Полный текст (6 324 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
إلى فرض.
٧١٣٧ - قلنا: إذا جاز أن ينقل بالبذل من حالة عدم الوجوب إلى الوجوب، فأولى أن يُنقل من الصوم إلى بذله؛ ولأنه معضوب معسر، فلم يلزمه حجة الإسلام، كما لو لم يجد من يطيعه؛ ولأنها أحد العبادات الخمس، فلا يؤثر فيها بذلك الطاعة كالصوم.
٧١٣٨ - فإن قيل: الصوم لا تصح النيابة فيه.
٧١٣٩ - قلنا: الزكاة تصح النيابة فيها، ولا تجب بالبذل، والحج عندنا لا تصح النيابة فيه فلا فرق بينهما.
٧١٤٠ - فإن قيل: الصوم لا يجب بوجود مال بسبب يدفعه إلى من يفعله عنه.
٧١٤١ - قلنا: فالحج يجب بوجود مال يستعين به على من يحج، فيحصل له ثواب ذلك المال، وهذا المعنى لا توجد في الطاعة.
٧١٤٢ - احتجوا: بحديث الخثعمية أنها قال للنبي ﷺ : (إن فريضة الله على عبادة الحج، أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه)؟، فذكرت الطاعة، ففرض الحج يدل أن الوجوب تعلق بالبذل.
٧١٤٣ - والجواب: أن الخثعمية ذكرت فرضًا يسند لها، فالظاهر: أنه فرض تعلق بالأمر الظاهر في الشرع، وهو وجود المال، وبذل الفعل حصل بعد ذلك، فلم يكن فيه دليل؛ ولأن الخثعمية لم تعلم أن النيابة في الحج تجوز، فكيف تعلم أن بذل النيابة يجب الحج؟.
٧١٤٤ - ولا يقال: إن الأصل: عدم المال؛ لأن الأصل أن وجوب الحج يتعلق بالمال، وهذا هو الأمر الظاهر فحمل أمرها – ﵊ – عليه ولأنا لا
стр. 1542
نعلم بذل الطاعة منها فيما سبق، وكيف نحمل الأمر على أن الوجوب تعلق بذلك، وأقل الأحوال أن يكون الأمر محتملاً، ويجوز أن يكون الفريضة أدركته بالمال، ويجوز أن يكون بالطاعة فلا يصح التعلق به مع الاحتمال.
٧١٤٥ - فإن قيل: قوله (حجي عن أبيك) يقتضي الوجوب عليها بالبذل.
٧١٤٦ - قلنا: فهي مخيرة عندكم وإن بذلت. فكيف نحمل الأمر على الوجوب؟ ولأنها سألت عن جواز الأداء، فبين لها ما سألت عنه، ولو بدا لم يسأل عن مال الأب، وعن أمره لها بالحج.
٧١٤٧ - قالوا: إذا كان له مال وجب الحج؛ لأنه يحصل به من يحج عنه، فإذا حصلت الطاعة حصل المبتغى بالمال فوجب الحج، ألا ترى: أن الصحيح يجب عليه الحج بوجود المال، فإذا حصل بمكة لم يحتج إليه؛ لأنه حصل له ما يطلب به.
٧١٤٨ - قالوا: ولأن وجود الطاعة أبلغ من وجود المال وأبلغ من وجود ثمنه، ووجود الرقبة أبلغ من ثمنها، فإذا وجب الحج بالمال صار طاعة.
٧١٤٩ - وإن قلنا: لا نسلم أنه يحصل بالطاعة ما يبتغي بالمال؛ لأن هذه عبادة مالية عندنا، فإذا بذل له المال حصل له ثوابه، وإذا لم يحصل لم يوجد ذلك، فلم نسلم لهم أن المطلوب بالمال يحصل بالطاعة؛ ولأن بملك المال يحصل من يجب عليه النيابة، وبالطاعة يحصل له من يجوز له النيابة، وهو بالخيار إن شاء وفى بها، وإن شاء انتفع، فكيف يقال: حصل له بأحد الأمرين ما يحصل بالآخر؟ فأما المال والرقبة فالفرض يتعلق بهما، فوجودهما أبلغ من وجود ثمنهما، والفرض ههنا عنده هو دفع المال ليحصل الثواب بإنفاقه في سفر الحج، وبالطاعة لا يحصل هذا، فكيف تكون الطاعة أبلغ من المال؟ ولأن الصحيح يجب عليه الحج، ولم يكن وجود ذلك كوجود الزاد والراحلة، كذلك ههنا.
стр. 1543
٧١٥٠ - قالوا: عبادة يجب بإفسادها الكفارة، فجاز أن يجب على المعضوب المعسر كالصوم.
٧١٥١ - قلنا: نقلب فنقول: فوجود المطيع لا يوجبها عليه ليس له تأثير في أداء الصوم، والصحيح والمعضوب سواء، ولما كان العَضْب يمنع من وجوب الحج مع الفقير لم تؤثر الطاعة إيجابه كما تؤثر في الإيجاب على الشيخ الهرم الفقير.
* ... * ... *
стр. 1544
مسألة ٤٠٩
إذا كان المريض لا يقدر على أداء الحج
فأحج عن نفسه جاز
٧١٥٢ - قال أصحابنا: إذا كان المريض لا يقدر على أداء الحج فأحج عن نفسه جاز، فإن صح لزمه الأداء بنفسه، وإن مات على حالة العجز أجزأه.
٧١٥٣ - وقال الشافعي إن كان المرض يرجى زواله لم يجز أن يحج عن نفسه، فإن خالف وأحج ثم مات على تلك الحال ففيه قولان، الصحيح أنه لا يجزيه، وقال في قول آخر: إنه يجزيه.
٧١٥٤ - لنا: أنه غير قادر على أداء الحج بنفسه، فإذا أحج جاز، كالمرض الذي لا يرجى برؤه؛ ولأن ما أشبه المرض في تغير صفة وجوبه استوى فيه المرض الذي يرجى زواله والذي لا يرجى كالصلاة؛ ولأنه عجز يجوز أن يزول، ويجوز أن لا يزول فصار كالعضب؛ ولأنه أحج عن نفسه لعجزه أن يحج بنفسه، فإذا مات على حال العجز من غير برء أجزأه كالمعضوب.
٧١٥٥ - احتجوا: بأنه غير ميئوس، من الحج بنفسه، فلا يجوز أن يحج عنه
стр. 1545
غيره كالصحيح.
٧١٥٦ - ومن وجب عليه الحج فلم يحج حتى هلك ماله، قلنا: الصحيح لزمه الحج بنفسه فلم يجز له أن يستنيب في أدائه، والمريض لا يلزمه الحج بنفسه، فأما من هلك ماله بعد وجوب الحج وهو صحيح البدن؛ فالفرض متعلق ببدنه فلا يجوز، وهي مسألتنا.
٧١٥٧ - وقاسوا على المحبوس وهو غير مسلم؛ لأنه إن أحج عن نفسه جاز.
* * *
стр. 1546
مسألة ٤١٠
إذا حج المعضوب عن نفسه أو الصحيح
حجة نافلة أو أوصى بذلك جاز
٧١٥٨ - قال أصحابنا: إذا حج المعضوب عن نفسه، أو الصحيح حجة نافلة، أو أوصى بذلك جاز، ولزم الوصي إخراج ما أوصى به.
٧١٥٩ - وقال الشافعي: لا يجوز للصحيح أن يستنيب في حجة التطوع قولاً واحدًا، وأما المعضوب والميت فيه قولان.
٧١٦٠ - لنا: قوله ﵊: (حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)، ولم يفصل؛ ولأنها عبادة تجوز النيابة في فرضها، فجاز في نفلها بكل حال كالصدقة والعتق.
٧١٦١ - فإن قيل: المعنى فيه أن النيابة تجوز فيه مع القدرة.
٧١٦٢ - قلنا: حكم الحج في حق العاجز في جواز النيابة كحكم الجواز في حق القادر؛ ولأنها حجة لا يلزمه فعلها بنفسه، فجاز أن يستنيب فيها كالفرض في حق
стр. 1547
المعضوب؛ ولأنه أحد نوعي الحج، فجاز النيابة فيه كالفرض؛ ولأنها عبادة يلزمه إخراج فرضها بعد الموت فجاز [أداء نفلها] بالوصية كالصدقات.
٧١٦٣ - احتجوا: بأن الحج عبادة بدنية، وإنما جازت النيابة فيها للحاجة، بدلالة أن الصحيح لا يستنيب فيها، ولا حاجة إلى الاستنابة في التطوع، فلم يجز النيابة فيه.
٧١٦٤ - والجواب: أن النيابة إنما جازت/ لأن فعلها بنفسه غير واجب، فجاز أن ينتقل إلى المال، وهذا المعنى موجود في النفل؛ ولأنا لا نسلم أنه لا حاجة إلى النفل؛ لأن الإنسان به حاجة إلى فعل الطاعات عنه بعد موته، كما أن به حاجة إلى إسقاط الفرض؛ ولأن ما قالوه ينكر بصلاة النافلة قائمًا، ومع هذا إذا فعلها جاز.
٧١٦٥ - قالوا: لم ييأس من قضاء الحج بنفسه، فلم يجز أن يحج عن غيره، [وحجة للتطوع]، كالصحيح في الواجب.
٧١٦٦ - قلنا: هناك يجب [أن يحج بنفسه] فلم يجز أن يحج عنه غيره، وحجة التطوع لا يلزمه بنفسه، فصارت كفرض المعضوب والميت.
* ... * ... *
стр. 1548
مسألة ٤١١
لا يجب الحج على الأعمى بنفسه
٧١٦٧ - قال أبو حنيفة: لا يجب الحج على الأعمى بنفسه، وروى الحسن عنه: أنه يجب عليه إذا وجد قائدًا.
٧١٦٨ - وهو قول أبي يوسف، ومحمد، والشافعي.
٧١٦٩ - لنا: أن كل من لا يلزمه أداء الحج بنفسه لوجود الزاد والراحلة بحال لا يلزمه وإن وجد غيرهما، كالزمن، ولا يلزم المرأة؛ لأن الحج يلزمها، بوجود الزاد، والراحلة بمكة من غير محرم.
٧١٧٠ - ولأنه لا يتوصل إلى أداء الحج بنفسه بوجود الزاد والراحلة إلا بثالث، كالزمن.
٧١٧١ - ولأنها عبادة [لا تجب على المعضوب بنفسه، فلا تجب على الأعمى بنفسه كالجهاد، وعكسه الصلاة، ولا يلزمه الهجرة؛ ولأنها] لا تجب على المعضوب والأعمى.
٧١٧٢ - فإن قيل: المقصود بالجهاد القتال، وهذا المعنى لا يوجد من الأعمى.
٧١٧٣ - قلنا: والمقصود من الحج أداء المناسك، وهذا لا يوجد من الأعمى إلا بمشقة؛ ولأن القتال قد يجب بحضوره على من لا يقاتل، للقيام بمنفعة المقاتلين
стр. 1549
كالنساء ومع ذلك لا يجب على الأعمى. ولأنه عضو يلحقه لفقده مشقة في أداء الحج زائدة على المعتاد كعقد الرجلين.
٧١٧٤ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾.
٧١٧٥ - قال ابن عمر: قام رجل فقال: ما السبيل، قال: الزاد والراحلة، ولم يفصل.
٧١٧٦ - والجواب: أن الأعمى لم يدخل في هذه الجملة، بدلالة: أن استطاعته لا تكون لوجود الزاد والراحلة حتى يجد قائدًا، فدل أن الآية لم تتناوله.
٧١٧٧ - قالوا: كل من لا يلحقه مشقة غير محتملة في الكون على الراحلة، جاز أن يلزمه الحج بنفسه كالبصير.
٧١٧٨ - قلنا: لا نسلم هذا، فإنه يلحقه مشقة زائدة على المعتاد في الركوب والنزول والانتقال، والمعنى في البصير: أن الحج يجب عليه لوجود الزاد والراحلة، ولما لم يجب على الأعمى الحج بوجود الزاد والراحلة بحال، لم يجب عليه بوجود ثالث أيضًا.
٧١٧٩ - قالوا: الأعمى لم يفقد أكثر من هداية الطريق فصار كالصحيح الضال.
٧١٨٠ - قلنا: الضال يباشر أداء المناسك بنفسه والأعمى لا يتمكن من مباشرة أدائها بنفسه، فصار كالزمن.
٧١٨١ - قالوا: عبادة يجب في إفسادها الكفارة، فوجب أن يجب على الأعمى كالصيام.
٧١٨٢ - قلنا: لا يفتقر في أدائه إلى شرط يخالف شرط الصحيح فتساويا، ولما لم يجب الحج على الأعمى بالشرط الذي يجب على البصير بحال لم يجب عليه بنفسه كالزمن.
* ... * ... *
стр. 1550
مسألة ٤١٢
الحج يسقط بالموت
٧١٨٣ - قال أصحابنا: الحج يسقط بالموت، وإن أوصى به لزم الورثة إخراجه من الثلث، وإن لم يوص به لم يلزمهم.
٧١٨٤ - وقال الشافعي: يجب عليهم إخراج حجة من الميقات، أوصى بها أو لم يوص.
٧١٨٥ - لنا قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ وهذا يمنع سقوط فرض عبادة بغير فعله ولا أمره.
٧١٧٦ - يدل عليه: ما روى في حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: (من مات ولم يحج حجة الإسلام لم تمنعه حاجة ظاهرة، أو مرض حابس أو سلطان جائر، فليمت على حاله إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا)، ولو كان الفرض يسقط عنه بعد موته ويستدرك هذا التفريط له، لم يستحق هذا الوعيد؛ ولأن تشبيهه باليهودي يمنع من صحة أداء الحج عنه؛ لأن الكفر يمنع الأداء.
стр. 1551
٧١٨٧ - وروى أن النبي ﷺ قال: (إذا مات المرء المسلم انقطع عمله إلا من ثلاث)، ولم يذكر الحج؛ ولأن أداء الحج عنه بغير أمره لا يسقط ما لزمه كحال حياته؛ ولأن من لا يجوز له النيابة في الحج حال الحياة بغير أمره لا يجوز له أن يؤديه بعده بغير إذنه كالأجنبي، وعكسه أداء الدين؛ ولأن كل عبادة وجبت عليه قبل موته لا يلزم الغير أداؤها عنه بعد موته كالصلاة والصوم، ولا يلزم المعسر؛ لأنه يسقط بالموت في إحدى الروايتين، وعلى الرواية الأخرى وجوبه.
٧١٨٨ - ألا ترى: أنه يجب ولا يتعبد ولا يلزم إذا استشهد جنبًا؛ لأن الغسل لا يفعل عنه، لكن وجبت الصلاة عليه، ومن شرطها طهارته.
٧١٨٩ - فإن قيل: المعنى في الصلاة: أن النيابة لا تصح فيها حال الحياة.
٧١٩٠ - قلنا: والنيابة في الحج بغير أمر المحجوج عنه لا تصح في حال الحياة، [ولأن النيابة تصح في مال المكاتبة في حال الحياة]، وإن كان يسقط بالموت عنهم.
٧١٩١ - فإن قيل: المعنى في الصلاة: أنه لو أوصى بها لم تصح.
٧١٩٢ - قلنا: لا نسلم بصحة أن يوصي بالصلاة ويطعم وليه عنه لكل صلاة مسكينًا. ولأنها عبادة بدنية بعتبر في وجوبها المال، فسقطت بالموت كالجهاد.
٧١٩٣ - فإن قيل: الجهاد لا تصح النيابة فيه.
٧١٩٤ - قلنا: لا فرق بينه وبين الحج؛ لأن من لا يقدر على الجهاد بنفسه لا يلزمه بجهة النيابة، أن يجهز بماله، كما لا يلزم المعضوب الإنفاق على من يحج.
٧١٩٥ - فإن قيل: [لو بقى] وجوب الجهاد بعد الموت، وجب بذل المال لكف عادية المشركين، فإن كانت شوكتهم باقية فعلة الوجوب باقية لم تزل، فلما سقط الوجوب علم أن المسقط له هو الموت؛ ولأنه حج عنه بغير أمره فلم يقع عن حجة الإسلام، كما لو لم يوص فيحج عنه وليه؛ ولأنها أحد أركان الشريعة فلا يفعل عنه
стр. 1552
بعد موته كالصوم والصلاة.
ولأن الحج عبادة بدنية، وإنما يحتاج إلى المال ليتوصل به إلى عمل البر، وهذا المعنى قد سقط بالموت، وإنما يجب عند مخالفنا عبادة مالية، وهذا عين الواجب الأول فقد ثبت سقوط الحج - الذي كان واجبًا عليه - بموته باتفاق.
٧١٩٦ - احتجوا: بحديث الخثعمية ولا دليل فيه؛ لأنه يقتضي جواز الأداء عنه، وعندنا إذا حج الوارث كان الحج عنه ووصل ثوابه إلى الميت والكلام في الوجوب.
٧١٩٧ - فإن قيل: قوله: (حجي عن أبيك) أمر فيفيد الوجوب.
٧١٩٨ - قلنا: لو أراد الوجوب لسأل عن أمره إن كان حيًا، وعن تركته إن كان ميتًا، فكيف يكون على الوجوب وليس على الوارث أن يحج بنفسه؟
٧١٩٩ - قالوا: شبه ﵊ ذلك بالدين، فقال: أرأيت لو كان عليه دين فقضيته).
٧٢٠٠ - قالوا: ومعلوم أن منفعة الدين براءة الذمة منه، وزوال الإثم سقوطه.
٧٢٠١ - قلنا: الشبه لا يقتضي تساوي الشيئين [من كل وجه، والحج عنه يشبه الدين من حيث الانتفاع بأدائه، ألا ترى أنها قالت: (وهل ينفعه ذلك؟ فقال: نعم) كما لو كان عليه دين، فهذا يقتضي التساوي في انتفاع الميت، وليس يقتضي التساوي] في كيفية الانتفاع.
٧٢٠٢ - احتجوا: بحديث ابن عباس ﵁: (أن امرأة سألته أن يسأل لها رسول الله ﷺ أن أمها ماتت ولم تحج، أيجزئ أن تحج عنها؟ فقال ﵊: لو كان على أمها دين فقضته، أما كان يجزئ، فلتحج عن أمها).
٧٢٠٣ - قالوا: والمسألة وقعت عن الجواز، فجوز لها ولم يسأل هل قضت أم لا،
стр. 1553
وشبهه بالدين وأمرها بالفعل.
٧٢٠٤ - قلنا: قوله: إن أمي ماتت ولم تحج أفيجزئ أن أحج عنها، يقتضي جواز حجها عنها، ولم يقل: هل يجوز عن حجة الإسلام، والجواز مسلم، لكنه عما وجب لها غير مسلم، فأما تشبيهه بالدين وأمرها بالحج فقد أجبنا عنه.
٧٢٠٥ - قالوا: روي في حديث ابن عباس: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إن أختي نذرت أن تحج، وأنها ماتت ولم تحج، فقال: لو كان على أختك دين أكنت قاضيه، قال: نعم، قال: فاقض دين الله، فهو أحق بالقضاء).
٧٢٠٦ - قالوا: فأمر بالقضاء، والأمر يدل على الوجوب، وشبهه بالدين الذي يجب قضاؤه.
٧٢٠٧ - وقوله: فهو يدل على أنه مقدم في القضاء على الدين.
٧٢٠٨ - قلنا: الوجوب عندهم لا يكون إلا في تركة، ولم يسأل النبي ﷺ عن تركته، فعلم أنه أراد الجواز وشبهه بالدين في الجواز؛ لأن الشبه لا يقتضي الاشتراك من كل الصفات.
٧٢٠٩ - وقوله: فالله أحق [أن تقضوه معناه: الله] أحق بقبول ما تقضونه لعفوه وكرمه، ألا ترى: أنه إذا لم يعلم أن الميت ترك مالاً، فليس الدين أولى من الحج، ولا الحج أولى من الدين، بل الدين أولى بالقضاء؛ لأن الآدمي اشح بحقوقه واحوج إليها، والله تعالى غني عنها مأمول العفو عن التفريط فيها.
٧٢١٠ - قالوا من طريق المعنى: حق يدخله النيابة استقر عليه في حال حياته، [فوجب أن] لا يسقط عنه بوفاته كالدين.
стр. 1554
٧٢١١ - قلنا: قولكم: استقر عليه ويدخله النيابة غير مسلم؛ لأن الحج عندنا يقع عن فاعله، والحكم لا يصح؛ لأن الحق الذي استقر عليه كان حق بدنه، فسقط ذلك بالموت بالإجماع.
٧٢١٢ - ثم المعنى في الدين: أنه يجب لحق الآدمي فاجتمع حقان: أحدهما: وجب على وجه المعاوضة، والآخر وجب بغير المعاوضة، فكان تقديم ما وجب بالمعاوضه أولى؛ فالحج يجب لحق الله تعالى، فإذا اجتمع في المال مع حق الوارث قدم حق الوارث؛ لأن حق لله تعالى وحق الآدمي إذا تعلقا بعين واحدة قدم حق الآدمي، لافتقاره إلى حقه، كالقتل قصاصًا، ورد ما في حق شخص واحد فقطع اليد في السرقة والقصاص؛ ولأن الدين يبقى على الوجه الذي وجب فلم يؤثر الموت فيه، والحج لو أبقيناه بقى على غير الوجه الذي وجب، ألا ترى أنه وجب عبادة بدنية فصارت عبادة مالية، فلما تغير عما وجب عليه بالموت وجب أن يسقط؛ ولأن الدين في حال الحياة يليه عنه غيره بإذنه، كالوكيل والضامن والمحال عليه وبغيره أمره كالمتبرع ويسقط عنه، فجاز بعد الموت أيضًا، كذلك الحج لا يجوز أن يؤدى عنه في حال الحياة بغير إذنه، ولا يؤديه الكفيل والوكيل والمحال عليه، وكذلك بعد الموت لا يؤديه الوارث بغير أمره.
٧٢١٣ - قالوا: حق واجب تصح الوصية به، فوجب أن لا يسقط قضاؤه بموته، أصله دين الآدمي.
٧٢١٤ - قلنا: الحق الواجب لا تصح الوصية به، وإنما يوصي بأن يفعل ما كان لا يسقط الفرض في حال الحياة، وكيف يقال: تصح الوصية به؟
٧٢١٥ - وقولهم: لا يسقط قضاؤه بموته، لا يصح لأن قضاء الواجب يسقط بالموت بالإجماع، ألا ترى: أن قضاء الواجب كان أن يفعله بنفسه، وقد تعذر ذلك؟ والمعنى في الدين ما قلناه.
٧٢١٦ - قالوا: القادر على الحج لا يجوز النيابة عنه بأمره ولا يغير أمره؛ لأنه قادر على الفعل والأمر، والعاجز عن فعله بردته إذا قدر على الأمر، لا يجوز أن يحج عنه
стр. 1555
بغير أمره؛ لأنه قادر على الأمر غير قادر على الفعل، والميت عاجز عن الأمر والفعل، فجازت النيابة عنه بغير أمره.
٧٢١٧ - قلنا: يبطل هذا بالجهاد؛ لأنه يفعله بنفسه إن قدر ويحرض الشخص إن عجز، وإذا مات تعذر الأمر والفعل، ثم لم يجب واحد من الأمرين. ولأن القادر على الأمر العاجز عن الفعل لا يسقط العبادة عنه؛ لأن سعيه فيها ممكن، والفوت يحصل للإنسان بسعيه، فإذ عجز عن الأمر فلا سعي له، فلم يجز أن يؤدي العبادة عنه، كما لا يؤدي الحج عن المجنون وإن عجز عن الأمر به بعد وجوبه عليه.
٧٢١٨ - قالوا: كل مسلم لابد من أن يقدم على فعل الحج بنفسه إن قدر وبغيره إن عجز، فإذا أدى عنه بعد موته فكأنه أمر به.
٧٢١٩ - قلنا: قد يعتقد المسلم أن لا يحج أبدًا مع وجوب الحج، فلا بأس به اعتمادًا على عفو الله ولا يخرج بذلك من الإسلام. ثم لو صح ما قالوا لوجب إذا عجز عنه أجنبي أن يجوز لأنه ينوي أن يحج عن نفسه من ينوب وليس يختص ذلك بوارثه، وكان يجب أن يكون نيابة الأجنبي كأنها وقعت بإذنه.
* ... * ... *
стр. 1556
مسألة ٤١٣
إذا كان البحر بينه وبين مكة
والغالب عليه السلامة فعليه الحج
٧٢٢٠ - قال أصحابنا: إذا كان البحر بينه وبين مكة، والغالب عليه السلامة فعليه الحج.
٧٢٢١ - وقال الشافعي: كلامًا محتملاً اختلف أصحابه في تأويله، فمنهم من قال: إذا كان الغالب السلامة وجب، وإلا لم يجب، ومنهم من قال: إذا كان الغالب السلامة فعلة قولين.
٧٢٢٢ - لنا: قوله ﵊: (لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر، أو غاز).
٧٢٢٣ - ولأنه طريق الغالب عليه السلامة فصار كالبر؛ ولأنه طريق يجوز سلوكه للتجارة، فوجب سلوكه للحج كالبر.
٧٢٢٤ - ولأنه أحد الركبين فجاز وجوب الحج بالقدرة عليه كالإبل.
٧٢٢٥ - احتجوا: بأن الغالب على البحر الخطر؛ لأنه لا يخلو من هبوب
стр. 1557
الريح والعوارض.
٧٢٢٦ - قلنا: إنما يشترط في الوجوب أن يغلب السلامة، وما يعرض غير غالب لا يعتد به، كالبر.
٧٢٢٧ - قالوا: عوارض البر من جهة الآدمي ممكن دفعها، وأعراض البحر من جهة الله تعالى، ولهذا قال الله تعالى، ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين﴾ الآية.
٧٢٢٨ - قلنا: قد يتفق في البر عوارض من جهة الله، كالعطش والحر والبرد والسموم.
* ... * ... *
стр. 1558
مسألة ٤١٤
الحاج إذا حج عن غيره يقع الحج عن نفسه
٧٢٢٩ - قال محمد: الحاج إذا حج عن غيره يقع الحج عن نفسه، ويلحق المحجوج عنه أجر النفة، وهو ظاهر الأصل، والصحيح أن يقع عن المحجوج عنه.
٧٢٣٠ - وهو قول الشافعي.
٧٢٣١ - والدليل على الطريقة الأولى: أن الحاج يلزمه أداء موجب التحريم، فكانت الحجة له، كالصرورة إذا حج عن غيره.
٧٢٣٢ - [فإن قيل: يلزمه بالأمر، وإن كان الحج عن غيره]، كما يلزم الذباح أن يذبح وإن كان الهدي عن غيره.
٧٢٣٣ - قلنا: هناك ما وجب عليه أن يفعل ذلك بنفسه، وإنما خير، والنائب فعل ما وجب، وها هنا الوجوب تعلق في الأصل بفعله، فإذا فعل غيره لم يكن فاعلاً لما وجب وإنما سقط الواجب بفعله. ولأن هذا الدخول لو فعله للصرورة وقع الحج عنه، فإذا فعله من حج عن نفسه وقع عنه كالدخول بنية مطلقة.
стр. 1559
٧٢٣٤ - ولأنها عبادة لو أداها العبد عن غيره وقعت عن نفسه، كذلك الخبر؛ أصله: الجهاد وعكسه الزكاة.
٧٢٣٥ - ولأن الكفارات بالطيب وارتكاب المحظورات تجب في ماله فكان الحج واقعًا عن نفسه، كالحاج عن نفسه.
٧٢٣٦ - فإن قيل: إنما وجبت عليه؛ لأنها وجبيت بجنايته، ولهذا نقول إن دم الإحصار يجب في مال المحجوج عنه؛ لأنه لا جناية للتائب فيه.
٧٢٣٧ - قلنا: لو لم يكن الإحرام عنه لا يلزمه الكفارة وإن كان جانيًا، كالحلال إذا طيب محرمًا لم يلزمه الكفارة؛ ولأن من يلزمه القضاء بإفساد الإحرام، فكذلك وجب أن يقع الإحرام عنه كالعبد.
٧٢٣٨ - فإن قيل: إذا أفسد بينا إن أراد الإحرام وقع عنه؛ لأنه لم يأمره بإحرام فاسد، فهو كالوكيل إذا خالف لزم العقد.
٧٢٣٩ - قلنا الإحرام في الابتداء وقع بغير مخالفة، فوقع عن المحجوج عنه عندكم، فلا ينقلب فيصير عن غيره، وإن خالف. وأما المشتري فإنه ينتقل إلى الوكيل ثم ينتقل إلى الموكل بالأمر، فإذا خالف يقر على ما يوجبه العقد. وعندكم الإحرام وقع عن المحجوج عنه فلا ينقلب مخالفة عقد الإحرام كما لا يتعين مخالفة العقد بعد انعقاده.
٧٢٤٠ - ولأن البيع يلزم الوكيل متى خالف العقد. فأما المخالفة بعد الإحرام فلا تغيره عما وقع عليه.
٧٢٤١ - احتجوا: بالأخبار التي فيها الأمر بالحج عن المعين، ولا دلالة فيها.
٧٢٤٢ - لأنه ﵊ أمر بالحج عنه؛ فالحج في الحقيقة فعل الحاج وإنما يكون عنه بمعنى أن ثوابه يلحقه، وعندنا يلحقه الثواب وأفعال الحاج عن غيره، فكما يلحقه ثواب الجهاد بدفع المال إلى الشخص وإن كان الجهاد له، وأمره ﵊ بالقضاء عنه أمر بإسقاط ما لزمه.
٧٢٤٣ - واللازم عندنا مع العجز أن يأمر بالفعل فيحصل له ثواب الأمر إذا تحصل
стр. 1560
ذلك بقصد وارثه، وما صح فيه الاستنابة [صح فيه النيابة؛ أصله القضاء.
٧٢٤٤ - قالوا: وما صح فيه الاستنابة]، فإذا فعله المستناب وقع عن المستنيب أصله: ما ذكر.
٧٢٤٥ - والجواب: أن هذا بعد تسليم المسألة منا في الوصف؛ لأنا إذا قلنا: لم تصح النيابة: قلنا: لا تصح الاستنابة فكيف طلبوا أنا نقول: جازت الاستنابة، ولم تجز النيابة؟ وإنما يجوز عندنا أن يأمره بالحج بمال يدفعه إليه، فيكون مستنيبًا، له في الإنفاق في أداء الحج الذي يقع عن الحاج، ويعود إلى المحجوج عنه ثواب الأمر والمال، كما يقول في القاعد يقدر إذا جهز الشخص، فإذا الاستنابة لا نسلم إلا على هذا التفسير. ثم المعنى في الأصل: أن صفات المؤدى غير معتبرة؛ ألا ترى: يجوز أن يستناب في تفرقة الزكاة من ليس من أهلها، كالعبد، والكافر، والمكاتب؛ فدل أنها تقع عن غيره، والحج يعتبر فيه صفات المؤدى؛ فعلم أن الحج يقع عنه، فوجب أن يقع على المنوي كما لو حج عن نفسه.
٧٢٤٦ - قلنا: لو لم ينو عنه لم يستحق، وإنما ينصرف إليه الثواب بالنية عنه، لتكون النفقة من ماله، ومتىى لو ينو عنه وقع مطلق الحج عن الفاعل بكل وجه، فضمن النفقة، ولا يجوز أن يستحق الدافع ثوابها مع وجوب عوضها.
٧٢٤٧ - قالوا: إذا أمرتموه بأن ينوي عن غيره ويلبي عن غيره والحج عنه، كان ذلك أمرًا بالكذب عن غيره ضرورة.
٧٢٤٨ - قلنا: ليس بكذب؛ لأنه ينوي عنه ويلبي عنه ليستحق ثواب ما بذل من المال، فأما أن يقع الحج عنه فمحال أن يكون فعل الإنسان فعل غيره، وإنما يستحق ثوابه عندهم، وعندنا يستحق ثواب النفقة التي يتوصل بها كما جاز عندهم أن يلبي عن
стр. 1561
غيره، والأفعال أفعاله كذلك، يلبي عن غيره وإن كان أحكام الأفعال له.
٧٢٤٩ - فإن قيل: لو وقعت الحجة عن الحاج سقط بها فرضه.
٧٢٥٠ - قلنا: الفرض لا يسقط عندنا إلا بنية/ معينة، أو بنية مطلقة، ولم يوجد أحد الأمرين.
* ... * ... *
стр. 1562
مسألة ٤١٥
يجوز حج الصرورة عن غيره ومن حج أولاً
٧٢٥١ - قال أصحابنا: يجوز حج الصرورة عن غيره، ومن حج أولاً.
٧٢٥٢ - وقال الشافعي: من عليه فرض الحج أو ندر الحج لا يجوز حجه عن غيره.
٧٢٥٣ - لنا: ما روي عن أبي رزين قال: قلت يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن قال: (حج عن رأيك واعتمر).
٧٢٥٤ - وروي عن عبد الله بن الزبير قال: (جاء رجل من خثعم إلى رسول الله ﷺ فقال: إن أبي أدرك الإسلام وهو شيخ كبير، لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ قال: وأنت أكبر ولده؟ قال نعم، قال [لو كان
стр. 1563
على أبيك دين فقضيته عنه أكان يجزئ؟ قال نعم، قال]: فحج عنه.
٧٢٥٥ - ويدل عليه حديث الخثعمية، رواه الثوري عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي رافع، عن علي، ورواه مالك عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس، أنه قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت يا رسول الله إن فريضة الله على عبادة الحج، أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم (وذلك في حجة الوداع).
٧٢٥٦ - ووجه الدليل من هذه الأخبار: أن النبي ﷺ أجاز الحج عن الغير.
٧٢٥٧ - والثاني أنه شبه جواز الحج عن الغير بقضاء الدين، ثم لا فرق أن يكون قاضي الدين عن غيره قضى الدين عن نفسه أو لم يقض.
٧٢٥٨ - فإن قيل: الحثعمية لقيت النبي ﷺ منصرفة من المزدلفة، والظاهر: أن من حج هناك فقد حج؛ ولأنها كانت محرمة بدلالة: أنه لوى عنق الفضل [حتى لا ينظر إليها، ولولا ذلك لأمرها بتغطية وجهها ولم يلو عنق الفضل].
٧٢٥٩ - والجواب: أن العرب تحضر المزدلفة للحج وتحضر لغيره؛ لأن ذلك الموضع مساكنها ومياهها، فليس الظاهر ممن كان منهم هناك أنه حج.
٧٢٦٠ - وأما كشف الوجه: فقد يكون لإحرام الحج وقد يكون لإحرام العمرة، وثد يكون لغير إحرام، ولم يأمرها بتغطية الوجه؛ لأنه لم يكن معها ما تغطي به وجهها، ألا ترى أنها لو كانت كشفت وجهها للإحرام لأمرها أن تسدل الثوب على وجهها للإحرام وتجافيه كما كانت عائشة ﵂ تفعل.
стр. 1564
٧٢٦١ - ولأنه لم يأمرها بتغطية وجهها لأنه ينظر إلى عينها، ولوى وجهه حتى لا ينظر إلى شيء منها؛ ولأنها نظرت إليه ونظر إليها، فإذا لوى عنقه انقطعت الفتنة عنهما، وإذا سترت وجهها نظرت إليه فلوى عنقه حتى يأمن النظر من الجهتين، ثم لو ثبت أنها حجت عن نفسها جاز أن يكون عليها حجة منذورة، ولا يجوز أن تحج عن أبيها ولم يسألها عن ذلك، ثم لم يشهد قضاء الدين، فوجب اعتبار ذلك لعموم جزاء قضاء الدين وإن كان السبب خاصًا.
٧٢٦٢ - فإن قيل: شبه قضاء الحج عن أبيها بقضاء الدين، فوجب أن يثبت هذا حتى يشبه الدين.
٧٢٦٣ - قلنا: أمرنا بالحج أمرًا عامًا، فعموم الحج يقتضي: أنه في كل أحواله يشبه الدين.
٧٢٦٤ - فإن قالوا: لم يثبت أن هذا قضاء الحج.
٧٢٦٥ - قلنا: ثبت لعموم اللفظ، ومن جهة المعنى أن ما صحت النيابة فيه إذا سقط فرضه بنفسه صحيت النيابة وإن بقى عليه، كالزكاة وذبح الهدايا وعكسه الصلاة.
٧٢٦٦ - ولأن من يصح إحرامه، عن نفسه يصح إحرامه عن غيره؛ أصله: من حج نفسه.
٧٢٦٧ - ولأنه مسلم مكلف أحرم عن غيره بأمره فصح إحرامه، أصله ما ذكرناه.
٧٢٦٨ - ولأن ما جاز للحر النيابة فيه عن غيره، جاز للعبد النيابة فيه، أصله ما ذكرناه وأداء الزكاة.
٧٢٦٩ - فإن قيل: المعنى في الزكاة: أن النيابة تصح فيها مع القدرة على
стр. 1565
أدائها، فلهذا لم يعتبر في أدائها صفة المؤدى عنه، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لا يجوز النيابة في أدائها مع القدرة على فعلها؛ فجاز أن يعتبر صفات المؤدي.
٧٢٧٠ - قلنا: لا فرق لنفيها؛ لأن النيابة تصح عندنا في الحج مع القدرة، إلا أن الإحرام ينعقد فعلاً، فقد تساويا في جواز النيابة فيهما مع القدرة، وإن اختلفا في صفة ما يؤديه بالنيابة، وإنما افترقا لأن الزكاة عبادة مالية، فالنيابة فيها مع العجز والقدرة على وجه واحد، وأما فرض الحج: فهو مع القدرة عبادة بدنية، وعندنا النيابة مالية، فلم يجز فيها، فإذا عجز صارت العبادة مالية، فجازت النيابة فيها، كالزكاة.
٧٢٧١ - فإن قيل: لما جازت النيابة في أداء الزكاة إذا بقى عليه بعض فرضها، جاز مع بقاء جميعه، ولما لم تجز النيابة [في الحج] إذا بقى عليه بعض فرضه جاز وهو الطواف كذلك إذا بقى كله.
٧٢٧٢ - قلنا: لو أحرم عن العبد بالحج وعليه طواف الزيارة عن نفسه انعقد إحرامه فلسنا نسلم هذا.
٧٢٧٣ - فإن قلنا: تجوز النيابة في الزكاة مع بقاء ذلك النقص عليه.
٧٢٧٤ - قلنا: وكذلك الحج، فإن الصرورة ينعقد إحرامه عن غيره وعليه جميع الحج وأبعاضه، والطواف واجب عليه كجميع الأركان، ويجوز أن يؤدي الطواف عن غيره.
٧٢٧٥ - فإن قيل: كيف عللتم جواز النيابة، وقد منعتم منها.
٧٢٧٦ - قلنا: قد ذكرنا أن ظاهر المذهب جوازها، وإنما نصرنا ما ذكر محمد.
٧٢٧٧ - احتجوا: بحديث ابن عباس ﵁ (أن النبي ﷺ سمع رجلاً يلبي عن شبرمة، فقال: من شبرمة؟ فقال: أخ لي أو قريب، وفي بعض الأخبار أو نسيب، فقال أحججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة،
стр. 1566
وفي بعض الأخبار (هذه عنك ثم حج عن شبرمة)، وفي بعضها: (لب عن نفسك ثم لب عن شبرمة) وفي بعضها: (إن كنت حججت عن نفسك فلب عنه) وفي بعضها: (وإلا فلب عنه).
٧٢٧٨ - قالوا: فرتب النبي ﷺ حجه حجة الغير على حجة نفسه، وأمره بأن يبدأ بالحج عن نفسه ثم يحج عن غيره.
٧٢٧٩ - والجواب: أن هذا خبر مضطرب عند أصحاب الحديث رواه مسندًا عنه ابن سليمان الكلابي، عن قتادة عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ورواه ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن قتادة بن دعامة حدثه عن سعيد بن جبير، أنه حدثه أن عبد الله بن عباس مر برجل يهل فقال: لبيك بحجة عن شبرمة، وذكر الحديث، رواه حماد بن سلمة، وحماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة، أن ابن عباس سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة. رواه خالد عن أبي قلابة، وإذا أوقف الخبر جماعة وأسنده واحد كان الصواب إلى قول الجماعة أقرب.
٧٢٨٠ - وقال يحيى بن معين رفعه عبد الله وحده، ثم معلوم أنه مستحيل في العادة أن يتفق للنبي ﷺ رجل يلبي عن رجل اسمه شبرمة، وهو قريبه أو نسيبه، ولم يحج عن نفسه، ويتفق لابن عباس فعل ذلك، واتفق اسم المحجوج عنه وصفة الحاج، فدل ذلك أن أحد الأمرين غلط، وأن الصحيح إما الإسناد أو الوقف، فإثبات الوقف وهو الاتفاق أولى.
٧٢٨١ - فإن قيل: قد روته عاشئة ﵂ مسندًا، وذلك جائز.
٧٢٨٢ - قلنا: أما حديث عائشة فرواه ابن أبي ليلى عن عطاء عن عائشة، وهو
стр. 1567
معروف بفساد الحفظ.
٧٢٨٣ - قال شعبة ما رأيت أسوأ حفظًا منه، وقد ذكره الدارقطني عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي ﷺ بإسناد مجهول ذكر فيه ثمامة بن عبيدة عن أبي الزبير لا يعرف ثم قد عارض هذا الخبر ما رواه الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاووس عن ابن عباس أن النبي ﷺ سمع رجلاً يلبي عن نبيشة، فقال: أيها الملبي عن نبيشة، هذه عن نبيشة واحجج عن نفسك، قال الدارقطني: تفرد به الحسن بن عمارة، وهو ضعيف، وهذا غلط؛ لأن الحسن عدله أصحابنا.
٧٢٨٤ - وروى عنه، إنما قال شعبة: أفادني عن الحكم أحاديث مقلوبة، ويجوز أن يغلط فيما رواه عن الحكم ولا يغلط عن غيره.
٧٢٨٥ - ثم ذكر الدارقطني: أن الحسن بن عمارة روى حديث شبرمة، وقال: قد قيل: إنه وهم ثم رجع إلى الصحيح، وليس إذا روى الحسن الخبرين دل أنه وهم في أحدهما.
٧٢٨٦ - ثم لسنا نمنع أن يكون هذا الحديث ليس بالقوي، وحديث شبرمة من الوجه الذي بيناه.
стр. 1568
٧٢٨٧ - ثم إن متن هذا الحديث مختلف، وإن كان في أصل الحديث: (افعل هذه عنك) / فهذا يدل أنها لم تقع عنه لاستحالة أن يأمره بفعل ما قد وقع، فدل على أن الإحرام انعقد عن شبرمة، فأمره رسول الله ﷺ بفسخه؛ لأن ذلك العام كان يجوز فسخ الحج، فأمره بفسخ ما وقع على وجه مكروه، وبفعل الحج الذي لا يكره.
٧٢٨٨ - فإن قيل: قوله اجعل هذه: يعني التلبية؛ لأن الكناية ترجع إلى المذكور.
٧٢٨٩ - قلنا: هذا غلط؛ لأن في الخبر: (أنه سمع رجلاً يلبي عن شبرمة، قال: فهل حججت قط، قال: اجعل هذه عنك، والكناية ترجع إلى الأقرب، يبين ذلك: أن قوله: (اجعلها) أمر فيحمل على الوجوب.
٧٢٩٠ - وعندهم التلبية غير واجبة، وعلى أنا نرد الكناية إلى جميع ما تقدم، وقد تقدم ذكر التلبية وذكر الحج.
٧٢٩١ - فإن قيل: لا نسلم لكم جواز الفسخ.
٧٢٩٢ - قال الشافعي: كان القوم قد أحرموا إحرامًا مطلقًا، وانتظر النبي ﷺ القضاء، فنزل جبريل ﵇ وهو بين الصفا والمروة، وأمره بأن من ساق الهدي فليجعله حجًّا، ومن لم يسق الهدي فليجعله عمرة.
٧٢٩٣ - قلنا: هذا غلط، وروى ربيعة عن [الحارث بن بلال] بن الحارث عن أبيه قال: قلت يا رسول الله فسخ الحج لنا أو لمن بعدنا؟ قال: بل لنا وعن أبي ذر
стр. 1569
قال: (والله ما كانت المتعة إلا لنا خاصة أصحاب محمد ﷺ وليست لسائر الناس إلا المحصر)، وهذا النص في الفسخ، وكيف يكون الأمر كما قال الشافعي؟ والنبي ﷺ يقول: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة)، فلو كان أحرم إحرامًا مطلقًا لجاز أن يجعلها عمرة بكل حال.
٧٢٩٤ - فإن قيل: إنما أمرهم بفسخ الحج بعمرة؛ لأن العرب في الجاهلية كانت تعتقد أن العمرة لا تجوز في أشهر الحج، فأما فسخ حج بحج فلم ينقل.
٧٢٩٥ - قلنا: إذا ثبت جواز فسخ الإحرام بعمرة للتخفيف والتسهيل، ومخالفة المشركين، جاز فسخة بحجة أخرى ليقع الفعل مستحقًا عن مكروه.
٧٢٩٦ - ألا ترى: أن فسخ الصلاة [إذا] جاز بنقل جاز بفريضة فهذا من حيث الاستدلال، وأما من حيث النقل، فهذا الخبر قد اقتصر على فسخ الحج بحج والخبر الآخر اقتضى فسخه بعمرة، فبينا جميعًا بالنقل وكذلك قوله: (حج عن نفسك) كما يقال للمصلي: صل بمعنى انو على صلاتك.
٧٢٩٧ - قلنا: هذا مجاز، وحقيقة الكلام يتناول الابتداء، ويمنع لتناول الأمر بالفعل الموجود.
٧٢٩٨ - فإن قيل: فعلام تحملون بقية الألفاظ؟
٧٢٩٩ - قلنا: لم يتكلم ﵊ بجميعها وإنما تكلم بأحدها، فإذا لم يكن في بعضها دليل توقفنا حتى نعلم أصل الخبر، والظاهر: أن أصل الخبر قوله:
стр. 1570
(حج عن نفسك)؛ لأنه لفظ، فصلح للابتداء حقيقة، وللمضى مجازًا، والخبر العام قد ينقله الراوي خاصًا.
٧٣٠٠ - ومن أصحابنا من قال: الإحرام لا ينعقد بالتلبية حتى ينضم إليها النية، فيحتمل أن يكون الرجل [لبي بغير نية، وعرض] ذلك على رسول الله ﷺ فأمره رسول الله ﷺ بتقديم الحج عن نفسه؛ ولأن خبر الخثعمية أصح إسنادًا؛ لأنه لم يختلف في إسناده واتصاله ولا في لفظه، فالرجوع إليه أولى.
٧٣٠١ - قالوا: الخبر يقتضي وجوب تقديم الحج عن نفسه.
٧٣٠٢ - قلنا كذلك نقول، إلا إذا أحرم عن غيره انعقد، وإن ترك واجبًا.
٧٣٠٣ - فإن قيل: فإذا ثبت لكم أن الخبر موقوف على ابن عباس فألا قلدتموه.
٧٣٠٤ - قلنا: روى عن علي، وابن مسعود جواز حج الصرورة على أنا قد بينا أن تقليد الصحابة عندنا لا يلزم إذا روى عن النبي ﷺ ما يخالف قوله.
٧٣٠٥ - قالوا: من طريق المعنى لم يحج عن نفسه، فلم يجز حجه عن غيره، كالصبي.
٧٣٠٦ - قلنا: لا فرق في الصبي أن يحج عن نفسه أو لا يحج في امتناع حجه عن غيره.
٧٣٠٧ - والمعنى في الصبي أنه لا يصح أن يؤدي حجًا واجبًا عن نفسه، فلم يؤد واجبًا عن غيره، والبالغ بخلافه، ولا يلزم العبد؛ لأنه لا يؤدي حجًا واجبًا عن نفسه، أو نقول: إن الصبي ليس من أهل الوجوب، بدلالة أنه لو نوى الواجب عن نفسه لم يقع، والبالغ بخلافه.
стр. 1571
٧٣٠٨ - فإن قيل: من حج عن نفسه لا يجوز أن ينوي واجبًا عن غيره.
٧٣٠٩ - قلنا: الفرق وقع بين حالتي البلوغ وما قبلها، والبالغ في الجملة ممن يصح أن ينوي الواجب، ومن حج عن نفسه يجوز أن ينوي الواجب، بأن يوجبه على نفسه في الحال.
٧٣١٠ - قالوا: ركن من أركان الحج، فلم يجز أن يفعله عن الغير وعليه فرضه، كالطواف، أو نسك لا يتم الحج إلا به.
٧٣١١ - قلنا: لا نسلم الحكم في الأصل؛ لأن الصرورة عليه فرض جميع الأحكام والأركان، فإذا حج عن غيره [فهو يكون عن غيره]، وفرض الطواف عليه؛ ولأن الطواف بغير فرضه في الوقت حتى لا يجوز تقديمه عليه ولا تأخيره، فوقع عن مستحقه، وهذا المعنى لا يوجد فيما قبل الدخول؛ ولأنه إذا دخل في الحج ترتب فعل النفل بالتحريمة حتى لا يصح أن يقع عن غيره، ألا ترى: أن طواف القدوم يتعين حتى لو طاف عن غيره وقع عنه، فلما جاز أن يتعين بالدخول نفل العبادة حتى يصير مستحقًا، جاز أن يتعين فرضها، وقبل الدخول لا يتعين فعل الحج بالحج بالفعل، وكذلك لا يتعين فرضه، على أن من أصحابنا من قال: (إن الحاج إذا أخر طواف الزيارة حتى أحرم عن غيره صح إحرامه، فإن لم يطف حتى وقف للحجة الثانية ثم طاف لها جاز، وإن كان عليه طواف الحج عن نفسه.
٧٣١٢ - قالوا: عبادة تتعلق بقطع مسافة، فلم يجز أن يفعلها عن الغير وعليه فرضها، كالجهاد.
٧٣١٣ - قلنا: الجهاد لما لم يجز أن يفعل عن غيره بعد أداء فرضه، كذلك لا يجوز قبل الأداء، وفي مسألتنا بخلافه.
٧٣١٤ - فإن قيل: الجهاد كلما حضر تعين عليه.
стр. 1572
٧٣١٥ - قلنا: ليس كذلك؛ لأن فرض الجهاد على الكفاية، فإذا حضر الوقعة، وبالمسلمين عنه غنى لم يتعين الوجوب عليه، ولا تجوز له النيابة عن غيره، وإنما تصح النيابة إذا دفع المال إلى الشخص ليجاهد وهذا يجوز أن يسقط المجاهد فرضه أو لم يسقط، مثل مسألتنا.
* ... * ... *
стр. 1573
مسألة ٤١٦
إذا نوى الحجة النافلة قبل أن يحج حجة الإسلام
وقع إحرامه عن النفل
٧٣١٦ - قال أصحابنا: إذا نوى الحجة النافلة قبل أن يحج حجة الإسلام، وقع إحرامه عن النفل.
٧٣١٧ - وروى ابن أبي مالك، عن أبي يوسف، أنه يقع على الفرض.
٧٣١٨ - وبه قال الشافعي.
٧٣١٩ - لنا: قوله ﵊: (ولكل امريء ما نوى).
٧٣٢٠ - قالوا: معناه أن يصير العمل قربة بالنية.
٧٣٢١ - قلنا: ومعناه العمل متعين [بما نواه]، بدلالة الصلاة.
стр. 1574
٧٣٢٢ - ولأن من انعقد إحرامه بعمرة، جاز أن ينعقد إحرامه نفلاً، كمن حج عن نفسه.
٧٣٢٣ - أو نقول: وقت يصلح لإحرام العمرة، فإذا نوى نفل الحج لم ينعقد إحرامه عن فرضه كمن نوى الحج قبل الأشهر.
٧٣٢٤ - ولأن الوقت يصلح للنفل من المكلفين، ألا ترى: أن غيره ممن حج عن نفسه يحرم فيه النفل، فجاز أن ينعقد إحرامه نفلاً فيه وفرضًا، كوقت الصلاة.
٧٣٢٥ - ولأنها عبادة يتنفل بجنسها، فجاز التنفل بها مع بقاء فرضها في الذمة، كالصلاة والصوم. ولا يلزم التنفل في رمضان؛ لأنه فرضه ليس فيه الذمة، وإنما يصير في الذمة بعد فواته، ويجوز له أن يتنفل.
٧٣٢٦ - ولأنها عبادة لها تحريم وتحليل، فإذا نوى به التنفل لم يقع عن الفرض، كالصلاة.
٧٣٢٧ - احتجوا: بأنه ركن من أركان الحج، فلم يجز أن يتنفل به وعليه فرضه كالطواف.
٧٣٢٨ - قلنا: يبطل بمن طاف قبل الإحرام، وأنه متنفل بالطواف وعليه فرضه؛ لأن من عليه الحج فعليه فرض أركانه، وكذلك من أحرم بالحج صح طواف القدوم فيه، وهو نفل وطواف الفرض عليه، وأما إذا وقف فالتحريمة اقتضت تقديم طوافها على غيره، فوقع طوافه عما اقتضت التحريمة لا لوجوبه، بدلالة أن بعد الإحرام لو تنفل بالطواف لم يجز ووقع عن طواف القدوم؛ لأن التحريمة اقتضت ترتيبه وتقديمه على غيره.
٧٣٢٩ - يبين ذلك: أنه لو افتتح صلاة التطوع في وقت الفرض جاز، ولو افتتح الفرض فأراد أن يأتي بركوع نافلة وقع عما اقتضت التحريمة، كذا ههنا.
٧٣٣٠ - قالوا: عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فلم يجز أن يتنفل بها في وقت
стр. 1575
فرضها كالصوم.
٧٣٣١ - قلنا: وقت الصلاة مع وجوب الصوم لا يحتمل ما أحرم، فلم ينعقد عن النفل ووقت الحج لنسك من جنس الحج وهو العمرة، فلذلك جاز أن ينعقد فيه النفل.
٧٣٣٢ - قالوا: الصوم وقته محصور لا يتسع لفعل صومين، كما أن وقت الحج لا يتسع لنسكين، فلما ثبت أنه لا يجوز أن يتنفل بالصوم في وقت الصوم وعليه فرضه كذلك في الحج مثله.
٧٣٣٣ - قلنا: سائر أيام السنة لا يتسع لصومين، ثم كل يوم ينعقد فيه/ صوم النفل، كذلك وقت الإحرام وإن لم يتسع لنسكين جاز أن يحرم فيه بالنفل؛ ولأن وقت الصوم في حق كلفه لم يصح لصوم آخر، فلم يصح للنفل، ووقت الحج يصلح لنفل آخر وهو العمرة فصلح أيضًا للنفل، كوقت الصلاة.
٧٣٣٤ - قالوا: الأصول مبنية على أن الدخول في العبادة بنية [النفل تجري مجرى الدخول فيها] بنية مطلقة، فوجب أن يكون الدخول في الحج بنية النفل، كالدخول فيها بنية مطلقة فيقع عن الفرض ويجزيه، فإن من كان عليه فرض الحج فنوى نافلة فقد أحرم بالحج وعليه فرضه فانصرف إحرامه إلى الواجب، كما لو أحرم بنية مطلقة.
٧٣٣٥ - قلنا: روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه إذا نوى بنية مطلقة وأطلق النية، وقع عن النفل، فعلى هذه الرواية يسقط كلامهم.
٧٣٣٦ - وأما على رواية الأصل وهو الاستحسان: فإنه يحمل مطلق الإحرام على الفرض بالعبادة؛ لأنه لم يجز العبادة بأن ينفق الإنسان ماله ويتكلف السفر ويتنفل بالحج ويترك الفرض في ذمته، فإذا عين الفعل حمل على ما عينه، كمن سمى في العقد غير نقد البلد فإنا نحمل إطلاق الثمن على نقد البلد تصحيحًا للعقد، وإذا عين هنا حمل على ما عينه، كذلك هذا.
стр. 1576
٧٣٣٧ - فإن قيل: لم تجر العادة بأن يتطوع الإنسان قبل الغروب، ومع ذلك لو صلى قبلها بنية مطلقة لم يحمل على الواجب.
٧٣٣٨ - قلنا: قد اختلفت الناس في ذلك، فمنهم من قال: يستحب التنفل قبلها، فلم يحمل ما يفعله على الفرض؛ لجواز أن يكون اعتقد ذلك المذهب؛ ولأنه لم يتكلف الفرض مشقة حتى يحمل مطلقه على الفرض لحسن ظنه؛ ولأن الصلاة يصح أن تنعقد ابتداء نفلاً، ويجوز أن تنعقد فرضًا وتنقلب نفلاً، فيغلب حكم النفل فيها، فانصرف مطلقها إلى الغالب، والحج يصح [فيه] ابتداء الإحرام للفرض والنفل ولا ينقلب فرضه نفلاً فلم ينقل النفل فيه على الفرض.
* ... * ... *
стр. 1577
مسألة ٤١٧
الحج يجب على الفور
٧٣٣٩ - روى عن أبي يوسف ما يدل على وجوب الحج على الفور.
٧٣٤٠ - وعلى ظاهر قول أبي حنيفة وقول الشافعي: إن شاء قدم، وإن شاء أخر، والتقديم أفضل، وإن مات قبل أن يحج أثم.، ومتى يأثم؟ من أصحابه من قال: بتأخيره عن السنة الأولى، ومنهم من قال بتأخيره عن السنة الأخيرة.
٧٣٤١ - لنا: قوله ﵊: (من كُسِرَ أو عَرَجَ فقد حل وعليه الحج من قابل).
٧٣٤٢ - وقال ﵊ للمجامع في الحج: (اقضيا نسككما، واحججا من قابل)، فأوجب القضاء في الخبرين على الفور.
стр. 1578
٧٣٤٣ - كل عبادة لا يضيق أداؤها لا يتضيق قضاؤها، فلما تعين القضاء دل على أن الأداء أسبق.
٧٣٤٤ - وروى أنه ﵊ قال: (من وجد زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله تعالى ولا يحج: فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا).
٧٣٤٥ - وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾، وكذا رواه الترمذي من حديث علي ﵁.
٧٣٤٦ - فإن قيل: إذا أخره حتى مات أثم بالاتفاق.
٧٣٤٧ - قلنا: لو كان له التأخير لم يأثم بالموت إذا جاءه من غير أمارة ولا غلبة ظن والخبر يقتضي أنه أثم بكل حال.
٧٣٤٨ - ويدل عليه حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (من أراد الحج فليتعجل).
٧٣٤٩ - فإن قيل: علقه بإرادته.
٧٣٥٠ - قلنا: هذه الإرادة هي التي تخرجه من حيز الساهي إلى حيز القاصد، فأما إرادة التخيير: فلا يتعلق الأمر بها، وهذا كقوله ﵊: (من أراد الجمعة فليغتسل)، وكقولنا: من أراد الصلاة فليتوضأ؛ ولأنها عبادة بدنية مؤداة، فيضيق فعلها بوقت وجوبها، كالصلاة؛ ولأنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فكان وجوبها بابتداء الشرع على الفور.
٧٣٥١ - دليله: الصوم، أو لأنها عبادة بدنية لا تفعل في الحول إلا مرة، ودليله ما بيناه.
стр. 1579
٧٣٥٢ - فإن قيل: المعنى في الصوم أنه لا يجوز تأخير الدخول فيه عن حال الإمكان، فلم يجز تأخير جوازه، والحج وقت الدخول فيه موسع يجوز تقديمه وتأخيره، فجاز تأخير جملته.
٧٣٥٣ - قلنا: الصوم لا يجوز تأخيره عن أول أحوال الإمكان إذا وجب، بدلالة أن المسافر والمريض يجوز لهما التأخير، والحج عندنا بأول الأشهر لم يجب، فجاز تأخيره فإذا وجب فهو كالصوم لا يجوز الدخول فيه، وعلة الفرع تبطل بالنية التي يخاف الفوات فيها؛ فإن الدخول فيه موسع، ولا يجوز تأخيره عن جميع الوقت.
٧٣٥٤ - ولأنه فرض لا يجب في العمر إلا مرة واحدة، فلم يجز تأخيره عن وقت وجوبه، كالإيمان.
٧٣٥٥ - واحتج أبو الحسن الكرخي، فقال: لا يخلو إما أن يجب تقديم الحج، أو تأخيره، ليس لأحد أن يقول: يجب تقديمه، ولا يجوز أن يكون مخيرًا؛ لأنه إن أخره حتى مات: لم يخل من أن يأثم أو لا يأثم، فإن لم يأثم خرج من أن يكون واجبًا، ولئن أثم دل على أنه ليس له التأخير.
٧٣٥٦ - فإن قيل: يجوز التأخير [إذا غلب على ظنه] أنه لا يعجز، كما يجوز ضرب الزوجة والابن ضربًا يغلب على الظن أنه لا يموت.
٧٣٥٧ - قلنا: إذا مات من لا أمارة لموته ولا هرم، إن قلت: إنه يأثم بطل [اعتبار أمارة] العجز، وإن قلت: لا يأثم، خرج الحج من الوجوب، فأما الضرب: فيضربها عندنا بآلة [لا تقتل] في الغالب على غير مقاتلها فيباح ذلك ولا يعتبر غالب الظن فيه.
٧٣٥٨ - وقد قالوا: إنه يأثم إذا مات بتأخير الحج عن السنة الأولى، وكيف يأثم بالتأخير عنها؟ وقد أباح الله - تعالى - له التأخير.
стр. 1580
٧٣٥٩ - ومنهم من قال: يأثم بتأخيره، وهذا يؤدي إلى أن يأثم بتأخيره العبادة عن وقت مجهول لم يطلعه الله - تعالى - عليه، وهذا تكليف بما لا يطاق.
٧٣٦٠ - وقد التزم أبو الحسن على هذه الطريقة أن الزكاة، والنذور، والكفارات وقضاء رمضان مؤقت، ولزوم الوصية في ابتداء الإسلام.
٧٣٦١ - والجواب عنها: أن وجوبها كان على الفور، وكان على الإنسان أن يوصي عاجلاً، كما يوجبها عند حضور الموت، [فأما أن تقف الوصية على حضور الموت] فلا، ولهذا قال ﵊: (لا يحل لرجل أن يبيت ليلتين إلا ووصيته عند رأسه).
٧٣٦٢ - وقيل: إن قوله تعالى: ﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾، يعني بسبب الموت الذي هو المرض، وهذا تعليق العبادة بشرط معلوم.
٧٣٦٣ - احتجوا: بما روى أن فريضة الحج نزلت سنة ست من الهجرة، فأخر النبي ﷺ وأزواجه، ومياسير أصحابه الحج إلى سنة عشر من الهجرة ولو كان على الفور ما أخره بعد وجوبه، ولا أقر على التأخير.
٧٣٦٤ - قالوا: والوجوب نزل سنة ست؛ لأن النبي ﷺ خرج معتمرًا، فصد، فنزلت الآية.
следующие страницы →