Полный текст (6 324 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
مسألة ٣١٦
إذا عجل صدقته فدفعها إلى الفقير ثم هلك ماله لم يرجع عليه
٥٣١٥ - قال أصحابنا: إذا عجل صدقته فدفعها إلى الفقير ثم هلك ماله، لم يرجع عليه.
٥٣١٦ - وقال الشافعي: إذا بين له أنها صدقة [معجلة يرجع عليه بها، وإن أطلق الدفع لم يرجع.
٥٣١٧ - لنا: أنها صدقة] وصلت إلى الفقير بإذن مالكها، فلم يرجع فيها كما لو أطلق الدفع، أو لأنها صدقة وصلت إلى الفقير بنية الزكاة. ولا يلزم الملتقط إذا تصد باللقطة ثم حضر مالكها؛ لأنا نقول: وصلت إليه بإذن مالكها، وفي العلة الثانية: قلنا بنية الزكاة.
٥٣١٨ - فإن قيل: المعنى في الأصل أنه متهم في الاسترجاع لجواز أن يكون أخرجها عما وجب عليه.
٥٣١٩ - قلنا: هو المالك، فالقول قوله كيف ملك، كمن دفع إلى رجل شيئا
стр. 1157
فزعم أنه قرض، وقال المدفوع إليه: هو هبة، فالقول قول الدافع.
٥٣٢٠ - احتجوا: بأنه مقبوض عن زكاة مستقبلة، فإذا طرأ ما يمنع أن يكون زكاة [وجب رده، أصله: إذا تلف ماله والزكاة في يد الساعي.
٥٣٢١ - والجواب: أنه يبطل إذا أطلق الدفع، ولأنه إذا طرأ ما يمنع أن تكون زكاة] بقي معنى الصدقة، وذلك يمنع الرجوع كالصدقة المبتدأة، والمعنى في الأصل: أنه لم يتم المقصود بالصدقة وإذا قبضها الفقير فقد تم المقصود بها.
٥٣٢٢ - فإن قيل: قبض الساعي قائم مقام قبضهم، ولهذا لو تلف المقبوض في يده لم يجب على رب المال إعادة الصدقة.
٥٣٢٣ - قلنا: إنما تقوم يده مقام أيديهم فيما يستحقونه، فأما هاهنا فلا حق لهم، فإذا قبض؛ فقد أذن له رب المال في إمضاء القربة، فإن فعل تم ما أمره به، فكأن رب المال أعطاها للمساكين ومادامت في يده فلم يكمل المقصود حتى انقطع حق له وكان له استرجاعها، وإذا تلفت في يده كانت من ضمان الفقراء؛ لأن حق الرجوع سقط عن عينها فهلكت عن حقهم.
٥٣٢٤ - قالوا: قبضها عما يجب في المستقبل؛ فهو كالمؤجر إذا تعجل الأجرة ثم انهدمت الدار.
٥٣٢٥ - والجواب: أن المؤجر قبض على وجه العوض، فإذا بطل العوض صار المال مقبوضا بغير حق، وفي مسألتنا: إذا خرج المدفوع من أن يكون واجبا نفى كونه صدقة، وذلك معنى يمنع الرجوع، كالصدقة المبتدأة.
стр. 1158
٥٣٢٦ - قالوا: عندكم حكم المعجل مراعي؛ فإن تم الحول استحق ثواب الواجب، وإن لم يتم استحق النفل، كذلك نحن نقول: إن لم يرجع استحق ثواب النفل، وإن استرجع لم يستحق الثواب.
٥٣٢٧ - قلنا: عندنا بالدفع قد استحق ثواب النفقة والزيادة مراعي، فإن تم الحول استحقت، وإلا سقطت، وثواب النفل يمنع الرجوع، وعندكم الثواب مستحق بالدفع، ثم يثبتون الرجوع، وحصول ثواب الصدقة يمنع الرجوع، وليس إذا سقط الوجوب سقط الثواب لأنه يبقي ثواب الصدقة المطلقة.
* * *
стр. 1159
مسألة ٣١٧
إذا دفع الزكاة معجلة ثم أيسر الفقير من
غيرها أو ارتد أو مات جازت عن الواجب
٥٣٢٨ - قال أصحابنا: إذا دفع الزكاة معجلة ثم أيسر الفقير من غيرها، أو ارتد، أو مات، جازت عن الواجب.
٥٣٢٩ - وقال الشافعي: لا يجزئ عن الواجب.
٥٣٣٠ - لنا: أن الدفع صادف الفقر، فما يحدث من الغني لا معتبر به، كما لو استغنى من المدفوع.
٥٣٣١ - فإن قيل: إذا استغنى من المدفوع لو فسخنا الدفع في الأصل فسخ في النماء فعاد فقيرا.
٥٣٣٢ - قلنا: النماء حادث على ملك الفقير، والفسخ في الأصل لا يوجب الفسخ في النماء عندهم، كالرد بالعيب، وعلى أصلنا: هو مملوك بغير عوض، فبفسخ العقد فيه، لا يوجب الفسخ في النماء عندهم، كالرجوع في الهبة؛ ولأن ما جاز تقديمه على رجوعه؛ فالمراعي فيه صفات التعجيل عند التعجيل دون حال الوجوب، أصله: من أعتق عبدا في كفارة القتل قبل الموت ثم عمي العبد أو حدث فيه ما يمنع جوازه عنها.
٥٣٣٣ - احتجوا: بان فقر المدفوع إليه وإسلامه وحياته شرط في جواز دفع الزكاة إليه، فإذا زال قبل تمام الحول من غير جهة الزكاة؛ منع من جوازه عن الزكاة، أصله: تلف النصاب وموت رب المال.
٥٣٣٤ - الجواب: أن الوجوب يحصل بالحول، فلابد من اعتبار صفات المالك،
стр. 1160
والنصاب عند الوجوب، والزكاة يجزئ عند الحول بالدفع السابق، فيعتبر صفات المدفوع إليه حال الدفع، يبين ذلك: أنها لو نقصت في يد الفقير أو عجلت قبل الحول أجزأت، فلولا أن المعتبر فيها بحال الأداء لم يجز، وكذلك الغني منها لا يمنع، وإن كان الدفع إلى الغني في الحال لا يجوز.
٥٣٣٥ - فإن قيل: إنما يدفع إليه الزكاة ليستغني بها، فالغنى بها لا يمنع الدفع.
٥٣٣٦ - قلنا: إنما لا يمنع؛ لأن الدفع صادف الفقر، فلولا أن المعتبر تلك الحال لم يجز.
* * *
стр. 1161
مسألة ٣١٨
الزكاة تسقط بالموت، فإن وصى بإخراجها أخرجت من الثلث
٥٣٣٧ - قال أصحابنا: الزكاة تسقط بالموت، فإن وصي بإخراجها أخرجت من الثلث.
٥٣٣٨ - وقال الشافعي: لا تسقط، ويخرجها الوارث من غير وصية من جميع المال.
٥٣٣٩ - لنا: قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ وهذا ينفي أن يكون الزكاة لو أخره، ولأنها أحد الأركان الخمس، كالصوم والصلاة، أو عبادة [مقصودة كالصلاة. ولا يلزم العشر؛ لأنه يسقط في رواية ابن المبارك، وفي الرواية الأخرى: ليس بعبادة]؛ لأنه يجب ولا متعبد. ولا يلزم الجنب إذا استشهد أن التيمم لا يسقط؛ لأن التيمم ليس بعبادة مقصودة.
٥٣٤٠ - فإن قيل: المعني في الصلاة أن النيابة لا تصح فيها.
٥٣٤١ - قلنا: فالزكاة لا تصح النيابة فيها بغير أمر المزكي.
٥٣٤٢ - قلنا: ينتقض بالزكاة إذا أوصي بها.
٥٣٤٣ - قلنا: سقط ما كان واجبا بموته ووجب بالوصية مثله؛ ولأن أداء الزكاة لا يصح إلا بنية المزكي أو إذنه، أصله: حال الحياة.
стр. 1162
٥٣٤٤ - فإن قيل: يعتبر إذنه إذا أمكن، ويسقط إذا تعذر، كما لو امتنع في حال حياته وأخذها الإمام.
٥٣٤٥ - قلنا: لا يجوز أن يأخذها، ولكنه يحبسه حتى يؤدى، كالديون. وقوله ﵊: (فإن أبا فخذوها وشطر ماله) إنما كان أخذا على وجه العقوبة لا على وجه الزكاة، ولا يستحق به الثواب. ولأنه اجتمع في التركة حقان: حق الله تعالى، وحق الآدمي [ومتى اجتمعا في عين واحدة قدم حق الآدمي]، كالقطع في السرقة والقصاص. ولأنها بعد الموت لا تخلى إما أن تجب وجوب العبادات، أو وجوب الديون؛ ولا يجوز أن تجب وجوب الديون؛ لأنه يؤدي إلى أن تجب على غير الوجه الذي وجب في كل حال الحياة، ولكان يجب أن يجوز للأجنبي التبرع بأدائها وتصح الكفالة بها، ولا يجوز أن تجب عبادة؛ لأن العبادة لا تكون ولا متعبد؛ فبطل الوجهان.
٥٣٤٦ - احتجوا: بقوله ﵊: (فدين الله حق).
٥٣٤٧ - قلنا: إن كان الاستدلال بالتسمية؛ فاسم الدين لا يتناول الزكاة على الإطلاق، وإن كان على جواز الأداء؛ فالخثعمية سألته في حياة أبيها، وعندنا الوجوب مع الحياة باق وإنما سألت عن الجواز؛ فكأنه قال: فدين الله أحق بالجواز.
٥٣٤٨ - قالوا: حق واجب عليه يصح الوصية به فوجب أن لا يسقط بموته، كالدين.
٥٣٤٩ - والجواب: أن الدين يجوز التبرع بأدائه عنه في حال حياته بغير أمره؛
стр. 1163
فجاز أن يؤدي بعد موته بغير وصية؛ ولأن الدين يجوز إيجابه في المال ولا مدين، مثل أن يقترض الإمام على بيت المال، ولا يجوز إيجاب الزكاة ولا متعبد.
٥٣٥٠ - قالوا: حق مال استقر وجوبه في حال حياته فوجب أن لا يسقط بموته، كالدين.
٥٣٥١ - والجواب: أنا لا نسلم استقراره إذا سقط بغير أداء، ولأنها لا تسقط بالموت، وإنما تسقط بعدم المتعبد، ولهذا تسقط بردته. ولأن الدين يؤدي بعد الموت على الوجه الذي وجب، والزكاة لا تؤدي بعد الموت على الوجه الذي وجب.
***
стр. 1164
مسألة ٣١٩
ومن ارتد بعد وجوب الزكاة سقطت
٥٣٢٥ - قال أصحابنا: ومن ارتد بعد وجوب الزكاة سقطت، ولا تجب في مال المرتد.
٥٣٥٣ - وقال الشافعي: لا تسقط الزكاة بالردة، وهل تجب مع الردة؟.
٥٣٥٤ - قالوا: فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنها تجب، والثاني: مراعي، فإن أسلم وجبت، والثالث: لا تجب.
٥٣٥٥ - لنا: أن من خوطب بالإسلام لم يؤخذ من ماله الزكاة، كالكافر الأصلي. ولأن الردة عندنا تزيل الأملاك إلى الورثة، كالموت. ولأنه كافر فلا تجب عليه الزكاة، كالكافر الأصلي.
٥٣٥٦ - ولا يقال: [إن الأصلي لم يلتزمها؛ لأن الواجبان تجب بإيجاب الله تعالى] دون التزامنا، فإذا أسلم لم يؤخذ منه، لقوله ﵊: (الإسلام يجب ما قبله). ولأن الزكاة وجبت على وجه الطهرة، فإذا تعذر/ استيفاؤها على الوجه الذي وجبت عليه سقطت.
٥٣٥٧ - فإن قيل: الحد وجب عقوبة ويستوفى بعد التوبة على غير الوجه الذي وجب.
стр. 1165
٥٣٥٨ - قلنا: سقط عندنا بالتوبة، ووجب مثله.
٥٣٥٩ - قالوا: القصاص يجب عقوبة ثم يجئ القاتل فيستوفي منه.
٥٣٦٠ - قلنا: سقط على إحدى الروايتين.
٥٣٦١ - قالوا: أداء حق لم يسقط الزكاة الواجبة، وقد تعذر استيفاؤها على وجه الطهرة.
٥٣٢٦ - قلنا: لم يتعذر، لجواز أن يعتق فيستوفي على الوجه الذي وجبت، ولهذا لا يؤخذ في حال الحياة.
٥٣٦٣ - فإن قيل: فقولوا في الردة مثله.
٥٣٦٤ - قلنا: لا يمكن؛ لأنه يخاطب بعد الإسلام بعبادة تقدمت عليه، وبهذه الطريقة قال أصحابنا إن الجزية تسقط بالإسلام؛ لأنها وجبت على وجه الصغار فتعذر استيفاؤها على ذلك الوجه.
٥٣٦٥ - احتجوا: بأن الزكاة حق واجب في المال فلا يسقط بالردة، أصله: دين الآدمي.
٥٣٦٦ - والجواب: أن الدين يستوفي بعد الردة على الوجه الذي وجب [فأما الزكاة فقد تعذر استيفاؤها على الوجه الذي وجب]. ولأن الدين يجب مع الكفر الأصلي، فالكفر الطارئ لا يسقط، والزكاة لا تجب مع الكفر الأصلي، والطارئ يسقط.
٥٣٦٧ - قالوا: حق يدخله النيابة استقر عليه في حال إسلامه، فلا يسقط بردته، كالدين.
٥٣٦٨ - قلنا: يبطل بمهر امرأته.
٥٣٦٩ - فإن قالوا: لا يسقط بالردة، لكن بزوال أملاكه، فالمعني في الدين ما ذكرناه.
***
стр. 1166
مسألة ٣٢٠
لا يبني الوارث على حول الميت
٥٣٧٠ - قال أصحابنا: لا يبني الوارث على حول الميت، وبه قال الشافعي في الجديد، وقال في القديم: يبني.
٥٣٧١ - لنا: حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)، والمراد به: في حق ملك واحد بالإجماع. ولأن الإرث سبب لنقل الملك فيقطع الحول، كالبيع، والوصية، والهبة. ولأن ملكه مستحدث، فلا يبني على جول الجاني والدين الذي به رهن.
٥٣٧٢ - والجواب: أن هناك وجبت الحقوق، والموت لا ينافيها، وفي مسألتنا لم يجب الحق وإنما الحول سبب للوجوب الثاني، فإذا مات قبل الوجوب سقط، كمن قال: إذا حال الحول فلعي أن أتصدق بألف، فمضى الحول ثم مات.
***
стр. 1167
مسألة ٣٢١
يجوز إخراج القيمة في الزكاة عن المنصوص عليه
٥٣٧٣ - قال أصحابنا: يجوز إخراج القيمة في الزكاة عن المنصوص عليه.
٥٣٧٤ - وقال الشافعي: لا يجوز.
٥٣٧٥ - لنا: ما روي: (أن النبي ﷺ رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء فأنكرها، وقال: لا تأخذوا من حزرات المال، وسأل المصدق عنها، فقال: أخذتها ببعيرين من إبل الصدقة (ونحن نعلم أن النبي ﷺ لم يكن يأذن للمصدقين أن يبيعوا الصدقات، فعلم أنه أخذها من أرباب الأموال بالقيمة.
٥٣٧٦ - فإن قيل: يجوز أن يكون قبض البعيرين، ثم باعهما بناقة.
٥٣٧٧ - قلنا: لم يصح؛ لأن المصدقين ليس لهم التصرف بالبيع؛ ولأن الحكم لو اختلف لسأل رسول الله ﷺ هل أخذها قبل القبض أو بعده؟
٥٣٧٨ - ويدل عليه: حديث أبي قال: بعثني رسول الله ﷺ مصدقا، فمررت
стр. 1168
برجل، فلما جمع ماله، لم أجد فيه إلا بنت مخاض، فقلت له: أد بنت مخاض فإنها صدقتك، فقال: ذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة [فخذها] فقلت له: ما أنا بآخذها، لم أومر به، وهذا رسول الله ﷺ منك قريب، فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل، فإن قبله منك قبلته، وإن رده عليه رددته، قال: فإني فاعل ذلك، فخرج معي، وخرج بالناقة التي عرضها علي حتى قدمنا إلى النبي ﷺ فقص عليه القصص. فقال له رسول الله ﷺ : (ذلك الذي عليك، فإن تطوعت بخير، آجرك الله عنه، وقبلناه منك) فها هي يا رسول الله قد جئتك بها، فأمر رسول الله ﷺ بقبضها ودعا له بالبركة. فلا يخلو أن ينصرف التطوع إلى جميعها أو إلى بعضها أو إلى الدفع، ولا يجوز أن ينصرف إلى الجميع؛ لأن هذا يقتضي بقاء الفرض في ذمته، ولم يقصد الرجل ذلك ولا قصده النبي ﷺ ، ولا يجوز أن ينصرف إلى الدفع؛ لأن النبي ﷺ قال: (قبلناه منك)، وهذا يقتضي أن يكون التطوع منفردا بالقبول، وذلك لا يكون إلا في المدفوع، فلم يبق إلا أن يكون بعضها تطوعا وبعضها واجبا، وبعض ناقة في الإبل لا يجزى إلا على طريق القيمة.
٥٣٧٩ - فإن قيل: هذا لا يدل على جواز القيمة في الأضحية.
٥٣٨٠ - قلنا: هناك الواجب لا يتبعض فيقع جميع السنة عن الواجب،
стр. 1169
وهاهنا الواجب يتبعض، ولهذا جعله ﵊ متطوعا بالزيادة.
٣٥٨١ - ويدل عليه ما روي: أن معاذا ﵁ قال لأهل اليمن: (ائتوني بكل خميس، أو لبيس، آخذه منكم في الصدقة مكان الذرة والشعير، فإنه أيسر عليكم، وأنفع لمن بالمدينة من المهاجرين والأنصار). فأخبر أنه يأخذ الثياب بالقيمة وينقلها إلى المدينة. وقد عمل للنبي ﷺ وأبي بكر ﵁، ففي أي الزمانين نقل فهو حجة.
٥٣٨٢ - قالوا: هذا كان في الجزية؛ لأن النبي ﷺ أمره أن يأخذ الإبل من الإبل، والحب من الحب، فكيف يخالف أمره، وقال له: (أعلمهم أن الله فرض عليهم حقا يؤخذ من أموالهم، يؤخذ من أغنيائهم فيرد إلى فقرائهم)؟ وكيف ينقلها عنهم، ومن مذهب معاذ أن النقل لا يجوز؛ لأنه قال: (من انتقل بصدقته من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته؛ فهي مردودة في مخلاف عشيرته؟). وكيف تكون الصدقة حقا لكل المهاجرين وفيهم القرابة والغني، والجزية حق لجميعهم؟
٥٣٨٣ - والجواب: أن قوله في الجزية لا يصح؛ لأنه قال: (آخذها في الصدقة)، وكيف يكون جزية والنبي ﷺ قال له: (خذ من كل حالم وحالمة دينارا) فكيف يأخذ الذرة والشعير؟. فأما قوله ﵊: (خذ الحب من
стр. 1170
الحب، والإبل من الإبل) فبيان لما يطالب المصدق به، والقيمة لا يطالب بها بغير اختيارهم، وأما أمره بتفريق الصدقة فيهم: فإن النقل يجوز أن يكون فيما زاد على فقرائهم، ومتى لم يوجد أهل السهمان في بلد نقلت الصدقة، وأما قول معاد: فدليل عليهم؛ لأنه يقتضي أن الصدقة مردودة في عشيرته وإن كانوا في بلد آخر، فأما قوله: (كيف تكون الصدقة حقا لكل المهاجرين)، فالمراد به: من يستحقها منهم، كما نقول: الزكاة حق المسلمين وإن كان المراد الفقراء منهم.
٥٣٨٤ - فإن قيل: إن معاذا قال ائتوني، فمن أين لكم؟ أنهم أعطوه حتى يثبت النقل.
٥٣٨٥ - قلنا: روى طاووس (أن معاذا كان يأخذ العروض بالثمن في الزكاة ويجعلها في صنف واحد).
٥٣٨٦ - قالوا: لا يمتنع أن تسمى الجزية صدقة، قال عمر ﵁: (هذه جزية، فسموها ما شئتم) ولأن كل ما جاز أن يتطوع بالصدقة به جاز الواجب، كالمنصوص عليه، وهذا تعليل للثياب. ولأن كل صدقة جاز إخراج غير الطعام فيها جاز إخراج الطعام، أصله: صدقة الفطر. ولأنه مال يعتبر في الحول، كالجزية.
٥٣٨٧ - فإن قيل: الجزية يجوز أخذ المنافع بدلها، فجاز إخراج القيمة، والزكاة لا تؤخذ عنها المنافع، فلم يجز أخذ القيمة.
стр. 1171
٥٣٨٨ - قلنا: الجزية يجوز أن تجب [ابتداء لأجل المنافع؛ لأن الفقير المعتمل يوضع عليه الجزية ولا مال له، ويجوز أن تجب] منافع؛ بأن يجعل جزيتهم عملا يعملونه للمسلمين؛ فلذلك جاز أخذ المنافع في عوضها. ولما كانت الزكاة لا تجب إلا في مال، ولم يوجب فيها إلا المال؛ لم يجز أن يأخذ عوضها ما ليس بمال.
٥٣٨٩ - ولأن ما جاز إخراجه في الزكاة [عن جنس من المال جاز إخراجه] عن جنس آخر، كالدراهم يجوز عن جنسها وعن العروض؛ ولأن الإمام لو أخذ الزكاة فتصرف فيها إلى جنس آخر لمصلحة المساكين ثم فرقه جاز [فإذا أخذ مالا آخر جاز]، كالوصي. ولا يلزم ثمن الصرف؛ لأن يأخذ غيره وهو أن يأخذ رأس الماس ويتصرف في رأس ماله فيأخذ عوضه ما شاء. ولا يلزم لحم الهدي؛ لأنه لا حق للإمام في أخذه.
٥٣٩٠ - فإن قيل: يجوز أن يأخذ الزكاة فيجعلها عوضا عن منافع المسلمين، مثل أن يستأجر بها من يعمل لهم، أو يستأجر دارا بمالهم، ولو أخذ من المزكي المنافع عوضا لم يجز.
٥٣٩١ - قلنا: قد احترزنا عن هذا بقولنا: (فجاز أن يأخذ مالا آخر) والفرق بينهما من طريق المعني: أن المنافع إذا أخذها والدافع متبرع لم ينقطع حقه عنها كما لا ينقطع في العارية، ولا يحصل له ما يحصل بأخذ المنافع من غير المزكي؛ ولأن ما جاز إخراجه من الفريضتين جاز إخراجه عن نصاب من السائمة، كالشاة. ولأن ما جاز إخراجه في زكاة جنسه جاز في زكاة غير جنسه، كالشاة، والتعليل للإبل والبقر.
٥٣٩٢ - احتجوا: بما روي أن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: (خذ الحب من الحب، والإبل من الإبل).
٥٣٩٣ - قلنا: هذا بيان لما يطالب به الساعي/ ويبتدئ أخذه، ولا يجوز أن يطالب بالقيمة حتى يبدلها المالك، وقد فهم معاذ من الخبر ما ذكرناه حتى أخذ من أهل
стр. 1172
اليمن الثياب مكان الحبوب في الصدقة.
٥٣٩٤ - قالوا: روى ابن عمر قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، أو صاعا من طعام، أو صاعا من زبيب) فخصه بالأقوات، فدل على أنه غيرها لا يجوز.
٥٣٩٥ - والجواب: أنه قال: (اغنوهم عن المسألة)، وهذا يفيد عموم ما يقع بالاستغناء، فيجمع بين الخبرين ويكون فائدة التخصيص: أن القوم لم يكونوا أصحاب أموال، وإنما كان مالهم التمر، وقوتهم الحنطة والشعير، فذكر الأسهل عليه، وقد فهم السلف هذا المعني. فروى ابن عون عن ابن سيرين عن ابن عباس قال: (صاع صاع، من جاء ببر قبل منه، ومن جاء بسويق قبل منه، ومن جاء بدقيق قبل منه).
стр. 1173
وقال أبو إسحاق: (أدركتهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام).قال عمر بن عبد العزيز: (من كان من أهل الديون فعليه نصف درهم صدقة الفطر). وروى ليث عن عطاء: أن عمر ﵁ أخذ العروض في الصدقة من الثياب وغيرها.
٥٣٩٦ - احتجوا: بما روي أن النبي ﷺ قال: (في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم، وفي خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين بنت مخاض، فإن لم يكن فيها بنت مخاض؛ فابن لبون ذكر).
٥٣٩٧ - وهذا يدل على وجوب هذا السن، فمتى عدل عنه بقي الواجب في ذمته، ويدل على أنه لا ينتقل إلى بدل مع وجود المنصوص، وأن الانتقال إلى بدل معين، وأن ابن لبون يجوز من غير اعتبار قيمة، وأن الواجب ابن لبون كامل، فمن جوز نصفه خالف الخبر.
٥٣٩٨ - والجواب: أن الخبر يقتضي وجوب ما نص عليه، وهذا موضع قد اتفقنا عليه واختلفنا هل يقوم غيره مقامه أم لا؟ وليس في وجوب الشيء ما يمنع جواز أخذ بدله، فلم يبق إلا استصحاب الإجماع. ولأن الخبر يقتضي جواز بنت مخاض على أي صفة كانت وكل من جوزها معينة لو يجوزها إلا بالقيمة.
٥٣٩٩ - فأما قوله: (فإن لم يكن فيها بنت مخاض): فقد بينا أن ذلك على
стр. 1174
طريق التخيير وليس على طريق الشرط.
٥٤٠٠ - وأما قوله: (نقله إلى بدل معين): فلأن الحيوان كان أسهل على القوم؛ لأنه غالب حالهم: (فنقله إلى بدل يقرب منه غالبا، وجعل زيادة سنه بفضل الأنوثية فيها.
٥٤٠١ - وأما قولهم: (إنه نقله إلى ابن لبون): مطلق، ولم يعتبر القيمة، ولأنه أطلق بنت مخاض وأراد الوسط، وذلك لا ينتقص عن قيمتها غالبا.
٥٤٠٢ - فأما قولهم: (إن الخبر يدل على أن نصف ابن لبون لا يجزئ)، فالنبي ﷺ جوز ابن لبون عن بنت مخاض وسط، وعندنا يجوز ابن لبون جيد عن نصف بنت مخاض جيدة.
٥٤٠٣ - قالوا: روي أنه قال: (ومن بلغت صدقته الجذعة وليست عنده، وعنده حقه، قبلناها منه، وما استيسر من شاتين أو عشرين درهما).
٥٤٠٤ - قالوا: فنقله إلى بدل معين وقدر ما بينهما تقديرا شرعيا، ولو كان قيمة لاختلف بالزمان والبلدان.
٥٤٠٤ - والجواب: أن هذا دليل لنا؛ لأن النبي ﷺ لا يجحف بأرباب الأموال ولا يضر بالمساكين. ومعلوم أن المصدق إذا أخذ بنت لبون مكان بنت مخاض ورد شاتين أو عشرين درهما من مال الفقراء، وقيمة بنت لبون عشرون درهما؛ فقد أضر بالفقراء، وإذا أخذ من رب المال بنت مخاض وعشرين درهما؛
стр. 1175
وكانت بنت لبون قيمتها عشرون درهما؛ فقد اجحف به فعل لضرورة الشريعة أنه أمر بذلك إذا كانت القيمة بقدر الفضل، وإلا فكيف يظن به ﷺ أنه يأمر بإتلاف حق الفقراء تارة وبالإجحاف بأرباب الأموال أخرى؟.
٥٤٠٦ - قالوا: عدل من منصوص عليه في الزكاة إلى قيمته فأشبه إذا أخرج المنافع.
٥٤٠٧ - قلنا: يبطل إذا أخرج بعيرا عن خمس من الإبل، وإذا أخرج بازلا عن بنت مخاض.
٥٤٠٨ - فإن قيل: لم تعدل عن النص؛ لأن النبي ﷺ قال: (خذ الإبل من الإبل)؟
٥٤٠٩ - قلنا: لو كان كذلك لجاز بعيرا معيبا لا يساوى شاة، فلما لم يجز علم أنه قيمة؛ ولأن قولهم: (عدل عن المنصوص) إن أرادوا الفرض المنصوص فالنقض متوجه، وإن أرادوا غير منصوص لم نسلم؛ لأن القيمة منصوص عليها بقوله: (خذ من أموالهم صدقة). ولأن المعني في المنافع: أن الزكاة لا تجب لأجلها؛ فلم يجز إخراجها منها، ولما كانت الأموال يجوز أن تجب الزكاة لأجلها جاز إخراجها منها.
٥٤١٠ - قالوا: كل ما لا تجب فيه، لا يجوز إخراجه منها، كالمنافع.
٥٤١١ - قلنا: لا يشيرون إلى نوع مال إلا وعندنا زكاة التجارة تجب فيه، فالوصف غير مسلم؛ ولأن الإخراج يجوز مما لا يتعلق به وجوب باتفاق، بدلالة أن المعلوفة يجوز إخراجها ولا يجب فيها، والمعني في المنافع: أنها متى لو توجد على وجه المعاوضة لم ينقطع حق صاحب الرقبة عنها، بدلالة العارية. والزكاة يستحق دفعها على وجه ينقطع حق المزكي عن المدفوع، وأعيان الأموال بخلاف ذلك.
٥٤١٢ - فإن قيل: المنافع مأخوذة على وجه العوض عن الزكاة.
٥٤١٣ - قلنا: القيمة عندنا تتقدر بالمنصوص، ثم هي زكاة في نفسها ليست
стр. 1176
بدلا عن الفريضة
٥٤١٤ - قالوا: إخراج قيمة في الزكاة، فوجب أن لا يجوز كمن أخرج نصف صاع جيد عن صاع وسط.
٥٤١٥ - قلنا: المخرج يجوز عن مقداره، والخلاف في جواز الأعيان لا في مقادير الجائز، وإنما لا يجزئ عن أكثر من كيله؛ لأن الشريعة لم تجعل للجودة قيمة فيما يثبت فيه الربا عند ملاقاته لجنسه، والقيمة أنها يرجع فيها إلى العرف الشرعي.
٥٤١٦ - قالوا: فجوزا شاة سمينة عن شاتين.
٥٤١٧ - قلنا: يجوز ذلك.
٥٤١٨ - قالوا: فجوزوا مد قمح عن صاع من شعير في صدقة الفطر؛ لأن التفاضل يجوز من الجنسين.
٥٤١٩ - قلنا: نص عليهما جميعا، والفرض فيهما واحد فلا يجزئ كل واحد إلا عن نفسه، كما لا يجوز ذراع من ثوب جيد عن ثوب الكسوة في الكفارة.
٥٤٢٠ - قالوا: فعندكم القيمة فرض بنفسها ليست ببدل عن المنصوص، فلا تؤدي إلى الربا.
٥٤٢١ - قلنا: عندنا أنها تتقدر بالقيمة ثم تصير أصلا في نفسها، فلابد من اعتبار التقويم.
٥٤٢٢ - قالوا: مخرج على وجه الطهرة، فلا يجوز إخراج القيمة فيه، كالعتق في الكفارة.
٥٤٢٣ - قلنا: الواجب هناك العتق، وهو إتلاف لا يتقوم فلا يكون إخراج قيمة ما لا قيمة له؛ ولأن العتق إتلاف الرق على ملك المعتق، وليس هناك شيء يصل إلى العبد.
стр. 1177
حتى تقوم القيمة إذا دفعت إلى مقامه, ولأن القيمة لا تخلوا إما أن تدفع إلى العبد أو إلى الفقراء؛ فإن دفعت إلى الفقراء فليس العتق حقا لهم فلا يجوز دفع بدله إليهم، وإن دفعها إلى عبد نفسه لم يملكها، وإن دفع إلى عبد غيره فقد ملكها لمولاه وهو حر، فلذلك لا يجوز القيمة.
٥٤٢٤ - فإن قيل: فجوزوا دفعها إلى المكاتبين ليصلوا به إلى العتق.
٥٤٢٥ - قلنا: العتق ليس بحق للمكاتب وعتقه في الكفارة لا يجوز.
٥٤٢٦ - قالوا: الزكاة تعلقت بجنس مخصوص [فالواجب فيها جنس مخصوص] كالأضاحي.
٥٤٢٧ - قلنا: الديات تعلقت في الأصل بجنس مخصوص، ويجوز أخذ القيمة فيها وكذلك الجزية. ولأن المقصود من الأضحية إراقة الدم، وذلك معنى لا يتقوم، وإنما يمكن تقويم اللحم، وهو بعض المقصود، ولهذا لو أخرج اللحم لم يجز.
٥٤٢٨ - قالوا: الموجب فيه وهو النصاب، لا تقوم قيمته مقامه، فكذلك الواجب لا يقوم قيمته مقامه.
٥٤٢٩ - قلنا: النصاب إن كان من الحيوان فشرطه السوم، وقيمته لا يوجد فيها هذا الشرط، وإن كان من الأثمان فثمنه، [و] إن كان من الأموال النامية فقد شغلها الوجوب، ولا يقوم مقام واجب آخر، وإن كان ما ليس بنامي، كدور السكني والعوامل؛ فمن شرط الزكاة أن تتعلق بمال يطلب النماء من عينه، فإذا لم يوجد هذا في البدل؛ لم يقم مقام النصاب.
***
стр. 1178
مسألة ٣٢٢
في الخيل السائمة إذا كانت ذكورا وإناثا الزكاة
٥٤٣٠ - قال أبو حنيفة: في الخيل السائمة إذا كانت ذكورا وإناثا الزكاة، وفي الإناث المنفردة روايتان، ذكرهما الطحاوي، وفي الذكور المنفردة: ذكر محمد في الآثار تجب فيها الزكاة.
٥٤٣١ - وقال أبو يوسف ومحمد الشافعي: لا زكاة فيها.
٥٤٣٢ - لنا: ما روى مالك عن زيد بن أسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الخيل ثلاثة: لرجل تسر ولرجل أجر وعلى رجل وزر)، وذكر حديثا طويلا قال فيه: ورجل اتخذها تعففا ولم ينس حق الله في ظهورها/ ولا رقابها.
стр. 1179
٥٤٣٣ - وهذا يدل على وجوب حق تعلق برقابها، فلا يحمل على الجهاد؛ لأنه حق في الظهور. ولأنه ذكره في القسم الآخر فلا يحمل على حمل المنقطع؛ لأنه حق في الظهور. ولأنه فرق في الخبر بين الخيل والحمير فما تقول: في الحمير؟
٥٤٣٤ - قال: ما أنزل على فيها إلا هذه الآية الجامعة: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾.
٥٤٣٥ - فدل أن الحق الذي علقه برقابها يختلف فيه الخيل والحمير، وما ذلك الحق إلا زكاة العين، ويدل عليه: ما روى عكرمة عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب ﵁: قال رسول الله ﷺ : (إني ممسك بحجزكم عن النار، وتغلبوني فتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، ويوشك أن أرسل حجزكم، فأنا فرط لكم إذن على الحوض، فتردون علي معا وأشتاتا فأعرفكم بأسمائكم وسيماكم كما يعرف الرجل الغربية من الإبل في إبله، فيذهب بكم ذات الشمال وأنا منشد رب العالمين فأقول: أي رب رهطي أي رب أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، كانوا يمشون بعدك القهقري، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء، فينادى: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرا له رغاء ينادى: يا محمد يا محمد، فأقول:
стр. 1180
لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة [يحمل فرسا له حمحمة ينادى: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يوم القيامة] يحمل سلخا من آدم ينادى: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أغني عنك من الله شيئا، ألا قد بلغت).
٥٤٣٦ - وهذا يدل على وجوب الزكاة في هذه الأنواع.
٥٤٣٧ - فإن قيل: يجوز أن يكون علة في سبيل الله، أو ترك الجهاد عليه.
٥٤٣٨ - قلنا: لما ذكره مع أنواع تتعلق الزكاة بها دل على أنه أراد الزكاة، فأما العلول فلا يختص بهذه الأنواع، وأما الجهاد: فإنه يذم إذا ترك الجهاد بنفسه أكثر ما يذم إذا تركه بفرسه فلو كان لأجل الجهاد لم يخص الوعيد بالفرس. ويدل عليه: حديث جعفر عن أبيه عن جابر أن النبي ﷺ قال: (في كل فرس سائمة دينار، وليس في الرابطة شيء).
٥٤٣٩ - فإن قيل: رواه غورك السعدي وهو ضعيف، ولهذا رواه أبو يوسف عنه ولم يأخذ به.
٥٤٤٠ - قلنا: غورك مولي جعفر بن محمد، وقول أصحاب الحديث: ضعيف لا يقبل مطلقا حتى يبينوا جهة الضعف، وليس من شرط قبول الخبر عمل الراوي.
стр. 1181
[به]؛ لأنه يجوز أن يكون رجح غيره عليه فعدل عنه لما عارضه لا لضعفه، ويدل عليه: ما روى (أن أهل الشام قالوا لأبي عبيدة ﵁: إنا أصبنا أموالا خيلا وعبيدا فخذ زكاتها، فكتب إلى عمر فقال: كيف آخذ ما لم يأخذه صاحباي؟ ثم استشار الصحابة.
٥٤٤١ - فقالوا: حسن، وعلي ساكت، فسأله فقال: لا بأس به ما لم يصر جزية راتبة يؤخذون بها بعدك، فكتب عمر ﵁ إلى أبي عبيدة وأمره أن يخيرهم، فإن شاءوا أعطوا من كل فرس عشرة دراهم، وإن شاءوا قوموها، وخذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم). وروى ابن شهاب (أن عثمان ﵁ كل يصدق الخيل) ولا يحمل ذلك على النافلة؛ لأنها لا تتقدر ولا يستشار فيها.
٥٤٤٢ - ولا يقال: لو كانت واجبة لم يستشر فيها؛ لأنه علم وجوبها وشك في أن الإمام يأخذها أولا. وقوله: (كيف آخذ ما لم يأخذ [هـ] صاحباي) لا ينفي الوجوب؛ لأن ترك الأخذ لا ينفي الوجوب، كالكفارات. ويجوز أن يكون النبي ﷺ لم يطالب بها لعلتها. وقول علي ﵁ لا ينفي الوجوب، وإنما اعتقد أن المطالبة بها لا يجوز.
стр. 1182
٥٤٤٢ - ولا يقال: إن عمر ﵁ عوضهم عما أخذ؛ لأنه أرزق لكل فرس عشرة أجربة شعيرا وأخذ منه [عشرة] دراهم، قال أبو إسحاق: أعطاهم أكثر مما أخذ منهم. ولأن الإمام لا يجوز له أن يأخذ صدقة النفل ويعوض عنه من بيت المال، وإنما أرزقهم كما يرزق ذراري المسلمين، ويكفي مؤنة خيلهم وعبيدهم.
٥٤٤٤ - فإن قيل: روي أنه كتب إلى أبي عبيدة (إن أحبوا فخذها منهم وارددها عليهم).
٥٤٤٥ - قلنا: هذا رواه مالك، وقال: ومعنا: (وارددها على فقرائهم). ولأنه حيوان يطلب النماء بسومه في العادة فلم يحل جنسه من زكاة الغير، كالإبل. ولا يلزم عليه الحمير؛ لأنها لا تسام في مواضع السوم غالبا. ولا يلزم النحل؛ لأن هذا لا يسمى سوما.
٥٤٤٦ - ولو قيل: نحل سائمة لقيل: ذباب سائمة، وإنما يقال ذلك: فيما يثبت عليه اليد فتعلف تارة وتسام أخرى.
٥٤٤٧ - فإن قيل: المعنى في الإبل: أنها تجزى في الأضحية. قلنا: قد تتعلق الزكاة بما لا مدخل له في الأضحية، كالأثمان والزروع، والثمار عندهم والمعيبة على الأصلين، وقد يجزى في الأضحية ما لا يتعلق به الزكاة، كالمعلوف والعامل. ولأنه حيوان طاهر السؤر يركب في العادة، كالإبل. ولأنه يجوز المسابقة عليه؛ فجاز أن تتعلق زكاة السوم بجنسه، كالسوم. ولأن السوم يثبت لإيجاب الزكاة؛ فجاز أن يكون له تأثير في إيجاب الزكاة في الخيل، كالتجارة.
стр. 1183
٥٤٤٨ - احتجوا: بحديث عراك بن مالك عن أبي هريرة ﵁ (أن النبي ﷺ قال: ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة).
٥٤٤٩ - والجواب: إن هذا الخبر رواه مالك مسندا، ورواه سفيان بن عيينة موقوفا على أبي هريرة، وهذه طريقة يضعف بها أصحاب الحديث الخبر. ولأنه ﵊ نفي الصدقة فيها، وصدقة الخيل لا تتعلق بأعيانها، وإنما المالك يتخير في تعينها في العين أو في قيمتها.
٥٤٥٠ - احتجوا: بحديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق إلا أن في الرقيق صدقة الفطر).
٥٤٥١ - والجواب: أن النبي ﷺ يعفو عن حقوق نفسه، ولا يصح أن يعفو عن حقوق المسلمين للمطالبة والأخذ، وترك المطالبة لا ينفي الوجوب. ولأن المراد بهذا: خيل الركوب، بدلالة أنه قرنه بالعبد، والمراد به: عبد الخدمة، يبين.
стр. 1184
ذلك ما روى أن زيد بن ثابت سئل عن صدقة الخيل في مجلس مروان؛ فبادر أبو هريرة ﵁ فروى الخبر فقال زيد: (ما قاله النبي ﷺ فهو حق إلا أنه أراد فرس الغازي، فقيل له: يا أبا سعيد، كم صدقتها، قال: شاتان أو عشرة دراهم (، وتقدير الواجب لا يعلم إلا بالتوقيف.
٥٤٥٢ - احتجوا: بقوله ﵊: (ليس في الجبهة، ولا في الكسعة، ولا في النخة، صدقة)، قال أبو عبيدة: الجبهة الخيل.
٥٤٥٣ - والجواب: أنه نفي الوجوب فيها، فالوجوب عندنا غير متعلق بأعيانها إلا أن يعينه المالك. ولأن هذه الأخبار نافية، وأخبارنا مثبتة، فهي أولى.
٥٤٥٤ - ولا يقال: أخبارنا متأخرة، ويبان لما استقر الشرع عليه؛ لأن قوله: (عفوت) يقتضي إسقاط شيء كان، وذلك لأن أحدا لم يقل: صدقة الخيل كانت ثم نسخت، فلم يجز التأويل بما يخالف. وقد ذكروا في حديث أبي هريرة ليس في الخيل والرقيق زكاة.
٥٤٥٥ - والجواب عنه ما ذكرنا [هـ].
٥٤٥٦ - قالوا: جنس حيوان لا تجب الزكاة في ذكوره وإناثه كالحمير.
٥٤٥٧ - والجواب: أن الوصف غير مسلم؛ لأن الذكور فيها الزكاة، ذكر ذلك محمد في الآثار، وإن قلنا بالرواية الأخرى فالذكور المنفردة لا يوجد فيها نماء مقصود؛ لأن النسل لا يوجد واللحم غير مقصود؛ لأنه مختلف، والإناث فيها النماء، فالزكاة تجب
стр. 1185
بوجود النماء وتسقط بعدمه، وقد تكلف بعضهم فقال: في الذكور نماء مقصود وهو شعورها، وهذا بعيد؛ لأن ذلك يوجد منها بعد الموت وهذا لا يعد نماء. والمعني في الحمير: لأنها محرمة الأكل، والخيل حيوان غير محرم الأكل يسام في العادة.
٥٤٥٨ - قالوا: حيوان لا يجوز أن يضحي بجنسه فلا يجب زكاة السوم منه، كالحمير والبغال.
٥٤٥٩ - والجواب: أن الزكاة أوسع من الأضحية، بدلالة وجوبها في المعيب والصغير عندهم، ولا يجوز الأضحية بهما. ولأن الأضحية تراد للحم، والخيل مختلف في لحمها فلم يتعلق بها، والزكاة تجب بالنماء، ونماء الخيل أضعاف نماء البقر.
٥٤٦٠ - قالوا: حيوان يسهم له كالآدمي.
٥٤٦١ - قلنا: نقلب فنقول: فجاز أن يجب على مالكه زكاة عن رقبته، كالعبد.
٥٤٦٢ - قالوا: ذو حافر، كالبغل.
٥٤٦٣ - قلنا: مخالفة الفرض للنعم/ بالحافر لا يدل على اختلافهما في الزكاة، ألا ترى: أن النعم مختلفة، فيها ذات الخف وذوات الظلف وقد تساوت في وجوب الزكاة مع اختلافها وتساويها في الوحوش في الظلف والخف ولا زكاة فيها، فدل على بطلان هذه الشبهة.
٥٤٦٤ - قالوا: لو وجبت الزكاة فيها لتعلقت بأعيانها.
٦٤٦٥ - قلنا: العبيد تجب عليهم الفطرة ولا تتعلق بأعيانهم.
٥٤٦٦ - قالوا: الزكاة لا تجب إلا بطلب الذر والنسل، والخيل لا ذر لها.
٥٤٦٧ - قلنا: هذا غلط؛ لأن الخيل لها لبن مقصود، يشرب وينتفع به، وهو في مواضع السوم، كلبن الإبل والغنم وأيسر عندهم.
стр. 1186
مسألة ٣٣٣
لا زكاة في المهر قبل القبض وكذلك المبيع لا ينعقد
عليه الحول فيه قبل القبض وكذلك الدية على العاقلة
٥٤٦٨ - قال أبو حنيفة: لا زكاة في المهر قبل القبض وكذلك المبيع لا ينعقد عليه الحول فيه قبل القبض، وكذلك الدية العاقلة.
٥٤٦٩ - وقال الشافعي: لا يعتبر القبض في انعقاد الحول، واختلف أصحابه في الدية على العاقلة.
٥٤٧٠ - لنا: أن المهر بدل عما لا يجب فيه الزكاة فلم يجب فيه الزكاة قبل القبض كالخيل.
٥٤٧١ - فإن قيل: المهر بعد القبض بدل عما ليس بمال ويجب فيه الزكاة.
٥٤٧٢ - قلنا: بعد القبض يسقط حكم الملك الأول، بدلالة أن الهبة المقبوضة تجب فيها الزكاة وليست بدلا عن شيء. ولأنها حالة لو هلكت السائمة هلكت على ملك غيرها فلم ينعقد حولها فيه، كالمبيع إذا كان الخيار للبائع. ولأن الدية على العاقلة ليست بدين صحيح بدلالة أنه يسقط بالموت، فصار كمال الكتابة.
٥٤٧٣ - [فإن قيل: المعني أنه لا يستحق قبضه، وللمكاتب إسقاطه عن نفسه].
٥٤٧٤ - قلنا: لم نسلم؛ لأن عندنا يجبر المكاتب على دفع مال الكتابة، ولا يملك إسقاطه عن نفسه إلا بإسقاط الحاكم. ولأن المبيع في يد البائع لم يكمل المشترى فيها، بدلالة امتناع تصرفه، ونقصان المالك يمنع وجوب الزكاة؛ كمال الكتابة فإنه
стр. 1187
مال ملكته واستحقت قبضه، فوجب أن لا يشترط في عقد الحول قبضه. أصله: إذا ملك بالشراء أو بالميراث.
٥٤٧٥ - قالوا: وفيه احتراز عن مال الكتابة لأن قبضه غير مستحق.
٥٤٧٦ - والجواب: المملوك بالشراء مثل مسألتنا، فأما المملوك بالميراث فقد تقدم ملك الوارث فيه، بدلالة أنه إذا كان عينا فهو في حكم يده؛ لأن يد من هو في يده يد الوارث، ولأنه لا يملك على ملك غيره، والمهر بخلاف ذلك.
٥٤٧٧ - قالوا: إذا كان المهر في نفسه مالا؛ فالزكاة تجب فيه، فلا معني لقولكم: إن بدله ليس بمال.
٥٤٧٨ - قلنا: حكم الزكاة يؤثر فيه أحكام البدل، ألا ترى أن بدل مال التجارة للتجارة من غير نية؛ وبدل عبيد الخدمة لا يكون للتجارة وإنما المؤثر فيه بدله.
***
стр. 1188
مسألة ٣٣٤
الشعر واجب في قليل ما أخرجت الأرض وكثيره
٥٤٧٩ - قال أبو حنيفة: العشر واجب في قليل ما أخرجت الأرض وكثيره، وهو قول مجاهد والنخعي، حكاه عنه حماد والحكم.
٥٤٨٠ - وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجب الحق في أقل من خمسة أوسق.
٥٤٨١ - وبه قال الشافعي.
стр. 1189
٥٤٨٢ - لنا: قوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ وقوله تعالى: ﴿وءاتوا حقه يوم حصاده﴾. وقال ﵊: (فيما سقت السماء العشر)، وهو عام في القليل والكثير رواه على ومعاذ، ومجاهد وأبو هريرة وابن عمر وبشير بن سعد وأنس ﵄. ولأن النصاب سبب في وجوب الزكاة، فلم يشترط فيه العشر، كالحول.
٥٤٨٣ - ولا يقال: إن الحول يعتبر [لتكامل النماء والنصاب يعتبر] ليبلغ المال قدرا يحتمل المواساة، والخارج كله نماء، وذلك لأن النصاب اعتبر فيما يعتبر الواجب فيه ليبلغ المال حدا يحتمل ذلك التقدير والواجب في مسألتنا غير مقدر،
стр. 1190
فاحتمل القليل والكثير. ولأن حق الله تعالى متعلق بغير المال لا يعتبر فيه الحول، فلا يعتبر فيه نصاب، كخمس الغنائم وحق المعدن. ولأنه حق لله تعالى كغير المال لا يؤثر فيه الصغر والجنون، فلم يعتبر فيه النصاب كما ذكرناه.
٥٤٨٤ - قالوا: ينتقض بصدقة الفطر، فإن النصاب عندكم معتبر، وهو العبد الكامل ولا يعتبر الحول.
٥٤٨٥ - قلنا: الفطرة لا تتعلق بغير المال والنصاب غير معتبر فيها، وإنما يعتبر كمال ولايته على المخرج عنه، فإذا ملك بعض عبد لم تكمل ولايته.
٥٤٨٦ - قالوا: المعني في الخمس: أنه لا يتعلق بمال مخصوص، فلم يتعلق بقدر مخصوص. ولما كان العشر يتعلق بمال مخصوص تعلق بقدر مخصوص.
٥٤٨٧ - [قلنا: علة الأصل تبطل بالقطع في السرقة؛ فإنه لا يتعلق عندهم بمال مخصوص ويتعلق بقدر مخصوص]. ولأنه خارج من أرض عشرية، كالخمسة الأوسق أو نماء خارج من أرض العشر، كالكثير. ولأنه أحد حقي الأرض، فلم يعتبر في وجوبه نصاب، كالخراج. ولأنه حق هو مال لا يعتبر له عفو في الباقي، فلا يعتبر له عفو في الابتداء، كالخمس. ولأن ما تعلق به وجوب العشر لم يتقدمه عفو؛ أصله: الكثير.
٥٤٨٨ - فإن قيل: العفو بعد النصاب يعتبر في الحيوان، حتى لا يؤدى إلى ضرر الشركة بإيجاب الكثير عندنا في البقر وعندهم في الفائدة، ولو صح ما قالوا لوجب في ثلاثين من الإبل بنت مخاض وشاة؛ لأن ذلك لا يؤدى إلى الكثير.
стр. 1191
٥٤٨٩ - احتجوا: بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة).
٥٤٩٠ - والجواب: أن النبي ﷺ نفي وجوب الصدقة عن القليل، وحق الزرع [له] اسم يخصه في الإطلاق، وهو العشر، فوجب حمل الخبر على ما يسمي صدقة على الإطلاق، وهو زكاة التجارة؛ لأن ابن عمر قال: (كنا نتبايع بالبقيع بالأوسق) فيجوز أن يكون ثمنا.
٥٤٩١ - ولأن ما دونها ما يبلغ مائتين في العادة، فنفي عنه زكاة التجارة، يبين ذلك أنه قال: (ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة)، كما قال: (ليس فيما دون خمس ذود صدقة).
٥٤٩٢ - وقد قيل أن ذلك محمود على حقوق كانت في بدء الإسلام، نسخت بالعشر، وكانت تجب في كثير المال دون قليله. روي (أن من كثر نخله كانت عليه صدقة يأتي بعذق ويعلقه في باب المسجد تأكله المارة).
стр. 1192
٥٤٩٣ - وقد قيل: معناه: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة يطالب بها الإمام، وقد فسر ذلك في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال: (لا تؤخذ الصدقة من الحرث حتى يبلغ حصاده خمسة أوسق) فيجوز [أن يكون] وكل القليل إلى أرباب الأموال وأثبت حق الساعي في الكثير، كما روى أنه ﵊ قال: (إذا أخرصتم فدعوا له الثلث)، ومعلوم أنه لا يسقط الواجب عنه، فعلم أنه وكل صدقته إلى أربابه.
٥٤٩٤ - فإن قيل: نفي عن القليل ما أثبته في الخمسة الأوسق.
٥٤٩٥ - قلنا: كذلك نقول في التأويلات الثلاثة.
٥٤٩٦ - قالوا: الدليل على أن العشر زكاة، حديث عتاب بين أسيد، (أن النبي ﷺ أمر في الكرم أن يخرص، كما يخرص النخل، فتؤدى زكاته زبيبا).
٥٤٩٧ - قالوا: روي عن أبي موسى ومعاذ بن جبل ﵄ حين بعثهما النبي ﷺ إلى اليمن فأمرهما أن يعلما الناس أمر دينهم وقال: (لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر) وعن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى
стр. 1193
﴿وءاتوا حقه يوم حصاده﴾ الزكاة المفروضة يوم تكال.
٥٤٩٨ - والجواب: أنه لا معني للتشاغل بهذا؛ لأنا لا نمنع أن تسمي زكاة وصدقه، وإنما منعنا إطلاق الاسم. وليس في التسمية ما يدفع قولنا، على أن معولهم في هذا على حديث عتاب بن أسيد، وهو مرسل، رواه سعيد بن المسيب عن عتاب ولم يلقه، ولم يروه عن الزهري أحد من أثبات أصحابه، مثال مالك، وابن عيينة، وقد ذكر بعضهم سعيد بن المسيب عن المسور بن مخرمة عن عتاب، وليس بالقوي.
٥٤٩٩ - فإن قيل: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) نفي، فيتناول المطلق والمقيد.
٥٥٠٠ - قلنا: نحن نعلم أنه لم يرد نفي جميع الصدقات على عمومها، بدلالة أن زكاة التجارة تجب فيما دون خمسة أوسق، وإنما المراد به: صدقة واحدة، فكيف يدعي في جميع الصدقات؟.
٥٥٠١ - وجواب آخر: وهو أن قوله: (فيما سقت السماء العشر) عموم متفق على استعماله وقوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) خصوص مختلف في استعماله، فكان المتفق على استعماله أولى؛ ولأن كلاهما خبر واحد، واستعمال الآية ترجيح يقترن بأحدهما فتقدم به على الأخرى، وقد تعاطى بعضهم القدح في هذا فقال: قد ناقضتم هذه الطريقة؛ لأنكم حرمتم أكل الطافي بحديث جابر، وهو مختلف في استعماله وقضيتم به على عموم قوله/ ﷺ : (أحلت لنا ميتتان ودمان) وهو متفق على استعماله، وهذا غلط؛ لأن قوله ﷺ : (أحلت لنا
стр. 1194
ميتتان) ليس بعموم ولا يفيد ظاهره أكثر من ميتتين. وقوله: ﷺ (السمك والجراد) تفسير لنكرة، فاللام للعهد لا للجنس، فكيف يكون هذا وزان ما ذكرنا؟. وأما قوله ﷺ : (فيما سقت السماء العشر)، فهو عموم؛ لأن تقديره في الذي سقته السماء.
٥٥٠٢ - فإن قيل: في خبرنا أيضا ما اتفق على استعماله، وهو قوله: (والوسق ستون صاعا).
٥٥٠٣ - قلنا: هذا ليس بثابت بالخبر وإنما هو معلوم بالعادة، ثم هذا القائل، كمن أراد القدح في العموم فأورد لفظا عاما عدل مخالفه عن عمومه [فلا يكون ذلك قدحا في الأصل.
٥٥٠٤ - وقد قالوا: إن خبر الأوسق أولى؛ لأنه خاص فيقضي به على العموم، فهل يحسن أن يقول لهم: قد ناقضتم؛ لأن النبي ﷺ (نهي عن بيع ما لم يقبض) ونهي عن بيع الطعام قبل القبض]؛ فلم يقضوا بالخصوص على العموم.
٥٥٠٥ - ولو قلنا هذا، قيل لنا: هذا مناقضة، لأجل ذلك نحن أيضا نقول.
стр. 1195
٥٥٠٦ - قالوا: روى الزخري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ كتب في الكتاب الذي سلمه إليه وبعثه إلى اليمن: (فيما سقت السماء العشر، وما سقي بناضح أو غرب ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة).
٥٥٠٧ - والجواب: أن قوله: ﷺ (فيما سقت السماء العشر) قد نقل من الجهات التي قدمناها، فلو كان معه دليل التخصيص لم يظن بالصحابة أنهم ينقلون اللفظ العام ويتركون فعل المخصص، ولو ثبت حملناه على ما يأخذه المصدق ويترك ما دونه على اختيار أرباب الأول.
٥٥٠٨ - قالوا: روى عن جابر وابن عمر ﵁: (لا زكاة في زرع ولا نخل حتى يبلغ خمسة أوسق).
٥٥٠٩ - قلنا: قد روي في كتاب عمر ﵁ (فيما سقت السماء العشر)، وهذا كتاب كتبه إلى عماله، ولم يبين في الأوسق. وروي عن علي ﵁ (فيما سقت السماء العشر)، وهو عام.
٥٥١٠ - قالوا: حق يجب في مال ينصرف إلى الأصناف الثمانية، فوجب أن يعتبر فيه النصاب، كالماشية.
следующие страницы →