← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

والسهو كان بعد أُحُد، وقد شهده أبو هريرة، وأبو هريرة شهد من رسول اللَّه ﷺ أربع سنين، وذو اليدين هو من بني سليم، قال: ووهم الزهري (١) فجعل مكان ذي اليدين "ذا الشمالين"، وهو من أهل مكة قُتل يوم بدر قبل سهو النبي ﷺ بست سنين، وهو من خزاعة، ذكره ابن إسحاق في: "السيرة" (٢) حليف بني أمية. وقال ابن عبد البر في "التمهيد": وأما قول الزهري في حديث السهو أن المتكلم ذو الشمالين فلم يتابع عليه وقد اضطرب في حديث ذي اليدين اضطرابًا أوجب عند أهل العلم بالحديث تركه من روايته خاصة. ثم ذكر طرقه وبيَّن اختلافها في المتن والإسناد (أ). قال: وإن كان إمامًا في هذا

стр. 912

الشأن فالغلط لا يسلم منه بشر والكمال للَّه، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ . انتهى مختصرًا (١). وقوله: "لم أنْسَ ولم تُقْصَر": وفي رواية مسلم: "كل ذلك لم يكن" (٢) قد يورد على هذا أنه يلزم الكذب فإن في الواقع أحدهما. وأجيب بأنه إخبار عما في الواقع بحسب ظنه فكأنه قال: لم يكن ذلك في الواقع بحسب ظني، وهو مطابق للواقع حينئذ، ومثله قوله تعالى حكاية عن زكريا: ﴿يرثني﴾ (٣)، على قراءة الجزم (٤) فإنه في معنى إن تهب لي يرثني وهو مطابق للواقع بحسب ظنه ولا كَذِب فيه. وقوله: "فصلى ركعتين .. إِلخ"، فيه دلالة على أن نية الخروج من الصلاة وقطعها إذا كانت بناء على ظن التمام لا يوجب بطلانها ولو بتسليمتين، وفيه خلاف الهادوية، وأن كلام الناسي لا يبطل الصلاة وكذا من ظن التمام، و (أ) بهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف (٥)، وهو قول ابن عباس وعبد اللَّه بن الزبير وأخيه عروة وعطاء والحسن والشعبي وقتادة والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وجميع المحدثين، وبهذا قال الناصر، وقال أبو حنيفة وأصحابه (٦) والثوري: يُبْطِل الصلاة الكلام ناسيًا أو

стр. 913

جاهلًا، وكذا رواه السيد يحيى من مذهب الهادي (١) وهو قول زيد بن علي والمؤيد باللَّه قالوا: لحديث ابن مسعود (٢) (أوزيد بن أرقم (٣) أ)، وهو: أن لا تتكلموا في الصلاة، وأن ذلك ناسخ لهذا الحديث. و (ب) أجيب بأن حديث ابن مسعود كان بمكة قبل الهجرة بعد عوده من هجرته إلى (جـ) الحبشة (٤) -وقد تقدم- فلا يصحّ أن يكون ناسخًا لهذا المتأخر، و (د) حديث زيد بن أرقم ليس فيه ما يدل على أنه بعد هذه القصة، فيجوز أن يكون لم وقع ذلك قبلها، ويحتمل أن زيدًا لم يكن قد بلغه النهي المتقدم، وأنه كان يتكلم في الصلاة لأنه من صغار الصحابة إلى حين نزول الآية، وهو لم يخبر عن جماعة المسلمين. وأحسن من هذا كله أن هذه القصة تدل على شيء خاص وهو كلام الناسي، ومَنْ ظن تمام الصلاة، وحديث ابن مسعود وابن أرقم عمومًا، والجمع ممكن بالعمل بالخاص فيما تناوله، والعام فيما بقي، لا سيما على طريقة منْ يبني العام على الخاصّ مطلقا، وهو الأقوى والأرجح إذ (هـ) إعمال الدليلين هو الواجب مهما أمكن، واللَّه أعلم.

стр. 914

ويدل على أن الكلام العمد لإصلاح الصلاة لا يفسدها (١) كما في رواية الصحيحين (أقالوا: وكما في قول ذي اليَدين للنبي ﷺ فإن ذلك كلام عمد لإصلاح الصلاة، وقد روى ابن القاسم (٢) عن مالك أن الإمام لو تكلم بما تكلم به النبي ﷺ من الاستفسار والسؤال عند الشك وإجابة المأموم أن الصلاة لا تفسد. وقد أجيب عن هذا بأن النبي ﷺ تكلم معتقدًا للتمام، والصحابة مجوِّزين للنسخ، فقد ظنوا حينئذ التمام فلا ينتهض دليلًا على ذلك. وأما جواب الصحابة على النبي ﷺ فهو إنه إجابة له وهي واجبة ولو كانت في الصلاة، ويدل على أن الأفعال الكثيرة (ب) التي ليسَتْ من جِنْس الصلاة إذا وقعت سهوًا أو مع ظَنِّ التمام لا تبْطل الصلاة فإن في رواية: "أنه خرج إلى منزله" (٣) وفي رواية: "يجرُّ رداءه مغضبًا"، ورواية: "قام إلى خشبة فوضع يده عليها" (٤)، وكذلك خروج سرعان، فإنها أفعال كثيرة قطعًا، وقد ذهب إلى هذا الشافعي ﵀ (٥) ويدل على صحة البناء على الصلاة بعد السلام سهوًا أو ظنا للتمام، والجمهور عليه.

стр. 915

وذهب سحنون (١) من المالكية إلى أن ذلك إنما هو فيما كان على ركعتين لا إذا كان على ركعة أو ثلاث بناء منه أن ذلك لا يقاس عليه لكونه مخالفًا للقياس، ولا يسلم له ذلك، وأيضًا فالعلة معقولة، والفرع مساوٍ للأصل فيصحّ القياس كما ذهب إليه كثير وإن كان مخالفًا للقياس، ويدل على أنه يصح البناء على الصلاة، وإن طال زمان الفصل بينهما ما لم ينتقض وضوؤه، وقد روي هذا عن ربيعة، ونسِبَ إلى مالك، وليس بمشهور عنه. وقد روي في هذه القصة أنه خرج ﷺ إلى منزله والأكثر على تخصيص هذا بالزمن القريب، واختلفوا في حده فقيل: بمقدار فعل النبي ﷺ وقيل: (أ) ما يعد في العرف قريبا، وقيل: بمقدار ركعة، وقيلَ: بمقدار الصلاة، والوَجه الأول، ويدل على أنه يجبر ذلك سجود السهو وجوبًا لقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني ... " (٢)، ويدلُّ على أنه سجدتان، وعلى أنه يحرم له بالتكبير، وعلى أنه في آخر الصلاة ولذلك فائدة على قول من يجعله قبل التسليم، وهو أنه لو صلى قاصرًا وهو في سفينة فسجد للسهو ووصلت به السفينة قبل التسليم أو نوى الإقامة فإنه لا يعتدُّ به، ويدل على أن السجود لا يتعدد لتعدد أسباب السهو، وأنه لا سهو على المؤتمين، وعلى أن السجود بعد السلام. وقد اختلفت الأدلة وسيأتي تحقيق هذا إن شاء اللَّه تعالى. ٢٥٧ - وعن عمْرَان بن الحُصَيْن ﵁ "أن النبي ﷺ صلَّى بهم فَسَها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم". رواه أبو داود والترمذي حسنه، الحاكم وصححه (٣).

стр. 916

الحديث فيه دلالة على أنه يسجد عقيب الصلاة إذ الفاء في قوله: "فسجد" تدل على ذلك، وفيه تصريح بلفظ التشهد، ولم يقل أحد بوجوبه، والظاهر أن ذلك لتكثر الأخبار على عدم التشهد. ولفظ "تشهد" يحتمل أنه أتى بالشهادتين إذ هو من المتبادر من الإطلاق، وقد قال به بعضهم، ويحتمل أن يراد به أحد التشهدين المعهودَيْن في الصلاة، وقد قال زيد بن علي: إنه التشهد الأوسط، واللفظ محتمل (أ)، واللَّه أعلم. وقوله: "ثم سَلَّمَ": فيه دلالة على شرعية التسليم، قال النووي (١):

стр. 917

واختلفوا في ما إذا فعلهما بعد التسليم هل يحرم [أي يكبر للإحرام] (أ) ويتشهد ويسلّم؟ والصحيح في مذهبنا أنه يسلم ولا يتشهد، وهكذا الصحيح عندنا في سجود التلاوة أنه يسلم ولا يتشهد كصلاة الجنازة، وقال مالك (١): يتشهد ويسلِّم في السجود بعد السلام. واختلف قوله هل يجهر بسلامهما كسائر الصلوات أم لا؟ وقد ثبت السلام إذا فعلتا بعد السلام في حديث ابن مسعود وحديث ذي اليدين، ولم يثبت في التشهد (ب) حديث. انتهى. ويرد عليه أنه قد ثبت في التشهد هذا الحديث (٢)، [وإنْ كان قوله "يتشهد ثم يسلم" قال أبو داود: إنه تفرد به البصريون، ولكن مع ثقة الراوي فالعمل به صحيح، واللَّه أعلم] (جـ). ٢٥٨ - وعن أبي سعيد الخُدْري ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : إِذا شَكَّ أحَدُكمْ في صَلاته فَلَمْ يدْرِ كَمْ صَلَّى؟ أثَلاثًا أمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَح الشَّكَّ ولْيَبْنِ على ما استيقن، ثم يسجد (د) سجدتين قبل أن يسلم، فإِن كان صلى خمسا شفعن صلاته، وإن كان صلى تماما كانت ترغيما للشيطان". رواه مسلم (٣).

стр. 918

الحديث فيه دلالة على أن الشاك في الصلاة يجب عليه البناء على المتيقن ويجب عليه أن يسجد سجدتين، وفي هذا خلاف بين العلماء، فذهب إلى هذا مالك والشافعي وأحمد (١) والجمهور، وذهب الهادوية، وهو مروي عن الشعبي والأوزاعي وكثير من السلف إلى وجوب الإعادة عليه حتى يستيقن (٢). وعن بعضهم: يجب عليه الإعادة ثلاث مرات فإذا شك في الرابعة فلا إعادة عليه، وظاهر الحديث. والخلاف في الشاك من غير تفرقه إلى كونه مبتلى بالشك أو مبتدأ به، وقد ذهب الهادوية (٣) إلى التفرقة بينهما فقالوا في المبتدأ: إنه يجب عليه الإعادة، وفي المبتلى أنه يتحرى بالنظر في الأمارات فإن حصل له ظن بالتمام أو بالنقصان عمل به، وإنْ كان النظر في الأمارات لا يحصل له ظنا بحسب العادة فإنه يبني على الأقل كما في هذا الحديث، وإنْ (أ) كان عادته أن يفيده النظر الظن ولكن لم يفده في هذه (ب) الحال وجب عليه أيضًا الإعادة، وهذا التفصيل يرد عليه هذا الحديث الصحيح.

стр. 919

[وفي هذا الحديث، وحديث ذي اليدين، وحديث "إذا شك أحدكم أخرج منه شيء أم لا فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا (١) " حجة لقاعدة كلية ذهبت إليها الهادوية والشافعي وجمهور العلماء، وهو قول مالك بإعمال حكم الاستصحاب (٢) وإلغاء الشك العارض وأنه لا يُزَال إلا بيقين، وأن الاستصحاب حجة معمول بها، وخالف فيه أكثر الحنفية وجمهور المتكلمين (٣)] (أ). وقوله: "فإن صلى خمسا شفعْنَ صلاته" (ب): يعني أن السَجْدَتينِ هما ركْنَا ركعة فكأنه (جـ) قد فعل ركعة سادسة فتكون الزيادة المفعولة والسجدتان في حكم ركعتين نافلة له زائدة على الفرض الواجب. وقوله: "إن كان صلى تماما كانتا ترغيما للشيطان": وإنما كانتا ترغيما له لأن قصده بالتلبيس على المصلي إبطال صلاته وإذهاب فضيلة عمله، فشرعيتها وفعلهما زيادة ثواب له، فعاد على قصد الشيطان بالنقص. [ويتفرع على هذا أنه لو زال شكه وتردد (د) قبل السلام وعرف أن

стр. 920

الركعة الأخيرة هي الرابعة حقا، وأنه ما زاد شيئًا هل يسجد للسهو؟ قال الشيخ أبو علي والمؤيد باللَّه (١): يسجد لأن تلك الركعة أديت على التردد وضَعْفَ النية، فزوال التردد بعد ذلك لا يغْنِي عن الجبر، والذي جنح إليه إمام الحرمين (٢) وقطع به شيخه والمنصور باللَّه لا يسجد لزوال التردد، ويحتج لأبي علي بما رواه أبو داود (٣) عن زيد بن أسلم أنه قال: إن النبي ﷺ قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فإن استيقن أن قد صلى ثلاثا فليقم فليتم ركعة بسجودها ثم يجلس فيتشهد فإذا فرغ فلم يبق إلا أن يسلم فليسجد سجدتين، وهو جالس، ثم يسلم" وسيأتي في شرح حديث ابن مسعود مثل هذا (٤) واللَّه أعلم] (أ). ٢٥٩ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: "صلى رسول ﷺ ، فلما سَلَّمَ قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا، قال: فثنى رجليه (ب) واستقبل القبلة، فسجد سجدتين ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: إِنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إِنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإِذا نسيتُ (جـ) فَذَكِّروني، فإِذا شَكَّ أحَدُكمْ في صَلاتِهِ فليتحرَّ الصَّوابَ فَلْيتِمَّ عَلَيْهِ ثمَّ

стр. 921

ليَسْجُدْ سَجْدَتيْن". متفق عليه (١). وفي رواية للبخاري (أ): "فَلْيُتِمّ عَليهِ ثُمَّ ليَسْجُدْ سَجْدَتيْن" (٢). ولمسلم: "أن النبي ﷺ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلامِ والكَلامِ" (٣). ولأحمد وأبو داود والنسائي من حديث عبد اللَّه بن جعفر مرفوعًا: "مَنْ شَكَّ فِي صلاته فَلْيَسْجُدْ سجدتين بَعْدَ مَا يُسَلِّم". وصححه ابن خزيمة (٤).

стр. 922

حديث ابن مسعود هذا وقع في زيادته ﷺ الركعة الخامسة وظاهر الحديث أنهم تابعوه ﷺ في الزيادة، وفيه دلالة على أن متابعة المؤتم للإمام مع تجويزه أن يكون المتابع فيه واجبا لا يفسد الصلاة، فإنَّ قولهم أحَدَثَ في الصلاة شيء يقتضي حصول الشك في أنَّ ما فعله واجب عمدا أو أنه سهو ولم يأمرهم بإعادة الصلاة، وفي فِعْلِهِ بعد أن سَلَّمَ وتكلم دليل على أنَّ محلَّه بعد السلام، ولكن يحتمل أن يجوز ذلك إذا كان تنبهه لموجبه بعد أن قد (أ) سلم فقط، كما هو مذهب داود وأحمد (١) ولم يذكر فيه تكبيرًا للافتتاح وذكر فيه التسليم، ولكن عدم ذِكْر ذلك لا يدل على نفي الحكم مع وجود ما قد دل على إثباته. وفي قوله: "إنَّهُ لو حَدَثَ شيءٌ أنبأتكم به": دليلٌ على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة كما هو المذهب الراجح (٢). وفي قوله: "أنسى" (ب) دليل على ثبوت النسيان له، وقد تقدم.

стр. 923

وفي قوله: "فليتحَرَّ الصواب": فيه (أ) دليل على أنه يعمل بالظَّنّ في ذلك من غير تفرقة بين الشك في الركعة والركن، وقد ذهب إلى (١) هذا الناصر، وإن لم يحصل له ظن بنى على الأقل عنده، وفي رواية عنه: يعمل في الأولتين باليقين وفي الآخرتين كما تقدم له (ب) وهو قول الإمامية (٢)، والمؤيد باللَّه (٣) والمنصور ذهبا (جـ) إلى قريب منه، وهو أنه يعمل بظنه مطلقا في الركعة وفي الركن فإن لم يحصل له ظن أعاد الصلاة إن كان مبتدأ بالشك، وبنى المبتلى على الأقل. وقوله: "فليتمّ عليه": أي ليبن على الصواب الذي أفاده التحري من التمام للصلاة، أو الحكم بكمالها. وقوله: "ثم ليسجد" فيه دلالة على أنه (د) يسجد وإن لم يحصل منه فِعْل زائد على النظر والفكر في تمام الصلاة، أو نقصانها وذلك لما اعترى الصلاة من النقصان بسبب الوسوسة، والاشتغال عنها. وفي رواية البخاري "أنه يسلم ثم يسجد"، وكذا رواية مسلم "أنه ﷺ سجد بعد السلام والكلام"، والمراد بالكلام خطابه لأصحابه (هـ) وإجابته لما نبهوه عليه من السهو، وكذلك حديث عبد اللَّه بن جعفر.

стр. 924

وقوله: ثنى [رجليه": بالتثنية وفي رواية مسلم، وفي رواية أبي داود والنسائي وابن حبان وابن ماجه: رجْلَه بالإفراد وهي الأولى، ومعنى ثنى رجله: صرفها عن حالها التي كانت عليها] (أ). واعلم أن الأحاديث اختلفت في محلّ سجود السهو، واختلفت أقوال الأئمة بسبب ذلك، قال الإمام أبو عبد اللَّه المازريّ (١) أحاديث الباب خمسة: حديث أبي هريرة فيمن شَكَّ فلم يذكركم، وفيه أنه سجد (ب) سَجْدَتيْن، ولم يذكر موضعهما، وحديث أبي سعيد: منْ شَكَّ، وفيه أنه سجد سجدتين قبل أن يسلم، وحديث ابن مسعود وفيه القيام إلى خامسة (جـ) وأنه سجد بعد السلام، وحديث ذي اليدين: وفيه أنه سجد بعد السلام، وحديث ابن بحَيْنَة: وفيه السجود قبل السلام. واختلف العلماء في كيفية الأخذ بهذه الأحاديث فقال داود: لا يُقَاسُ عليها، بل تستعمل في مواضعها على ما جاءت، وقال أحمد كقول داود (د) في هذه الصلوات خاصة، وخالف في غيرها، وقال: يسجد فيما سواها قبل السلام لكل سهو. فأما الذين قالوا بالقياس فاختلفوا فقال بعضهم: هو مخيّر في كل سهو إن شاء سجد بعد السلام وإن شاء قبله في الزيادة والنقص، وقال أبو حنيفة: الأصل هو السجود بعد السلام، وتأول باقي (هـ) الأحاديث عليه.

стр. 925

وقال الشافعي: الأصل هو السجود قبل السلام، ورد بقية الأحاديث إليه. وقال مالك: إن كان السهو زيادة سجد بعد السلام، وإن كان نقصانا فقبله. قال الشافعي: نصَّ في حديث أبي سعيد مع تجويز الزيادة على السجود قبل السلام، والمجوّز في حكم الموجود، ويتأول حديث ابن مسعود في القيام إلى الخامسة والسجود بعد السلام على أنه ﷺ لم يعلمه إلا بعد أن سلَّم. وحديث ذي اليدين بأنه لتجويز أنه ﷺ سها عن السجود قبل السلام، ولم يذكره إلا من بعد فتداركه، هذا كلام المازري (١)، ولكنه لا يتم بهذا الجمع بل الظاهر أن الشافعي (٢) قال بالنسخ لما بعد التسليم، فإنه قال: قد روينا قولنا عن أبي سعيد الخدري وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان وكلهم يروون أن النبي ﷺ سجد فيهما (أ) جميعا قبل السلام، ثم روى حديث ابن بُحينة من طريق مالك، ثم (ب) قال الشافعي: وفي هذا نقصان، وفي حديث أبي سعيد زيادة، فتبين بذلك أنه سجد فيهما جميعا قبل السلام، وقال في القديم: أخبرنا مطرف بن مازن عن معمر عن

стр. 926

الزهري قال: "سجد رسول اللَّه ﷺ سجدتي السهو قبل السلام وبعده"، وآخر الأمرين قبل السلام، ثم أكده الشافعي برواية معاوية بن أبي سفيان ["أن النبي ﷺ سجدهما قبل السلام"] (١) (أ) وصحْبَتُه متأخرة، وقد ذهب إلى مثل قوله من السلف أبو هريرة ومكحول والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة بن عبد الرحمن والأوزاعي وأهل الشام والليث بن سعد. وطريق الإنصاف أن الأحاديث الواردة في ذلك قولا وفعلا فيها نوع تعارض وتقدم بعضها وتأخر البعض (ب) صحيحة موصولة (جـ حتى يستقيم القول بالنسخ جـ) غير ثابت برواية، فالأولى الحمل على التوسع (د) في جواز الأمرين وقد قال الشافعي في القديم من سجد السهو بعد السلام تشهد ثم سلم، ومن سجد قبل السلام أجزأه التشهد الأول، وهذا يدل على أنه يقول بجواز الأمرين، وقد روى أحمد بن إسحاق القاضي عن أبيه قال: أخبرنا الشافعي وذكر حديث ذي اليدين قال: وسجدهما رسول اللَّه ﷺ في الزيادة بعد التسليم، وفي النقصان قبل التسليم، فذهبنا إلى ذلك في الحديثين جميعا، وهذا مثل قول مالك وأبي ثور وجماعة من أهل الحجاز، وقوله في حديث عبد اللَّه بن جعفر "بعدما يسلم فيه تصريح بأن محل

стр. 927

السجود بعد التسليم كما هو مروي عن علي وسعد بن أبي وقاص وعبد اللَّه بن مسعود وعمار بن ياسر وعبد اللَّه بن عباس وعبد اللَّه بن الزبير وعن الحسن وإبراهيم والنخعي وعبد الرحمن ابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح وأهل الكوفة، ولكن في سبب الشك في الصلاة كما في حديث ابن مسعود ومعارض أيضًا لحديث أبي سعيد أيضًا فالمرجع إلى ما ذكر من التخيير، واللَّه أعلم (١). ٢٦٠ - وعن المغيرة بن شعْبَة ﵁ أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إِذَا شَكَّ أحَدُكُم فَقَامَ في الركعَتَيْن فاسْتَتَمَّ قائِمًا، فليمض وليسجد سجدَتَيْن، فإِن لَمْ يسْتَتمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، ولا سهْوَ عَلَيْه". رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني بسند ضعيف (٢). الحديث بهذا السياق أخرجه الدارقطني، وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي بلفظ: "إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذَكَرَ قبل أن يستوي قائما فليجلس، وإن استوى قائما فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو (٣)، ولابن ماجه: "إذا قام الإمام من الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس، فإذا استتم قائما فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو" (٤).

стр. 928

والحديث مداره على جابر الجعفي (١): وهو ضعيف (أوقد قال أبو داود (٢): ليس في كتابي عن جابر الجعفي أ) إلا هذا الحديث. وفي الحديث دلالة على أن السجود إنما هو لفوات التشهد الأوسط لا لِفِعْل القيام لقوله: "ولا سهو عليه"، وقد ذهب إلى هذا النخعي وعلقمة والأسود وأحد قولي الشافعي (٣)، وذهب أهل البيت ﵈ (٤) وأحمد بن حنبل إلى أنه يسجد للسهو قالوا لحديث أنس وهو أنه ﷺ ، تحرك للقيام في الركعتين الأخيرتين من العصر على جهة السهو فسبَّحوا له، فقعد ثم سجد للسهو، قال الإمام المهدي (٥): والعمل به أرجح لثقة راويه وهو أنس، ولأن فيه زيادة، وحديث أنس أخرجه البيهقي (٦)، والدارقطني في "العلل" من فعله موقوفًا عليه وفي بعض طرقه أنه قال: هذه السنة (٧) ولا يخفى عليك أن دلالة حديث المغيرة أقوى من حيث الرفع أيضًا، وحديث ابن عمر: "لا سهو إلا في قيام عن جلوس أو جلوسٍ عن قيام"،

стр. 929

أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي (١)، وفيه ضَعْف أيضًا محتمل لا يؤيد أي المذهبين، إلا أنه قد وردت أحاديث كثيرة في الترخيص في الفعْل القليل، وحكاية أفعال صدرت منه ﷺ [ومنْ غيره مع علمه بذلك] (أ)، ولم يأمر بسجود ولم يحك عنه فِعْل ذلك فيها يؤيد حديث المغيرة، واللَّه أعلم. ٢٦١ - وعن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليس على من خلف الإِمام سهو، فإِن سها الإِمام فعليه وعَلى منْ خَلْفَهُ". رواه البزار والبيهقي بسند ضعيف (٢). وأخرجه الدارقطني وفي إسناده خارجة بن مصعب، وهو ضعيف، وفي الباب عن ابن عباس، رواه ابن عدي في ترجمة عمر بن عمرو العسقلاني، وهو متروك (٣).

стр. 930

والحديث فيه دلالة على أنه لا يجب على المؤتم (أ) سجود للسهو إذا سها في صلاته وإنما يجب عليه إذا سها الإمام فقط، وقد ذهب إلي هذا زيد بن علي والناصر والمؤيد باللَّه والإمام يحيى والحنفية والشافعية (١)، وذهب الهادي ورواية عن مكحول (٢) أنه يسجد لسهوه لعموم أدلة موجبات السجود، والظاهر العموم في حق الإمام والمؤتم والمنفرد. قلت: لو قوي الحديث لكان الرجوع إليه هو الواجب إذ هو خاصٌّ في حقِّ المؤتم، فإن سها الإمام والمؤتم فعلى قول الهادي يجب عليه سجودان، ويقدم ما لسهو الإمام، وفي اللاحق وجهان للإمام (ب) يحيى أصحهما تقدمه لسبق وجوبه، واللَّه أعلم. ٢٦٢ - وعن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لِكلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَمَا يسلم". رواه أبو داود وابن ماجه بسند ضعيف (٣). الحديث تفرد بوصله عمرو بن عثمان (٤) من حديث عبد الرحمن بن جبير نفير عن أبيه عن ثوبان، وغيره من الرواة قالوا: عن عبد الرحمن بن

стр. 931

جبير بن نفير عن ثوبان وحديثهم الجميع مداره على ابن عياش، كذا أعله أبو داود (١). [ابن عياش اسمه إسماعيل (٢)، ضعفه النسائي (٣)، وجماعة، قال ابن حبان (٤) لا يُحْتج به. (أ) قال العلائي: وفي هذا التعليق نظر، فقد وثقه يحيى بن معين (٥) ويعقوب بن سفيان وجماعة، وقال يزيد بن هارون ما رأيتُ أحفظ من إسماعيل بن عياش وقال أحمد بن حنبل والبخاري: إذا حدث عن أهل بلده -يعني الشاميين- فصحيح وإذا حدث عن غيرهم فقيه نظر، ولذلك قال يحيى بن معين في روايته: ليس به بأس في أهل الشام، وقال دُحَيم:

стр. 932

هو في أهل الشام غاية. وهذا الحديث من روايته في الشاميين فتضعيف أبي داود فيه نظر. والحديث يدل: على أنَّ جميع السهو في أركان الصلاة في جانب الزيادة والنقصان يوجب سجود السهو، وقد ذهب إلى ظاهر الحديث ابن أبي ليلى كما حكاه عنه النووي في "شرح مسلم" (١)، وحكى ابن المنذر (٢) عن الأوزاعي: أنه إذا سها سهوين سجد أربع سجدات، والذي حكاه أبو الطيب (٣) عن الأوزاعي: أنه إن (أ) كان السهو زيادة أو نقصان كفاه سجدتان، وإن كان أحدهما زيادة والآخر نقصان سجد أربع سجدات، وحكى الماوردي عن الأوزاعي تفصيلًا آخر أنه إن كان السهو من جنس واحد قامت السجدتان عن جميعه، وإن كان (ب) من جنسين كان لكل سهو سجدتان، وقاس ذلك على المُحْرِم أنه إذا كرر اللبس لم يتعدد عليه الدم (جـ وإن لبس وتطيب تعدد عليه الدم جـ) وذهب الجمهور من العلماء (٤) أنه لا يتعدد السجود وإنْ تعدد مقتضيه لحديث ذي اليدين، فإنَّ النبي ﷺ تكلم ومشى ناسيًا ولم يسجد إلا سجدَتين. واللَّه أعلم] (د).

стр. 933

٢٦٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "سجدنا مع رسول اللَّه ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (أ) رواه مسلم (١). الحديث فيه دلالة على شرعية سجود التلاوة، وفي ذكره في السورتين رد على من قال إنه لا سجود في آيات المفصل وهو مالك (٢) محتجا بما في مسلم من حديث زيد بن ثابت: أنه قرأ على النبي ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فلم يسجد (٣) وسيأتي، وبحديث ابن عباس: أنه ﷺ لم يسجد في شيء من المُفَصَّل منذ تحول إلى المدينة، وهو ضعيف الإسناد (٤). ويُجَابُ بأن حديث زيد ترك السجود دلالة على عدم الوجوب، وحديث ابن عباس عرفت ما فيه مع أن إسلام أبي هريرة بالمدينة، [وأيضًا فحديثه (ب) مُثْبت، وحديث ابن عباس ناف] (جـ).

стр. 934

واعلم أنه قد أجمع العلماء على شرعية سجود التلاوة، واختلفوا في الوجوب، وفي مواضع السجود، فذهب الجمهور (١) إلى أنه سنة، وقال أبو حنيفة (٢): إنه واجب ليس بفرض بناء على التفوقة بين الفرض والواجب، وهو سنة للقارئ والمستمع، قال العلماء (٣): إذا سجد المستمع لقراءة غيره وهما في غير صلاة لم يرتبط به بل له أن يرفع قبله وله أن يطول السجود بعده، وله أن يسجد وإن لم يسجد القارئ، وسواء كان القارئ متطهرًا أو محدثًا، أو امرأة أو صبيا. ولأصحاب الشافعي (٤) وجه ضعيف: أنه لا يسجد لقراءة الصبي والمحدث والكافر، والصحيح الأول. وأما مواضع السجود فذهب الشافعي إلى أنه يسجد فيما عدا المفصل فتكون حينئذ أحد عشر موضعًا [في قوله القديم (٥)، وفي الجديد أربع عشرة سجدة، وعد منها الثلاث في الفصل، ولم يعد سجدة "ص" لأنها عنده شكر لحديث ابن عباس: "سجدها داود توبة، ونسجدها شكرًا" رواه النسائي مرسلًا (٦) ويقوى إرساله برواية في البخاري، أنه ﵇ سجدها مرة على المنبر (٧)، ورواه أبو داود (٨)، وابن حبان وصححه، و (أ) الحاكم، ولكنها تستحب في غير الصلاة] (ب).

стр. 935

وقال أبو حنيفة والهادوية (١) في أربعة عشر إلا أن أبا حنيفة لم يعد في سورة الحج إلا سجدة، واعتبر سجدة (أ) "ص"، والهادوية العكس، وقال أحمد وابن سريج من أصحاب الشافعي وطائفة (٢): في خمس عشرة فأثبتوا في الحج السجدتين، وفي "ص" أيضًا، ومواضع السجدات معروفة. واعلم أنه يُشْتَرط في الساجد أن يكون بصفة المصلي من الطهارة والستر (٣)، وقال البخاري (٤): "وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء"، كذا في رواية الأكثر للبخاري، وفي رواية الأصيلي بحذف غير والأول أولى (٥)، فقد روى ابن أبي شيبة مسندًا، قال: "كان ابن عمر ينزل عن راحلته، فيهريق الماء ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ (٦)، وقد أخرج البيهقي عن ابن عمر بإسناد (ب) صحيح قال: "لا يَسْجُدُ الرَّجُلُ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ (٧).

стр. 936

والجمع بينهما بأنه أراد الطهارة الكبرى، ولم يوافق ابن عمر على جواز السجود بلا وضوء إلا الشَّعْبِى أخرجه ابن أبي شيبة (أ) عنه بسند صحيح (١). وظاهر أحاديث السجود كما صار إليه ابن عمر إذ لم يؤمر المستمعون لقراءة النبي ﷺ بالطهارة، ومن البعيد أن يكونوا الجميع على وضوء، [وقد ذهب إلى ما روي عن ابن عمر أبو طالب والمنصور باللَّه (٢)، وهكذا الخلاف في طهارة اللباس والمُصلي (ب) ويتفقون في (جـ) اشتراط ستر العورة والاستقبال مع الإمكان] (د). واللَّه أعلم. ٢٦٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال: "ص ليست من عزائم السجود وقد رأيت رسولَ اللَّه ﷺ يسجد فيها". رواه البخاري (٣). وعنه: "أن النبي ﷺ سجد بِالنَّجْمِ". رواه البخاري (٤). وقوله: "عزائم السجود": العَزيمةَ: فعيلة من العزْم وهو عقد القلب على الشيء وفي اصطلاح الأصوليين (٥): ما شرع من الأحكام ابتداء،

стр. 937

والمراد هنا أنه لم يرد فيها صيغة أمر ولا نهي، ولا تحريض ولا تحضيض، ولا حث وإنما وردت بصيغة الإخبار عن داود ﵇ وفعل النبي ﷺ ابتداء اقتداء بداود لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١)، كذا أخرجه البخاري عن ابن عباس (٢). وفيه دلالة على أن المسنونات والمندوبات بعضها قد يكون آكد من بعض، وقد روي ابن المنذر وغيره (٣) عن علي بن أبي طالب ﵁ بإسنادٍ حسن أن العزائم: ﴿حم﴾ و ﴿اقرأ﴾ و ﴿النَّجْمِ﴾ و ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾. وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأخر. وقيل: ﴿الأَعرَافِ﴾ و ﴿سُبْحَانَ﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿الم﴾ أخرجه ابن أبي شيبة (٤). [وقال مالك في "الموطأ": الأمر عندنا أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء (٥). وقال أصحابه (٦): أولها خاتمة الأعراف، وثانيها في الرعد عند قوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، وثالثها في النحل عند قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، ورابعها في بني إسرائيل عند قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾، وخامسها في مريم عند قوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا

стр. 938

وَبُكِيًّا﴾ (أ)، وسادسها الأولى من الحج عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (ب)، وسابعها (جـ) في الفرقان عند قوله تعالى (د): ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾، وثامنها (هـ) في النمل عند قوله تعالى (و): ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، وتاسعها (ز) في: الم تنزيل: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وعاشرها في "ص": ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ والحادي عشر في ﴿حم﴾ فصلت عند قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، وقيل: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ ومن عدها أربعة عشر زاد ثلاثا منها في المفصل، في "النجم" وفي سورة "الانشقاق" عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ أو آخر السورة ذكره ابن التين في "شرح البخاري"، وذكر الوجهين ابن الحاجب في "مختصره". ومن عدها خمسة عشر زاد سجدة "ص" عند قوله: ﴿وَأَنَابَ﴾. وقيل: ﴿مَآبٍ﴾. وعن النقاش أن عند أبي حنيفة (حـ) ويمان بن رباب سجدة عند قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ الشاكرينَ﴾ م وهذا غريب، وقد حكاه القرطبي (١) (ط).

стр. 939

٢٦٥ - وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: "قرأتُ على النبي ﷺ النَّجْمَ فلم يسجد فيها". متفق عليه (١). الحديث فيه دلالة على عدم السجود في هذه السورة، وقد احتج به مالك على أنه لا سجود في المُفَصَّل، وقد تقدم الكلام فيه. ٢٦٦ - وعن خالد بن مَعْدَان ﵁ قال: فُصِّلَتْ سورة الحَجِّ بسجدَتَيْن. رواه أبو داود في "المراسيل" (٢). ورواه أحمد والترمذي موصولًا من حديث عقبة بن عامر وزاد: "فمن لم يسجدهما فلا يقرأها" (أ). وسنده ضعيف (٣). وهو أبو عبد اللَّه خالد بن معدان -بفتح الميم وسكون العين وتخفيف الدال المهملة- الشامي الكلاعي -بفتح الكاف- تابعي من أهل حمص، وقال: لقيت سبعين رجلًا من أصحاب النبي ﷺ ، وكان من ثقات الشاميين، مات بالطَّرَسُوس سنة أربع ومائة، وقيل: سنة ثلاث (٤).

стр. 940

حديث عقبة بن عامر أخرجه أيضًا الدارقطني والبيهقي والحاكم، وفي إسناده ابن لَهِيْعَة، وهو ضعيف (١)، وقيل: إنه تفرد به أيضًا. وأيده الحاكم (٢) بأن الرواية صحت فيه من قول عمر وابنه وابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء وأبي موسى وعمار ثم ساقها موقوفة عليهم، وأكده البيهقي بما رواه في "المعرفة" من طريق خالد بن معدان. وفي الحديث رد على أبي حنيفة (٣) وداود وعطاء الخراساني القائلين بأنه لا سجدة في الآخرة (أ) من "الحج". وفي قوله: "فمن لم يسجدهما فلا يقرأها"، تأكيد لشرعية السجود فيهما، فأما (ب) على القول بالوجوب فلأنه مع القراءة تسبب لترك الواجب فكان المندوب ذريعة لترك الواجب، وأما على القول بعدمه فلأنه لما ترك السنة بسبب فعل المندوب وكان (جـ) الأليق الاعتناء بالسنون وأن لا يتركه فالأحسن أن لا يقرأ السورة ويحمل النهي على (د) التنزيه، واللَّه أعلم. ٢٦٧ - وعن عمر ﵁ قال: "يا أيها الناس: إِنَّا نَمُرُّ بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إِثم عليه". رواه البخاري (٤).

стр. 941

وعنه وفيه: "إنَّ اللَّه لم يفرض السجود إلَّا أن نشاء". وهو في "الموطأ" (١). في الأثر دلالة صريحة على عدم وجوب سجود التلاوة لقوله: "فلا إثم عليه". وأما قوله: "إِن اللَّه لم يفرض السجود": فقد احتج به بعض الحنفية على أنه واجب غير فرض، وفيه نظر، إذ ذاك اصطلاح محدد للفقهاء لم يكن في زمن (أ) الصحابة، ويدل على خلاف هذه الرواية (ب) الأولى. واستدل بقوله "إِلا أن نشاء" بأنه إذا شرع في السجود وجب عليه إتمامه إذ هو مخرج من بعض حالات عدم فرضية السجود. وأجيب بأنه استثناء منقطع، والمعنى: ولكن ذلك موكول إلى مشيئتنا. وهذا الأثر صدر من عمر (جـ وهو يخطب جـ) وفيه من الفوائد: أن للخطيب أن يقرأ القرآن في الخطبة، وأنه إذا مر بسجدة تلاوة أن ينزل إلى الأرض، فيسجد إذا لم يتمكن من السجود على المنبر كما وقع من عمر في القصة التي حكاها البخاري، وأن ذلك لا يقطع الخطبة، وقد فعل عمر هذه الأفعال مع حضور الصحابة ولم ينكر عليه أحد، وفي هذا رد على مالك حيث قال: لا يسجد وهو يخطب (٢). واللَّه أعلم. ٢٦٨ - وعن ابن عمر ﵄ "كان النبي ﷺ يقرأ

стр. 942

علينا القرآن فإِذا مَرَّ بالسجدة كَبَّرَ وسجَد وسجدنا" رواه أبو داود بسندٍ فيه لين (١). الحديث من رواية عبد اللَّه -المكبر- العُمَريّ، وهو ضعيف (٢)، وأخرجه الحاكم (٣) من رواية عبيد اللَّه -المصغر- العمري، وهو ثقة، يقال: إنه على شرط الشيخين، وأصله في الصحيحين (٤) من حديث ابن عمر بلفظٍ آخر. في الحديت زيادة: "كَبَّرَ" تدل على أن التكبير مشروع. قال عبد الرزاق: وكان الثوري يعجبه هذا الحديث، قال أبو داود (٥): [يعجبه] لأنه كبر (أ)، وقد ذهب إلى هذا بعض أصحاب الشافعي فقالوا: بتكبيرة واحدة للافتتاح (٦)، وكذا أبو طالب (٧) لكنه قال: وتكبيرة أخرى للنقل. ولا دليل على ذلك، وقال بعض أصحاب الشافعي (٨): ويتشهد أيضًا ويسلم كالصلاة، وبعضهم

стр. 943

قال: يسلم قياسًا للتحليل على التحريم ولا يتشهد، ولا دليل على ذلك. واعلم أنه وقع الإجماع على شرعيَة سجود التلاوة مطلقًا، وسواء كان القارئ والمستمع في حال الصلاة أو غير مصل، إلا أنه إذا كان مصليًا فرضًا فإنها تؤخر إلى بعد الصلاة عند الهادي والقاسم والناصر (١) والمؤيد باللَّه قالوا: لأنها زيادة على الصلاة فتفسدها ولما رواه نافع عن ابن عمر أنه قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ علينا السورة في غير الصلاة، فيسجد ونسجد (أ) معه". [أخرجه أبو داود (٢). وقوله: "في غير الصلاة": وقعت في رواية ابن نمير] (ب) قالوا: فقوله: "في غير الصلاة": يدل على أنه لم يكن يسجد في الصلاة إذا قرأ فيها ما كان يسجد فيه خارج الصلاة، (جـ إذ لولا ذلك لكان لا معنى لقوله: "في غير الصلاة". ذكر هذا في "الشفاء" وإلا أن تكون الصلاة جـ) نافلة، فإنه يسجد فيها، قالوا: لتخفيف النافلة، ولأنه يجوز الزيادة فيها، وذهب الجمهور من العلماء إلى أنه مشروع في الصلاة ولو كانت (د) الصلاة فرطًا لحديث أبي هريرة: "أنه سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ خلف أبي القاسم" (٣)، وظاهر سياق القصة أن ذلك في الصلاة، أخرجه أبو داود (٤)، وكذا في "صحيح أبي عوانة" من رواية يزيد بن هارون عن

стр. 944

سليمان التَّيْمِي (١)، وعموم الشرعية شامل لجميع الأوقات. والجواب عن حجة الأولين أن هذه ثبتت (أ) بالدليل فلا تفسدها، وعن الحديث بأنه عمل بمفهوم الصفة وهو قوله: "في غير الصلاة" ومفهومه (ب)، وأما في الصلاة فلا. والمفهوم مطرح مع وجود ما هو أقوى منه وهو حكاية فِعْل النبي ﷺ وفي هذا رد على مالك (٢) حيث كره قراءة آية السجدة في الصلاة مطلقًا كما نقل عنه أو في السِّرِّية فقط دون الجهرية كما نقل عنه أيضًا وعن بعض الحنفية (٣)، وقد أخرج أبو داود والطحاوي والحاكم من حديث ابن عمر ﵄: "أن رسول اللَّه ﷺ سجد في الظهر فرأى أصحابه أنه قرأ آية السجدة فسجدها" (٤). واعلم أنه ورد في الذكر في سجود القرآن بالليل: "وسَجَدَ وَجْهِي للذي خَلَقَهُ وصَوَّرَه وشَقَّ سَمْعَه وبصره بحوله وقوته" أخرجه أحمد وأصحاب السنن والدارقطني والحاكم (جـ) والبيهقي وصححه ابن (د) السكن (٥)، وزاد في آخره "ثلاثا"، وزاد الحاكم في آخره

стр. 945

﴿فَتَبَارَكَ (أ) اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، وفي حديث ابن عباس أنه ﷺ كان يقول في سجود القرآن: "اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع عني بها وزرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود" (١). ٢٦٩ - وعن أبي بكرة ﵁ "أن النبي (ب) ﷺ كان إِذا جاءه أمر يسره خر ساجدًا للَّه"، رواه الخمسة إلا النسائي (٢). [الحديث قال الترمذي: غريب، وهو من رواية بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة (٣) عن أبيه عني جده، وبكار ضعفه العقيلي وغيره، قال ابن معين: صالح الحديث (٤)، ولابن ماجه عن أنس، وفي سنده ضعف واضطراب، ولكن لهذا المعنى شواهد كثيرة (٥)] (جـ).

стр. 946

في الحديث دلالة على شرعية سجدة الشكر، وقد ذهب إليه العترة والشافعي (١) وأحمد خلافًا لمالك، ورواية عن أبي حنيفة فقالا: تكره إذ لم يؤثر عن النبي ﷺ مع ترادف النعم عليه، واندفاع الضار، ورواية عن أبي حنيفة بأنه لا كراهة فيها، ولا ندب لذلك (٢)، وأجيب بأن ذلك قد أثر بهذا الحديث المذكور (أ) وغيره (ب) كما سيأتي، ولقوله ﷺ في سجدة ﴿ص﴾ "هي لنا شكر ولداود توبة" (٣). وشرط السجود الطهارة (٤) كالصلاة عند أبي العباس والمؤيد، وتيمم المحدث عند النخعي، وبعض أصحاب الشافعي قال: بل يتوضأ، وقيل: الحائض تومئ برأسها (جـ) وقال أبو طالب والإمام يحيى: لا تشترط الطهارة إذ ليس بصلاة وللحرج لتكرره بكثرة (د) النعم (٥)، وهذا هو الظاهر من الآثار إذ لم يؤثر إحداث الوضوء عند إرادة السجود، ولا حصل الأمر به، وليس بصلاة حقيقة حتى يتناوله (هـ) أدلة اشتراط الطهارة للصلاة، ولم يذكر في الحديث أنه كَبَّرَ، بل الظاهر منه أنه لم يكبر، فإن قوله "خر ساجدًا"

стр. 947

عقيب قوله: "إِذا جاءه" وكذلك في سائر الأحاديث، يدلّ على أنه لم يشتغل بغير السجود. واختار الإمام المهدي في البحر أنه يكبّر (١)، ذكره بغير مستند، قال أبو طالب (٢): ويستقبل القبلة. قال الإمام يحيى (٣): ولا يسجد للشكر في الصلاة قولًا واحدًا، إذ ليس من توابعها، ومقتضى الشرعية له عند حدوث نعمة أو دفع مكروه أن يفعل ذلك في الصلاة كسجود التلاوة ويكون ذلك مخصصًا لعموم النهي عن الزيادة في الصلاة (٤)، واللَّه أعلم. ٢٧٠ - وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ فأطال السجود ثم رفع رأسه، وقال: "إِن جبريل أتاني فبشرني، فسجدت للَّه شكرًا". رواه أحمد وصححه الحاكم. وأخرجه البزار وابن أبي عاصم في "فضل الصلاة على النبي ﷺ " والعقيلي في "الضعفاء" (٥).

стр. 948

قال البيهقي (١): وفي الباب عن جابر وابن عمر وأنس وجرير وأبي جحيفة. والبشارة أنه مَنْ صلى عليه مرة صلى اللَّه عليه عشرًا. أخرج ذلك من ذكر (٢). ٢٧١ - وعن البراء بن عازب ﵁ "أن النبي ﷺ بعث عليًّا إِلى اليمن .. فذكر الحديث، وقال: فكتب علي بإِسلامهم، فلما قرأ رسول اللَّه ﷺ الكتاب خر ساجدًا". رواه البيهقي، وأصله في البخاري (٣). أخرجه البخاري وصححه. والمبعوث بإسلامهم هم: همدان، وقد روي عن علي ﵁ أنه سجد لما وجد ذا الثدية في القتلى، وفي حديث توبة كعب بن مالك أنه خر ساجدًا لما جاءه البشير (٤). [اشتمل هذا الباب على ستة وعشرين حديثًا] (أ).

стр. 949

باب صلاة التطوع ٢٧٢ - عن ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "سَلْ. فقلت: أسْأَلُكَ مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعِنِّي على نَفْسكَ بكَثْرَة السُّجُود". رواه مسلم (١). هو أبو فِرَاس (٢) -بكسر الفاء والسين المهملة- ربيعة بن كعب الأسلمي، من أسلم، معدود في أهل المدينة من أهل الصفة، كان خادمًا لرسول اللَّه ﷺ صحبه قديمًا وكان يلزمه سفرًا وحضرًا وكان ينزل على بريد من المدينة، مات سنة ثلاث وستين بعد الحرة. روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن وحنظلة بن علي ومحمود بن عمر وابن عطاء وأبو عمران الجَوْني بفتح الجيم وسكون الواو وبالنون. في الحديث دلالة على فضيلة السجود، وأنه يستعان به على تنزيه النفس من الصفات الذميمة، وتحليتها بكريم الأخلاق، فيناسب بذلك القرب والمرافقة لمن هو على خُلُق كريم، وفي هذا المعنى قوله ﷺ : "أقرَبُ مَا يكون الْعبد من ربه وهو ساجد" (٣).

стр. 950

٢٧٣ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "حفظتُ من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح". متفق عليه (١). وفي رواية لهما: "وركعتين بعد الجمعة في بيته" (٢). ولمسلم: "كان إذا طلع الفجر لا (أ) يصلى إلا ركعتين خفيفتين" (٣). في الحديث دلالة على فضيلة التطوع في الأوقات المذكورة بما ذكر. وقوله: في بيته" دلالة على أن فِعْلَ النافلة في البيت أفضل [وفي حديث مسلم دلالة على المبادرة بهما في أول طلوع الفجر وتخفيفهم أو (ب) هو مذهب مالك والشافعي (٤) والجمهور، وقال بعض السلف: لا بأس بإطالتهما، ولعله أراد أنها ليست بمحرمة، وحكى الطحاوي (٥) عن قوم أنه لا قراءة فيهما، وهو غلط، فإن في حديث عائشة: "حتى أني أقول:
следующие страницы →