أنه حافظ على هذا الدعاء فحصل الخلاف في أن هذا هل هو ثابت أم لا؟ ويدل على أن هذا مراد (أ) أنس ما رواه سلمان بن حارث ثنا أبو هلال ثنا حنظلة إمام مسجد قتادة -قلت: هو السدوسي- قال: اختلفت أنا وقتادة في القنوت في صلاة الصبح، فقال قتادة: قبل الركوع، وقلت أنا: بعد الركوع. فأتينا أنس بن مالك فذكرنا له ذلك فقال: "أتيت النبي ﷺ في صلاة الفجر فكبر وركع ورفع رأسه ثم سجد ثم قام في الثانية فكبر وركع ثم رفع رأسه وقام ساعة ثم وقع ساجدا" (١) فبين هذا أن مراده بالقنوت هو القيام بعد الركوع فاتفقت أحاديثه كلها، وبالله التوفيق (٢). انتهى.
وقد صحح الحاكم حديث ابن أبي فديك عن عبد الله بن سعيد القبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية، يرفع يديه فيدعو بهذا الدعاء: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت (ب، إنك (جـ) تقضي ولا يقضى عليك ب) إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت" (٣) ولكن عبد الله ضعيف لا تقوم بحديثه حجة (٤)، وروى الطبراني في "الأوسط" (٥) من
стр. 842
حديث بريدة نحوه، وفي إسناده مقال أيضًا.
وقد صح من حديث أبي هريرة أنه قال: "والله لأنا أقربكم صلاة برسول الله ﷺ "، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح، بعد ما يقول سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكافرين (١)، فهو (أ) يقوي ذلك.
ومن تأمل هذه الروايات علم أن له أصلًا في الجملة، وأنه ثابت عند حدوث نازلة وموسع في شأنه عند غيرها غير حتم، وهو غير واجب إجماعا، وذهب جماعة من السلف والخلف إلى أنه مسنون، منهم علي وأبو بكر وعمر وعثمان، وهو مذهب الهادي والقاسم وزيد بن علي والناصر والمؤيد والشافعي ومالك والنخعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح (٢) وروي عن العبادلة (٣) وأبي الدرداء، وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه منهي عنه في الفجر.
٢٣٦ - وعن سعد (ب) بن طارق الأشْجَعي قال: قلت: لأبي يا أبَتِ إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلى أفكانوا (جـ)
стр. 843
يقنتون في الفجر؟ قال (أ): أيْ بُنَي مُحْدَثٌ. رواه الخمسة إلا أبا داود (١).
الحديث إسناده حسن، وهو معارض بما أخرجه البيهقي (٢) من طريق العوام بن حمزة قال: سألتُ أبا عثمان عن القنوت في الصبح، فقال: بعد الركوع، فقلتُ عمن؟ فقال: عن أبي بكر وعمر وعثمان.
ومن طريق قتادة (٣) عن الحسن عن أبي رافع أن عمر كان يقنت في الصبح، ومن طريق حماد (٤) عن إبراهيم عن الأسود قال: "صليتُ خلف عمر في الحضر والسفر فما كان يقنت إلا في صلاة الفجر".
وروي أيضًا (٥) بسند صحيح عن عبد الله بن معقل عن مقرن المزني قال: قنت على ﵁ في الفجر.
ورواه الشافعي أيضًا.
стр. 844
ومما عرفت في الحديث الأول يمكن الجمع بين هذا بالتوسعة في الأمر، وأنه قد فعل ذلك وترك. والله أعلم.
٢٣٧ - وعن الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله ﷺ كلماتٍ أقوُلهنَّ في قُنوتِ الوتْر.
اللهم اهدني فيمن (أ) هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإِنك تقضي ولا يُقْضى عليك، إِنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت" رواه الخمسة (١).
وزاد الطبراني: والبيهقي: "ولا يَعزُّ مَنْ عاديت" (٢).
زاد النسائي من وجهٍ آخر في آخره: "وصلى الله على النبي" (٣).
стр. 845
وللبيهقي عن ابن عباس ﵁: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا دعاء ندعو به في القنوت في صلاة الصبح"، وفي سنده ضعف (١).
الحديث في قوله "قنوت الوتر" هذه تفرد بها أبو إسحاق عن يزيد بن أبي مريم وتبعه ابناه يونس وإسرائيل. كذا قال ابن خزيمة وابن حبان، وقد رواه شعبة فلم يذكر فيه القنوت ولا الوِتْر، وإنما قال: كان يعلمنا هذا الدعاء، وهو أحفظ، وكذا رواه الدولابي في "الذرية الطاهرة" والطبراني في "الكبير" (٢) من طريق الحسن بن عبد الله عن يزيد بن أبي مريم عن أبي الجوزاء أنه قال: "وكلمات علمنيهن ... ". فذكرهن.
قال يزيد: فدخلت على محمد بن علي في الشعب فحدثته، فقال: "صدق أبو الجوزاء، هن كلمات علمناهن نقولهن في القنوت".
وقد رواه البيهقي من طريق قال في بعضها: قال يزيد بن أبي مريم فذكر ذلك لابن الحنفية فقال: "إنه للدعاء الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر".
ورواه البيهقي (٣) من طريق أخرى عن يزيد بن أبي مريم: سمعتُ ابن الحنفية وابن عباس يقولان: "كان النبي ﷺ يقنت في صلاة الصبح وفي وتر الليل بهؤلاء الكلمات" [وفي إسناده عبد الرحمن بن هرمز يحتاج إلى
стр. 846
الكشف عن حاله (١) (أ) (ب).
وروي من طريق أخرى عن ابن جريج (٢) بلفظ: "فعلمنا دعاءً ندعو به في القنوت في صلاة".
ورواه مخلد (جـ) بن زيد عن ابن جريج فقال (د): في قنوت الوتر.
وقوله: وفي إسناده ضعف لما عرفت من المقال في عبد الرحمن بن هرمز، وقد وقع شك في هذا الحديث في الحسن أو الحسين (٣)، وأحمد بن حنبل أخرجه في "المسند" (٤) عن الحسين من غير تردد، والتردد وقع من أبي إسحاق، والأصح أنه من رواية الحسن كما في رواية يونس عن يزيد ابن أبي مريم، ورواية شعبة عنه (٥).
стр. 847
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (١): وقد وقع لنا عاليًا متصلًا بالسماع، وساق إسناده إلى الحسن بن علي قال: "علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر، اللهم اهدني .. " الحديث.
والحديث فيه دلالة على شرعية القنوت في الوتر، وهو مُجْمَعٌ عليه في النصف الأخير من رمضان، وذهب العترة وأبو حنيفة وأحمد والتبريزي من أصحاب الشافعي، وكذا في غيره، وذهب الشافعي ومالك إلى أنه لا يشرع إلا فيه إذ كان أُبَيّ لا يَقْنُتُ في الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان، وكان عمر يلعن الكفرة في الوتر في النصف الأخير من رمضان، والجواب ثبوت ذلك في الأحاديث، والعمل بها هو الواجب والله أعلم (٢).
٢٣٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا سجد أحدُكم، فلا يبْرك كما يَبرك البعير، وليضع يَدَيْهِ قبل ركبتيه" أخرجه الثلاثة (٣).
стр. 848
وهو أقوى من حديث وائل: "رأيت النبي ﷺ إِذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه"، أخرجه الأربعة (١) فإن للأول شاهدًا، من حديث ابن عمر (٢) صححه ابن خزيمة وذكره البخاري، معلقًا موقوفًا (٣).
حديث أبي هريرة: أخرجه أصحاب السنن، وقد علله البخاري والترمذي والدارقطني قال البخاري (٤): محمد بن عبد الله لا يتابع عليه، وقال: لا أدري سمع من أبي الزناد أم لا (٥)، وقال الترمذي (٦): غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه.
стр. 849
وقال الدارقطني: تفرد به (١) الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي عن أبي الزناد وقد ذكر النسائي عن قتيبة: ثنا عبد الله بن نافع عن محمد بن عبد الله بن حسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "يعمد (أ) أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل" ولم يزد.
وقال ابن أبي داود: ثنا يوسف بن عدي ثنا فضيل عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه" (٢).
وقوله: "وهو أقوى .. " إلخ (٣): الشاهد الذي علقه البخاري قول البخاري قال نافع: "كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه" (٤)، وأخرج أصبغ بن الفرج عن الدراوردي عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه ويقول: "كان النبي ﷺ يفعل ذلك" رواه الحاكم في "المستدرك" (٥) من طريق محمد بن سلمة عن الدراوردي، وقال: على شرط مسلم.
وأخرج ابن خزيمة في "صحيحه" (٦) من حديث مصعب بن سعد عن
стр. 850
أبيه قال: "كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأُمِرْنَا بالركبتين قبل اليدين".
وحديث وائل أخرجه أصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة وابن السكن في صحاحهم من طريق شريك عن عاصم عن كليب عن أبيه، قال البخاري والترمذي وابن أبي داود والبيهقي (١): تفرد به شريك، قال البيهقي (٢): وإنما تابعه همام بن عاصم (أعن أبيه مرسلًا.
وقال الترمذي: رواه همام عن عاصم أ) مرسلًا.
وقال الحازمي (٣): رواية مَنْ أرسله أصح، وقد تعقب على الترمذي بأن هماما رواه عن شقيق عن عاصم عن أبيه مرسلًا، ورواه همام أيضًا عن محمد بن جحادة عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه موصولًا، وهذه الطريق في "سنن أبي داود" (٤) إلا أن عبد الجبار لم يسمع من أبيه (٥).
وله شاهد من طريق حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أنس قال: "رأيت رسول الله ﷺ انحط بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه". أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي (٦)، وقال الحاكم: هو على شرطهما، قال
стр. 851
البيهقي: تفرد به العلاء بن العطار، والعلاء مجهول (١). والحديث فيه دلالة على الهيئة المذكورة بتقديم اليدين على الركبتين عند الانحطاط للسجود وظاهر الحديث الوجوب، للنهي بقوله: "فلا يبرك"، والأمر بقوله: "وليضع"، والظاهر أنه لم يَقلْ به أحد فتعين حمل ذلك على الندب، ولعله قد يجعل حديث تعليم المسئ صلاته قرينة على ذلك.
واختلفت أقوال السلف والخلف في العمل، فذهب العترة ورواية عن مالك (٢) والأوزاعي إلى العمل بحديث أبي هريرة حتى قال الأوزاعي (٣): أدركنا الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم.
وقال ابن أبي داود (أ) (٤) هو قول أصحاب الحديث، وذهب الحنفية والشافعية (٥) ورواية عن مالك إلى العمل بحديث وائل بن حجر، وهو مروي عن عمر أخرجه عبد الرزاق (٦) وعن ابن مسعود، أخرجه الطحاوي (٧)، وقال به إبراهيم النخعي ومسلم بن يسار والثوري وأحمد وإسحاق وأهل الكوفة.
وروي عن مالك وأحمد (٨) التخيير، وهو قول الناصر ورواية عن مالك.
стр. 852
وقال النووي (١): لا يظهر ترجيح أحد المذهبين على الآخر، احتج أهل القول الأول بحديث أبي هريرة ورجح على حديث وائل بما ذكره المصنف (٢)، واحتج أهل القول الثاني بحديث وائل، وأجابوا عن حديث أبي هريرة بأنه مضطرب إذ قد رُوى عنه الأمران وادعى بعض المحققين (٣) بأن فيه قلبا من الراوي في قوله: "وليضع يديه قبل ركبتيه" بأن "وليضع ركبتيه قبل يديه" قال: ويدل عليه أول الحديث وهو قوله "فلا يبرك كما يبرك البعير" فإن المعروف مِنْ بُروُك البعير هو تقديم اليدين على الرجلين، وقد ثبت عن النبي ﷺ الأمر بمخالفة سائر الحيوانات في هيئات الصلاة فنهى عن التفات كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، ورفع الأيدي كأذناب خيل شمس.
وتأويل أهل القول الثاني بأن البعير يبرك على ركبتي يديه مردود (٤) بأن ذلك غير متعارف، وإن الركب إنما هي في الأرجل لا في اليد وبعضهم أجاب بالقول بالنسخ، وفي الحديث الذي أخرجه ابن خزيمة (٥) دلالة على
стр. 853
ذلك، وحديث وائل له شاهد وإن كان في إسناده المقال الذي عرفت لكنه لا يزيد على المقال الذي في حديث أبي هريرة، وفي تمام حديث وائل: "وإذا نهض -أي من السجدة الثانية أو الأولى- رفع يديه قبل ركبتيه" أخرجه أبو داود والبيهقي (١).
وقد استدل بهذا أحمد بن حنبل على أنه (٢) إذا نهض للقيام بعد سجدتيه نهض على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه بيديه رافعا يديه قبل ركبتيه، قال القاضي (٣) في (أ) أصحابه: إنه لا يختلف (ب) قوله: إنه لا يعتمد على الأرض سواء قلنا يجلس للاستراحة أو لا يجلس، وجاء في لفظ في "سنن أبي داود" (٤) لحديث وائل: "إذا نهض على ركبتيه واعتمد "أي بيديه على فخذيه. وذهب (جـ) الهادوية إلى أن من هيئة القيام أن يقدم رفع ركبتيه ويعتمد بيديه على الأرض، وقال الفقيه على الوشليّ من الهادوية: إنه إذا قعد للاستراحة فسدت الصلاة لأنها زيادة ركن، وقال الفقيه يحيى: لا تفسد، وهو المفهوم من كلام شرح القاضي زيد، والله أعلم.
٢٣٩ - وعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ "كان إِذا
стр. 854
قعد للتشهد، وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، واليمنى على اليمنى، وعقد ثلاثا وخمسين، وأشار بإِصبعه السبابة". رواه مسلم (١).
وفي رواية له: "وقبض أصابعه كلها وأشار بالتي تلي الإِبهام" (٢).
وضع اليد على الركبتين وارد في هذه الرواية، وللطبراني في "الأوسط": "كان إذا جلس في الصلاة للتشهد نصب يديه على ركبتيه".
وفي رواية للدارقطني (٣): "وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وألقم كفه اليسرى ركبته. والمراد بالإِلقام هو عطف (أ) الأصابع على الركبة.
وفي الحديث دلالة على استحباب وضع اليدين على الركبتين (٤)، وهو مجمع عليه، وقد ذهب إلى عطف أصابع اليسرى على الركبة بعضهم عملا بالرواية المذكورة، وكأن الحكمة في هذه الهيئة منع اليد من العبث.
وقوله: "وعقد ثلاثا وخمسين": وصورة عقد ذلك عند أهل الحساب: أن يضع طرف الخنصر على البنصر، وليس ذلك مرادا، بل المراد أنه يضع الخنصر على الراحة ويكون على الصورة التي يسميها الحساب تسعة وخمسين، ولعله في الحديث تقدير لفظ قريبا من ثلاثة وخمسين.
стр. 855
وقوله: "وقبض أصابعه كلها .. " إلخ: تُحمل الروايتان على أنه فعلهما في وقتيْن.
وقوله: "وأشار بالتي تلي الإِبهام" فيدل على استحباب ذلك، ويشير عند قوله "إلا الله" من الشهادة بمسبحته اليمنى لا غير، موجهة إلى القبلة، وينوي بالإشارة (أ) التوحيد، والإخلاص لله، ولذلك "نهى النبي ﷺ مَنْ أشار بإصْبعين وقال له: أحد" (١)، وفي حديث وائل بن حجر (٢): أنه يحرك إصبعه ولا يشير بها وهي ساكنة.
وعارضه حديث ابن الزبير عند أبي داود: "أنه يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها" (٣) ولكن رواية وائل مثبتة وهذه نافية (٤)، مع أن مسلما لم يذكر في روايته هذه الزيادة. وقد ذكر حديث وائل أبو حاتم في "صحيحه".
٢٤٠ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "التفت إِلينا رسول الله ﷺ فقال: إِذا صلَّى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلاة والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إِله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء
стр. 856
أعجبه إِليه فيدعو" متفق عليه، واللفظ للبخاري (١).
وللنسائي: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد" (٢).
ولأحمد (٣): "أن النبي ﷺ علمه التشهد وأمره أن يعلمه الناس".
ولمسلم عن ابن عباس ﵁: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد، التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله .. إلى آخره" (٤).
حديث ابن مسعود متفق على صحته وثبوته، وأكثر الروايات فيه بتعريف السلام في الموضعَيْن، ووقع في رواية للنسائي بتنكير: "سلام (أ) علينا" (٥)، وفي رواية للطبراني (٦): "سلام عليكم"، بالتنكير. قال
стр. 857
الترمذي (١): وهو أصح حديث روي في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم.
وقال (أ) البزار (٢): أصح حديث في التشهد عندي حديث ابن مسعود روي عنه من نيف وعشرين طريقًا، ولا نعلم روي عن النبي ﷺ في التشهد أثبت منه ولا أصح (ب) إسنادًا، ولا أشهر رجالًا ولا أشد تضافرًا لكثرة الأسانيد والطرق.
وقال مسلم: إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضا، وغيره قد اختلف أصحابه.
وقال محمد بن يحيى الذهلي: هو أصح ما روي في التشهد.
وحديث النسائي وقوله: "قبل أن يفرض علينا": أخرجه من طريق ابن عيينة قال ابن عبد البر في "الاستذكار": تفرد ابن عيينة بذلك (٣)، وأخرج مثله الدارقطني، والبيهقي وصححاه (٤).
وحديث ابن عباس (٥): أخرجه مسلم والشافعي والترمذي والدارقطني وابن ماجه من طريق طاوس عنه بلفظ: "كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنَا التشهد كما يُعلِّمُنَا السورة من القرآن" ووقع في رواية الشافعي (٦) تنكير السلام في
стр. 858
الموضعيْن، وكذا عند الترمذي وأما رواية مسلم فهي بالتعريف فيهما، وكذا إحدى روايتي الدارقطني، وفي "صحيح ابن حبان" تعريف الأول وتنكير الثاني، وعكسه الطبراني (١). وقد روى حديث التشهد ستة وعشرون صحابيا بألفاظ مختلفة (٢)، فقد روي من حديث ابن مسعود وابن عباس وجابر وأبي موسى وعائشة وسمرة بن جندب وعلى وابن الزبير ومعاوية وسليمان وأبي حميد وعن أبي بكر موقوفًا ومرفوعًا، وعن عمر كذلك، وابن عمر والحسين بن علي وطلحة بن عبد الله وأنس وأبي هريرة وأبي سعيد والفضل بن عباس وأم سلمة وحذيفة والمطلب بن ربيعة وابن أبي أوفى هي مختلفة، فبعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف (٣).
والحديث فيه دلالة على وجوب التشهد لقوله: "فليقل"، ولمواظبته ﷺ على ذلك وقد قال "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٤).
وقد ذهب إلى وجوبه عمر وابن مسعود والهادي والقاسم وأبو حنيفة وأحد قولي الشافعي (٥)، وذهب علي ﵁ والثوري ومالك (٦) إلى أنه غير واجب، قالوا لقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ ولعدم تعليمه المسئ صلاته.
وأجيب بأنه ورد بصيغة الأمر في السنة، وظاهره الوجوب، ورده بعض
стр. 859
المالكية بأن (أ) التسبيح في الركوع والسجود كذلك وردا بصيغة الأمر ولم يجبا، وأجيب بأن الإجماع هنا صرف الأمر عن الوجوب إلى الندب، وفيه نظر فإنه لا إجماع على عدم وجوبه. إذ قد (ب) قال بوجوبه أحمد (١) وغيره من أهل الظاهر.
واختلفوا في الواجب من ألفاظ التشهد فنقل الطحاوي عن بعض العلماء القول بوجوب تشهد عمر ﵁ قالوا: لأن عمر علمه الناس على المنبر ولم ينكر عليه (٢)، [ولفظه نحو تشهد ابن عباس، إلا أنه قال "الزاكيات" بدل "المباركات"، وفيه زيادة "ليسم الله في أوله"، وقد ضعفت الزيادة (٣) ورجح الحافظ عدمها (جـ).
وذهب جماعة من محدثي الشافعية كابن المنذر إلى اختيار تشهد ابن مسعود، وذهب ابن خزيمة وغيره إلى عدم الترجيح، ونقل جماعة من
стр. 860
العلماء الاتفاق على جواز التشهد بكل ما ثبت، وقال الإمام المهدي في "البحر" (١). والأفضل الأخذ بأحد المأثور (أ) عن علي وزيد بن علي وابن مسعود، والمعروف عند الحنفية أنه واجب (٢) غير فرض، وقالا الشافعي: هو فرض، لكن قال: لو لم يزد رجل على قوله: "التحيات لله سلام عليك أيها النبي .. " إلخ كرهتُ له ذلك ولم أر عليه إعادة الصلاة، هذا لفظه في "الأم" (٣)، وقال الشافعي (٤) بعد أن أخرج حديث ابن عباس: رويت أحاديث في التشهد مختلفة فكان هذا أحب إلى لأنه أكملها، وقال في موضع آخر لما سُئل عن اختياره تشهد ابن عباس: لما رأيته واسعًا وسمعته عن ابن عباس صحيحا (٥) كان عندي أجمع وأكثر لفظًا من غيره، فأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح، ورجحه بعضهم لكونه مناسبًا للفظ القرآن في قوله: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (٦).
* شرح ألفاظ التشهد: التحيات: جمع تحية، ومعناها السلام، وقيل: النقاء، وقيل: العظمة، وقيل: السلامة من الآفات والنقص، وقيل: الملك، وقيل: الكَلام الذي يُحيَّا به الملك.
وقال ابن قتيبة: لم يكن يحيا إلا الملك، وكان لكل ملك تحية تخصه
стр. 861
فلهذا جمعت فكان المعنى: التحيات التي كان يعظم بها الملوك المستحق لها هو الله، والمعنى أنواع التعظيم له.
والصلوات: قيل: المراد الخمس، أو ما هو أعم من ذلك من الفرض والنفل والعبادات كلها أو الدعوات كلها أو الرحمة.
وقيل: التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات الفعلية والطيبات: العبادات المالية.
والطيباب: أي ما طاب من الكلام، وحَسُنَ أن يثني به على الله، أو ذكر الله، أو الأقوال الصالحة، أو الأعمال الصالحة، أو ما هو أعم من ذلك وطيبها كونها كاملة خالصة عن الشوائب.
والتحيات: مبتدأ خبره "لله"، والصلوات والطيبات عطف على المبتدأ، أو أن الصلوات مبتدأ والخبر محذوف. والطيبات معطوف عليها، أو يقدر لها خبر أيضًا ويكون من عطف الجمل، ورجح ابن مالك هذا الأخير قال: لأن على رواية حذف الواو "الصلوات" صفة للتحيات، ولو عطف عليه عطف الصفة على موصوفها.
وقوله: "السلام عليك" بإثبات اللام في جميع روايات حديث ابن مسعود، واللام فيه (أ) إما للعهد، والمعنى: السلام الذي يوجه إلى الرسل والأنبياء عليك، وكذلك السلام الذي وجه إلى الأمم السالفة علينا، أو أنه للإشارة (ب) إلى السلام الذي عين في قوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ
стр. 862
اصْطَفَى﴾ (١) (أأو للجنس، والمعنى: إن حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد أ)، وأفردوه ﷺ بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم، ثم خصصوا أنفسهم ثم عمموا السلام على الصالحين للإعلام بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم.
والسلام بمعنى السلامة كالمقام بمعنى المقامة، أو أنه من أسماء الله تعالى بمعنى المسلم، أو المعني أنه سالم من كل عيب وآفة ونقص وفساد ويكون المعنى على الأول: السلامة من المكاره عليك وعلينا، وعلى الثاني: أي اسم السلام عليك، كأنه برّك عليه بالاسم، ولا يقال أنه يلزم خطابه ﵇، وهو منهي عن الخطاب في الصلاة لأن ذلك مخصوص به، وخوطب به ﷺ وأن كان المقام بالنسبة إلينا (ب هو مقام الغيبة، ففي حياته ﷺ لمن علمهم الأمر ظاهر، بالنسبة (جـ) إلينا ب) من وجهة أن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حرم الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب حاضر، فأقبلوا عليه قائلين: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته (د) كما ذكره الطيبي.
وقد ورد في حديث ابن مسعود وفي "صحيح البخاري" (٢) في باب
стр. 863
الاستئذان بعد أن ساق حديث التشهد قال: "وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام يعني (أ) على النبي"، وأخرجه أبو عوانة وغيره (١) إلى أبي نعيم شيخ البخاري بلفظ: "فلما قُبض قلنا: السلام على النبي" وأخرج عبد الرزاق (٢) أن الصحابة لما مات النبي ﷺ قالوا: السلام على النبي، وهو بإسناد صحيح.
وقد روي (ب) عن ابن مسعود (٣) بإسناد ضعيف أنه لما قال له ابن عباس: إنما كنا نقول: السلام عليك أيها النبي إذا كان حيا، قال ابن مسعود: "هكذا عُلمنا، وهكذا نُعَلِّم" ولكن العمل على الأول.
وذكر هنا بلفظ النبي ليجمع له بين وصفي النبوة والرسالة في أول التشهد وآخره، وقدم وصف النبوة لأنها كذلك تقدمت في الخارج.
وقوله: "ورحمة الله": أي إحسانه (٤)، "وبركاته" أي زيادته من كل خير.
وقوله: "السلام علينا": فيه دلالة على استحباب تقديم النفس في الدعاء، وفي الحديث أنه ﷺ كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه، وكذا
стр. 864
حكى (أ) الله تعالى عن نوح وإبراهيم ﵉.
وقوله: "عباد الله الصالحين" (١): الأشهر في تفسير الصالح أنه القائم (ب) بما يجب عليه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده، وتتفاوت درجاته، وهذا لفظ شامل للملائكة والأنبياء ومن عداهم.
وقوله: "أشهد أن لا إِله إِلا الله": زاد ابن أبي شيبة من رواية أبي عبيدة (٢) عن أبيه: "وحده لا شريك له" (٣) وسنده ضعيف، لكن ثبتت هذه الزيادة في (جـ) حديث أبي موسى عند مسلم (٤)، وفي حديث عائشة الموقوف في "الموطأ" (٥)، وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني (٦)، "إلا (د أن سنده ضعيف وفي "سنن أبي داود" قال ابن عمر: "زدت فيها وحده لا شريك له" د)، وظاهره الوقف.
стр. 865
وقوله: (أ) "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله": لم تختلف الطرق عن ابن مسعود في هذا اللفظ، وفي حديث ابن عباس عند مسلم: "وأشهد أن محمدًا رسول الله"، ومنهم من حذف (ب): "وأشهد"، ورواه ابن ماجه (١) بلفظ ابن مسعود.
وقوله: "ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إِليه": زاد أبو داود: "فيدعو به" (٢) ونحوه. للنسائي (٣) من وجه آخر بلفظ: "فليدع به"، ولإسحاق بن عيسى عن الأعمش "ثم ليتخير من الدعاء ما أحب"، وفي رواية منصور عند البخاري في الدعوات (٤): "من الثناء ما شاء"، وفي مسلم: (٥) من المسألة.
ويستدل به على جواز الدعاء في الصلاة (جـ لما اختار المصلي من أمر الدنيا والآخرة بل ويدل على وجوب الدعاء، فإن التخيير بين أفراد المدعو به لا يقتضي عدم وجوب أصل الدعاء، وقد ذهب إلى هذا أبو هريرة فإنه أمر ابنه بإعادة الصلاة جـ) لما لم يتعوذ من الأربع التي سيأتي ذكرها (٦)، وبه قال بعض أهل الظاهر، وقال ابن حزم (٧): ويجب أيضًا في التشهد الأول،
стр. 866
وقال ابن المنذر: لولا قوله: "ليتخير" لقلتُ بوجوب الاستعاذة، وقد عرفت أنه لا مأخذ له.
وحَمَلَ من لم يقل بالوجوب الأمر على الندب (أ)، ويحتاج إلى دليل، وادعى بعضُهم الإجماع على عدم الوجوب، وقد عرفت ما فيه.
وقال ابن بطال: خالف في ذلك النخعي وطاوس وأبو حنيفة فقال: لا يدعو في الصلاة إلا بما يوجد في القرآن (١)، وبعضهم روى الخلاف بأنه لا يدعو إلا بما كان مأثورًا.
وقال ابن سيرين: لا يدعو في الصلاة إلا بأمر الآخرة.
وقال بعضُ الشافعية: لا يدعو بما يفتح من أمور الدنيا، وبعضهم (٢) لا يخرج إلى أوصاف المسؤول، بأن يذكر مثلًا زوجة ويصفها بأوصافها.
وأخرج سعيد بن منصور من حديث ابن مسعود: "يعلمنا (ب) التشهد في الصلاة" يعني ابن مسعود ثم يقول: "إذا فرغ أحدكم من التشهد فليقل: اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما اعلمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شر ما استعاذ منه عبادك
стр. 867
الصالحون، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ .. الآية (١) قال: ويقول "ولم يدع نبي ولا صالح بشيء إلا دخل في هذا الدعاء".
فائدة: قال الرافعي: المنقول أن النبي ﷺ كان يقول في تشهده: "أشهد أني رسول الله". قال في "المقاصد" (٢): قال شيخنا في تلخيص تخريجه: ولا أصل لذلك كذلك، بل ألفاظ التشهد متواترة عنه ﷺ وأنه كان يقول: "أشهد أن محمدًا رسول الله وعبده ورسوله" (أ). وللأربعة (٣) من حديث ابن مسعود في خطبة الحاجة: "وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ نعم (ب) في البخاري عن سلمة بن الأكوع: "لما جفت أزواد القوم" فذكر الحديث في دعاء النبي ﷺ ، ثم قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" (٤) وله شاهد عند مسلم.
٢٤١ - وعن فَضَالَة بن عُبيد ﵁ قال: "سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته، لم يمجِّد الله تعالى، ولم يصل على النبي ﷺ فقال: عجل هذا، ثم دعاه فقال: إِذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو بما شاء" رواه أحمد، والثلاثة. وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم (٥).
стр. 868
هو أبو محمد فَضَالة (١) -بفتح الفاء وبالضاد المعجمة- وعبيد -بضم العين المهملة- ابن نافذ -بالنون والفاء والذال المعجمة- الأنصاري العمري الأوسي، أول مشاهده أحُد، ثم شهد ما بعدها، وبايع تحت الشجرة، ثم انتقل إلى الشام، وسكن دمشق، وقضى بها لمعاوية زمن (أ) خروجه إلى صِفِّيْن، ومات بها في عهد معاوية، وقيل مات سنة تسع وستين، وقيل سنة ثلاث وخمسين، وهو أصح: روي عنه ميسرة مولاة، وإسماعيل بن عبد الله وحنش السبائي.
الحديث فيه دلالة على وجوب ما ذكر من التمجيد (ب) والثناء والصلاة على النبي ﷺ ثم الدعاء بما شاء، وهو موافق في المعنى لتشهد ابن مسعود وغيره. فإن ذلك متضمن للتمجيد (جـ) والثناء، وهذا مجمل، وذلك مبين للمراد.
وسيأتي الكلام في الصلاة فيما بعده.
وفي قوله: "عجل": دلالة على أن المسألة ينبغي أن تقدمها الوسيلة، وأن ذلك من حق السائل أن يتلطف في نيل ما أراده، ويقدم بين يدي مسألته ما يكون فيه استعطاف المسؤول ليكون أدخل في قضاء بغيته، لإدراك أمنيته.
стр. 869
٢٤٢ - وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال بشير بن سعد يا رسول الله: "أمرنا الله أن نُصَلِّي عليك فكيف نصلي عليك؟ ".
فسكت، ثم قال: "قولوا: اللَّهُمَّ صل على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صليتَ على إِبراهيم [وعلى آل إِبراهيم] (أ) وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركتَ على آل إِبراهيم في العالمين إِنك حميد مجيد. والسلام كما علمتم" رواه مسلم (١).
وزاد ابن خزيمة فيه "فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ " (٢).
هو أبو مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي البدري النجاري شهد العقبة الثانية، وكان أصغر منْ شهدها، ولم يشهد بدرًا عند
стр. 870
جمهور العلماء بالسير وقيل: إنه شهدها، والأول أصح وإنما نسب إلى ماء بدر لأنه نزله فنسب إليه، سكن الكوفة، ومات في خلافة علي بن أبي طالب وقيل: في سنة إحدى أو اثنتين وأربعين. روى عنه ابنه بشير وعبد الله بن زيد الأنصاري ومحمد بن عبد الله بن زيد وعمرو بن ميمون وأبو وائل شقيق بن سلمة (١).
وبشير بن سعد (٢) هو أبو النعمان (أ) بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، والد النعمان بن بشير، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد بعدها، ويقال: إنه أول من بايع أبا بكر الصديق يوم السقيفة من الأنصار. روى عنه ابنه النعمان، وجابر بن عبد الله، عداده في أهل المدينة، قُتلَ مع خالد بن الوليد بعين التمر في خلافة أبي بكر.
والحديث أخرجه أبو داود والنسائي.
وزيادة ابن خزيمة أخرجها أيضًا ابن حبان والدارقطني والحاكم.
وفي الباب عن أبي سعيد رواه البخاري (٣)، وعن طلحة رواه النسائي (٤)، وعن سهل بن سعد رواه الطبراني (٥)، وعن زيد بن خارجة رواه أحمد والنسائي (٦) وعن كعب بن عجرة متفق عليه (٧) وعن أبي حميد الساعدي متفق عليه أيضًا (٨).
стр. 871
والحديث فيه دلالة على وجوب الصلاة عليه على جهة الإطلاق بصيغة الأمر وهو "قولوا"، وهي ظاهرة في الوجوب فقال الأكثر: إنها تجب في العمر مرة واحدة (١)، وقيل: تجب كلما ذكر، واختاره الطحاوي (٢) من الحنفية، والحليمي من الشافعية، وقيل: تجب في الصلاة فقط وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف والأئمة والشافعي وإسحاق (٣)، والقول بأن الشافعي مسبوق بالإجماع على عدم وجوبها غير صحيح (٤)، ويحتج على وجوبها على جهة الإطلاق بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ (٥) وهو أمر مطلق يقتضي الوجوب في الجملة ويحصل الامتثال بحصول فرد، والقائل بوجوبها على جهة التخصيص لا بد له من دليل خاص ينضم إلى ذلك، فالقائل بوجوبها كلما ذكر فهو لقوله ﷺ : البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" (٦) وقوله: "رغِمَ أنف من ذكرت عنده فلم يصل" (٧)
стр. 872
فوصفه بالبخيل يقتضي أنه ترك إخراج ما يجب إخراجه، والموجب لها في الصلاة يتم له ذلك بإنضمام الرواية الأخرى وهي قوله: "إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا ... " وقد أخرجها أبو حاتم وابن خزيمة في "صحيحيهما"، ومن لم يوجبها في الصلاة يحتج عليه بتعليم ابن مسعود وابن عباس التشهد وتعليم عمر الناس وهو على المنبر، وتعليم المسيء صلاته، ويجاب عن ذلك بأن هذا مثبت والمثبت مقدم.
ويدل الحديث أيضًا على وجوب الصلاة (١) على الآل، وقد قال به الهادي والقاسم وأحمد بن حنبل وبعض أصحاب الشافعي، وذهب الناصر والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه إلي أنها سنة فقط، وادعى النووي (٢) وغيره الإجماع على ذلك، قالوا: وهو قرينة على حمل الأمر على الندب دون الوجوب. وقال في "البحر" (٣): قياسًا على الأذان [يعني أنه ذكر النبي ﷺ ولم يذكر معه الآل] (أ).
قلنا: لا قياس مع النص.
وأما تمام الصلاة فقوله: "كما صليت" إلى آخره فسنة لا حتم.
قال في "البحر" (٤): إذ لا دليل على الوجوب، ويقال عليه: بل الدليل قائم، وهو ما احتج به على وجوبها على الآل وهو ذَكَرَ ذلك في هذا الحديث، وقد ذهب إلى وجوب ذلك بعض أصحاب الشافعي (٥) في أحد احتمالين.
стр. 873
والآل قيل: هم بنو هاشم، وذهب إليه الإمام يحيى، وذهب الشافعي إلى أنهم بنو هاشم وبنو المطلب (أ).
وذهب الأزهري وغيره من المحققين -[وذهب جماعة من أئمة أهل البيت إلى أنهم ذريته، وقد تقدم الكلام فيه] (١) (ب) قال النووي: وهو أظهرها- أنهم أهل دينه لقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٢).
وقيل: إنه ذاته، ونسب إلى الحسن البصري لأنه كان يقول: "اللهم صل على محمد"، ولا يذكر آله ويتركه إلا والمراد به (جـ) ذاته.
وقد اشتهر سؤال وارد على هذا وهو أن قوله "كما صليت" للتشبيه، والمشبه دون المشبه به، ويجاب عن ذلك بأن التشبيه لا يقتضي ذلك لازمًا فإن الغرض منه قد يكون لبيان حال المُشَبِّه كما في تشبيه ثوب بآخر في السواد فإنه قد يكون المشبه في هذه الحال أقوى، وكذا في بيان المقدار فإن المشبه قد يكون مساويا للمشبه به، وهذا يكون من الأول، فإنه لما قد (د) علم وشاع عن جميع أهل الملل في الأعصار المتعاقبة والأوقات الحالية (هـ) ما اختص به إبراهيم وآله عليه أفضل الصلوات (و) والسلام من الخصائص
стр. 874
الرحمانية والمقامات العالية، وتسليم ملائكة الرحمن وترحمهم عليه وعلى آله فقيل: هذه الصلاة على محمد وآله لها الحد العلي من التعظيم والترحم الذي قد عهد وسلف مع إبراهيم وآله، فهو غير منظور فيها إلى جانب زيادة أو نقص، وإنما المقصود أن لها من نوع الإجلال والتعظيم الحظ الأوفر كما فعل في حق إبراهيم، واشتهر من تقرر (أ) تعظيمه واختصاصه بشرائف التكريم (ب) هذا ما يظهر لي في الجواب عن السؤال، وقد أجيب (جـ) بخمسة أجوبة:
أولها: أن التشبيه وقع لأصل الصلاة بأصل الصلاة لا القدر بالقدر.
الثاني: أن التشبيه وقع في الصلاة على الآل لا على النبي ﷺ .
الثالث: المشبه مجموع (د) الصلاة على النبي ﷺ بمجموع الصلاة على إبراهيم وآله وفي آل إبراهيم معظم الأنبياء.
الرابع: أن هذه الصلاة متكررة في حق النبي ﷺ بالنظر إلى كل مصل، فباعتبار مجموع الأفراد هي أعظم وأوفر أضعافًا مضاعفة، وإن كان باعتبار الفرد هي مساوية أو ناقصة.
الخامس: أن السؤال في الصلاة إنما هو زائد على القدر الذي قد كان ثبت له ﷺ ، وانضم إليه ما سألناه من الصلاة المساوية أو ناقصة فبانضمامه (هـ) إلى ما قد ثبت في جانب (و) نبينا ﷺ أعظم قدرا وأوفر أفرادا.
والعالمين: جمع عالَم.
стр. 875
[وقوله (أ): "بارك"، البركة: الزيادة والنماء من الخير] (ب)، وفي تحقيق معناه خلاف.
وقوله: "إِنك حميد": صيغة مبالغة فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، أي: محمود بمحامدك اللائقة بعظمتك بلسان المقال والحال والمعنى أنك مستحق لجميع المحامد، وهو تعليل لطلب الصلاة منه لأنك محمود ومن جملة محامدك إفاضتك أنواع العنايات ومزيد البركات على من فعل الحسنى وتقرب إليك بامتثال ما أمرته (جـ) وندبت إليه.
ويحتمل أن يكون "حميد" فَعِيل بمعنى فاعل أي أنك حامد لمن يستحق أن يحمد ومن حمدك لمحمد وآله إظهار شرفه والثناء عليه باستجابة دعاء من دعاك بإعطائه ذلك وهذا أنسب هنا.
ومجيد: مبالغة ماجد، والمجد الشرف.
وفي قوله: "والسلام كما عَلِمتم": بفتح العين وكسر اللام المخففة، ومنهم من رواه بضم العين وتشديد اللام والمفعول الثاني محذوف أي علمتموه، والمعنى أن صفة السلام كما علمتم في التشهد وهو السلام عليكم" (د).
٢٤٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : إِذَا تَشَهَّد أحدكم فَلْيَسْتَعِذْ بِالله من أرْبَع يقول: اللهمَّ إِني أعوذ بِكَ مِنْ عَذَاب جَهَنَّمَ، ومن عذاب القَبْرِ، ومن فَتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَات، ومن شرّ
стр. 876
فِتْنةِ الْمَسِيح الدَّجَّال". متفق عليه (١).
وفي رواية مسلم: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير" (٢).
الحديث فيه دلالة على شرعية الاستعاذة المذكورة بعد التشهد، وإطلاق الرواية الأولى يدل على (أ) "أنها في التشهدين (٣)، وأفرط ابن حزم (٤) فقال بوجوبها في التشهد الأول أيضًا، ولكن الرواية التي لمسلم مبينة لما أطلق في هذا بأن ذلك في التشهد الأخير وأن محلها بعد التشهد قبل الدعاء بدلالة التعقيب بالفاء للتشهد، فيكون الدعاء المتخير بعدها وقبل السلام، وهذه الاستعاذة ظاهر الأمر وجوبها، وقد ذهب إلى ذلك بعض أهل الظاهر، ويروى عن طاوس (٥) ما يدل على ذلك فإن من رواية عبد الرزاق بإسناد صحيح أنه سأل ابنه (ب): هل قالها بعد التشهد؟ فقال: لا، فأمره أن يعيد الصلاة، وادعى بعضهم الإجماع على أن ذلك مندوب، ولا يصح مع ما قد عرفت.
стр. 877
وفي قوله: "فليستعذ بالله" يدل على أنه يأتي من الألفاظ بما (ب) يفيد ذلك، وقد اقتصر على ذلك في رواية البخاري، ولكنه قد بين ذلك في رواية مسلم بقوله: "فليقل: اللهُم إنِّي أعوذُ بكَ من عذابِ جهنم" إلخ.
وقوله: "من عذاب القبر" فيه دلالة على ثبوت ذلك خلافا لمن أنكره من المعتزلة والأحاديث متضافرة على ثبوته (١). وقوله: "فتنة المحيا": قيل: أراد بفتنة المحيا: ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها -والعياذ بالله- أمر الخاتمة عند الموت، وقيل: هي الابتلاء مع زوال الصبر، وفتنة الممات قيل: أريد بها (جـ) الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه.
ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وقيل: أراد بها السؤال مع الحيرة.
وقد أخرج البخاري من حديث أسماء (٢) "إنكم تفتنون في قبوركم مثل -أو قريبًا من- فتنة الدجال" ولا يكون متكررًا على هذا من عذاب القبر لأن العذاب مرتب على ذلك. وقد أخرج الحكيم الترمذي في "نوادر
стр. 878
الأصول" (١) أن الميت إذا سئل: مَنْ رَبك؟ تراءى له الشيطان فيشير إلى نفسه، أي (أ) أنا ربك، فلهذا ورد سؤال التثبيت له حين يسأل.
ثم أخرج بسندٍ جيد إلى عمرو بن مرة: "كانوا يستحبون إذا وضع الميت في قبره أن يقولوا: اللهم أعذه من الشيطان".
وقوله: "فتنة المسيح الدجال": قال (ب) أهل اللغة: الفتنة: الامتحان والاختبار، وقد يطلق على القتل والإحراق والتهمة وغير ذلك، والمسيح: بفتح الميم وتخفيف السين المهملة (جـ) المكسورة وآخره حاء مهملة ويطلق (د) على الدجال وعلى عيسى لكن إذا أريد الدجال قيد، وقال أبو داود في "السنن": المَسِّيح مثقل الدجال، ومخفف عيسى (٢).
وقد نقل الفربري (٣) أن التشديد والتخفيف ثابت ويطلق على عيسى ﵇ وعلى الدجال.
وقال الجوهري: من قاله بالتخفيف فلمسحه الأرض، وبالتشديد فلكونه ممسوح العين وهذا في الدجال، وقد حكي عن بعضهم أنه بالخاء المعجمة،
стр. 879
ونسب إلى التصحيف.
وقيل في تلقيب الدجال بذلك لأنه ممسوح العين، وقيل: لأن أحد شِقَّي وجهه خلق (أ) ممسوحًا عين فيه، ولا حاجب، وقيل: لأنه يمسح الأرض إذا خرج، وأما عيسى فقيل: سُمي بذلك لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن، وقيل: لأن زكريا مسحه وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، وقيل: لأنه مسح الأرض بسياحته، وقيل: لأن رجله كانت لا أخمص لها، وقيل: هو بالعبرانية ماسحًا فعرب السيح وذكر الشيرازي صاحب "القاموس" أنه جمع في سبب تسميه عيسى بذلك خمسين قولا أوردها في "المشارق" (١) وقيل: المسيح الصديق (٢).
٢٤٤ - وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : عَلِّمنِي دُعَاءً أدْعُو بِه في صَلاتِي فقال: قُلْ اللَّهُمَّ إِنّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كثِيرًا ولا يَغْفر الذْنوب إلا أنْتَ، فاغْفِرْ لِي مَغفِرَةً مِنْ عِنْدَكَ، وارْحَمْنِي إِنَّكَ أنْتَ الغَفور الرًّحيم" متفق عليه (٣).
الحديث فيه دلالة على شرعية هذا الدعاء في الصلاة على الإطلاق من دون تعيين محل له، ولعله يختار بعد التشهد لقوله ﷺ : "فليتخير من
стр. 880
الدعاء" (١) وأشار البخاري (٢) إلى هذا بإيراد باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد بعد ذكر هذا الحديث.
وقوله: "ظلمت نفسي"، أي بملابسته (أ) ما يوجب العقوبة أو ينقص الحظ، وفيه دلالة على أن الإنسان لا يعرى عن تقصير ولو كان صديقًا.
وقوله: "ولا يغفر الذنوب إِلا أنت": فيه إقرار بالوحدانية، واستجلاب للمغفرة كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٣) .. الآية.
وقوله: "ولا يغفر الذنوب إِلا أنت": فيه إقرار بالوحدانية، واستجلاب للمغفرة كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ .. الآية.
وقوله: "مغفرة من عندك": تنكير "مغفرة" فيه إشعار بأنها مغفرة عظيمة لا يُدْرَك كنهها، ووصفها بأنها من عنده سبحانه لتعظيمها، لأن ما يكون من عند اللَّه لا يحيط به وصف، أو أن تنكيرها للنوعية، والمعنى مغفرة يتفضل بها لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره.
وقوله: "إِنك أنت الغفور الرحيم": هما صفتان ذكرتا ختمًا للكلام على جهة المقابلة لما تقدم، فالغفور مقابل لقوله: "اغفر لي"، والرحيم مقابل لقوله "ارحمني".
وفي الحديث من الفوائد أيضًا استحباب طلب التعليم من العالم خصوصًا في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم.