Полный текст (6 324 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
٥٤٨٩ - احتجوا: بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة).
٥٤٩٠ - والجواب: أن النبي ﷺ نفي وجوب الصدقة عن القليل، وحق الزرع [له] اسم يخصه في الإطلاق، وهو العشر، فوجب حمل الخبر على ما يسمي صدقة على الإطلاق، وهو زكاة التجارة؛ لأن ابن عمر قال: (كنا نتبايع بالبقيع بالأوسق) فيجوز أن يكون ثمنا.
٥٤٩١ - ولأن ما دونها ما يبلغ مائتين في العادة، فنفي عنه زكاة التجارة، يبين ذلك أنه قال: (ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة)، كما قال: (ليس فيما دون خمس ذود صدقة).
٥٤٩٢ - وقد قيل أن ذلك محمود على حقوق كانت في بدء الإسلام، نسخت بالعشر، وكانت تجب في كثير المال دون قليله. روي (أن من كثر نخله كانت عليه صدقة يأتي بعذق ويعلقه في باب المسجد تأكله المارة).
стр. 1192
٥٤٩٣ - وقد قيل: معناه: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة يطالب بها الإمام، وقد فسر ذلك في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال: (لا تؤخذ الصدقة من الحرث حتى يبلغ حصاده خمسة أوسق) فيجوز [أن يكون] وكل القليل إلى أرباب الأموال وأثبت حق الساعي في الكثير، كما روى أنه ﵊ قال: (إذا أخرصتم فدعوا له الثلث)، ومعلوم أنه لا يسقط الواجب عنه، فعلم أنه وكل صدقته إلى أربابه.
٥٤٩٤ - فإن قيل: نفي عن القليل ما أثبته في الخمسة الأوسق.
٥٤٩٥ - قلنا: كذلك نقول في التأويلات الثلاثة.
٥٤٩٦ - قالوا: الدليل على أن العشر زكاة، حديث عتاب بين أسيد، (أن النبي ﷺ أمر في الكرم أن يخرص، كما يخرص النخل، فتؤدى زكاته زبيبا).
٥٤٩٧ - قالوا: روي عن أبي موسى ومعاذ بن جبل ﵄ حين بعثهما النبي ﷺ إلى اليمن فأمرهما أن يعلما الناس أمر دينهم وقال: (لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر) وعن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى
стр. 1193
﴿وءاتوا حقه يوم حصاده﴾ الزكاة المفروضة يوم تكال.
٥٤٩٨ - والجواب: أنه لا معني للتشاغل بهذا؛ لأنا لا نمنع أن تسمي زكاة وصدقه، وإنما منعنا إطلاق الاسم. وليس في التسمية ما يدفع قولنا، على أن معولهم في هذا على حديث عتاب بن أسيد، وهو مرسل، رواه سعيد بن المسيب عن عتاب ولم يلقه، ولم يروه عن الزهري أحد من أثبات أصحابه، مثال مالك، وابن عيينة، وقد ذكر بعضهم سعيد بن المسيب عن المسور بن مخرمة عن عتاب، وليس بالقوي.
٥٤٩٩ - فإن قيل: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) نفي، فيتناول المطلق والمقيد.
٥٥٠٠ - قلنا: نحن نعلم أنه لم يرد نفي جميع الصدقات على عمومها، بدلالة أن زكاة التجارة تجب فيما دون خمسة أوسق، وإنما المراد به: صدقة واحدة، فكيف يدعي في جميع الصدقات؟.
٥٥٠١ - وجواب آخر: وهو أن قوله: (فيما سقت السماء العشر) عموم متفق على استعماله وقوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) خصوص مختلف في استعماله، فكان المتفق على استعماله أولى؛ ولأن كلاهما خبر واحد، واستعمال الآية ترجيح يقترن بأحدهما فتقدم به على الأخرى، وقد تعاطى بعضهم القدح في هذا فقال: قد ناقضتم هذه الطريقة؛ لأنكم حرمتم أكل الطافي بحديث جابر، وهو مختلف في استعماله وقضيتم به على عموم قوله/ ﷺ : (أحلت لنا ميتتان ودمان) وهو متفق على استعماله، وهذا غلط؛ لأن قوله ﷺ : (أحلت لنا
стр. 1194
ميتتان) ليس بعموم ولا يفيد ظاهره أكثر من ميتتين. وقوله: ﷺ (السمك والجراد) تفسير لنكرة، فاللام للعهد لا للجنس، فكيف يكون هذا وزان ما ذكرنا؟. وأما قوله ﷺ : (فيما سقت السماء العشر)، فهو عموم؛ لأن تقديره في الذي سقته السماء.
٥٥٠٢ - فإن قيل: في خبرنا أيضا ما اتفق على استعماله، وهو قوله: (والوسق ستون صاعا).
٥٥٠٣ - قلنا: هذا ليس بثابت بالخبر وإنما هو معلوم بالعادة، ثم هذا القائل، كمن أراد القدح في العموم فأورد لفظا عاما عدل مخالفه عن عمومه [فلا يكون ذلك قدحا في الأصل.
٥٥٠٤ - وقد قالوا: إن خبر الأوسق أولى؛ لأنه خاص فيقضي به على العموم، فهل يحسن أن يقول لهم: قد ناقضتم؛ لأن النبي ﷺ (نهي عن بيع ما لم يقبض) ونهي عن بيع الطعام قبل القبض]؛ فلم يقضوا بالخصوص على العموم.
٥٥٠٥ - ولو قلنا هذا، قيل لنا: هذا مناقضة، لأجل ذلك نحن أيضا نقول.
стр. 1195
٥٥٠٦ - قالوا: روى الزخري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ كتب في الكتاب الذي سلمه إليه وبعثه إلى اليمن: (فيما سقت السماء العشر، وما سقي بناضح أو غرب ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة).
٥٥٠٧ - والجواب: أن قوله: ﷺ (فيما سقت السماء العشر) قد نقل من الجهات التي قدمناها، فلو كان معه دليل التخصيص لم يظن بالصحابة أنهم ينقلون اللفظ العام ويتركون فعل المخصص، ولو ثبت حملناه على ما يأخذه المصدق ويترك ما دونه على اختيار أرباب الأول.
٥٥٠٨ - قالوا: روى عن جابر وابن عمر ﵁: (لا زكاة في زرع ولا نخل حتى يبلغ خمسة أوسق).
٥٥٠٩ - قلنا: قد روي في كتاب عمر ﵁ (فيما سقت السماء العشر)، وهذا كتاب كتبه إلى عماله، ولم يبين في الأوسق. وروي عن علي ﵁ (فيما سقت السماء العشر)، وهو عام.
٥٥١٠ - قالوا: حق يجب في مال ينصرف إلى الأصناف الثمانية، فوجب أن يعتبر فيه النصاب، كالماشية.
стр. 1196
٥٥١١ - والجواب: إنكم إن أردتم أنه يجب صرفه إلى الأصناف الثمانية لم نسلم، وإن قلتم إن الأصناف جهة الصرف لم نسلم أيضا؛ لأن المؤلفة سقطوا فلم يبق إلا أن يكون جهته بعض الأصناف، وهذا يبطل بخمس من الغنيمة.
٥٥١٢ - فإن قالوا: الخمس لا يجب في المال ولكن يثبت مع ملك الغانمين مشتركا.
٥٥١٣ - قلنا: من أصحابنا من يقول في العشر مثله؛ ولأن المواشي اعتبر فيها الحول فاعتبر النصاب.
٥٥١٤ - وفي مسألتنا: حق هو مال لا يعتبر فيها الحول فلم يعتبر النصاب، أو نقول: إن المواشي لما جعل لها عفو بعد النصاب؛ جاز أن يجعل لها عفو في الابتداء ولما كان في مسألتنا زيادة الواجب لا يصير لها عفو، كذلك الواجب نفسه لا يعتبر له عفو.
٥٥١٥ - قالوا: جنس مال يجب فيه الزكاة، كالدراهم.
٥٥١٦ - قلنا: المعني في الدراهم: أن الحول يعتبر فيها؛ ولأن ما دون النصاب إنما يجب فيه الزكاة؛ لأن الدراهم تخلو من حق الله تعالى إذا كانت لذمي أو صغير أو مجنون والخارج لا يخلو من حق، فلو لم يجب العشر فيما دون الأوسق احتجنا إلى إيجاب حق آخر، كالخارج من أرض الذمي.
٥٥١٧ - قالوا: الزكاة تجب على طريق المواساة، فوجب أن يعتبر بلوغ المال قدرا يحتمل المواساة.
٥٥١٨ - قلنا: يبطل هذا بصدقة الفطر والكفارات على أصلهم، ثم الزكاة حق متكرر في المال، فلو لم يعتبر النصاب استغرقت بتكرارها المال، والعشر غير متكرر. أو نقول: الواجب من الزكاة مقدار مقدر، فاعتبر النصاب حتى يحتمل
стр. 1197
ذلك القدر في مسألتنا بخلافه.
٥٥١٩ - قالوا: حق لا يجب إلا في مال مخصوص فلم يتعلق إلا بقدر مخصوص كالزكاوات.
٥٥٢٠ - قلنا: خمس الركاز يتعلق بمال مخصوص [وهو مما يصح أن يدفن، ولا يعتبر فيه مقدار مخصوص، والسرقة لا تتعلق عندهم بمال مخصوص]، ويعتبر فيها قدر مخصوص.
٥٥٢١ - قالوا: قياسنا على الزكاة أولى من قياسكم على الخمس؛ لأنه من جنسها، بدلالة أنه يصرف إلى من يصرف إليه الزكاة ويجب على المسلمين من أموالهم كما تجب الزكاة، ويحرم على من يحرم عليه الزكاة من الأغنياء وذوى القربي والكفار. ويعتبر في أدائه النية، ويخير بين أن يخرجه من ذلك المال أو غيره ويختص بجنس دون جنس، وخمس الغنيمة مخالف في جميع ذلك؛ لأنه يخالفه في المصرف ولا يجب على المسلمين في أموالهم، وإنما ينتقل إليهم من المشركين. ولا يعتبر في أدائه فعل الغانمين ونياتهم، وليس لهم أن يخيروا في إخراجه أو من غيرها.
٥٥٢٢ - والجواب: أن الكفارات وصدقة الفطر قد وافقت الزكاة في هذه المعاني وفارقتها في النصاب، فأما العشر فقد فارق الزكاة في سقوط اعتبار الحول وفي تكرار العقوبة، وفي أنه لا يتكرر في المال بل يتعلق بالمال ثم لا يجب فيه بعد ذلك.
***
стр. 1198
مسألة ٣٢٥
يخرص التمر ويحزر الزرع ليعرف قدرهما
٥٥٢٣ - قال أصحابنا: يخرص التمر ويحزر الزرع ليعرف قدرهما ويترك في يد أرباب الأموال، فإن ادعوا نقصانا ينقص مثله في العادة قبل قولهم، وإن ادعوا نقصانا كثيرا لم يقبل قولهم.
٥٥٢٤ - وقال الشافعي: يخرص النخل والكرم ويخير المالك، فإن شاء أمسكه أمانة ولم يجز له الانتفاع بشيء منه، وإن شاء أمسكه مضمونا، وحل تصرفه فيه ويضمن للمساكين عشره تمرا فكان يتفق في الخرص ويختلف في الفرض به.
٥٥٢٥ - والدليل على أنه لا يجوز تمليكه لرب المال بخرصه أنه تمليك رطب بتمر حزرا فلا يجوز كغير الزكاة؛ ولأن حق المساكين كحق أحد الشريكين
стр. 1199
[فإذا لم يجز لأحد الشريكين] أن يضمن شريكه الرطب بالتمر، كذلك حق الفقراء. ولأن تضمين مقدار العشر لرب المال لا يجوز بالحزر، أصله: عشر الزرع.
٥٥٢٦ - ولا يقال: إن الحنطة غير ظاهرة، فلا يكن حزرها؛ لأن إمكان الحزر في أحدهما كهو في الآخر، والإصابة في أحدهما كالإصابة في الآخر، والخطأ في أحدهما كالخطأ في الآخر.
٥٥٢٧ - احتجوا: بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بعض عبد الله بن رواحة ﵁ إلى خيبر خارصا، فخرص عليهم أربعين ألف وسق وخير اليهود، فقال: إن أردتم أخذته ورددت عليكم عشرين ألف وسق وإن أدرتم تأخذونه وتردوا علي عشرين ألف وسق. وروى الشافعي ﵁: (إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي).
٥٥٢٨ - والجواب: إن اليهود كانوا معاملين في خيبر فاستحقوا النصف بالعمل، وأحد الشريكين لا يملك نصيب شريكه بالإجماع، وإنما ادعى مخالفنا جواز ذلك في مقدار العشر، فلابد أن يحمل على وجه يصح مع الشريكين فعندنا صح؛ لأن حق الاسترقاق يتعلق برقابهم فالعقد معهم لا يثبت فيه ربا، أو نقول: روي أن الشعبي روى القصة، وذكر فيها: (إن شئتم كلتم لنا [كذا] ولكم
стр. 1200
سواقط الحطب وسواقط النخل [وإن شئتم كلنا لكم كذا، ولنا سواقط الحطب وسواقط النخل] وإذا اجتمع الرطب مع غيره فاقتسما الرطب وجعلا الحطب لأحد المتقاسمين جاز عندنا؛ ولأن قوله: (إن شئتم لي وإن شئتم لكم) يحتمل ما يقوله أبو حنيفة: إن الحزر لحفظ الثمرة وحتى لا يدعوا نقصا كثيرا إلا إنه أراد التمليك الذي يذكرونه.
٥٥٢٩ - وجواب آخر: وهو أنه قد روي الخرص على ما ذكروه. وروي النهي عن المزابنة، وعن بيع الثمر بالتمر إلا أصحاب العرايا. فروي ذلك عن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن ثابت، وجابر وابن عمر ﵁ فيحتمل أن يكون الخرص قبل هذا النهي. والذي
стр. 1201
يبين ذلك: ما روي عن السلف من كراهة الخرص. روي ذلك عن ابن سيرين والشعبي والنخعي. قال الشيباني: (حدثني النخعي بحديث الخرص، فعملت به في السواد، فنهاني عن ذلك)، فلولا أنه عرف نسخ ما فعله ابن رواحة لم ينه عن فعله.
٥٥٣٠ - وجواب آخر: وهو أن خرص عبد الله بن رواحة كان لا يختلف مع الكيل، وكان ذلك من معجزات النبي ﷺ . وقد روي (أنه خرص على اليهود أربعين ألف وسق فكالوه فوجوده كما قال: لا يزيد ولا ينقص)، وبمثل هذا الخرص يجوز التمليك عندنا.
٥٥٣١ - قالوا: ما بني على الرفق يجوز فيه من المسامحة ما لم يجز في غيره كالفرض، وجواز العقد على المنافع قبل أن تخلق، وفي الخرص رفق حتى يجوز تصرف رب المال وينتفع المساكين وأن لا يحتسب عليهم بالهالك.
٥٥٣٢ - قلنا: أما جواز/ التصرف؛ فيجوز عندنا قبل الخرص؛ لأن وجوب حق الله تعالى في المال لا يمنع البيع، وأما الأكل: فعندنا يأكل رب المال بالمعروف، ويطعم ولا يحسب عليه، وأما المساكين: فعند الشافعي إذا ادعى رب المال نقصا، قبل قوله فيه: كما نقول نحن قبل الفرض، فلا يكون للخرص فائدة حتى يترك لها حكم ثابت متفق عليه.
***
стр. 1202
مسألة ٣٢٦
يجب العشر في كل شيء يخرج من الأرض
٥٥٣٣ - قال أبو حنيفة: يجب العشر في كل شيء يخرج من الأرض مما تبتغي زراعته في الأرض.
٥٥٣٤ - وقال الشافعي في الجديد: لا يجب العشر في ثمرة إلا النخل والعنب وفي الحب الذي يزرع للاقتيات والادخار حال الاختيار.
٥٥٣٥ - لنا: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾، ولم يفصل. وقال الله تعالى: ﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابهه كلوا من ثمره إذا أثمر وءاتوا حقه يوم حصاده﴾ وهذا نص في وجوب الحق في جميع المذكور في الآية.
٥٥٣٦٠ فإن قيل: هذه الآية نزلت بمكة، والزكاة وجبت بالمدينة.
стр. 1203
٥٥٣٧ - قلنا: الآية المكية فيها الأمر بالصلاة والزكاة.
٥٥٣٨ - قالوا: الحصاد لا يكون إلا في الزرع. فأما النخل فالجذاذ والكرم: القطاف، والثمار: الجني.
٥٥٣٩ - قلنا: الحصاد القطع، بدلالة قوله تعالى: ﴿منها قائم وحصيد﴾ وقال تعالي: [﴿فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس﴾] فاسم القطع عام وإن تخصص كل نوع باسم، فلما أراد الله تعالى الجميع ذكر الاسم الذي يعم الجميع.
٥٥٤٠ - قالوا: لو كنى عن الجميع لكنى بلفظ التأنيث.
٥٥٤١ - قلنا: الكناية ترجع أولا إلى أفراد المذكور، وهو الزيتون والرمان.
٥٥٤٢ - قالوا: ذكر الله [حقا] يخرج يوم الحصاد، والعشر يخرج يوم التصفية، فالآية محمولة على صدقة النفل.
٥٥٤٣ - قلنا: روي عن ابن عباس وجابر بن زيد، العشر ونصف العشر. ولأن إيجاب الحق يوم الحصاد، يدل على وجوب الحق فيما ينتفع به يوم حصاده، وهو الخضر. على أن الشافعي قال في (باب الوقت الذي تؤخذ فيه الصدقة مما أخرجت الأرض (: إذا بلغ ما أخرجت الأرض ما يكون فيه الزكاة أخذت صدقته
стр. 1204
ولم ينتظر بها [تمام] الحول؛ لأن الله تعالى قال: ﴿واءتوا حقه يوم حصاده﴾ ولم يجعل له وقتا إلا الحصاد. ويدل عليه قوله الصلاة والسلام: (فيمت سقت السماء العشر (.
٥٥٤٤ - فإن قيل: هذا بعض الخبر، وتمامه: حديث معاذ عن النبي ﷺ أنه قال: (يكون ذلك من التمر والحنطة والحبوب، فأما القثاء والبطيخ والرمان والخضر عفو، عنا عنها رسول الله ﷺ ).
٥٥٤٥ - قلنا: قد بينت أن حق العشر منقول من طرق كثيرة، فلو كانت هذه الزيادة فيه لم يجز أن ينقله الصحابة ويترك دلالة التخصيص، فعلم أنهما خبران. ولأن ما انتفي بزراعته نماء الأرض غالبا وجب فيه العشر، كالحنطة. ولأنه مقصود بالحرث والزرع، كالحنطة والشعير.
٥٥٤٦ - ولا يلزم الخطب والحشيش؛ لأنه لا يزرع للنماء وإنما ينبت في الأرض فيقلع منها، وكذلك القصب، فإن زرع القصب، فإن زرع القصب في موضع لطلب النماء وجب فيه العشر، وإنما أجاب أبو حنيفة في القصب على عادة أهل الكوفة، ولا يلزم عليه ورق التوت والسدر؛ لأن هذا النوع من الشجر يغرس للنماء والعشر واجب في ثمرته، والذي يلزمها بحكم العلة وجوب العشر لأجله، فأما أن يجب في كل شيء منه فلا، ألا ترى أن العشر لا يجب في ورق الكرم ولا خوص النخل، ولم يدل ذلك على سقوط العشر في ثمرتها.
стр. 1205
٥٥٤٧ - فإن قيل: المعنى في الحنطة إنها تقتات حال الاختيار، والخضر بخلافها.
٥٥٤٨ - قلنا: الدخن والماش والحمص لا يقتات حال الاختيار وفيه العشر والزبيب لا يقتات بنفسه كالتين وكل اقتيات يوجد في العنب ففي التين مثله، والعشر في أحدهما دون الآخر.
٥٥٤٩ - ولأن الحق الواجب بسبب الأرض حقان: أحدهما: في الخارج.
٥٥٥٠ - والآخر: لأجله، ثم إن كان الواجب لأجل الخارج يجب عن أرض الخضر كذلك الواجب في الخارج يتعلق بالخضر؛ ولأن الخضر آكد في وجوب الحق، لأن الخراج الواجب عن أرض الرطاب أكثر مما يجب عن أرض الحنطة، وإذا وجب العشر في الحنطة فوجوبه في الرطبة أولى.
٥٥٥١ - احتجوا: بحديث موسى بن طلحة، عن أبيه طلحة بن عبيد الله وعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: (ليس في الخضروات صدقة). وكذلك رواه ابن عباس عن علي.
٥٥٥٢ - وروى الأسود عن عائشة ﷺ أن النبي ﷺ قال: (ليس فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة). وروى موسى بن طلحة عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ -
стр. 1206
قال: (فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر، يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب، فأما القثاء والبطيخ والرمان، والخضرة فعفو عفا عنها رسول الله ﷺ ).
٥٥٥٣ - والجواب: أن مدار هذا الباب على موسى بن طلحة وقد قيل: إن مروان لما بعث إلى موسى بطلب صدقة أرضه فقال موسى: إن أرضنا أرض حضر ورطاب، وأن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن أخذ العشر من الحنطة والشعير والتمر والزبيب، فلو كان عنده غير أبيه لذكره، ولو كان عنده غير معاذ عن النبي ﷺ لم يخلد إلى فعل معاذ، ولأنه نفى العشر عن عين الخضروات؛ لأن المصدق إذا أخذ لم يسلم في يده حتى يدفعه إلى الإمام، وهذا يدل على نفي حق يؤخذ من قيمتها، كما قال ﵊: (ليس في أقل من خمس ذود صدقة) فنفى صدقة العين فيها ولم يدل ذلك على نفي زكاة تؤخذ من قيمتها إذا كانت للتجارة، فأما قول معاذ: (إن ذلك عفو عفا عنه رسول الله ﷺ ) فقد بينا أن رسول الله ﷺ يعفو عن حقه، وهو المطالبة، وسقوط المطالبة لا ينفي الوجوب، وقد روى مسروق وغيره عن معاذ أن النبي ﷺ أمره أن يأخذ مما سقته
стр. 1207
السماء العشر، ولم يذكره هذه الزيادة، يجوز أن يكون قول معاذ.
٥٥٥٤ - جواب آخر: وهو ما قدمنا: أن العشر اسم أخص به من الصدقة والزكاة، فيحمل الخبر على نفي الصدقة إذا أمر بها على العاشر. ولان خبرنا عموم متفق على استعماله فيقضي به على الخصوص المختلف في استعماله على ما قدمنا [هـ].
٥٥٥٥ - قالوا: روي عن عمر وعثمان وابن عمر ومعاذ وعائشة ﵄ مثل قولنا.
٥٥٥٦ - قلنا: روي عن ابن عباس (وجوب العشر في الزيتون) وهو بيوت حولكم. وروى أبو رجاء العطاردي قال: كان ابن عباس يأخذ منا صدقة أرضنا يأخذ من كل شيء حتى دستجه من كل عشر دساتج.
٥٥٥٧ - وقولهم: إن المرودي قال: طلبنا في دواوين البصرة فلم نجد لها ذكر كلام بعيد؛ لأنا ننقل لهم ما فعله ابن عباس بالبصرة فيدفع الرواية بأن ذلك لم يوجد في ديوان البصرة الآن، وقد جرى من التغيير أخذ الصحابة ما لا خفي به. وقد أخذ أبو بكر الصديق ﵁ العشر من الورس وليس بمقتات. وقد قال الحسن والزهري (إن الخضر لا يجب العشر في أعيانها وإنما يجب في أثمانها إذا
стр. 1208
بلغت مائتين (، فقد أوجبنا فيها العشر ورآياه في أثمانها.
٥٥٥٨ - قالوا: كل ما لا يقتات حال الاختيار لم يجب فيه العشر، كالحشيش.
٥٥٥٩ - قلنا: لا نسلم أن التين لا يقتات كما يقتات الزبيب والدخن، وما جرى مجراه لا يقتات حال الادخار والعشر فيه، والحشيش والحطب عكس علتنا، لأنه لا يقصد بالحرث والزرع؛ ولأن الغالب أن الحشيش لا ينبت على ملك مالك وإنما هو مباح وحقوق الله تعالى لا تتعلق إلا بما يحدث في الغالب على الملك، أو يحدث غير تافه، ولهذا العلة تعلقت الزكاة بالمواشي ولم تتعلق بالصيود.
٥٥٦٠ - قالوا: جنس مال لا يراعى فيه النصاب [فلم يجب فيه العشر، كالحطب.
٥٥٦١ - قلنا: حقوق الله تعالى المتعلقة بالأموال: منها: ما يعتبر له نصاب] ومنها: ما لا يعتبر في وجوبه نصاب، كخمس الغنيمة والركاز، فلم يستدل بسقوط اعتبار/ النصاب على عدم الوجوب؛ ولأن النصاب اعتبر للواجب المقدر في نفسه ليحتمل إيجابه، والواجب هاهنا غير مقدر، والمعنى في الحطب: ما بينا
٥٥٦٢ - [قالوا: نبت ينتفع به فلم يجب فيه العشر كالقصب الفارسي، والمعنى في الحطب ما بينا].
٥٥٦٣ - قلنا: كون منتفعا به يدل على تعلق الحق به؛ لأن حقوق الله تعالى تتعلق بما ينتفع به من الأموال ولأن القصب إن كان مما لا يقصد بالحرث والزرع فهو عكس علتنا، وإن كان يقصد فالحق يتعلق به. ولأن وجوب الصدقات في أنواع الأموال ليصل إلى من لا يملك منها فينتفع بها، وكل منتفع به لا يوحد مباحا
стр. 1209
تعلق به العشر ليصل إلى من لا يملك مثله.
٥٥٦٤ - قالوا: حق الله تعالى إذا تعلق بالمال اعتبر فيه بأعلى الأموال دون أدناها بدلالة الحيوان.
٥٥٦٥ - قلنا: قد علقناه بالأعلى ولم يعلق بالأدنى، وهو القصب والحطب. ولأن عند مخالفنا لا يوجب الحق في الزعفران وهو أعلى الجنس ويوجب في الدخن والرمان والتين أعلى منه؛ ولأن الزكاة تتعلق بالمال الذي [هو] أعظم نفعا، والخضر أعلم نفعا من الدخن والذرة.
٥٥٦٦ قالوا: لم ينقل أن النبي ﷺ أخذ منها شيئا.
٥٥٦٧ - قلنا: ولم ينقل إنه أخذ من الدخن والذرة، ولأنه يجوز أن يكون لم يأخذ منها لقلتها، فوكلها إلى أرباب الأموال.
***
стр. 1210
مسألة ٣٢٧
يجب في العسل إذا كان في أرض العشر، العشر
٥٥٦٨ - قال أصحابنا: يجب في العسل إذا كان في أرض العشر، العشر.
٥٥٦٩ - وقال الشافعي لا شيء فيه.
٥٥٧٠ - لنا: ما روى أسامة بن زيد عن عبد الله بن عمر ﵁ (أن النبي ﷺ أخذ من العسل العشر، من عشر قرب قربة). وعن أبي سيارة المتعي قال: قلت يا رسول الله إن لي نحلا، قال: أد العشر، قال: قلت: يا رسول الله احمها، فحماها). وروى عبد الله بن محرر قال:
стр. 1211
(سمعت الزهري يحدث عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ أمر أن يؤخذ من العسل العشر). وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عند جده (أن بني شبابة كانوا يؤدون إلى النبي ﷺ من نحل كان نحلهم العشر من كل عشر قرب قربة، وكان يحمي واديين لهم، فلما كان عمر بن الخطاب استعمل سفيان بن عبد الله الثقفي فأبوا أن يؤدوا إليه شيئا.
٥٥٧١ - وقالوا: إنما كنا نؤديه إلى رسول الله ﷺ فكتب سفيان إلى عمر فكتب إليه عمر إنما النحل ذبابة غيث يسوقه الله تعالى رزقا من يشاء، فإن أدوا إليك ما كانوا يؤدون إلى رسول الله ﷺ فاحم لهم واديهم. وإلا فخل بينه وبين الناس، فأدوا إليه ما كانوا يؤدون إلى النبي ﷺ وحمى لهم واديهم).
٥٥٧٢ - قالوا: إنما أخذ منهم عوضا عن الحماية.
٥٥٧٣ - قلنا: هذا لا يصح؛ لأن الإمام لا يحمي بعوض يأخذه، لأن الإمام لا يحمي بعوض يأخذه، وإنما يأخذ حقوق المسلمين ويحميهم. ويجوز أن يكون هذا النحل من الجبل غير مملوك فإذن لهم النبي ﷺ في الانفراد به، فصار كالمملوك فلزمهم عشره، فلما
стр. 1212
امتنعوا على عامل عمر ﵁ قال: إنه مباح الأصل فإن أحبوا القيام على الإقطاع أدوا العشر؛ وإلا عاد إلى حكم الإباحة فانتفع به من وصل إليه من الناس.
٥٥٤٧ - قالوا: روي عن سعد بن أبي ذباب (قال: قدمت على رسول الله ﷺ فأسلمت وقلت: يا رسول الله اجعل لقومي ما أسلموا عليه، قال: ففعل رسول الله ﷺ واستعملني عليهم، ثم استعملني أبو بكر ﵁ بعده، ثم استعملني عمر ﵁ بعده، فقال: فقدم على قومه فقال لهم: في العسل زكاة، فإنه لا خير في مال لا يزكى، قال: قالوا: كم ترى؟ قلت العشر [قال: فأخذ منهم العشر] فقدم به على عمر فأخبره بما فيه فأخذه عمر فجعله في صدقات المسلمين).
٥٥٧٥ - قالوا: فالنبي ﷺ لم يطالبهم به ولا أبو بكر ولا عمر ﵄.
٥٥٧٦ - قلنا: يجوز أن يكونوا لم يعلموا به، فلما علم به عمر أخذه منه.
٥٥٧٧ - قالوا: فقالوا له: (كم ترى؟)، فهذا يدل على أنه ليس بواجب.
٥٥٧٨ - قلنا: ذكر الطحاوي هذا الخبر بإسناده، وذكر فيه: أنه قال: (أتيت عمر فقلت: يا أمير المؤمنين ما ترى في العسل؟، قال: خذ منه العشر). وروى أيضا أنه طالبهم بزكاة العسل.
стр. 1213
٥٥٧٩ - قالوا: (وذكروا ذلك لعمر بن الخطاب، فقال: خذ منه عشره فقلت: أين أجعله؟، فقال: اجعله في بيت المال)، وهذا يدل على الوجوب ولأن العسل يتولد من نور الشجر فهو كالثمر.
٥٥٨٠ - قالوا: فنحل أرض الخراج قد يخرج إلى أرض العشر فترعى فيها.
٥٥٨١ - قلنا: المعتبر تولده وليس المعتبر أصله، كما أن المعتبر في الثمرة انعقادها دون الموضع الذي كانت النحلة منه.
٥٥٨٢ - قالوا: غير مقتات فلم تجب فيه الزكاة، كاللبن.
٥٥٨٣ - قلنا: الزبيب غير مقتات بنفسه، وإنما يتبع القوت، فهو كالعسل.
٥٥٨٤ - قالوا: كل ما لو كان في أرض الخراج لاعتبر فيه، كذلك في أرض العشر كالبيض والحشيش.
٥٥٨٥ - قلنا: أرض الخراج قد وجب على مالكها حق لأجل ثمارها، فلم يجتمع معه لأجلها خراج، وأرض العشر لم يجب في ذمته عما ينتفع به في ثمارها، فلذلك وجب الحق فيما يتكون منها.
***
стр. 1214
مسألة ٣٢٨
العشر واجب في زرع المكاتب
٥٥٨٦ - قال أصحابنا: العشر واجب في زرع المكاتب.
٥٥٨٧ - وقال الشافعي: لا عشر عليه.
٥٥٨٨ - لنا: قوله تعالى: ﴿وءاتوا حقه يوم حصاده﴾، وقوله ﵊: (فيما سقت السماء العشر)، ولأنه أحد حقي الأرض، كالخراج. ولأنه حق لا يمنع الصغر من تعلقه بالمال. ولا يمنع الرق من وجوبه كخمس الركاز والغنيمة. ولأنه أرض ينتفع بها في دار الإسلام فلا تخلو من حق الله تعالى كأرض الحر.
٥٥٨٩ - احتجوا: بما روى أبو الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: (ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق).
٥٥٩٠ - قلنا: قد بينا أن العشر لا يسمى زكاة على الإطلاق، وأن له اسما
стр. 1215
يختص به، فوجب أن يحمل هذا الهبر على الزكاة المطلقة ويوجب العشر بالخبر الآخر؛ لأنه عموم متفق على استعماله، وهذا خصوص مختلف في استعماله. وهذا خصوص مختلف في استعماله. ولأن هذا الخبر يرويه عن ابن جريح عبد الله بن بزيع ولا يعرف.
٥٥٩١ - قالوا: من لا يجب في ماله ربع العشر لا يجب فيما يخرجه أرضه العشر كالذمي.
٥٥٩٢ - قلنا: الذي وجب عليه حق لأجل تمكنه من الانتفاع بأرضه، فلذلك لم يجب في الخارج منها شيء وليس كذلك المكاتب؛ لأنه لم يجب عليه حق لأجل تمكنه من الانتفاع بهذه الأرض، فتعلق الحق بالخارج منها كالمسلم، ولهذا نقول: إن الذمي إذا وضع عليه خراج المقاسمة أخذ من زرعه العشر لما يجب عليه حق لأجل تمكنه م الانتفاع [بها]، ولأن الزكاة والفطرة حقوق قدرت بأنفسها، فاعتبر في وجوبها مالكها، والعشر حق يتقدر بما يؤخذ منه كخمس الغنيمة والركاز، وحق المعدن على أصلنا، فلا يختلف بالمكاتب وغيره.
***
стр. 1216
مسألة ٣٢٩
العشر والخراج لا يجتمعان
٥٥٩٣ - قال أصحابنا: العشر والخراج لا يجتمعان، ومنهم من قال: لا خلاف في الحقيقة؛ لأن الخراج عندنا أجرة أو ثمن، وعندكم الثمن والأجرة لا ينفيان العشر، وعندك: إن الخراج حق يتعلق بالأرض، وهذا عندنا لا يجتمع مع العشر والكلام في الخراج ما هو يجي في موضعه، لكن الخلاف يتصور في أرض السواد وعندنا لا عشر في الخارج منها.
٥٥٩٤ - وقال الشافعي: فيه العشر.
٥٥٩٥ - والدليل على ما قلنا: ما روى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم، عن علقمة عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (لا يجتمع عشر وخراج في أرض واحدة) وقد روى هذا موقوفا على ابن مسعود ﵁، وذلك لا يقدح فيه؛ لأن الراوي يروي ثم يفتي.
стр. 1217
٥٥٩٦ - فإن قيل: عندنا لا يجتمعان العشر والخراج في الأرض.
٥٥٩٧ - قلنا: النبي ﷺ ينفي الشيء الذي يصح به ثبوته، ألا ترى: أنه ﵊ إذا قال: (لا يجمع بين أختين) كان معناه: لا يجمع بينهما على الوجه الذي [يصح] ثبوت كل واحد منهما.
٥٥٨٩ - ولا يصح أن يقال: لا يجمع الرجال بين أمه وأجنبية؛ لأن إحديهما لا يصح على الانفراد. ومعلوم أن العشر لا يتعلق بنفس الأرض وإنما يتعلق بالخارج منها فكأنه ﵊ قال: (لا يجتمع عشر الخارج والخراج في أرض واحدة).
٥٥٩٩ - فإن قيل: نحمله على خراج وضع على أرض الكفار التي فتحت صلحا فيكون جزية فلا عشر معه، فإذا أسلموا سقط الخراج؛ لأنه جزية ووجب العشر/.
٥٦٠٠ - قلنا: هذا تخصيص بغير دليل، ويدل عليه: ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (منعت العراق قفيزها ودرهمها). ومعلوم أن من منع الخراج منع العشر، وقد ذمهم على منع الخراج، فلو كان العش واجبا بالعراق لذمهم على منعه، ولكان أولى بالذكر؛ لأن عندهم صدقة وعبادة، والخراج ثمن والذم:
стр. 1218
إنما يكون بالامتناع من القرب، فأما الأثمان: فهي كدين الآدميين.
٥٦٠١ - ويدل عليه: إجماع الأمة، أن أئمة العدل وولاة الجور لم يأخذوا من السواد العشر مع الخراج، فمن جمع بينهما فقد خالف الإجماع.
٥٦٠٢ - ويدل عليه: (ما روي أن دهقانة نهر الملك أسلمت فكتب في ذلك عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إن أقامت على أرضها فخذ منها الخرج) ولو كان العشر يجب بالإسلام لبينه وأمر به، وكان بيانه لتجدده أولى من بقاء ما كان واجبا.
٥٦٠٣ - فإن قيل: إنما بين الخراج ليعلم أنه ليس بجزية وأنه لا يسقط بالإسلام، ولم يبين العشر الذي يجب مع الإسلام.
٥٦٠٤ - قلنا: حكم العشر أمر قد خفي على الفقهاء، فكيف لا يحتاج إلى بيانه؟ والذي يدل أنه قد سكت عنه لأنه ليس بواجب؛ لأنه لو وجب لأخذ، ولو أخذ لنقل ولأنهما حقان يتعلق كل واحد منهما بالمال النامي فلا يجتمع وجوبهما بسبب مال واحد، كزكاة السوم والتجارة.
٥٦٠٥ - فإن قيل: العشر يجب لأجل الزرع، والخراج لأجل الأرض.
٥٦٠٦ - قلنا: الأرض سببهما جميعا، ألا ترى: أن قدر العشر يختلفان باختلاف الأرضي، والزرع يؤثر فيهما، بدلالة: أن قدر الخراج يختلف باختلاف الخارج.
стр. 1219
٥٦٠٧ - فإن قيل: زكاة السوم والتجارة سببهما الحول والنصاب، وإسلام المالك والتجارة تراد للنماء، والسوم للنماء. والمستحق لإحدى الزكاتين المستحق للأخرى فلذلك لم يجتمعا، والعشر محله غير محل الخراج، وسبب أحدهما غير سبب الآخر ومستحق أحدهما غير مستحق الآخر.
٥٦٠٨ - قلنا: زكاة السوم والتجارة حقان مختلفان، بدلالة أن حول أحدهما قد يخالف [حول] الآخر، فلا يجبان بحول واحد، ونصاب أحدهما غير نصاب الآخر، ومحل أحدهما غير محل الآخر؛ لأن زكاة السوم تتعلق بالعين، وزكاة التجارة تتعلق بالقيمة عندهم، فقد يتفقان في وجه ويختلفان في وجوه، وكذلك الخراج والعشر كل واحد منهما حق يختص بالأراضي ويجب لأجل نمائهما، بدلالة: أن الأرض التي لا تصلح للزرع لا خراج عليها ويسقط أحدهما ما يسقط الآخر، وهو غلبة الماء على الأرض وانقطاعه عنها، ومستحق العشر مستحق الخراج، وإن استحق الخراج من لا حق له في العشر فقد اتفق مستحقها من وجه ويتنافى وصفهما ابتداء، وقد يتعلق أحدهما بما يتعلق به الآخر، وهو خراج المقاسمة. ولأنهما حقان لله تعالى يسقطان بقوات منفعة الأرض، فوجوب أحدهما يمنع من وجوب الآخر، أصله: الأرض العشرية لا يجب فيها خراج، ولأنه خارج من أرض الخراج فلم يجب فيه عشر الخضراوات، ولأنه خارج لا يجب العشر في قليله. فلم يجب في كثيره، كالخارج م أرض الذمي والمكاتب.
٥٦٠٩ - فإن قيل: المعنى في الذمي أن الزكاة لا تجب في أمواله، ولما وجبت الزكاة في أموال المسلم وجب العشر في زرعه.
стр. 1220
٥٦١٠ - قلنا: انتفاء الزكاة لا يدل على انتفاء الحقوق المتعلقة بما يستفاد من الأرضي، بدلالة: الركاز. ولأن كل أرض وجب الخراج عنها لم يجب العشر عن زرعها، أصله: الأرض الخراجية إذا آجرها من ذمي. ولأنه نبت خارج من أرض السواد فلم يجب فيه عشر، كما دون خمسة أوسق. ولأنهما حقان يجبان لأجل نماء الماس أحدهما: يثبت على طريق الشركة والآخر: في الذمة، فلم يجتمعا في الوجوب كربح المضاربة والأجرة لأجل عمله، وكذلك المزارع لا يجب له جزء من الزرع مع الأجرة. ولأنهما حقان لا يجوز ابتداء المسلم بأحدهما ولا ابتداء الكافر بالآخر، فلم يجز اجتماعهما، كالجزية والعشر.
٥٦١١ - ولأن سبب الحقين يتنافى ابتداء بدلالة: أن سبب العشر قسمة [أرض] العنوة، وإسلام أهل الأرض، وسبب الخراج أن يفتح عنوة ولا يقسم، ولهذا لا يجمع بين الحقيق ابتداء فلم يجمع بينهما في الاستيفاء بقاء؛ أصله: القصاص والدية والجزية، والصدقة والأجرة والربح في المضاربة. ولأن الخراج إذا كان مقاسما فلا يخلو إما أن يجب معه العشر أو لا يجب، فإن أسقطه قسنا عليه، وإن أوجبه فلا يخلوا إما أن يوجبه في جميع الخارج، وهذا لا يجوز؛ لأنه يودى إلى إيجاب حق الله تعالى من حقه.
٥٦١٢ - ولا يجوز إيجاب العشر فيما سوى الخراج لأنه يؤدي إلى وجوبه في بعض الخارج دون بعض، وهذا لا يصح. ولأن العشر لو وجب استقلت الأرض بحق الفقراء، فلم يجب الخراج في ذمة صاحبها، كما لو غصبها غاصب.
٥٦١٣ - احتجوا: بقوله تعالى ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾
стр. 1221
٥٦١٤ - قلنا: عندكم الخارج من الأرض لا يتعلق به عشر وإنما يتعلق بما ينعقد منه وإنما يصح هذا على قولنا في وجوب العشر في الخضر.
٥٦١٥ - قالوا: قال الله تعالى: ﴿وءاتوا حقه يوم حصاده﴾.
٥٦١٦ - قلنا: عند الشافعي لا يجب أداء العشر يوم الحصاد وإنما يجب أداؤه يوم التصفية فوجب حمل الآية على حق يجب أداؤه يوم الحصاد، وذلك الحق الخراج، لأن الزرع إن هلك قبل الحصاد سقط خراجه، وإن هلك بعده لم يسقط.
٥٦١٧ - احتجوا: بقوله ﵊: (فيما سقت السماء العشر، وما سقى بالسواقي والنضح نصف العشر).
٥٦١٨ - والجواب: إن أرض السواد لا تكتفي بسقي الماء، ولا يكون فيها فعل وإنما هي في أرض العرب، واللفظ يتناول الأرض التي توجد فيها هذه الصفة تارة وهذا تارة، ولأن هذا عموم مخصوص بإجماع الصحابة.
٥٦١٩ - قالوا: ما يجب فيما يستفاد من غير أرض الخراج يجب فيما يستفاد من أرض الخراج، أصله: حق المعدن.
٦٥٢٠ - قلنا: عندنا موضع المعدن من أرض الخراج لا خراج فيه؛ لأنها بقعة لا تصلح للزراعة، فلم نسلم أن حق المعدن يتعلق بما يستفاد من أرض خراج، ولو سلمنا الوصف فالمعنى فيه: أن الخراج لم يوضع لأجل منفعة المعدن، فإيجاب الخمس لا يؤدي إلى إيجاب حقين لمنفعة واحدة، وأما الزروع فالخراج وضع على الأرض لأجل الانتفاع به، ولهذا لا خراج عليهما فيما لا يمكن زرعه، فلم يجب الحق فيه حتى لا يؤدي إلى إيجاب حقين في صفقة واحدة.
٥٦٢١ - قالوا: حر مسلم أخذ من ملكه نصابا من القوت يلزمه العشر،
стр. 1222
أصله: الأرض التي لا خراج عليها.
٥٦٢٢ - قلنا: الأرض التي لا خراج عليها لم يلزمه حق في الذمة لأجل الانتفاع بنمائها، فجاز أن يلزمه حق مقاسمة في الخارج منها.
٥٦٢٣ - وفي مسألتنا: لما لزمه حق في الذمة لسلامة هذه المنفعة لم يجز أن يلزمه حق مقاسمة، كما ذكرنا في الربح والأجرة.
٥٦٢٤ - قالوا: كل أرض تعلق ربع العشر بمعادنها لا يتعلق بها عشر؛ لأن موضع المعدن لا يمكن زراعته. ولأنا بينا أن الخراج يوضع لأجل منفعة الزرع، فإذا حصلت لم يجز فيها شيء، ولما كان الخراج لا يوضع لمنفعة المعدن لم يكن وجوب الخراج مانعا من وجوب حق المعدن، والمعني في أرض العشر ما ذكرناه.
٥٦٢٥ - قالوا: نوع زكاة فلم يمنع وجوب الزكاة [فيه] كسائر الزكوات.
٥٦٢٦ - قلنا: لا نسلم أن العشر زكاة، ولأن سائر الزكوات لم يوضع الخراج لأجلها فوجوبه لا ينفيها، والزرع وضع الخراج لأجله فلذلك لم يجب عشر مع وجوبه.
٥٦٢٧ - قالوا: العشر يجب في الحب، والخراج في الأرض كأجرة الدكان والزكاة.
٥٦٢٨ - قلنا: وقد يجب الخراج في الزرع إذا كان خراج مقاسمة، ولا ينفي ذلك العشر عندهم، ولأن كل واحد من الخراج والعشر حق الأرض إلا أن محل أحدهما الذمة ومحل الآخر: الخارج، ولهذا يسقطان ببطلان منفعتهما ويختلف العشر باختلاف صفتها، فتارة يجب العشر، وتارة يجب نصفه.
٥٦٢٩ - قالوا: الخراج يجب على الأرض إذا تمكن من زراعتها زرع أو لم يزرع والعشر يجب في الحب. وإذا وجب الحقان عن عينين لم يتنافى الوجوب ولم
стр. 1223
يمنع أحدهما الآخر، أصله الزكاتان في نصابين، وإذا اشترى دكانا وترك فيه متاعا للتجارة.
٥٦٣٠ - والجواب: ما بينا أن كل واحد من العشر والخراج يجب لسلامة منفعة الأرض، بدلالة: أن فوات المنفعة يبطلها، ولكن محل احد الحقين الذمة، فإذا تمكن من الانتفاع فقد وجد محل الحق، والآخر محله الخارج وذلك لا يوجد بالتمكن حتى يحصل الزرع الذي هو محل الوجوب، يبين ذلك أن الخراج إذا أوجب في الخارج، وهو خراج المقاسمة لم يجب بالتمكن من منافع الأرض، وإنما يجب لحصول محله الذي هو الزرع، فأما زكاة نصابين وأحد النصابين لا يجب زكاته للانتفاع بالنصاب الآخر، وإنما يجب للانتفاع به خاصة، فلذلك اجتمعا، وأجرة الدكان عوض منافعه وهذه المنافع ليس لها تعلق بالزكاة، فلم يمنع منها، ومنفعة الأرض التي وجب الخراج لأجلها يطلب فيها الزرع، فصارت كالشيء الواحد فلم يجب فيها حقان.
٥٦٣١ - قالوا: فتفرقهما مختلف فلم يمنع اجتماعهما كالجزاء والقيمة.
٥٦٣٢ - وربنا قالوا: حقان مختلفان يجبان بسببين مختلفين لصفتين مختلفتين فجاز أن يجتمعا، كالجزاء والقيمة.
٥٦٣٣ - والجواب: إنه فرق عندهم بين اختلاف الحقين واتفاقهما؛ لأن خراج المقاسمة كالعشر، ويجوز اجتماعها.
٥٦٣٤ - وقولهم: بسببين مختلفين يدل على أنهما لا يجتمعان، بدلالة أن السببين يتنافى وجودهما، وهذا يدل على التنافي لا على الاجتماع، وأما
стр. 1224
اختلاف المصرف فلا تأثير له في الأصل؛ لأنهما يجتمعان وإن اتفق مصرفهما، كالصيد المنذور، إذا قتله المحرم وجب عليه قيمته مع الجزاء والمصرف واحد، ولأن الجزاء والقيمة يجوز اجتماعهما لحق مستحق واحد.
٥٦٣٥ - ألا ترى: أن الصيد المنذور إذا أتلفه مالكه وجب ضمانه بالجزاء لحق الله تعالى، وبالقيمة لحقه، فكذلك يجوز لحق المستحقين وأما الحقوق المتعلقة بالأموال إذا كان طريقها واحد لم يجز اجتماعهما لأجل [حق] مستحق واحد، كذلك المستحقين.
٥٦٣٦ - قالوا: العشر وجب بالنص، والخراج بالاجتهاد، فلم قدمتم ما ثبت بالاجتهاد على ما ثبت بالنص؟
٥٦٣٧ - قلنا: الخراج ثبت بالإجماع، فهو كما ثبت بالنص، فإذا لم يجز اجتماعهما لما بينا فالخراج أنفع للمسلمين وأعم منفعة؛ لأنه يجب وإن عطلت الأرض، ويستحق ذلك الغني والفقير، فكان إيجابه أولى.
***
стр. 1225
مسألة ٣٣٠
إذا آجر أرضه فأخرجت زرعا فعشره على المؤجر
٥٦٣٨ - قال أبو حنيفة: إذا آجر أرضه فأخرجت زرعا فعشره على المؤجر.
٤٦٣٩ - وقال أبو يوسف ومحمد: على المستأجر، وبه قال الشافعي.
٥٦٤٠ - لنا: أن منفعة الأرض بالزراعة سلمت لرب المال، فوجب عليه العشر كما لو زرعها، ولا يلزم إذا باع الزرع بقلا؛ لأن المشتري إن قصل الزرع فالعشر على البائع وإن تركه حتى انعقد الحب بغير أجرة فقد سلم لرب الأرض بعض المنفعة، وإن تركه بأجرة فالعشر عليه، ولأنه أحد حقي الأرض، فكان على المؤجر، كالخراج.
٥٦٤١ - فإن قيل: العشر حق الزرع.
٥٦٤٢ - قلنا: يقال أرض عشرية، فدل على أن العشر من حقوقها، كما يقال: أرض خراجية فيضاف كل واحد من الحقين إلى الأرض كالأجرة، ولهذا المعنى يختلف الواجب باختلاف الأرضي، فتارة يجب العشر وتارة يجب نصف العشر، والخارج على صفة واحدة، ولأن المستأجر لزمه حق لأجل منفعة الأرض وهو الأجرة فلا يلزمه لسلامة المنفعة له حق آخر كالأجرة والخراج. ولأنه زرع الأرض بإجارة فلم يجب عليه العشر كالمكاتب.
٥٦٤٣ - ولأن منفعة الأرض سلمت للمؤجر فلا يجب العشر على غيره، أصله: إذا قصله المستأجر.
٥٦٤٤ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكن من الأرض﴾.
стр. 1226
٥٦٤٥ - والجواب: أن عند الشافعي لا يجب العشر في الخارج من الأرض، وهو البقل وساق الزرع، وإنما يجب عنده في الخارج مما أخرجت الأرض فلم يصح تعلقه بالآية.
٥٦٤٦ - قالوا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: (فيما سقت السماء العشر).
٥٦٤٧ - قلنا: هذا يدل على أن الواجب فيه، ولا يدل على أنه متى يجب، وليس يمتنع أن يجب الحق من مال يؤخذ من غيره، كما يجب في الإبل الزكاة وتؤخذ من الغنم، وكما لو استعار شيئا ليرهنه فرهنه، فالدين في الرهن ووجوبه على غير مالك الرهن، ولأن قوله: (فيما سقت السماء العشر) يحتمل أن يكون المراد به: أن الوجوب لأجله، كما قال ﵊ (وفي العينين الدية وفي الأنف الدية).
٥٦٤٨ - قالوا: حق واجب في المال، فوجب أن يكون على مالك المال وقت وجوبه أصله: سائر الزكوات، وإذا زرع المستعير، وإذا باع رب الأرض الزرع فانعقد الحب في ملك المشتري.
٥٦٤٩ - قلنا: لا نسلم وجوب الحق في المال؛ لأن عندنا يجب في ذمة المؤجر، ولأن الزكاة واجبة عن المال، فكانت على مالكه والعشر من حقوق الأرض،
стр. 1227
فكان على مالكها إذا سلمت له منفعتها، وأما المستعير: فروى ابن المبارك عن أبي حنيفة: (إن العشر على رب الأرض). ولو سلمنا، فلأن منفعة الأرض لم تسلم له، ولا يسلم له عوضها، وأما إذا باع الزرع بقلا فانعقد الحب في ملك المشتري، فإن كان ترك الزرع بأجرة فهو مسألتنا، وإن كان بإذنه بغير أجرة فهي مسألة المستعير، وإن كان بغير إذنه فهو غاصب، فإن نقصت الأرض بفعله لزم رب الأرض العشر، وإن لم ينقص لم يسلم له منفعتها فلا يلزمه عشره.
٥٦٥٠ - قالوا: لو سلم له العوض الزرع ثم تركه المشترى حتى انعقد الحب [لم يجب عليه عشر، وعوض الزرع إليه أقرب من عوض منفعة الأرض.
٥٦٥١ - قلنا: إذا سلم له عوض الزرع ثم انعقد الحب] فما سلم له عوضا صار تبنا لا شيء فيه، فسلامة عوضه لا توجب عليه شيئا، فأما عوض المنفعة فهو المعنى المطلوب بالزراعة فيجب العشر على من سلم له.
٥٦٥٢ - قالوا: عشر وجب لأجل زرع، فوجب على مالكه، كمن زرع في أرض نفسه.
٥٦٥٣ - قلنا: لا نسلم أن العشر وجب لأجل الزرع وإنما وجب لسلامة منفعة الأرض، فإذا زرع في ملك نفسه فقد سلمت له المنفعة، وإذا زرع في أرض غيره بأجرة، فالمنفعة سلمت لرب الأرض، والمستأجر إنما استفادها بعوض.
٥٦٥٤ - قالوا: زرع لو كان لمالك الأرض وجب فيه العشر، فإذا كان لغيره وجب فيه العشر، أصله: المستعير.
٥٦٥٥ - قلنا: المستعير غير مسلم، وإن سلمنا على رواية الأصل، فمنفعة الأرض سلمت للمستعير، بدلالة: أنه لم يعاوض عنها، فكان العشر عليه.
стр. 1228
٥٦٥٦ - قالوا: الخراج يتعلق برقبة الأرض، بدلالة: أنه يستحق وإن لم يزرع إذا تمكن من الزراعة، والعشر يتعلق بغلتها، بدلالة: أنه لا يجب وإن تمكن من الزراعة إلا أن توجد الغلة، فإذا كان خراج الأرض على مالكها كان عشر الغلة على مالكها.
٥٦٥٧ - قلنا: لا فرق بين الحقين؛ لأن كل واحد منهما يجب لأجل منفعة الأرض لوجوب الآخر، إلا أن أحدهما: له مدة مضروبة، [فيجب بالتمكن، وإن لم يوجد الانتفاع، والآخر: ليس له مدة مضروبة] فلا يجب حتى تحصل المنفعة ونظيره الإجارة إذا استأجره ليخدمه شهرا استحق الأجرة بالتمكن من المنافع وإن لم يعمل، ولو استأجره ليقصر له ثوبا لما لم يكن للاستحقاق مدة لم تجب الأجرة إلا بوجود العمل، وإذا ثبت أن الحقين لأجل المنفعة وجبا على من تمكن من الانتفاع في أحد الموضعين وعلى من سلم له الانتفاع في الموضع الآخر.
٥٦٥٨ - قالوا: هذا يفضي إلى أن يؤاجر أرضه بمائة فيخرج ما يبلغ عشرة أضعافها فيلزمه.
٥٦٥٩ - قلنا: هذا فرط في الإجارة وضيع حقه، فصار كمن باع الخارج بثمن يسير عندنا وكم أتلفه على الأصلين.
***
стр. 1229
مسألة ٣٣١
لا شيء فيما زاد على مائتين من الورق حتى يكون أربعين
٥٦٦٠ - قال أبو حنيفة: لا شيء فيما زاد على مائتين من الورق حتى يكون أربعين.
٥٦٦١ - وقال أبو يوسف ومحمد فيما زاد بحسابه وإن كان يسيرا. وبه قال الشافعي.
٥٦٦٢ - لنا: حديث معاذ بن جبل (أن رسول الله ﷺ أمره حين وجهه إلى اليمن أن لا يأخذ من الكسور شيئا إذا كانت الورق مائتي درهم أخذ منها خمسة دراهم ولا يأخذ مما زاد شيئا حتى يبلغ أربعين درهما فيأخذ منها درهما).
٥٦٦٣ - اعترض الدارقطني على هذا الخبر، فقال: رواه محمد بن إسحاق عن
стр. 1230
المنهال بن الجراح عن حبيب بن نجيح عن عبادة بن أنس عن معاذ قال: والمنهال بن الجراح متروك الحديث، وهو أبو العطوف الجراح بن المنهال/، وكان ابن إسحاق يقلب اسمه إذا حدث عنه، وعبادة مدلس لم يسمع من معاذ.
٥٦٦٤ - قلنا: أبو العطوف الجراح بن المنهال عدله أبو حنيفة، وروى عنه في الأصل وكان فقيها فلا يضرنا من تركه إذا عدله صاحب المقالة، ومن عادة المحدثين أن يتركوا رواية الفقهاء، فأما تعيين اسمه: فهذا انقلب على الراوي، وما نسبه إلى ابن إسحاق غلط لا يظن به؛ لأن هذا يكون كذبا.
٥٦٦٥ - وأما قوله: إن عبادة لم يلق معاذا، فالإرسال عندنا لا يضر لاسيما إرسال عبادة، وهو في أهل الشام كابن المسيب بالمدينة. وروى الزهري عن أبي بكر بن محمد عن أبيه عن جده (أن النبي ﷺ كتب في خمس اواق خمس الدراهم فما زاد ففي كل أربعين درهم). ذكره أبو الحسن بإسناده في الجامع. ولأنه حق مال جعل له عفو في الابتداء، فكان له عفو بعد النصاب [كالسوائم. ولأن الأموال التي تتعلق بها الزكاة ضربان: حيوان، وغير حيوان، فإذا
следующие страницы →