← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 17768

التجريد للقدوري

القدوري

Полный текст (6 324 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٦٠٥ - وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء حتى يكون دمًا سائلًا)). ولأنها نجاسة خارجة من البدن؛ فكان لنوعها تأثير في إيجاب الوضوء، كالخارج من السبيل. ولأن الطهارة على ضربين: طهارة إزالة، وطهارة حدث، فإذا جاز أن تتعلق إحدى الطهارتين بالخارج من غير السبيل فالآخر مثله. ولأن الحكم يتعلق بالخارج دون المسك، بدلالة اختلاف الحكم باختلاف صفة الخارج مع اتفاق المسلك. ولأن أحد نوعي الطهارة يعتبر فيه الخارج دون المسلك، فكذلك النوع الآخر. ٦٠٦ - ولا يقال: إن الريح والدود والحصى ينقض الوضوء من السبيل ولا ينقض من غيره، واختلف الحكم باختلاف المسلك؛ وذلك لأن الحكم يختلف بالخارج أيضًا، ألا ترى أن نجاسة ما خرج من السبيل أغلظ فتعلق بقليلها الوضوء، ولم يتعلق بقليل غيرها؟ وإذا ثبت اعتبار الخارج النجس، وهو موجود من غير السبيل؛ فنُقِضَ الوضوء. ٦٠٧ - احتجوا: بحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((لا وضوء إلا من صوت أو ريح)). ٦٠٨ - والجواب: أنه لا يمكن اعتبار عمومه؛ لعلمنا أن نواقض الوضوء كثيرة بالاتفاق، وإذا لم يمكن اعتبار عمومه قصر على سببه، وهو ما روي أنه ﷺ سئل عن الشك فقال ذلك، فكأنه قال: لا وضوء عند الشك إلا من صوت أو ريح.

стр. 142

٦٠٩ - قالوا: روى حميد عن انس ﵁ قال: احتجم رسول الله ﷺ فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه. ٦١٠ - قلنا: رواه صالح بن مقاتل، وهو مجهول، وحميد الطويل مدلس، ولم يروه عن حميد من الأثبات أحد، وإنما رواه أبو أيوب القرشي. ولأن أكثر ما فيه أنه لم يشاهده يتوضأ فيجوز أن يكون توضأ بغير حضرته. ٦١١ - احتجوا: بحديث ثوبان أنه قال للنبي ﷺ : أفريضة الوضوء من القيء؟ فقال: ((لو كان فريضة لوجدته في القرآن)). ٦١٢ - قلنا: قال الدارقطني: لم يروه عن الأوزاعي غير عبيدة بن السكن، وهو منكر الحديث. ولأن النبي ﷺ نفى كون فرضًا، وكذلك نقول؛ لأنه ليس بفرض عندنا، وإنما هو واجب. والفرض ما ثبت بنص القرآن وبدلائل مقطوع بها، ألا ترى أن النبي ﷺ لم يقصد إسقاط وجوب ما ليس في القرآن، فثبت أنه أراد ما ذكرناه. ٦١٣ - قالوا: خارج من غير مخرج الحدث، كالدود. ٦١٤ - قلنا: اعتبار المخرج لا معنى له؛ لما ذكرناه، ولأن الدود لا ينقض الطهارة بنفسه، وإنما ينقض النجاسةُ المقارنة له، وما كان من السبيل فنجاسته أغلظ، فلم يتعلق بقليله وإن تعلق بكثيره، ولخفة النجاسة تأثير بالاتفاق، كبول ما يؤكل لحمه وبول

стр. 143

ما لا يؤكل لحمه، ونجاسة البول والدم عندهم. ٦١٥ - قالوا: كل ما لم ينقض قليله الوضوء لم ينتقض كثيره، كالبلغم. ٦١٦ - قلنا: القليل قد يسقط حكمه لقلته وإن لم يسقط حكم الأكثر، كما عفي عن إزالة قليل الدم وإن لم يعف عن كثيره. ٦١٧ - ولأن المعنى في البلغم أنه لا تتعلق به إحدى الطهارتين فلم تتعلق به الأخرى. ولما تعلق بالخارج من إحدى السبيلين أحد الطهارتين جاز أن يتعلق به الأخرى. ٦١٨ - قالوا: طهارة ينقضها الخارج من مخرج الحدث فلم ينقضها الخارج من غيره، كالغسل. ٦١٩ - قلنا: يبطل بطهارة النجاسة. ثم الأصل غير مسلم؛ لأن المني لو خرج إلى قصبة الذكر على وجه الدفق والشهوة ثم انفصل من جراحة في الذكر، تعلق به الغسل عندنا، ويترجح ما ذكرناه بأنه ناقل ومثبت لحكم شرعي ومسوِّي لطهارة الحدث والإزالة.

стр. 144

مسألة ٣١ نقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة ٦٢٠ - قال أصحابنا: القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء. ٦٢١ - خلافًا للشافعي. ٦٢٢ - لنا: ما رواه أبو حنيفة عن منصور بن زاذان عن الحسن عن معبد الجهني: أن النبي ﷺ كان يصلي وأصحابه خلفه، فجاء أعرابي فتردى في زيبة،

стр. 145

فضحك بعضهم حتى قهقه، فأمر النبي ﷺ من ضحك منهم فليعد الوضوء والصلاة. وروى سلام بن مطيع عن النبي ﷺ القصة. ورواها الحسن وإبراهيم وأبو العالية عن النبي ﷺ . وروى عمرو بن عبيد عن الحسن عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ضحك في الصلاة فليعد الوضوء والصلاة)). ٦٢٣ - وقولهم: رواه عمر بن قيس مسندا عن عمرو، وهو متروك. ٦٢٤ - قلنا: هذا فقيه مكة ومفتيها، مثل مالك بالمدينة. وروي عنه شعبة، وإنما طُعن عليه لكثرة المزح. ورواه الحسن عن أبي هريرة عن

стр. 146

النبي ﷺ . ٦٢٥ - قالوا: رواه عبد العزيز بن الحصين، عن عبد الكريم بن أمية، وعبد العزيز ضعيف، وابن أمية متروك. ٦٢٦ - قلنا: قولهم: ضعيف لا يحتج به حتى يبينوا جهة الضعف. وأبو أمية روى عنه أبو حنيفة حديث الشفعة، وروى عنه مالك في الموطأ. وروى الحسن بن دينار عن الحسن عن أبي المليح عن أسامة، عن النبي ﷺ القصة. ٦٢٧ - وقولهم: الحسن بن دينار ضعيف ليس بصحيح؛ لأن أبا يوسف روى عنه وقد روى هذا الخبر الحسن بن عمارة، عن خالد الحذاء، عن أبي المليح عن أبيه. ٦٢٨ - ولأن هذه قصة مشهورة رواها الحسن وأبو العالية وابن سيرين من أهل البصرة وأفتوا بها. وروى إبراهيم في علماء الكوفة وأفتوا بها، والزهري في علماء الحجاز وأفتى بها، والأوزاعي في علماء الشام وأفتى بها. ومثل هذا لا يطعن عليه بضعف الرجل بالإرسال. ٦٢٩ - وقد قال ابن سيرين: كنا نؤمر ونحن صبيان في الكُتَّاب أن نعيد

стр. 147

الوضوء، وإنما كان يأمرهم في ذلك الوقت الصحابة. ولأنها عبادة يبطلها الحدث؛ فجاز أن يبطلها القهقهة، كالصلاة. ولأن ما يظهر من بدن بني آدم يؤثر في حكم الصلاة قسمين: أحدهما: يوصف، والآخر: لا يستحق هذه الصفة. فإذا جاز أن ينقض الطهارة ما هو من النجس، كذلك الآخر. ولأنه مخرج يتعلق به الإفطار فجاز أن يتعلق بالخارج منه نقض الوضوء، كالسبيلين. ٦٣٠ - احتجوا بما رواه جابر: أن النبي ﷺ قال: ((الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء)). ٦٣١ - والجواب: أن الدارقطني قال: إن المنذر بن عمار روى هذا الحديث عن أبي شيبة، الإسناد بعينه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء)). ٦٣٢ - ولأن أبا شيبة إبراهيم بن عثمان قاضي واسط كذاب. ٦٣٣ - وقد طرق الدارقطني هذا الحديث عن جابر، قال: والصحيح أنه من قوله. ٦٣٤ - وقد روى الأعمش عن سعيد عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من

стр. 148

ضحك في الصلاة فليعد الوضوء والصلاة)) وذكر أبو يوسف عن ابن أبي ليلى عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: لا وضوء فيه، وإنما كان ذلك خاصا بمن ضحك خلف النبي ﷺ . ٦٣٥ - وهذا يعارض خبر جابر، فيسقط، وخبرنا روي من غير تعارض. وإن ثبت حملناه على الضحك الذي دون القهقهة إذا بانت فيه الحروف؛ لأن ذلك ينقض الصلاة عندنا دون الوضوء. ٦٣٦ - ولا يجوز حمل أخبارنا على الاستحباب؛ لأن ذلك ليس بقول لأحد. ولأنه أثبت به الوجوب في إعادة الصلاة، فكذلك في إعادة الوضوء. ويجوز أن يحمل خبرهم على القهقهة في صلاة الجنازة. ٦٣٧ - قالوا: روى سهل بن معاذ عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: ((الضاحك، والمتلفت، والمفرقع أصابعه؛ سواء)). ٦٣٨ - قلنا: رواه ابن لهيعة، وهو لا يعتمد على روايته عن زبان بن فائد، وهو ضعيف جدًّا، ذكره الساجي في الضعفاء.

стр. 149

٦٣٩ - قال البستي: هذا خبر رواه زبان بن فائد عن سهل بن معاذ وقال: سهل منكر الحديث، ولست أدري أوقع الغلط منه أو من زبان بن فائد، على أن رواية زبان عن رشدين بن سعد وزبان ليس بشيء ولأن المساوي الالتفات، هو ما دون القهقهة؛ وذلك لا ينقض الوضوء عندنا. ٦٤٠ - قالوا: ما لا يكون حدثًا خارج الصلاة فلا يكون حدثًا فيها، كالكلام. ٦٤١ - قلنا: يجوز أن يختلف حال العبادة وما قبلها في حال المحظورات، فيغلظ ما صادف العبادة، ويخف ما لم يصادفها، كالوطء في الإحرام والصوم. ٦٤٢ - قالوا: حال الصلاة أحفظ للصلاة مما قبلها، بدلالة رؤية سؤر الحمار

стр. 150

عندكم، ورؤية الماء عندنا. ٦٤٣ - قلنا: أما رؤية الماء؛ فلا يختلف عندنا في التيمم، وأما سؤر الحمار؛ فلا يختلف أيضًا؛ لأن من رأى سؤر الحمار من غير الصلاة فصلى بالتيمم ثم صلى به جاز، وفي الصلاة إذا أداها بالتيمم ثم استعمله وصلى جاز فلم يختلف عندنا، ثم المعنى في الكلام أن جنسه يوجد في الصلاة غير مفسد لها، وجنس القهقهة لا يوجد إلا مفسدًا، وهو ما يوجد باختياره وغير اختياره، فجاز أن ينقض الوضوء. ٦٤٤ - قالوا: ما لم يكن حدثًا في صلاة الجنازة والعيدين لم يكن حدثًا في غيرها. ٦٤٥ - قلنا: أما في العيدين فهو حدث، وأما الجنازة فقد خف حكمها في الطهارة؛ فجاز أن يخف ما يؤثر فيها. ٦٤٦ - قالوا: كل ما لم يكن قليله حدثًا لم يكن كثيره حدثًا، كالمشي. ٦٤٧ - قلنا: يمتنع أن يختلف قليل القهقهة وكثيرها في الوضوء كما اختلف في الصلاة، وتبطل بالخارج من غير السبيلين عندنا.

стр. 151

مسألة ٣٢ حكم المني إذا كان بلا دفق أو شهوة ٦٤٨ - قال أصحابنا: إذا خرج المني على غير وجه الدفق والشهوة، لم يجب الغسل. ٦٤٩ - خلافًا للشافعي. ٦٥٠ - لأنه خارج على غير وجه الدفق والشهوة، فلم يتعلق بخروجه جنابة، كالمذي. ٦٥١ - وقولهم: إن قولكم جنابة احترازكم عن الحيض، وإلا فالغسل من الجنابة والحيض سواء، غير صحيح؛ لأن قولنا: جنابة عبارة عن حدث لا يمنع وجوب الصلاة ويؤثر في المنع من الوطء، ولأن خروج المني على وجه الدفق والشهوة أعلى أحواله، وهو المعتاد، وخروجه على غير وجه الدفق أدنى أحواله، وهو النادر، فلم يتعلق بالأدنى منه ما يتعلق بالأعلى، كدم الحيض والاستحاضة، ولأنه خارج لا يجب به المضمضة فلم يجب به الغسل، كاليدين. ٦٥٢ - احتجوا: بقوله ﵇: ((الماء من الماء)). ٦٥٣ - الجواب: أن هذا الخبر لم يثبت عن النبي ﷺ ، وإنما هو من قول

стр. 152

الأنصار، فلو ثبت كان معناه: الاغتسال من الإنزال. ٦٥٤ - ولا يقال إنزال إلا فيما استحدثه الإنسان، وذلك لا يوجد فيما اختلفنا فيه. ٦٥٥ - قالوا: إنزال يوجب أن يتعلق به الاغتسال، كما لو كان للشهوة. ٦٥٦ - قلنا: لا نسلم أنه إنزال، ولأن المعنى فيما كان لشهوة أنه خرج على أعلى أحواله، فتعلق به أعلى الطهارة، كدم الحيض، وهذا خرج على أدنى الأحوال، فلم يتعلق به أعلى الطهارة، كدم الاستحاضة. ٦٥٧ - قالوا: ما أوجب الاغتسال إذا كان للشهوة فإنه يوجبه إذا كان لغير الشهوة، كالتقاء الختانين. ٦٥٨ - قلنا: الموجب له الإنزال للشهوة، وذلك لا يتصور لما كان لغير الشهوة؛ لأن ما يخرج من غير سبب منه لا يقال له إنزال، فلا يصح ما قالوه، ولأن التقاء الختانين لا يكون إلا مع الانتشار، وما حصل من غير انتشار؛ فلا يعرف وجوب الغسل منه. ٦٥٩ - قالوا: المني إذا خرج من النائم أوجب الغسل وإن لم يعلم خروجه على وجه الشهوة. ٦٦٠ - قلنا: القياس أن لا يوجب الغسل بهذا، وإنما استحسنوا لأن الظاهر خروج المني بالاحتلام، وخروجه من غير احتلام ليس بظاهر، فحمل على الأغلب احتياطًا.

стр. 153

مسائل التيمم [ ٣٣ - ٦٠] مسألة ٣٣ ما يكون به التيمم ٦٦١ - قال أبو حنيفة ومحمد: يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض. ٦٦٢ - وقال أبو يوسف والشافعي: لا يجوز إلا بالتراب. ٦٦٣ - لنا: قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾. ٦٦٤ - قال الخليل: الصعيد: وجه الأرض. ٦٦٥ - وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: إن الصعيد وجه الأرض.

стр. 154

٦٦٦ - وذكر أبو بكر الرازي ﵀ عن غلام ثعلب، عن ثعلب، عن ابن الأعرابي، أن الصعيد اسم الأرض، والقبر، والطريق. ٦٦٧ - ولأن العرب تقول: عقبة صعود. ٦٦٨ - وقال الله تعالى: ﴿صعيدًا زلقًا﴾. ولا يقال: تراب زلق. ٦٦٩ - قالوا: قال ابن عباس ﵄: الصعيد: التراب. ٦٧٠ - قلنا: الظاهر أنهم لا يعلمون اللغة، وإنما يعلمون الأحكام؛ فكأنه قال: الصعيد المراد بالآية عندي: التراب، فلا يلزمنا اعتقاده.

стр. 155

٦٧١ - قالوا: الاسم مشترك، لا يصح الاستدلال به. ٦٧٢ - قلنا: الاسم المشترك إذا جمع المسميات بمعنى واحد جاز حينئذ الاستدلال به؛ كالأخ الذي يتناول الإخوة المختلفين لاجتماعهم في معنى واحد، وهو الانتساب إلى أحد الأبوين، كذلك الصعيد فيما تصاعد. ٦٧٣ - قالوا: قال الله تعالى: ﴿صعيدا طيبا﴾، والطيب: ما أنبت. ٦٧٤ - قلنا: الطيب: الطاهر. ٦٧٥ - ولو ثبت ما قالوه كان دليلًا عليهم؛ لأن الرمل والحجر ينبت، والسبخة لا تنبت ويتيمم به عندهم. ٦٧٦ - ويدل عليه: حديث أبي ذر، أن النبي ﷺ قال: ((جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)). ٦٧٧ - قالوا: اسم الأرض لا يتناول الجبل، يقال: نزلنا من الجبل إلى الأرض. ٦٧٨ - قلنا: حد السهل، ألا ترى أنهم يقولون: سرنا على أرض الجبل، وقد قال الله تعالى: ﴿فسلكه ينابيع في الأرض﴾، وإن كان في الرمال والجبال؛ فدل

стр. 156

على أن الجميع يسمى أرضًا. ٦٧٩ - قالوا: روى أبو حذيفة أن النبي ﷺ قال: ((وترابها طهور)). ٦٨٠ - قلنا: إن كان خبرًا واحدًا والأعم أصل الخبر، وإن كان خبرين استعملناهما جميعًا. ٦٨١ - ولا يقال: إن خبرنا مقيد فيقضي على المطلق؛ لأنا لا نقول بذلك، بل نستعمله المقيد على تقييده، والمطلق على إطلاقه. ٦٨٢ - ويدل عليه: ما رواه سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أكون بأرض رملة، فيعني: أنا نكون بالرمل فتصيبنا الجنابة والحيض والنفاس، ولا نجد الماء أربعة أشهر، أو خمسة أشهر فقال: ((عليكم بالأرض)). ٦٨٣ - ولأنه جزء من أجزاء الأرض طاهر كالتراب. ولأن كل بقعة من الأرض جازت الصلاة عليها جاز التيمم منها، كبقعة التراب. ٦٨٤ - ولا يلزم مكان النجاسة إذا ذهب أثرها؛ لأنه روي عن أبي حنيفة جواز التيمم منه، ولأن علتنا البقعة دون الأحوال، وتلك البقعة يجوز التيمم منها إذا طهرت، وبهذا يجاب عن النجاسة إذا كانت في موضع السجود. ولأنها تقع بالجامد عند تعذر أصلها فلم تختص بالتراب، كالدباغ والاستجمار.

стр. 157

٦٨٥ - احتجوا بقوله ﷺ : ((التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء)). ٦٨٦ - والجواب: أن هذا يدل على وقوع التطهير بالتراب، وكذلك نقول، فأما أنه لا يقع بغيره، يقف على دلالة. ٦٨٧ - احتجوا بحديث عمار، أن النبي ﷺ قال: ((إنما يكفيك أن تضرب بكفيك ضربتين في التراب)). ٦٨٨ - والجواب: أن المشهور: ((إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على التراب)). وهذا أعم؛ فكان أولى. ولو ثبت ما قالوه، دل على وقوع الكفاية بالتراب، ولم يثبت غيره. ٦٨٩ - قالوا: الطهارة تقع بمائع وجامد، فإذا اختصت بأعم المائعات وجودًا اختصت بأعم الجامدات وجودًا. ٦٩٠ - قلنا: الطهارة بالمائع تعلقت بجنس يجوز منه ما يعم وجوده وما لا يعم وجوده، كماء الشجر، وماء زمزم، وكذلك بالجامد، فتعلق بما يعم وبما لا يعم. ٦٩١ - ولأنا علقنا التيمم بما يعم وجوده وزدنا عليه غيره، فجعلناه أوسع من الأصل الذي يتعلق بنوع واحد. والآية تثبت عند الضرورة؛ فيجوز أن يتسع لأجل الضرورة. ٦٩٢ - قالوا: عين مودعة في الأرض للمنافع؛ فلا يجوز التيمم بها، كالذهب والحديد.

стр. 158

٦٩٣ - قلنا: لا نسلم أن الجص مودع في الأرض، وإنما هو منها، وصفته صفتها، وله غبار؛ ويتفتت، وليس إذا خالفها في الصفة ما يدل على أنه يكون من غيرها، كالطين الأحمر وما يجري مجراه من التراب المتغير. ٦٩٤ - فأما الذهب والحديد: فهما على صفة الأرض، ولا يوجد فيهما التفتت والغبار، فدل على أنهما من غير جنسه.

стр. 159

مسألة ٣٤ التيمم بما كان من جنس الأرض ٦٩٥ - قال أبو حنيفة: يجوز التيمم إذا وضع يده على صخرة لا تراب عليها. ٦٩٦ - خلافًا للشافعي. ٦٩٧ - لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾، وقد دللنا على أن الصعيد وجه الأرض، فاقتضى جواز التيمم به. ٦٩٨ - ولا يقال: إن الله تعالى قال: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ وهذا يقتضي التبعيض؛ وذلك لأن ظاهر (من) الابتداء، فأما التبعيض فليس بظاهر، ومن حكم اللفظ أن يحمل على ظاهره، وتكون فائدة الآية: أن النية يجب أن يبتدأ بها عند وضع يده على الصعيد، ولأنها بقعة من الأرض فجاز التيمم منها، كالتراب. ٦٩٩ - ولأنه مسح أقيم مقام غسل، فلا يكون من شرطه استعمال ما يتطهر به في العضو، كالمسح على الخفين. ولا يعكس فيقال: فوجب اعتبار الممسوح به؛ لأنهم لا يحتاجون إلى قولهم: أقيم مقام غسل، ولأنها عبادة تختص بما هو من جنس الأرض، فجاز إسقاطها بالحجر، كرمي الجمار. ٧٠٠ - احتجوا بالآية، وهي دلالة لنا، وبالأخبار التي قدمناها. ٧٠١ - قالوا: مسح في الطهارة، فافتقر إلى ممسوح به غير اليد، كالخف.

стр. 160

٧٠٢ - قلنا: قد بينا أن مسح الخف دلالة لنا؛ لأن استعمال الممسوح به في العضو غير معتبر، ولأن ما يقع به التطهير إنما يستعمل في العضو لرفع الحدث به، فمتى كان جنس الفعل لا يرفع الحدث لم يعتبر استعمال ما يتطهر به في العضو، ولا يلزم وضوء المستحاضة؛ لأن جنسه يرفع الحدث، فلذلك اعتبر استعمال ما يتطهر به.

стр. 161

مسألة ٣٥ صلاة الفرض بتيمم النافلة ٧٠٣ - قال أصحابنا: إذا تيمم للنافلة جاز أن يصلي به الفرض. ٧٠٤ - خلافًا للشافعي. ٧٠٥ - لأنها طهارة وقعت للنفل فجاز أن تؤدى بها الفريضة، كالوضوء ولأنه مسح أقيم مقام غسل، كمسح الخف. ولأن كل طهارة وقعت للفرض جاز أن يؤدي بها النفل، فإذا وقعت للنفل جاز أن يؤدي بها الفرض، كالوضوء. ٧٠٦ - وقولهم: إن الوضوء يرفع الحدث، فلهذا المعنى لم يعتبر جهاته، والتيمم لا يرفع الحدث، وإنما يُسْتباح به الصلاة، فاعتبر فيه ما يستبيحه، وهو مانع له، لا يصح؛ لأن هذا يبطل بمسح الخف: لا يرفع الحدث، فلا يعتبر جهاته. ٧٠٧ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ إلى قوله:

стр. 162

﴿فتيمموا﴾ وهذا يقتضي التيمم لكل صلاة. ٧٠٨ - والجواب: أن (إذا) لا تفيد التكرار، فاقتضت الآية التيمم لجنس الصلاة، إلا ما قام عليه الدليل. ٧٠٩ - قالوا: روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من السنة أن لا يصلى بالتيمم إلا صلاة واحدة. ٧١٠ - قلنا: قول الصحابي: السنة كذا، لا يقتضي سنة رسول الله ﷺ ؛ لاحتمال أن تكون سنة الأئمة، ولا تحتمل الاستحباب. ولأنه حجة عليهم، ولأنه يقتضي إذا تيمم للنافلة ولم يصلها أن يصلي الفرض به. ٧١١ - قالوا: تيمم لم ينو به استباحة فرض؛ فأشبه إذا تيمم مع وجود الماء. ٧١٢ - قلنا: لا تأثير للوصف في الأصل، ثم المعنى فيه: أنه لا يجوز أن يؤدي به نافلة؛ فلم يجز أن يؤدي به فرض. ولما جاز في مسألتنا أن يؤدي به النفل؛ جاز أن يؤدي به الفرض. ٧١٣ - قالوا: النفل تبع للفرض؛ فلم يجز أن يكون الفرض تبعًا لها في الطهارة. ٧١٤ - قلنا: هذا يبطل بالوضوء؛ لأنا نجعل الفرض تبعًا للنفل، وإنما يجوز لأنه فعل ما يستباح به الصلاة، كما يبيح الخف للنفل إذا أدى الفرض به.

стр. 163

مسألة ٣٦ حكم رؤية المتيمم للماء وهو في الصلاة ٧١٥ - قال أصحابنا: إذا رأى المتيمم الماء في صلاته بطلت صلاته وتيممه. ٧١٦ - وقال الشافعي: لا تبطل. والكلام في هذه المسألة في ثلاث فصول، أولها: بطلان تيممه. ٧١٧ - والدليل عليه: قوله ﵇: ((التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء)). ولأن كل معنى أبطل التيمم خارج الصلاة أبطله فيها، كالحدث. ولا يلزم رؤية سؤر الحمار؛ لأنا لا نعلم أنه يبطل التيمم في الحالين. ٧١٨ - قالوا: المعنى في الحدث أنه لو وجد في صلاة العيدين والجنازة أبطل التيمم، والماء بخلافه. ٧١٩ - قلنا: علية الأصل لا تصح؛ لأن أصل علتنا الحدث في جميع الصلوات، والجنازة والعيدين داخلة في جملة الأصل، فكأنهم قالوا: المعنى في

стр. 164

الحدث في صلاة الجنازة أنه لو وجد فيها أفسدها. ٧٢٠ - وعلة الفرع لا تصح إلا به؛ لأنه قد يفسد الصلاة بما لا يفسد به صلاة الجنازة، وهو ترك الركوع والسجود. ٧٢١ - ثم صلاة الجنازة تخالف الفرض في الطهارة بإجماع عندنا في جواز هذا التيمم، وعندهم: من تيمم لفرض جاز أن يصلي به على الجنازة، ولم يجز أن يصلي به فرضًا آخر. ٧٢٢ - ولأنه سبب لبطلان طهارة أقيمت مقام غيرها، فاستوى في حال الصلاة وقبلها، كنزع الخف. ولا يلزم القهقهة؛ لأنها لا تبطل الطهارة على الإطلاق، ولا يختص بما قام مقام الغير. ٧٢٣ - قالوا: المصلي لا يجوز له افتتاح الصلاة مع نزع الخف، ويجوز مع وجود الماء بحال إذا خاف العطش. ٧٢٤ - قلنا: الذي يجوز معه الابتداء يجوز معه البقاء أيضًا، والمؤثر حال البقاء يؤثر حال الابتداء. ٧٢٥ - قالوا: نزع الخف ينسب إلى التفريط وهذا لا يوجد في رؤية الماء. قلنا: تبطل بالمستحاضة ينقطع دمها، والعريان يجد ثوبًا، لا ينسبان إلى التفريط، ولا يلزمهم حكم الأصل، فإن سلموا بطلان التيمم. ٧٢٧ - وقالوا: مع ذلك: يمضي على صلاته. ٧٢٨ - قلنا: كل معنى أبطل التيمم منع المضي على الصلاة، كالحدث. ٧٢٩ - والفصل الثاني يدل على وجوب الوضوء؛ لقوله ﷺ : ((فإذا وجدت الماء

стр. 165

فأمسه جلدك)). ولأن القدرة على الأصل قبل إسقاط الفرض بالبدل يوجب الانتقال إلى الأصل، أصله: المكفر إذا قدر على الرقبة قبل الصوم، والمعتدة بالأشهر إذا رأت الدم. ٧٣٠ - قالوا: المعتدة لا تستأنف عند بعض أصحابنا. ٧٣١ - قلنا: هذا يخالف الإجماع. على أنا عللنا للزوم الانتقال، وهذا لا خلاف فيه. ٧٣٢ - قالوا: العدة قد يقع فيها ما لا يعتد به، وهو الطهر في حال الحيض عندكم. ٧٣٣ - قلنا: وقد يقع في حال الصلاة ما لا يعتد به، وهو السجود الذي يدرك الإمام فيه، والصلاة التي يؤديها بسؤر الحمار عندنا، ومن لا يجد ماء ولا ترابًا عندكم. ٧٣٤ - قالوا: المعتبر في العدد الأشهر، إلا أنها تعتد ابتداء بالحيض، ويكون عدتها وضع الحمل. ٧٣٥ - قلنا: والصلاة كذلك؛ لأنها تؤدي ابتداء بالتيمم، وفي معلوم الله سبحانه أنه يرى الماء، ويكون فرضه بعد ما مس ذكره، لزمه استعماله وإن لم يمس ذكره، أصله: الدخول. ٧٣٦ - الفصل الثالث: يدل على أنه لا يمضي في صلاة مع القدرة على الماء الذي يؤديها به، فأشبه الابتداء. وإن أدى ركنًا منها بالتيمم مع وجود الماء لا يجزيه، كالافتتاح. ٧٣٧ - ولأن عدم الماء شرط في جواز افتتاح الصلاة بالتيمم، فكان شرطًا في البناء

стр. 166

عليها، دليله: عدم الحدث. ٧٣٨ - احتجوا: بقوله ﷺ : ((فلا ينصرفن أحدكم حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا)). ٧٣٩ - والجواب: أن اللفظ لا يمكن حمله على عمومه بالإجماع، فلم يبق إلا أن يُقصَر على سببه، وهو حال الشك. ٧٤٠ - وقوله ﷺ : ((لا يقطع الصلاة شيء)). ٧٤١ - والجواب عنه مثل الأول، لما لم يعتبر عمومه على سببه في الماء. ٧٤٢ - قالوا: صلاة جاز له استدامتها مع عدم الماء، جاز له استدامتها مع وجوده، كصلاة الجنازة والعيدين. ٧٤٣ - قلنا: لا نسلم الأصل؛ لأنه قد لا يجوز استدامة العيدين والجنازة مع الماء إذا قدر على الوضوء والإدراك، وفي الموضع الذي لا يجوز الاستدامة إنما جاز إذا لم يقدر أن يؤديها به. ٧٤٤ - وهذا المعنى لا يمنع استدامة سائر الصلوات؛ بدلالة الماء الذي يجده المريض ومن يخاف العطش. ٧٤٥ - قالوا: كل ما وجد في صلاة الجنازة والعيدين لم يمنع استدامتها فكذلك إذا وجد في غيرها، كسؤر الحمار. ٧٤٦ - قلنا: إطلاق الوصف غير مسلم على ما قدمنا، وكذلك لا نسلم

стр. 167

الوصف في الأصل؛ لأن سؤر الحمار يمنع الاستدامة عندنا. ٧٤٧ - ألا ترى أنه كان يصلي بما يسقط، فإذا رآه استدام ما لا يسقط الفرض به؟ ٧٤٨ - ثم المعنى فيه: أنه سؤر حيوان محرم الأكل منه يستطاع الامتناع، فوجوده لا يمنع استدامة الصلاة، كسؤر الكلب، وفي وجدنا ماء طاهر بيقين يقدر على أداء صلاته به. ٧٤٩ - قالوا: صلاة صحت تحريمته بها، فوجود ما يتطهر لا يمنع من استدامتها، أصله: المتوضئ إذا وجد الماء. ٧٥٠ - قلنا: لو وجد الماء قبل الشروع فيها لم يلزمه استعماله، والمتيمم لو وجد قبل الشروع لزمه استعماله، كذلك إذا وجد فيها. ٧٥١ - قالوا: إدامة الصلاة ليس من شرطها عدم الماء، كصلاة الجنازة. ٧٥٢ - قلنا: يبطل بالمحبوس في المصر إذا دخل في الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء. ٧٥٣ - ثم المعنى في الأصل أنها ناقصة الأركان، فلم يكن عدم الماء شرطًا في استدامتها، وسائر الصلوات فروض لم تنقص أركانها، فكان عدم الماء شرطا في استدامتها. ٧٥٤ - قالوا: وجود ثمن الماء كوجود عين الماء في ملكه، بدلالة ما قبل الإفتتاح. ثم كان وجود الثمن في الصلاة لا يؤثر فيها، كذلك وجود الماء. ٧٥٥ - قلنا: وجود ثمن الماء يبطل صلاته؛ إذا كان الماء يبتاع غالبًا. ٧٥٦ - ولو قلنا: إن صلاته صحيحة، فالفرق بينهما أن الثمن ليس هو المبدل، فلا يلزمه الوضوء بوجوده. وإنما يلزمه إذا سأل عن البيع فبذل له، وهو لا

стр. 168

يمكنه المسألة في الصلاة، فلم يكن واجبًا. ٧٥٧ - ويرجح ما ذكرناه: أن أحكام الضرورة ترتفع بزوال الضرورة، والأبدال يسقط حكمها بالقدرة على مبدلاتها قبل إسقاط الفرض، ولأن الطهارة تراد للصلاة، فهي أخص بها، فما يبطلها في غير الصلاة أولى أن يبطلها فيها.

стр. 169

مسألة ٣٧ أداء فرضين بتيمم واحد ٧٥٨ - قال أصحابنا: يجوز أداء فرضين بتيمم واحد. ٧٥٩ - خلافًا للشافعي. ٧٦٠ - لقوله ﵇: ((التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء)). وقوله ﵊: ((التراب كافيك ولو إلى عشر حجج)). وهذا مبالغة في بقاء حكم الأوقات، ولأنها طهارة تستباح بها الصلاة فجاز أن يؤدي بها فرضين، كالوضوء. ٧٦١ - ولأنه مسح أقيم مقام غسل فلا يختص بفرض واحد، كمسح الخف. ٧٦٢ - ولأن طهارة الحدث تقع بالجامد والمائع، كطهارة النجس. ٧٦٣ - وإذا كان طهارة النجس يستوي مائعها وجامدها في الوقت، كذلك طهارة الحدث. ٧٦٤ - ولأن كل طهارة جاز أن يؤدي بها فرض ونفل، جاز أن يؤدي بها فرضين، كالوضوء، أو نقول: كل طهارة جاز أن يؤدي بها فرض وسجدة التلاوة.

стр. 170

٧٦٥ - قالوا: لا يمتنع أن تكون الطهارة للفرض ولا للنفل، كالتيمم عندكم مع وجود الماء للجنازة. ٧٦٦ - قلنا: يجوز أن يكون طهارة للطهر إذا ساوت الجنازة في أنه لا يمكنه أداؤها بالوضوء. ٧٦٧ - قالوا: النوافل لا تنحصر، فلو كلفنا إعادة التيمم بطل فعلها. ٧٦٨ - قلنا: لا يجوز أداؤها بعد الحدث، وإن كانت غير منحصرة، وكذلك المسح على الخفين بعد المدة لا يؤدي بها نافلة وإن كانت غير منحصرة. ٧٦٩ - قالوا: النفل أخف حكمًا من الفرض. ٧٧٠ - قلنا: قد تساويا في الطهارة، وإن اختلفا في غيرها. ٧٧١ - قالوا: النافلة تبع للفرض. ٧٧٢ - قلنا: صلاة الجنازة وسجدة التلاوة ليسا بتبع للفرض، ويجوز عندكم. ٧٧٣ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ إلى قوله: ﴿فتيمموا﴾، فظاهر الآية يقتضي إيجاب وضوء واحد وتيمم واحد، إلا ما دل عليه الدليل، قالوا: التكرار مراد بالإجماع. ٧٧٤ - قلنا: ليس بظاهر الآية، لكن بدلالة أخرى. ٧٧٥ - قالوا: النبي ﷺ صلى يوم الفتح بوضوء واحد وقال: ((فعلت ما لم تكن تفعله، فدل على أنه فهم التكرار.

стр. 171

٧٧٦ - قلنا: لم يقل: قعلتَ خلاف الآية، فلا يمتنع أن يكون عرف ذلك بدلالة أخرى: إما تكرار فعله أو بغيره. ٧٧٧ - قالوا: روي عن ابن عباس وابن عمر مثل قولنا. ٧٧٨ - قلنا: قال ابن عباس: من السنة أن لا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة، وهذا يفيد السنة دون الوجوب. ٧٧٩ - وروى ابن عمر: كان يتيمم لكل صلاة. وفعله ﷺ لا يدل على الوجوب؛ لجواز أن يكون أراد به الاستحباب. ٧٨٠ - قالوا: صلاتا فرض فلا يجمع بينهما بطهارة، كصلاتي المستحاضة في وقتين. ٧٨١ - قلنا: لا نسلم الأصل؛ لأنها تصلي قبل الزوال وبعده بطهارة واحدة. ٧٨٢ - فإن قالوا: فلا يؤدي بها فرضين في وقتيهما المضروبة، كالظهر والعصر. ٧٨٣ - قلنا: لا فائدة لتخصيص الظهر والعصر، وهي مساوية لغيرهما في الطهارة، ولأن طهارة المستحاضة ضعفت لتعقب الحدث، والتيمم لم يتعقبه الحدث. ٧٨٤ - قالوا: التيمم قد قارنه الحدث. ٧٨٥ - قلنا: فطهارة المستحاضة كذلك، وبتجدد الحدث، ثم طهارة المستحاضة ما لم يعقبها الحدث جاز إيجاب الطهارة في الوقت الثاني للحدث الطارئ بعد الوضوء. ٧٨٦ - وفي مسألتنا: لم يطرأ حدث بعد التيمم، فلو أوجبه لكان إيجاب طهارتين من جنس واحد عن حدث واحد، وهذا لا يصح، وليس كذلك إذا رأى الماء

стр. 172

وانقضى وقت المسح؛ لأنه إيجاب طهارة من جنس آخر غير الحدث الأول. ٧٨٧ - قالوا: الوضوء والتيمم طهارتان، إحداهما أنقص فعلا، فوجب أن يكون أقصر وقتا، كالوضوء والمسح على الخفين. ٧٨٨ - قلنا: نقول بموجبه؛ لأن التيمم يبطل برؤية الماء، فنقص بذلك وقته عن الوضوء. ثم طهارة المسح لم يقصر وقتها، وإنما جازت للحاجة، فزالت بزوالها. والتيمم جاز لعدم الماء، فيبطل بوجوده. ولأن المسح على الخف أنقص فعلا من طهارة المستحاضة، وهي أقصر وقتًا منه. ٧٨٩ - قالوا: تيمم وهو مستغنى عنه، كما لو تيمم مع وجود الماء. ٧٩٠ - قلنا: لا نسلم؛ لأنه غير مستغنًى عنه في الجملة، ويبطل ما قالوه بالتيمم للنافلة والتيمم في أول الوقت. ٧٩١ - قالوا: المسح أبيح للضرورة، فلم يجز فيما لا ضرورة فيه. ٧٩٢ - قلنا: الضرورة عدم الماء، وقد حصل. ٧٩٣ - قالوا: طهارة على ثلاثة أضرب: ما يرفع الحدث عن جميع الأعضاء لم تتوقت، وما يرفع عن بعضه كان أقصر وقتا عما لا يرفع الحدث لا عن جميع الأعضاء: موقت، أصلا، يجب أن يكون أقصر مما يرفع الحدث. ٧٩٤ - قلنا: طهارة المسح لا يقصر وقتها، وإنما تقدرت بالحاجة، فكذلك التيمم ينعدم بعدم الماء. ثم هذه الطهارات مع اختلافها لا يجوز إيجاب طهارتين من جنس واحد بحدث واحد مع بقاء الطهر الأول.

стр. 173

مسألة ٣٨ التيمم للصلاة قبل وقتها ٧٩٥ - قال أصحابنا: يجوز التيمم للصلاة قبل وقتها. ٧٩٦ - خلافًا للشافعي. ٧٩٧ - لقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾، وهذا يقتضي جواز فعلها عقيب الزوال، وذلك لا يمكن إلا بتقديم التيمم على الوقت. ٧٩٨ - وقوله ﵇: ((التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء)). ٧٩٩ - ولأنه مسح أقيم مقام غسل؛ فجاز تقديمه على الوقت، كمسح الخف، ولأنها طهارة لاستباحة الصلاة، كالوضوء. ولأن كل وقت جاز فيه الوضوء للفرض جاز التيمم له، أصله: بعد دخول الوقت. ولا يلزم طهارة المستحاضة، لأنا عللنا للوضوء ولم نعلل لتغير الأشخاص. ولأن طهارتها يجوز تقديمها على وقت الزوال. ٨٠٠ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿فتيمموا﴾، والقيام إلى الصلاة لا يكون قبل وقتها، فاقتضت المنع من الوضوء والتيمم قبل الوقت.

стр. 174

٨٠١ - والجواب: أن المراد بالآية: إذا أردتم القيام إليها، وقد يريد القيام في أول الوقت، فلا يمكن إلا بتقديم الطهارة على الوقت. ٨٠٢ - ولأن الآية تضمنت الطهارتين، وقد أفادت تقديم الطهارة على الوقت بالإجماع، وكان ذلك هو المراد بالتيمم. ٨٠٣ - قالوا: تيمم للفرض في وقت يستغني عنه، فأشبه إذا تيمم بعد الوقت مع الوجود للماء. ٨٠٤ - قلنا: يبطل لو تيمم في أول الوقت، ولو تيمم للنافلة. ٨٠٥ - ولا يقال: إنه ليس بمستغنًى عنه لأنه يسقط الفرض عن ذمته؛ لأن في أول الوقت يستغنى عن إسقاط الفرض إلى آخره عن إسقاط فرض الطهارة. ٨٠٦ - ولأن التيمم مع وجود الماء حصل مع القدرة على الأصل فلم يجز البدل، وقبل الوقت لم يقدر على الأصل فجاز البدل، كما لو كان في الوقت. ٨٠٧ - قالوا: طهارة ضرورة، فلا يجوز تقديمها على الوقت، كطهارة المستحاضة قبل الفجر. ٨٠٨ - قلنا: حكم الضرورة والرخصة قد تساويا في العادات، ألا ترى أن في رمضان يباح للضرورة عند المرض كما تباح الرخصة في السفر؟ وكذلك يجب أن تتساوى طهارة الضرورة والرخصة، على أن طهارة المستحاضة تصح قبل الوقت، وتبطل بخروجه، وخروج الوقت يؤثر في طهارة الرخصة، كمسح الخف. وأما التيمم فلا يؤثر فيه خروج الوقت بالإجماع، ودخول الوقت لا تأثير له في إبطال الرخص. ٨٠٩ - قالوا: الطهارة على ضربين: طهارة رفاهية، وطهارة ضرورة، كما أن الطعام على ضربين: طعام رفاهية، وطعام ضرورة. فإذا لم يستبح طعام الضرورة إلا

стр. 175

عند الضرورة، فطهارة الضرورة مثله. ٨١٠ - قلنا: الضرورة في التيمم عدم الماء، وهذا موجود قبل الوقت، فأما وجوب الفرض فليس بضرورة إلا أن يتضيق ذلك، ولا يغيره أحد. ٨١١ - ولأن التيمم بدل معلق به حكم بالإجماع في صلاة النافلة، فطعام الضرورة لا يجوز تناوله في غيرها بحال. ٨١٢ - قالوا: بدل عن أصل، فوجب أن لا يجوز إلا بعد وجوب الأصل، كالصوم في الكفارة. ٨١٣ - قلنا: يبطل بمسح الخف والجبيرة.

стр. 176

مسألة ٣٩ حكم طلب الماء للمتيمم ٨١٤ - قال أصحابنا: طلب الماء ليس بشرط في جواز التيمم. ٨١٥ - وقال الشافعي: هو شرط. ٨١٦ - لنا قوله تعالى ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾ ويقال: لم يجد، وإن لم يطلب. ٨١٧ - قال الله سبحانه: ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت﴾. ٨١٨ - ويقال: فلان لا يجد في نفسه مرضًا. ٨١٩ - وقال تعالى: ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد﴾، ولأن الوجود لا يقتضي الطلب: يقال: فلان وجد ضالته، وإن لم يطلبها. ٨٢٠ - وقال النبي ﷺ : ((من وجد لقطة فليعرفها)). وكذلك (لم يجد) لا يفيد الطلب؛ لأن الإثبات والنفي لا يفترقان إلا من حيث النفي. ٨٢١ - قالوا: أمرَ الله تعالى بالتيمم عند عدم الماء، وهو لا يعلم بعدمه حتى يطلب

стр. 177

الماء، كمن قال لغلامه: اشتر لي خبزًا فإن لم تجد فلحمًا؛ لم يجز له شراء اللحم إلا بعد طلب الخبز. ٨٢٢ - قلنا: لا فرق بينهما؛ لأن المكان إذا كان الغالب فيه عدم الخبز فغلب على ظنه أنه لا يجده بالطلب؛ جاز له شراء اللحم، وإن غلب على ظنه وجوده لم يجز له، كالماء، ولو غلب على ظنه وجوده لزمه طلبه، فإن لم يغلب لم يلزمه طلبه؛ لأن الطلب مبالغة في التوصل إلى الماء، فلا يلزمه، كالشراء بأكثر من ثمنه. ٨٢٣ - ولأنه لم يعلم وجود الماء بحضرته، فلم يلزمه طلبه، أصله: إذا عدمه بعد الطلب. ٨٢٤ - ولأنه غير عالم بمكان الماء، فلا يغلب على ظنه، فصار كمن طلب. ٨٢٥ - ولا يقال: حكم الطلب يخالف غيره في جواز الانتقال، كمن طلب الحادثة في الكتاب فانتقل إلى القياس عند عدمها؛ وذلك لأن الحادثة ليس الغالب عدمها في الكتاب؛ فصار كالموضع الذي لا يغلب عدم الماء فلزمه طلبه. ٨٢٦ - والماء قد يغلب عدمه في مواضع، فيصير الطلب وعدمه سواء. ٨٢٧ - ومثاله الحادثة التي لا يوجد مثلها في النص غالبًا، فلا يلزمه طلبها، ولأنه لو شاهد الماء مع رفيقه وغلب على ظنه أنه لا يعطيه لا يلزمه طلبه، وهو موجود بيقين، فلأن لا يلزمه في الموضع الذي لا يتيقن أولى، ولأنه أصل غير موجود في ملكه، وما لا يتوصل به غالبا إليه، فلا يلزمه طلبه، كالمكفر إذا لزمه كفارة فصام. ٨٢٨ - احتجوا بما روي عن النبي ﷺ : أنه بعث عليًّا ﵇ في طلب الماء.

стр. 178

٨٢٩ - والجواب: أن فعله ﵇ لا يدل على الوجوب، وكذلك أمره بالطلب له. ٨٣٠ - قالوا: شرط من شرائط الصلاة يختص بها؛ فوجب عليه طلبه عند الاشتباه، كجهة القبلة. ٨٣١ - قلنا: القبلة موجودة لا محالة، وإنما يشك في تعيينها، فوزانه من مسألتنا أنه يتيقن وجود الماء، ولا يعلم في أي جهة هو، فيلزمه طلبه. ٨٣٢ - قالوا: بدل عن مبدل مرتب، فلا يجوز الانتقال في العادة، أصله: الرقبة في الكفارة. ٨٣٣ - قلنا: هذا النوع من الطلب يجب عندنا في الماء إذا كان معه وهو يخاف العطش ينظر هل يفضل عن: كفايته، وإذا كان يباع ينظر: هل يقدر على ثمنه، والطلب في السوق إنما يلزم لأنه يوجد غالبًا، وهذا لازم عندنا في الماء إذا غلب وجوده. ٨٣٤ - قالوا: أصل جعل له بدل عند العجز عنه، فإذا لم يكن في ملكه لزمه طلبه، كالرقبة. ٨٣٥ - قلنا: إذا كان الثمن موجودًا فالأصل موجود في الغالب، ووزان مسألتنا: أن لا يكون له ثمن، فيجوز له الصوم، وإن لم يطلب القرض والابتياع بثمن مؤجل والهبة. ٨٣٦ - قالوا: لو علم بوجود الماء لزمه طلبه، وإذا شك لزمه، كالحادث الشرعي. ٨٣٧ - قلنا: إنما يلزم حكم الحادثة لأنه يعلم أن الحادثة لا تخلو الأصول من دلالة عليها، ووزانه الموضع الذي لا يخلو عن الماء فيلزمه الطلب.

стр. 179

مسألة ٤٠ تيمم المحبوس في المصر ٨٣٨ - قال أبو حنيفة: المحبوس في المصر لا يتيمم ولا يصلي. ٨٣٩ - وقال الشافعي: يصلي بالتيمم ويعيد. ٨٤٠ - لنا: قوله ﷺ : ((لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه؛ فيغسل وجهه ويديه)) ولم يفصِّل. ٨٤١ - ولأن فعل الآدمي بمجرده لا يكون عذرًا في الانفصال من الأصل إلى البدل، أصله: إذا أكرهه حتى صلى قاعدًا. ٨٤٢ - ولأنه مقيم لا يخاف الضرر باستعمال الماء، فصار كغير المحبوس، ولأن المفعول ليس بصلاة، بدلالة وجوب الإعادة عليه، وما ليس بصلاة لا يلزمه أن يقيمه مقام الصلاة. ٨٤٣ - ولا يقال: وجوب الإعادة لا ينفي الفعل، كالإمساك في رمضان، والسجدتين والتكبير يدرك الإمام فيها، والمصلي بسؤر الحمار من غير تيمم؛ وذلك لأنا

стр. 180

لم نجعل وجوب الإعادة في مواضع الإلزام دليل على أن الإمساك ليس بصوم، لكن غير الصوم قد يقوم مقام الصوم. ٨٤٤ - وأما سؤر الحمار: فلسنا نقول أنه ليس بصلاة؛ لجواز أن يكون هو الفرض. ٨٤٥ - ومخالفنا يقطع أن المفعول ليس بفرضه؛ فلا يُجَوز إقامته مقامه. ٨٤٦ - احتجوا: بحديث أبي ذر: أنه أتوا المدينة، فخرج بأهله إلى الربذة، فكان لا يجد الماء الخمس والست، فسأل النبي ﷺ فقال: ((التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء)). ٨٤٧ - الجواب: أن الربذة يعدم فيها الماء غالبًا، فهي كالمفاوز؛ ألا ترى أن البلاد لا يعدم فيها الماء هذه المدة؟ يبين ذلك أنه ﷺ لم يلزمه الإعادة؛ فدل على أن ما فعله فرضه. ٨٤٨ - قالوا: روي أن النبي ﷺ لما أنفذ رجلين في طلب عُقد عائشة، حضرتهما الصلاة ولم يكن معهما ماء، فصلى أحدهما بغير طهارة وذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت آية التيمم، ولم ينكر عليه فعله.
следующие страницы →