعيب منها (ب) [ووقع في رواية رفاعة بن رافع عند
стр. 734
ابن أبي شيبة (١) في هذه القصة: دخل رجلٌ فصلّى صلاةً خفيفة لم يتم ركوعها ولا سجودها، وأشار في البخاريّ إلى هذا في (أ) ترجمة الباب فقال: باب أمر النَّبيِّ ﷺ الّذي لا يتم ركوعه بالإعادة ثمّ أورد الحديث] (٢) (ب) و (جـ) يؤخذ منها أنّ الدخول في النافلة يوجب إتمامها ويحتمل أنه ﷺ عرف من حاله أنه لا يعرف استكمال الصّلاة من حيث هي فعرفه كيفية الصّلاة وإن لم يكن المقصود إلزامه بتأدية تلك النافلة ويحتمل أنها صلاة فرض، وفيه ما عرفت والحديث بكماله وقد اشتمل على فوائد وآداب فمن أراد استيفاء ذلك فليرجع إلى شروح الحديث.
٢٠٦ - وعن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: "رأيْتُ رَسُولَّ الله ﷺ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْه حذو منكبيه، وإذَا رَكعَ أمْكَنَ يديه مِنْ رُكبَتَيْهِ ثُمَّ هَصَرَ ظهره، فإِذَا رَفَعَ رأسَهُ اسْتَوى حَتَّى يَعُودَ كلُّ فَقَارٍ مكَانَهُ، فإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْه غَيْرَ مُفْترشٍ ولا قَابِضْهُما واستَقْبَلَ بأطْرَافِ أصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، وإذَا جَلَسَ في الرَّكعَتَيْنِ جَلَسَ علَى رجله اليُسْرَى، ونَصَبَ اليُمْنَى وإِذَا جَلَسَ في الرَّكْعَة الأخِيرَة قَدَّمَ رجله اليُسْرَى ونَصَبَ الأخْرَى وقَعَدَ علَى مقْعَدَتِهِ" أخرجه البَخاري (٣).
стр. 735
هو أبو حُمَيد عبد الرّحمن بن سعد -ويقال: عبد الرّحمن بن عمرو (أ) بن سعد الأنصاري الخزرجي الساعدي، منسوب إلى ساعدة (١) وهو أبو الخزرج المدني غلب عليه كنيته.
روي عنه جابر بن عبد الله والعباس بن سهل وعروة بن الزُّبير، وخارجة بن زيد بن ثابت، ومحمد بن عمرو (ب) بن عطاء، مات في آخر ولاية معاوية (٢).
و (جـ) الحديث روي عن أبي حميد قولا وروي عنه فعلا. أراه صلاة النَّبيِّ ﷺ ، والجمع بين الروايتين ممكن بالقول وبالفعل.
قوله: "إِذَا كبَّرَ جعل يَدَيْهِ حَذْو منكبيه": زاد ابن إسحاق: "ثُمّ قرأ بَعْضَ القُرآن" ونحوه لعبد الحميد، فيه دلالة على أنّ ذلك من أفعال الصّلاة، وأنه مقارن للتكبيرة وهو موافق لحديث (د) وائل بن حُجْرْ (٣) عند أبي دود (هـ) رفع يديه مع التكبيرة، والمعية تقتضي أنه ينتهي بانتهائها، وهو
стр. 736
الّذي صححه النووي في شرح المهذب (١)، نقله عن نصّ الشّافعي، وهو المرجّح عند المالكية (٢)، وصحح في الروضة (٣) تبعًا لأصلها أنه لا حَدّ لانتهائه.
وقد ورد تقديم الرفع على التكبير وعكسه أخرجهما مسلم فأخرج من حديث ابن شهاب لفظ (أ) رفع يديه ثمّ كبر (٤)، وفي حديث مالك بن الحويرث: "كبر ثمّ رفع يديه" (٥)، وذهب إلى تقديم الرفع على التكبير صاحب "الهداية" (٦) من (ب) الحنفية قال: لأن الرفع نفي صفة الكبرياء عن غير الله تعالى، والتكبير إثبات ذلك له والنفي سابق على الإثبات كما في كلمة الشّهادة. وهذا منه بناء على أنّ هذه (جـ) الحكمة في الرفع، وقال غيره: الحكمة في الجمع بين التكبير والرفع في افتتاح الصّلاة أن يراه الأصم ويسمعه الأعمى، وقيل معنى الرفع: الإشارة إلى طَرْح الدنيا والإقبال بكليته على العبادة، وقيل إلى الاستسلام والانقياد ليناسب فعله قوله: "الله أكبر" وقيل: إلى استعظام ما دخل فيه، وقيل: إلى تمام (د)
стр. 737
القيام، وقيل: إلى رَفْعِ الحجاب بين العبد والمعبود، وقيل: ليستقبل بجميع بدنه.
قال القرطبي (١): هذا أنسبها.
وقال الربيع قلت: للشافعي: ما معنى رفع اليدين؟ قال: تعظيم الله واتباع سنة نبيه ﷺ .
ونقل ابن عبد البرّ (٢) أنه قال: رفع اليدين من زينة الصّلاة.
وعن عقبة بن عامر قال: "لكل رفع عشر حسنات وكل (أ) إصبع حسنة"، ولم يقل أحد بتقديم التكبير على الرفع (٣) واختلف العلماء في حكم الرفع فقال النووي (٤): أجمعت الأمة على استحبابه، وهو منقوض بأن داود وأحمد بن سيار (ب) قالا بوجوبه ونقله القرطبي (٥) في أوائل تفسيره عن بعض المالكية، وهو مقتضي قول ابن خزيمة أنه رُكن، واحتج له بمواظبة النَّبيِّ ﷺ ، على فعله، وقد قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيِتُمُوني أُصَلي".
[وقال بالوجوب أيضًا الأوزاعي والحميدي شيخ البخاريّ، وحكاه القاضي حسين عن الإمام أحمد (٦).
стр. 738
وقال ابن عبد البرّ: كلّ مَنْ نقل عنه الإيجاب لا يبطل الصّلاة بتركه، إلا في رواية عن الأوزاعي والحميدي، ونقل بعض (١) الحنفية عن الإمام أبي حنيفة أنه يأثم تاركه] (أ)، وقد تؤول قول النووي بأنه أراد إجماع من سلف قبل المخالفين، أو أنّ الاستحباب لا ينافي الوجوب.
وقال ابن عبد البرّ: أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصّلاة، وهو منقوض بما تقدّم والجواب كما تقدّم.
قال المصنِّف رحمه الله تعالى (٢) -: ونقل العبدريّ عن الزيدية أنه لا يرفع (ب)، قال: وفي رواية عن مالك أنه لا يستحب، نقله صاحب: "التبصرة" منهم، وحكاه (جـ) الباجيّ عن كثيرٍ مِنْ متقدميهم، انتهى كلامه.
وأقول: وفي حكايته عن الزيدية الجميع نظر فإن القول بعدم الرفع إنّما هو للهادي ورواية عن القاسم (٣)، وقال زيد بن علي (٤) والمؤيد بالله ورواية عن القاسم، والناصر والإمام يحيى: يستحب رفع اليدين للافتتاح، واحتج القائلون به بهذا الحديث وغيره من سائر الأحاديث الواردة في ذلك من الطرق الصحيحة المعتبرة، حتّى قال المصنِّف ﵀ (٥): عددت من روى
стр. 739
رفع اليدين في ابتداء الصّلاة خمسين صحابيا، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة.
وروى البيهقي عن الحاكم قال: لا نعلم سنة اتفق على روايتها عن رسول الله ﷺ الخلفاء الأربعة، ثمّ العشرة الشهود لهم بالجنة فمن بعدهم من أكابر الصّحابة على تفرقهم في البلاد (أ) الشاسعة غير هذه السنة.
قال البيهقي: هو كما قال أستاذنا أبو عبد الله.
وقد صنف السبكي في ذلك كتابًا ونسب إلى الزيدية إنكار ذلك وفيه ما عرفت، وقد رواه أبو خالد الواسطي في مجموع عن (ب) زيد بن عليّ، ورواه محمّد بن منصور في أمالي أحمد بن عيسى من حديث أنس ومن حديث وائل بن حجر، ورواه أيضًا عن القاسم واحتج المانعون للرفع بحديث جابر بن سَمُرَة أخرجه مسلم قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "مَا لِي أرَاكُمْ رَافعِي أيْدِيَكُمْ كأَنَّهَا أذْنَابُ (جـ) خَيْلٍ شُمْسٍ اسْكُنُوا فِي الصَّلاةِ" (١).
[وشُمَّسٍ: جمع شموس وهي النفور من الدواب التي لا تستقر لشغبه وحدته، كذا في "النهاية" (٢)، وقال النووي في "شرح مسلم" (٣) شمس: بإسكان الميم وضمها -وهي التي لا تستقر بل تضطرب وتتحرك بأذنابها
стр. 740
وأرجلها] (أ) فدل الحديث على النهي عن ذلك فكان ناسخًا لما ثبت من الرفع.
وأجاب الأولون بأنَّ أصل هذا الحديث الّذي أخرجه مسلم (١) قال: "كُنَّا إِذَا صَلَّينَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلامُ عليكم ورحمة الله، السَّلَامُ عليكم ورحمة الله، وَأشار بيده إلى الجانبين فقال لهم النَّبيُّ ﷺ "علام تومئون بأيديكم كانها أذناب خيل شمس، إنّما يكفي أحدكم أنّ يضع يده على فخذه ثمّ يسلم على أخيه من عن يمين ومن عن شمال".
وفي رواية: "إِذَا سلم أَحدُكُمْ فلْيَلتَفِتْ إلى صَاحِبِه ولا يُوُمئ بيديه" (٢).
وقال ابن حبّان: تقدّم (ب) ذكرُ الخبر المقتضي للقصة المتقدمة المختصرة بأن القوم إنّما أمروا بالسكون في الصّلاة عند الإشارة بالتسليم دون الرفع الثابت عند الركوع، ثمّ رواه (جـ) كنحو رواية مسلم.
قال البخاريّ (٣): من احتج بحديث جابر بن سمرةَ على منع الرفع عند الركوع فليس له حظ من العلم، هذا مشهور، لا خلاف، إنّما كان في حال التشهد.
وأجاب الإمام المهدي في "البحر" (٤) عن هذا قال: وحملهم إياه على