Полный текст (6 324 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
٧٣٣٧ - فإن قيل: لم تجر العادة بأن يتطوع الإنسان قبل الغروب، ومع ذلك لو صلى قبلها بنية مطلقة لم يحمل على الواجب.
٧٣٣٨ - قلنا: قد اختلفت الناس في ذلك، فمنهم من قال: يستحب التنفل قبلها، فلم يحمل ما يفعله على الفرض؛ لجواز أن يكون اعتقد ذلك المذهب؛ ولأنه لم يتكلف الفرض مشقة حتى يحمل مطلقه على الفرض لحسن ظنه؛ ولأن الصلاة يصح أن تنعقد ابتداء نفلاً، ويجوز أن تنعقد فرضًا وتنقلب نفلاً، فيغلب حكم النفل فيها، فانصرف مطلقها إلى الغالب، والحج يصح [فيه] ابتداء الإحرام للفرض والنفل ولا ينقلب فرضه نفلاً فلم ينقل النفل فيه على الفرض.
* ... * ... *
стр. 1577
مسألة ٤١٧
الحج يجب على الفور
٧٣٣٩ - روى عن أبي يوسف ما يدل على وجوب الحج على الفور.
٧٣٤٠ - وعلى ظاهر قول أبي حنيفة وقول الشافعي: إن شاء قدم، وإن شاء أخر، والتقديم أفضل، وإن مات قبل أن يحج أثم.، ومتى يأثم؟ من أصحابه من قال: بتأخيره عن السنة الأولى، ومنهم من قال بتأخيره عن السنة الأخيرة.
٧٣٤١ - لنا: قوله ﵊: (من كُسِرَ أو عَرَجَ فقد حل وعليه الحج من قابل).
٧٣٤٢ - وقال ﵊ للمجامع في الحج: (اقضيا نسككما، واحججا من قابل)، فأوجب القضاء في الخبرين على الفور.
стр. 1578
٧٣٤٣ - كل عبادة لا يضيق أداؤها لا يتضيق قضاؤها، فلما تعين القضاء دل على أن الأداء أسبق.
٧٣٤٤ - وروى أنه ﵊ قال: (من وجد زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله تعالى ولا يحج: فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا).
٧٣٤٥ - وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾، وكذا رواه الترمذي من حديث علي ﵁.
٧٣٤٦ - فإن قيل: إذا أخره حتى مات أثم بالاتفاق.
٧٣٤٧ - قلنا: لو كان له التأخير لم يأثم بالموت إذا جاءه من غير أمارة ولا غلبة ظن والخبر يقتضي أنه أثم بكل حال.
٧٣٤٨ - ويدل عليه حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (من أراد الحج فليتعجل).
٧٣٤٩ - فإن قيل: علقه بإرادته.
٧٣٥٠ - قلنا: هذه الإرادة هي التي تخرجه من حيز الساهي إلى حيز القاصد، فأما إرادة التخيير: فلا يتعلق الأمر بها، وهذا كقوله ﵊: (من أراد الجمعة فليغتسل)، وكقولنا: من أراد الصلاة فليتوضأ؛ ولأنها عبادة بدنية مؤداة، فيضيق فعلها بوقت وجوبها، كالصلاة؛ ولأنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فكان وجوبها بابتداء الشرع على الفور.
٧٣٥١ - دليله: الصوم، أو لأنها عبادة بدنية لا تفعل في الحول إلا مرة، ودليله ما بيناه.
стр. 1579
٧٣٥٢ - فإن قيل: المعنى في الصوم أنه لا يجوز تأخير الدخول فيه عن حال الإمكان، فلم يجز تأخير جوازه، والحج وقت الدخول فيه موسع يجوز تقديمه وتأخيره، فجاز تأخير جملته.
٧٣٥٣ - قلنا: الصوم لا يجوز تأخيره عن أول أحوال الإمكان إذا وجب، بدلالة أن المسافر والمريض يجوز لهما التأخير، والحج عندنا بأول الأشهر لم يجب، فجاز تأخيره فإذا وجب فهو كالصوم لا يجوز الدخول فيه، وعلة الفرع تبطل بالنية التي يخاف الفوات فيها؛ فإن الدخول فيه موسع، ولا يجوز تأخيره عن جميع الوقت.
٧٣٥٤ - ولأنه فرض لا يجب في العمر إلا مرة واحدة، فلم يجز تأخيره عن وقت وجوبه، كالإيمان.
٧٣٥٥ - واحتج أبو الحسن الكرخي، فقال: لا يخلو إما أن يجب تقديم الحج، أو تأخيره، ليس لأحد أن يقول: يجب تقديمه، ولا يجوز أن يكون مخيرًا؛ لأنه إن أخره حتى مات: لم يخل من أن يأثم أو لا يأثم، فإن لم يأثم خرج من أن يكون واجبًا، ولئن أثم دل على أنه ليس له التأخير.
٧٣٥٦ - فإن قيل: يجوز التأخير [إذا غلب على ظنه] أنه لا يعجز، كما يجوز ضرب الزوجة والابن ضربًا يغلب على الظن أنه لا يموت.
٧٣٥٧ - قلنا: إذا مات من لا أمارة لموته ولا هرم، إن قلت: إنه يأثم بطل [اعتبار أمارة] العجز، وإن قلت: لا يأثم، خرج الحج من الوجوب، فأما الضرب: فيضربها عندنا بآلة [لا تقتل] في الغالب على غير مقاتلها فيباح ذلك ولا يعتبر غالب الظن فيه.
٧٣٥٨ - وقد قالوا: إنه يأثم إذا مات بتأخير الحج عن السنة الأولى، وكيف يأثم بالتأخير عنها؟ وقد أباح الله - تعالى - له التأخير.
стр. 1580
٧٣٥٩ - ومنهم من قال: يأثم بتأخيره، وهذا يؤدي إلى أن يأثم بتأخيره العبادة عن وقت مجهول لم يطلعه الله - تعالى - عليه، وهذا تكليف بما لا يطاق.
٧٣٦٠ - وقد التزم أبو الحسن على هذه الطريقة أن الزكاة، والنذور، والكفارات وقضاء رمضان مؤقت، ولزوم الوصية في ابتداء الإسلام.
٧٣٦١ - والجواب عنها: أن وجوبها كان على الفور، وكان على الإنسان أن يوصي عاجلاً، كما يوجبها عند حضور الموت، [فأما أن تقف الوصية على حضور الموت] فلا، ولهذا قال ﵊: (لا يحل لرجل أن يبيت ليلتين إلا ووصيته عند رأسه).
٧٣٦٢ - وقيل: إن قوله تعالى: ﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾، يعني بسبب الموت الذي هو المرض، وهذا تعليق العبادة بشرط معلوم.
٧٣٦٣ - احتجوا: بما روى أن فريضة الحج نزلت سنة ست من الهجرة، فأخر النبي ﷺ وأزواجه، ومياسير أصحابه الحج إلى سنة عشر من الهجرة ولو كان على الفور ما أخره بعد وجوبه، ولا أقر على التأخير.
٧٣٦٤ - قالوا: والوجوب نزل سنة ست؛ لأن النبي ﷺ خرج معتمرًا، فصد، فنزلت الآية.
стр. 1581
٧٣٦٥ - والجواب عنه: أن وجوب الحج نزل بقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾، وهذه الآية قيل: إنها نزلت في سنة تسع، فيجوز أن يكون نزولها في وقت جاز فيه القصد والتوجه.
٧٣٦٦ - وإن كان نزولها في سنة عشر، فلم يؤخر النبي ﷺ الأداء.
٧٣٦٧ - فأما قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، فحقيقة الإتمام فعل بقية شيء تلبس به، وليس إذا وجب المعنى وجب الابتداء فلم تدل الآية على ابتداء الوجوب.
٧٣٦٨ - فإن قيل: القوم كانوا محرمين، فأمرهم بإتمام الحج على الابتداء.
٧٣٦٩ - قلنا: الأمر بإتمام العبادة يدل على وجوب المضي فيها إذا فعلها الإنسان، وإن لم يكن تلبس بها كما تقول: إذا دخلت في حجة التطوع فتمها.
٧٣٧٠ - فإن قيل: روى عن عمر، وعلي أنهما قالا: إتمامهما أن يحرم بهما من دويرة أهله)، فهذا يدل على أن المراد بالآية الابتداء وحقيقتها لا تدل على ذلك، وعلى ما قالوه لا يجوز أن يعدلوا عن الحقيقة إلا بتوقيف.
٧٣٧١ - قلنا: الإحرام من دويرة الأهل مستحب، فكأنهما حملا الأمر على الاستحباب دون الوجوب، وهذا ترك الظاهر فلم يعلم إلا بتوقيف؛ فصار هذا دليلاً على مخالفنا.
стр. 1582
٧٣٧٢ - فإن قيل: روى أن ضمام بن ثعلبة قال: يا رسول الله هل فرض علينا أن نحج هذا البيت؟، قال: نعم، وهذا في سنة ست.
٧٣٧٣ - قلنا: ذكر ابن جريج أن ضمامًا وفد على رسول الله ﷺ في سنة تسع، فقال ذلك، ولو ثبت ما قالوه: احتمل أن يكون النبي ﷺ مأمورًا بشريعة إبراهيم ﵇.
٧٣٧٤ - فإن قيل: فقد أخره.
٧٣٧٥ - قلنا: لا نعلم أنه وجب في شريعة إبراهيم ﵇ على الفور.
٧٣٧٦ - على أنه ﵊ حج قبل الهجرة حجتين، فلم يوجب ذلك، ولو ثبت أنه أخر فعل الحج: احتمل أن يكون أخره لعذر؛ لأنه لا يترك الأفضل إلا لعذر، ولسنا نحتاج إلى تعيين العذر، بل عليهم أن يثبتوا عدم الأعذار.
٧٣٧٧ - فإن قيل: أخره عندنا ليبين جواز التأخير.
٧٣٧٨ - قلنا: كان يكفي أن يؤخره سنة واحدة، ليحصل البيان.
٧٣٧٩ - قالوا: في قراءة ابن مسعود وأقيموا الحج والعمرة.
٧٣٨٠ - قلنا: / الإقامة تحتمل الابتداء، وتحتمل الأمر بعد الدخول، وترتب على ما لا تحتمل من القراءة الأخرى، ثم إذا وجب في سنة ست فلوجوبه شرائط لا نعلم أنها حصلت له، ألا ترى: أن الحج يحتاج في وجوبه إلى الزاد والراحلة ونفقة الأهل وأمن الطريق ويحتاج إلى أصحاب يكفونه عذر الطريق، فيجوز أن تكون هذه الشرائط التي بها يحصل الاستطاعة لم تكمل في سنة ست ولابد أن تكون له الشرائط التي ذكرتم وكان معه عام الحديبية سبعون بدنة، وفي سنة ثمان أو تسع من سبى هوازن حتى قال صفوان بن أمية حين أعطاه: هذا عطاء من لا يخاف الفقر، وفي سنة ثمان فتح مكة وفرغ من هوازن والطائف، ولم يبق له مانع يجوز أن يكون هنا.
٧٣٨١ - فإن قالوا: إذا كان من شرط الوجوب عليه حصول الاستطاعة لمن
стр. 1583
يسير معه لم يكن دعوى ذلك.
٧٣٨٢ - قلنا: يجوز أن تكون الاستطاعة تحصل له في وقت العمرة، ونزول في وقت الحج؛ لأن قريشًا صالحوه في عمرة القضاء على العمرة، ولسنا نعلم أنهم مكنوه من الحج وقد كانوا صالحوه على ثلاثة أيام فأراد أن يقيم بها ... ، لهم فمنعوه، فيجوز أن تكون شرائط الاستطاعة لم توجد بعد ذلك.
٧٣٨٣ - فإن قيل: فقد كان في أصحابه أغنياء.
٧٣٨٤ - قلنا: شرط الاستطاعة ليس هو مجرد الغناء، بل يحتاج إلى ما ذكرنا من الشروط.
٧٣٨٥ - وقد قيل: إنما أخر بعد الوجوب لأنهم كانوا يؤخرون الحج تارة، ويقدمونه تارة أخرى، فيقع في غير وقته، فأراد ﵊ أن يحج في وقت الحج، قال رسول الله ﷺ : (ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض)، ولهذا فعل العمرة دون الحج؛ لأن وقتها لا يتخصص.
٧٣٨٦ - فإن قيل: أمر أبا بكر بالحج في سنة تسع.
٧٣٨٧ - قلنا: من حج على ما كانوا عليه كان يسقط فرضه إلا أن النبي ﷺ أراد أن يحج على وجه يقع في الآخر، أو يكون في المستقبل إمامًا في الاقتداء.
٧٣٨٨ - وقد قيل: إنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويظهرون الكفر في التلبية، فيقولون: (لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك). فلما بعث النبي ﷺ أبا بكر في سنة تسع ونبذ إلى المشركين عهدهم، ونادى: (ألا لا يطوف
стр. 1584
بالبيت مشرك ولا عريان)، وحج من قابل.
٧٣٨٩ - فإن قيل: كيف يأمر أبا بكر بالحج؟.
٧٣٩٠ - قلنا: لأن حرمته لا تضاهي حرمة رسول الله ﷺ فلم يتساويا في هذا المعنى.
٧٣٩١ - وقد قيل: أخر حتى أمن كيد الأعداء.
٧٣٩٢ - فإن قيل: كيف اعتمر؟.
٧٣٩٣ - قلنا: لما اعتمر أخلوا له مكة.
٧٣٩٤ - احتجوا: بما روى أن النبي ﷺ أمر من الصحابة من لا هدى معه أن يتحلل من الحج بعمرة، فلو كان على الفور: لم يجز التحلل منه.
٧٣٩٥ - قالوا: روى أنه قال: من (أراد الحج فليقم معنا) وروى أنه قال: (ومن شاء فلينصرف).
٧٣٩٦ - قلنا: إنه أمرهم بالحج قبل التروية، فإذا ثبت ما قالوه: احتمل أن يكون قاله لمن حج.
٧٣٩٧ - قالوا: كل عبادة كان وقت الدخول فيها موسعًا: كان يفعل فيها موسعًا كالصلاة.
٧٣٩٨ - قلنا: ينتقض بالحج في السنة التي يغلب على ظنه العجز بعدها، ونقلبه فنقول: فيتضيق فعلها بوقت وجوبها، كالصلاة، أو: فلا يجوز تأخيرها عن آخر وقتها، كالصلاة؛ ولأن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبًا موسعًا على قول ابن شجاع، ويتضيق بآخره ويتضيق فعل وقتها ما لم يتضيق فالحج مثله.
٧٣٩٩ - قالوا: لو أخر الحج إلى السنة الثانية لم يكن قاضيًا ولم يضيق وجوبه،
стр. 1585
فالسنة الأولى كان بتأخيره عن وقته قاضيًا، وتحريره: كل من أدى حجًا كان مؤديًا، وجب أن يكون بتأخيره إلى وقت أدائه، كالعام الأول.
٧٤٠٠ - قلنا: هذا يبطل بمن غلب على ظنه أن يعجزه؛ فإنه بالتأخير عنه لا يصير قاضيًا، ويأثم بالتأخير ولأنه إذا أخر سقط ما اقتضاه الأمر الأول، وفعله في السنة الثانية يقتضي أمرًا آخر.
٧٤٠١ - فقد قلنا بمعنى القضاء، وأنا لا نسميه قضاء؛ لأن هذه تسمية شرعية، فتستعمل حيث أطلقت الشريعة.
٧٤٠٢ - ولأن الزكاة عند مخالفنا مضيقة الوجوب، وإن أخرها أثم، ولم يسم قاضيًا إلا أن يهلك المال، وقد سمى ما يفعل بعد الوقت أداء، وإن كان قضاء. قال النبي ﷺ : (فليصلها إذا ذكرها)، (فليؤدها إذا ذكرها) وسمى ما يفعل في الوقت قضاء، كقوله (ما فاتكم فاقضوا).
٧٤٠٣ - فدل على أن تسمية الأداء والقضاء لا يستدل بها على الوقت؛ فإن القضاء إنما يقال في عبادة مؤقتة يشترك في وجوبها عند وقتها غلبة الناس، فإذا أخر الفعل عنها سمى قاضيًا، أثم بالتأخير أو لم يأثم، ألا ترى: أن تأخير المريض والمسافر الصوم لا يأثما فيه ويسمى المفعول قضاء، والحائض لا يصح لها فعل الصوم، ولا تكون عاصية، وما تفعله في الثاني يكون قضاء، فأما الحج فوجوبه في هذا الوقت يختلف فيه الناس باختلاف حصول الشرط، فالسنة الثانية وقت الأداء في حق من وجد شرطه فيه، فلذلك لم يسم ما يفعله قضاء كالزكاة، لما كان وجوبها يقف على وجود الحول كالقضاء وبذلك يختلف فيه الناس ثم بتأخير الأداء إلى وقت ثان يكون قاضيًا.
٧٤٠٤ - قالوا: لو وجب على الفور لأدى إلى خراب البلاد، وهلاك الحرث.
٧٤٠٥ - قلنا: لا يؤدي إلى ذلك؛ لأن شرائط الوجوب لا تحمل لجميع الناس في سنة واحدة، ومن يتفق له شرائط الوجوب قد يعتبر من ذوى الأعذار، وإنما يحج من وجب عليه مع وجود الشرائط، ولا عذر له دون غيره، ويقوم بمصالح الدنيا من لا يحج.
* ... * ... *
стр. 1586
مسألة ٤١٨
إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج
انعقد إحرامه حجة
٧٤٠٦ - قال أصحابنا: إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج انعقد إحرامه حجة، وإن أمن مواقعة المحظورات لم يكره.
٧٤٠٧ - وقال الشافعي: ينعقد إحرامه عمرة.
٧٤٠٨ - لنا: قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ فجعل جنس الفعل لأمرين، ومتى يضف إلى الزمان لا يتضيق عنه، كأنه كله يكون وقتًا له، كما لو قلت: أصله أجل الديون كان جميعًا أجلاً لكل دين على الانفراد.
٧٤٠٩ - فإن قالوا: إضافة الأمرين إلى الأشهر تقتضي انقسامًا بينهما.
٧٤١٠ - قلنا: هذا يكون فيما يتضايق كقولنا: جاء زيد وعمر فأما ما لا يتضايق: فكل واحد يضاف إلى الجميع، ولو اقتضى الانقسام لتساويا في الإضافة،
стр. 1587
فصار لكل واحد منهما نصف الشهور، فدل على جواز الإحرام قبل الوقت.
٧٤١١ - فإن قيل: يبين ذلك بقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾.
٧٤١٢ - قلنا: هذا نتكلم عليه في دلائلكم.
٧٤١٣ - قالوا: الله تعالى جعل الأهلة للحج وهو الأفعال، وأنتم تجعلونها وقتًا للأفعال وليس للحج.
٧٤١٤ - قلنا: إذا قلنا جميع الأشهر لا تصلح للأفعال: لم يبق إلا أن نحمل الآية على الإحرام بالحج، أو نقول: ظاهر الآية يقتضي الأفعال، والإحرام الذي لا تتم الأفعال إلا به، فنحملها على جميع [الأفعال].
٧٤١٥ - فإن قيل: حمله على الإحرام مجاز، ونحن نحمله على العمرة، وهي الحجة الصغرى، فلماذا حملها على المجاز ونحمله على الطواف وهو ركن منه.
٧٤١٦ - قلنا: نحن نحمل الآية على أفعال الحج، وإحرامه، والعمرة، وجميع ذلك يتناوله اسم الحج، ومن حمل على جميع ما يتناوله الاسم كان أولى من حمله على بعضها.
٧٤١٧ - قالوا: إذا شرع الله تعالى التوقيت: اقتضى الجواز، أو الإباحة، فأما الكراهة: فلا، وعندكم يكره الإحرام في غير أشهر الحج ... .
٧٤١٨ - قلنا: لا يكره عندنا إذا أمن مواقعة المحظور، [فإن لم يأمن كره له ذلك، كما يكره الإحرام في أول الشهر إذا لم يؤمن مواقعة المحظور].
٧٤١٩ - فيدل عليه قوله ﵊: (من أراد الحج فليتعجل).
٧٤٢٠ - روي عن علي وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: (إتمامهما أن تحرم بهما
стр. 1588
من دويرة أهلك)، ومن بعد عن مكة لم يمكنه الإحرام من أهله إلا قبل الأشهر، وقال للخثعمية: (حجي عن أبيك)، ولم يقل في الأشهر، وقال: (هن لأهلهن ولمن مر بهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة).
٧٤٢١ - ولأنها أحد نسكي [القران: فجاز] الإحرام به قبل الأشهر كالعمرة.
٧٤٢٢ - ولأنه أحد نوعي الإحرام: فجاز أن ينعقد قبل الأشهر كالعمرة.
٧٤٢٣ - قالوا: المعنى في العمرة: أن أركانها لا تتأقت فلم يتأقت إحرامها، ولما تأقت أركان الحج تأقت إحرامه.
٧٤٢٤ - قلنا: في أركان الحج ما يتأقت منها، ولم يعتبر من المؤقت.
٧٤٢٥ - ولأنا لا نسلم أن أركان العمرة لا تتوقت؛ لأن عندنا يمنع من فعلها في خمسة أيام من السنة.
٧٤٢٦ - ولأنه وقت لركن يقع في الحج [فكان وقتًا لإحرامه، كأشهر الحج.
٧٤٢٧ - ولأنه ركن لأحد طرفي الحج] فجاز في غير الأشهر كالطواف.
٧٤٢٨ - ولا يلزم الوقوف؛ لأنه يجوز عندنا في يوم النحر عند الاشتباه، ويوم النحر ليس من الأشهر عندنا على ما روي عن أبي يوسف.
٧٤٢٩ - ولأن كل وقت يصح الإحرام فيه بالعمرة يصح الإحرام فيه، بالحج، كأشهر الحج.
стр. 1589
٧٤٣٠ - فإن قيل: المعنى في أشهر الحج: أنه زمان للتمتع فلذلك انعقد الإحرام فيه بالحج وليس كذلك غيرها؛ لأنه ليس بزمان للتمتع قبل الأشهر ثم يصير به متمتعًا، وهذا لا تعلق له بإحرام الحج.
٧٤٣١ - ولأن التمتع هو الجمع بين العبادتين، وليس إذا لم يصلح الوقت للجمع لم يصلح للإفراد كوقت الصلاة؛ لأن الإحرام يختص بمكان وزمان، فإذا جاز تقديمه على المكان المؤقت كذلك يجوز تقديمه على الزمان المؤقت له.
٧٤٣٢ - فإن قيل: لما جاز تقديم الإحرام على المكان لم يجز تأخيره، ولما جاز تأخير الإحرام [على المكان لم يجز تأخيره، ولما جاز تأخير الإحرام]، عن أول الشهر لم يجز تقديمه.
٧٤٣٣ - قلنا: لا فرق بينهما، أنه يجوز تقديم الإحرام على الميقات وتأخيره عن أول حدود الميقات إلى آخره، ولا يجوز تأخيره عن جميع حدوده، وكذلك يجوز تقديمه على الأشهر وتأخيره عن أولها، ولا يجوز أن يتأخر لهذه السنة عن أولها؛ ولأن الأفعال يجوز أن تؤدى متراخية عنه، فجاز أن تتقدم على وقتها كالطهارة لما جاز أن تؤدى بها الصلاة متراخية جاز تقديم الطهارة على الوقت.
٧٤٣٤ - والدليل على أن الصلاة مؤداة بالطهارة: لابد من بقاء الطهارة إلى وقت أداء الصلاة كما لابد من بقاء الأحرام إلى حين الأداء.
٧٤٣٥ - ويفارق طهارة خطبة الجمعة؛ لأنها شرط فيها وليست مؤداة بها، بدلالة أنه لا يعتبر بقاؤها إلى حين أداء الجمعة.
٧٤٣٦ - قالوا: والدليل على أن إحرامه لا ينعقد عمرة: قوله ﵊: (وإنما لكل امرئ ما نوى)، فهذا لم ينو العمرة.
стр. 1590
٧٤٣٧ - ولأنه إحرام بنية الحج انعقد، فلم يكن عمرة، كما لو انعقد في الأشهر؛ ولأنه أحد نوعي الإحرام، فإذا دخل فيه لم ينعقد كالعمرة.
٧٤٣٨ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾، والحج أفعال، والزمان لا يكون تبعًا للأفعال فلابد من إضمار، قال الفراء: الحج من أشهره، وقال غيره: وقت الحج أشهر معلومات. فعلى قول الفراء معناه: أفعال الحج في أشهر، ومعلوم أن الأفعال تقع من جهة الأيام، يعني أن من يريد الإحرام في أشهر تبين أنه أراد به الإحرام.
٧٤٣٩ - وقوله: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾.
٧٤٤٠ - وعلى قول من قال: وقت أشهر، قال: فالوقت [المحدود للعبادة وقت لإحرامها، كوقت الصلاة، فمن زعم أنه يقع قبلها، أخرج الوقت] من أن يكون وقتًا.
٧٤٤١ - والجواب: أنه متروك بالإجماع، على ما يرى أن الزمان لا يكون وقتًا للأفعال. فقال الفراء: (الحج أشهر) معناه: أن الوقت معتبر لا يدور كما كانت العرب تفعل من السر، وليس إذا كانت الأفعال تقع في بعضها لم يجز أن تضاف إلى جميعها لما كان من الأفعال ما يفعل في جميعها، وهو السعي عقيب طواف القدوم، فإذن كان جميع الأشهر تصلح لهذا الفعل، فلذلك أضاف الحج إلى جميعها.
٧٤٤٢ - وقيل: معنى الآية: ﴿الحج أشهر﴾ معناه: أن الحج المقصود المأمور به هو ما يقع في هذه الأشهر كما يقال: القتال قتال العرب، ولا ينفي ذلك وجوب القتال في غيرهم.
стр. 1591
٧٤٤٣ - ويمكن أن تستعمل الآية من غير حذف، ويكون قوله: (الحج أشهر) كقولهم: الشعر زهير، معناه أنه أفضل الشعر وأحسنه، ولا ينفي ذلك شعر غيره، [ومن استعمل الآية من غير تقدير حذف أولى].
٧٤٤٤ - ومن أصحابنا من قال: إن المراد بالآية وقت الحج أشهر، إلا أن الحج هو الأفعال فقد جعل الله تعالى جميع الأشهر وقتًا للأفعال، ولا تصح الأفعال إلا بتقديم الإحرام عليها، فاقتضت الآية جواز تقديمه على الأشهر حتى يكون جميعها وقتًا للأفعال، وإلا صار بعضها وقتًا له، وهذا خلاف الظاهر.
٧٤٤٥ - ومن أصحابنا من قال: إن الله ذكر التمتع بقوله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ ثم قال بعد ذلك: ﴿الحج أشهر﴾ يعني الحج الذي يكون به التمتع، وعندنا أن إحرام الحج لا يكون به متمتعًا ما وقع في الأشهر، وغنما وقع بعده.
٧٤٤٦ - فإن قيل: قوله تعالى ﴿الحج أشهر﴾ مستقل بنفسه، فلم يحمل على ما تقدمه.
٧٤٤٧ - قلنا: ذكر الحج المعروف، والواجب صرفه إلى ما تقدم ذكره حتى يصح التعريف.
٧٤٤٨ - قالوا: روي عن ابن عباس أنه قال: (لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن تحرم بالحج في أشهر الحج).
٧٤٤٩ - وقول الصحابة: / السنة كذا يقتضي سنة النبي ﷺ .
٧٤٥٠ - قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم يذكرون السنة ويريدون بها سنة الأئمة، أو سنة بعضهم ممن يقتدون به.
стр. 1592
٧٤٥١ - قالوا: روي هذا عن ابن عباس. وعن جابر ﵁ أنه سئل: أيهل بالحج قبل أشهر الحج؟ قال: لا.
٧٤٥٢ - قلنا: روى علي، وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، ومن بعد عن مكة لا يحرم من دويرة أهله في الأشهر.
٧٤٥٣ - قالوا: روي عن عثمان أنه أنكر على عبد الله بن عامر تجريد الإحرام من مسكنه.
٧٤٥٤ - قلنا: إنما كان لأنه أحرم بالعمرة، وهذه القصة مشهورة، فلا نقلب القصة إلى الحج.
٧٤٥٥ - قالوا: عبادة يلحقها الفوات، فوجب أن يكون وقت الإحرام بها كالجمعة.
٧٤٥٦ - قلنا: نقلب فنقول: فجاز أن تؤدى بشرط يختصها فيقدم على وقتها كالجمعة ولأن تحريمة الجمعة يفصل أفعالها بها، ولا يتراخى عنها، فلم يجز أن يقدم على وقت الأفعال، وأفعال الحج موضوعها أن يتأخر عن الإحرام فجاز أن تفعل متقدمة على الوقت كالطهارة.
٧٤٥٧ - فإن قيل: أفعال الحج سبعة منها الإحرام، وهو وجوب تجنب المحظورات.
٧٤٥٨ - قلنا: معنى قولنا: أفعال الإحرام ليس هو ما يتجنبه ويجب تجنبه، وإنما هو ما يسقط الوجوب بإيقاعه، وفرض الحج لا يسقط بتجنب المحظورات.
стр. 1593
٧٤٥٩ - فإن قيل: أفعال الصلاة تتراخى أيضًا؛ لأنه إذا كبر لم يجز أن يسجد.
٧٤٦٠ - قلنا: لابد أن يتعقب الإحرام فعل يسقط الفرض، والإحرام بالحج يقع فلا يتعقبه فعل الفرض.
٧٤٦١ - قالوا: يوم النحر وقت لفوات العبادة، فلم يتعذر فيه كالجمعة في وقت العصر.
٧٤٦٢ - قلنا: لأن الجمعة لا يجوز أن تبقى ببقاء أركانها إلى وقت العصر، فلم ينعقد إحرامها فيه، والحج موضوع ركنه أن يفعل يوم النحر، فكذلك انعقد الإحرام فيه.
٧٤٦٣ - قالوا: نسك لا يتم الحج إلا به، وكان وقته محدودًا، كالوقوف والطواف.
٧٤٦٤ - قلنا: الوقوف لما اختص بمكان لا يجوز التقدم عليه [كذلك يختص بوقت لا يجوز التقدم عليه]، وإنما شرع الإحرام في مكان يجوز التقدم عليه: جاز أن يتقدم على وقته أيضًا.
٧٤٦٥ - قالوا: لو أنه أحرم بالعمرة وفرغ منها قبل الأشهر: لم يلزمه دم التمتع، فلو كان جميع السنة وقتًا للحج جاز أن يتمتع في جميعها.
٧٤٦٦ - قلنا: التمتع هو الجمع بين العبادتين في زمان أحدهما، ووقت أفعال الحج الأشهر خاصة، فلم يصح التمتع قبلها؛ لأنه ليس بوقت لأفعال الحج.
٧٤٦٧ - قالوا: عبادة لا يتأقت أركانها: فوجب أن يتأقت إحرامها كالصلاة، وعكسه العمرة.
٧٤٦٨ - قلنا: نقلب فنقول: فجاز إحرامها في وقت جواز ركنها كالصلاة؛ ولأن الصلاة يراد إحرامها لإيقاع إحرامها متصلة به: فلم يتأقت بوقت الأفعال فيه، والإحرام يراد لإيجاب الأفعال وتصحيحها دون إيقاعها فيه: فلم يتأقت بوقت الأفعال كالنذر.
стр. 1594
٧٤٦٩ - قالوا: عبادة لا تفعل في السنة إلا مرة واحدة: فكان وقت التلبس بها محدودًا كالصوم.
٧٤٧٠ - قلنا: فجاز أن ينعقد قضاؤها في وقت فواتها كالصوم؛ ولأن الصوم لا يتراخى أفعاله عن وقت الدخول، فلم يجز التلبس به إلا في وقت فعله.
٧٤٧١ - والإحرام يتأخر أفعاله عن الدخول فيه، فلم يختص بوقت فعله، وصار كنية الصوم.
٧٤٧٢ - قلنا: إنه لما لم يقارن التلبس به: جازت في غير وقت الفعل، وكذلك االإحرام مثله.
٧٤٧٣ - قالوا: الأشهر جعلت وقتًا للحج، والتوقيت يضرب حتى لا يتقدم عليه، وحتى لا يتأخر عنه، فلما جاز أن يتأخر الإحرام عن أول الشهر: لم يجز التقدم، وإلا لم يكن للتوقيت فائدة.
٧٤٧٤ - قلنا: وهذا وقت حد لأفعال؛ لأنها لا تتعقبه، فيصير كنية الصوم، والوضوء للصلاة، والنذر للعبادات؛ ولأن الإحرام يتقدم على الأشهر، ولا يجوز أن يتأخر عنها لهذه السنة فهذا فائدة التوقيت، وهذا كميقات المكان يجوز التقدم عليه والتأخر عن أوله ولا يجوز التأخير عن جميعه.
٧٤٧٥ - فإن قيل: لو أحرم وأخر أفعاله لم يجز أن يؤدي بهذا الإحرام الحج في السنة الثانية، وما ذاك إلا أنه قدمه على الأشهر فيها.
٧٤٧٦ - قلنا: لأنه أوجب أركانًا تؤدى في هذه السنة، فلو أدى به أركانًا في سنة ثانية: كان قاضيًا للأركان، وما لا يصح التنفل بجنسه لا يقضي كالجمعة، ولهذا جاز قضاء الحج؛ لأن التنفل به جائز؛ ويصح قضاء الطواف؛ لأنه يتنفل.
* ... * ... *
стр. 1595
مسألة ٤١٩
أشهر الحج شوال وذو القعدة والعشر الأول من ذي الحجة
٧٤٧٧ - ذكر الطحاوي في مختصره أن أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة.
٧٤٧٨ - وأومأ أبو بكر الرازي في أحكام القرآن إلى أن يوم النحر منها، وكذلك كان يقول الشيخ أبو عبد الله الجرجاني.
٧٤٧٩ - وقال أبو يوسف في الجوامع: عشر ليال وتسعة أيام من ذي الحجة.
٧٤٨٠ - وقال الشافعي ﵁: يوم النحر ليس من الأشهر.
٧٤٨١ - لنا: قوله تعالى: ﴿يوم الحج الأكبر﴾ قال ابن عباس: يوم النحر، فدل أنه من الأشهر.
٧٤٨٢ - وروى عن العبادلة: أنهم قالوا في أشهر الحج: (وعشر ليال من ذي
стр. 1596
الحجة).
٧٤٨٣ - وذكر أحد العددين على الجميع يفيد دخول ما بإزائه من العدد بدلالة قول الله تعالى: ﴿ثلاثت ليالٍ سويًا﴾.
٧٤٨٤ - ولأنه يوم ليلته من الشهر فكان منها كما قلته؛ ولأنه أول وقت وركن من أركان الحج، كيوم عرفة.
٧٤٨٥ - ولأن أركان العبادة لا تتوقف بما بعد وقتها، كأول الصلاة فلما توقت ابتداء الطواف بيوم النحر، دل على أنه من وقت العبادة ولا يتوقف إلا بخروج الوقت.
٧٤٨٦ - قلنا: إنه يفوت الوقت بفوات العبادة؛ لأنها لم تصح به، وأما [أن تفوت بخروج] الوقت فلا.
* ... * ... *
стр. 1597
مسألة ٤٢٠
يكره الإحرام بالعمرة يوم عرفة
ويوم النحر، وأيام التشريق
٧٤٨٧ - قال أصحابنا: يكره الإحرام بالعمرة يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق.
٧٤٨٨ - وقال الشافعي: لا يكره.
٧٤٨٩ - واختلف أصحابه في إدخال العمرة على الحج في هذه الأيام. فمنهم: من كره ذلك، ومنهم من قال: لا يكره ما لم يأخذ في الرمي.
٧٤٩٠ - لنا قوله تعالى ﴿يوم الحج الأكبر﴾ قال ابن عباس: يوم النحر.
٧٤٩١ - وقيل: يوم عرفة، ولو كان لا يكره غير الحج من جنسه فيه: لم يكن لتخصيصه بالحج معنى.
٧٤٩٢ - روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: (تتم العمرة في السنة كلها إلا
стр. 1598
خمسة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق وتخصيص العبادات بوقت لا يعلم إلا من جهة التوقيف.
٧٤٩٣ - وروى هذا الخبر بإسناد عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عائشة ﵂ وذكر عن قتادة، عن معاذة العدوية، عن عائشة، وذكرت فيه ثلاث أيام: يوم النحر، ويومان بعده.
٧٤٩٤ - فإن قيل: نحمله على الحاج.
٧٤٩٥ - قلنا: ظاهر النهي أنه يعود إلى الوقت، وهذا التأويل يجعل النهي آخر الوقت ولأنه تخصيص بغير دليل.
٧٤٩٦ - فإن قيل: معناه إن فعل الحج فيها أفضل.
٧٤٩٧ - قلنا: ظاهر الخبر يقتضي المنع منهما، وكون غيرها أفضل منها لا يوجب النهي عنها.
٧٤٩٨ - قالوا: فظاهر الخبر يقتضي المنع بكل حال، وعندكم يكره، فقد تركتم الظاهر.
٧٤٩٩ - قلنا: الخبر اقتضى النهي عن فعلها، وكذلك نحن، إلا أن مقارنة النهي للإحرام لا يمنع انعقاده.
٧٥٠٠ - ولأنها عبادة لها تحريم وتحليل، فكان لها وقت يكره فعلها فيه في حق الكافة كالصلاة فنقلب فنقول: فاستوى فعلها في هذه الأيام، وفي غيرها كالصلاة.
٧٥٠١ - قلنا: تبطل بصلاة العيد، وبالحج، وأنه يجوز الإحرام به يوم عرفة، ولا يجوز في غيرها.
٧٥٠٢ - قالوا: الصلاة يختص بعض أفعالها بوقت، وكذلك الشروع فيها.
٧٥٠٣ - قلنا: الطواف بعض أفعال الحج، وهو غير مخصوص بوقت، وإذا كان الدخول فيه يختص بوقت؛ ولأنه أحد نوعي النسك، وأحد نوعي القران، فكان له وقت يمنع الكافة عن الإحرام به.
стр. 1599
٧٥٠٤ - أصله: الحج؛ ولأنها عبادة مقصودة يتنفل بها، فكان لها وقت يمنع الكافة فعلها منه كالصوم والصلاة، ولا يلزم الزكاة؛ لأنها مالية، ولا الطهارة؛ لأنها ليست بمقصودة، ولا الإيمان؛ لأنه لا يتنفل بها.
٧٥٠٥ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾.
٧٥٠٦ - قلنا: هذا يقتضي ما بعد الدخول، وعندنا إذا دخل فيها جاز إتمامها، والكلام في الابتداء.
٧٥٠٧ - وأما قراءة ابن مسعود: (وأقيموا الحج)، فقد بينا أنه محمول على الإتمام، حتى يوافق القراءة الأخرى؛ ولأن الحج والعمرة اسم للأفعال دون الإحرام، والخلاف في أفعالها.
٧٥٠٨ - وقول علي: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما) بيان لفعل العمرة.
٧٥٠٩ - قلنا: الطواف ركن من هذه العبادة، وقد يصلح الوقت لركن، ولا يصلح للإحرام، كيوم النحر عندهم لا يجوز الإحرام بالحج فيه، وعندنا يكره؛ لأن سائر الأوقات لا يختص بأفعال الحج، ولا يكره العمرة فيها، وفي مسألتنا بخلافها.
٧٥١٠ - قالوا: كل وقت صلح لجميع العبادة، صلح للإحرام بها قياسًا على آخر وقت الصلاة.
٧٥١١ - قلنا: لا نسلم الوصف؛ لأن عندنا القارن ممنوع من الطواف والسعي إذا زالت الشمس يوم عرفة.
٧٥١٢ - قالوا: زمان لا يكره الإحرام بالحج فيه، فلا يكره الإحرام بالعمرة فيه، قياسًا على ما سوى هذه الأيام.
٧٥١٣ - قلنا: إذا لم يكره الإحرام بالعبادة في وقتها المختص بأفعالها فليس ينتفى ألا يكره الإحرام بالعبادة في غير وقتها المختص بأفعالها.
стр. 1600
مسألة ٤٢١
يجوز إدخال العمرة على الحج ويكره
٧٥١٤ - قال أصحابنا: يجوز إدخال العمرة على الحج، ويكره.
٧٥١٥ - وهو قول الشافعي في/ القديم، وقال في الجديد: لا يجوز.
٧٥١٦ - لنا: أنه أحد الإحرامين فجاز إدخاله على الآخر، كما يجوز إدخال الحج على العمرة؛ ولأن ما جاز إدخال الحج عليه جاز إدخاله على الحج كالاعتكاف.
٧٥١٧ - وهذه المسألة مبينة على أن القارن يطوف طوافه، فهو يستقل بالعمرة وعمل نسك لم يكن، فصار كإدخال الحج على العمرة.
٧٥١٨ - احتجوا: بأن الحج أقوى من العمرة، بدلالة افتقاره إلى الوقوف والرمي، والأقوى يدخل على الأضعف كنكاح الحرة على الأمة. ولا يدخل الأضعف على الأقوى، كما لا يدخل نكاح الأمة على الحرة.
٧٥١٩ - قلنا: نكاح الأمة والحرة لو جمع بينهما لم يصح، فإذا أدخل الأضعف على الأقوى لم يصح، والعمرة والحج يصح أن يجمعهما في الدخول، فجاز أن يدخل كل واحد منهما على الآخر.
* ... * ... *
стр. 1601
مسألة ٤٢٢
العمرة سنة
٧٥٢٠ - قال أصحابنا: العمرة سنة.
٧٥٢١ - وقال الشافعي: واجبة بوجود الزاد والراحلة، كالحج.
٧٥٢٢ - لنا: أن العمرة لو وجبت كوجوب الحج: كان بيان النبي ﷺ لأحدهما كبيانه للآخر، لتساويهما في الوجوب، وفي الحاجة إليهما.
٧٥٢٣ - فلما بين النبي ﷺ وجوب الحج حتى العلم به، ولم ينقل في وجوب العمرة ما يقارنه، دل على اختلاف حكمها.
٧٥٢٤ - ويدل عليه: حديث ثابت عن أنس قال: (جاء رجل، فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله تعالى أرسلك؟ قال صدق، قال: وزعم أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة أموالنا، قال: صدق، قال: وزعم أن علينا صوم رمضان في سنتنا؟ قال:
стр. 1602
صدق، قال: وزعم أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً؟ قال: صدق، قال فوالذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئًا، ولا أنقص منهن شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : والله لئن صدق ليدخلن الجنة)، وهذا ينفي وجوب العمرة.
٧٥٢٥ - وروى طلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن عباس أن النبي ﷺ قال: (الحج جهاد، والعمرة تطوع)، ورواه أبو صالح عن النبي ﷺ مرسلاً، ورواه أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
٧٥٢٦ - قالوا: كيف يشبه الحج بالجهاد، والحج من فرائض الأعيان والجهاد من فرائض الكفاية، فعلم مع التشبيه أن الحج شاق كالجهاد، والعمرة سهلة كالتطوع.
٧٥٢٧ - قلنا: قد يكون أشق من الفريضة، وقد يكون مثلها، فكيف يكون أنه أخف من الفرض؟.
٧٥٢٨ - قلنا: قوله: (الحج جهاد) معناه: أنه واجب، فأجراه مجرى الجهاد في الوجوب، وإن اختلفا في كيفية الوجوب، [كما سمى النبي ﷺ المصلي مجاهدًا وإن فارقت الصلاة الجهاد في كيفية الوجوب].
стр. 1603
٧٥٢٩ - وروى محمد بن المنكدر عن جابر، قال: (سأل رجل رسول الله ﷺ عن الصلاة، والزكاة، والحج أواجب هو، قال: نعم، فسأله عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا، وإن اعتمر خير له).
٧٥٣٠ - قالوا: رواه الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر عن جابر.
٧٥٣١ - قلنا: الحجاج ثقة، وروى عنه أبو يوسف، واحتج بقوله، وأكثر ما قيل فيه: إنه مدلس، والتدليس ليس بكذب، ولا يجرح الراوي.
٧٥٣٢ - وقد رواه يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن المغيرة، عن ابن الزبير عن جابر قال: قلت يا رسول الله العمرة واجبة، فريضتها كفريضة الحج؟ قال: لا، وأن تعتمر خير لك).
٧٥٣٣ - فإن قيل: السائل سأله عن حكم نفسه، فيجوز أن يكون النبي ﷺ ظن أنه اعتمر، فقال: لا، ثم بين له حكم نفسه فقال: (وأن تعتمر خير لك).
٧٥٣٤ - قلنا: السؤال وقع عن جنس العبادة وحكمها، لا عن حال السائل، واللفظ الآخر: قال جابر: قلت: العمرة واجبة في وقتها كفريضة الحج؟ قال: لا، وهذه مسألة عن حال العمرة، وعن نفسها، وعن وجوبها بأصل الشرع.
٧٥٣٥ - ويدل عليه: ما روى عمرو بن حزم أن النبي ﵊ كتب
стр. 1604
معه كتابًا في أهل اليمن وفيه: (أن العمرة الحج الأصغر، ولا يمس القرآن إلا طاهر)، وإذا ثبت أنها تسمى الحج الأصغر: ثبت ما قلناه.
٧٥٣٦ - وقد ذكر أبو داود عن ابن عباس: (أن الأقرع بن حابس أتى رسول الله ﷺ ، فقال: الحج في كل سنة، أو مرة واحدة؟، فقال: بل مرة واحدة فمن زاد فتطوع) فانتقي بذلك وجوب العمرة [لأنها لا تسمى حجًا].
٧٥٣٧ - ولا يقال: إن الاسم يتناولها مقيدًا، إلا أن النفي يتناول المطلق والمقيد؛ لأنه إذا ثبت أن النبي ﷺ سماها الحجة الصغرى، دل على أنها ليست بواجبة، ألا ترى: أنها لو ساوت [الحج في] الوقوف [لم تسم] صغرى، لنقصان أفعالها، كما لا يقال للفجر: صلاة المغرب، وإن كانت أقل عددًا من الظهر والعصر.
٧٥٣٨ - ولأنه نسك غير مؤقت مفرد بنفسه: فلم يكن واجبًا بأصل الشرع كالطواف.
٧٥٣٩ - ولا يلزم طواف الصدر؛ لأنه لا ينفرد بنفسه، وإنما هو من توابع الحج.
٧٥٤٠ - قالوا: المعنى في الطواف أن مثله على صورته واجب بأصل الشرع وهو طواف الزيارة، ولهذا لم يكن واجبًا في نفسه منفردًا، والعمرة نسك ليس مثلها على صورتها ما هو واجب بأصل الشرع [وهو طواف الحج]، فلهذا كانت واجبة في نفسها.
٧٥٤١ - قلنا: وبمثل العمرة على صورتها واجب بأصل الشرع]، وهو طواف الحج والسعي وقد تقدمه إحرام، فإن جاز أن يقال: إن طواف الحج لما وجب الحج، منع
стр. 1605
من وجوب طواف، كذلك دواف الحج وسعيه وقد تقدمه إحرام واجب بأصل الشرع، فمنع من وجوب مثله وجوب الشيء لا يدل على إسقاط وجوب طواف الصدر إن كان مثله وعلى صفته، كذلك وجوب طواف الزيارة لا يمنع من وجوب طواف مفرد.
٧٥٤٢ - ولأن ما شرع تقدمه على الفرض في وقته من جنسه فهو سنة كنافلة الصلاة.
٧٥٤٣ - ولأن بعض أفعال الحج لا يفرد بأصل حج أوجبه الشرع منفردًا عن الوقوف في الزمن.
٧٥٤٤ - ولأن السعي والطواف يتحلل بهما من الإحرام.
٧٥٤٥ - قال: وما وقع به التحلل من الإحرام، لم يكن فرضًا بنفسه بأصل الشرع وإن انضم إليه إحرام، كالرمي عندهم، والذي عندنا وعندهم في المحصر.
٧٥٤٦ - ولأنها عبادة بدنية يصح أداؤها بنية غيرها مع اتساع الوقت، كالصلاة النافلة.
٧٥٤٧ - ومعنى هذا: إن فاتت الحج يتحلل عنها بالطواف والسعي، كما أن من فعل صلاته يظنها عليه كانت نفلاً مؤداة بنية الفرض.
٧٥٤٨ - قالوا: عندكم لا يتحلل بعمرة، وإنما هو عمل غيره.
٧٥٤٩ - قلنا: تعليلاً للطواف والسعي مع الإحرام.
٧٥٥٠ - فإن قيل: الصلاة عندنا لا تؤدى بنية غيرها، وإنما تؤدى بنيتها؛ لأنه نوى صلاة الفرض، وإن لغى ذكر الفرض، وصار مؤديًا بنية صلاة أدى بعضها، وإنما تؤدى تلك النبية بعض ما اقتضته من طريق الحكم، وهذا معنى قولنا: إنما تؤدى بنيتهما، يبين هذا: أن من سلم في ركعتي الظهر عامدًا كان ما فعل نفلاً.
٧٥٥١ - ولا يصح أن يقال إنه أداه بنيةة الصلاة خاصة، بل أداه بنية الفرض، ولهذا لو تم كان فرضًا.
٧٥٥٢ - ولأن ما وجب بأصل الشرع، لم يجز أن يضم إلى واجب آخر، فيؤديان بتحريمة، كالظهر والعصر.
стр. 1606
٧٥٥٣ - قلنا لما صح ضم العمرة إلى الحج في الإحرام، علم أن أحدهما غير واجب.
٧٥٥٤ - ولأنها عبادة يجب بإفسادها الكفارة، فلم يجب بأصل الشرع بعضها مضافًا إليها كصوم رمضان.
٧٥٥٥ - ولأن الحج يجب بوجود الزاد والراحلة، والعبادة إذا شرط في وجوبها المال لم يجب بوجوده عبادتان من جنس واحد، كالنصاب في الزكاة، ومعلوم أن الحج وجب بوجود الزاد والراحلة، فلا يجب بوجودهما العمرة.
٧٥٥٦ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾.
٧٥٥٧ - قلنا: قد بينا أن حقيقة الإتمام يتناول ما بعد الدخول، وهذا لا يدل على وجوب الابتداء.
٧٥٥٨ - وقول علي ﵁: (إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك)، لا يدل على ما قالوا؛ لأن هذا المعنى إذا لم يكن واجبًا، فكأنه قال: الإتمام المراد بالآية هو استحباب فعل الإحرام على وجه كذا، والإتمام قد يكون بصفة مستحبة، فكيف يحمل هذا على وجوب الابتداء؟
٧٥٥٩ - فإن قيل: في قراءة ابن مسعود: ﴿وأقيموا الحج﴾.
٧٥٦٠ - قلنا: قرأ الشعبي فيها: ﴿والعمرة لله﴾ بالرفع فالحج مفعول، والعمرة مبتدأ، وخبر المبتدأ لا تعلق له بالأمر الأول.
٧٥٦١ - قالوا: روى ابن سيرين عن عمران بن حطان، عن عائشة قالت: (قلت يا رسول الله: هل على النساء جهاد؟ قال نعم، جهاد لا قتال فيه، الحج،
стр. 1607
والعمرة).
٧٥٦٢ - قلنا: ذكره الدارقطني في رسالة تكلم فيها على من أخرجه البخاري في الصحيح، وكان يجب أن لا يخرج عمران بن حطان وقال: لا يجوز إخراجه في الصحيح، لسبه السلف.
٧٥٦٣ - وعند مخالفنا قول الداقطني حجة معتمدة.
٧٥٦٤ - ولأن عليهن الحج والعمرة عندنا، إلا أن اختلفنا في العمرة المعروفة، فعندهم أنها عمرة الإسلام، وعندنا في الشريعة عمرة معروفة، إلا أن العمرة التي تكون على المحصر فاحتاجوا أن يبينوا أن ههنا/ عمرة أخرى معروفة ينصرف اللفظ إليها.
٧٥٦٥ - قالوا: روى ابن سيرين عن زيد بن ثابت (أن النبي ﷺ قال: (الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت).
٧٥٦٦ - قالوا: هذا الخبر رواه إسماعيل بن مسلم، عن محمد بن مسلم، عن محمد بن سيرين، ورواه هشام بن حسان عن ابن سيرين، عن زيد بن ثابت سئل عن العمرة قبل الحج قال: هي صلاتان لا يضرك بأيهما بدأت وهشام بن حسان أوثق وأضبط. والصحيح ما رواه، والعجب أن مخالفنا يرد في هذه المسألة رواية الحجاج ويعتمد رواية إسماعيل بن مسلم، والحجاج أوثق منه، ولو ثبت لاقتضى وجوب عمرة معروفة، وقد بينا أن العمرة المعروفة عندنا هي عمرة المحصر دون غيرها.
стр. 1608
٧٥٦٧ - قالوا: روى ابن عمر، عن عثمان، عن عمر بن الخطاب ﵃ أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ ، فسأله عن الإسلام، فقال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر وتكمل الوضوء، وتصوم رمضان، قال: فإذا فعلت هذا فأنا مسلم، قال: نعم).
٧٥٦٨ - قلنا: المشهور من هذا الخبر ذكر الحج دون العمرة وهو الصحيح؛ لأنه يوافق الخبر المشهور، وقوله ﵊: (بني الإسلام على الفرائض والسنن) كما قال ﵊: (الإيمان بضع وسبعون خصلة أدناها إماطة الأذى عن الطريق) يبين ذلك: أنه ذكر فيها كمال الوضوء، وليس ذلك بفرض، وليس إذا قرنها بالفرائض اقتضى أن يكون مثلها؛ لأن الله تعالى قد قرن بين شيئين مختلفين فقال: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ فسوى بين هذه الأشياء ومنها: ما بعد الحج، ومنها: ما لا يأتي بعده، وقال النبي ﷺ في خبر (لا يستام الرجل على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبته، ولا ينكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا تناجشوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إحوانًا)، وهذه أمور مختلفة، منها واجبة، ومنها محرمة، ومنها: ندب، وأن الحج اسم
стр. 1609
للوقوف قال النبي ﷺ : (الحج عرفة)، والعمرة اسم للزيادة فقوله: (وأن تحج وتعتمر). معناه: يقف ويطوف ويسعى.
٧٥٦٩ - فإن قيل: [هذا فهم من قوله: وتحج].
٧٥٧٠ - قلنا: لا يمتنع أن يذكره في جملة الحج، ثم يفرده، كما قال تعالى: ﴿وملائكته وكتبه ورسله وجبريل وميكال﴾، وكقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾.
٧٥٧١ - قالوا: روى جابر بن عبد الله، عن سراقة بن مالك، قال: (قلت: [يا رسول الله] عمرتنا هذه لعامنا [هذا] أم للأبد، قال: بل للأبد، دخلت العمرة في الحج إلى القيامة.
٧٥٧٢ - قالوا: وهذا يفيد الوجوب؛ لأن الاستحباب لا يختص بذلك العام.
٧٥٧٣ - قلنا: إنما أراد بهذه العمرة التي فسخوا بها الحج، والمشهور: (أمتعتنا هذه
стр. 1610
لعامنا أم للأبد؟) يبين هذا سياق الخبر.
٧٥٧٤ - قال جابر: (أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج خالصًا، لا يخالطه شيء، فقدمنا مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة، فطفنا وسعينا، ثم أمرنا رسول الله ﷺ أن نحل، قال: لولا هديي لأحللت، فقام سراقة، وقال: يا رسول الله أرأيت متعتنا هذه لعامنا أم للأبد؟، فقال: بل للأبد).
٧٥٧٥ - هكذا ذكره ابو داود وقوله: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)، معناه: دخل وجوبها في وجوب الحج، ويحتمل أن يكون دخل وقتها في وقت الحج؛ لأن قريشًأ كانت تعتقد أن العمرة لا تجوز في أشهر الحج.
٧٥٧٦ - قالوا: روى عن أبي رزين: أنه سأل النبي ﷺ فقال: (إن أبي شيخ كبير، أدرك الإسلام لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن قال: حج عن أبيك واعتمر).
٧٥٧٧ - قالوا: والأمر يقتضي الوجوب.
٧٥٧٨ - قلنا: بين له النبي ﷺ ما يستحب له فعله عن أبيه، وتجوز النيابة فيه، ولم يبين له الوجوب، ألا ترى: أنه لم يدرك استطاعة أبيه، ولا أمره له بالحج، ولا تدل الطاعة على قولهم: إن الخبر ورد يفيد بيان ما يجوز [أن ينوب فيه عن أبيه لا ما لا يجب عليه].
٧٥٧٩ - قالوا: من طريق المعنى أخذ نسك القِرَان، فكان واجبًا بأصل الشرع، أو
стр. 1611
نوع عبادة من شرطها الطواف، فكان منها ما وجب بأصل الشرع، كالحج.
٧٥٨٠ - قلنا: الحج دلالة لنا؛ لأنه لما كان نسكًا مؤقتًا: وجب من جنسه بالشرع، ولما كانت العمرة نسكًا غير مؤقت حل محل الطواف.
٧٥٨١ - ولأن الحج نسك يتضمن الوقوف، والعمرة نسك على البدن لا يتضمن الوقوف فلم يجب بأصل الشرع.
٧٥٨٢ - ولأن المعنى في الحج: أنه أدى بنية غيره: فكان فرضًا، كالظهر والعصرن ولما جاز أن تؤدى العمرة بنية غيرها مع اتساع الوقت وعدم تعلقها بغير دليل دل على أنها ليست بواجبة.
٧٥٨٣ - ولأن الحج عبادة بدنية تختص بوقتٍ، فكان فيها ما هو واجب، كالصوم والصلاة.
٧٥٨٤ - ولما كانت العمرة عبادة شرعية بدنية يصح أداؤها في عموم الأوقات لم تكن واجبة، كصلاة التطوع.
٧٥٨٥ - قالوا: عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فوجب أن تتنوع نفلاً وفرضًا، دليله: الصوم والصلاة، والحج.
٧٥٨٦ - قلنا: نحن نقول بموجبه؛ لأن من جنس العمرة ما هو فرض، وهو العمرة التي يجب على المحصر.
٧٥٨٧ - والمعنى في الصوم والصلاة: أن كل واحدة منهما لا يجوز أداؤها بنية غيرها مع اتساع وقتها، أو أنها عبادة بدنية اختصت بوقت بعينه، وفي مسألتنا بخلافه.
٧٥٨٨ - قالوا: موضوع الأصول، أن كل من نذر نذرًا سقط فرض نذره بأقل ما وجب بأصل الشرع من جنسه، بدلالة الصيام، والصلاة، والصدقة، فلما ثبت أنه نذر نسكًا سقط فرض نذره بالعمرة، ثبت أنها أصل ما وجب بالشرع من جنسه.
٧٥٨٩ - قلنا: الواجب على الإنسان بالنذر المطلق أقل ما يصح التقرب به من ذلك الجنس، والعمرة أقل ما يتقرب بها من النسك؛ فخرج بها من مطلق النذر كما
стр. 1612
يخرج من نذر الصوم بيوم واحد، وكذلك لو نذر الاعتكاف خرج من النذر بأقل ما يصح أن يأتي به من الاعتكاف، وإن لم يكن الاعتكاف واجبًا بأصل الشرع، وكذلك من نذر صدقة خرج من نذره بأقل ما يتناوله الاسم، ولم يشرع ما يتناوله الاسم.
* ... * ... *
стр. 1613
مسألة ٤٢٣
القِران أفضل من التمتع والإفراد
٧٥٩٠ - قال أصحابنا: القِران أفضل من التمتع والإفراد، وذكر الطحاوي: أن التمتع أفضل من الإفراد. وأصحابنا يقولون: هذا مذهبه خاصة.
٧٥٩١ - وقال الشافعي: الإفراد والتمتع، فقال في عامة كتبه: الإفراد أفضل، وقال في اختلاف الحديث: التمتع أفضل.
٧٥٩٢ - والقِران أفضل من حجة مفردة، وأما إفراد الحج أو العمرة: بأن يأتي بالحج ثم يعتمر بعد الأشهر فذلك أفضل من القرِان. والكلام في هذا يقع في فصول:
٧٥٩٣ - أولها: أن القرِان أفضل.
٧٥٩٤ - والثاني: أن النبي ﷺ حج حجة الإسلام التمام قارنًا.
٧٥٩٥ - والثالث: أن دم القرِان دم النسك.
٧٥٩٦ - فأما الدليل في نفس المسألة: فما روى الأوزاعي، وعلي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس عن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو بالعقيق يقول: (أتاني الليلة آت من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقال: قل: لبيك بعمرة في حجة) فأقل أحوال الأمر: أنه يحمل على الفضيلة.
стр. 1614
٧٥٩٧ - فإن قيل: ذكر هذا البخاري في الصحيح وفيه: (قال: عمرة في حجة).
٧٥٩٨ - قلنا: ذكر أبو داود اللفظين جميعًا، وذكرهما الطحاوي من الطرفين اللذين ذكرناهما، وفيه قل.
٧٥٩٩ - ولأن قوله: (وقال) اختصار الحديث، وإلا فالملك لا يلبي، وإنما يعلم التلبية فأصل الخبر فقال: (قل).
٧٦٠٠ - ولأنه زائد، والزائد من الخبر أولى.
٧٦٠١ - وروت أم سلمة، قالت: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: أهلوا يا آل محمد بعمرة في حجة) وهذا أمر.
٧٦٠٢ - ويدل عليه: قول علي ﵁: (إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك)، والإحرام بهما هو القران، وقد جعل ذلك من صفة التمام، فهي أفضل من غيرها.
٧٦٠٣ - ولأن كل عبادتين أبيح الجمع بينهما، فإفراد كل واحد منهما لا يكون أفضل من جمعهما، كالصوم، والاعتكاف، والحرس في سبيل الله مع الصلاة، ودفع الصدقة في الصلاة.
٧٦٠٤ - ولأن كل من أبيح له القران، فالأصل له القران، أصله: من أحرم بشيء ثم نسيه.
٧٦٠٥ - ولأن من نذر القِران لم يسقط نذره بالإفراد، ولو كان أفضل، سقط به فرض النذر، كمن نذر أن يصلي قاعدًا فصلى قائمًا، فإن أوجب نوع نسك، فلا يسقط فرضه بما لا يتناوله اسمه، كمن نذر حجة فأتى بعمرة.
٧٦٠٦ - ولا يلزم على هذا: من ذنر حجة وعمرة فأتى بالقِران؛ لأن القران حج وعمرة؛ ولأنه إذا ثبت القِران، فقد أوجب الحج والعمرة والدم، فإذا أفرد فعل الحج والعمرة دون الدم لم يحرم.
стр. 1615
٧٦٠٧ - فأما الدليل على أن النبي ﷺ كان في حجة التمام قارنًا: فما روى حميد عن أنس، عن النبي ﷺ (أنه أتى بعمرة وحجة، وقال: لبيك بعمرة وحجة).
٧٦٠٨ - وروى أبو قلابة عن أنس: (أن النبي ﷺ لما استوت به راحلته على البيداء جمع بينهما).
٧٦٠٩ - وروى أبو قلابة وحميد بن هلال عن أنس قال: (كنت ردف أبي طلحة، وكانت ركبتي تمس ركبة النبي ﷺ فلم يزالوا يصرخون بهما جميعًا بالحج والعمرة).
٧٦١٠ - قالوا: ذكر قول أنس لابن عمر، فقال ابن عمر: (إن أنسًا كان يلج على النساء وهن مكشفات، وكنت تحت ناقة رسول الله ﷺ يسيل عليَّ لعابها.
следующие страницы →