← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فِتْنةِ الْمَسِيح الدَّجَّال". متفق عليه (١). وفي رواية مسلم: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير" (٢). الحديث فيه دلالة على شرعية الاستعاذة المذكورة بعد التشهد، وإطلاق الرواية الأولى يدل على (أ) "أنها في التشهدين (٣)، وأفرط ابن حزم (٤) فقال بوجوبها في التشهد الأول أيضًا، ولكن الرواية التي لمسلم مبينة لما أطلق في هذا بأن ذلك في التشهد الأخير وأن محلها بعد التشهد قبل الدعاء بدلالة التعقيب بالفاء للتشهد، فيكون الدعاء المتخير بعدها وقبل السلام، وهذه الاستعاذة ظاهر الأمر وجوبها، وقد ذهب إلى ذلك بعض أهل الظاهر، ويروى عن طاوس (٥) ما يدل على ذلك فإن من رواية عبد الرزاق بإسناد صحيح أنه سأل ابنه (ب): هل قالها بعد التشهد؟ فقال: لا، فأمره أن يعيد الصلاة، وادعى بعضهم الإجماع على أن ذلك مندوب، ولا يصح مع ما قد عرفت.

стр. 877

وفي قوله: "فليستعذ بالله" يدل على أنه يأتي من الألفاظ بما (ب) يفيد ذلك، وقد اقتصر على ذلك في رواية البخاري، ولكنه قد بين ذلك في رواية مسلم بقوله: "فليقل: اللهُم إنِّي أعوذُ بكَ من عذابِ جهنم" إلخ. وقوله: "من عذاب القبر" فيه دلالة على ثبوت ذلك خلافا لمن أنكره من المعتزلة والأحاديث متضافرة على ثبوته (١). وقوله: "فتنة المحيا": قيل: أراد بفتنة المحيا: ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها -والعياذ بالله- أمر الخاتمة عند الموت، وقيل: هي الابتلاء مع زوال الصبر، وفتنة الممات قيل: أريد بها (جـ) الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه. ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وقيل: أراد بها السؤال مع الحيرة. وقد أخرج البخاري من حديث أسماء (٢) "إنكم تفتنون في قبوركم مثل -أو قريبًا من- فتنة الدجال" ولا يكون متكررًا على هذا من عذاب القبر لأن العذاب مرتب على ذلك. وقد أخرج الحكيم الترمذي في "نوادر

стр. 878

الأصول" (١) أن الميت إذا سئل: مَنْ رَبك؟ تراءى له الشيطان فيشير إلى نفسه، أي (أ) أنا ربك، فلهذا ورد سؤال التثبيت له حين يسأل. ثم أخرج بسندٍ جيد إلى عمرو بن مرة: "كانوا يستحبون إذا وضع الميت في قبره أن يقولوا: اللهم أعذه من الشيطان". وقوله: "فتنة المسيح الدجال": قال (ب) أهل اللغة: الفتنة: الامتحان والاختبار، وقد يطلق على القتل والإحراق والتهمة وغير ذلك، والمسيح: بفتح الميم وتخفيف السين المهملة (جـ) المكسورة وآخره حاء مهملة ويطلق (د) على الدجال وعلى عيسى لكن إذا أريد الدجال قيد، وقال أبو داود في "السنن": المَسِّيح مثقل الدجال، ومخفف عيسى (٢). وقد نقل الفربري (٣) أن التشديد والتخفيف ثابت ويطلق على عيسى ﵇ وعلى الدجال. وقال الجوهري: من قاله بالتخفيف فلمسحه الأرض، وبالتشديد فلكونه ممسوح العين وهذا في الدجال، وقد حكي عن بعضهم أنه بالخاء المعجمة،

стр. 879

ونسب إلى التصحيف. وقيل في تلقيب الدجال بذلك لأنه ممسوح العين، وقيل: لأن أحد شِقَّي وجهه خلق (أ) ممسوحًا عين فيه، ولا حاجب، وقيل: لأنه يمسح الأرض إذا خرج، وأما عيسى فقيل: سُمي بذلك لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن، وقيل: لأن زكريا مسحه وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، وقيل: لأنه مسح الأرض بسياحته، وقيل: لأن رجله كانت لا أخمص لها، وقيل: هو بالعبرانية ماسحًا فعرب السيح وذكر الشيرازي صاحب "القاموس" أنه جمع في سبب تسميه عيسى بذلك خمسين قولا أوردها في "المشارق" (١) وقيل: المسيح الصديق (٢). ٢٤٤ - وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : عَلِّمنِي دُعَاءً أدْعُو بِه في صَلاتِي فقال: قُلْ اللَّهُمَّ إِنّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كثِيرًا ولا يَغْفر الذْنوب إلا أنْتَ، فاغْفِرْ لِي مَغفِرَةً مِنْ عِنْدَكَ، وارْحَمْنِي إِنَّكَ أنْتَ الغَفور الرًّحيم" متفق عليه (٣). الحديث فيه دلالة على شرعية هذا الدعاء في الصلاة على الإطلاق من دون تعيين محل له، ولعله يختار بعد التشهد لقوله ﷺ : "فليتخير من

стр. 880

الدعاء" (١) وأشار البخاري (٢) إلى هذا بإيراد باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد بعد ذكر هذا الحديث. وقوله: "ظلمت نفسي"، أي بملابسته (أ) ما يوجب العقوبة أو ينقص الحظ، وفيه دلالة على أن الإنسان لا يعرى عن تقصير ولو كان صديقًا. وقوله: "ولا يغفر الذنوب إِلا أنت": فيه إقرار بالوحدانية، واستجلاب للمغفرة كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٣) .. الآية. وقوله: "ولا يغفر الذنوب إِلا أنت": فيه إقرار بالوحدانية، واستجلاب للمغفرة كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ .. الآية. وقوله: "مغفرة من عندك": تنكير "مغفرة" فيه إشعار بأنها مغفرة عظيمة لا يُدْرَك كنهها، ووصفها بأنها من عنده سبحانه لتعظيمها، لأن ما يكون من عند اللَّه لا يحيط به وصف، أو أن تنكيرها للنوعية، والمعنى مغفرة يتفضل بها لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره. وقوله: "إِنك أنت الغفور الرحيم": هما صفتان ذكرتا ختمًا للكلام على جهة المقابلة لما تقدم، فالغفور مقابل لقوله: "اغفر لي"، والرحيم مقابل لقوله "ارحمني". وفي الحديث من الفوائد أيضًا استحباب طلب التعليم من العالم خصوصًا في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم.

стр. 881

٢٤٥ - وعن وائل بن حجْر ﵁ قال: "صليتُ مع النبي ﷺ فكان يُسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته". رواه أبو داود بإسناد صحيح (١). (أ) الحديث أخرجه أبو داود من رواية علقمة بن وائل عن أبيه، والمصنف ﵀ نسبه في التلخيص (٢) (ب) إلى عبد الجبار بن وائل، قال: ولم يسمع من أبيه، وليس كذلك كما عرفت. وقد روى الحديث في التسليمتين جميعا خمسة عشر صحابيا هم: عبد اللَّه بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وسهل بن سعد الساعدي، ووائل بن حجر، وأبو موسى الأشعري، وحذيفة بن اليَمَان، وعمار بن ياسر، وعبد اللَّه بن عمر، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأبو مالك الأشعري، وطلق بن علي، وأوس بن أوس (جـ)، وأبو رمثة، وعدي بن

стр. 882

عميرة، والمغيرة بن شعبة، وواثلة بن الأسقع، ويعقوب بن الحصين (١) أخرجت أحاديثهم بأسانيد مختلفة، منها صحيح ومنها حسن ومنها ضعيف ومنها متروك ولكنها بدون زيادة: "وبركاته" إلا رواية ابن مسعود عند ابن ماجه (٢). وعند أبي داود من رواية وائل كما ذكره المصنف فلا يسمع قول ابن الصلاح (٣) أن هذه الزيادة ليست في شيء من كتب الحديث إلا في رواية وائل بن حُجْر. الحديث فيه دلالة أنَّ التسليم كان عادة النبي (أ) ﷺ في الصلاة، تسليمتين باللفظ المذكور، وظاهره يقتضي الوجوب، لقوله ﷺ : "صلوا كَمَا رأيتموني أصلي" (٤)، ولقوله: "تحرِيمها التكبير وتحليلُهَا التسليم" (٥).

стр. 883

أخرجه أصحاب السنن بسند صحيح، وقد ذهب إلى وجوبه أكثر العترة (١) والشافعي ونسبه النووي (٢) إلى جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وذهب أبو حنيفة (٣) والناصر إلى أنه سنة، وتوقف البخاري في ذلك فبوب على ذلك في الصحيح بباب التسليم ولم يبين (أ) حكمه (٤) وكأنه لم يقو له الدليل على وجوبه، وحجتهما على ذلك قوله ﷺ في حديث ابن عمرو (ب) "إذا رفع الإمام رأسه من السجدة وقعد ثم أحدث قبل أن يسلّم فقد تمت صلاته" (٥)، فدل (جـ) على أنَّ التسليم ليس بركن واجب، وإلا لوجب الإعادة مع الحَدَث قبل تأديته، كما أنه إذا أحدث قبل إكمال (د) السجود وجب عليه الإعادة، ولحديث تعليم المسيء صلاته، ولقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٦) فلا يجب ما عداهما إلا بدليل موجب، وفعله ﷺ بيان للأكمل.

стр. 884

ويجاب عنه بأن حديث ابن عمرو ضعيف باتفاق الحفاظ (١)، وحديث (أ) التعليم والآية الكريمة لا ينافيان الوجوب لغيرهما للزيادة، وهي مقبولة، وكون فعله بيانًا للأكمل غير مسلَّم لأن الظاهر الوجوب إلا فيما دل دليل خاص على عدم وجوبه لكون فعله بيانًا لما أجمل في آية الصلاة. ودَلَّ الحديثُ على أن التسليم على اليمين واليسار، وقد ذهب إلى وجوب ذلك الهادي والقاسم وزيد بن علي وأحمد والحسن بن صالح لحديث الباب وغيره (٢). وذهب الشافعي (٣) إلى أن الواجب تسليمة واحدة والثانية مسنونة، قال النووي (٤) أجمع العلماء (ب) الذين يُعتد بهم على أنه لا يجب إلا تسليمة، فإن سلَّم واحدة استحب له أن يسلمها تلقاء وجهه، وإن سلم تسليمتين جعل الأولي عن يمينه، والثانية عن يساره. ولعل حجة الشافعي في وجوب واحدة حديث عائشة: "كان يسلم تسليمة واحدة، السلام عليكم يرفع بها صوته حتى يوقظنا" (٥)، وهو معلول (٦). وأخرج ابن حبان في "صحيحه" من حديثها: "كان إذا أوتر أوتر بتسع

стр. 885

ركعات لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد اللَّه ويذكره ثم يدعو ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيجلس ويذكر اللَّه ويدعوه ثم يسلم تسليمة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس" (١)، وإسناده على شرط مسلم. ويجاب عنه بأنه لا يُعَارضُ حجة القول الأول للزيادة، والقول بالإجماع غير صحيح مع ما عرفت من الخلاف. وذهب مالك (٢) إلى أنّ المسنون: تسليمة واحدة فقط لحديث عائشة المذكور وحديث سعد أن النبي ﷺ "كان يسلِّم في الصلاة تسليمة واحدة". قال ابن عبد البر (٣): وهو وهْم، فإن المحفوظ من حديث سعد (أ) قال: "رأيْتُ رسول اللَّه ﷺ يسلم عن يمينه وعن شماله، حتى كأنِّي أَنْظُرُ إلى صفْحَة جهةِ خَدِّهِ" (٤). قال: وقد روي مثل هذا من حديثًا أنس (٥) وهو التسليم مرة واحدة. ولكنه من طريق أيوب السختياني عن أنس، وهو لم يسمع من أنس عندهم

стр. 886

شيئًا، وقد روي مرسلا عن الحسن (١) أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة. قال: وليس مع القائلين بالتسليمة الواحدة غير عمل أهل المدينة، قالوا: وهو عمل (أ) قد توارثوه كابرا عن كابر، ومثله يصح الاحتجاج به لوقوعه في كل يوم مرارا، وأنت خبير بأن هذا لا يتم إلا على القول بحجية عمل أهل المدينة، وقد دل على بطلانه في علم الأصول (٢). وذهب عبد اللَّه بن موسى بن جعفر (٣) إلى أنه يسلم ثلاث تسليمات: يمينًا وشمالًا وتلقاء وجهه جمعًا بين الروايات، وقيل: واحدة في المسجد الصغير مع قلة الأصوات، وإلا فاثنتان يمينا وشمالًا جمعًا بين الروايات. وحديث الباب يدل على أنه تشرع زيادة: "بركاته"، ولم أر من قال بوجوب ذلك إلا ما روي عن الإمام يحيى أنه قال: فإن زاد وبركاته ورضوانه وكرامته أجزأ، إذ هو زيادة فضيلة، هذا قوله (٤)، وقد عرفتَ أن هذه الزيادة لم ترد في رواية وإنما الوارد (ب) "وبركاته" فقط. فالحديث (جـ) يدل على أن تلك من لفظ السلام المعتبر في الصلاة إن لم يقم إجماع بخلافه، واللَّه أعلم.

стр. 887

وفي قوله: "عن يمينه وعن شماله": إنه يقول ذلك منحرفًا إلى جهة اليمين والشمال وحد الانحراف أن يرى من خلفه بياض خده كما في حديث سعد: "حتى كأني أنظر إلى صفحة خده". ٢٤٦ - وعن المغيرة بن شعبة ﵁ "أن النبي ﷺ كان يقول في دُبْرِ كُلِّ صَلاة مكتوبة: لا إِله إلا اللَّه وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شيءٍ قَديرٌ. اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لمَا أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ ولا يَنْفَعُ ذَا الجدِّ مَنْكَ الَجَدُّ" متفق عليه (١). قوله: "دُبُر" بضم الدال وهو المشهور في اللغة، والمعروف في الروايات، وقال أبو عمرو في كتابه "اليواقيت": دَبْر كل شيء بفتح الدال آخر أوقاته، من الصلاة وغيرها قال: هذا هو المعروف في اللغة، ويقال لجارحة بالضم. وقال ابن الأعرابي: هو بضم الدال لآخر أوقات الشيء، ولم يذكر الجوهري وغيره غير الضم، وفي "القاموس" (٢): الدُّبُرَ بالضم وبضمتين نقيض القبل، ومن كل شيء عقبه ومؤخره، وقال في الدّبَر: محركة الدال والباء بالفتح الصلاة في آخر وقتها، وتسكن الباء ولا تقل بضمتين فإنه من لَحْن المحدثين، انتهى. فهو يفهم أنه قد استعمل بالفتح في معنى آخر وقت الشيء، ولكنه غير مناسب في الحديث هنا.

стр. 888

وقوله: "له الملك وله الحمد": زاد الطبراني (١) من طريق أُخْرَى عن المغيرة: "يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير" ورواته موثقون، وثبت مثله عن البزار من حديث عبد الرحمن بن عوف بسند صحيح (٢) لكن في القول: إذا أصبح وإذا أمسى. وقوله: "اللهم لا مانع لما أعطيت": يعني أن مَنْ قضيتَ له برزق فلا مانع من وصوله إليه، ولا معطي لما منعت من قضيت له بحرمان فلا معطي له. وقوله: "و (أ) لا ينفع ذا الجَد منك الجد": وهو بفتح الجيم، قال الخطابي (٣): الجد: الغنى، ويقال: الحظ، وقال البخاري (٤) في تفسيره عن الحسن: الجد: الغنى، وقع في رواية كريمة: قال الحسن: الجد، غنَاؤه، [فالمعنى (ب): لا ينفعه ولا ينجيه حظه في الدنيا بالمال والولد أو (جـ) العظمة والسلطان، وإنما ينجيه فضلك ورحمتك] (د). ومنك قال الخطابي: هي بمعنى بدل، قال الشاعر:

стр. 889

فليت لنا من ماء زمزم شربة أي بدل ماء زمزم، وفي الصحاح (١)، بمعنى عند، أي لا ينفع ذا الغنى غناؤه، إنما ينفعه العمل الصالح. وقال ابن دقيق العيد (٢): ينفع مضمن معنى: يمنع، وما قاربه (أفيتعلق منك به أ). وقال القرطبي (٣): حكى عن أبي (ب) عمرو أنه روى الجدّ بالكسر وقال: لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده، وأنكره الطبري، ووجه الإنكار أن الاجتهاد في العبادة نافع لأن اللَّه قد دعا إلى ذلك ووعد عليه الأجر، وقيل: إنه لا يكون نافعًا إلا إذا قرنه القبول، وهو فضل من اللَّه ورحمة على وفق قوله: "لَا يَدْخُل أحَدٌ مِنْكُم الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ" (٤). والحديث يدل على استحباب هذا الذِّكر عقيب الصلاة لا اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد، ونسبة الأمر كله إلى اللَّه تعالى والمنع والإعطاء وتمام القدرة. فائدة: وقد ورد زيادة: "ولا راد لما قضيت"، وهي في مسند عبد ابن (جـ) حميد من رواية معمر عن عبد اللك بن عمير بهذا الإسناد لكن

стр. 890

حذف قوله: "ولا معطي لما منعت"، ووقع عند الطبراني تاما من وجه (١). ٢٤٧ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بهن دبر كل صلاة. اللهم إِني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أرد إِلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر" رواه البخاري (٢). البُخْل: بضم الخاء الموحدة وإسكان المعجمة. والبُخُل بضمهما (أ)، وكَجَبَل ولَحْم وعُنُق ضد الكَرَم، ولعل المقصود منه هنا هو منع ما يجب إخراجه من المال شرعًا أو عادةً. والجبن: بضم الجيم وسكون الباء ولضمها أيضًا: المهابة للأشياء والتأخر عن فعلها، يقال: منه جبان كسحاب لمن قام به المعنى، والمتعوذ منه هو التأخر عن الإقدام بالنفس إلى الجهاد الواجب، والرد إلى أرذل العمر هو أن يبلغ إلى الهرم والخرف حتى يعود كهيئته الأولى في أوان الطفولة ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم. وفتنة الدنيا: هي الافتتان بزخارفها وشهواتها حتى يلهى عن القيام بأداء ما خلق له العبد من العبادة، وهذا (ب) هو المطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا

стр. 891

أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (١) ويصح أن يُرَادَ بها ما تقدم في فتنة المحيا. وأما عذاب القبر فقد تقدم الكلام فيه واختصاص هذه المذكورات بالاستعاذة منها إذ غالب الهلاك للإنسان بسببها، نعوذ باللَّه من ذلك. ٢٤٨ - وعن ثوبان ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إِذا انصرف من صلاته، استغفر الله ثلاثًا وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". رواه مسلم (٢). قوله: "انصرف من صلاته" أي سَلَّمَ منها، وفي الاستغفار بعد الصلاة إشارة إلى ما يحصل للعبد فيها من الوسوسة والخواطر، وأنه لا يفي بالحق الواجب عليه فيشرع له الاستغفار عن التقصير، وأن الإنسان لما يقض ما أمره. ٢٤٩ - وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "مَنْ سَبَّح اللَّه دُبُر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وكَبَّر الله ثلاثا وثلاثين فتلك تسعٌ وتسعون، وقال تمام المائة: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه ولو كانت مثل زَبَدِ البحر". رواه مسلم (٣).

стр. 892

وفي رواية لمسلم أخرى أن التكبير أربع وثلاثون (١). وهي زيادة من ثقة فينبغي الجمع بين الروايات لينال الفضل. ٢٥٠ - وعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أوصيك يا مُعاذ: لا تدعنّ دُبر كلِّ صلاة أن تقول: اللهم أعنّي على ذكْرِكَ وشُكرِكَ وحُسنَ عِبَادَتِكَ". رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند قوي (٢). قوله: "لا تدعن" نهي من ودع كوضع بمعنى ترك، وقد هجر استعمال ماضيه استغناء عنه بترك (٣)، وقد استعمل في الشعر، وقرئ قوله تعالى شاذا: (ما وَدَعَك) (٤) وهي قراءة رسول اللَّه ﷺ وهو نهي إرشاد، ويحتمل أن يكون للتحريم خصوطًا في حقه، وسؤاله لهذه الثلاث الخصال لشرفها، واستلزامها لجميع الخيرات والبركات في الدنيا والآخرة ولا يكمل

стр. 893

فعل ذلك إلا بإعانة اللَّه وتيسيره العبد للخير، كما أردف العبادة بالاستعانة في فاتحة الكتاب الكريم. ٢٥١ - وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ آية الكرسي دُبرَ كل صَلاة مَكْتوبَةٍ لَمْ يَمْنَعَهُ مِن دخول الجَنَّةِ إلا الموتُ". رواه النسائي، وصححه ابن حبان. وزاد فيه الطبراني: و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١). هو أبو أمامة أياس بن ثعلبة الحارثي الأنصاري من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج، وقيل: اسمه ثعلبة، وقيل: سهل، وقيل: عبد اللَّه. قال ابن عبد البر (٢): و (أ) لا يصح فيه غير إياس بن ثعلبة ولم يسمه البخاري، ولا سماه مسلم في "كتاب الكنى" (٣) لم يشهد بدرًا لأنه أقام يمرِّض أمه بأمر النبي ﷺ روي عنه ابنه عبد اللَّه ومحمود بن لَبِيد، وعبد اللَّه بن كعب بن مالك (٤). الحديث قد ورد نحوه من حديث علي ﵁ بزيادة: "ومن قرأها حين يأخذ مضجعه أمنه اللَّه على داره ودار جاره وأهل دويرات حوله". رواه البيهقي في "شعب الإيمان" وقال: إسناده ضعيف (٥).

стр. 894

وقوله: "لم يمنعه من دخول الجنة إِلا الموت": هو على تقدير مضاف محذوف، والمعنى: عدم الموت حذف لانسياق المعنى إليه واختصت آية الكرسي بالفضيلة لما جمعت من أصول الأسماء والصفات من الإلهية والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة، وهذه السبعة هي أصول الأسماء والصفات، وقل هو اللَّه أحد متمحضة لذكر صفات الرب ﵎. ٢٥٢ - وعن مالك بن الحويرث ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي" رواه البخاري (١). هذا الحديث أصل عظيم في بيان ما أجمل في الأمر بالصلاة في القرآن وفي السنة، وفيه دلالة على وجوب التأسي بفعله في الصلاة، فما حافظ عليه والأفعال والأذكار فالظاهر وجوب التأسي به، إلا لمخصص يخرجه، والكاف في قوله "كما" للتشبيه، و"ما" يحتمل أن تكون موصولة صفة الصلاة (أ) المقدرة، والمعنى: صلوا كالصلاة التي رأيتموني أصليها ولما كان مستند معرفة كيفية صلاته هي الرؤية صرح بها لكونها من الأفعال المرئية، ويحتمل أن تكون مصدرية داخلة على أصلي وبوسيط الرؤية، للدلالة على أن الطريق إلى معرفة الكيفية هي الرؤية، واللَّه أعلم.

стр. 895

٢٥٣ - وعن عِمْرَان بن حصين ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صلِّ قَائِمًا، فإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ وإِلَّا فأومِئ". الحديث أخرجه البخاري والنسائي، وزاد: "فإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلقٍ لا يكلف اللَّه نفسًا إِلا وُسْعَهَا" (١)، واستدركه الحاكم فوهم، ولم يخرج البخاري قوله: "وإلا فأومِ"، ولكنه ترجم الباب بقوله: "باب صلاة القاعد بالإيماء" (٢). قال ابن رُشَيْد (٣): مطابقة الحديث للترجمة من جهة أن من صلى على جنب فقد احتاج إلى الإيماء، وليس ذلك بلازم، وقد روي الإيماء من حديث علي ﵁ وأخرجه الدارقطني بلفظ: "فإن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع

стр. 896

يصلي قاعدًا صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيًا، رجليه مما يلي القبلة (١)، وفي إسناده ضعيف ومتروك [والضعيف هو (أ) حسين بن زيد بن علي (٢)، قال ابن عدي (٣): وجدت في حديثه بعض النكرة، وأرجو أنه لا بأس به، قيل: وهو مجمع على إمامته عند العترة، والمتروك هو الحسن بن الحسين العرني] (٤) (ب). وقال المصنف ﵀ (٥) - إنه لم يقع في الحديث ذكْر للإيمَاء وإنما أورده الرافعي (٦) ولكنه ورد في حديث جابر: "إن استطعت وإلا فأومئ إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك". أخرجه البزار (٧) والبيهقي في "المعرفة"، وقال البزار: وقد سئل عنه أبو حاتم فقال: الصواب عن جابر موقوفًا، ورفعه خطأ (٨)، وقد روي أيضًا من حديث ابن عمر (٩) وابن

стр. 897

عباس (١)، وفي إسنادهما ضعف. والحديث يدل على أنه لا يصلي قاعدا إلا لعذر (٢)، وهو عدم الاستطاعة، ويلحق به ما إذا خشي ضررا، ولقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣)، وكذا قوله: "فإن لم تستطع فعلى جنب" [وقوله في حديث الطبراني: "فإن نالته مشقة فجالسا، فإن نالته مشقة فنائمًا"، أي مضطجعًا] (أ)، وفي هذا حجة على من قال: إن العاجز عن القعود في الصلاة تسقط عنه، وقد حكاه الغزالي عن أبي حنيفة (٤)، وهو لا يوجد في كتب الحنفية وعذر عمران بن حصين هو كما صرح به في البخاري أنه كان مبسورا (٥) -بالباء الموحدة (ب) - في رواية وهو من به ورم في باطن المقعدة، وفي رواية بالنون وهو من به قرحة فاسدة، وأما التألم فلا يبيح ذلك عند الجمهور (٦) خلافًا للمنصور باللَّه وقواه الإمام المهدي لدين اللَّه،

стр. 898

والتقييد بعدم الاستطاعة، وقوله: "وإِن نالته مشقة" يرد عليه، وعند الشافعية (١) المعتبر في عدم الاستطاعة وجود المشقة الشديدة، أو خوف زيادة المرض أو الهلاك، قالوا: ومن المشقة الشديدة دوران الرأس في حق راكب السفينة، وخوف الغَرَق لو صلى قائما، وفيمن يخاف على نفسه من عَدو لو صلى قائمًا فيه وجهان عندهم الأصح عذر (٢) [واختار إمام الحرَمين (٣) في ضبط العَجْز عن القيام أن تلحقه مشقة به تذهب خشوعه] (أ). وقوله: "فإِن لم يستطع فقاعدًا: لم يُبَيِّنْ في الحديث هيئة القعود [الذي هو بدل عن فرض القيام] (ب)، فيؤخذ من إطلاقه جوازه على أي صفة شاء المصلي (٤)، وهو مقتضى كلام الشافعي والبويطي، وذهب الهادي والمؤيد (٥) والقاسم إلى أنه يتربع واضعا ليديه على ركبتيه، ومثله عن أبي حنيفة (٦)، وعنه كقول الشافعي، وذهب زيد بن علي والناصر والمنصور إلى أنه مِثْل قعود التشهد، قيل: والخلاف إنما هو في الأفضل (٧). قَال المصنف -رحمه اللَّه تعالى- في "فتح الباري" (٨): وقد اختلف في الأفضل، فعن الأئمة الثلاثة، يصلي متربعًا، وقيل: يجلس مفترشًا،

стр. 899

وهو موافق لقول الشافعي في "مختصر المزني"، وصححه الرافعي (١)، ومنْ تَبِعَهُ، وقيل: متوركا، وفي كلٍّ منها أحاديث. وقَوله: "فَعَلَى جِنْبٍ": الكلام في الاستطاعة هنا كما مر خَلافًا لإمام الحرمين، والجنب وَردَ في هذه الرواية مطلقًا، وفي حديث علي ﵁ عند الدارقطني (٢) على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه وهو حجة للجمهور (أ) أنه يكون على هذه الصفة كتوجيه (ب) الميت في القبر المتفق عليه وذهب الهادي وبعض الشافعية، ورواية عن الحنفية (٣) أنه يستلقي على ظهره ويجعل رجليه إلى القبلة، وحجتهم على ذلك ما روي في إحدي روايات حديث (جـ) الأنصاري (٤) الذي شبكته الريح حيث قال فيها: "إن استطعتم أنْ تُجلسوه فأجلسوه (د) وإلا فوجهوه إلى القبلة". قالوا: ولا توجيه كامل إلا إذا كان ذلك. ووقع الخلاف أيضًا في توجيه المحتضر، وقد تقدم في رواية حديث علي أن هذا بعد تعذر الكون على الجنب. ويؤخذ من الحديث أنه لا يجب شيء بعد تعذر الإيماء على الجنب. وعن الشافعي والمؤيد باللَّه: يجب الإيماء بالعينين والحاجبين (٥)، وعن

стр. 900

زُفَر (١): الإيماء بالقلب، وقيل: يجب إمرار القرآن والذِّكْر على اللسان ثم على القلب، لكن جميع ذلك لم يذكر في الحديث، وكذا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (٢) ولكن عدم الذكر لا ينفي الوجوب بدليل آخر، وقد ثبت وجوب الصلاة على الإطلاق. قال ﷺ "إذا أُمِرْتُمْ بأمرٍ فأْتُوا منه ما استطعتم" (٣)، فإن استطاع شيئًا مما يفعل في الصلاة فهو واجب عليه إذ هو مستطاعه من الصلاة. ٢٥٤ - وعن جابر ﵁ "أن النبي ﷺ قال لمريض صَلَّى على وِسَادَةٍ فرمى بها، وقال: صَلِّ على الأرض إِن استطعت، وإِلا فأومئ إِيماء واجعل سُجُودَكَ أخفضَ من رُكوعِكَ". رواه البيهقي بسندٍ قوي، ولكن صح أبو حاتم وقفه (٤). الحديث أخرجه البيهقي في "المعرفة" من طريق سفيان الثوري، وفي الحديث بعد "فرمى بها": "فأخذ عودًا ليصلي عليه، فأخذه فرمي به، وقال ... " إلخ. وقال البزار (٥): لا نعرفُ أحدا رواه عن الثوري غير أبي بكر الحنفي،

стр. 901

وقد سُئل عنه أبو حاتم (١) فقال: الصواب عن جابر موقوفًا، ورفعه خطأ، قيل له: فإن أبا أسامة قد روى عن الثوري هذا الحديث مرفوعًا، فقال (أ): ليس بشيء، ولكنه قد روى الطبراني من حديث طارق بن شهاب عن ابن عمر قال: "عاد رسول اللَّه ﷺ مريضا ... " (٢)، فذكره وفي إسناده ضعف. والحديث يدل على أنه لا يصح منه أن يتخذ له ما يسجد عليه حيث لم يمكنه الوصول إلى الأرض. وفي قوله: "واجعل سجودَك أخفض من ركوعك" ليتم الفصل فيما بينهما وذلك حيث استطاع ذلك، ولم يذكر في الحديث كَوْن الإيماء لهما منْ قعُود أو من قيام ولا بد من تفصيل في ذلك، وهو أنه إِنْ تعذر عليه القيام مع تعذر السجود أومأ للركوع والسجود من قعود، وزاد في خفض السجود، وإن أمكنه القيام والقعود، وتعذر عليه الركوع والسجود أو الركوع فقط فإنه يجب عليه أن يومئ للركوع من قيام ويسجد أو يومئ للسجود من قعود، وعند المؤيد باللَّه (٣) أن يومئ لهما جميعا من قيام، ويقعد للتشهد، وعند أبي يوسف (٤) ومحمد يومئ لهما كليهما من قعود ويقوم للقراءة وعند أبي حنيفة أنه يسقط عنه القيام ويصلي قاعدًا، فإن صلى قائمًا جاز، وإن تعذر عليه القعود أومأ لهما (ب) من قيام، وزاد في

стр. 902

خفض السجود، ويدل على هذه الأطراف قوله: "فأتوا منه ما استطعتم"، واللَّه أعلم. [أحاديث الباب خمسة وأربعون حديثًا] (أ).

стр. 903

باب سجود السهو وغيره ٢٥٥ - عن عبد اللَّه بن بحينَة ﵁ أن النبي ﷺ صَلَّى بِهم الظُّهْرَ، فَقَام في الركعتين الأولَيَيْنِ، ولم يجلس، فقام الناس معه حتى إِذا قضى الصلاة، وانتظر الناس تسليمه، كَبَّرَ وهو جالس، وسجد سجدتين قبل أن يسلِّمَ ثم سَلَّمَ". أخرجه السبعة (١)، وهذا لفظ البخاري، وفي رواية مسلم (٢): "يكبر في كل سجدة وهو جالس، ويسجد الناس معه، فكان ما نسي من الجلوس". هو أبو محمد عبد اللَّه بن مالك بن القِشْب -بكسر القاف وسكون الشين المعجمة وبالباء الموحدة- الأزدي، من أزد شَنُوءة -بفتح الشين وضم النون وسكون الواو بعدها همزة مفتوحة-، وأمه اسمها بحَيْنة -بضم الباء الموحدة، وفتح الحاء المهملة، وسكون الياء تحتها نقطتان وبعدها نون- بنت الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، وقيل: إن بحينة اسم أم أبيه. والأول أصح، وهو حليف لبني المطلب بن عبد مناف. وروى عنه ابنه علي، وحفص بن عاصم وعبد الرحمن الأعرج. مات في ولاية معاوية ما بين سنة أربع وخمسين وثمان وخمسين (٣).

стр. 904

الحديث فيه دلالة على أنَّ تَرْك التشهد الأوسط يجبره سجود السهو، والظاهر من هذا الوجوب لقوله ﷺ : "صلوا (أ) كما رأيتموني أصلي" (١)، وقد استدل به بعضهم على أن التشهد الأوسط غير واجب (٢) إذ لو كان واجبًا لما أغنى عنه السجود إذ حق الواجب أن يفعل بنفسه، وفيه تأمل إذ يمكن أنْ يُقال: إن هذا مخصوص بأن يُغْنِي عنه السجود إذا ترك سهوًا، [وهو قول أحمد بن حنبل أن التشهد واجب وهو مخصوص بأن سد عنه السجود] (٣) (ب). وفي قوله: "كَبَّرَ": دلالة على أنه يُحْرم بالتكبير لسجود السهو، وفي رواية مسلم "يكبّر في كل سجدة" دلالة على شرعية تكبير النفل، وأما عدم وجوبه فكما تقدم في تكبير الصلاة. وفيه دلالة على أن محل سجود السهو مثل هذا السهو قبل التسليم، وسيأتي ما يخالفه والكلام عليه إن شاء اللَّه تعالى. وفي رواية مسلم دلالة على متابعة المأموم للإمام في السجود وأن ذلك كاف. وفي الحديث دلالة على وجوب متابعة الإمام، وأنَّ تَرْك ما هذا حاله، إذ النبي ﷺ أقرهم على متابعته مع تركهم التشهد عمدًا. واعلم أن في هذه الأطراف المدلول عليها خلافًا مع تفاصيل، أما

стр. 905

وجوب السجود فذهب الهادي (١) أنه واجب في الفرض، مستحب في النفل إذ لا يزيد الشيء على أصله. وعن الناصر والشافعي (٢) أنه سنة في الفرض والنفل، قيل: وهو ظاهر كلام القاسم، وعن القاسم والمؤيد باللَّه وأبي طالب أنه فرض في الفرض والنفل، وهو قول أبي حنيفة (٣). وفي الإحرام له بالتكبير الإجماع إذا كان قبل التسليم، والخلاف إذا كان فعلهما بعد التسليم فقولان عند أصحاب الشافعي، والصحيح أنه يحرم له بالتكبير من دون تسليم. ٢٥٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "صلَّى النبيّ ﷺ إِحْدَى صلاتي العشي ركعتين، ثم سلم، ثم قام إِلى خشبة في مُقَدَّم المسجد، فوضع يده عليها، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس فقالوا: أقصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي ﷺ "ذا اليدين" فقال: يا رسول الله: أنَسيتَ أم قُصِرَت الصلاة؟ فقال: لم أنس، ولم تقصر، قال: بلى قد نسيتَ، فصلى ركعتين، ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر". متفق عليه، واللفظ للبخاري (٤).

стр. 906

وفي رواية لمسلم: "صلاة العصر" (١). ولأبي داود (٢) قال: "أصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟ فأومئوا: أي نعم". وهي في الصحيحين (٣) لكن بلفظ: "فقالوا"، وفي رواية له (٤): "ولم يسجد حتى يَقَّنَه اللَّه ذلك". الحديث متفقٌ عليه من رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة، وقد أُخْرِج مِنْ طُرقٍ كثيرة. قال الحافظ المصنف ﵀: وقد جمع طرقه الحافظ صلاح الدين العلائي وتكلم عليه كلاما شافيا في جزء مفرد (٥). واعلم أن الكلام في سهوه ﷺ وفيما يتعلق بهذا الحديث يطول ويتشعب من مباحث كلاميه وأصلية وفرعية، ولنأخذ في بعضٍ من ذلك. أما وقوع السهو منه ﷺ فاختلف العلماء في جواز السهو على الأنبياء (أفي أحكام أ) الشرع فالأكثر على جواز ذلك ووقوعه (٦) ولكن لا يقرون عليه (ب). [وذهب الأكثرون إلى أنه لا بد أن يُنبه عليه على الفور متصلا

стр. 907

بالحادثة ولا يقع فيه تأخير، وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته، واختاره إمام الحرمين] (١) (أ). ودليل الوقوع هذه الأحاديث في سهوه، [وقوله ﷺ : "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نَسيت فذكروني" (٢)] (ب). ومنع قومٌ من ذلك فقالوا: لا يجوز عليه السهو [في الأفعال البلاغية والعبادات] (جـ)، وإنما يتعمد صورة النسيان، واحتجوا بالحديث الضعيف: "إني لا أنسى ولكن أنَسَّى لأسن (د) ". وقد ذكره مالك بلاغا في "الموطأ" (٣)، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي تكلم عليها في "الموطأ"، وهو مردود عليهم بما قد ثبت من الأحاديث الصحيحة من الفعل والقول، ولا وجه للتكلف الذي ارتكبوه (هـ) (وفأجابوا (ز) عن الظواهر الواردة في ذلك، وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني و).

стр. 908

قال النووي (١): والصحيح الأول فإن السهو لا يناقض النبوة، وإذا لم يقر عليه لم يحصل منه مفسدة، بل يحصل فيه فائدة وهو بيان أحكام الناسي وتقرير الأحكام. وادعى القاضي عياض (٢) الإجماع على امتناع السهو عنه في الأقوال البلاغية، قال: وجوز قومٌ ذلك فيما لا يتعلق بالأحكام ولا أخبار القيامة، وما يتعلق بها ولا يضاف إلى وحي، إذ لا مفسدة فيه، والحَقُّ الذي لا شك فيه ترجيح قول مَنْ منع ذلك على الأنبياء في كل خبرٍ من الأخبار كما لم يجيزوا عليهم الخلف (أ) في خبر لا عن قصد ولا عن سهو، ولا في صحة ولا مرض ولا رضى ولا غضب. ويؤخذ من الحديث قاعدة أن الواحد إذا أخبر بوقوع حادثة في محضر مما يستنكر وتقضي العادة بنقلها أنه لا يقبل وحده، فإن النبي ﷺ لم يصدقه وحده بل طلب من غيره تصديقه. وقوله: "إحدى صلاتي العشي": تردد من محمد بن سيرين بعد أن كان سماها له (ب) أبو هريرة كما في رواية البخاري (٣) فيما بين الظهر والعصر، وفي رواية مسلم: صلاة العصر (٤)، في رواية له أخرى (٥)، والظاهر

стр. 909

أنهما قضيتان متعددتان، وفي رواية عِمْرَان بن حُصَيْن: "سلم في ثلاث ركعات من العصر ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له الخرباق". فيحمل حديث عمران أنها قصة ثالثة (١). والله أعلم. وقوله: "إحدى صلاتي العشي": هو بفتح العين المهملة وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء، وقال الأزهري: العشي عند الغروب ما بين زوال الشمس وغروبها. وقوله: "خشبة": وفي رواية مسلم (٢) "أتى جذعًا وهو الخشبة". وسرعان: بفتح السين والراء وهو الذي قاله الجمهور من أهل اللغة والحديث وهم المسرعون إلي الخروج، ونقل القاضي أبو بكر (٣) عن بعضهم إسكان الراء. قال: وضبطه الأصيلي في البخاري (٤) بضم السين وإسكان الراء جمع سريع كقَفِيز وقُفْزَان [وفي "معالم السنن" (٥) (أ): وسكون الراء،

стр. 910

وحكى القرطبي (١) عن الخطابي (٢) تخطئة الكسر في غير المعالم] (أ). وقصرت: بضم القاف وكسر الصاد (٣)، وروي بفتح القاف وضم الصاد وكلاهما صحيح، والأول أشهر وأفصح (٤). وذا اليدين: كذا في رواية البخاري (٥)، وفي رواية (٦): "رجل من بني سليم"، وفي رواية: "رجل يقال له الخرباق وكان في يده طول" (٧)، وفي رواية: "رجل سبط (ب) اليدين" (٨). قال النووي (٩): هو رجل واحد، واسمه الخرباق بن عمرو بكسر الخاء المعجمة والباء الموحدة، وآخره قاف، ولقبه "ذو اليدين" لطولٍ كان في يديه وهو معنى "سبط اليدين"، وقال ابن منده: "ذو اليدين" رجل من أهل وادي القرى يقال له: الخرباق، أسلم في آخر زمن النبي ﷺ .

стр. 911

والسهو كان بعد أُحُد، وقد شهده أبو هريرة، وأبو هريرة شهد من رسول اللَّه ﷺ أربع سنين، وذو اليدين هو من بني سليم، قال: ووهم الزهري (١) فجعل مكان ذي اليدين "ذا الشمالين"، وهو من أهل مكة قُتل يوم بدر قبل سهو النبي ﷺ بست سنين، وهو من خزاعة، ذكره ابن إسحاق في: "السيرة" (٢) حليف بني أمية. وقال ابن عبد البر في "التمهيد": وأما قول الزهري في حديث السهو أن المتكلم ذو الشمالين فلم يتابع عليه وقد اضطرب في حديث ذي اليدين اضطرابًا أوجب عند أهل العلم بالحديث تركه من روايته خاصة. ثم ذكر طرقه وبيَّن اختلافها في المتن والإسناد (أ). قال: وإن كان إمامًا في هذا

стр. 912

الشأن فالغلط لا يسلم منه بشر والكمال للَّه، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ . انتهى مختصرًا (١). وقوله: "لم أنْسَ ولم تُقْصَر": وفي رواية مسلم: "كل ذلك لم يكن" (٢) قد يورد على هذا أنه يلزم الكذب فإن في الواقع أحدهما. وأجيب بأنه إخبار عما في الواقع بحسب ظنه فكأنه قال: لم يكن ذلك في الواقع بحسب ظني، وهو مطابق للواقع حينئذ، ومثله قوله تعالى حكاية عن زكريا: ﴿يرثني﴾ (٣)، على قراءة الجزم (٤) فإنه في معنى إن تهب لي يرثني وهو مطابق للواقع بحسب ظنه ولا كَذِب فيه. وقوله: "فصلى ركعتين .. إِلخ"، فيه دلالة على أن نية الخروج من الصلاة وقطعها إذا كانت بناء على ظن التمام لا يوجب بطلانها ولو بتسليمتين، وفيه خلاف الهادوية، وأن كلام الناسي لا يبطل الصلاة وكذا من ظن التمام، و (أ) بهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف (٥)، وهو قول ابن عباس وعبد اللَّه بن الزبير وأخيه عروة وعطاء والحسن والشعبي وقتادة والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وجميع المحدثين، وبهذا قال الناصر، وقال أبو حنيفة وأصحابه (٦) والثوري: يُبْطِل الصلاة الكلام ناسيًا أو

стр. 913

جاهلًا، وكذا رواه السيد يحيى من مذهب الهادي (١) وهو قول زيد بن علي والمؤيد باللَّه قالوا: لحديث ابن مسعود (٢) (أوزيد بن أرقم (٣) أ)، وهو: أن لا تتكلموا في الصلاة، وأن ذلك ناسخ لهذا الحديث. و (ب) أجيب بأن حديث ابن مسعود كان بمكة قبل الهجرة بعد عوده من هجرته إلى (جـ) الحبشة (٤) -وقد تقدم- فلا يصحّ أن يكون ناسخًا لهذا المتأخر، و (د) حديث زيد بن أرقم ليس فيه ما يدل على أنه بعد هذه القصة، فيجوز أن يكون لم وقع ذلك قبلها، ويحتمل أن زيدًا لم يكن قد بلغه النهي المتقدم، وأنه كان يتكلم في الصلاة لأنه من صغار الصحابة إلى حين نزول الآية، وهو لم يخبر عن جماعة المسلمين. وأحسن من هذا كله أن هذه القصة تدل على شيء خاص وهو كلام الناسي، ومَنْ ظن تمام الصلاة، وحديث ابن مسعود وابن أرقم عمومًا، والجمع ممكن بالعمل بالخاص فيما تناوله، والعام فيما بقي، لا سيما على طريقة منْ يبني العام على الخاصّ مطلقا، وهو الأقوى والأرجح إذ (هـ) إعمال الدليلين هو الواجب مهما أمكن، واللَّه أعلم.

стр. 914

ويدل على أن الكلام العمد لإصلاح الصلاة لا يفسدها (١) كما في رواية الصحيحين (أقالوا: وكما في قول ذي اليَدين للنبي ﷺ فإن ذلك كلام عمد لإصلاح الصلاة، وقد روى ابن القاسم (٢) عن مالك أن الإمام لو تكلم بما تكلم به النبي ﷺ من الاستفسار والسؤال عند الشك وإجابة المأموم أن الصلاة لا تفسد. وقد أجيب عن هذا بأن النبي ﷺ تكلم معتقدًا للتمام، والصحابة مجوِّزين للنسخ، فقد ظنوا حينئذ التمام فلا ينتهض دليلًا على ذلك. وأما جواب الصحابة على النبي ﷺ فهو إنه إجابة له وهي واجبة ولو كانت في الصلاة، ويدل على أن الأفعال الكثيرة (ب) التي ليسَتْ من جِنْس الصلاة إذا وقعت سهوًا أو مع ظَنِّ التمام لا تبْطل الصلاة فإن في رواية: "أنه خرج إلى منزله" (٣) وفي رواية: "يجرُّ رداءه مغضبًا"، ورواية: "قام إلى خشبة فوضع يده عليها" (٤)، وكذلك خروج سرعان، فإنها أفعال كثيرة قطعًا، وقد ذهب إلى هذا الشافعي ﵀ (٥) ويدل على صحة البناء على الصلاة بعد السلام سهوًا أو ظنا للتمام، والجمهور عليه.

стр. 915

وذهب سحنون (١) من المالكية إلى أن ذلك إنما هو فيما كان على ركعتين لا إذا كان على ركعة أو ثلاث بناء منه أن ذلك لا يقاس عليه لكونه مخالفًا للقياس، ولا يسلم له ذلك، وأيضًا فالعلة معقولة، والفرع مساوٍ للأصل فيصحّ القياس كما ذهب إليه كثير وإن كان مخالفًا للقياس، ويدل على أنه يصح البناء على الصلاة، وإن طال زمان الفصل بينهما ما لم ينتقض وضوؤه، وقد روي هذا عن ربيعة، ونسِبَ إلى مالك، وليس بمشهور عنه. وقد روي في هذه القصة أنه خرج ﷺ إلى منزله والأكثر على تخصيص هذا بالزمن القريب، واختلفوا في حده فقيل: بمقدار فعل النبي ﷺ وقيل: (أ) ما يعد في العرف قريبا، وقيل: بمقدار ركعة، وقيلَ: بمقدار الصلاة، والوَجه الأول، ويدل على أنه يجبر ذلك سجود السهو وجوبًا لقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني ... " (٢)، ويدلُّ على أنه سجدتان، وعلى أنه يحرم له بالتكبير، وعلى أنه في آخر الصلاة ولذلك فائدة على قول من يجعله قبل التسليم، وهو أنه لو صلى قاصرًا وهو في سفينة فسجد للسهو ووصلت به السفينة قبل التسليم أو نوى الإقامة فإنه لا يعتدُّ به، ويدل على أن السجود لا يتعدد لتعدد أسباب السهو، وأنه لا سهو على المؤتمين، وعلى أن السجود بعد السلام. وقد اختلفت الأدلة وسيأتي تحقيق هذا إن شاء اللَّه تعالى. ٢٥٧ - وعن عمْرَان بن الحُصَيْن ﵁ "أن النبي ﷺ صلَّى بهم فَسَها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم". رواه أبو داود والترمذي حسنه، الحاكم وصححه (٣).
следующие страницы →