في الحديث دلالة على شرعية سجدة الشكر، وقد ذهب إليه العترة والشافعي (١) وأحمد خلافًا لمالك، ورواية عن أبي حنيفة فقالا: تكره إذ لم يؤثر عن النبي ﷺ مع ترادف النعم عليه، واندفاع الضار، ورواية عن أبي حنيفة بأنه لا كراهة فيها، ولا ندب لذلك (٢)، وأجيب بأن ذلك قد أثر بهذا الحديث المذكور (أ) وغيره (ب) كما سيأتي، ولقوله ﷺ في سجدة ﴿ص﴾ "هي لنا شكر ولداود توبة" (٣).
وشرط السجود الطهارة (٤) كالصلاة عند أبي العباس والمؤيد، وتيمم المحدث عند النخعي، وبعض أصحاب الشافعي قال: بل يتوضأ، وقيل: الحائض تومئ برأسها (جـ) وقال أبو طالب والإمام يحيى: لا تشترط الطهارة إذ ليس بصلاة وللحرج لتكرره بكثرة (د) النعم (٥)، وهذا هو الظاهر من الآثار إذ لم يؤثر إحداث الوضوء عند إرادة السجود، ولا حصل الأمر به، وليس بصلاة حقيقة حتى يتناوله (هـ) أدلة اشتراط الطهارة للصلاة، ولم يذكر في الحديث أنه كَبَّرَ، بل الظاهر منه أنه لم يكبر، فإن قوله "خر ساجدًا"
стр. 947
عقيب قوله: "إِذا جاءه" وكذلك في سائر الأحاديث، يدلّ على أنه لم يشتغل بغير السجود.
واختار الإمام المهدي في البحر أنه يكبّر (١)، ذكره بغير مستند، قال أبو طالب (٢): ويستقبل القبلة. قال الإمام يحيى (٣): ولا يسجد للشكر في الصلاة قولًا واحدًا، إذ ليس من توابعها، ومقتضى الشرعية له عند حدوث نعمة أو دفع مكروه أن يفعل ذلك في الصلاة كسجود التلاوة ويكون ذلك مخصصًا لعموم النهي عن الزيادة في الصلاة (٤)، واللَّه أعلم.
٢٧٠ - وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ فأطال السجود ثم رفع رأسه، وقال: "إِن جبريل أتاني فبشرني، فسجدت للَّه شكرًا". رواه أحمد وصححه الحاكم.
وأخرجه البزار وابن أبي عاصم في "فضل الصلاة على النبي ﷺ " والعقيلي في "الضعفاء" (٥).
стр. 948
قال البيهقي (١): وفي الباب عن جابر وابن عمر وأنس وجرير وأبي جحيفة.
والبشارة أنه مَنْ صلى عليه مرة صلى اللَّه عليه عشرًا. أخرج ذلك من ذكر (٢).
٢٧١ - وعن البراء بن عازب ﵁ "أن النبي ﷺ بعث عليًّا إِلى اليمن .. فذكر الحديث، وقال: فكتب علي بإِسلامهم، فلما قرأ رسول اللَّه ﷺ الكتاب خر ساجدًا". رواه البيهقي، وأصله في البخاري (٣).
أخرجه البخاري وصححه.
والمبعوث بإسلامهم هم: همدان، وقد روي عن علي ﵁ أنه سجد لما وجد ذا الثدية في القتلى، وفي حديث توبة كعب بن مالك أنه خر ساجدًا لما جاءه البشير (٤).
[اشتمل هذا الباب على ستة وعشرين حديثًا] (أ).
стр. 949
باب صلاة التطوع
٢٧٢ - عن ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "سَلْ. فقلت: أسْأَلُكَ مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعِنِّي على نَفْسكَ بكَثْرَة السُّجُود". رواه مسلم (١).
هو أبو فِرَاس (٢) -بكسر الفاء والسين المهملة- ربيعة بن كعب الأسلمي، من أسلم، معدود في أهل المدينة من أهل الصفة، كان خادمًا لرسول اللَّه ﷺ صحبه قديمًا وكان يلزمه سفرًا وحضرًا وكان ينزل على بريد من المدينة، مات سنة ثلاث وستين بعد الحرة. روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن وحنظلة بن علي ومحمود بن عمر وابن عطاء وأبو عمران الجَوْني بفتح الجيم وسكون الواو وبالنون.
في الحديث دلالة على فضيلة السجود، وأنه يستعان به على تنزيه النفس من الصفات الذميمة، وتحليتها بكريم الأخلاق، فيناسب بذلك القرب والمرافقة لمن هو على خُلُق كريم، وفي هذا المعنى قوله ﷺ : "أقرَبُ مَا يكون الْعبد من ربه وهو ساجد" (٣).
стр. 950
٢٧٣ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "حفظتُ من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح". متفق عليه (١).
وفي رواية لهما: "وركعتين بعد الجمعة في بيته" (٢).
ولمسلم: "كان إذا طلع الفجر لا (أ) يصلى إلا ركعتين خفيفتين" (٣).
في الحديث دلالة على فضيلة التطوع في الأوقات المذكورة بما ذكر.
وقوله: في بيته" دلالة على أن فِعْلَ النافلة في البيت أفضل [وفي حديث مسلم دلالة على المبادرة بهما في أول طلوع الفجر وتخفيفهم أو (ب) هو مذهب مالك والشافعي (٤) والجمهور، وقال بعض السلف: لا بأس بإطالتهما، ولعله أراد أنها ليست بمحرمة، وحكى الطحاوي (٥) عن قوم أنه لا قراءة فيهما، وهو غلط، فإن في حديث عائشة: "حتى أني أقول:
стр. 951
هل قرأ فيهما بأم القرآن" (١).
وقد يستدل به من يقول: تكره النافلة من طلوع (أ) الفجر، ولأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه (٢): أحدها هذا، والثاني: الكراهة بعد صلاة سنة الصبح، والثالث: الكراهة بعد صلاة الصبح، ولا مأخذ في هذا الحديث واللَّه أعلم] (ب).
٢٧٤ - وعن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة". رواه البخاري (٣).
وعنها قالت: "لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر". متفق عليه (٤).
ولمسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" (٥).
قولها: "على شيء من النوافل" إِلى آخره، فيه دلالة على فضلهما، وأنهما سنة ليستا بواجبتين، وبه قال جمهور العلماء، وحكى القاضي (٦)
стр. 952
عن الحسن البصري وجوبهما، وقد يستدل به على أنهما أفضل من الوتر، ولا دلالة في ذلك، لأن الوتر كان واجبًا عليه ﷺ فلم يكن داخلًا في عموم النوافل إذ ليس بنافلة في حقه.
وفي قوله: "خيرٌ من الدُّنْيَا وما فيها": أي (أ) متاع الدنيا.
٢٧٥ - وعن أم حبيبة أم المؤمنين ﵂ قالت: سَمِعْتُ رَسولَ اللَّه ﷺ يقول: "من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بنى له بهن بيت في الجنة" رواه مسلم (١).
وفي رواية: "تطوعًا" (٢) وللترمذي نحوه وزاد: "أربعًا قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر" (٣).
وللخمسة عنها (ب): "مَنْ حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حَرَّمَهُ اللَّه تعالى على النار" (٤).
стр. 953
الحديث قال الترمذي: حسن (١)، وصححه ابن حبان (٢)، وخالف ابن القطان فأعله (٣) وحكى أبو حاتم عن أبي الوليد الطيالسي أنه أنكر هذا الحديث، والعلة فيه أنه من رواية مكحول (٤) عن عنبسة بن أبي سفيان (٥)، ومكحول لم يسمع منه كما ذكره أبو زرعة وهشام (أوأبو عبد الرحمن النسائي، لكن صححه الترمذي (٦) من حديث أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن أ) صاحب أبي أمامة. قاله (ب) المنذري] (جـ).
[وقد روي الحديث بروايات فيها: "حَرَّمَ اللَّه لَحْمَهُ عَلى النار" (٧)، وفي رواية: "حرم عَلَى النار" (٨).
وفي رواية: "لم تمسه النار" (٩).
وفي رواية: قال: لما نزل بعنبسة بن أبي سفيان جعل يتضور (١٠) فقيل
стр. 954
له فقال (أ): أما إني سمعت أم حبيبة زوج النبي ﷺ تحدث عن النبي ﷺ أنه "من ركع أربع ركعات قبل الظهر، وأربعا بعدها حرم اللَّه لَحْمَهُ علَى النارِ فَمَا تَرَكتهُنَّ منذ سمعتهن" (١).
وفي رواية عن محمد بن أبي سفيان قال: "لما نزل به الموت أخذه أمر شديد فقال: حدثتني أختي أم حبيبة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمَهُ اللَّه على النار" (٢).
وأخرج أبو داود عن أبي أيوب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم" (٣) وفي إسناده عبيدة بن معتب (٤) تكلم فيه يحيى بن سعيد، وقال ابن عدي (٥): هو مع ضعفه يُكتب حديثه، وذكر الغزالي (ب) حديثًا في صلاة الزوال، قال العراقي: ذكره عبد الملك بن حبيب بلاغًا عن ابن مسعود عن النبي ﷺ : "من صلَّى أَرْبع رِكْعَات بَعْد زَوَال الشَّمْسِ يحسن قَراءتهنَّ وركوعهن وسُجُودهُنَّ، صلى معَهُ سَبْعُونَ ألف مَلَكٍ يستَغْفِرُون له حتى اللَّيل" (٦).
стр. 955
وفي الطبراني الكبير (أ) عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا استوى النهار خرج إلى بعض حيطان المدينة، وقد يسر له فيها طهور، فإذا زالت الشمس عند كبد السماء قدر شراك، قام يصلي أربع ركعات، لم يتشهد بينهن، ويسلم (ب) في آخر الأربع ثم يقوم، فقال (جـ) ابن عباس: يا رسول اللَّه ما هذه الصلاة التي تصليها ولا نصليها؟ فقال: يا ابن عباس من صلاهن من أمتي فقد أحيا ليله بساعة (د) تفتح أبواب السماء، ويستجاب فيها الدعاء" (١)، وكان إذا فاتته هذه الصلاة قبل الظهر صلاها بعدها.
وفي السنن عن عائشة ﵂: "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا لم يصل أربعًا قبل الظهر صلاهن بعدها" (٢)] (هـ).
٢٧٦ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "رَحِمَ اللَّه امْرَءًا صَلَّى للَّه أَرْبَعًا قَبْلَ العَصْرِ". رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن خزيمة وصححه (٣).
стр. 956
وعن عبد اللَّه بن مغفل المزني ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صلوا قَبْل المَغْرب، صلوا قبل المغرب ثم قال في الثالثة: لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس سنة" رواه البخاري (١).
وفي رواية لابن حبان: "أن النبي ﷺ صلى قبل المَغْرِبِ رَكْعَتين" (٢).
ولمسلم عن أنس ﵁: "كنا نصلي ركعتين بعد غروب الشمس وكان النبي ﷺ يرانا، فلم يأمرنا، ولم ينهنا" (أ) (٣).
هذه الأحاديث فيها دلالة على ما ذكر من فضيلة هذه الرواتب، ولم يذكر في الصحيحين في (ب) النافلة قبل العصر شيء، وقد وردت فيها الأحاديث الحسان من غيرهما.
واعلم أن جمهور العلماء على استحباب ما ذكر، إلا في الركعتين قبل المغرب فالخلاف في استحبابهما.
وظاهر هذه الأحاديث التوسعة فيها، وأنه لا كراهة فيها، ولا زيادة ندب للتأدية في الوقت المخصوص كغيرها (ب). واختلاف الأحاديث في أعداد الرواتب المذكورة فيه دلالة على التوسعة، وأن من اقتصر على الأقل فقد فعل أصل السنة، ومن فعل الأكثر فقد استكمل الأجر، وزادت له
стр. 957
الفضيلة، ومن توسط في الأمر أخذ قسطه من الحظ.
٢٧٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إِني أقول (أ): أقرأ بأم (ب) الكتاب"؟. متفق عليه (١).
فيه دلالة على تخفيف القراءة فيهما، وقد تقدم، [وذهب جمهور الحنفية (٢) إلى إطالة القراءة فيهما، ونقل عن النخعي، وأورد البيهقي فيه حديثًا من مرسل سعيد بن جبير، وفي سنده راو لم يسم، وخص ذلك بمن فاته شيء من قراءته في صلاة الليل، ونقل ذلك عن أبي حنيفة، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الحسن البصري (٣).
والحكمة في تخفيف القراءة فيهما لأنه ورد أن المؤمن يخفف عليه الحساب يوم القيامة حتى يكون كعدد ركعتي الفجر، فاستحب تخفيفهما رجاء أن يكون له ذلك، وقيل: لمزاحمة الإقامة، لأنه كان لا يصليهما حتى يأتيه المؤذن، وكان يغلس بصلاة الصبح] (جـ).
٢٧٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ "قرأ في
стр. 958
ركعتي الفجر ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ رواه مسلم (١).
وفي رواية لمسلم: قرأ الآيتين: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ و ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ (٢).
وفي هذا دليل (أ) لمذهب الجمهور من أنه يقرأ فيهما بعد الفاتحة سورة، ويستحب أن تكون هاتان السورتان أو الآيتان، وكلاهما سنة، وقال مالك وجمهور أصحابه: (٣) لا يقرأ غير الفاتحة، وقال بعض السلف: لا يقرأ شيئًا كما سبق، وكلاهما خلاف هذه السنة التي لا معارض لها.
وفي السورتين مناسبة كاملة لما يفتتح به المصلي أول يومه؛ فإن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: إخلاص الاعتقاد و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾: إخلاص للأعمال، وكذلك الآيتان. واللَّه أعلم.
٢٧٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن" رواه البخاري (٤).
стр. 959
الحديث وقع الاختلاف فيه بين أصحاب [الزهرى] (أ) فرواه عقيل ويونس وشعيب وابن أبي ذئب (ب) والأوزاعي، وغيرهم كما صدر.
ورواه مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر فيها (جـ) بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين (١)، فذكر مالك أن اضطجاعه كان قبل ركعتي الفجر، [وذهب إلى هذا القاضي عياض (د)] وفي حديث الجماعة أنه اضطجع بعدهما (٢).
قال ابن تيمية: فحكم العلماء أن مالكًا أخطأ، وأصاب غيره (٣).
واعلم أن العلماء في حكم هذه الضجعة ما بين مفرط ومُفْرِط ومتوسط، فأفرط جماعة من أهل الظاهر منهم ابن حزم ومن تابعه فقالوا بوجوبها وأبطلوا الصلاة بتركها، [فقال ابن حزم (٤): ومن لم يقدر على الاضطجاع على الأيمن فإنه يومئ، ولا يضطجع على الأيسر] (هـ)، وذلك لفعله ﷺ المذكور، ولحديث أبي هريرة أنه قال ﷺ : "إذا صلى أحدكم
стр. 960
الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن" (١) قال الترمذي: حديت حسن صحيح غريب، وقد ذكر عبد الرزاق في "المصنف" (٢) عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن أبا موسى ورافع بن خديج وأنس بن مالك ﵃ كانوا يضطجعون بعد ركعتي الفجر، ويأمرون بذلك، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الحديث ليس بصحيح، لأنه تفرد به عبد الواحد (أ) بن زياد (٣)، وفي حفظه مقال (٤).
قال المصنف ﵀ والحق أنه تقوم به الحجة.
стр. 961
وفرط جماعة فقالوا بكراهتها، واحتجوا بآثار الصحابة، كما أخرج عبد الرزاق (١) عن ابن عمر أنه كان لا يفعل ذلك، وقال (أ). كفى بالتسليم، وروي عنه أنه كان يحصب من فَعَلهَا.
وذكر ابن أبي شيبة عن أبي الصديق الناجي أن ابن عمر رأى قومًا قد اضطجعوا بعد ركعتي الفجر فأرسل إليهم فنهاهم، فقالوا: نريد بذلك السنة؟ فقال ابن عمر: ارجع إليهم فأخبرهم أنها بدعة (٢).
وقال أبو مجلز: سألت ابن عمر عنها فقال: يلعب بكم الشيطان (٣) وقال ابن مسعود: ما بال الرجل إذا صلى الركعتين يتمعك كما يتمعك الحمار إذا تمعك (٤).
وتوسط فيها طائفة منهم مالك وغيره فلم يروا بها بأسًا لمن فعلها راحة وكرهوها لمن فعلها استنانًا. ومنهم من قال: استحسانها (٥) على الإطلاق، سواء استراح بها أم لا.
وروي عن أحمد أنه قال: روته عائشة، وأنكره ابن عمر، وقال أحمد: لما سئل عنه: ما أفعله وإن فعله رجل فحسن (٦)، وبوب البخاري (٧) لمن تحدث بعد الركعتين ولم يضطجع وأشار بهذه الترجمة إلى أن النبي ﷺ لم
стр. 962
يداوم عليها، وبهذا احتج الأئمة على حمل الأمر في حديث أبي هريرة علي عدم الوجوب، وجزم ابن العربي (١) بأن فعلها إنما يكون للاستراحة والنشاط لصلاة الفريضة، فلا تكون حينئذ إلا للمتهجد وشهد له ما أخرجه عبد الرزاق (٢) أن عائشة كانت تقول: "إن النبي ﷺ لم يضطجع لسنة ولكنه كان يدأب ليلته [فيضطجع] (أ) "ليستريح"، وفي إسناده راو لم يسمّ.
وقيل: إن فائدتها الفصل بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، وعلى هذا فلا اختصاص ومن ثم قال الشافعي: تتأدى السنة بكل ما يحصل به الفصل من مشي وكلام وغيره حكاه البيهقي (٣).
وقال النووي (٤): المختار أنه سنة لظاهر حديث أبي هريرة (ب وقد قال أبو هريرة ب)، راوي الحديث: إن الفصل بالمشي إلى المسجد لا يكفي، وأقول هذا الأولى (جـ)، وترك النبي ﷺ في بعض الأوقات إنما هو لبيان عدم الوجوب، ولا وجه لرد ما روي من الفعل والقول.
قال المصنف ﵀ (٥) وذهب بعض إلى استحبابها في البيت دون المسجد، وهو محكي عن ابن عمر، وقواه بعض شيوخنا، فإنه لم
стр. 963
ينقل عن النبي ﷺ أنه فعله (أ) في المسجد، وصح عن ابن عمر أنه كان يحصب من فعله في المسجد. أخرجه ابن أبي شيبة (١) انتهى.
وأقول: مع ما عرفت من إطلاق الدليل (ب) فلا وجه للتقييد.
وفي اضطجاعه على شقه الأيمن سرّ وهو أن القلب معلق في الجانب الأيسر فإذا نام الرجل على الجانب الأيسر استثقل نومًا؛ لأنه يكون في دعة واستراحة فيثقل نومه، فإذا نام على شقه الأيمن، فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم لقلق القلب، وطلبه مستقره وميله إليه، ولهذا استحب (جـ) الأطباء النوم على الجانب الأيسر لكمال الراحة، وطيب المنام، وصاحب الشرع يستحب النوم على الجانب الأيمن لئلا يثقل في (د) نومه فينام عن قيام الليل، فالنوم على الجانب الأيمن أنفع للقلب وعلى الجانب الأيسر أنفع للبدن. [ويكون وجهه إلى القبلة مع قبالة بدنه على الشق الأيمن كاستقبال الميت في اللحد لئلا يخلو بدنه عن التوجه إلى القبلة] (هـ).
٢٨٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِذا صلى أحدكم الركعتَيْن قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن"
стр. 964
رواه أحمد والتومذي وأبو داود وصححه (١) (أ).
تقدم الكلام في الحديث.
٢٨١ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى، فإِذا خشَى أحدُكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى". متفق عليه (٢).
وللخمسة وصححه ابن حبان: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى".
وقال النسائي: هذا خطأ (٣).
стр. 965
الحديث من رواية ابن عمر رواه (أ) عنه طاوس ونافع وغيرهما بدون ذكر النهار، وتفرد بِذِكْر النهار عليّ بن عبد اللَّه البارقيّ الأزدي (١) عن ابن عمر، وكان يحيى بن معين يضعّف حديثه ولا يحتج به ويقول: إن نافعًا وعبد اللَّه بن دينار وغيرهما رووه بدون ذِكْر النهار. وقال أيضًا: ومَنْ الأزدي حتى أقبل حديثه، وادعى يحيى بن سعيد أن ابن عمر كان يتطوع في النهار بأربع، فلو كانت الرواية صحيحة عنه لما خالفها.
وقال الدارقطني في "العلل": ذِكْر النهار وَهْم.
قال الخطابي (٢): هي زيادة من ثقة فتقبل. وقال البيهقي (٣): هذا حديث صحيح، وقال: البارقي احتج به مسلم، والزيادة من الثقة مقبولة، وقد صححه البخاري (٤) لما سئل عنه، ثم روى ذلك بسنده إليه، قال: وقد روي عن محمد بن سيرين عن ابن عمر موقوفًا بأسانيد كلهم ثقات.
في الحديث دلالة على أن المشروع في صلاة الليل أن يسلم المتطوع على ركعتين.
وفي قوله: "مثنى مثنى" إشارة إلى أن مَنْ أراد تكرار النافلة سلم على كل اثنين، وقد ذهب إلى هذا جمهور العلماء (٥)، إلَّا أنَّ مالكًا قال: لا
стр. 966
يجوز الزيادة على ركعتَيْن. قال: لأن مفهوم الحديث الحَصْر، فهو في قوة: ما صلاة الليل إلا مثنى مثنى، لأن تعريف المبتدئ قد يفيد ذلك بحسب الأغلب. وأجاب الجمهور المجوّزون الزيادة أنه وقع ذلك جوابًا لمن سأل عن صلاة الليل كما يدل عليه أول الحديث، فلا دلالة حينئذ، وبما صح عن النبي ﷺ أنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس (١)، وفي الصحيحين حديث عائشة أنه كان يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن، وسيأتي (٢). وحديث أبي أيوب الآتي: "منْ أحب أن يوتر بخمس .. " (٣) وهو حجة على أبي حنيفة حيث قال: الأفضل أن يصلي أربعًا أربعًا، وإن شاء ركعتين، وإن شاء ستًّا (٤).
وقوله: "إِذا خشى أحدكم .. " إلخ: فيه دلالة على أن الوتْر في الليل مشروع فإذا لم يكن قد صلى وتر، وخشى طلوع الفجر أوتر بركعة.
وفيه دلالة على صحة الإحرام بركعة.
وفي زيادة ذِكْر النهار يدل على أن الأفضل في نافلة النهار أيضًا أن تكون ركعتين وفيه خلاف أبي حنيفة (٥) وصاحبيه، فقالوا (أ): يخيَّر بين أن يصلى ركعتين ركعتين أو أربعًا أربعًا ولا يزيد على ذلك، وقد أخرج في البخاري (٦) ثمانية أحاديث في صلاة النهار ركعتين.
стр. 967
٢٨٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الْفَرِيضة صَلَاةُ اللَّيل". أخرجه مسلم (١).
فيه دلالة ظاهرة على فضل (أ) النافلة بالليل.
٢٨٣ - وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الوتر حق على كل مسلم، من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل". رواه الأربعة إلا الترمذي (٢) وصححه ابن حبان، ورجع النسائي وقفه (٣).
وكذا صح أبو حاتم والذهلي والدارقطني في "العلل" والبيهقي وغير واحد وقْفَه.
стр. 968
قال المصنف ﵀: وهو الصواب (١).
وفي رواية الدارقطني (أ): "الوتر حقٌّ واجبٌ فمن شاء فليوتر بثلاث" (٢).
وحكى مجد الدين بن تيمية (٣) عن ابن المنذر في حديث أبي أيوب: "الوتر حق وليس بواجب".
الحديث فيه دلالة علي وجوب الوتر: "حق على كلِّ مُسْلِمٍ"، إذ معنى الحق هو الثابت، والظاهر من الثبوت هو اللزوم، فيكون واجبًا إذا لا لزوم إلا للواجب. وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة (٤) والحسن بن زياد، ورواية أيضًا عن أبي حنيفة أنه فرض، وكذا عن زفر، وقد روي عن أبي حنيفة عدم الوجوب، وذهب إلى خلاف هذا العترة ومالك والشافعي (٥)، وصاحبا أبي حنيفة والجمهور فقالوا: إنه ليس بواجب لقوله ﷺ : "خَمْسٌ في اليَوْمِ والليلة" (٦)، ولقول علي: "الوتر ليس بحتم" (٧)، وسيأتي، ولقوله:
стр. 969
"ثلاث هن عليَّ فرائض ولكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الضحى" (١)، وفي رواية أحمد (٢): "وركعتا الفجر" بدل "ركعتا الضحى"، وفي رواية لابن عدي (٣): "وركعتا الفجر" بدل (أ) "النَّحر".
والحديث وإن كان ضعيفًا (٤) فله متابعات يتأيد بها.
ولقوله "فمن أحب": فإنه دليل عدم الوجوب، ولما في حديث ابن عمر: "كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته" أخرجه البخاري (٥)، فالإيتار على الراحلة والإخراج من حكم الفرائض دليل (ب) عدم الوجوب، وحديث أبي أيوب الأصح وقفه فلا تقوم به حجة واضحة، ويمكن حمله وكذلك حمل ما أشبهه من الأحاديث الواردة بصيغة الأمر -على تأكيد سنيته، وأنه من السنن التي ينبغي المحافظة عليها جمعًا بين الأدلة. وفي قوله: "فَمَنْ أحب أن يوتر ... " إِلخ: ظاهره التخيير بين هذه الأعداد في إحراز فضيلة أصل السنة، وإن كان الأكثر أكثر أجرم، ويدل على أنه يفعل ما ذكر من الخمس والثلاث موصولًا وسيأتي في حديث عائشة: "يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها" (٦) [وإذا أوتر بثلاث
стр. 970
فله الفصل والوصل والفصل أفضل لرواية (أ) ابن حبان في "صحيحه" (١) عن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ كان يفصل بين الشَّفْع والوتْر"، وفي "شرح المهذب" أنه يكره الوصل (٢) لأن أحاديث الفصل أكثر ولأنه أكثر عملا، إذ يزيد بالسلام ثم التكبير والنية وغيرها.
وقيل: الوَصْلُ أفضل (ب)، خروجًا من خلاف الهادوية وأبي حنيفة (٣) فإنه لا يصح المفصول عندهم، وقال السبكي: الوَصْل مكروه، لأن الدارقطني روى حديثًا رجاله ثقات: "لا تشبهوا بصلاة المغرب" (٤) قال الرافعي (٥): وفي وجه الاقتصار على تشهد واحد أولى فرقًا بين صلاة المغرب والوتر، وسيأتي زيادة تحقيق لهذا إن شاء اللَّه تعالى (٦)] (جـ).
وفي قوله: "ومن أحب أنْ يوتر بواحدة .. ": ظاهره الاقتصار على ركعة واحدة، وقد روي مثل ذلك عن جماعة من الصحابة فأخرج محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد، أن عثمان ﵁ قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يصل غيرها (٧)، وأخرج البخاري (٨) أن معاوية
стр. 971
أوتر بركعة، وأن ابن عباس استصوبه.
وقد ذهب إلى هذا الشافعي [(أوقيل شرط الإيتار (ب) بركعة سبق نفل بعد العشاء سواء كانت راتبة العشاء أو غيرها من النوافل المطلقة ليوتر ما تقدمه (١).
وإطلاق هذا الحديث وغيره من الأحاديث، وفعل عثمان يرد عليه، وأطنب الشافعي في "الأم" (٢) في الرد على قائله. قال الأوزاعي: والظاهر اعتبار كون النفل السابق إذنًا فلو قضى فائتة أو غيرها من الفرائض بعد العشاء فكالعدم فيما يظهر. قال: ولم أره منقولا] (جـ) أ).
٢٨٤ - وعن علي ﵁ (د) قال: "ليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة، ولكن سنة سنها رسول اللَّه ﷺ ". رواه النسائي، والترمذي وحسنه و (هـ) الحاكم وصححه (٣).
стр. 972
في الحديث دلالة على عدم وجوب الوتر، وقد تقدم.
وفي قوله: "ولكن سنة سَنَّها رسول الله ﷺ ": إفهام بأن ذلك اعتياد منه ﷺ لذلك الفِعْلِ وأنه باختيار منه واجتهاده.
والسنة: العادة والطريقة.
٢٨٥ - وعن جابر بن عبد اللَّه ﵁ "أن رسول الله ﷺ قام شهر رمضان، ثم انتظروه من القابلة، فلم يخرج، وقال إني خشيت أن يكتب عليكم الوتر". رواه ابن حبان (١).
الحديث أخرجه أبو داود من حديث عائشة ولفظه: "أن النبي ﷺ صلى في المسجد، فصلى بصلاثه ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إِليهم رسول الله ﷺ فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إلا أني خشيت أن يفرض عليكم، وذلك في رمضان". فيدل على أنه صَلَّى بهم ليلتين، وحديث
стр. 973
الكتاب أنه صلى بهم ليلة واحدة، [وفي رواية أحمد (١) أنه صلى بهم ثلاث ليالٍ، وغُصَّ المسجد بأهله في (أ) الليلة الرابعة] (ب).
وفي قوله: "خشيت أن يكتب عليكم الوتر": فيه دلالة على عدم وجوب الوتر مطلقًا، وإن كان ذلك الصنع في شهر رمضان، واللَّه أعلم.
٢٨٦ - وعن خارجة بن حُذُافة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّ اللَّه أمدَّكم بصلاةٍ هي خيرٌ لكم مِنْ حمر النعم، قلنا: وما هي يا رسول اللَّه؟ قال: الوَّتْر ما بين صلاة العشاء إِلى طلوع الفجر". رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الحاكم (٢).
وروى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه.
هو خارجة بن حُذافة -بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة والفاء- القرشي العدوي: كان يعدل بألف فارس، وروي أن عمرو بن العاص استمد من عمر بثلاثة آلاف فارس فأمده بثلاثة، وهم خارجة بن حذافة، والزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، ولي خارجة القضاء بمصر لعمرو بن العاص، وقيل كان علىي شرطته، وعداده في أهل مصر، قتله الخارجي ظنًّا منه أنه عمرو بن العاص حين تعاقد الثلاثة على قتل عمرو ومعاوية وعلي ﵃ وسبقت الشهادة لعلي ﵁،
стр. 974
وكرم وجهه- (أ)، ويقال: (ب) إنه قتل خارجة رجل من بني العنبر بن عمرو بن تميم، وقيل: مولى لبني العنبر، وكان قتله في سنة أربعين، وروى عنه عبد اللَّه بن أبي مرة (١).
[والحديث ضعفه البخاري (٢) بعدم سماع رواية بعضهم من بعض وقال: ابن حبان إسناده منقطع ومتن باطل] (٣) (جـ).
стр. 975
في الحديث إفهام بعدم وجوب الوتر إذ الإمداد (١) هو الزيادة لما يقوي المديد عليه، يقال: مد الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه (أ) ويكثره، ومد الدواة وأمدها زادها ما يصلحها، ومددت السراج والأرض إذا أصلحتها بالزيت والسماد، والنوافل هي تكميل للفرائض، إن عرض فيها نقص كما ثبت في الحديث في "سنن أبي داود" وغيرها.
وقوله "خير لكم من حمر النَّعم": خصها بالذكر لأنها الأشرف عند أربابها.
وفي قوله: (ما بين صلاة العشاء ..) إلخ: تنبيه على وقتها، وأن الفاعل لها في أي ساعة من ذلك الوقت قد أجزأه ذلك وفعل بالسُّنة.
٢٨٧ - وعن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منَّا" أخرجه أبو داود (٢) بسند لين، وصححه الحاكم، وله شاهد ضعيف عن أبي هريرة عند أحمد (٣).
هو أبو سهل عبد اللَّه بن بريدة (٤) -بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء تحتها نقطتان وبالدال المهملة- ابن الحُصَيْب -بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة وسكون الياء تحتها نقطتان وبالباء الموحدة-
стр. 976
الأسلمي، قاضي مرو، تابعيّ مِنْ مشاهير التابعين وثقاتهم. سمع أباه وسَمُرة بن جندب، وعمران بن حصين، وعبد اللَّه بن مغفل. روى عنه ابنه سهل، وحسين المكتب، وعبد اللَّه بن مسلم المروزي الأسلمي. مات بمرو، له عند المراوزة حديث كثير.
الحديث فيه عبد اللَّه (أ) بن عبد اللَّه العتكي (١) يكنى أبا المنيب، ضعفه البخاري والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ووثقه يحيى بن معين.
والشاهد الذي له (ب) من حديث أبي هريرة رواه أحمد بلفظ: "من لم يوتر فليس منا"، وفيه الخليل بن مرة (٢)، وهو منكر الحديث، وفي الإسناد انقطاع بين معاوية بن قرة وأبي هريرة كما قال أحمد (٣).
ظاهر قوله "فليس منا": أي متصل بنا، يعني من أهل طريقتنا وملتنا يدل على وجوب الوتر، ولكنه يُحْمَل علي المبالغة في تأكد (جـ) سنيته حتى يلحق بالواجب بقرينة ما تدل على عدم الوجوب كما تقدم، واللَّه أعلم.
٢٨٨ - وعن عائِشَة ﵂ قالت: "ما كان رسول الله
стр. 977
- ﷺ يزيدُ في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة، يصلِّي أربعًا فلا تسأل عن حسنِهنَّ وطُولِهِنَّ، ثمَّ يصلي أربعًا فلا تسأل عن حُسنهنَّ وطُولِهِنَّ، ثم يصَلي ثلاثًا. قالت عائشة ﵂: فقلت يا رسول اللَّه: أتنام قبل أن توترَ؟ قال: يا عائشة إِن عينيَّ تنامان، ولا ينام قلبي". متفق عليه (١).
وفي رواية لهما عنها: "كان يصلي من الليل عشرَ ركعاتٍ، ويوتر بِسَجْدةٍ ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة ركعة" (٢).
وعنها قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها" (٣).
وعنها قالت: من كل الليل قد أوتر رسول اللَّه ﷺ ، فانتهى وتره إلى السَّحر". متفق عليه (٤).
قولها: "ما كان يزيد في رمضان .. " إلخ: فيه دلالة على أن صلاته ﷺ كانت متساوية في جميع السنة.
واعلم أن حديث عائشة ﵂ لصفة صلاته ﷺ اختلف
стр. 978
في العدد لركعاته وكيفيتها، حتى إن بعضهم (١) نسب حديثها إلى الاضطراب، وهذا إنما يتم لو كان إخبارها عن وقت واحد، وليس كذلك بل ما روته فهو محمول على أوقات متعددة وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز، فقد روي ما ذُكر هنا وقد روي من حديث مسروق: "سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر" (٢)، وفي رواية مسلم من هذا الوجه: "كان صلاته عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة" (٣)، ورواية: "يصلي من الليل ثلاث عشرة"، وفيها زيادة: "ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين" (٤) يدل على أن صلاته ثلاث عشرة ركعة في الليل، وهي رواية الزهري (٥) عن عروة عن عائشة، فيحتمل أنها أضافت (أ) إلى الإحدى عشرة ما كان يفتتح به صلاته من الركعتين الخفيفتين، وقد ثبت هذا في "صحيح مسلم" (٦)، ويدل على هذا ما ذكر في الرواية: "يصلي أربعًا"، ثم قالت: "ويصلي (ب) أربعًا"، فلم يتعرض لركعتي الافتتاح في هذه الرواية، وتعرض لها في رواية
стр. 979
الزهري والزيادة من الحفاظ مقبولة، والجمع بين الروايات هو الواجب مهما أمكن (أ) وأيضًا ويتأول ما قد ثبت أنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين بأنهما ركعتا الفجر، ويؤيد هذا المذكور ما وقع عند أحمد وأبي داود من رواية عبد اللَّه بن [أبي] (ب) قيس: "كان يوتر بأربع وثلاث وست، وثلاث وثمان، وثلاث وعشر، ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة ولا أنقص من سبع" (١).
قال الحافظ المصنف (٢) ﵀: وهذا أوضح ما وقفت عليه من ذلك ويجمع به بين ما اختلف. واللَّه أعلم.
[وقولها "فلا تسأل عن حسنهن وطولهن": يعني في غاية من كمال الحُسْنِ والطول مستغنيات بظهور حسنهن وطولهن عن السؤال"] (جـ).
وقولها: "من كل الليل .. " إلى آخره: فيه دلالة على التوسعة في وقت الوتر، وانتهاء وتره إلى السَّحَر لا يلزم منه أنه لا يصح الوتر قبيل (د) طلوع الفجر إذ لا دلالة على ذلك.
واعلم أن الحكمة في عدم الزيادة على إحدى عشرة أنَّ التهجد والوتر مختص بصلاة الليل.
وفرائض النهار، الظهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث وهي وتر النهار، فناسب أن يكون صلاة الليل كصلاة النهار في العدد، وأما مناسبة ثلاث عشرة فإذا ضم ركعتا الفجر إلى صلاة النهار. واللَّه أعلم.
стр. 980
٢٨٩ - وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا عبدَ اللَّه لا تكنْ مثلَ فُلان، كان يقوم من (أ) الليل فَتَرَكَ قيامَ الليل". متفق عليه (١).
قوله "مثل فلان": يحتمل أن تكون الكناية عنه بفلان، وقع من النبي ﷺ للسَتْرِ عليه، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ قد سماه باسمه، وكان الستر من عبد اللَّه.
وفيه دلالة على أنَّ أحب العمل أدومه، واللَّه أعلم.
٢٩٠ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أوْتِروا يا أهلَ القرآن، فإِن اللَّه وِتر يحب الوتر" رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة (٢).
стр. 981
المراد بأهل القرآن: المؤمنون الذين صدَّقوا القرآن، وخاصة من يتولى بحفظه وتلاوته ومراعاة حدوده وأحكامه.
وقوله: "فإِن اللَّه وتر". قال في "النهاية" (١): أي واحد في ذاته لا يقبل الانقسام ولا التجزئة واحد في صفاته لا شبه له ولا مثل، واحد في أفعاله لا شريك له ولا معين.
وقوله: "ويحب الوتر". أي يُثيْب عليه ويقبل من عامله، وقال القاضي: كلما ناسب الشيء أدنى مناسبة كان أحب إليه مما لم تكن له تلك المناسبة.
٢٩١ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "اجعَلوا آخرَ صَلاتِكُمْ باللَّيْلِ وِتْرًا". متفق عليه (٢).
قد استدل به من يوجب (أ) الوتر، وهو متأوَّل بما تقدم.
٢٩٢ - وعن طَلْق بن علي ﵁ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا وتْرَانِ في ليلة" رواه أحمد والثلاثة، وصححه ابن حبان (ب) (٣).
стр. 982
أخرجوه من حديث قيس بن طلْق عن أبيه، وقال الترمذي: حسن، وقال عبد الحق وغيره بصحته، وأصل الحديث في "سنن أبي داود"، قال قيس: زارنا طلق بن علي في يوم من رمضان، وأمسى عندنا، وأفطر، ثم قام تلك الليلة، وأوتر بنا ثم انحدر إلى مسجده فصلى بأصحابه حتى إذا بقي الوتر قَدَّم رجلًا فقال: أوتِر بأصحابك، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لا وتران في ليلة".
الحديث يدل على أن مَنْ أوْتر في الليل فلا ينقض وتره (١) إذا صلى بعد ذلك شفعًا، ولا يحتاج إلى إعادة وتر، وقد اختلف السلف في ذلك في موضعين: أحدهما في مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس، والثاني من أوتر ثم أراد أن يتنفل في الليل هل يكتفى بوتره الأول ويتنفل ما شاء أو يشفع وتره بركعة، ثم يتنفل، ثم إذا فعل هل يحتاج إلى وتر آخر أو لا؟ أما الأول فوقع عند مسلم (٢): "كان يصلى ركعتين بعد الوتر وهو جالس" وقد ذهب إليه بعضُ أهل العلم، وجعلوا الأمر في قوله: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، مختصًا بمن (أ) أوتر آخر الليل، وأجاب مَنْ لم
стр. 983
يقل بذلك بأن الركعتين هما ركعتا الفجر. وأجاب النووي بأن فعله لهما لبيان جواز النفل بعد الوتر والصلاة قاعدًا (١).
وأما الثاني وهو عدم نقض الوتر فقد ذهب إليه جمهور السلف (٢)، وقد روي عن عبد اللَّه بن عمر أنه كان ينقض الوتر، فيوتر من أول الليل، فإذا قام يتهجد صلى ركعة يشفع بها تلك، ثم يوتر من آخر الليل، أخرجه الشافعي (٣) عن مالك عن نافع بهذا وروى محمد بن نصر (٤) من طريقٍ أخرى أنه سُئل (أ) ابن عمر عن ذلك فقال: إذا كنت لا تخاف الصبح ولا النوم (ب) فاشْفع، ثم صلِّ ما بدا لك ثم أوْتِرْ، وإلا فَصَلِّ على وترك الذي كنتَ أوترت، ومن طريق أخرى عن ابن عمر أنه سُئِلَ عن ذلك فقال: "أما أنا فأصلي مثنى فإذا انصرفت ركعت واحدة"، فقيل (ب): أرأيت إن أوترت قبل أن أنام ثم قمت من الليل فشفعت حتى أصبح؟ قال: "ليس بذلك بأس".
وهذا فيه دلالة على صحة صلاة ركعة واحدة (د)، وقد قال به الشافعي
стр. 984
والجمهور (١)، ومنع منه الهادي وغيره من أهل البيت والحنفية (٢).
٢٩٣ - وعن أُبَي بن كعب ﵁ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يوتر بسبِّح اسم ربك الأعلى وقُل يا أيها الكافرون، وقل هو اللَّه أحدْ".
رواه أحمد وأبو داود والنسائي وزاد: "ولا يسلِّم إِلا في آخرهن" (٣).
ولأبي داود والترمذي نحوه عن عائشة وفيه: "كل سورة في ركعة، وفي الأخيرة قل هو اللَّه أحد والمعوذتين" (٤).
حديث عائشة في إسناده لِين لأن فيه خصيف (٥) الجزري (أ)، ورواه
стр. 985
الدارقطني وابن حبان والحاكم (١) من حديث يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، وتفرد به يحيى بن أيوب عنه، وفيه مقال، ولكنه صدوق (٢)، وقال العقيلي (٣): إسناده صالح ولكن حديث أُبَيّ بن كعْب -وهو مرويّ عن ابن عباس (٤) بإسقاط المعوذتين- أصح، وقال ابن الجوزي: أنكر أحمد ويحيى بن معين زيادة المعوذتين وروى ابن السكن في "صحيحه" له شاهدًا من حديث عبد اللَّه بن سرجس بإسنادٍ غريب.
في الحديث دلالة على شرعية الوتر بثلاث لا على تعين ذلك، لما قد ثبت من الأحاديث كما تقدم، وذهب الهادي والقاسم وغيرهما من الأئمة والحنفية إلى تعين الوتر في الثلاث بهذا الحديث وأنها تصلى أيضًا موصولة (٥)، قالوا: ولأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة جائز واختلفوا فيما عداه، فالأخذ به أخذ بالإجماع. ورد عليهم بأن الإجماع غير صحيح بما أخرجه محمد بن نصر من حديث أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا لا توتروا بثلاث لتشبهوا بصلاة المغرب" (٦) وقد صححه الحاكم (٧) من طريق عبد اللَّه بن الفضل، وإسناده على شرط الشيخين،