Полный текст (6 324 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
مسألة ٣٨٠
الصوم في السفر إذا لم يستضر به أفضل من الفطر
٦٦٩٨ - قال أصحابنا: الصوم في السفر إذا لم يستضر به أفضل من الفطر.
٦٦٩٩ - وحكى الطحاوي عن الشافعي: أن الفطر أفضل، وأصحابه ينكرون هذا.
٦٧٠٠ - لنا: قوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾، وهذا بعد ذكر المسافر. وروى سلمة بن المحبق الهلالي (أن النبي ﷺ قال: من كانت له حمولة يأوي إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه). ولأنه يؤدي العبادة في وقتها من غير أن يحصل ضرر، فكان أفضل من تأخيرها عنه، كالصلاة. ولا يلزم تأخير المغرب
стр. 1437
بالمزدلفة؛ لأن تقديمها لا يجوز، فالتأخير في التقديم يقال في الجائزين. ولأن الصوم في وقته أصل الفرض، والفطر رخصة، وفعل العزيمة من غير ضرر إذا لم يستدرك به عبادة أخرى أفضل، كغسل الرجلين ومسح الخفين.
٦٧٠١ - ولا يلزم تقديم العصر بمعرفة؛ لأنه يستدرك بذلك عبادة، وهو الوقت. فأما قوله ﵊ (ليس من البر الصيام في السفر) مقصور على سبب، وهو ما روى جابر (أن النبي ﷺ رأى رجلا يظلل عليه والزحام عليه وهو في السفر صائم، فقال ليس من البر الصيام في السفر)، يعني: على تلك الصفة.
* * *
стр. 1438
مسألة ٣٨١
إذا طهرت الحائض في شهر رمضان أو قدم المسافر أو بلغ الصبي
أو أفاق المجنون أو شهد الشهود بعد الزوال برؤية الهلال أمس
أو أفطر الرجل متعمدا أو صح المريض أو أسلم الكافر وجب
عليهم الإمساك [في] بقية النهار عن الأكل والشرب والجماع
٦٧٠٢ - قال أصحابنا: إذا ظهرت الحائض في شهر رمضان، أو قدم المسافر أو بلغ الصبي، أو شهد الشهود بعد الزوال برؤية الهلال أمس، أو أفطر الرجل متعمدا، أو صح المريض، أو أسلم الكافر، وجب عليهم الإمساك [في] بقية النهار عن الأكل والشرب في الجماع.
٦٧٠٣ - وقال الشافعي في المسافر: إذا قدم، والمريض إذا صح، والحائض والنفساء إذا انقطع دمهما، فليس عليهم الإمساك.
٦٧٠٤ - والصبي إذا بلغ والمجنون إذا أفاق والكافر إذا أسلم. قال في البويطي: ليس عليهم الإمساك. ومن أصحابه من قال: يلزمهم وأما المسافر إذا نوي الصوم من الليل فتقدم، أو المريض تحمل المشقة فينوي الصوم ثم صح، والصبي إذا نوي الصوم ثم بلغ، هل يجوز لهم الأكل، ظاهر قوله في البويطي أنه لا يلزم تمام الصوم. ومن أصحابه من قال: يلزم.
стр. 1439
٦٧٠٥ - لنا: دليل يدل عليه أنه إذا ثبت الشهر قبل الزوال لم يجز الأكل؛ لأنه يوم ثبت من رمضان، فلا يجوز الأكل فيه من غير عذر، [أصله: إذا ثبت قبل الفجر. ولأنه صوم مستحق في زمان بعينه فإذا ظهر نهارا لم يجز الأكل]، أصله: يوم عاشوراء. ولأنه على صفة يصح منه الصوم، فلم يجز له الأكل في نهار رمضان من غير عذر، أصله: إذا أفطر متعمدا. وإذا ثبت لنا أن الشهود إذا شهدوا بالشهر وجب الإمساك، قسنا عليه أنه معنى لو وجد قبل الفجر وجب الصوم [فإذا وجد نهارا مع تعذر الصوم وجب الإمساك في الصوم] المستحق العين، أصله: إذا شهد الشهود بالرؤية للهلال.
٦٧٠٦ - ولأن الإقامة وجدت في أثناء نهار رمضان، فلزمه الإمساك بقية نهاره، كمن في الصوم وهو مقيم ثم سافر فأفطر ثم أقام. ويدل على الكافر إذا أسلم فنقول: إن من أثم بترك الصوم في أول نهار رمضان لم يجز لها الأكل في نفسه مع عدم الأعذار، كمن أكل متعمدا. والأولى أن يدل على أن المسافر والمريض إذا صاما ثم زال العذر، لم يجز الأكل؛ لأنه مقيم صحيح حكم بصحة صومه في/ رمضان فلم يجز له الفطر، كما لو كان مقيما في الابتداء. ولأن دخوله في الصوم صح
стр. 1440
وجاز الفطر للعذر، فإذا زال لم يجز الفطر، كالصحيح إذا دخل في الصوم ثم مرض ثم صح.
٦٧٠٧ - احتجوا: بأن من حل له الأكل في أول النهار مع علمه باليوم لم يلزمه إمساك باقيه، أصله: إذا نذر أن يصوم يوما بعينه فسافر فيه، فأفطر ثم أقام.
٦٧٠٨ - قلنا: صوم النذر لو أفطر فيه مع الإقامة لم يلزمه الإمساك، وكذلك إذا أفطر بعذر في رمضان، أو أفطر بغير عذر لزمه الإمساك كذلك إذا أفطر لعذر، وإنما كان كذلك لأن الصوم إذا وجب على عامة الناس، فإذا أفطر مع عدم الموانع، ألحق بنفسه تهمة، وهذا لا يوجد في صوم النذر.
٦٧٠٩ - قالوا: كل من لزمه صوم أول النهار ظاهرا وباطنا لم يلزمه إمساك باقيه، أصله إذا استدام السفر.
٦٧١٠ - قلنا: سقوط لزوم الصوم في الظاهر لا يمنع وجوب القضاء فلا يمنع من وجوب الإمساك، ولأنه إذا استدام السفر والعذر باق، فلا يلحقه تهمة بالأكل، وإذا زال العذر ألحق بنفسه تهمة؛ لأنه يأكل مع ارتفاع الأعذار.
٦٧١١ - قالوا: الأصل إباحة الفطر؛ فمن ادعى الحظر يحتاج إلى دليل.
٦٧١٢ - قلنا: الإباحة سبب للعذر، فمن زعم أنها تبقى مع زوال العذر فعليه الدليل.
* * *
стр. 1441
مسألة ٣٨٢
إذا رأى الرجل الهلال وحده فرد الإمام
شهادته، فصام ثم جامع لم تلزمه الكفارة
٦٧١٣ - قال أصحابنا: إذا رأى الرجل الهلال وحده فرد الإمام شهادته، فصام ثم جامع لم تلزمه الكفارة.
٦٧١٤ - وقال الشافعي: عليه الكفارة.
٦٧١٥ - لنا: أن كل من لو أكل لم تلزمه الكفارة، إذا جامع لم تلزمه الكفارة؛ أصله: من أخبره واحد بالهلال، وقد رد الإمام شهادة المخبر. ولأنه يوم مختلف في وجوب صومه، كيوم الشك. وقال الحسن، وابن سيرين، وعطاء: لا يجب عليه الصوم.
стр. 1442
٦٧١٦ - فإن قيل: هذا خلاف سقط بإجماع الفقهاء بعدهم.
٦٧١٧ - قلنا: إلا أن خلافهم شبهة، ألا ترى: أن إباحة المتعة سقط بالإجماع بعد الخلاف وإن لم يترك الشبهة؟
٦٧١٨ - قالوا: هذا يبطل بمن سافر أقل من ثلاثة أيام فجامع، فعليه الكفارة وإن اختلف في وجوب الصوم.
٦٧١٩ - قلنا: هذه المسألة غير منصوصة، وظاهر المذهب أن الكفارة لا تجب. ولأنه صوم لزم الواحد خاصة، كقضاء رمضان. ولأنه يوم محكوم بأنه من شعبان في حق الكافة، فلم تلزم المجامع في الموضع المحكوم به الكفارة كما قبله، أو يوم حكم الإمام بإباحة الفطر فيه، فصار كآخر يوم من الشهر أنه من شوال.
٦٧٢٠ - احتجوا: بأنه يوم لزمه صيامه ظاهرا وباطنا من رمضان، فوجب أن يتعلق بهتك جرمته الكفارة، كما لو حكم به الحاكم.
٦٧٢١ - قلنا: إذا حكم الحاكم فقد زالت الشبهة، وإذا لم يحكم بثبت، ألا ترى: أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: (صومكم يوم تصومون)، وهذا يقتضي وجوب الصوم على الواحد إذا صام الكافة، وسقوطه إذا لم يصوموا؟ فأوجب هذا الخبر شبهة، فإن وجدت سقطت الكفارة، وإن عدمت وجبت.
٦٧٢٢ - قالوا: إذا حكم الإمام بقول الواحد غلب على ظننا أنه من رمضان، وإذا
стр. 1443
رآه علم، فكيف تجب الكفارة عله مع غلبة الظن، وتسقط مع اليقين؟.
٦٧٢٣ - قلنا: الكفارة لا تجب بنفس الشهر حتى ترتفع الإباحة، ولهذا تجب الكفارة على المسافر إذا أفطر، والمريض، وتوهم الإباحة كوجودها فيما يسقط وإن تحقق التحريم كوطء جارية الابن.
٦٧٢٤ - قالوا: الكفارة تعبر به دون غيرهم، بدلالة: أن في آخر الشهر لو رأى الهلال ورد الحاكم شهادته سقطت الكفارة عنه، ولو رأى الفجر وحده وجبت عليه الكفارة بالجماع، وإن كان الصوم لم يجب على جميع الناس إذا لم يشاهدوه. ومعلوم أن الشهر يثبت في حقه، ولهذا حل ما عليه من دين. ولو كان علق طلاق امرأته باستهلاك الشهر طلقت، ولهذا يجب عليه الصوم واعتباراته، وإن لم يجب الصوم على غيره.
٦٧٢٥ - قلنا: وجوب الكفارة، إذا أقرت السنة فيه اعتبر الجهة المسقطة لها، سواء كانت في حقه أو في حق غيره، ألا ترى: أنه لو غلب ظنه صدق المخبر بالهلال فرده الناس، لم تجب الكفارة اعتبارا بغيره، فأما آخر يوم من الشهر إذا رأى الهلال فقد حكم في رمضان من وجه دون وجه فلم تجب الكفارة ترجيحا لجهة الإسقاط، وإنما المعتبر بما عنده، ألا ترى: أنه لو أخبره في آخر الشهر من غلب على ظنه صدقه فرد الإمام شهادته، لزمته الكفارة، وإن كانت عنده أن لا وجوب؟ فأما من طلع عليه الفجر فبعيد أن يطلع الفجر في بلد لا يراه إلا واحد حتى يلزمه الصوم دون الكافة. وأما قولهم: إن اليوم من رمضان عنده.
٦٧٢٦ - قلنا: وليس هو عند الإمام من رمضان، فاعترف أنه رأى الهلال لم
стр. 1444
بحكم الحاكم عليه بتسليم الدين، وإنما نقول له: إن كنت رأيت فعليك أن نسلم، ولا يوجب ذلك عليه. ثم إنا لا نمنع أن الشهر قد ثبت عنده، إلا أن الكفارة لا تتعلق بوجود الشهر حتى ترتفع أسباب الإباحة والشبهة، وما ذكرناه شبهة.
٦٧٢٧ - فإن قيل: اعتباركم وجوب الصوم في حق الكفارة، لا نسلم أنه يجب على المريض، والمسافر، والحائض.
٦٧٢٨ - قلنا: نعني به كل من كان من أهل الصوم، ولا عذر له.
* * *
стр. 1445
مسألة ٣٨٣
إذا أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان الثاني فلا فدية عليه
٦٧٢٩ - قال أصحابنا: إذا أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان الثاني فلا فدية عليه.
٦٧٣٠ - وقال الشافعي: إن أخره لغير عذر فعليه القضاء والفدية، لكل يوم طعام مسكين. وإن أخره على رمضان ثالث، لزمه فدية واحدة، ومن أصحابه من قال: فديتان.
٦٧٣١ - قالوا: هذا خطأ.
٦٧٣٢ - لنا: قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾، وهذا عام في جميع العمر فإن [كان] القضاء تارة يسقط بالفرض، وتارة لا يسقط إلا مع الفدية،
стр. 1446
لبينه وروى جابر ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن تقطيع [قضاء] رمضان، قال: ذلك إليك، أرأيت لو كان على أحدهم دين فقضى الدرهم والدرهمين، ألم يكن قضاء؟ فالله أحق أن يعفو ويغفر وهذا عام في السنة الأولى والثانية، ولو كان الحكم يختلف لبينه، ولأنه أخر القضاء فلم تلزم فدية، كمن لم يزل مريضا؛ ولأن من وجب عليه القضاء لم تلزمه فدية، كما لو قضى في السنة الثانية. ولأن نفس رمضان لو أخره عن وقته بترك الصوم، لم تجب به فدية [فإذا أخر قضاءه أولى.
٦٧٣٣ - فإن قيل: تأخير رمضان يجب به القضاء، ولم تجب به فدية]، وتأخير القضاء لا يجب به قضاء؛ لأن القضاء يلزمه بترك الأصل، فلذلك وجبت الفدية.
٦٧٣٤ - قلنا: تأخيره إلى شعبان لا يوجب قضاء ولا فدية.
٦٧٣٥ - فإن قالوا: الآية لم تؤخره عن وقته، لم نسلم؛ لأن القضاء مؤقت بشعبان؛ ولأن إفساد الصوم آكد من تأخيره، بدلالة: أن مفسد صوم رمضان يلزمه كفارة واحدة، ولو أخره لم يجب بإفساد هذا الصوم الكفارة، فتأخيره أولى.
٦٧٣٦ - فإن قيل: إنما لا تجب الكفارة؛ لأنه متى أفسده ليس هو قضاء رمضان.
٦٧٣٧ - قلنا: عندكم مؤقت، فإذا تضايق الوقت فصام، فهو صوم القضاء الذي يضيق وقته، وإنها بالإفساد لم تجزئ، كما أن الصوم في رمضان بالإفساد لا يجزئ،
стр. 1447
ولأنها عبادة فلا تجب بتأخيرها إلى وقت مثلها فدية، كما لو أخر الحج، ولا يلزم تأخير الطواف؛ لأن الفدية لا تجب بتأخيره إلى وقت مثله.
٦٧٣٨ - احتجوا: بحديث مجاهد عن أبي هريرة ﵁ (أن النبي ﷺ قال في رجل أفطر في [شهر] رمضان من مرض، ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر، قال: يصوم الذي أدركه ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه ويطعم مكان كل يوم مسكين).
٩٧٣٩ - قلنا: رواه إبراهيم بن نافع، وهو ضعيف، عن عمر بن موسى بن وجيه وهو ساقط عندهم، ولو ثبت هذا الخبر قلنا به.
٩٧٤٠ - قالوا: روي عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة ﵃: أن عليه الفدية، ولا مخالف لهم في الصحابة. قال الطحاوي: سمعت ابن أبي عمران يقول: سمعت يحيى بن أكثم يقول: وجدته عن ستة من الصحابة ولا مخالف لهم.
٦٧٤١ - قلنا: أم ابن عمر فوجب الفدية دون القضاء، فروى عنه إيجاب هديين فديتين، فلم يتفقوا على الجمع بين القضاء والفدية، وعلى أنه روى عن أبي
стр. 1448
عبيدة، ومعاذ أنهما قالا: (اقضه متفرقا إذا أحصيت العدة)، وهذا من قولهما، يدل على أنه لا فرق بين السنة الأولى والثانية، ولو وقت عندهما لبينا؛ ولأن هذا ليس بإجماع؛ لأنا لا نعلم انتشاره في الصحابة. وعلى قول الشافعي في الجديد: لا يجب تقليد الصحابي وعلى أصلنا: متى روي عن النبي ﷺ عموم يخالف قوله، لم يجب تقليده.
٦٧٤٢ - فإن قيل: هذا لا يدل على القياس، فالظاهر أنهم قالوا/ توقيفا.
٦٧٤٣ - قلنا: لو كان كذلك لم يختلفوا فيه. وقد ذكر ابن المنذر عن الحسن والنخعي مثل قولنا، وعصر الصحابة لم ينقض، حتى جاء الحسن، فخلافه معتد
стр. 1449
به على الصحابة.
٦٧٤٤ - قالوا: عبادة يجب في جبرانها المال فإذا فرط بتأخيرها حتى عاد وقتها، وجب عليه الكفارة، أصله: إذا أفسد الحج.
٦٧٤٥ - قلنا: عندنا إذا أفسد الحج وجبت الكفارة بإفساده لا بتأخيره، وكذلك الكفارة في مسألتنا يجوز أن تجب في رمضان بإفساده؛ ولأن الحج لا تجب الكفارة بتأخيره قبل الدخول فيه، فالصوم مثله.
٦٧٤٦ - قالوا: روي عن عائشة ﵂ أنها قال: (إن كان ليكون على الأيام من رمضان فما أستطيع أن أقضيها حتى يأتي شعبان؛ اشتغالا برسول الله ﷺ ) فدل على أنه هذا آخر ما يجوز التأخير إليه.
٦٧٤٧ - قلنا: إنما أخرت؛ لأن رسول الله ﷺ كان يصوم شعبان فتقضيه في الزمان الذي يصوم فيه، حتى لا يفوته الاستمتاع، ولم تؤخر إلى ما بعد رمضان؛ لأنه لا يصوم، فتعود إلى خدمته. وإذا احتمل هذا سقط تعلقهم به. ثم قد روينا عن النبي ﷺ في قضاء رمضان ما يدل على التأخير مطلقا، فكيف ثبت التوقيف مخالفا له بخبر محتمل.
٦٧٤٨ - قالوا: أخر صوم رمضان عن وقته، فإذا لم يتعلق بتأخيره وجوب القضاء وجب أن تتعلق به الفدية، أصله: الشيخ الكبير.
стр. 1450
٦٧٤٩ - قلنا: وجب عليه بتأخير رمضان قضاء.
٦٧٥٠ - وإن قالوا: بتأخير القضاء لا يجب القضاء، وإنما يجب بتأخير الأصل.
٦٧٥١ - قلنا: فالقضاء ليس هو رمضان، فلم نسلم الوصف، والمعنى في الشيخ: أن القضاء سقط عنه، فجاز أن تلزمه الفدية، والقضاء في مسألتنا واجب، فلم تجتمع الفدية معه.
٦٧٥٢ - قالوا: الصلاة يتوسع فرضها في حق الصحيح، ويتضيق في حق المعذور إذا زال عذره في آخر الوقت، كما أن الصوم في حق الصحيح، ويتسع في حق المريض والمسافر، فإذا كانت الصلاة المتصلة إلى وقت الوجوب مثلها ويبقى وقتها، سواء دخل وقت مثلها أو لم يدخل، فالصوم الموسع يجوز تأخيره عن وقته، فلم يتأخر بما قبل الدخول وقت مثله، ألا ترى: أن صلاة المسافر عندهم، والمغرب عندنا بمزدلفة، فلما جاز تأخيرها، بما قبل دخول وقت مثلها. ولأن قبل الصلاة الفائتة ليس هو بعدها، وغنما مثلها إن كانت للظهر مثلها من الغد، والوقت لا يتعذر بدخول تلك بإجماع.
* * *
стр. 1451
مسألة ٣٨٤
إذا أخر الصوم مع الصحة حتى مات لم يجز لوليه أن يصوم عنه
٦٧٥٣ - قال أصحابنا: إذا أخر الصوم مع الصحة حتى مات، لم يجز لوليه أن يصوم عنه، ويجوز الإطعام عنه. وهو قول الشافعي في القديم والجديد وقال في أمالي: إن صح الخبر قلت به.
٦٧٥٤ - قالوا: والخبر قد صح.
٦٧٥٥ - لنا ما روى نافع عن بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: (من مات وعليه صيام شهر رمضان فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا. وروي عن ابن
стр. 1452
عباس ﵄ أنه قال: (لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد). ولا مخالف له، ولأنها عبادة لا تجوز النيابة فيها، كالصلاة، ولأنها حالة، لا تجوز النيابة في الصوم، كحال الحياة.
٦٧٥٦ - فإن قيل: الصلاة لا يدخل في جبرانها المال.
٦٧٥٧ - قلنا: لا نسلم؛ لأن من أصحابنا من قال: إذا مات وعليه صلوات فأوصى بها وأطعم عنه لكل صلاة مسكين.
٦٧٥٨ - احتجوا: بما روى عروة، عم عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من مات وعليه صيام، صام عنه وليه).
٦٧٥٩ - قلنا: هذا الخبر رواه عبد الله بن أبي جعفر عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة [﵂]. وقد روى عبد الله هذا الحديث عنها، وحديثا آخر أن
стр. 1453
النبي ﷺ قال: (من باع عبدا وله مال تبعة ماله) وأنكر هذين الخبرين. وقد روى محمد بن يمان، عن عائشة ﵂ أنها قال: (من مات وعليه صيام، فيطعم عنه ولا يصام) ولو كان الحديث صحيحا عندها لم تقل بخلافه، ولأنه- إن ثبت- محمول على أنه يفعل عنه ما يقوم مقام الصيام، بدلالة الخبر الآخر.
٦٧٦٠ - قالوا: روى ابن عباس ﵄ (إن امرأة قامت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم، فقال لو كان عليها دين أكنت تقضينه، فقالت: نعم. قال: (فدين الله أحق أن يقضى).
٦٧٦١ - قلنا: ذكر القضاء عنها، والقضاء بعد الموت هو الإطعام عندنا، يبين ذلك، أن ابن المنذر قال: كان ابن عمر، وابن عباس، وعائشة ﵃، والحسن البصري والزهري يقولون: (لا يصام عنه ولكن يطعم)، فدل أن ابن عباس فهم من القضاء الإطعام.
٦٧٦٢ - قالوا: عبادة يدخل في جبرانها المال، فجاز أن يدخلها النيابة، كالحج.
стр. 1454
٦٧٦٣ - قلنا: الحج يقف وجوبه على المال، فإذا عجز عن فعله لزمه تسليم ذلك المال إلى من يفعله، والصيام لا يقف وجوبه على المال، فلم يلزم فعله عنه. ولأنه لا فرق بينهما لأن وجوب الحج لما وقف على المال، فلو حج عنه بغير مال دفع إلى الحاج لم يجز عنه عندنا، كذلك الصوم لما لم يقع بتسليم مال صار نظيره من الحج أن يحج بغير شيء. ولأن الحج تصح النيابة فيه حال الحياة، والصوم خلافه.
٦٧٦٤ - قالوا: النيابة تدخل في العبادات بحسب دخول الأموال فيها، وتعلقها به، بدليل: أن الزكاة مال محض، فدخلت النيابة فيها بكل حال. والصلاة لا تعلق لها بالمال بوجه، فلم تدخلها النيابة بوجه، والمال يتعلق بالحج في موضعين، يجب بوجوده، ويدخل في جبرانه، فدخلت النيابة في موضعين حال الحياة، وبعد الوفاة، والصيام يدخله المال في موضع [واحد، وهو الجبر دون الوجوب، فدخلته النيابة في موضع واحد].
٦٧٦٥ - قلنا: فالجهاد يقف وجوبه على وجود المال، ولا تدخله النيابة وركعتا الطواف تصح النيابة فيها، ولا مدخل للمال فيها.
* * *
стр. 1455
مسألة ٣٨٥
لا يجوز صوم يوم المتعة في أيام التشريق
٦٧٦٦ - قال أصحابنا: لا يجوز صوم يوم المتعة في أيام التشريق.
٦٧٦٧ - وهو قول الشافعي في الجديد.
٦٧٦٨ - وقال في القديم: يجوز. وهل يجوز صومها عن غير المتعة؟ فيه وجهان. أحدهما: لا يجوز، والآخر: يجوز كل صوم له سبب من نذر وقضاء، وكفارة، وتطوع راتب.
٦٧٦٩ - لنا: ما روى أبو هريرة (أن النبي ﷺ نهى عن صيام ستة أيام، وكر يوم النحر، وأيام التشريق) وروي عن عبد الله بن خليفة (أن النبي ﷺ أمره أن
стр. 1456
ينادي في أيام التشريق: إنها أيام أكل وشرب) رورى بشر بن سجيم ﵁ أن النبي ﷺ قال له: فأذن في الناس أنها أيام أكل وشرب في أيام منى) وروى قتادة عن أنس (أن النبي ﷺ نهى عن صيام خمسة أيام: يوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام منى الثلاثة)، وروى أن عليا ﵁ نادى بمنى على جمل أحمر، أن النبي ﷺ قال: فيها (أيام أكل وشرب، فلا يصم فيها أحد) ولأنه يوم
стр. 1457
نهى فيه عن صوم النفل المبتدأ، فلم يصح فيه صوم التمتع، كيوم النحر. ولأنه صوم لا يصح في يوم النحر، فلم يصح في أيام التشريق، أصله: قضاء رمضان. ولأنه صوم وجب بحكم التمتع، كالسبع.
٦٧٧٠ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾.
٦٧٧١ - قالوا: نزلت هذه الآية يوم التروية، فلم يبق للصوم وقت إلا يوم عرفة، وأيام التشريق.
٦٧٧٢ - قلنا: نزلت لبيان الحكم في مستقبل الأيام، فأما اليوم فكان معهم الهدى، فلم يحتاجوا إلى الصوم في تلك السنة.
٦٧٧٣ - قالوا: روي أن عمر ﵁ قال: (رخص رسول الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم الثلاثة في الحج، أن يصوم أيام التشريق).
٦٧٧٤ - قلنا: رواه يحيى بن سلام عن شعبة، وهو ضعيف. ثم هذا الخبر يفيد الإباحة وما ذكرناه يفيد الحظر، فكان أولى. ولأن ما ذكرناه أكثر رواة وأشهر. ولأن بيانه وقع عاما، فهو أولى مما لا يساويه في البيان، وكذلك الجواب عن حديث الزهري عن عروة بن الزبير قال: قالت عائشة وعبد الله بن عمر ﵃ لم يرخص رسول الله ﷺ لأحد في صيام أيام التشريق إلا لمتمتع أو محصر. على أنه رواية
стр. 1458
عبد الغفار بن القاسم، عن الزهري، وأخطأ في إسناده. وقد ذكر ابن المنذر عن ابن عمر، وعائشة، (أنه يصوم الثلاثة من حين يهل بالحج إلى يوم عرفة) فلولا أنهما عرفا نسخ الرخصة، لم يعتقدا خلاف ذلك، وعلى أن عليا ﵁ يقول: (لا يجوز صيامها عن المتعة).
* * *
стр. 1459
مسألة ٣٨٦
إذا تمضمض أو استنشق فوصل الماء إلى جوفه أو دماغه، أفطر
٦٧٧٥ - قال أصحابنا: إذا تمضمض أو استنشق، فوصل/ الماء إلى جوفه، أو دماغه أفطر، وهو قول الشافعي في القديم والأم.
٦٧٧٦ - وقال في البويطي، والأمالي واختلاف العراقيين: لا يفطر، ومن أصحابه من قال: لا فرق بين أن يبالغ، ولا يبالغ في أنه لا يفطر، ومنه من قال: إن بالغ فوصل الماء إلى جوفه، أفطر قولا واحد.
٦٧٧٧ - لنا: قوله علي [الصلاة و] السلام: (بالغ في المضمضة
стр. 1460
والاستنشاق، إلا أن تكون صائما)، رواه لقيط بن صبرة، فلولا أن الماء إذا وصل أفطر، لم يكن للنهي عن سببه بمعنى.
٦٧٧٨ - قالوا: نهى عن المشاتمة في الصوم، وإن كانت لا تفطر.
٦٧٧٩ - قلنا: لأنها معصية نهى عنها، حتى لا يبطل ثوابه، والصيام فيه، قربة، لنا يجوز أن يكون النهي عنها حتى لا يقع بها الفطر؛ ولأن المشروب وصل إلى جوفه مع ذكره للصوم، كما لو شرب بنفسه.
٦٧٨٠ - فإن قيل: إذا شرب فقد حصل الفطر بفعله، وهذا مغلوب عليه، وقد فرق بينهما، بدلالة: من استقاء، ومن ذرعه القيء ومن احتلم، أو استمنى.
٦٧٨١ - قلنا: هذا فاعل للسبب على وجه يمكن الاحتراز من المسبب. ألا ترى: أن الماء يصل بالنفس، ويمكنه أن يتنفس ثم يتمضمض، فصار كالمستقيء ويبطل بمن قبل فأنزل؛ لأن القبلة توجد بفعله، ثم يصير مغلوبا على تحرك الشهوة، ومع ذلك لا يمنع الإفطار. ولأنه عذر لا يوصف بالنسيان، كالحيض؛ وإن لم يكن
стр. 1461
باختياره، كالمقبل أنه مأذون في القبلة إذا أمن، فإذا فعلها وهو ممن يأمن فأنزل فهو مغلوب، ومع ذلك يفطر.
٦٧٨٢ - فإن قيل: القبلة منهي عنها والمضمضة مأذون فيها.
٦٧٨٣ - قلنا: نحن قسنا على القبلة فيمن يأمن على نفسه، وذلك مأذون، وهذا الكلام هل يصح ممن يسوي بين المبالغة وغيرها؟ لأن المبالغة منهي عنها، وما يصل بها لا يفطر عنده.
٦٧٨٤ - فإن قيل: هذا يبطل إذا نظر فأنزل.
٦٧٨٥ - قلنا: لم يؤذن له في النظر على وجه يأمن، بل أذن له فيها مطلقا.
٦٧٨٦ - احتجوا: بقوله عليه [الصلاة و] السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه).
٦٧٨٧ - قلنا: المراد: مأثم الخطأ، وليس المراد به: حكم الخطأ، وقد بينا ذلك فيما تقدم. ولأن المعنى المفطر ليس يقف على فعله، وإنما يقف بوصول واصل إلى الجوف وذلك لا يوصف بعمد ولا خطأ، فلا يتناوله الخبر.
٦٧٨٨ - قالوا: وصل إلى جوفه بغير اختياره، فوجب أن لا يفطر، أصله: الذباب وغبار الطريق والدقيق.
٦٧٨٩ - قلنا: الذباب يصل على وجه لا يفطر؛ لأنه يخرج حيا على هيئته، فلم يفطر وصوله، والماء لا يصل على وجه لا يفطره، ولأنه لا يخرج على هيئته، فلذلك فطره وصوله. ولأن الذباب مختلف في بقاء الصوم مع عمده، فجاز أن يخف حاله عند عدم القصد، والطعام والشراب لا يسوغ الاجتهاد في بقاء الصوم مع حال
стр. 1462
العمد، فجاز أن يفطره عند عدم القصد. ولأن ما لا يقصد به الأكل، والشرب، حكمه أخف ممن يقصده فلم يجز إلحاق التبع بالمتبوع، فترتب الحكم، فإذا تناول ما يقصد بالتناول باختياره أفطر ولزمته الكفارة. فإذا [وصل بغير اختياره، فالقضاء، دون الكفارة، وما لا يقصد بالتناول إذا] وصل باختياره فطره، ولم يلزمه الكفارة وإن وصل بغير اختياره، لم يفطره.
٦٧٩٠ - قالوا: الفطر يقع بالواصل والخارج- وهو القيء- ثم ثبت ان الفطر بالخارج يقع في حق المختار، دون المغلوب، فكذا الواصل.
٦٧٩١ - قلنا: القيء يوجد سببه باختياره، وقد يحصل المسبب، ولا يحصل السبب، وإذا حصل غلب وأفطر، كذلك المضمضة تحصل باختياره، وقد يصل منها وقد لا يصل، فإذا وصل مغلوبا أفطر، فلا فرق بينهما.
٦٧٩٢ - قالوا: هذا اعذر من الناسي.
٦٧٩٣ - قلنا: بل الناسي أعذر منه؛ لأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز من النسيان ويمكنه الاحتراز من وصول الماء بالمضمضة.
* * *
стр. 1463
مسألة ٣٨٧
إذا أقطر في إحليله لم يفطر كالحجامة
٦٧٩٤ - قال أصحبنا: إذا أقطر في إحليله لم يفطر، كالحجامة ولأن ما يقطر في الإحليل لا يصل إلى الجوف ولا الدماغ، فصار كالجراحة التي لا تنفذ.
٦٧٩٥ - احتجوا: بأنه مفسد يقع الفطر بالخارج منه، فكذلك بالواصل، كالفم.
٦٧٩٦ - قالوا: ولأن الفطر بالواصل أعظم، بدلالة: الذي يفطر بالواصل منه دون الخارج، فإذا أفطر في مسألتنا بالخارج [فالواصل أولى ..
٦٧٩٧ - قلنا: عن أردتم أنه يفطر بالواصل منه دون الخارج، فإذا أفطر في مسألتنا
стр. 1464
بالخارج]، فالواصل إلى الجوف أولى وإن أردتم الواصل مطلقا، بطل بما وصل إلى الفم، ولم يصل إلى الجوف لا يقع به الفطر.
* * *
стр. 1465
مسألة ٣٨٨
إذا اشتبهت الشهور فصام قبل رمضان لم يجزئه
٦٧٩٨ - قال أصحابنا: إذا اشتبهت الشهور فصام قبل رمضان، لم يجزه.
٦٧٩٩ - وهو ظاهر مذهب الشافعي، وله قول آخر: غنه يجيزه إذا علم بعد مضي رمضان، فإن علم قبل مضيه لم يجزئه.
٦٨٠٠ - لنا: أنه أدى العبادة قبل وجوبها، ووجود سبب وجوبها، فصار كمن أداها مع العلم، أصله: الصلاة قبل الوقت. ولا يلزم العصر بعرفة؛ لأنه يؤدى قبل وقتها مع العلم، ولأنه صام قبل وجوب الصوم، فلم يجزئه، كمن صام في الكفارة قبل الحرج. ولأنها عبادة مؤقتة، فأداؤها قبل وقتها باجتهاد كأدائها مع العلم، أصلها: الصلاة. ولأن كل عبادة تتعلق بأدائها وجوبها لم يتعين ذلك إذا علم بوقتها، كالزكاة.
٦٨٠١ - احتجوا: بأنها عبادة تجب في إفسادها الكفارة، فإذا أداها باجتهاد قبل وقتها أجزأه، كالحج.
٦٨٠٢ - قلنا: هذا غير مسلم؛ لأن عندنا إن وقفوا يوم النحر جاز، وإن وقفوا
стр. 1466
يوم التروية لم يجز، فالحج والصوم سواء.
٦٨٠٣ - فإن قالوا: في الحكم فوجب أن يجوز فيها حال الاشتباه ما لا يجوز في غيرها.
٦٨٠٤ - قلنا: بموجبها في جواز الصوم عن رمضان قبل أن يعلم بدخول وقته.
* * *
стр. 1467
مسألة ٣٨٩
إذا أفاق المجنون في شهر رمضان لزمه قضاء ما مضى منه
٦٨٠٥ - قال أصحابنا: إذا أفاق المجنون في شهر رمضان، لزمه قضاء ما مضى منه، وإن استوعب الجنون الشهر لم يلزمه.
٦٨٠٦ - وذكر في المنتقى عن أبي يوسف: أن المجنون الأصلي والطارئ سواء. وروى ابن سماعة عن محمد: أن من بلغ مجنونا ثم أفاق في بعض الشهر، لم يلزمه القضاء، كالصبي إذا بلغ.
٦٨٠٧ - وقال الشافعي: يصوم ما بقي، ولا يقضي بعضه. ومن أصحابه من قال: يقضي، وإذا طرأ الجنون على الصوم أبطله، كالحيض.
стр. 1468
٦٨٠٨ - لنا: قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وهذا عام فيمن شهد بعضه أو كله، يقال: شهدت الحرب، وشهدت الجماعة. وإن أدرك بعضها، فاقتضت الآية وجوب جميع الصوم على من شهد بعضه أو جميعه.
٦٨٠٩ - فإن قيل: المراد بالآية من شهده بالإفاقة.
٦٨١٠ - قلنا: والتكليف مراد، فكأنه قال: من شهده بالإفاقة مكلفا، وهما لا يتنافيان، وكذلك نقول.
٦٨١١ - فإن قيل: المراد بالآية: فمن شهد بعض الشهر، فليصم ذلك البعض.
٦٨١٢ - قلنا: إذا كان قوله: ﴿فمن شهد﴾ عام، فمن شهد البعض مثله؛ لأن قوله: (فليصم) كناية واحدة، ولا يراد بها أمران مختلفان.
٦٨١٣ - ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، والجنون نوع مرض، فاقتضت الآية وجوب القضاء على المجنون بكل حال إلا ما منع منه دليل.
٦٨١٤ - فإن قيل: الجنون عارض في العقل، وليس بمرض.
٦٨١٥ - قلنا: هو عارض في البدن، يغير العقل، وهو فساد، خلط السوء يبين ذلك: أن من وقف على مداواة المرض جاز صرف وصفه إلى مداواة المجانين، ولأنه معنى لا ينافي حكم الحول، فلا يمنع وجوب قضاء الصوم، كالحيض، والجنون،
стр. 1469
والإغماء وعكسه الكفر إذا كان سببه معصية. ولأنها عبادة لا تجب في السنة إلا مرة. فإذا اعترض الجنون في وقتها لا يسقط فرضها عنه، كالزكاة، والحج. ولأنه ركن من أركان الشريعة مؤقت فإذا أدرك بالإفاقة جزءا من أول الوقت؛ لأن ذلك ليس بوقت للوجوب ولأن كل معنى إذا حصل بسبب معصية لم يقف القضاء، كذلك إذا حصل بغير معصية كالنفاس.
٦٨١٦ - والدليل على أن النية إذا صحت من الليل لم يناف الجنون الصوم؛ لأنه معنى ينقض الطهارة الصغر دون الكبرى، فلا ينافي الإمساك، فصار كالنوم. ولأن الجنون لا ينقض الطهارة الكبرى، ولا يحبط ثواب الأعمال، ولا يضاد الإمساك، ولا يبطل الصوم، كالمرض والنوم. ولا يلزم القيء لأنه ينافي الإمساك مما يتراجع منه إلى الجوف.
٦٨١٧ - وإذا ثبت هذا قلنا: ما لا ينافي صحة النوم لا ينافي القضاء، كالنوم والإغماء. ولا يلزم إذا أطبق الشهر؛ لأن المانع ليس هو الجنون، وإنما المانع: أنه لم يدرك جواز وقت العبادة بالتكليف. ولأن اعتراض الجنون في بعض الشهر لا يمنع وجوب صومه، أصله: إذا جن بالليالي.
٦٨١٨ - احتجوا: بقوله عليه/ [الصلاة و] السلام: (رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق).
стр. 1470
٦٨١٩ - قلنا: هذا يقتضي ارتفاع الخطاب عنه في حال جنونه، والكلام بيننا في وجوب القضاء عند إفاقته، والخبر لا يدل على هذا.
٦٨٢٠ - فإن قيل: إذا لم يخاطب بالأصل لا يخاطب بالقضاء.
٦٨٢١ - قلنا: يبطل بالحائض، والنفساء، والمغمي عليه، والمريض، والنائم.
٦٨٢٢ - قالوا: معنى إذا وجد في جميع الشهر لم يجب قضاءه، فإذا وجد في بعضه لم يجب قضاؤه، أصله: الصغر والكفر، وعكسه النفاس.
٦٨٢٣ - قلنا: إذا جن بالليل فأفاق في كل يوم قبل الفجر، فلم يبق هذا العارض، لو غم الشهر لم يجب القضاء، وإذا وجد في بعضه وجب القضاء، ولأنه إذا وجد في جميع الشهر، لم يدرك بالتكليف جزءا من وقت العبادة، وإذا أفاق فقد أدرك جزءا منها، وفرق في الأصول بينهما، بدلالة الصلاة.
٦٨٢٤ - وقد بينا فيما مضى أن الصوم في الشهر عبادة واحدة وأن جزءا منها واحد. ولأن البلوغ جعل في الشريعة حدا للخطاب، فلم يجز أن يوجب ما تقدم عليه؛ لأنه إبطال للحد الشرعي، والإفاقة لم تجعل في الشرع حدا للتكليف بدلالة: أن الخطاب قد يتقدم على الجنون، فتثبت التكليف، ثم يسقط ويعود، فلم تكن الإفاقة جزءا، وإيجاب ما تقدمها لا يمنع، فأما الكفر فجميعه ينافى القرب ويبطلها، فإذا زال لم يجز إيجاب ما تقدم. ولأن الإسلام جعلته الشريعة مسقطا
стр. 1471
لما تقدم عليه في التفريط في القرب، فلم يجز إيجاب القضاء مع وجود المعنى المسقط؛ والإفاقة ليس كذلك، فإنها لا تسقط عن ذمة المجنون ما تقدم عليها فعلا له قضاء ما كان عليه قبل جنونه. ولأن الجنون له شبه بالإغماء؛ لأنه يطول ويقصر ويؤثر في التمييز، وله شبه بالصغر؛ لأنه يستحق الولاية فأعطى الشبه.
٦٨٢٥ - فقلنا: إن استغرق الوقت ألحقناه بالصغر، وإن لم يستغرق ألحقناه بالنوم.
٦٨٢٦ - قالوا: صوم فات في حالة جنونه، فلا يجب قضاؤه، أصله: إذا استغرق جميع الشهر، وإذا أفاق المجنون الأصلي في بعض الشهر.
٦٨٢٧ - قلنا: قد بينا الفرق بين استغراق المدة بالجنون وبين الإفاقة في بعضها وقصرناه بوقت الصلاة. فأما إذا بلغ الصبي مجنونا فأفاق في بعض الشهر، فقد بينا أن عليه القضاء على ما روي عن أبي يوسف، وهو الصحيح فأما على قول محمد فإن الجنون إذا تخلل بين التكليفين صار عارضا، فمتى زال في الوقت فكأنه قال: لم يعرض فيه، وإذا بلغ واستمر به الجنون، فالبلوغ لم يؤثر في التكليف، فصار حال الإفاقة كابتداء البلوغ.
* * *
стр. 1472
مسألة ٣٩٠
يستحب السواك للصائم أول النهار وآخره
٦٨٢٨ - قال أصحابنا: يستحب السواك للصائم أول النهار وآخره.
٦٨٢٩ - وقال الشافعي: يستحب في أوله، ويكره في آخره.
٦٨٣٠ - لنا: ما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (خير خصال الصائم السواك). وهذا عام في أول النهار وآخره. ولأن السواك خير خصال غير الصائم، فتخصيص الصائم لا فائدة له، إلا أنه يزيل الرائحة حتى لا يتأذى به الناس والملائكة إذا قرأ القرآن.
٦٨٣١ - ويدل عليه: ما روى إبراهيم بن يوسف البلخي، أخو عصام بن يوسف.
стр. 1473
٦٨٣٢ - قال: حدثنا أبو إسحاق: قال: سألت عاصما الأحول أيستاك الصائم؟ قال نعم [قلت: برطب السواك ويابسه؟ قال: نعم، قال: قلت: أول النهار وآخره؟ قال: نعم [قلت: عمن؟ قال: عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ .
٦٨٣٣ - وقولهم: أبو إسحاق ضعيف، ليس بشيء؛ لأنه فقيه، روى عنه إبراهيم ابن يوسف، وهو فقيه. [وأصحاب الحديث يطعمون على من يكتب الفقه ويفتي بالرأي. ولأنه تطهير للفم لا يكره أول النهار، فلا يكره أخره، كالمضمضة]. أو نقول: تطهير للفم، فلا يختلف بالغداة والعشي؛ ولأن ما لا
стр. 1474
يكره للصائم فعله قبل الزوال لا يكره بعده كالمضمضة، وعكسه المبالغة. ولأنه تطهير سن في أول النهار للصائم، فلا يكره آخره، كالاستنشاق.
٦٨٣٤ - احتجوا: بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
٦٨٣٥ - قلنا: هذا لا دلالة فيه، فإن الله تعالى مدح الصائم، فبين عليه [الصلاة و] السلام أن الرائحة التي تكره منه أفضل عند الله من الرائحة الطيبة. وهذا يدل على أنها لا تزال، ألا ترى أن المضمضة تخففها ثم لا تكره، والأكل بالليل يزيلها ولا يكره، فكذلك لا تكره إزالتها بالسواك.
٦٨٣٦ - ولأن الخلوف الممدوح عليه، هو رائحة الفم من خلو المعدة، والسواك يزيل وسخ الأسنان، ولا يزيل ما كان من المعدة، فلم يصح استدلالهم.
٦٨٣٧ - احتجوا: بحديث ذكره الدارقطني، عن أبي عمر كيسان عن يزيد بن هلال عن علي ﵁ قال: (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي فإنه ليس من صام تيبس شفتاه بالعشي إلا كانت نورا بين عينيه يوم
стр. 1475
القيامة).
٦٨٣٨ - قال: ورواه كيسان أبو عمرو، عن عمرو بن عبد الرحمن عن كتاب عن النبي ﷺ ، وهذا كتاب لا يحل أن يخلط بحديث رسول الله ﷺ ولا يغتر بها. فإن كيسان هو أبو عمرو، الذي ينسب إليه الكيسانية، وهو مشهور بالكفر، ومن قال: بنبوة المختار، وكان سادن الكرسي الذي زعم المختار، أنه في هذه الأمة كالتابوت في بني إسرائيل، وكيسان لعنه الله قتل محمد بن عمار بن ياسر بالسيف؛ لأنه قدم عليهم وكذبوا على رسول الله ﷺ أحاديث وقالوا له: ترويها عن أبيك، عن النبي ﷺ فأبى.
٦٨٣٩ - فقالوا: فنرويها وأنت حاضر، فتمسك فامتنع، فقام له كيسان بالسيف فقتله، فكيف يستحسن ذكر هذا في كتاب العلماء؟ ولولا خوفي أن يغتر به من لا يعرفه لم أتشاغل بذكره لشهرة حاله.
٦٨٤٠ - قالوا: فقد روى نافع عن ابن عمر ﵄ (أنه كان يستاك ما بينه وبيني الظهر، ولا يستاك بعد ذلك). وهذا لا يكون إلا توقيفا.
следующие страницы →