Полный текст (6 324 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
٨٢٠٨ - لنا: أن النبي ﷺ (تطيب عند إحرامه، وبقي عليه الطيب). ومعلوم أنه كان يجد ريحه إلا أنه لما لم يوجد عينه، لم يتعلق به حكم بمجرد الرائحة، وليس في مسألتنا أكثر من ريحه.
٨٢٠٩ - ولأنه لو شمه ناسيًا لم يجب الجزاء، كذلك إذا تعمد، كشم الأترج والنارنج ووردهما.
٨٢١٠ - ولأنه شم الرائحة المجردة من غير أن يلصق ببدنه شيء من الطيب، فصار كما لو جلس عند العطار، أو عند الكعبة وهي تبخر.
٨٢١١ - قالوا: الشم تطيب في العادة، فجاز أن تجب به الفدية، أصله: استعمال الغالية، والكافور في جسمه.
٨٢١٢ - قلنا: الشم لا يقصد به التطيب؛ لأن التطيب يوجد فيه أمران: استعمال العين في
стр. 1717
البدن، وهو معنى مقصود، والرائحة بمجرد الشم لا تكون تطيبًا؛ ألا ترى: أنه موجود في الجالس عند العطار، وفي مبتاع الطيب وإن اشتدت الرائحة وقصدها ولا يلزمه شيء.
٨٢١٣ - قالوا: قال الشافعي: الرائحة عادة الطيب.
٨٢١٤ - قلنا: ليس كذلك، لأن عادته الاستعمال، ألا ترى: أن الجالس في صف العطارين لا يحصل له من ذلك الاستمتاع ما يحصل عند الاستعمال، وكيف يظن ذلك واستعماله بالبدن يحصل به الرائحة، ومعنى آخر من إصلاح الجنس ومنفعته، ثم هذا لا يوجد في شم الريحان؛ لأن ذلك ليس بطيب وإن التذ برائحته، وكما أنه يلتذ بشم ورد الأترج والنارنج ولا يكون طيبًا.
٨٢١٥ - وقولهم: إن هذا لا يتخذ منه طيب غلط؛ لأن دهن الأترج كدهن الخيري والياسمين يتخذ من أحدهما كالآخر، وورد النارنج يتخذ منه الدهن، كما يتخذ من الزنبق، فلا فرق بينهما.
٨٢١٦ - فإن قيل: روى عن جابر (أنه سئل عن المحرم أيشم الريحان، قال: لا). وعن ابن عمر ﵄: (أنه كان يكره شم الريحان للمحرم).
٨٢١٧ - قلنا: لا دلالة فيه، لأنه يقتضي كراهة الشم، ونحن كذلك نقول، والخلاف في الفدية ولم يرد عنهما.
٨٢١٨ - ولأن هذه مسألة خلافية معروفة، وروى أبان بن عثمان: (أن عثمان ﵁ سئل عن المحرم يدخل البستان، قال: نعم، ويشم الريحان).
стр. 1718
مسألة ٤٥٢
حكم دهن المحرم
٨٢١٩ - قال أبو حنيفة: إذا دهن المحرم بالزيت أو الخل: لزمه دم.
٨٢٢٠ - وقال الشافعي: إذا دهن رأسه ولحيته فعليه دم، وإن دهن بقية بدنه: فلا شيء عليه.
٨٢٢١ - لنا: حديث أم حبيبة ﵂ أنها دهنت من دبة الزيت، وقالت: ما
стр. 1719
لي من طيب، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد [على ميت أكثر من ثلاثة أيام إلا امرأة] على زوجها، فسمت ذلك طيبًا.
٨٢٢٢ - ولأن كل دهن إذا استعمله في شعر رأسه ولحيته: وجبت به الفدية، كما إذا استعمله في سائر بدنه؛ أصله: الدهن المطيب. ولأنه استعمل الزيت في ظاهر بدنه، فصار كما لو دهن لحيته.
٨٢٢٣ - ولأنه أصل الطيب، وإنما يكسبه الرائحة، ومجرد الرائحة: قد بينا أن الفدية لا تجب بها، فعلم أن الحكم متعلق بالعين.
٨٢٢٤ - قالوا: استعمله في رأسه ولحيته: فوجبت الفدية، كترجيل الشعر، وذلك لا يوجد في بقية البدن.
٨٢٢٥ - قلنا: تحسين الشعر يوجد بدخول الحمام، ولا فدية فيه، ودهن البدن يزول به الشعر عنه وتحسين بدنه فيهما.
٨٢٢٦ - احتجوا: بما روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ (ادهن بزيت غير مفتت وهو محرم).
٨٢٢٧ - قلنا: هذا الخبر ذكره أبو عبيد عن محمد بن كثير، عن حماد بن سلمة، عن فرقد السبخي عن الحسن، أو سعيد بن جبير، عن ابن عمر، وفرقد السبخي
стр. 1720
ضعيف، وشك فيه بين الحسن وسعيد، والحسن لم يسمع من ابن عمر، ولو ثبت احتمل أن يكون بعد ما تحلل التحلل الأول، فحل الطيب، وهو محرم على النساء.
٨٢٢٨ - فإن قيل هناك: لو تطيب بالطيب الخالص يجوز، فلا معنى للزيت.
٨٢٢٩ - قلنا: اتفق أنه فعل أدنى الجائز، ولأنه يعلم أنه لم يستعمله في كل بدنه، فبقي أن يكون في بعضه، فيجوز أن يكون دهن به شقوق رجليه أو قرحًا به، وذلك لا فدية فيه عندنا.
٨٢٣٠ - قالوا: ليس له رائحة مستطابة، فوجب أن لا يكون من الطيب، أصله: السمن.
٨٢٣١ - قلنا: عندنا ليس هو نفس الطيب، ولكنه في حكمه، ثم المعنى في السمن: أنه ليس بطيب، ولا هو أصل الطيب، والزيت بخلافه.
٨٢٣٢ - قالوا: لو حلف لا يتطيب فادهن بزيت: لم يحنث.
٨٢٣٣ - قلنا: فهذا يدل على أنه في حكمه، والكفارة تجب بما هو في حكم الطيب وإن لم يطلق عليه اسم الطيب، كالورس والعُصْفُر عندنا، والريحان عندهم.
٨٢٣٤ - وأنه إذا شمه واستعمله في بدنه وجبت الفدية، ولو حلف لا يشتري طيبًا، فاشترى ريحانًا أو خيريًّا أو ياسمينًا، لم يحنث، فسقط هذا.
* ... * ... *
стр. 1721
مسألة ٤٥٣
لا يجوز للمحرم أن يلبس ثوبًا مصبوغًا بعصفر
٨٢٣٥ - قال أصحابنا: لا يجوز للمحرم أن يلبس ثوبًا مصبوغًا بعصفر إذا كان ينفض، وإن لبسه: فعليه الفدية.
٨٢٣٦ - وقال الشافعي: يجوز للمحرم لبس المعصفر؛ لنا: ما روي عن أبي هريرة: أن عثمان ﵁ خرج حاجًّا ومعه علي، وجاء محمد بن جعفر وقد كان دخل بأهله في تلك الليلة، فلحقهم وعليه معصفر، فلما رآه عثمان، انتهزه وأفف به، وقال: (أو ما علمت أن النبي ﷺ نهى عن لبس المعصفر)؛ وهذا عام في الحلال والمحرم، وكل لباس منع المحرم منه تعلق به الفدية.
٨٢٣٧ - وفي حديث أم سلمة ﵂: (أن النبي ﷺ نهى المعتدة أن تختضب
стр. 1722
بالحناء، وقال: إن الحناء طيب.
٨٢٣٨ - ومعلوم: أن رائحة العصفر أطيب من رائحة الحناء، فلأن يكون في حكم الطيب أولى.
٨٢٣٩ - ولأنه صبغ له رائحة مستلذة، فلا يجوز للمحرم لبس ما صبغ به إذا نفض، كالورس والزعفران، أو صبغ له رائحة مستلذة، فجاز أن تجب فيه الفدية على المحرم لأجله.
٨٢٤٠ - احتجوا بحديث ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مسه الورس من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو سراويل أو قميص أو خف).
٨٢٤١ - قلنا: هذا الخبر ذكره أبو داود، عن ابن إسحاق، عن نافع، وقد ضعف الدارقطني في كتابه ابن إسحاق، وقد رواه مالك.
٨٢٤٢ - وصحت الرواية عن ابن عمر: أنه كان يأمر بناته بقطع الخفاف حتى حدثته عائشة، فكيف يكون عنده من رسول الله ﷺ إباحة لبس الخف، وينهي بناته عن
стр. 1723
ذلك؟، ولو ثبت ذلك حملناه على ما غسل حتى لا ينفض، أو على المصبوغ بالمدر.
٨٢٤٣ - قالوا: روى عكرمة (أن عائشة، وأزواج النبي ﷺ كن يحججن في المعصفرات).
٨٢٤٤ - وروى القاسم بن محمد: (أن عائشة كانت تلبس الأحمر من الذهب والمعصفر، وهي محرمة)، وروى هشام بن عروة، عن أبيه: (أن أسماء كانت تلبس المعصفرات المصبغات [ليس فيها زعفران، وهي محرمة)، وروى نافع: أن ابن عمر كان يلبس نساؤه المعصفرات] والإبريسم والحلل، وهن محرمات)، وروى أبو الزبير، عن جابر، قال: (لا تلبس المرأة ثياب الطيب، وتلبس الثياب المعصفرة، لا أرى المعصفر طيبًا).
٨٢٤٥ - قلنا: قد روى الأسود، عن عائشة ﵄ قالت: (تلبس المحرمة ما شاءت من الثياب إلا المتورد بالزعفران).
стр. 1724
٨٢٤٦ - وقد روينا عن عثمان ﵁ كراهته، وروي عن عمر ﵁: أنه رأى على عبد الله بن جعفر ثوبين مصبوغين بعصفر فأنكره.
٨٢٤٧ - وروي: أنه رأى على عقيل ثوبين ورديين، فقال: ما هذا)؟.
٨٢٤٨ - فصارت مسألة خلاف، وقد روي كراهة ذلك عن عطاء، وإبراهيم، وعمر بن عبد العزيز، والحسن.
٨٢٤٩ - فإن قيل: إنما كره عمر الثوب الملون مخافة أن يراه الجاهل فيظن أن جميع الصبغ واحد؛ ولهذا روي: أنه أنكر على عقيل، فقال علي: (ليس لأحد أن يعلمنا السنة [فسكت عنه. ولو كان عنده لا يجوز، لم يمسك عن تعليم السنة].
٨٢٥٠ - وقد روى أسلم مولى عمر، عن عبد الله بن عمر) أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبًا مصبوغًا بالمشق وهو محرم فقال عمر: ما هذا المصبوغ يا طلحة، فقال: يا أمير المؤمنين: إنما هو مدر، فقال عمر: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس).
стр. 1725
٨٢٥١ - قلنا: إنما أنكر عمر الممشق حتى لا يطرأ عليه المعصفر، لأنه يشبهه.
٨٢٥٢ - فأما سكوته عن علي: فقد روي أنه بان له أنه ممشق، ويجوز أن يكون من روى عنه لبس المصبوغ؛ ليبين منه ما لا ينفض، وعندنا أن ما لا ينفض لا يمنع منه.
٨٢٥٣ - قالوا: ثوب يجوز للمحرم لبسه إذا لم ينفض عليه، فجاز لبسه وإن نفض عليه، أصله: الممشق، والمصبوغ بالصبغ الأسود.
٨٢٥٤ - قلنا: هذا يبطل بالزعفران، فإن المصبوغ به إذا كان غسيلاً لا ينفض: جاز. وإن كان مما لم ينفض: لم يجز، وقد دل على ذلك حديث نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : (لا تلبسوا في الإحرام ثوبًا مسه ورس أو زعفران إلا أن يكون غسيلاً).
٨٢٥٥ - وروى عكرمة، عن ابن عباس ﵁) أن النبي ﷺ رخص للمحرم في الثوب المصبوغ ما لم يكن له نفض ولا ردع).
٨٢٥٦ - قالوا: لو منع منه إذا نفض، منع إذا لم ينفض منه في كونه كالنجاسة، ولأن الطيب ممنوع منه في الثوب والبدن جميعًا.
٨٢٥٧ - قلنا: اعتراض على رسول الله ﷺ وهو غلط، لأن النجاسة إذا غسلت فبقي في الثوب أثرها لم يمنع، فالصبغ مثله.
стр. 1726
مسألة ٤٥٤
إذا حلق أقل من ربع الرأس لم يجب عليه دم
٨٢٥٨ - قال أصحابنا: إذا حلق أقل من ربع الرأس: لم يجب عليه دم.
٨٢٥٩ - وقال الشافعي: إن حلق ثلاث شعرات من بدنه أو رأسه: لزمه دم، واختلف قوله فيما دون ذلك، فقال: في كل شعرة ثلث شاة، وفي قول آخر: في كل شعرة مد.
٨٢٦٠ - قالوا: ونحن نقول بقول ثالث: إن فيها درهمًا. لنا: أنه حلق أقل
стр. 1727
من ربع رأسه: فلا يلزمه دم، كما لو حلق شعرة واحدة، ولأنه مقدار لا يستمتع به، كالشعرة الواحدة.
٨٢٦١ - ولأن كل حكم لا يتعلق بثلاثة إلا كمسح الرأس، وتقدير الموضحة، وعكسه: وجوب الضمان بالحلق.
٨٢٦٢ - ولأنه قدر من الشعر، لواحدة أخذه الناسي لم يجب عليه دم، فكذلك العامد، كالشعر إذا نبت في العين.
٨٢٦٣ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية﴾ [معناه: فحلق ففدية].
٨٢٦٤ - قلنا: لابد من إضمار، فإذا اضمرنا (فحلق ففدية)، فإطلاق الحلق لا نسلم أنه يتناول ثلاث شعرات، وإن أضمر: (فاستمتع ففدية)، فهذا القدر لا يحصل به الاستمتاع، ولا يتناوله الظاهر.
٨٢٦٥ - قالوا: أخذ من شعره الممنوع منه بحرمة الإحرام دفعة بما يقع عليه اسم الجمع المطلق، فوجب عليه الفدية، أصله: حلق ربع الرأس.
٨٢٦٦ - وقولهم: (من شعره) احتراز من شعر الصيد، (الممنوع منه) احتراز من شعر العين و (بحرمة الإحرام) احتراز منه إذا دخل في العشر وأراد أن يضحي
стр. 1728
فالمستحب أن لا يأخذ من شعره. دفعة) احتراز من دفعة بعد دفعة (اسم الجمع المطلق) احتراز من الشعرة والشعرتين.
٨٢٦٧ - ومنهم من قال: إنه شعر آدمي يقع عليه اسم الجمع المطلق، فجاز أن يتعلق بحلقه، أصله: إذا حلق به رأسه.
٨٢٦٨ - قلنا: المعنى في الربع: أنه مقدار يقع عليه بحلقه الاستمتاع بحال، لأن من الناس من يقتصر على حلق هذا المقدار من رأسه معتادًا، والثلاث شعرات بخلافه.
٨٢٦٩ - فإن قيل: حلق بعض الرأس دون بعض مثله.
٨٢٧٠ - قلنا: إذا كان استمتاعًا لبعض الناس وجب به الفدية وإن كان في الآخرين مثله، كما أن حلق الرأس جميعه مثله لبعض الناس، ومع ذلك يتعلق به الدم، لأنه استمتاع لبعضهم.
٨٢٧١ - قالوا: فالشعرات قد يكون استمتاعًا إذا طالت ونزلت على عين الإنسان.
٨٢٧٢ - قلنا: هذا إزالة ضرر، ولا يختص بثلاث؛ لأنه موجود في الشعرتين.
٨٢٧٣ - قالوا: فالتقدير بالربع لا دليل عليه، ولأنه يتعلق به حكم في الشرع، والثلاث تعلق بها حكم، وفي مدة الخيار، ومدة المسح، وصوم كفارة اليمين، وصوم التمتع في الحج، وقال تعالى: ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام﴾.
٨٢٧٤ - قلنا: والربع قد تعلق به جزء الزوج في المواريث، ومسح النبي ﷺ على ناصيته، وبقي أحد جوانب الرأس الأربعة.
٨٢٧٥ - فأما ما ذكروه من التقدير بالثلاث، فلم وجب أن يقدر بثلاث شعرات، ولا يقدر بحلق مقدار ثلاثة أصابع، والشعرات أدنى ما يقدر به، ومعلوم أن
стр. 1729
المواضع التي استشهدوا بها لم يتقدر شيء منها بثلاث ساعات، ولا بثلاث لحظات التي هي أدنى مقادير الزمان فسقط بهذا ما قالوه.
٨٢٧٦ - وقد ذكر أصحابنا: أن الربع يجري مجرى الجميع، لأن من رأى أحد جوانب الشخص الأربعة قال: رأيته.
٨٢٧٧ - واعترض بعضهم على هذا، وقال: الآدمي مسطح، فليس له جوانب أربعة، وهذا سهو، وإن كل جسم ذاهب في أربع جهات، فإن أشكل على هذا القائل الآدمي، فالجسم المربع إذا استقبل الإنسان جهته، قال: إني رأيته، فيصح.
٨٢٧٨ - قالوا: هذا القائل إنما يقول: رأيته إذا عرفه، ألا ترى: أنه لو رأى وجهه خاصة قد أطلقه من حائل جدار، قال: رأيته.
٨٢٧٩ - قلنا: المعرفة هي إدراك القلب، والرؤية إدراك البصر، فليس أحدهما من الآخر في شيء.
٨٢٨٠ - فأما إذا رأى وجه الإنسان، فقال: رأيته، فيدل على أن الوجه أجري مجرى الجميع، ولهذا لا يمنع أن يكون الربع أقيم مقام الجميع فسقط هذا.
* ... * ... *
стр. 1730
مسألة ٤٥٥
إذا قص ثلاثة أظافير لم يجب عليه بها دم
٨٢٨١ - قال أصحابنا: إذا قص ثلاثة أظافير لم يجب عليه بها دم، فإن قص خمسة أظافير مجتمعة في يد واحدة: فعليه دم.
٨٢٨٢ - وقال الشافعي: إن قص ثلاثة أظافير من يد واحدة، أو من يدين ورجل: فعليه دم.
٨٢٨٣ - واختلف قوله في الظفر الواحد، كما اختلف قوله في الشعرة الواحدة.
стр. 1731
٨٢٨٤ - لنا: أنه لم يستكمل بقص الأظفار الثلاثة استمتاعًا تامًّا ولا زينة، فصار كالظفر الواحد وكالكثرة، يبين ذلك: أن الإنسان لا يتجمل بتقليم بعض يده دون بعض ولا ينتفع بذلك، فإن الظفر يقوى بتساوي الأصابع، ويضعف باختلافها.
٨٢٨٥ - ولأنه لم يستكمل أحد الأطراف الأربعة، فصار كقص الظفر الواحد.
٨٢٨٦ - ولأنه لم يترفه بقص أظفار عضو: فلا يلزمه دم، كما لو قص ظفرين.
٨٢٨٧ - ولأنه حق يجب بإيقاع فعل من خمس أصابع، فلم يجب بإيقاعه في ثلاث منها؛ أصله: ضمان نصف الدية بقطعها.
٨٢٨٨ - احتجوا: بأنه قدر ظفر لآدمي يقع عليه اسم الجمع المطلق: فجاز أن يتعلق بتقليمه الدم، كأصابع الكف والقدم.
٨٢٨٩ - قلنا: المعنى هناك: أن الاستمتاع والمنفعة كملت في طرف واحد، وهذا إنما قص بعضه على ما قررنا.
٨٢٩٠ - قالوا: وكيف توجبون الدم بتقليم خمسة أصابع، ولا توجبون ستة عشر متفرقة في الأطراف.
٨٢٩١ - قلنا: لأن المنفعة تكمل في المجتمع، وتعدم في المتفرق، وليس يمنع أن يختلف الحكم في الأعداد في باب الفدية، كما أن الدم يجب بترك رمي جمرة العقبة في اليوم الأول، ولا يتعلق بتركها وترك أكثر منها في بقية أيام الرمى، فيجب في تسع حصيات دم، ثم لا يجب في ضعفها إذا كان متفرقًا في الأيام.
٨٢٩٢ - قالوا: مقتضى الأصول يقتضي ضم بعض الأصابع إلى بعض، كما ضم في الحلق، وكما ضم في النجاسة وخرق الخفين.
стр. 1732
٨٢٩٣ - قلنا: وقد لا يصح الحكم المتعلق بعضه إلى غيره، كما أن الجنب في حكم العضو الواحد في جواز نقل الماء من بعضه إلى بعض، ثم في أعضاء الطهارة لا يجوز نقل الماء من بعضها إلى بعض، كما لو أخذ/ من كل ظفر سنه حتى لو اجتمع ما يزيد على ثلاثة أظافير، لم يجب دم، ولم يضم بعضها إلى بعض.
٨٢٩٤ - قالوا: لو كان له ستة أصابع فقلم خمسة منها، وجب الدم وإن لم يستكمل منفعة الكف.
٨٢٩٥ - قلنا: لا نسلم هذا، ويجب أن لا يلزمه دم حتى يقص السادس أيضًا فتكمل الزينة في اليد.
٨٢٩٦ - قالوا: فعلى هذا من لم يخلق له إلا ثلاثة أصابع، أو قطع من كفه أصبعان: يجب أن يلزمه بتقليمهما دم، لأنه استكمل منفعة إحدى يديه.
٨٢٩٧ - قلنا: هذه المسألة ليست بمعروفة، والذي يجري على قواعد المذهب: أنه يجب بقصها دم.
* ... * ... *
стр. 1733
مسألة ٤٥٦
لا يجوز للمحرم حلق رأس حلال، وإن فعل فعليه صدقة
٨٢٩٨ - قال أصحابنا: لا يجوز للمحرم حلق رأس حلال، وإن فعل فعليه صدقة.
٨٢٩٩ - وقال الشافعي: يجوز له ذلك، وإن فعل فلا شيء عليه.
٨٣٠٠ - لنا: أنه محرم أزال شعر آدمي قبل إباحة التحليل فلزمه الكفارة، كما لو أزال شعر رأسه؛ ولأنه استمتاع حظر لأجل الإحرام من جميع الوجوه، فإذا فعله المحرم بالحلال لزمه الكفارة، كالوطء.
٨٣٠١ - ولا يلزم على اللبس لأنه يباح للمرأة، ولا للطيب؛ لأنه يجوز البقاء على ما استعمله عند الإحرام.
٨٣٠٢ - ولأنه حلق رأس آدمي حال إحرامه قبل إباحة التحليل، فلزمه الكفارة كما لو حلق رأس محرم مكرهًا. فإن قيل: المعنى في شعر المحرم: أن منبته تعلق به الإحرام، والحلال بخلافه.
٨٣٠٣ - قلنا: شعر الصيد يجب بإزالته الكفارة، ولم يتعلق بمنبته حرمة الإحرام.
٨٣٠٤ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم﴾، وهذا خطاب
стр. 1734
للمحرمين، فدليله إن لم يحلقوا رءوس المحلين.
٨٣٠٥ - قلنا: دل الخطاب أن الحكم المتعلق بوصف لا يدل على أن ما عداه بخلافه، وفي مسألتنا: لم يتعلق حكمان بوصف، فكيف يعتبر دليله، ولو اعتبر خرج منه أن غير المحرم يجوز لهم الحلق، فأما أن يدل على أن المحرم يجوز له حلق حلال فلا.
٨٣٠٦ - قالوا: حلق شعر محل: فلم يلزمه فدية، أصله: إذا كان الحالق حلالاً.
٨٣٠٧ - قلنا: إذا كان الحالق محلاًّ، فحرمة الإحرام لم تثبت للحالق ولا للمحلوق، فلم يتعلق بالحلق، وفي مسألتنا: حرمة الإحرام تثبت لأحدهما، فلم يحل الحلق، كما لو حلق رأس محرم بأمره.
٨٣٠٨ - ولأن الحالق الحلال لم يمنع ما يختص به من إزالة الشعر، فلم يمنع مما لا يختص به إذا ثبت له حرمة، وفي مسألتنا: منع مما يختص به، فمنع مما لا يختص به، كما يمنع من إزالة شعر الصيد.
٨٣٠٩ - قالوا: شعر لا يتعلق بمنبته حرمة الإحرام، فلا يجب على المحرم بحلقه فدية، أصله: شعر البهائم.
٨٣١٠ - قلنا: يبطل بشعر الصيد.
٨٣١١ - قالوا: حرمة الإحرام تتعلق بمنبته؛ لأنه لا يجوز إيقاع الفعل فيه.
٨٣١٢ - قلنا: غلط؛ لأن حرمة الإحرام تعلقت بالمحرم لا بالصيد، بدلالة أن لغير المحرم إتلافه.
٨٣١٣ - ولأن شعر البهائم لا يمنع من إتلافه في ملكه، فلم يمنع من ملك غيره، وفي شعر الآدمي بخلافه، فصار كشعر الصيد.
٨٣١٤ - قالوا: لو رَفه المحل باللباس والطيب لم يلزمه شيء، كذلك إذا رفه بإزالة الشعر.
стр. 1735
٨٣١٥ - قلنا: اللباس والطيب لم يمنع منهما جميع الجهات على ما قدمنا، وإذا جاز أن يستمتع بهما مع حرمة الإحرام، فلأن لا يجب إذا فعلهما في غيرها أولى وأحرى، وإزالة الشعر لما منع المحرم منها بكل حال، صار كالوطء.
٨٣١٦ - قالوا: غير على المحل حرمة المحرمين، أو هيئة المحرمين فلا يلزمه الفدية، أصله: إذا ألبسه المخيط أو عممه.
٨٣١٧ - قلنا: إذا ذبح الصيد يعني صيده فقد غير عليه هيئة المحرمين، فكذلك إذا جامع المرأة المحلة، ومع ذلك عليه الجزاء، والمعنى فيه: أن الفدية تجب بالاستمتاع، متى فعله في غيره، ولا استمتاع له فيه، وأما الشعر: فإنه تجب الفدية فيه تارة بالاستمتاع، وتارة بالإتلاف وإن لم يستمتع به، كنتف الأشفار والحاجب، والإتلاف موجود في حق غيره وشعر غيره.
٨٣١٨ - وأما قولهم: لو وجبت الفدية لوجب الدم ليس بصحيح؛ لأن الدم يحب بكمال الاستمتاع، ولا يجب بالناقص ولا استمتاع في أخذ شعرة العين.
* ... * ... *
стр. 1736
مسألة ٤٥٧
إذا حلق شعر محرم مكرهًا أو نائمًا، فعلى المكره الجزاء
٨٣١٩ - قال أصحابنا: إذا حلق شعر محرم مكرهًا أو نائمًا: فعلى المكره الجزاء.
٨٣٢٠ - وقال الشافعي: الشعر كالوديعة، فيجب ضمانه على متلفه في أحد قوليه، وفي القول الآخر: كالعارية، فيجب الضمان على المحرم، وأما إذا حلق وهو ساكت: فمنهم من قال: فيه، قول واحد.
٨٣٢١ - لنا: أن الترفه بالحلق حصل له حال إحرامه: فلزمه الفدية، كما لو حلق بإذنه.
٨٣٢٢ - ولا يلزم على هذا إذا تمعط بالمرض، أو احترق بالنار؛ لأن ذلك ليس باستمتاع ولا ترفه.
٨٣٣٣ - ولأنه حلق يتعلق به دم: فوجب على من وقع له الترفه، كما لو حلق بأمره، ولأن إزالة التفث حصل على وجه هو معذور فيه، كما لو حلق من آمي.
стр. 1737
٨٣٢٤ - احتجوا: بقوله ﵊: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وقد ثبت أن معناه: رفع المأثم دون الحكم.
٨٣٢٥ - قالوا: شعر زال عنه بغير اختياره، فصار كما لو ذهب بالنار أو تمعط بالمرض.
٨٣٢٦ - قلنا: هناك لم يتلفه ولم يحصل به استمتاع، وفي مسألتنا بخلافه.
* ... * ... *
стр. 1738
مسألة ٤٥٨
إذا وجبت الفدية على المحرم المكره على الحلق لم يرجع بها على المكره
٨٣٢٧ - قال أصحابنا: إذا وجبت الفدية على المحرم المكره على الحلق، لم يرجع بها على المكره.
٨٣٢٨ - وقال الشافعي في أحد قوليه: إن كفر بالدم والإطعام رجع عليه، لنا: أن الاستمتاع حصل للمحرم، فلا يرجع به على غيره كما لو حلق بأمره؛ ولأنه حلق رأس محرم، فلم يجب عليه شيء، كما لو غره إنسان فقال: هذا حلال، فحلق رأسه.
٨٣٢٩ - احتجوا: بأن المكره لا يلزمه حكم الفعل، وإنما يلزم المكره، فإذا أخرج ما على غيره رجع عليه.
٨٣٣٠ - قلنا: لو كان كذلك لوجب أن لا يلزم المحرم الإخراج، حاضرًا كان الحالق أو غائبًا، وإذا أخرج ما على غيره بغير أمره: لم يرجع عليه به، كمن قضى دين غيره.
* ... * ... *
стр. 1739
مسألة ٤٥٩
إذا حلق المحرم رأس محرم، فعلى الحالق صدقة
٨٣٣١ - قال أصحابنا: إذا حلق المحرم رأس محرم: فعلى الحالق صدقة.
٨٣٣٢ - وقال الشافعي: إذا كان المحرم: لزمه الفدية، كشعر الصيد؛ ولأنه أزال شعر آدمي: فلزمه الدم أو الفدية، كما لو أزاله بغير إذنه.
٨٣٣٣ - ولأنه لو حلق نفسه لزمه الفدية، فإذا حلق شعر غيره: لزمه الفدية، كما لو أكرهه.
٨٣٣٤ - احتجوا: بأنه شعر زال عنه بإذنه، فوجب أن لا يجب على مزيله شيء، أصله: إذا كانا محلين.
٨٣٣٥ - قلنا: هناك لم يزل ما حرمه الإحرام: فلم تلزمه الفدية، وههنا بخلافه.
٨٣٣٦ - قالوا: معنى رفه المحرم بإذنه، فوجب أن لا يكون على الفاعل شيء، أصله: إذا طيبه وألبسه.
٨٣٣٧ - قلنا: الطيب واللبس لا يجب الكفارة بهما إلا باستمتاع، والفاعل بغيره ما استمتع، وفي مسألتنا يجب بالإتلاف على ما بيناه، وقد أتلف فلزمه الفدية.
* ... * ... *
стр. 1740
مسألة ٤٦٠
إذا غسل المحرم رأسه بالخطمي: فعليه الفدية
٨٣٣٨ - قال أبو حنيفة: إذا غسل المحرم رأسه بالخطمي: فعليه الفدية.
٨٣٣٩ - وقال الشافعي: لا شيء عليه، لنا: أن هذا يزيل التفث ويقتل الدواب، كالحلق.
٨٣٤٠ - ولأنه مما يعتاد استعماله في الشعر وله رائحة ملذة، كالدهن.
٨٣٤١ - ولأن الشعر تارة يستصلح بما يغسل به، وتارة بما دهن به، فإذا وجبت الفدية بأحدهما: جاز أن يجب بالآخر.
٨٣٤٢ - احتجوا: بما روي أن النبي ﷺ قال في المحرم الذي وقصت به ناقته:
стр. 1741
(اغسلوه بماء وسدر).
٨٣٤٣ - قلنا: حكم الإحرام بعد الموت أخف من حكمه حال الحياة، فلذلك جاز استعماله؛ ولأن الحاجة تدعو إليه في الميت؛ لأنه لا ينقيه غيره فجاز للحاجة.
٨٣٤٤ - وهذا المعنى غير موجود في الحي؛ لأنه يزيل الدرن عن غيره قبل التحلل، فلم يحتج إليه حال الإحرام.
* ... * ... *
стр. 1742
مسألة ٤٦١
يجوز للمحرم أن يزوج، ويتزوج
٨٣٤٥ - قال أصحابنا: يجوز للمحرم أن يُزوَّج، ويتزوج.
٨٣٤٦ - وقال الشافعي: لا يجوز أن يتزوج، ولا يزوج وليته، ولا يكون وكيلاً للولي ولا للزوج، ولا يوكل بالتزويج.
٨٣٤٧ - وإذا زوج الإمام بالإمامة، فله فيه وجهان، الصحيح من المذهب: أنه يجوز أن يكون شاهدًا.
٨٣٤٨ - ومن أصحابه من قال: لا تنعقد شهادته.
٨٣٤٩ - ويجوز أن يراجع قولاً واحدًا.
٨٣٥٠ - ولو وكل المحرم من يزوجه فزوجه بعد ما تحلل جاز. لنا: قوله تعالى:
стр. 1743
﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم﴾. وقال تعالى: ﴿فأنكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ /. وروى مسروق، عن عائشة ﵄: قالت: (تزوج رسول الله ﷺ ببعض نسائه، وهو محرم). روى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵁: (أن النبي ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث، وهو محرم).
٨٣٥١ - فإن قيل: روى سليمان بن يسار، عن ابي رافع، قال: (تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال وكنت أنا الرسول بينهما).
٨٣٥٢ - وروى يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة عنها قالت: (تزوجني رسول الله ﷺ بسَرِفَ، ونحن حلالان).
٨٣٥٣ - قالوا: وروى ميمون بن مهران، عن صفية بنت شيبة (أن النبي ﷺ -
стр. 1744
ملك ميمونة وهو حلال، وخطبها وهي حلال).
٨٣٥٤ - قلنا: حديث عائشة، وأبي هريرة ﵄، ليس فيه ذكر ميمونة فيعارضه ما يقولونه، وإنما هذا من حديث ابن عباس، وحديثه أثبت من حديث يزيد بن الأصم، وأبي رافع؛ لأن سليمان بن يسار لم يلق أبا رافع، مات أبو رافع في خلافة عثمان، وسن سليمان لا يحتمل أن يشاهده.
٨٣٥٥ - وروى مالك ابن أنس، عن سليمان بن يسار: أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع مولاه، ورجلا من الأنصار، فزوجاه ميمونة، وهو بالمدينة قبل أن يخرج، فهذا مالك يرويه موقوفًا، ويرويه مرفوعًا مطر الوراق، وليس هو في منزلته في الضبط والإتقان.
٨٣٥٦ - وأما حديث يزيد بن الأصم، عن ميمونة، فأصله: عن يزيد بن الأصم: (أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال)، وليس فيه: عن ميمون بن
стр. 1745
مهران، وهو أعلم الناس بالحديث، يعني: بحديثه.
٨٣٥٧ - وروى عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵁: (أن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو محرم، قال عمرو: فحدثني ابن شهاب عن يزيد بن الأصم: (أن النبي ﷺ نكح ميمونة، وهي خالته، وهو حلال)، قال عمرو: فقلت للزهري وما يدري يزيد بن الأصم؟ أعرابي بوَّال على عقبيه، أتجعله مثل ابن عباس؟)، فلم ينكر الزهري ذلك، ولا رفعه عنه، فكيف يجوز أن يقابل بهذه الأحاديث حديث ابن عباس وعائشة؟.
٨٣٥٨ - أما حديث صفية بنت شيبة: فلا يعرف، ولا يرويه ميمون بن مهران عنها، وإنما يرويه عن يزيد.
٨٣٥٩ - قالوا: وقد روى مطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس، وعائشة ﵃: (أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال).
٨٣٦٠ - قلنا: رواه سلام أبو المنذر، عن مطر الوراق وسلام متروك الحديث.
٨٣٦١ - قالوا: ذكر أبو داود عن سعيد بن المسيب: أن ابن عباس وهم في الحديث.
٨٣٦٢ - قلنا: لا يقبل هذا من ابن المسيب، فإن رتبة ابن عباس فوق هذا.
стр. 1746
٨٣٦٣ - وكيف هذا وهو لما رد على ابن عمر قوله: (إن المحرم لا يزوج)، روى هذا الخبر محتجًّا به عليه، وقد وافقته عليه عائشة، ووافقها أبو هريرة.
٨٣٦٤ - وقد روى هذا الحديث سعيد بن جبير، وطاووس، وجابر بن زيد، وهم فقهاء يحتج بقولهم، ورواه عن هؤلاء أئمة، مثل: عمرو بن دينار، وأبو أيوب السجستاني، وعبد الله بن أبي نجيح، وأبان بن صالح، ثم لو تساوت الروايات كان ما ذكرناه أولى؛ لأن ابن عباس، وعائشة أضبط من يزيد بن الأصم، وحديث أبي رافع غير متصل، والحديث عن ميمونة لا يصح، وإنما هو عن يزيد، وقد بينا كلام عمرو بن دينار عليه.
٨٣٦٥ - فإن قيل: ابن عباس كان في ذلك الوقت صبيًّا، والرجوع إلى رواية الرجال أولى.
٨٣٦٦ - قلنا: لم يرجح أحد رواية الكبير على رواية الصغير؛ لأنه يضبط ما يشاهده، وما لكم تقولون إذا احتججتم بحديثه في التشهد وفي تفسير القرآن؟ كيف وقد انضم إليه رواية عائشة وأبي هريرة؟.
٨٣٦٧ - قالوا: أبو رافع كان السفير بينهما.
٨٣٦٨ - قلنا: الرسول يكون أعلم بالرسالة من غيره، فأما بصفات المرسل فلا، وأبو رافع يجوز أن يكون فارق النبي ﷺ وهو حلال، فأحرم بعده، فمن كان معه وقد فارقه أعلم بحاله.
٨٣٦٩ - قالوا: فميمونة أعرف؛ لأنها هي المعقود عليها.
٨٣٧٠ - قلنا: قد بينا أن الحديث لا يصح عنها، ويبين ذلك: ما روي أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى ميمون بن مهران، يأمره أن يسأل يزيد بن الأصم عن ذلك،
стр. 1747
فقال يزيد: (تزوجها وهو حلال)، فقال عطاء: (ما كنا نأخذ هذا إلا عن ميمونة، وكنا نسمع أن النبي ﷺ تزوجها وهو محرم)، فلو كان الحديث عند يزيد بن الأصم عن ميمونة، لذكره عطاء حين قال: (ما كنا نأخذ إلا عنها).
٨٣٧١ - قالوا: وقد روى مالك بن أنس، عن سليمان بن يسار: (أن النبي ﷺ بعث أبا رافع ورجلاً من الأنصار، فزوجاه ميمونة قبل أن يخرج من المدينة)، ومعلوم: أن النبي ﷺ ما أحرم قط إلا من الميقات بذي الحليفة، فعلم: أنه خفي على ابن عباس ﵁ وقت العقد.
٨٣٧٢ - قلنا: ففي حديث يزيد بن الأصم الذي رجعتم إليه عن ميمونة: أن النبي ﷺ تزوج بها بِسَرِفَ، وهو بقرب مكة، وهو كان لا يؤخر الإحرام عن الميقات، فعلم: أنه كان محرمًا، فيجوز أن يكون إيفاد النبي ﷺ من المدينة، والعقد وقع بعد مسيرة منها، وحصوله بِسَرِفَ، ثم إن خبرنا أولى؛ [لأن راوينا عرف الإحرام عند العقد، ولم يعرف ذلك راويهم، فالمثبت أولى]، ويجوز أن يكون عقد عليها عقدين، أحدهما بعد الآخر، صادف أحد العقدين: الإحرام، والآخر: الإحلال؛ ولأن هذا: من أثبت الإحرام عند العقد استفيد بروايته، حكم شيء محرم، لا يستفاد بالخبر الآخر حكمه، وما استفيد به حكم أولى.
٨٣٧٣ - قال مخالفونا: ما نقلتموه محمول على اعتقاد الراوي، أنه كان محرمًا،
стр. 1748
فإن ابن عباس ذهب إلى: أن من قلد الهدي صار محرمًا، ورسول الله ﷺ قلد الهدي بالمدينة، واعتقد: أنه كان محرمًا بالتقليد.
٨٣٧٤ - قلنا: ابن عباس اعتقد: أن من قلد اجتنب ما يجتنبه المحرم، فأما أن يقول: إنه محرم فلا.
٨٣٧٥ - ثم قد علم أن ابن عباس ما خالف غيره في هذه المسألة، وإنما هي مسألة اجتهاد، فكيف يقطع بأن رسول الله ﷺ يعتقد ما يعتقده هو، ثم هو احتج على ابن عمر بهذا الحديث مع علمه أن ابن عمر يخالفه في التقليد.
٨٣٧٦ - قالوا: رويتم: أنه فعل، وروينا: أنه نهى، فإذا ثبت لكم الفعل، فيكون هو مختصًا به.
٨٣٧٧ - قلنا: الصحابة رجعوا في هذا الحكم إلى قوله وفعله هل كان حلالاً أو حرامًا؟، فدل: أنهم اعتقدوا أن حكم غيره وحكمه سواء في ذلك.
٨٣٧٨ - ولأنا لا نعلم أن نهيه بعد فعله، فيجوز أن يكون فعل بعد ما نهى عنه، فيكون ناسخًا لما قالوا في استقبال القبلة: إنه لما حول مقعدته بعد ما نهى، كان ذلك نسخًا للتوجه في البيوت.
٨٣٧٩ - قالوا: من روى أنه كان حلالاً أولى؛ لأنه يفيد أنه تحلل من إحرامه.
٨٣٨٠ - قلنا: هذا غلط؛ لأن النبي ﷺ لما فرغ من العمرة بمكة، أراد أن يولم لتزويج ميمونة، فمنعته قريش من ذلك، فكيف يحمل الخبر على المحلل من الإحرام عند العقد؟.
стр. 1749
٨٣٨١ - قالوا: من نقل أنه كان حلالاً نقل العقد وسببه؛ لأن صحة العقد تتعلق بالإحلال.
٨٣٨٢ - ومن روى: أنه كان محرمًا، لم ينقل سبب العقد؛ لأن جوازه لم يكونه محرمًا.
٨٣٨٣ - قلنا: لا نسلم أن الإحلال سبب لجواز العقد، وهو جائز عندنا في حالتي الإحرام والإحلال.
٨٣٨٤ - قالوا: من روى: أنه كان محرمًا، وكيف كان يحتج ابن عباس به على ابن عمر ويقابله بمثله؟، فيقول من روى: أنه كان حلالاً، أي أنه كان في الحل.
٨٣٨٥ - ومن روى: أنه كان محرمًا، يعني: أنه كان عقد الإحرام فقط هذا، ومن طريق المعنى هو: أن هذه عبادة لا تمنع الرجعة، فلا تمنع ابتداء التزويج، كالصوم والاعتكاف.
٨٣٨٦ - قالوا: المعنى في الصوم: أنه لا يمنع دواعي الجماع.
٨٣٨٧ - قلنا: الاعتكاف يمنع دواعي الجماع، ولا يمنع العقد، والصلاة تمنع وتحرم دواعي الجماع، ولا تمنع النكاح؛ ولأن كل حالة جاز أن يعقد فيها البيع، جاز أن يعقد فيها النكاح، كحال الإحلال.
٨٣٨٨ - ولا يلزم من له أربع نسوة حال العقد؛ لأنه يعقد في هذه الحالة لغيره.
٨٣٨٩ - ولأنه يجوز له شراء الجارية للوطء: فجاز أن يتزوج، كالحلال. أو سبب يتوصل به إلى استباحة الوطء، كشراء الجارية، واستبرائها، ومسها.
٨٣٩٠ - فإن قيل: الشراء يقصد به ملك الرقبة والإحرام لا يمنع منه، والنكاح يقصد منه تملك الاستباحة والإحرام يمنع منها.
٨٣٩١ - قلنا: لا فرق بينهما، فإن البيع يملك به الرقبة ويستبيحها بالملك،
стр. 1750
والنكاح يملك به الاستباحة، ويستوفى بالملك، والإحرام لا ينافي ملكه الرقبة، ولا يملك الاستباحة، ويمنع من الاستمتاع بهما فاستويا.
٨٣٩٢ - ولأنه نوع عقد، فلم يمنع الإحرام، كعقد البيع، ولا يلزم شراء الصيد؛ لأنه بعض النوع.
٨٣٩٣ - قالوا: المعنى في البيع: أن الإحرام لا يمنع من استيفاء مقاصده؛ لأن المقصود منه التملك، بدلالة: أن يشترى ممن لا يحل له، والنكاح يمنع الإحرام استيفاء مقاصده.
٨٣٩٤ - قلنا: المقصود بالنكاح استيفاء الاستباحة؛ بدلالة أنه يتزوج الطفلة، والإحرام ينفي أحدهما دون الآخر، كما أن المقصود بالشراء الملك والانتفع بالمملوك، والإحرام يمنع أحدهما فلا يمنع الآخر.
٨٣٩٥ - وعلة الفرع تبطل بالرجعة؛ لأن الإحرام ينافي مقاصدها، ولا يمنع نفسها.
٨٣٩٦ - : البيوع لا يقع فيها التحريم؛ بدلالة أنه يشتري من لا يحل له وطؤها، فلهذا لم يمنع الآخر، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن النكاح يمنع منه التحريم، بدليل: أنه لا يتزوج من لا تحل له، فلهذا يمنع الإحرام.
٨٣٩٧ - قلنا: البيع قد يؤثر فيه التحريم؛ بدلالة الخمر والخنزير، والنكاح لا يمنعه التحريم، بدلالة تزويج الحائض والصائم والمعتكف.
٨٣٩٨ - ولأن الولاية شرط من شرائط النكاح: فلا ينفيه الإحرام، كالشهادة، وهذا أصل مجمع عليه، وإنما خالف فيه الاصطخري، وخلافه لا يعتد به على الإجماع.
стр. 1751
٨٣٩٩ - قالوا: الشاهد ليس له فعل في العقد في حال إحرامه، ومع ذلك فلا يجوز، والصغيرة المحرمة لا يجوز تزويجها، وليس لها في العقد فعل؛ ولأن من جاز أن ينعقد النكاح بشهادته: جاز أن ينعقد النكاح، كالحلال.
٨٤٠٠ - احتجوا بما روى مالك، عن نافع، عن نبيه بن وهب عن أبان بن عثمان، عن عثمان بن عفان [﵁] عن النبي ﷺ أنه قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح فيها أن ينكح أو ينكح غيره).
٨٤٠١ - قلنا: نبيه بن وهب لا يجري مجرى الفقهاء الذين رفعوا عن رسول الله ﷺ ، وعن ابن عباس ﵁، فلا يعارض برواية مثله رواياتهم، ولا له موضع في العلم، ولا أخرجه أحد في الصحيح، وكان الرجوع إلى ما قاله الفقهاء وأئمة الحديث أولى.
٨٤٠٢ - على أن حقيقة النكاح الوطء لكنه يقضى، كأنه قال: لا يطأ المحرم، ولا تمكن المحرمة من نفسها لتوطأ، والتمكين في الوطء النكاح، وقال الشاعر:
стр. 1752
ومن أيم قد أنكحتها رماحنا
٨٤٠٣ - فإن قيل: ففي الخبر: (ولا يخطب).
٨٤٠٤ - قلنا: لا يلتمس الوطء ولا يراجع بذكره، فسمى فعله خطبة، كما سمى المراجعة في ذكر العقد خطبة.
٨٤٠٥ - فإن قيل: النكاح في الشرع: هو العقد؛ قال الله تعالى: ﴿فأنكحوا ما طاب لكم من النساء﴾.
٨٤٠٦ - قلنا: وقد عبر بالنكاح عن الوطء؛ قال الله تعالى: ﴿والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك﴾.
٨٤٠٧ - فإن قيل: الاسم يتناولها، فيجب أن يحمل عليها.
٨٤٠٨ - قلنا: لا يجوز أن يحمل على العقد، وقد عقد رسول الله ﷺ في حال الإحرام، فلم يبق إلا أن يحمل على الوطء.
٨٤٠٩ - قالوا: فقد روى أنس: أن النبي ﷺ قال: (لا يتزوج المحرم، ولا يزوج).
٨٤١٠ - قلنا: رواه أبان بن أبي عياش، عن أنس ﵁، وقال شعبة: لأن
стр. 1753
أزني سبعين مرة أحب إلي من أن أروي عن أبان.
٨٤١١ - ومن أصحابنا من قال: الخبر محمول على العقد إذا لم تدعه نفسه إلى الوطء ولا يحل له، كما أن القبلة في حال الصوم محرمة على من لا يأمن على نفسه؛ ولهذا عقد رسول الله ﷺ ؛ لأنه أمن على نفسه، وهذا كما قالت عائشة: (وأيكم أملك لإربه من رسول الله ﷺ ).
٨٤١٢ - ومنهم من قال: إن الخبر أن المحرم يجب أن يكون تشاغله بالعبادة يمنعه من تشاغله بالنكاح. وهو كقوله ﵊: (المحرم الأشعث الأغبر).
٨٤١٣ - ومعلوم: أنه لا يحرم الغسل عليه وإن أزال ذلك شعثه، [لكن تشاغله بالعبادة يمنعه من إزالة شعثه].
٨٤١٤ - وقد ذكر الدارقطني أخبارًا لا يتشاغل بمثلها، لكن ذكرناها لتعلم صورتها، فمنها: حديث عكرمة بن خالد، قال: (سألت عبد الله بن عمر عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل، وهو خارج من مكة وأراد أن يعتمر أو يحج، فقال:
стр. 1754
لا تتزوجها وأنت محرم، نهى رسول الله ﷺ عن ذلك)، رواه ابن عتبة قاضي اليمامة، وهو ضعيف.
٨٤١٥ - وذكر حديث نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: (المحرم لا ينكح [ولا ينكح ولا يخطب]، ولا يخطب على غيره) رواه الضحالك بن عثمان الحزامي، عن نافع، وهو ضعيف، وقد شك في إسناده.
٨٤١٦ - والعجب من الدارقطني وهو أعلم بهذه الأحاديث، وأن هذه الأحاديث لا يلتفت إليها، ولا يخرج مثلها، يرويها ويمسك عن الطعن فيها تلبيسًا على من يعني بقوله، ولا يكشف ما مورده.
٨٤١٧ - قالوا: روى مثل قولنا عن عمر، وعلي، وابن عمر، ويزيد بن ثابت،
стр. 1755
ولا مخالف لهم.
٨٤١٨ - قلنا: روى جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم (أن ابن مسعود كان لا يرى بأسًا أن يتزوج المحرم).
٨٤١٩ - [وروى عطاء، عن ابن عباس ﵁: (أنه كان لا يرى بأسًا أن يتزوج المحرمان)]، وروى ابن أبي فديك، عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، قال: سألت أنس بن مالك عن نكاح المحرم، فقال: (وما بأس به، وهل هو إلا كالبيع).
٨٤٢٠ - قالوا: معنى يثبت به تحريم المصاهرة: فوجب أن يمنع منه الإحرام، كالوطء بملك اليمين، أو بالشبهة، أو بنكاح فاسد.
٨٤٢١ - قلنا: ذلك الفعل، فلا يعتبر أحدهما بالآخر؛ فإن وطء الجارية محرم، ولا يحرم العقد عليها، وإيقاع الفعل في الطيب والمحيط ممنوع منه، ولا يحرم العقد عليهما، كذلك في مسألتنا.
٨٤٢٢ - ولأن الوطء بجنسه في إفساد العبادة، فلذلك منع منه فيها، والنكاح نوع عقد ليس له مدخل في إفساد ما دخل عليه، فصار كعقد البيع والإجارة.
٨٤٢٣ - قالوا: عبادة تحرم الوطء والطيب: فوجب أن تمنع النكاح، كالعدة.
٨٤٢٤ - قلنا: الوصف غير مؤثر في الأصل، فإن العدة التي تحرم الطيب والتي لا تحرمه، هي وعدة الرجعة سواء في تحريم النكاح.
следующие страницы →