← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الّذي صححه النووي في شرح المهذب (١)، نقله عن نصّ الشّافعي، وهو المرجّح عند المالكية (٢)، وصحح في الروضة (٣) تبعًا لأصلها أنه لا حَدّ لانتهائه. وقد ورد تقديم الرفع على التكبير وعكسه أخرجهما مسلم فأخرج من حديث ابن شهاب لفظ (أ) رفع يديه ثمّ كبر (٤)، وفي حديث مالك بن الحويرث: "كبر ثمّ رفع يديه" (٥)، وذهب إلى تقديم الرفع على التكبير صاحب "الهداية" (٦) من (ب) الحنفية قال: لأن الرفع نفي صفة الكبرياء عن غير الله تعالى، والتكبير إثبات ذلك له والنفي سابق على الإثبات كما في كلمة الشّهادة. وهذا منه بناء على أنّ هذه (جـ) الحكمة في الرفع، وقال غيره: الحكمة في الجمع بين التكبير والرفع في افتتاح الصّلاة أن يراه الأصم ويسمعه الأعمى، وقيل معنى الرفع: الإشارة إلى طَرْح الدنيا والإقبال بكليته على العبادة، وقيل إلى الاستسلام والانقياد ليناسب فعله قوله: "الله أكبر" وقيل: إلى استعظام ما دخل فيه، وقيل: إلى تمام (د)

стр. 737

القيام، وقيل: إلى رَفْعِ الحجاب بين العبد والمعبود، وقيل: ليستقبل بجميع بدنه. قال القرطبي (١): هذا أنسبها. وقال الربيع قلت: للشافعي: ما معنى رفع اليدين؟ قال: تعظيم الله واتباع سنة نبيه ﷺ . ونقل ابن عبد البرّ (٢) أنه قال: رفع اليدين من زينة الصّلاة. وعن عقبة بن عامر قال: "لكل رفع عشر حسنات وكل (أ) إصبع حسنة"، ولم يقل أحد بتقديم التكبير على الرفع (٣) واختلف العلماء في حكم الرفع فقال النووي (٤): أجمعت الأمة على استحبابه، وهو منقوض بأن داود وأحمد بن سيار (ب) قالا بوجوبه ونقله القرطبي (٥) في أوائل تفسيره عن بعض المالكية، وهو مقتضي قول ابن خزيمة أنه رُكن، واحتج له بمواظبة النَّبيِّ ﷺ ، على فعله، وقد قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيِتُمُوني أُصَلي". [وقال بالوجوب أيضًا الأوزاعي والحميدي شيخ البخاريّ، وحكاه القاضي حسين عن الإمام أحمد (٦).

стр. 738

وقال ابن عبد البرّ: كلّ مَنْ نقل عنه الإيجاب لا يبطل الصّلاة بتركه، إلا في رواية عن الأوزاعي والحميدي، ونقل بعض (١) الحنفية عن الإمام أبي حنيفة أنه يأثم تاركه] (أ)، وقد تؤول قول النووي بأنه أراد إجماع من سلف قبل المخالفين، أو أنّ الاستحباب لا ينافي الوجوب. وقال ابن عبد البرّ: أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصّلاة، وهو منقوض بما تقدّم والجواب كما تقدّم. قال المصنِّف رحمه الله تعالى (٢) -: ونقل العبدريّ عن الزيدية أنه لا يرفع (ب)، قال: وفي رواية عن مالك أنه لا يستحب، نقله صاحب: "التبصرة" منهم، وحكاه (جـ) الباجيّ عن كثيرٍ مِنْ متقدميهم، انتهى كلامه. وأقول: وفي حكايته عن الزيدية الجميع نظر فإن القول بعدم الرفع إنّما هو للهادي ورواية عن القاسم (٣)، وقال زيد بن علي (٤) والمؤيد بالله ورواية عن القاسم، والناصر والإمام يحيى: يستحب رفع اليدين للافتتاح، واحتج القائلون به بهذا الحديث وغيره من سائر الأحاديث الواردة في ذلك من الطرق الصحيحة المعتبرة، حتّى قال المصنِّف ﵀ (٥): عددت من روى

стр. 739

رفع اليدين في ابتداء الصّلاة خمسين صحابيا، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة. وروى البيهقي عن الحاكم قال: لا نعلم سنة اتفق على روايتها عن رسول الله ﷺ الخلفاء الأربعة، ثمّ العشرة الشهود لهم بالجنة فمن بعدهم من أكابر الصّحابة على تفرقهم في البلاد (أ) الشاسعة غير هذه السنة. قال البيهقي: هو كما قال أستاذنا أبو عبد الله. وقد صنف السبكي في ذلك كتابًا ونسب إلى الزيدية إنكار ذلك وفيه ما عرفت، وقد رواه أبو خالد الواسطي في مجموع عن (ب) زيد بن عليّ، ورواه محمّد بن منصور في أمالي أحمد بن عيسى من حديث أنس ومن حديث وائل بن حجر، ورواه أيضًا عن القاسم واحتج المانعون للرفع بحديث جابر بن سَمُرَة أخرجه مسلم قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "مَا لِي أرَاكُمْ رَافعِي أيْدِيَكُمْ كأَنَّهَا أذْنَابُ (جـ) خَيْلٍ شُمْسٍ اسْكُنُوا فِي الصَّلاةِ" (١). [وشُمَّسٍ: جمع شموس وهي النفور من الدواب التي لا تستقر لشغبه وحدته، كذا في "النهاية" (٢)، وقال النووي في "شرح مسلم" (٣) شمس: بإسكان الميم وضمها -وهي التي لا تستقر بل تضطرب وتتحرك بأذنابها

стр. 740

وأرجلها] (أ) فدل الحديث على النهي عن ذلك فكان ناسخًا لما ثبت من الرفع. وأجاب الأولون بأنَّ أصل هذا الحديث الّذي أخرجه مسلم (١) قال: "كُنَّا إِذَا صَلَّينَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلامُ عليكم ورحمة الله، السَّلَامُ عليكم ورحمة الله، وَأشار بيده إلى الجانبين فقال لهم النَّبيُّ ﷺ "علام تومئون بأيديكم كانها أذناب خيل شمس، إنّما يكفي أحدكم أنّ يضع يده على فخذه ثمّ يسلم على أخيه من عن يمين ومن عن شمال". وفي رواية: "إِذَا سلم أَحدُكُمْ فلْيَلتَفِتْ إلى صَاحِبِه ولا يُوُمئ بيديه" (٢). وقال ابن حبّان: تقدّم (ب) ذكرُ الخبر المقتضي للقصة المتقدمة المختصرة بأن القوم إنّما أمروا بالسكون في الصّلاة عند الإشارة بالتسليم دون الرفع الثابت عند الركوع، ثمّ رواه (جـ) كنحو رواية مسلم. قال البخاريّ (٣): من احتج بحديث جابر بن سمرةَ على منع الرفع عند الركوع فليس له حظ من العلم، هذا مشهور، لا خلاف، إنّما كان في حال التشهد. وأجاب الإمام المهدي في "البحر" (٤) عن هذا قال: وحملهم إياه على

стр. 741

الإشارة عند التسليم بعيد إذ قال "أيْدِيَكُمْ" ولم يقل "أَصَابِعَكمْ" ولضعف التشبيه معه انتهى (١). وهو يريد أنّ تشبيه الأيدي بأذناب الخيل الشّمس في حال الإشارة وقت السّلام ضعيف لبُعْد المشابهة، بخلاف رفعها عند التكبير فهو ظاهر وجه الشبه، وهو محل تأمَل، والله أعلم. وقوله: "حَذو منكبيه" -بفتح الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة أي: مقابلها، والمَنْكب مجمع عظم العضد والكتف (٢)، وبهذا أخذ الشّافعيّ (٣) والجمهور، وذهب الحنفية (٤) إلى أنه ترفع حتّى تحاذي بهما فروع أذنيه لحديث مالك بن الحويرث الآتي (٥)، وعند أبي داود من حديث وائل بن حجر بلفظ: "حَتَّى حَاذَتَا أُذُنَيْهِ" (٦)، ورجح الأوّل بكون إسناده أصح، وروي أبو ثَوْر عن الشّافعيّ أنه جمع بينهما، فقال: يحاذي بظهر كفيه المنكبين وبأطرافِ أنامله الأُذُنَين (٧)، ويؤيده رواية أخرى عن وائل عند أبي داود: "حتّى كَانتْ حيَالَ مَنْكَبَيْه وحَاذَي بإبْهَامِيهِ أُذُنَيْهِ" (٨)، وبهذا قال المتأخرون من المالكية فيما حكاه ابن سابق في "الجواهر"، لكن روي مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه في الافتتاح

стр. 742

وفي غيره دون ذلك (١) أخرجه أبو داود (٢). ويعارضه قول ابن جُرَيْج: قلت لنافع: كان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهما؟ قال: لا (٣)، ذكره أبو داود أيضًا، وقال: لم يذكر رفعهما دون ذلك غير مالك فيما أعلم، والله أعلم. فائدة: لم يَردْ ما يدلُّ على التفرقة في الرفع بين الرَّجل والمرأة، وعند الحنفية (٤): يرفع الرَّجل إلى الأُذُنَين والمرأة إلى المنكبين لأنه أستر لها (٥). وقوله "أمْكَنَ يَدَيْه مِنْ رُكْبَتَيْه" في رواية أبي داود "كأنه قابض عَلَيْهِما" (٦) وهذا تفسير الإمكان. وقوله "ثُمَّ هَصر ظهره" (٧) بالهاء والصاد المهملة المفتوحتين "أي ثَنَاهُ في استواء من غير تقويس ذكره الخطابي (٨)، وفي رواية الكشميهني "ثُمَّ حَنَى" -بالحاء المهملة والنون وهو بمعناه، وفي رواية عيسى: "غَيْرَ مُقْنِع رَأَسَهُ ولَا مُصَوِّبه" ونحوه (٩) لعبد الحميد ولأبي داود في رواية ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، "وفَرَّجَ بين أصَابِعِهِ" (١٠).

стр. 743

وقوله: "فإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى": زاد عيسى عند أبي داود فقال: "سَمِعَ الله لمَنْ حَمدَه اللَّهُمَّ رَبَنَّا لَكَ الْحَمْدُ، ورفع يديه" (١) ونحوه لعبد الحميد وزادَ "حتى يحاذي بِهِمَا منكبيه مُعْتَدِلا" (٢). وقوله: "حَتى يَعُودَ كلّ فَقَارٍ مَكَانَهُ": الفقار (٣) -بفتح الفاء والقاف- جمع فقارة وهي عظام الظهر وهي العظام التي يقال لها خرز الظهر، قاله الفراء، وقال ابن سيده (٤): هي من الكاهل إلى العَجْب، وحكى ثعلب عن نوادر ابن الأعرابي "أنّ عدتها سبع"، وفي أمالي الزجَّاج: أصولها سبع غير التوابع، وعن الأصمعي: هي خمس وعشرون؛ سبع في العنق وخمس في الصلب وبقيتها في أطراف الأضلاع. وحُكى في: "المطالع" أنه وقع في رواية الأصيلي: بفتح الفاء وكسرها، ولابن السكن بكسرها، والصواب بفتحها. (أقال المصنِّف ﵀ (٥) وفي روايتنا قفار بتقديم القاف على الفاء وكذا للأصيلي، وعند الباقين بتقديم الفاء كرواية يحيى بن بكير، لكن ذكر صاحب "المطالع" أنهم كسروا الفاء، وجزم جماعة من الأئمة بأن تقديم القاف تصحيف، وقال ابن المُنَيِّر: لم يتبين لي وجهه (أ) انتهى.

стр. 744

والمراد بذلك كمال الاعتدال تفسره رواية هشيم عن عبد الحميد: ثمّ يمكث قائما حتّى يقع كلّ عظم موقعه (١). وقوله "غير مفترش": أي لهما، ولابن حبّان: "غير مفترش ذراعيه" وهي مفسرة. وقوله "ولا قابضهما": أي بأن يضمهما إليه. وقوله: "فإذا جلس في الركعتين": أي في الأوليين ليتشهد. وقوله "وإذا (أ) جلس في الركعة الأخيرة" إلخ فيه دلالة قوية للشافعي (٢) ومن يقول بقوله إن هيئة الجلوس في التشهد الأوّل مغايرة لهيئة الجلوس في الأخير، وخالف في ذلك المالكية والحنفية (٣) فقالوا: يسوّي بينهما، لكن قال المالكية: يتورك فيهما كما جاء في التشهد الأخير، ويقاس عليه الأوسط، وعكسه الآخرون، وهو قول الهادي (٤) والقاسم والمؤيد بالله وزيد بن عليّ لثبوت ذلك في الأوسط، قالوا: وتوركه ﷺ في الأخير بيان للجواز لطوله، [والتورك: هو أنّ يفضي بوركه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى] (ب) (٥). وقد قيل في حكمه المغايرة بينهما أنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد

стр. 745

الركعات، ولأن الأوّل تعقبه حركة بخلاف الثّاني، ولأن المسبوق إذا رآه علم قدر ما سبق به، واستدل به الشَّافعيُّ على أنّ حُكْمَ تشهد صلاة الصُّبح حكم الأخير لعموم قوله "الركعة الاخيرة" (١)، واختلف فيه قول أحمد، والمشهور عنه اختصاص التورك بما فيه تشهدان. ٢٠٧ - وعن عليّ بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ : "أَنَّهُ كانَ إِذَا قَامَ إِلى الصَّلاة قال: "وَجَّهْت وجهي" إِلى قوله "من المُسْلمين، اللهُمَّ أنت الملك لا إِله إِلا أنت، أنت ربي وأنا عَبْدُكَ" إِلى آخره". رواه مسلم (٢). وفي رواية له أنّ ذلك في صلاة اللّيل (٣). تمامه: "ظلمتُ نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنّه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لَبَّيْكَ، وسعدَيْك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك".

стр. 746

وإذا ركع قال: "اللَّهُمَّ لك ركعت وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظم، وعصبي". وإذا رفع رأسه قال: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لك الحمد، ملء السموات وملء والأرض (أ)، ملء ما شئت من شيء بعد". وإِذا سجد قال: "اللَّهُمَّ لك سجدت، ولك آمنت، ولك أسلمت، سَجَد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين". ثمّ يكون (ب) آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللَّهُمَّ اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت. وروى هذا الحديث أحمد والترمذي وصححه. معنى "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ": قصدتُ بعبادتي. "وفطر السموات والأرض" أي (جـ): ابتدأ خلقهما من غير مثال سابق، وجَمَعَ "السموات" ووحد "الأرض" في هذا وفي غيره، قيل لأن النَّبيَّ ﷺ أُسْرِي به ووطئَها بقدميه، وأما الأرض فلم يطأ بقدمه (د) إلا العلّيا فشرفت بذلك، أو (هـ) لأن "السموات" محل الملائكة ولم يثبت في سائر الأرضين مثل ذلك ولذلك كانت السموات أفضل. وقد قيل إن الأرضين

стр. 747

السبع لها سكن فروى البيهقي (١) عن أبي الضحى عن ابن عبّاس أنه قال: في قوله ﴿وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (٢) قال: "سبع أرضين في كلّ أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيساكم" (أ). ثمّ قال: إسناد هذا الحديث عن ابن عبّاس صحيح، غير أني لا أعلم لأبي الضحى متابعًا. و"حنيفًا": قال الأكثرون معناه مائلا إلى الدين الحق وهو الإسلام، والحنف (ب): الميل ويكون في الخير والشر، وقيل المراد بالحنيف هنا المستقيم، قاله الأزهري وغيره. وقال أبو عبيد: الحنيفية عند العرب: من كان على دين إبراهيم. وقوله "وما أنا من المشركين" بيان للحنيف وإيضاح لعناه، والمشرك يطلق على كلّ كافر من عابد وثن وغيره. وقوله (جـ): "إن صلاتي ونسكي": النسك: العبادة (٣) وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى، وهو مِن عطف العام على الخاص، والنسيكة في

стр. 748

الأصل: الفضة المذابة المصفاة من كلّ خلط. وقوله: "ومحياي ومماتي": أي حياتي، ويجوز فتح الياء وإسكانها، والأكثر على فتح ياء "محياي". وقوله "لله": اللام لام الملك والاختصاص، وكلاهما مراد هنا. وقوله "رب العالمين": في معنى الرب (١) أربعة أقوال: المالك والسيد والمدبر والمربي (أ)، فعلى الأولين هو صفة ذات، وعلى الأخيريْن صفة فِعْل ومتى دخلت عليه اللام اختص بالله سبحانه [وقد أطلق على غيره نادرًا مع القرينة كقول ابن حِلِّزة: وهو الرب والشهيد على يو ... م الحيارين والبلاء بلاء (٢)] (ب) "والعَالَمين": جمع عَالَم، والعالم مشتقٌّ من العلم وهو اسم لجميع المخلوقات يعني أنه يصح إطلاقه على جميع (جـ) الأجناس، فيقال: عالم الملك وعالم الإنس وعالم الجن وعالم الأفلاك وعالم النبات إذا كان المراد بعالم ما يُعْلمُ به الخالق. وإن كان المراد به من يَعْلَمُ كان مختصا بالمَلك والثَّقَلين، ويتناول غيرهم على جهة الاستتباع. وقيل: عنى به هنا الإنس وحدهم لأن كلّ واحد منهم يشتمل على

стр. 749

نظائر ما في العالم الكبير من الجواهر والأعراض يعلم بها الصانع، ولذلك (أ) رود عن عليّ، ﵁: (١). أتحسب أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم (ب) الأكبر وقال الله تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ (٢). وأما جمعه مع القول بشموله في حال التعريف فلدلالته (جـ) على أنّ القصد إلى الإفراد دون الحقيقة. وقوله: "لَا شَرِيكَ له": تأكيد لقوله: و (د) "لله رَبِّ العَالَمِينَ" المفهوم منه معنى الاختصاص. وقوله: "وأنَا أولُ المسلمين" أي من هذه الأمة، وفي رواية لمسلم: "وأنا من المسلمين" (٣). وقوله "اللَّهُمَّ أنت المَلِكُ" أي القادر على كلِّ شيء المالك لجميع المخلوقات. وقوله "ظَلَمْتُ نَفْسِي": اعتراف بالتقصير، قدَّمه على سؤال المغفرة أدبًا. وقوله: "اهدني": أي: أرشدني ووفقني للتخلق بها. وقوله: "سيئها": أي: قبيحها (هـ).

стр. 750

وقوله: "لَبَّيْكَ" مصدر مثنى مضاف من لَبِّ بالمكان أي أقام، أو من أُلب ومعناه، أنا مقيم على طاعتك وامتثال أمرك إقامة متكررة، أو من اللُّباب أي: الخالص؛ أي مخلص في عبادتك وتوجهي إليك، أو بمعنى اتجاهي وقصدي إليك. وقوله "سَعْديك" ومعناه أي أسعد أمرك وأتبعه إسعادًا متكررًا، وهو كذلك مصدر مثنى مضاف. وقوله: "الخير كله في يديك، والشر ليس إليك": ومعناه: أنّ الفواضل والآلاء كلها من إنعامك على عبادك، والمزيد ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، كله بيديك والشر ليس إليك، قال الخليل بن أحمد والنضر بن شميل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين وأبو بكر بن خزيمة والأزهري (أ) وغيرهم: معناه: لا يتقرب به إليك. وقال المزني كما حكاه عنه الشّيخ أبو حامد معناه: لا يضاف إليك على جهة الانفراد، فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير، ولا يا رب الشر. وإن كان هو خالق كلّ شيء، وإنّما يدخل على جهة العموم (ب) بأن يقال خالق كلّ شيء. وقيل معناه: والشر لا يصعد إليك، وإنّما يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح. وقيل: معناه: والشر ليس مضافًا ومعدودًا، ومنتهيًا نسبته إليك، كما يقال: "فلان إلى بني فلان" إذا كان عداده فيهم، ويحتمل أنّ يكون معناه: والشر ليس إليك؛ أي ليس ما أوجدته شرًّا بل كلّ ما فعلته

стр. 751

وأوجدته فهو خير، وكون فيه مضرة للغير ليس هو بشر باعتبار عاقبته المحمودة وما تضمن من الحكمة البالغة. وقوله: "أنا بك وإليك": أي التجائي إليك وانتمائي إليك وتوفيقي بك. وقوله: "تباركت": أي استحققت الثّناء، أو معناه: ثبت الخير عندك. وقوله: "ملء السموات" إلخ .. بكسر اليم، وهو منصوب صفة مصدر (أ)، محذوف، ويجوز رفعه خبرًا لمبتدأ محذوف، والأظهر النصب ومعناه: حمدًا لو كان أجسامًا لملأ السموات والأرض لعظمه، وهو من باب الاستعارة بالكناية شبه الحمد الصادر منه الكبير بالأجسام المتكاثرة المالئة للسموات والأرض فاستغنى عن ذكر ما يدلُّ على ذلك، بما يلزم تلك الأجسام وهو شغل الحيز الوسيع. وقوله "سجد وجهي": يحتمل أن يراد به الذات، ويحتمل أن يراد به حقيقة الوجه، فيستدل به على الوجه الأخير على أنّ الأُذُنَين من الوجه. وقوله: "أحسن الخالقين": أي: المقدِّرين أو المصورين. وقوله "أنت المقدم": أي: تقدّم مَنْ شئت بطاعتك وغيرها وتؤخر من شئت عن ذلك كما تقتضيه حكمتك. وهذا الحديث يدلُّ على أنه يستحب الاستفتاح بهذا وسائر ما ذكر في أركان الصّلاة، ورواية أنّ ذلك في صلاة اللّيل لا ينافي الاستحباب مطلقا، والله أعلم. ٢٠٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله إِذا كبر في الصّلاة سكت هنيهة قبل أنّ يقرأ. فسألته فقال: أقول: اللَّهُمَّ

стр. 752

باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللَّهُمَّ نقني من خطاياي كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيض من الدنس، اللَّهُمَّ اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" متفق عليه (١). قوله "سكت" المراد بالسكوت هنا هو ترك الجهر بالقراءة. وقوله: "هنيهة" هكذا في رواية الكشميهني (٢) للبخاري، وهي رواية إسحاق والحميدي في مسنديهما (أ) عن جرير والهاء مقلوبة من الياء وأصلها هنية تصغير هيوة (ب)، اجتمعت الواو والياء، والياء ساكنة فقلبت الواو إليها فقيل: هنية وهي الثابتة عند الأكثر، وذكر عياض (٣) والقرطبي أنّ أكثر الرواة قالوه بالهمز، وقال النووي (٤): الهمزة خطأ. وقوله " باعد": المراد بالمباعدة: محو ما حصل منها والعصمة عما

стр. 753

سيأتي منها، وهو مجاز عن (أ) عدم اجتماعه بالخطايا كعدم اجتماع الشرق والغرب إذ الاجتماع حقيقة إنّما هو بين أجسام، كما في المشبّه به، والمراد أنّ لا يبقي لها منه اقتراب بالكلية، وأعاد "بين" في المعطوف لئلا تعطف على الضمير المجرور من دون إعادة الخافض. وقوله "نقني": مجاز عن زوال الذنوب ومحو أثرها، ولما كان الدنس في الثّوب الأبيض أظهر من غيره وقع التشبيه به. وقوله: "بالماء والثلج والبرد" قال الخطابي (١) ذكر الثلج والبرد تأكيدًا، ولأنهما ماءان لم تستعملهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال. وقال ابن دقيق العيد (٢): عبر بذلك عن عامة المحو، فإن الثّوب الّذي تتكرر عليه ثلاثة أشياء مُنَقِّية يكون في غاية النقاء. قال: ويحتمل أنّ يكون المراد أنّ كلّ واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو، وكأنه كقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ (٣). و (ب) قال الطيبي (٤): المراد من ذكر الثلج والبرد بعد الماء شمول الرّحمة والمغفرة بعد العفو، لإطفاء حرارة عذاب النّار الّتي هي في غاية الحرارة، ومنه قولهم: بَرَّدَ الله مضجعه؛ أي ﵀ ووقاه عذاب النّار، انتهى.

стр. 754

ويؤيده ورود وصف الماء بالبرودة في حديث عبد الله بن أبي أوفى. عند مسلم (١) وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم، لكونها مسببة عنها فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيا عن الماء إلى أبرد منه (٢). وقال التوربشتي (٣): خصَّ هذه الثّلاثة بالذكر لأنها منزلة من السَّماء. وقال الكرماني (٤): يحتمل أنّ يكون في الدعوات الثلاث إشارة إلى الأزمنة الثّلاثة، فالمباعدة للمستقبل والتنفية للحال والغسل للماضي انتهى. وكان تقديم المستقبل للاهتمام بدفع ما سيأتي قبل رفع ما حصل. وفي الحديث دلالة علي مشروعية السكوت للمصلّي، ونقل ابن بطّال (٥) عن الشّافعيّ أنّ سبب هذه السكتة للإمام أنّ يقرأ المأموم الفاتحة، ودفعه بأنه لو كان كذلك لقال في الجواب: أسكت ليقرأ من خلفي والنقل هو غير معروف عن الشّافعيّ ولا عن أصحابه، إلا أنّ الغزالي قال في "الإحياء" (٦): إن المأموم يقرأ الفاتحة إذا اشتغل الإمام بدعاء الافتتاح، وقال

стр. 755

المتولي (١) أنه يكره تقديم المأموم قراءة الفاتحة على الإمام، ووجه (أ) أنّ فراغ المأموم من قراءة الفاتحة قبل الإمام يبطل صلاته (٢)، والمعروف عن الشّافعيّ أنّ المأموم يقرؤها في سكتة الإمام بين الفاتحة والسورة. وفي الحديث دلالة على مشروعية (ب) الدُّعاء بين التكبير والقراءة خلافًا للمشهور عن مالك (٣)، وقد ورد فيه الحديث المتقدم عن علي ﵁، وقد أخرجه الشّافعيّ وابن خزيمة وغيرهما بلفظ "إذا صلّى المكتوبة .. " (٤)، واعتمده الشّافعيّ في "الأم" (٥). ثمّ هذا الدُّعاء صدر منه ﷺ على سبيل المبالغة في إظهار العبودية، وقيل قاله على سبيل التعليم لأمته، واعترض بأنه لو أراد ذلك لجهر به، وأجيب بأنه قد ورد الأمر بذلك في حديث سمرة عند البزار (٦). وفيه (جـ) ما كان الصّحابة عليه من المحافظة على تتبع أحوال النَّبيّ ﷺ في حركاته وسكناته وإسراره وإعلانه حتّى حفظ الله تعالى بهم الدين،

стр. 756

وهذا حديث أبي هريرة أصح ما ورد في هذا. ٢٠٩ - وعن عمر ﵁ أنه كان يقول: "سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إِله غيرك" رواه مسلم بسند منقطع، والدارقطني موصولا وهو موقوف (١). ونحوه عن أبي سعيد مرفوعًا عند الخمسة وفيه: "وكان يقول: بعد التكبير "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفثه ونفخه". حديث عمر (أرواه مسلم أ) موقوفًا بإسناد منقطع، وقال الحاكم، قد صح ذلك (٢) عن عمر. وقال في "الهدي" (٣): إنّه صح عن عمر أنه كان يستفتح به في مقام النَّبيّ ﷺ ويجهر به ويعلمه النَّاس، وهو بهذا (ب) الوجه في حكم المرفوع، ولذا قال الإمام أحمد (٤): أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر، ولو أنّ رجلا استفتح ببعض ما روي كان حسنا، وهو أيضًا في "صحيح ابن خزيمة" (٥) و (جـ) أخرجه أبو داود والحاكم من حديث عائشة مرفوعًا قالت: "كان النَّبيُّ

стр. 757

- ﷺ إذا استفتح الصّلاة قال: "سبحانك ... " (١) الحديث، ورجال إسناده ثقات، وبه انقطاع (٢)، وأعله أبو داود (٣)، وقال الدارقطني (٤): ليس بالقوي، ورواه التّرمذيّ وابن ماجة (٥) من طريق حارثة بن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة، وحارثة (٦) ضعيف، وروى الطَّبرانيُّ (٧) نحوه عن عطاء عن عائشة، وحديث أبي سعيد رواه أيضًا أحمد والحاكم (٨)، وفيه بعد (أ) قوله: "لا إله غيرك" (ب) "ولا إله إلا الله ثلاثًا، ثمّ يقول "الله أكبر" ثلاثًا ثمّ يقول: "أعوذ ... " إلى آخره. قال التّرمذيّ (٩) حديث أبي سعيد أشهر حديث في الباب، وقد (جـ)

стр. 758

تكلم في إسناده، وقال أحمد (١): لا يصح هذا الحديث، وقال ابن خزيمة (٢): لا أعلم في الافتتاح "سبحانك اللَّهُمَّ " خبرًا ثابتًا عند أهل المعرفة بالحديث، وأحسن أسانيده حديث أبي سعيد، ثمّ قال (أ): لا نعلم أحدًا ولا سمعنا به استعمل هذا الحديث على وجهه. وروى أحمد (٣) من حديث أبي أمامة، نحوه وفيه: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". وفي إسناده مَنْ لم يسم، وروى ابن ماجة وابن خزيمة (٤) من حديث ابن مسعود أنّ النَّبيَّ ﷺ كان يقول: "اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من الشيطان الرجيم من هَمْزِه ونفخه ونفثه. ورواه الحاكم (٥) بلفظ: "كان إذا دخل في الصّلاة"، وعن أنس نحوه رواه الدارقطني (٦)، وفيه الحسين بن علي بن الأسود، وفيه مقال، وله طريق أخرى ذكرها ابن أبي حاتم في "العلل" وضعفها.

стр. 759

والحديث يدلُّ على مشروعية افتتاح الصّلاة بما ذكر فيه، وقد ذهب إليه أحمد وأبو حنيفة (١) وسفيان الثّوريّ، وإسحاق ابن راهويه وغيرهم، وظاهره عدم الجمع بينه وبين: "وجهت وجهي" الّذي قد مر، وقد ورد الجمع بينهما في حديث ابن عمر، رواه الطَّبرانيُّ (٢) في "الكبير"، وفي روايته (أ) عبد الله بن عامر الأسلمي (٣) عن محمّد (ب) بن المنكدر، وهو ضعيف (٤)، وفيه عن جابر أخرجه البيهقي (٥) بسند جيد ولكنه من رواية ابن المنكدر (٦)، وقد اختلف عليه فيه، وفيه عن عليّ ﵁. وقوله "مِنْ نَفْخِهِ" وهو بالخاء المعجمة قال عمر ﵁ (٧): نفخه الكبر، ونفثه الشعر، وهمزة المؤتة والمراد بها الجنون، ولعلّ الشعر المراد به ما لا يجوز من الهجاء، ونحوه، والله أعلم. ٢١٠ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يسَتَفْتِح الصّلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إِذا ركع لم

стр. 760

يُشخِص رأسَه، ولم يُصَوبه ولكن بيْنَ ذلك، وكان إِذا رفع من الركوع لم يسجد حتّى يستوى [قائمًا] وكان إِذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتّى يستوي] (أ) جالسًا، وكان يقول في كلّ ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان وينهى أن يفترش الرَّجل ذراعيه افتراش السَّبعُ، وكان يختم الصّلاة بالتسليم". أخرجه مسلم وله علة (١). العلّة فيه أنه رواه مسلم من رواية أبي الجوزاء عنها، وقال ابن عبد البرّ: هو مرسل لم يسمع أبو الجوزاء من (ب) عائشة، ورواه أبو نعيم في "الحلية" (٢) في ترجمة أبي الجوزاء ولفظه: "إذا دخل في الصّلاة قال: الله أكبر" لكن في إسناده أبان بن أبي عياش (جـ) (٣) وهو متروك. وقولها: "بالتكبير": فيه دلالة على تعين (د) التكبير، وقد تقدّم الخلاف فيه.

стр. 761

وقودها "والقراءة بالحمدُ لله" (أ): هو برفع الدال على الحكاية يستدل به من يقول أنّ البسملة (١) ليست من الفاتحة، وهو قول أنس وأبي وغيرهما (ب) ومالك وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وقراء المدينة والبصرة والشام، والجواب عنه بأن قولها: "الحمد لله رب العالمين" قصد به اسم سورة الفاتحة، فالمعنى (جـ) أنه يبدأ (د) بهذه السورة، لا بغيرها من السور، كما تقول "قرأت سورة البقرة" أي (هـ): السورة الّتي يذكر فيها، تسميته السورة بذلك لما كانت البقرة مذكورة فيها، كذلك الفاتحة سميت بالحمد لله لما كان (و) مذكورًا فيها. ويجاب عنه بأنه لو كان كذلك لقالت بالحمد إذ هو المشهور في اسم (ز) الفاتحة، وأما ذكر الآية كاملة فلا يظهر فيما ذكر.

стр. 762

[وهو مدفوع بأنه قد ثبت في "صحيح البخاري": "ألا أعلمك بأفضل سورة فذكر الحديث" (١)، وفيه قال: الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني .. "، فسمى (أ) السورة بالآية (ب) كاملة] (جـ) ويحتمل أنه لم يجهر بها فذكرت ما يجهر به كما سيأتي في حديث أنس. وقولها "لم يشخص" (٢): أي يرفعه. "ويُصَوِّبه": هو بضم الياء وفتح الصاد المهملة وكسر الواو المشددة، لم يخفضه خفضًا بليغًا بل بين الرفع والخفض وهو التسوية. وقولها: "حتّى يستوي قائمًا" فيه دلالة على وجوب الاعتدال. وقولها "حتّى يستوي جالسًا": فيه دلالة على وجوب الاعتدال بين السجدتين. وقولها "في كلّ ركعتين التحية": فيه دلالة لأحمد بن حنبل ومَنْ وافقه من فقهاء أصحاب الحديث أنّ التشهد الأوّل والأخير واجبان (٣)، وقال مالك وأبو حنيفة والأكثرون: هما سُنَّتان ليسا بواجبين (د) (٤)، وقال الشافعي وهو قول (هـ) الهادي: الأوّل سنة (٥) والثاني واجب.

стр. 763

احتج أحمد بهذا الحديث مع قوله ﷺ : "إذا صلّى أحدُكم فليقل: التحيات لله" (١)، والأمر للوجوب، واحتج أبو حنيفة والأكثر (أ) بأن النَّبيَّ ﷺ ترك التشهد الأوّل وجبره بسجود السّهو، ولو وجب لم يصح جبره كالركوع وغيره من الأركان. قالوا: وإذا ثبت هذا في الأوّل فالأخير مثله، (ب) لأن النَّبيَّ ﷺ لم يعلمه الأعرابي حين علمه فروض الصّلاة. حجة القول الثّالث ما ورد في قول ابن مسعود -كما سيأتي من رواية النَّسائيِّ- (٢): "كنا نقول قبل أنّ يفرض علينا التشهد .. " إلخ فصرح فيه بالفرض. وبوب له النسائي في "سننه": باب فرض التشهد وعدم وجوب التشهد الأوّل بسجوده (جـ) ﷺ لما تركه فدل على عدم وجوبه. وقولها " وكان يفرش .. " إلخ: ومعناه يجلس مفترشًا، ظاهره في جميع جَلَسَاته، ففيه (د) دلالة لقول من يقول بذلك وهو أبو حنيفة ومن وافقه، وقال مالك: يجلس متوركًا في جميع الجلسات، وقال الشّافعيّ مثل قول أبي حنيفة (٣) إلا الجلوس للتشهد الأخير فمثل قول مالك (هـ)، قال النووي (٤): وجلوس المرأة كالرجل، والنفل كالفرض، وهذا مذهب مالك والشّافعيّ والجمهور (٥).

стр. 764

وحكى القاضي عياض عن بعض السلف أنه سنة المرأة التربع (١)، وعن بعضهم: التربع في النافلة، والصواب الأوّل. ثمّ هذه الهيئة مسنونة فلو جلس في الجميع مفترشًا أو متوركًا أو متربعًا أو مقعيا أو مادا رجليه صحت صلاته انتهى (٢). ولعلّ وجه ذلك عدم تعليمه ﷺ ذلك (أ) للمسيء صلاته، والله أعلم. وقولها "عن عُقْبَة الشيطان" (٣) فسرت بأن يفرش (ب) قدميه ويجلس بإليتيه على عقبيه، [وقيل أنّ يلصق الرَّجل إليتيه بالأرض، وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب] (جـ)، وقد سمى ذلك الإقعاء، وهي بضم العين، وفي رواية أخرى لمسلم (٤) "عَقِب" بفتح العين وكسر القاف، وحكى القاضي عياض (٥) عن بعضهم ضم العين أيضًا وضعفه. وقولها "أن يفترش الرَّجل ... " إلخ: افتراش الذراعين هو بسطهما على الأرض، والمراد بالسبع هنا هو الكلب، وقد ورد ذلك مصرحًا به في رواية مسلم (٦). وقولها: "يختم الصّلاة بالتسليم": فيه دلالة على شرعية التسليم، وقد

стр. 765

احتج به على الوجوب وهو لا يظهر إلا مع قرينة قوله ﷺ "تحْرِيمُها التَّكبير، وتَحْليلُهَا التسليم" (١) فإن ظاهر هذا أنه جزء من الصّلاة كالتكبير، فهو واجب، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف (٢) وقال أبو حنيفة (٣) والثوري والأوزاعي هو سنة لو تركه صحت صلاته، بدليل أنه لم يعلمه الأعرابي، وليس في هذا الحديث دلالة على القدر من التسليم، وسيأتي (أ) (٤). ٢١١ - وعن ابن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ : "كان يرْفَعُ يَدَيْهِ حذو مَنْكَبَيه إِذا افْتَتَحَ الصَّلاة، وإذَا كَبَّرَ للرُّكوع، وإذا رَفَعَ رأسه من الركُوع" متفق عليه (٥).

стр. 766

وفي حديث أبي حُمَيْد (١) عند أبي داود: يرفعُ يديه حتّى يُحَاذِي بهما منكبيه. ثُمَّ يُكَبِّر". ولمسلم عن مالك بن الحويرث نحو حديث ابن عمر لكن قال: حَتَّى يُحَاذي بهما فُروع أُذُنَيه" (٢). تقدّم الكلام في الرفع عند افتتاح الصّلاة، وفي قوله "فإذا (أ) كبر للركُوع .. " إلخ، فيه دلالة على شرعية ذلك في الحالين جميعا (٣)، وقد ذَهب إلى هذا الشّافعيّ، واختلفت الرِّواية عن مالك. قال ابن عبد الحكم (٤): لم يرو أحدٌ عن مالك تَرك الرفع فيها إلا ابن القاسم، وقال محمّد بن نصر المروزي (٥): أجمع (ب) علماء الأمصار على مشروعية ذلك، إلا أهل الكوفة (٦)، والخلاف فيه للحنفية .. فقالوا: إنّه لا

стр. 767

يشرع، بل قال بعض الحنفية (١): إنّه يبطل الصّلاة، ونسب بعض متأخري المغاربة فاعله إلى البدعة (٢)، واحتجوا على ذلك برواية مجاهد أنه صلّى خلف ابن عمر فلم يره يفعل ذلك (٣)، وبما أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود (٤) أنه رأى النَّبيَّ ﷺ ولم يرفع يديه عند الافتتاح ثمّ لا يعود. وأجيب بالطعن في إسناد (أ) الأوّل لأن فيه أبا بكر بن عياش (٥) وقد ساء حفظه، وأيضًا فقد أثبت نافع وسالم ذلك من فعْل ابن عمر (٦)، وهما مثبتان، وهو ناف، وأيضًا فإن ترك ذلك مثبتًا (ب) لجواز ذلك لأنه لم يكن يراه واجبًا، وحديث ابن مسعود رده الشّافعيّ بأنه لم يثبت (٧)، قال ولو ثبتا لكان في رواية ابن عمر إثباتًا وهذا نفي، وهي أقدم، والطحاوي احتج بما ذكر على من يقول بوجوب الرفع، كالأوزاعي وبعض أهل الظّاهر وهو

стр. 768

مستقيم، وقد بالغ البخاريّ في مصنفه في إثبات الرفع، وحكى فيه عن الحسن وحميد بن هلال أنّ الصّحابة ﵃ كانوا يفعلون ذلك، قال البخاريّ: ولم يستثن الحسن أحدًا، ونقل عن شيخه علي بن المديني قال: حق على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الركوع والرفع منه لحديث ابن عمر هذا، وذكره في "جُزء (أ) رفع اليدين (١) وزاد: وكان علي أعلم أهل زمانه، وقال فيه: مَنْ زعم أنه بدعة فقد طعن في الصّحابة فإنّه لم يثبت عن أحدٍ منهم تركه (٢)، وذكر البخاريّ أيضًا أنه رواه سبعة عشر رجلًا من الصّحابة، وذكر الحاكم وابن منده ممّن رواه العشرة المبشرة بالجنة. قال المصنِّف -رحمه الله تعالى (٣) - وذكر شيخنا أبو الفضل أنه تتبع مَنْ رواه من الصّحابة فبلغوا خمسين رجلًا. وفي قوله "وإِذا كَبَّر" أي: عند ابتداء الركوع، وفي حديث مالك بن الحويرث: "إذا أراد أنّ يركع رفع يديه". وقوله: "إِذا رفع رأسه من الركوع": أي: إذا أراد ان يرفع، ويؤيده راواية أبي داود: "ثمّ إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما" (٤) ومقتضاه أنه يبتدئ رفع يديه عند ابتداء القيام من الركوع ويتأول رواية أحمد: "وبعدما يرفع رأسه

стр. 769

من الركوع (١) بأنَّ معناه بعدما يشرع في الرفع. وقوله "حتّى يحاذي بهما .. " إلخ تقدّم الكلام في ذلك. ٢١٢ - وعن وَائِلِ بن حُجْر ﵁ قال: "صَليْتُ مع رسول الله ﷺ فَوَضع يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى يده الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ". أخرجه ابن خزيمة (٢). هو أبو (أ) هُنَيْدة -بضم الهاء وفتح النون وائل بن حجْر بن ربيعة الحضرمي، كان قيلا من أقيال حضرموت وكان أبوه من ملوكهم، وَفَدَ على النَّبيِّ ﷺ ويقال إنّه بشر به النَّبيّ ﷺ أصحابه قبل قدومه وقال: يأتيكم وائل بن حجْر من أرض بعيدة من حضرموت طائعًا راغبًا في الله ،

стр. 770

وفي رسوله، وهو بقية أبناء الملوك". فلما دخل على النَّبيِّ ﷺ رَحَّبَ به وأدناه من نفسه وبسط له رداءه فأجلسه عليه، وقال: "اللَّهُمَّ بارك في وائل وولده وولد ولده (١)، واستعمله على الأقيال من حضرموت. قال في النُّبَلاء (٢): روى له الجماعة إلا البخاريّ، والظاهر أنه عاش إلى زمن معاوية وبايع له، وقيل: قتل بصفين مع علي، ﵁. انتهى. وذكر القاسم بن إبراهيم - رحمة الله عليه - أنه كان يكتب بأسرار عليّ إلى معاوية، وهو الّذي شهد على حُجر بن عديّ أنه نزع يده من الطّاعة، فكتب زياد بذلك إلى معاوية فقتله معاوية والله أعلم. روى عنه ابناه علقمة وعبد الجبار وكليب بن شهاب وعبد الرّحمن اليحصبي (٣). حديث وائل (أ) أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ بلفظ: "ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى على كَفِّه اليُسْرَى والرُّسغ من (ب) الساعد"، وأصله في مسلم (٤) بدون "والرسغ من الساعد"، والرُّسغِ بضم الراء وسكون السين المهملة بعدها معجمة هو المفصل بين الساعد والكف، وأخرجه البزار أيضًا، وفيه: "عند صدره"، في محل "على صدره" وقد أخرجه محمّد بن منصور في

стр. 771

"علوم آل محمّد" المعروف "بأمالي أحمد بن عيسى" في باب التغليس بالفجر. وفي الحديث دلالة على مشروعية الوَضع المذكور في الصّلاة، وقد ذهب إلى هذا زيد بن عليّ (١) وأحمد بن عيسى، والحنفية والشّافعيّة، ومحله فوق السرة عند الشّافعيّة (٢) وتحتها عند الحنفية (٣)، وحجة الحنفية ما في زيادات "المسند" من حديث (٤) علي ﵁. أنه وضعهما تحت السرة، وإسناده ضعيف (٥)، وحجة الشّافعيّة حديث الباب المذكور بقوله "على صدره"، وفي الرِّواية الآخرة "عند صدره" متقاربتان في تعيين المحل المذكور (٦). وذهب القاسية والناصرية (٧) إلى أنّ ذلك غير مشروع وتبطل به الصّلاة (٨) عند الهادي والقاسم وأبي طالب، قالوا: لأنه فعل كثير، وعند المؤيد والإمام يحيى: لا تبطل به الصّلاة وإنّما يكره، قالوا: إذ لا دليل

стр. 772

على بطْلان الصّلاة به، وحجتهم حديث جابر بن سمرة (١): "ما لي أراكم رَافِعِي أيْديكُمْ" قالوا: هو ناسخ لرفع الأيدي. وقوله. "لو خشع قلبه لخَشعت جَوارحه" (٢) وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٣) وحركة الأيدي تنافي الخشوع. والقول بالنسخ لا يكاد يتم مع ما عرفت من سبب ورود قوله: "ما لي أراكم" فيما مر، وقولهم: إنّه ينافي الخشوع غير مسلم، بل قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنه صفة السائل الذليل وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع. ومن اللطائف (٤) قول بعضهم: القلب موضع النية، والعادة أنَّ من أحرز على حفظ شيء جعل يديه (أ) عليه. وقال ابن عبد البرّ (٥): لم يأت عن النَّبيِّ ﷺ فيه خلاف وهو قول جمهور الصّحابة والتابعين، وقال: وهو الّذي ذكره مالك في "الموطَّأ" (٦)، ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره، وروى ابن (ب) القاسم عن مالك

стр. 773

الإرسال وصار إليه أكثر أصحابه (١) وعنه التفرقة بين الفريضة والنافلة. [فكرهها في الفرض، وأجازها في النفل] (أ). ومنهم من كره الإمساك، ونقل ابن الحاجب أنّ ذلك حيث يمسك معتمدا لقصد الراحة، ويؤيد ما ادعاه ابن عبد البرّ (ب) ما أخرجه البخاريّ عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: "كان النَّاس يؤمرون أن يَضَعَ الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصّلاة (٢) قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمى ذلك إلى النَّبيّ ﷺ . وظاهر (جـ) قوله "يؤمرون" أنّ الآمر هو النَّبيّ ﷺ وأن ذلك لعموم مَنْ كان حاضرا، وأمكن أمره. وأردف البخاريّ باب الخشوع (٣) لهذا الّذي رفعه لعلّه ردا (د) على من يقول إنّه ينافي الخشوع بناء منه على أنّ ذلك من الخشوع. والله أعلم. وردد الإمام الهدي في "البحر" الكلام في هذه المسألة فقال: أما فعله ﷺ فلعلّه لعذر لاحتماله (٤)، وأما الخبر فإنْ صَحَّ فقوي، ثمّ قال:

стр. 774

وتركه أحوط، ولا يخفى عليك ما في هذا الكلام، والله أعلم. ٢١٣ - وعن عُبَادة بن الصَّامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ" متفق عليه (١). وفي رواية لابن حبّان والدارقطني: "لا تجْزِئ، صَلَاةٌ لَا يُقْرأ فيها بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" (٢). وفي أخرى لأحمد وأبي داود والترمذي (أ) وابن حبّان: "لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤون خلف إِمامكم؟ قلنا: نعم، قال: لا تَفْعَلُوا إلا بفَاتحَة الْكتَاب، فإنَّهُ لا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرأ بها" (٣). هو أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس الخزرجي الأنصاري السالمي كان نقيبا وشهد العقبة الأولى، والثّانية، والثالثة (٤)، وآخى رسول الله ﷺ

стр. 775

بينه وبين أبي مرثد الغنوي، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، ثمّ وجهه عمر إلى الشّام قاضيا ومعلما فأقام بحمص ثمّ انتقل إلى فلسطين، ومات بها في الرملة، وقيل: بيت المقدس سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، روي عنه أنس بن مالك وجابر بن (أ) عبد الله وفضالة بن عبيد والمقداد وغيرهم من الصّحابة والتابعين، وقيل إنّه أقام إلى زمن معاوية. وعُبَادة بضم العين المهملة والباء الموحدة المخففة والدال المهملة (١). قوله: "لا صلاة" إِلخ: ظاهره نَفْي ذات الصّلاة لمن لم يقرأ؛ لأن المراد هنا (ب) الصّلاة الشرعية، وهي مركبة من أقوال وأفعال. والمركب ينتفي بانتفاء جميع أجزائه وبانتفاء البعض، ولا حاجة إلى تقدير يكون هو النفي من الكمال أو الإجزاء لأن التقدير إنّما يكون عند تعذر نفي الذات كما هو المعنى الحقيقي. إلا أنّ هذا الحديث قد (جـ) رواه الإسماعيلي بالإسناد الّذي لحديث الكتاب من طريق العباس بن الوليد القُرَشيّ -أحد شيوخ البخاريّ- عن سفيان بلفط: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" (٢)، وتابعه على ذلك زياد بن أَيّوب (٣) -أحد الأثبات- أخرجه الدارقطني (٤).
следующие страницы →