← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

"علوم آل محمّد" المعروف "بأمالي أحمد بن عيسى" في باب التغليس بالفجر. وفي الحديث دلالة على مشروعية الوَضع المذكور في الصّلاة، وقد ذهب إلى هذا زيد بن عليّ (١) وأحمد بن عيسى، والحنفية والشّافعيّة، ومحله فوق السرة عند الشّافعيّة (٢) وتحتها عند الحنفية (٣)، وحجة الحنفية ما في زيادات "المسند" من حديث (٤) علي ﵁. أنه وضعهما تحت السرة، وإسناده ضعيف (٥)، وحجة الشّافعيّة حديث الباب المذكور بقوله "على صدره"، وفي الرِّواية الآخرة "عند صدره" متقاربتان في تعيين المحل المذكور (٦). وذهب القاسية والناصرية (٧) إلى أنّ ذلك غير مشروع وتبطل به الصّلاة (٨) عند الهادي والقاسم وأبي طالب، قالوا: لأنه فعل كثير، وعند المؤيد والإمام يحيى: لا تبطل به الصّلاة وإنّما يكره، قالوا: إذ لا دليل

стр. 772

على بطْلان الصّلاة به، وحجتهم حديث جابر بن سمرة (١): "ما لي أراكم رَافِعِي أيْديكُمْ" قالوا: هو ناسخ لرفع الأيدي. وقوله. "لو خشع قلبه لخَشعت جَوارحه" (٢) وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٣) وحركة الأيدي تنافي الخشوع. والقول بالنسخ لا يكاد يتم مع ما عرفت من سبب ورود قوله: "ما لي أراكم" فيما مر، وقولهم: إنّه ينافي الخشوع غير مسلم، بل قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنه صفة السائل الذليل وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع. ومن اللطائف (٤) قول بعضهم: القلب موضع النية، والعادة أنَّ من أحرز على حفظ شيء جعل يديه (أ) عليه. وقال ابن عبد البرّ (٥): لم يأت عن النَّبيِّ ﷺ فيه خلاف وهو قول جمهور الصّحابة والتابعين، وقال: وهو الّذي ذكره مالك في "الموطَّأ" (٦)، ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره، وروى ابن (ب) القاسم عن مالك

стр. 773

الإرسال وصار إليه أكثر أصحابه (١) وعنه التفرقة بين الفريضة والنافلة. [فكرهها في الفرض، وأجازها في النفل] (أ). ومنهم من كره الإمساك، ونقل ابن الحاجب أنّ ذلك حيث يمسك معتمدا لقصد الراحة، ويؤيد ما ادعاه ابن عبد البرّ (ب) ما أخرجه البخاريّ عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: "كان النَّاس يؤمرون أن يَضَعَ الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصّلاة (٢) قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمى ذلك إلى النَّبيّ ﷺ . وظاهر (جـ) قوله "يؤمرون" أنّ الآمر هو النَّبيّ ﷺ وأن ذلك لعموم مَنْ كان حاضرا، وأمكن أمره. وأردف البخاريّ باب الخشوع (٣) لهذا الّذي رفعه لعلّه ردا (د) على من يقول إنّه ينافي الخشوع بناء منه على أنّ ذلك من الخشوع. والله أعلم. وردد الإمام الهدي في "البحر" الكلام في هذه المسألة فقال: أما فعله ﷺ فلعلّه لعذر لاحتماله (٤)، وأما الخبر فإنْ صَحَّ فقوي، ثمّ قال:

стр. 774

وتركه أحوط، ولا يخفى عليك ما في هذا الكلام، والله أعلم. ٢١٣ - وعن عُبَادة بن الصَّامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ" متفق عليه (١). وفي رواية لابن حبّان والدارقطني: "لا تجْزِئ، صَلَاةٌ لَا يُقْرأ فيها بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" (٢). وفي أخرى لأحمد وأبي داود والترمذي (أ) وابن حبّان: "لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤون خلف إِمامكم؟ قلنا: نعم، قال: لا تَفْعَلُوا إلا بفَاتحَة الْكتَاب، فإنَّهُ لا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرأ بها" (٣). هو أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس الخزرجي الأنصاري السالمي كان نقيبا وشهد العقبة الأولى، والثّانية، والثالثة (٤)، وآخى رسول الله ﷺ

стр. 775

بينه وبين أبي مرثد الغنوي، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، ثمّ وجهه عمر إلى الشّام قاضيا ومعلما فأقام بحمص ثمّ انتقل إلى فلسطين، ومات بها في الرملة، وقيل: بيت المقدس سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، روي عنه أنس بن مالك وجابر بن (أ) عبد الله وفضالة بن عبيد والمقداد وغيرهم من الصّحابة والتابعين، وقيل إنّه أقام إلى زمن معاوية. وعُبَادة بضم العين المهملة والباء الموحدة المخففة والدال المهملة (١). قوله: "لا صلاة" إِلخ: ظاهره نَفْي ذات الصّلاة لمن لم يقرأ؛ لأن المراد هنا (ب) الصّلاة الشرعية، وهي مركبة من أقوال وأفعال. والمركب ينتفي بانتفاء جميع أجزائه وبانتفاء البعض، ولا حاجة إلى تقدير يكون هو النفي من الكمال أو الإجزاء لأن التقدير إنّما يكون عند تعذر نفي الذات كما هو المعنى الحقيقي. إلا أنّ هذا الحديث قد (جـ) رواه الإسماعيلي بالإسناد الّذي لحديث الكتاب من طريق العباس بن الوليد القُرَشيّ -أحد شيوخ البخاريّ- عن سفيان بلفط: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" (٢)، وتابعه على ذلك زياد بن أَيّوب (٣) -أحد الأثبات- أخرجه الدارقطني (٤).

стр. 776

وله شاهد من طريق العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا بهذا اللّفظ أخرجه ابن خزيمة وابن حبّان وغيرهما (١)، ولأحمد من طريق عبد الله بن سوادة القشيري عن رجل عن أبيه مرفوعًا: "لا تقْبل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب" (٢) فهذه الألفاظ يمكن أنّ تجعل مفسرة للنفي المذكور أنه متوجه إلى مُقَدَّر وهو الإجزاء والقبول وهو مجاز مشهور قريب من نفي الحقيقة متبادر من اللّفظ. وفي الحديث دلالة على وجوب قراءة الفاتحة في الصّلاة وتعينها، وقد ذهب إلى هذا الهادي وأتباعه وزيد بن عليّ والناصر وغيرهم من أهل البيت والشافعي ومالك (٣)، وخالف في الطرف الأوّل نفاة الأذكار فقالوا: لا تجب الفاتحة ولا غيرها، قالوا: لقوله تعالي: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ ولم يذكرها، والجواب قوله: ﴿فَاقْرَءوا مَا تَيَسَّرَ منَ القُرْآنِ﴾ والأحاديث الواردة في ذلك. وخالف في الطرف الثاني: أبو حنيفة وأصحابه (٤) فيكفي عنده آية واحدة طويلة كانت أو قصيرة، وقال أبو يوسف ومحمد: آية طويلة أو ثلاث آيات قصار، قالوا لقوله تعالي: ﴿فَاقْرَءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ ولحديث تعليم (أ) المسئ صلاته بقوله: "ثمّ اقرأ ما تيسر" (ب) والجواب أنّ في

стр. 777

هذه الأحاديث تتعين الفاتحة، ونحوها بيان القدر الواجب من المتيسر، وحديث المسئ، قد ورد في بعض ألفاظه ذِكْر الفاتحة (١) فلا حجة فيه. [واعلم أنّ الحنفية (٢) إنّما نفوا كون الفاتحة شرطًا في الصّلاة، وأما الوجوب فإنهم قائلون به، قالوا: لأن وجوبها إنّما ثبت بالسُّنَّة والذي لا تتم الصّلاة إلا به فرض، والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن] (٣) (أ). وظاهر هذا الحديث وجوب الفاتحة، وهو محتمل لتكررها في كلّ ركعة أو يكفي قراءتها في ركعة، إلا أنه قد زاد الحميدي (٤) في رواية هذا الحديث عن سفيان لفظ "فيها" فقال: "لمن لم يقرأ فيها" هكذا في "مسنده"، وهكذا رواه سفيان بن يعقوب عن الحميدي، أخرجه البيهقي (٥)، وكذا لابن أبي عمر عند الإسماعيلي، ولقتيبة وعثمان بن أبي شيبة عند أبي نعيم في "المستخرج": فإن كانت الركعة الواحدة تسمى

стр. 778

صلاة فبهذه الزيادة يتقرر وجوب قراءتها في كلّ ركعة، وقد ذهب إلى هذا الشّافعيّ واختاره الإمام شرف الدين، ويتأيد ذلك بما ورد في حديث المسئ صلاته وهو قوله: "وافعل ذَلِكَ في صَلَاتكَ كُلِّها" بعد أن علَّمه صلاة ركعة، فإنّه قد سمى كلّ ركعة صلاة وقد أمره بالقراءة في الركعة الأولى، فتكون القراءة مأمور بها في سائر الركعات (١)، وفي رواية لأحمد وابن حبّان: "ثمّ افعل ذَلكَ فِي كلِّ رَكْعَةٍ" (٢) والخلاف في ذلك للهادي (٣) وأتباعه فقالوا: تكفي قراءتها مرّة واحدة في جُمْلَة الصّلاة مفرقة أو في ركعة. وقال بهذا أيضًا من السلف: الحسن البصري (٤) رواه عنه ابن المنذر بإسناد حسن، قالوا: لأن الصّلاة اسم لمجموع الفريضة بدليل قوله "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ الله عَلَى العِبَاد" (٥) وغير ذلك، فإطلاق الصّلاة على الركعة الواحدة يكون مجازًا وقال زيد بن عليّ والناصر: إن الواجب قراءة الفاتحة فقط في الركعتين الأوليين (٦). وفي قوله "لعلّكم تقرؤون خلف إمامكم .. " إلخ: في الحديث دلالة على النهي عن قراءة ما عدا الفاتحة بعد الإمام، وأنه لا بد من قراءة

стр. 779

"الفاتحة، وظاهره سواء كانت الصّلاة سرية أم (أ) جهرية، وقد ذهب إلى هذا الشّافعيّ (١) فقال بوجوب الفاتحة ولو كانت الصّلاة جهرية سواء سمع قراءة الإمام أو لا، وهو صريح الحديث المذكور (٢)، وظاهر مذهب الشّافعيّ أنه يقرأ الفاتحة المأموم سواء قرأ الفاتحة في حال قراءة الإمام أو في حالة سكوته (٣)، ويشرع للإمام السكوت بعد القراءة ليقرأ المؤتم [فإنْ ركع الإمامُ قبل تمام المؤتم فوجهان أحدهما: يتابعه ويسقط عن المأموم باقيها، والثّاني: ذكره صاحب "التهذيب" وقطع به وصححه النووي (٤) أنه لا يسقط بل عليه أنّ يتمها ويلحق الإمام ما لم يسبقه بأكثر من ثلاثة أركان. فإن زاد على الثّلاثة فوجهان: أحدهما: يعزل صلاته، وأصحهما يستمر على المتابعة ويجري على أثره، والأصح أنه يوافقه فيما هو فيه ثمّ يقضي ما فاته بعد سلام الإمام، ذكر هذا في الروضة" (٥) (ب). وقد روى عبد الرزّاق عن سعيد بن جُبَيْر قال: لا بد من أم القرآن، ولكن من مضى من الأمة كان الإمام يسكت ساعة قدر ما يقرأ المأموم بأم القرآن (٦). انتهى.

стр. 780

فإن لم يسكت الإِمام كان له القراءة وله تمام الفاتحة ولو سبقه الإِمام بالركوع فهو عذر في التأخر، والخلاف في قراءة المأموم لمن عدا الشافعي على جهة الجملة والتفصيل، قالت الحنفية (١): لا يقرأ المأموم لا في سرية، ولا جهرية: لقوله ﷺ : "مَنْ صلى خلف الإِمام فقراءة الإِمام له قراءة" (٢) وهو حديث ضعيف عند الحفاظ وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني وغيره. وقال الهادي والقاسم وزيد بن عليّ وأَحمد وأحد قولي الشَّافعيّ ومالك وغيرهم (٣): لا يقرأ المأموم في الجهرية، قالوا لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٤) والحديث: "فإِذَا قَرأَ فَأنْصِتُوا"، وهو (أ) حديث صحيح، أخرجه مسلم (٥)، ويجاب عن ذلك بأنه مخصوص بحديث "لا تفعلوا إلَّا بأم الكتاب" والعمل به لازم لخصوصه لا مدفع له [وقول الإِمام المهدي في "البحر" أنَّه معارض بقوله ﷺ : "ما لي أنازع القرآن" ويجاب عنه بأنه لا يعارضه علي القول بأن العام يبنى على الخاص مطلقًا وعلى قول من يقول: إن العام المتأخر يكون ناسخًا للخاص المتقدم فمع جهل التاريخ يحصل التعارض مع أن حديث "ما لي أنازع" ورد في حديث

стр. 781

عبادة بلفظ: "ما لي أنازع القرآن، فلا تقرءوا بشيء إذا جهر الإِمام القراءة" وفي بعض ألفاظه: "فلا تفعلوا إلَّا بأم القرآن" وبأنه لا صلاة لن لم يقرأ بها، وفي بعض ألفاظه: "فلا يقرأن أحد منكم إذا جهر الإِمام القراءة" فتحمل الروايات في غير المطلقة على هذه الرواية فهي قضية واحدة وإنما بعض الرواة حفظ الحديث بكماله فرواه وبعضهم لعله نسي التمام وحفط أصل الحديث فاقتصر عليه أو بعثه حامل على الاستشهاد بأول الحديث وأحال معرفته على علم السامع لكون الفاتحة قراءتها معروفة لا نزاع فيها فلا تعارض حينئذ رأسًا ومثل هذا واقع في كثير من الروايات والحمل على تعدد القضية بعيد] (أ). وعلى قول هؤلاء فإذا (ب) قرأ المأموم فَسَدَتْ صلاتُه لأن النهي يقتضي فساد العبادة، وقال المؤيد: لا تفسد. فائدة: حديث عبادة فيه زائد في رواية معمر عن الزُّهْرِيّ (جـ) لفظ: "فصاعدا" أخرجه النَّسائيّ (١) وغيره، واستدل به على وجوب قدْر زائد على الفاتحة، وقال البُخَارِيّ في جزء القراءة" (٢): وهو نطر قوله (د) "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا" (٣) يعني إنما هو لدفع توهم حصر الحكم على الفاتحة

стр. 782

وادعى ابن حبان والقرطبي (١) وغيرهما الإجماع على عدم وجوب قدر زائد عليها، وفيه نظر (٢) كثوبته عن بعض الصَّحَابَة وغيرهم فيما حكاه ابن المنذر، وقال به الهادي (٣) وأتباعه من الأئمة فأخرج (أ) البُخَارِيّ من حديث أبي هريرة: "وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت" (٤)، ولابن خزيمة من حديث ابن عباس: "أن النَّبِيّ ﷺ قام فصلى ركعتين لم يقرأ فيهما إلَّا بفاتحة الكتاب" (٥)، وفي حديث المسيء (ب) من رواية أبي داود "ثُمَّ اقْرأ بِأمُ القُرآنِ وَبمَا شَاءَ الله أن تَقْرأْ" (٦) وهذه الروايات يؤخذ من مجموعها عدم وجوب ما زاد على الفاتحة، وفي قوله: "وبما شاء الله" فيه إيماء إلى عدم الوجوب؛ لأن القراءة مقيدة بالمشيئة، ومفهومها إذا لم تحصل المشيئة فلا قراءة عليك (جـ) والله أعلم. ٢١٤ - وعن أنس ﵁ "أن النَّبِيّ ﷺ وأَبا بكر وعمر

стр. 783

كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين" متفق عليه (١). زاد مسلم "لا يذكرون بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم في أول قراءة ولا في آخرها" (٢). وفي رواية لأحمد والنَّسائيّ وابن خزيمة: "لا يجهرون ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم" (٣)، وفي أخرى لابن خزيمة "كانوا يسرون" (٤). وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم خلافًا لمن أعلَّهَا. قوله "كانوا يفتتحون بالحمد لله" بضم الدال وقد تقدم الكلام على هذا. وقوله: زاد مسلم الحديث: حديث مسلم من طريق الأَوْزَاعِيّ عن قتادة، والعلة فيه أنَّه رواه الأَوْزَاعِيّ عنه مكاتبة (٥)، وقد ردت هذه العلة بأن الأَوْزَاعِيّ لم ينفرد به فقد رواه أبو يعلى (٦) عن أَحْمد الدورقي (أ) والسراج

стр. 784

عن يعقوب الدورقي وعبد الله بن أَحْمد بن عبد الله السلمي ثلاثتهم عن أبي داود الطَّيالِسيّ (١) عن شعبة، وكذلك القَدْح فيه من تدليس قتادة فإنَّ ذلك زائل بتصريحه بالسماع من أنس، قال شعبة (٢): قلتُ لقتادة: سمعته من أنس، قال: نحن سألناه، فزال تدليس احتمال الإرسال منه، وظاهر هذه الرواية حجة لمن لم يثبت البسملة آية من الفاتحة، ولا من غيرها فإن قوله في أول قراءة أراد به أول قراءة الفاتحة. وقوله: "ولا في آخرها" مُرَادُ به بآخر قراءة الفاتحة عند الشروع في السورة وهو مؤول عند من أثبتها برواية ابن خزيمة (٣) وأن المراد به إنما هو ترك الجهر بها، ويقولونها سرا فلا ينتهض دليلًا لهم، ورواية "لا يجهرون" رواه سعيد بن أبي عروبة عند (أ) النسائي، وابن حبان، وهمام عند الدارقطني، وشيبان عند الطحاوي، وابن حبان وشعبة أَيضًا من طريق وكيع عنه عند أَحْمد أربعتهم عن قتادة (٤) ولا يقال هذا اضطراب من قتادة لأنه قد رواه جماعة من أصحاب أنس عنه كذلك، فرواه البُخَارِيّ في "جزء القراءة" (٥) والسراج وأبو عوانة في "صحيحه" (٦) من طريق إسحاق بن أبي طلحة. والسراج من طريق ثابت البناني، والبخاري فيه من طريق مالك بن دينار كلهم عن أنس باللفظ الأول، رواه الطَّبْرَانِيّ في الأوسط (٧) من طريق

стр. 785

إسحاق أَيضًا، وابن خزيمة (١) من طريق ثابت أَيضًا، والنَّسائيّ (٢) من طريق منصور بن زاذان، وابن حبان من طريق أبي قلابة، والطبراني من طريق أبي نعامة، كلهم عن أنس باللفظ الثاني للجهر. وطريق الجمع بين هذه الروايات حمل نَفْي القراءة على نفي السماع ونفي السماع على نفي الجهر، ويؤيد هذا التأويل رواية ابن خزيمة (٣): "كانوا يسرون" وكذلك رواية منصور بن زاذان: "فلم يسمعنا قراءة بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم"، وإذا تقرر أن محصل (أ) حديث أنس نفي الجهر بالبسملة فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدمت على نفيه لا لمجرد تقديم المثبت على النافي؛ لأن أنسًا يبعد جدًّا أن يصحب النَّبِيّ ﷺ مدة عشر سنين ويصحب الثلاثة الخلفاء مدة خمس (ب) وعشرين سنة فلا (جـ) يسمع منهم الجهر بها في صلاة حتَّى يقدم المُثبتُ عليه وهذه تكون طريقة النفي على هذه الكيفية تفيد العلم اليقين، فلا يقدم (د) الإثبات عليها، بل يكون أنس اعترف بأنه لا يحفظ هذا الحكم، كأنه لبعد عهده به لم يذكر منه الجزم بالافتتاح بالحمد لله جهرًا، فلم يستحضر الجهر بالبسملة (٤)، فيتعين الأخذ بحديث من أثبت ذلك.

стр. 786

واعلم أنَّه اختلفت الروايات المتكثرة من كلا الجانبين (أ) وظاهرها التباين، وقد أشار إلى الجمع بينهما القرطبي وأحسن قال بعد ذكر الأحاديث من الجانبين (أ): وقد روى عن سعيد بن جبير قال: "كان المشركون يحْضرون المسجد، فإذا قرأ رسول الله ﷺ ، قالوا: هذا محمَّد يذكر رحمن اليمامة -يعنون مسيلمة- فأُمر أنّ يخافت ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ونزلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (١) قال التِّرْمِذِيّ الحكيم أبو عبد الله (٢): فبقى ذلك إلى يومنا هذا على ذلك الرسم، [وبقيت المخافتة في صلاة النهار وإن زالت العلة] (ب) انتهى. وقريب منه (جـ) ما ذكره ابن القيم في "الهَدْي" (٣) قال: كان يجهر ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم تارة، ويخفيها أكثر مما جهر بها، ولا ريب أنَّه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة، خمس مرات أبدًا حضرًا وسفرًا ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابه وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال حتَّى (د) يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة وأحاديث واهية، "فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح". انتهى.

стр. 787

وأقول والله أعلم: لعل أحوال النَّبِيّ ﷺ اختلفت فمتى حضر الصلاة من يريد الطعن والتشبث بظاهر ما سمع من المعاندين أخفى قراءة البسملة، ومتى زال ذلك الشائع أظهرها، وهذا أنسب بالجمع بين رواية النافي والمثبت؛ لأنه لو أديم أحدهما في بعض المدة بعد أن قد فعل خلافه ما خفي على الملازمين لتلك الحضرة الشريفة، والله أعلم. واعلم أن كثيرًا من الأئمة احتج على كون البسملة ليست بآية من الفاتحة بعدم قراءتها واشتهر ذلك، ولم أر من رده، وذلك لا يصح، فإن من روى أنَّه لم يقرأها أو يجهر بها لم يتعرض لكونها آية أو غير آية ولعلها آية ولم يقرأها، ويكون عدم قراءتها مبينًا لأن يقرأ من الفاتحة ما عداها فبينهما فرق، فتنبه لذلك، والله سبحانه أعلم. تنبيه: وقع في رواية الصنف هنا في رواية أنس ذكر أبي بكر وعمر دون عثمان وقد وقع ذكر عثمان في رواية عمر بن مرزوق عن شعبة عند البُخَارِيّ في "جزء القراءة" (١) وكذا في رواية حجاج بن محمَّد عن شعبة عند أبي عوانة (٢)، وهو في رواية شيبان وهشام والأوزاعي وقد أشرنا إلى روايتهم فتنبه. ٢١٥ - وعن نُعَيْم المُجمِر قال: (صليت وراء أبي هريرة ﵁ فقرأ بسم الله الرحمن الرَّحِيم. ثم قرأ بأم القرآن حتَّى إِذا بلغ

стр. 788

"ولا الضالين" قال: آمين. ويقول كما سجد وإذا قام من الجلوس: "الله أكبر" ثم يقول إِذا سلم "والذي نفسي بيده، إِني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ " رواه النسائي وابن خزيمة (١). هو أبو عبد الله نُعَيْم بن عبد الله المُجْمر -بضم النُّون وفتح المهملة مصغر- والمجْمِر -بضم الميم وسكون الجَيم وكسر الميم وبالراء -مولى عمر بن الخَطَّاب، سمع أَبا هريرة، روى عنه ابنه محمَّد ومالك بن أنس، وسُمى المُجْمِر لما ذكر سعيد بن منصور عن نُعَيْم بن عبد الله المجمر أن عمر بن الخَطَّاب، ﵁ أمر أنْ يجمر مسجد المدينة كل جمعة حين ينتصف النهار (٢).

стр. 789

الحديث ذكره البُخَارِيّ تعليقًا، وأخرجه أَيضًا السَّرَّاج وابن حبان وغيرهم من طريق سعيد بن أبي هلال عن نعيم، وبوب عليه النَّسائيّ (١) الجهر ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، وهو أصح حديث ورد في ذلك. وقوله: "قال آمين" فيه دلالة على مشروعيتها للإمام وهو قول الحنفية والشافعية (٢) وعن مالك (٣): يقولها المأموم فقط وعنه يسرها الإِمام. وهذا الحديث حجة عليه وفيه دلالة على أن التكبير مشروع عند إرادة السجود وعند الانتهاض للقيام وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. وقوله "ثم يقول": نفهم من هذا أنَّه حكاية لصلاة متكررة اعتادها أبو هريرة فمتى فرغ قال ذلك. وقوله "أشبهكم" ظاهره أن المشابهة بجميع ما ذكر فيها، ويحتمل أن تتم المشابهة بالموافقة ولو في الأكثر. والله أعلم. ٢١٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذ قرأتم الفاتحة فاقرؤوا بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، فإِنها إِحدى آياتها". رواه الدارقطني وصوب وقفه (٤). وعنه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قرأة أمِّ القرآن رفع صوته وقال: آمين" رواه الدارقطني وحسنه، والحاكم وصححه (٥).

стр. 790

ولأبي داود والتِّرمذيّ من حديث وائل بن حجْر نحوه (١). الحديث أخرجه الدارقطني من رواية أبي بكر الحنفي عن عبد الحميد بن جعفر قال: أخبرني نوح بن أبي بلال عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رفعه، وأخرجه أَيضًا عن أبي بكر الحنفي قال: لقيتُ نوحًا فحدثني به ولم يرفعه، فرفعه نوح تارة ووقفه أخرى، وصحح غير واحد من الأئمة وقفه على رفعه (٢)، فأعله (أ) ابن القطَّان (٣) بهذا التردد، وتكلم فيه ابن الجوزي (٤) من أَجل عبد الحميد بن جعفر (ب) فإن فيه مقالا (٥)، ولكن قد رواه أبو بكر عن نوح بغير واسطة عبد الحميد (ب) في طريق الوقف ولذلك صوب الدارقطني وقفه ولكن مثل هذا الموقوف في حكم المرفوع إذ لا مدخل للاجتهاد فيه (٦). وقد رواه البيهقي من طريق أخرى ترجع إلى عبد الحميد بن جعفر بالإسناد المذكور بلفظ: "إنه كان يقول الحمد لله رب العالمين سبع آيات

стр. 791

إحداهن بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، وهي السبع المثاني، وهي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب" (١)، وروى الدارقطني (٢) من طريق أخرى عن أبي هريرة عن النَّبِيّ ﷺ "أنَّه كان إذا قرأ وهو يؤم النَّاس افتتح ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم" (٣) قال أبو هريرة: هي الآية السابعة. في الحديث دلالة على وجوب قراءة بسم الله الرَّحْمَن الرحيم مع قراءة الفاتحة، وتحقيق أنها إحدى آياتها وليست بآية مستقلة، وقد ذهب إلى هذا جمهور السلف والعِتْرة جميعا والشافعي وقراء مكة والكوفة (٤)، وقال محمَّد بن كعب وابن المسيب: هي آية من الفاتحة فقط، قيل: إن منها بعض آية من غيرها، وقال أَحْمد وداود (٥) ورازي الحنفية: آية مستقلة مُنزّلة بين كل سورتين، وقد تقدم بقية الأقوال فيها. وهذا الحديث لا ينافيه ما مر من عدم سماعها أو ترك الجهر بها. إذ مدلوله الأمر بقراءتها من غير تعرض للجهر أو الإسرار. وقوله "وعنه قال: كان .. إلخ" (أ) الحديث أخرجه الدارقطني والحاكم من طريق الزبيدي، وقال الدارقطني: إسناده (ب) حسن، وقال الحاكم:

стр. 792

إسناده صحيح على شرطهما، وقال البيهقي: حسن صحيح (١). وحديث وائل أخرجوه (٢) عن طريق الثَّوريّ بلفظ: "صليت خلفَ رسول الله ﷺ فلما قال: ولا الضالين، قال آمين ومد بها صوته". ورواه أَيضًا ابن ماجه من طريق أخرى عنه بلفظ: "قال آمين فسمعناها منه". ورواه أَحْمد والدارقطني من هذه الطريق بلفظ: "مد بها صوته". وقال التِّرْمِذِيّ في "جامعه" (٣) رواه شعبة فقال: "وخفض بها صوته" قال: وسمعت محمدًا -يعني البُخَارِيّ- يقول: حديث سفيان يعني الثَّوريّ أصح، وأخطأ فيه شعبة (٤). (أ) في الحديث دلالة على أن الإِمام يشرع له قول "آمين" بعد قراءة الفاتحة جهرًا في الجهرية، وقد ذهب إلى هذا الشَّافعيّ (٥)، وقال أبو حنيفة بل يسر الإِمام في الجهرية (٦) وعن مالك في رواية (ب) أبي القاسم أن الإِمام

стр. 793

لا يقولها، ورواية عنه كأبي حنيفة (١) " وهذا الحديث لم يكن فيه تعرض لحكم المؤتم والمنفرد في التأمين، وقد وليس البُخَارِيّ من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ، قال: "إذا أمن الإِمام فأمّنوا فإنَّه مَنْ وافقَ تأمِينُه تأمين الملائكة غفِرَ له مَا تَقَدَّم مِنْ ذنبه" (٢). وأخرج من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ، قال: "إذا قال الإِمام: غير المغضوب عليهم ولا الضَّالين فقولوا: آمين، فإنَّه مَن وافَقَ قوله قوِلَ الملائكة غُفر له مَا تقدم من ذنبه" (٣) وذكر تعليقًا (٤): أمَّن ابنُ الزُّبير ومنْ وراءه حتَّى إن للمسجد لَلَجَّة، وكان أبو هريرة ينادي الإِمام لا تفتني بآمين (٥). وقال نافع: كان ابن عمر لا يدعه ويحضهم (٦)، وسمعت منه في ذلك خبرًا. وأخرج أَيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال أحدكم "آميِن" وقالت الملائكة في السماء "آمين" فوافقت إحداهما الأخرى، غُفِر له ما تقدم من ذنبه" (٧). ففي هذه الأحاديث دلالة على شرعية ذلك للمؤتم والمنفرد، والحديث

стр. 794

الأخير للقارئ مطلقًا في الصلاة أو في غيرها، وفي بعض هذه الألفاظ (أ) ما يدل على أن تأمين المأموم (١) يتأخر عن تأمين الإِمام لأنه رتبه عليه بالفاء وقد (ب) ذهب الجمهور (٢) إلى أن المشروع المقارنة، قال الشيخ محمَّد الجويني (٣) لا تستحب مقارنة الإِمام في شيء من الصلاة غيره، وتأويل الجمهور الرواية المذكورة بأن المعنى إذا أراد أن يقول آمين، وحمل الجمهور (٤) هذا الأمر على الندب، وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم عملًا بظاهر الأمر، قال: وأوجبه الظاهرية على كل مُصَلٍّ (٥)، وظاهره أنَّه يؤمن المأموم ولو كان مشغولًا بقراءة الفاتحة، وبه قال أكثر الشافعية، ثم اختلفوا هل تنقطع به موالاة الفاتحة على وجهيْن أصحهما (٦): لا تنقطع لأنه مأمور بذلك لمصلحة الصلاة بخلاف الأمر الذي لا يتعلق بها كتشميت العاطس (٧) والخلاف في شرعية التأمين في الصلاة للعترة جميعًا كذا رواية الإِمام المهدي في "البحر" (٨) وفي "جامع آل محمَّد" رواه أحمد بن عيسى عن علي ﵁ عند القول بالجهر ببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، ونقل في "البيان" عن أَحْمد بن عيسى

стр. 795

القول به، ففي نسبة الإِمام المهدي ذلك إلى الجميع فيها نظر فقالوا: إنه بدعة لقوله ﷺ لمن شمت العاطس في الصلاة "لا يَصْلُح فيها شيءٌ مِنْ كَلامِ النَّاس" (١) قال الإِمام المهدي: والراوي لفعله وائل بن حجْر (٢) وهو ضعيف الرواية، قالِ: سلمنا. فمعارض بقوله "لا يَصلح فِيهَا شيء مِن كَلامِ النَّاس" ومَنْ جوزه جوز الدعاء، والتشميت دعاء، وقد أنكر عليه. انتهى. وقد علمت أنَّ ذلك قد ثبت من غير رواية وائل على فرض صحة ضعفه (٣)، والمعارضة غير صحيحة لما عرفت من أن معناه من تكليم النَّاس كما مر، ولو كان معناه ما ذكر فهذا خاص وذلك عام، والتلازم الذي ذكره غير صحيح إذ غاية الأمران هذا يصير من جملة أذكار الصلاة التي منْ غير القرآن ثابتة بدليلها، وإلا لزم قصر الصلاة على فهمه من حديث السلمي ألا يتكلم في الصلاة إلَّا بقرآن، فما قال في ثبوت سائر الأذكار قيل في هذا والأمر واضح. ولفظ "آمين" (٤) هي بالمد والتخفيف في جميع الروايات وعن جميع القراء، وحكى أبو نصر عن حمزة والكسائي الإمالة، وفيها ثلاث لغات أخرى شاذة؛ القصر حكاه ثعلب وأنشد له شاه"، وأنكره ابن درستويه

стр. 796

وطعن في الشاهد بأنه لضرورة الشعر، وحكى عياض (١) ومن تبعه عن ثعلب أنَّه إنما أجازه في الشعر خاصة. والتشديد مع المد والقصر وخطأهما جماعة من أهل اللغة. وآمين من أسماء الأفعال مثل صه للسكوت، ويُفتح في الوصل لأنها مبنية بالاتفاق، ولم يكسر لثقل الكسرة بعد الياء مثل كيف، ومعناها: اللهمَّ استجيب، وقيل: كذلك يكون، وقيل معناه: اللهمَّ آمنا بخير، وقيل: درجة في الجنة تجب لقائلها، وقيل: لمن استجيب له كما استجيب للملائكة (٢)، وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى، رواه عبد الرَّزّاق (٣) عن أبي هريرة بإسناد ضعيف، وعن هلال بن يساف (أ) التابعي مثله (٤) وقال: من مد وشدد معناها (ب) قاصدين إليك، ونُقل ذلك عن جعفر الصادق. وقال: من قصر وشدد هي كلمة عبرانية أوسريانية، وعند أبي داود (٥) من حديث أبي زهير النميري الصحابي أن آمين مثل الطابع على الصحيفة ثم ذكر قوله ﷺ "إن خَتَمَ بآمين فقد أوْجَبَ، والمستحب الاقتصار على التأمين. وقد أخرج البيهقي (٦) حديث وائل قال: ﷺ ولا الضَّالين ربّ

стр. 797

اغفرْ لي آمين، وفي إسناده أبو بكر النهشلي (أ) وهو ضعيف (١)، وفي "الأم" للشَّافعي (٢): فإن قال: آمين رب العالمين كان حسنًا، ونقله النووي من زوائده في "الروضة" (٣). ٢١٧ - وعن عبد الله بن أبي أوْفَى ﵁ قال: "جاء رَجُلٌ إِلى النَّبي ﷺ فقال: إِنِّي لا أستَطِيِعُ أنْ آخذَ منْ القُرآن شيئًا، فَعَلمني مَا يُجْزِئني، فقال: "قُلْ سُبْحَانَ الله، والحمدُ لله، وَلَا إِلهَ إلا الله، والله أكْبَر ولَا حَوْلَ ولَا قوةَ إلا بالله العَلي العَظِيم". الحديث رواه أَحْمد، وأبو داود، والنَّسائيّ، وصححه ابن حبان، والدارقطني، والحاكم (٤). هو أبو إبراهيم، ويقال: أبو محمد، ويقال أبو معاوية، واسم أبي أوفى: علقمة بن قيس بن خالد بن الحارث بن أبي أسيد الأسلمي، شهد الحديبية؛

стр. 798

وخيبر وما بعدها من المشاهد ولم يَزَلْ بالمدينة حتَّى قُبض النَّبِيّ ﷺ ثم تحول إلى الكوفة، وهو آخر منْ مات من الصَّحَابَة بالكوفة سنة سبع وثمانين، وقيل سنة ست، وكان قد كف بصره، وكان من أصحاب الشجرة، روى عنه الشعبي وإسماعيل بن أبي خالد وعمرو بن مرة. وأسيد بفتح الهمزة وكسر السين المهملة (١). الحديث أخرجوه من حَدَّثَنَا إبراهيم بن إسماعيل السكسكي (٢) وهو من رجال البُخَارِيّ، وقد عيبَ على البُخَارِيّ إخراج حديثه، وضعفه النَّسائيّ (٣)، وقال ابن القطان: ضعفه قوم فلم يأتوا بحجة، وذكره النووي في "الخلاصة" (٤) في فصل الضعيف، وقال في "شرح المهذب" (٥): رواه أبو داود والنَّسائيّ بإسناد ضعيف، وكان سببه كلامهم في إبراهيم وقد قال ابن عدي (٦) لم أجد له حديثًا منكر المتن، وقد رواه الطَّبْرَانِيّ (أ) وابن حبان في "صحيحه" (٧) أَيضًا من طريق طلحة بن مصرف (ب) عن ابن أبي أوفى، وفي إسناده الفضل بن موفق (٨) ضعّفه أبو حاتم.

стр. 799

والحديث فيه دلالة على أن ذلك المذكور يقوم مقام القراءة لمن لا يحسنها، وظاهره أنَّه يكفي قوله مرة واحدة، ولعله بالقياس على قراءة الفاتحة أن الخلاف في تكريره في كل ركعة، أو أنه لا يجب تكريره كما تقدم في الفاتحة. وتقدم تمام الكلام في هذه المادة في حديث أبي هريرة تعليم المسئ صلاته (١). ٢١٨ - وعن أبي قتادة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي بِنَا، فَيَقرأ في الظُّهْرِ والعَصْرِ في الركعَتَيْنِ الأوليينِ بفَاتحَة الْكِتَابِ وَسورَتَيْنِ، ويُسمعُنَا الآية أحْيَانًا، ويطَوّلُ الرَّكعَة الأوَلىَ، وَيَقرأْ في الآخرتين بِفَاتِحةِ الْكِتَاب" متفق عليه (٢). قوله: "الأولَيَينِ" بياءين تثنية أُولَى، وكذا (أ) آخرتين تثنية أخرى. في الحديث دلالة على شرعية قراءة الفاتحة في كل ركعة وقراءة السورة في الركعتين الأوليين. وفيه دلالة على قراءة سورة كاملة وإن قصرت أفضل من قراءة قدرها

стр. 800

من سورة طويلة (١)، إذ لفظ كان يفعل تدل بحسب الأغلب على الدوام أو الغالب. وقوله "ويسمعنا الآية أحيانًا": فيه دلالة على أن الإسرار في السرية ليس بواجب وأنه لا يجب سجود السهو على من فعل ذلك، وسواء قلنا كان يفعل ذلك عمدًا لبيان الجواز أو بغير قصد للاستغراق في التدبر. وقوله: "أحيانًا" يدل على تكرر ذلك منه. وقد أخرج النَّسائيّ (٢) من حديث البراء: "كنا نصلي خلف النَّبِيّ ﷺ الظهر فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان (أ) والذاريات"، ولابن خزيمة (٣) من حديث أنس نحوه ولكن قال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. وقوله "ويطول الرَّكعة الأولى": ونحوه لأبي داود وابن خزيمة (٤) ومن رواية عبد الرَّزّاق عن عطاء قال: "إنِّي لأحبُّ أنَّ يُطَولَ الإمامُ الرَّكْعَةَ الأولى من كلِّ صلاةٍ حتَّى يكثرَ النَّاسُ في الأولى، ويقصر في الثَّانية" وروى عبد الرَّزّاق (٥) في آخر حديث أبي (ب) قتادة: "فظننا أنَّه يريد بذلك أن

стр. 801

يدرك النَّاس الركعة الأولى". في الحديث دلالة على استحباب التطويل للركعة الأولى وظاهره التطويل بالقراءة وادعى ابن حبان أن الطول إنما هو بترتيل القراءة فيها مع استواء المقروء، وقد روي مسلم من حديث حفصة: "كان يرتل السورة حتَّى تكون أطول منْ أطول منها" (١) ويؤخذ من هذا أن للإمام تطويل ركن الركوع ليلحق به المأموم (٢)، وقد ذكر البُخَارِيّ (٣) في "جزء القراءة" (أ) ما معناه أنَّه لم يرد عن أحد من السلف في انتظار الداخل (ب) في الركوع شيء والله أعلم. [وعن أبي حنيفة (٤): يطوِّل في أولى (ب) الصبح خاصة، وذهب بعض الأئمة إلى استحباب تطويل الأولى من الصبح دائمًا وغيرها إنْ كان يرجى كثرة المأمومين، وصلاته في أول الوقت وإلا فلا] (د). وقال: مَنْ يستحب استواء الركعتين في القراءة: إنما طالت الأولى

стр. 802

بدعاء الافتتاح والتعوذ، وأما في القراءة فهما سواء، ويدل عليه حديث أبي سعيد الآتي: وقال البيهقي (١) في الجمع بين أحاديث المسألة يطول في الأولى إنْ كان منتظرًا أحدًا وإلا فيسوي بين الأولين. وقوله "ويقرأ في الآخريين بفاتحة الكتاب": ظاهره من غير زيادة عليهما، وكذا الثالثة من المغرب حكمها كذلك، وإنْ كان مالك قد أخرج في الموطأ (٢) من طريق الصنابحي أنَّه سمع أَبا بكر يقرأ فيها: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ (٣) الآية، وللشافعي قولان في استحباب قراءة السورة في الآخريين (٤). وفي الحديث دلالة على جواز الإخبار بما يفيد الظن والعمل به وإلا فالصلاة السرية لا طريق إلى معرفة قراءة السورة فيها يفيد اليقين بذلك، وإنما ذلك بما يظهر من شاهد الحال مع قرينة سماع الآية والآيتين من السورة. والقول بأن ذلك يجوز أن يكون مأخوذًا من إخبار النَّبِيّ ﷺ يفيد مع "كان" التي تفيد الدوام أو الأغلبية، وفي حديث أبي سعيد الآتي: (٥) دلالة على ما قلنا، وكذلك في جواب خباب بن الأرت لمن سأله عن قراءة النَّبِيّ ﷺ في صلاة الظهر والعصر، بأي شيء كنتم تعلمون قراءته؟ قال: باضطراب لحيته (٦) والله أعلم. ٢١٩ - وعن أبي سعيد الخدرِيّ ﵁ قال: "كنا نحْزُر

стр. 803

قِيَامَ رسول الله (أ) ﷺ في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر: آلم تنزيل .. السجدة، وفي الآخريين قدر النصف من ذلك، وفي الأولَيين من العصر قدر الآخريين من الظهر، والآخريين على النصف من ذلك" رواه مسلم (١). نَحْزُر بضم الزاي وبعدها مهملة وهو بمعنى الخرص والتقدير (٢)، وفي رواية لابن ماجه (٣) أنّ الحازرين لذلك ثلاثون رجلًا من الصَّحَابَة. وفيه دلالة على استواء الركعتين الأوليين واستواء الآخريين، وعلى تطويل الظهر أكثر من العصر، وقد عرفت ما مر، قال النووي (٤): قال العلماء: السنة أن يقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصل، ويكون الصبح أطول، وفي العشاء والعصر بأوساطه، وفي المغرب بقصاره، قالوا: والحكمة في إطالة الصبح والظهر: أنهما في وقت غفلة بالنوم في آخر الليل وفي القائلة، فطوّلتا (ب) ليدركهما المتأخر بغفلة ونحوها، والعصر ليست كذلك بل إنها تفعل (جـ) في وقت تعقب أهل الأعمال فخففت عن ذلك، والمغرب لضيق الوقت فاحتيج إلى زيادة تخفيفها لذلك ولحاجة النَّاس إلى

стр. 804

عشاء صائمهم وضيفهم، والعشاء في وقت غلبة النَّوم والنعاس ولكن وقتها واسع فأشبهت العصر. انتهى، وهذا الذي ذكروه هو مضمون الحديث الآتي. وأقول: إن الأحاديث في هذه المادة مختلفة لا يوقف منها، على الضابط المذكور فإنَّه قد ورد عنه ﷺ أن صلاة الظهر تُقَام ويذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النَّبِيّ ﷺ في الركعة الأولى مما يطيلها (١). وقد ورد في صلاة العصر أنها على النصف من صلاة الظهر إذا طالت الظهر ومثلها إذا قصرت (٢). وقد روى أنَّه قرأ في المغرب بـ: ﴿المص﴾ (٣) (أ) وأنه قرأ فيها بـ ﴿الصافات﴾ وأنه قرأ فيها بـ ﴿حم﴾ الدخان (٤) (أ) وأنه قرأ فيها ﴿سَبِّح اسْمَ رَبكَ الأعْلَي﴾ (٥) وأنه قرأ فيها بـ ﴿التين والزَيْتُّونِ﴾ (٦)، وأنه قرأ فيها بالمَعوذتين، وأنه قرأ فيها بـ ﴿المرّسَلات﴾ (٧)، وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل (٨). وهي كلها آثار صحاح، وأما المداومة على قِصَار المْفَصَّل في المغرب فإنما هو فعل مروان. و (ب) لهذا أنكر عليه يزيد بن ثَابت، وقال له: "ما لك تقرأ بقصار المفصل؟ "

стр. 805

وقد رأيتُ رسول الله ﷺ يقرأ في الغرب بطولى الطوليين (١) وهي الأعراف [والطولى الأخرى الأنعام، يريد بواحدة من الطوليين] (أ). وقد أخرج النَّسائي "أنَّه فرق الأعراف في ركعتي المغرب (٢)، وقد قرأ في العشاء ﴿بالتين والزيتون﴾ (٣) وَوَقَّت لعاذ فيها "بالشمس وضحاها" (٤)، و ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿واللّيلِ إِذَا يَغشَى﴾ ونحوها"، وقد أخرج النَّسائيّ من حديث ابن عمر: "كان النَّبِيّ ﷺ يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا بالصافات" (٥) فالصافات بيان للتخفيف المأمور به. والجمع بين هذه الروايات أنَّه وقع الجميع من النَّبِيّ ﷺ وأنه كان يختلف باختلاف الأوقات والأشغال والنشاط والفتور والإقبال في الصلاة بالقلوب والإدبار، والله أعلم. وقوله و (ب) "في الآخريين على النصف من ذلك": احتَّج به الشَّافعيّ (٦) على قراءة سورة في الركعتين الآخريين، وهو مأخذ قريب، إذ من البعيد سكوته ﷺ عن الذكر في الصلاة، والقول بترتيل قراءة الفاتحة فيهما محتمل بعيد، والله أعلم.

стр. 806

٢٢٠ - وعن سليمان بن يَسَار ﵁ قال: "كانَ فلانٌ يُطِيل الأوُلَيَيْن من (أ) الظهر ويُخَفِّفُ العَصر، ويَقْرأ في المَغْرِب بقصَار المُفَصَّل، وفي العِشَاءِ بوَسْطِهِ، وفي الصبْح بِطِوَاله". فقال أبو هريرة: "ما صليتُ وراء أحدٍ أشْبَهَ صَلَاةً بِرَسولِ الله ﷺ من هذا" أخرجه النَّسائيّ بإسناد صحيح (١). هو أبو أَيُّوب -ويقال: أبو عبد الرَّحْمَن، ويقال: أبو عبد الله- سليمان بن يسار -بفتح الياء التحتانية وتخفيف السين المهملة- مولى ميمونة زوج النَّبِيّ ﷺ وأخو عطاء بن يسار، من أهل المدينة، وكبار التابعين، كان فقيهًا فاضلًا ثِقَة عابدًا وَرعًا حجة، وهو أحد الفقهاء السبعة، قال الحسن بن محمَّد: سليمان بن يسار أفهم عندنا من سعيد بن المسيّب ولم يقل أعلم ولا أفقه، روى عن ابن عباس وأبي هريرة (ب) وأم سلمة، روى عنه الزُّهْرِيّ (ب) ويحيى بن سعيد الأَنْصَارِيّ وغيرهما من الأعلام، مات سنة سبع ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة (٢). وقوله: "كان فلان": قال في "شرح السنة": هو رجل كان أميرًا

стр. 807

على المدينة، وقيل اسمه عمر بن سلمة بن نفيع البَصْرِيّ إمام بني خزيم بالبصرة، وكنيته أبو يزيد، وليس هو بعمر بن عبد العزيز كما قاله التوربشتي؛ لأن ولادة عمر بن العزيز كانت بعد وفاة أبي هريرة. في الحديث دلالة على أن هذه الصفة كانت عادة النَّبِيّ ﷺ أو قريبًا منها، وقد عرفت ما فيه (أ) في الحديث الذي قبله. ٢٢١ - وعن جبير بن مُطْعم ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور" متفق عليه (١). في الحديث دلالة على أن المغرب لا يختص بقراءة قِصَار المُفَصل، وقد تقدم الكلام في ذلك. ٢٢٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿الم تَنْزيل﴾ .. السجدة و ﴿هل أتى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ متفق عليه (٢). وللطبراني من حديث ابن مسعود: "يديم ذلك". في الحديث دلالة على أن قراءة السورتين في فجر الجمعة مندوبة

стр. 808

لا سيما رواية الطَّبْرَانِيّ، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية (١): السر في قراءتهما في فجر الجمعة؛ لأنها تضمنتا ما كان و (أ) يكون في يومهما، فإنهما اشتملتا على خلق آدم وعلى ذكر المعاد وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة ففي قراءتهما تذكير للأمة بما كان فيه ويكون، والله أعلم. ٢٢٣ - وعن حذيفة ﵁ قال: "صليتُ مع النَّبِيّ ﷺ فما مَرَّتْ به آية رحمة إِلا وقف عندها يسأل، ولا آية عذاب إِلا تَعوَّذَ منها .. " أخرجه الخمسة وحسنه التِّرْمِذِيّ (٢). في الحديث دلالة على أنَّه ينبغي للمصلي تدبر القرآن، وترتيل آياته، والانزجار عند الزواجر، والاشتياق لما أعده من الرحمة والزلفى في اليوم الآخر، وأن هذا من تمام خشوع الصلاة، والله أعلم. ٢٢٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا وإنِّي نُهِيتُ؛ أنْ أقْرأَ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعَظِّموا فيه الرَّبَّ وأما السُّجودُ فَاجْتَهِدُوا في الدعَاءِ فَقمنٌ أنْ يُسْتَجَاب لكم .. " رواه

стр. 809

مسلم (١). قوله: "نُهِيتُ" فيه دلالة على أن ذلك منهيّ عنه، فلو فعل ذلك فقد ارتكب النهي، وظاهر النهي التحريم، إلَّا إذا دل دليل بخلافه، وقد (أ) اختلف العلماء فيما إذا قرأ شيئًا من القرآن فيهما، فعند الهادوية وغيرهم، أنَّه لا تفسد الصلاة إذا كان قليلًا مطلقًا، بأن كان كثيرًا أفسد إذا كان عمدًا، ويجب سجود السهو [في القليل مطلقًا، وفي الكثير إذا كان سهوًا] (ب)، (جـ وعند الشافعية (٢) كذلك جـ) في غير الفاتحة يكره ولا تفسد الصلاة، وظاهره سواء كان كثيرًا أو قليلًا إذا كان عمدًا، وفي الفاتحة وجهان: أحدهما لا تبطل بها الصلاة كغيرها (٣)، والثاني تحرم وتبطل الصلاة، وإن (د) كان سهوًا فلا كراهة وسجد للسهو عند الشَّافعيّ. وقوله: "وأما الركوع فعظّموا فيه الرَّبَّ ": المراد بالتعظيم هو قول: "سبحان ربي العظيم" كما رواه مسلم (٤) في حديث حذيفة: "فجعل يقول: سبحان ربي العظيم ثم قال: سمع الله لمن حمده ثم سجد فجعل

стр. 810

يقول: سبحان ربي الأعلى"، وظاهره وجوب التسبيح في الركوع، وقد ذهب إلى هذا أَحْمد وطائفة من أئمة الحديث (١)، وخالف في ذلك الجمهور وحملوا الأمر على الاستحباب لحديث المسئ صلاته، فإنَّه لم يعلمه النَّبِيّ ﷺ تسبيح الركوع ولو كان واجبًا لأمر به، وظاهر حديث حذيفة، وإطلاق قوله: "فعَظِّموا فيه الرَّبَّ" أن المرة الواحدة يحصل بها المأمور به، وقد أخرج أبو داود من حديث عون بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا رَكع أحَدُكُم فَلْيَقلَ: ثلاث مَرَاتٍ: "سبْحَانَ ربي العَظيم"، وذلك أدناه وإذا سجد فليقل: "سُبحانَ رَبي الأعلى" ثلاثًا، وذلك أدناه" (٢) رواه أبو داود والتِّرمذيّ وابن ماجه، وقال أبو داود (٣)، فيه إرسال؛ لأن عونًا (٤) لم يدْرِك ابن مسعود، وكذا قال البُخَارِيّ في "تاريخه" (٥)، وكذا التِّرْمِذِيّ (٦)، ففيه دلالة على أن المرة الواحدة [غير كافية] (أ)، ولا سيما مع قوله: "وذلك أدناه" وأما حمله على الندب فهو مثل الحديث الأول. وفي قوله (ب): "فاجتهدوا في الدعاء" فيه دلالة على قُرْبِ المصلي من المعبود جل وعلا لما في ذلك من الخضوع والاستكانة، وقد اختلف
следующие страницы →