Полный текст (6 324 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
٨٣٩٩ - قالوا: الشاهد ليس له فعل في العقد في حال إحرامه، ومع ذلك فلا يجوز، والصغيرة المحرمة لا يجوز تزويجها، وليس لها في العقد فعل؛ ولأن من جاز أن ينعقد النكاح بشهادته: جاز أن ينعقد النكاح، كالحلال.
٨٤٠٠ - احتجوا بما روى مالك، عن نافع، عن نبيه بن وهب عن أبان بن عثمان، عن عثمان بن عفان [﵁] عن النبي ﷺ أنه قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح فيها أن ينكح أو ينكح غيره).
٨٤٠١ - قلنا: نبيه بن وهب لا يجري مجرى الفقهاء الذين رفعوا عن رسول الله ﷺ ، وعن ابن عباس ﵁، فلا يعارض برواية مثله رواياتهم، ولا له موضع في العلم، ولا أخرجه أحد في الصحيح، وكان الرجوع إلى ما قاله الفقهاء وأئمة الحديث أولى.
٨٤٠٢ - على أن حقيقة النكاح الوطء لكنه يقضى، كأنه قال: لا يطأ المحرم، ولا تمكن المحرمة من نفسها لتوطأ، والتمكين في الوطء النكاح، وقال الشاعر:
стр. 1752
ومن أيم قد أنكحتها رماحنا
٨٤٠٣ - فإن قيل: ففي الخبر: (ولا يخطب).
٨٤٠٤ - قلنا: لا يلتمس الوطء ولا يراجع بذكره، فسمى فعله خطبة، كما سمى المراجعة في ذكر العقد خطبة.
٨٤٠٥ - فإن قيل: النكاح في الشرع: هو العقد؛ قال الله تعالى: ﴿فأنكحوا ما طاب لكم من النساء﴾.
٨٤٠٦ - قلنا: وقد عبر بالنكاح عن الوطء؛ قال الله تعالى: ﴿والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك﴾.
٨٤٠٧ - فإن قيل: الاسم يتناولها، فيجب أن يحمل عليها.
٨٤٠٨ - قلنا: لا يجوز أن يحمل على العقد، وقد عقد رسول الله ﷺ في حال الإحرام، فلم يبق إلا أن يحمل على الوطء.
٨٤٠٩ - قالوا: فقد روى أنس: أن النبي ﷺ قال: (لا يتزوج المحرم، ولا يزوج).
٨٤١٠ - قلنا: رواه أبان بن أبي عياش، عن أنس ﵁، وقال شعبة: لأن
стр. 1753
أزني سبعين مرة أحب إلي من أن أروي عن أبان.
٨٤١١ - ومن أصحابنا من قال: الخبر محمول على العقد إذا لم تدعه نفسه إلى الوطء ولا يحل له، كما أن القبلة في حال الصوم محرمة على من لا يأمن على نفسه؛ ولهذا عقد رسول الله ﷺ ؛ لأنه أمن على نفسه، وهذا كما قالت عائشة: (وأيكم أملك لإربه من رسول الله ﷺ ).
٨٤١٢ - ومنهم من قال: إن الخبر أن المحرم يجب أن يكون تشاغله بالعبادة يمنعه من تشاغله بالنكاح. وهو كقوله ﵊: (المحرم الأشعث الأغبر).
٨٤١٣ - ومعلوم: أنه لا يحرم الغسل عليه وإن أزال ذلك شعثه، [لكن تشاغله بالعبادة يمنعه من إزالة شعثه].
٨٤١٤ - وقد ذكر الدارقطني أخبارًا لا يتشاغل بمثلها، لكن ذكرناها لتعلم صورتها، فمنها: حديث عكرمة بن خالد، قال: (سألت عبد الله بن عمر عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل، وهو خارج من مكة وأراد أن يعتمر أو يحج، فقال:
стр. 1754
لا تتزوجها وأنت محرم، نهى رسول الله ﷺ عن ذلك)، رواه ابن عتبة قاضي اليمامة، وهو ضعيف.
٨٤١٥ - وذكر حديث نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: (المحرم لا ينكح [ولا ينكح ولا يخطب]، ولا يخطب على غيره) رواه الضحالك بن عثمان الحزامي، عن نافع، وهو ضعيف، وقد شك في إسناده.
٨٤١٦ - والعجب من الدارقطني وهو أعلم بهذه الأحاديث، وأن هذه الأحاديث لا يلتفت إليها، ولا يخرج مثلها، يرويها ويمسك عن الطعن فيها تلبيسًا على من يعني بقوله، ولا يكشف ما مورده.
٨٤١٧ - قالوا: روى مثل قولنا عن عمر، وعلي، وابن عمر، ويزيد بن ثابت،
стр. 1755
ولا مخالف لهم.
٨٤١٨ - قلنا: روى جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم (أن ابن مسعود كان لا يرى بأسًا أن يتزوج المحرم).
٨٤١٩ - [وروى عطاء، عن ابن عباس ﵁: (أنه كان لا يرى بأسًا أن يتزوج المحرمان)]، وروى ابن أبي فديك، عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، قال: سألت أنس بن مالك عن نكاح المحرم، فقال: (وما بأس به، وهل هو إلا كالبيع).
٨٤٢٠ - قالوا: معنى يثبت به تحريم المصاهرة: فوجب أن يمنع منه الإحرام، كالوطء بملك اليمين، أو بالشبهة، أو بنكاح فاسد.
٨٤٢١ - قلنا: ذلك الفعل، فلا يعتبر أحدهما بالآخر؛ فإن وطء الجارية محرم، ولا يحرم العقد عليها، وإيقاع الفعل في الطيب والمحيط ممنوع منه، ولا يحرم العقد عليهما، كذلك في مسألتنا.
٨٤٢٢ - ولأن الوطء بجنسه في إفساد العبادة، فلذلك منع منه فيها، والنكاح نوع عقد ليس له مدخل في إفساد ما دخل عليه، فصار كعقد البيع والإجارة.
٨٤٢٣ - قالوا: عبادة تحرم الوطء والطيب: فوجب أن تمنع النكاح، كالعدة.
٨٤٢٤ - قلنا: الوصف غير مؤثر في الأصل، فإن العدة التي تحرم الطيب والتي لا تحرمه، هي وعدة الرجعة سواء في تحريم النكاح.
стр. 1756
٨٤٢٥ - وقد عدل بعضهم عن هذا الوصف، فقالوا: محرمة الوطء، والقبلة، فوجب أن لا يحل عقد النكاح عليها، أصله: المعتدة.
٨٤٢٦ - وهذا يبطل بالمصلية، والمعتكفة. ثم المعنى في المعتدة: أن المعقود عليها على حكم ملك غيرها، فلم يجز عقده عليها، كما لا يجوز بيع الرهن، وفي مسألتنا: لم يتعلق بالمعقود عليها حق غير العاقد، فصارت قبل الإحرام كهي بعده.
٨٤٢٧ - قالوا: العقد من دواعي الجماع: فوجب أن يمنع الإحرام منه، كاللمس للشهوة والقبلة.
٨٤٢٨ - قلنا: يبطل بشراء الجارية؛ ولأن اللمس والقبلة استمتاع والإحرام يحرم الاستمتاع، والعقد ليس باستمتاع، وإنما هو تملك لما دونه يستمتع به، فصار كشراء الطيب.
٨٤٢٩ - فإن قالوا: المقصود بالنكاح الاستمتاع، والنكاح مقصوده هذا، والإحرام يمنع الاستباحة والاستمتاع: فوجب أن يمنع العقد؛ أصله: الصيد.
٨٤٣٠ - قلنا: يبطل بشراء الطيب والجارية.
٨٤٣١ - فإن قالوا: المقصود من شراء الطيب الملك.
٨٤٣٢ - قلنا: والمقصود من النكاح الملك، ببدلالة أنه يعقد على من لا يصح الاستمتاع بها، وهي الصغيرة. ثم المعنى في الصيد: أن عقد البيع لا يتم إلا بالقبض، والصيد لا يصح قبضه عقيب العقد، فلم يصح العقد عليه، والنكاح لا يقف صحته على القبض، ولا الاستمتاع عقيب العقد، بدلالة نكاح الصغيرة.
٨٤٣٣ - ولأن الصيد منع من إيقاع الفعل في حال الإحرام من جميع الجهات، فمنع من العقد عليه، والمرأة لم يمنع من إيقاع الفعل فيها بكل وجه، بدلالة: أنه يجوز أن يقبلها ويلمسها بغير شهوة ويسافر بها/ ويرفعها إلى الراحلة ويحطها، فصارت كالطيب الذي لا يمنع من إيقاع الفعل فيه من كل وجه، فيجوز العقد عليها.
стр. 1757
مسألة ٤٦٢
حكم استلام الركن اليماني
٨٤٣٤ - قال أبو يوسف: قلت لأبي حنيفة: أرأيت الركن اليماني، أترى للرجل أن يستلمه؟ قال: إن فعل: فحسن، وإن ترك: لم يضره. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يستلمه ولا يقبله ولا يقبل يده.
٨٤٣٥ - وروى هشام عن محمد قال: يقبله وإن شاء مسحه بيده، ثم قبل يده.
٨٤٣٦ - وقال الشافعي: يستلمه، ويضع يده على فيه ويقبلها، ولا يقبله.
стр. 1758
٨٤٣٧ - فإذا دللنا على رواية الأصل، فلأنه ركن لا يبتدئ منه الطواف، فلا يسن استلامه، كالشامي. ولأن تقبيله ليس بمسنون، واستلامه لا يكون سنة، كالركنين الآخرين. ولأنه فارق الحجر باتفاق، بدلالة: أنه لا يعود إليه إذا ختم الطواف ولا يقبله، وإن تساويا في الاستلام لا يستويان في سائر الأحكام.
٨٤٣٨ - فإن قيل: المعنى في الركنين: أنهما ليسا على قواعد إبراهيم ﵇[فلا يسن استلامهما، والركن اليماني على قواعد إبراهيم]﵇ يسن استلامه.
٨٤٣٩ - قلنا: هذا أكثر أحواله أن يكون فضله للبقعة، وهذا لا يقتضي الاستلام، كسائر بقاع البيت.
٨٤٤٠ - والدليل على أنه لا يقبل يده: ما روى عن ابن عباس ﵁ (أن النبي ﷺ استلم الركن اليماني ولم يقبله)، فبهذا قد اتفقنا على ترك تقبيل اليد.
٨٤٤١ - ولأنه أحد أركان البيت، فلا يسن تقبيل اليد عنده، كركن الحجر.
٨٤٤٢ - احتجوا بما روي في حديث ابن عمر ﵁: (أن النبي ﷺ كان يستلم الركن اليماني والأسود في كل طوافه).
стр. 1759
٨٤٤٣ - قلنا: عندنا يستلم الركن، والكلام في أنه سنة لا يترك، السنة استلام الحجر، وليس في الفعل ما يدل على التساوي.
٨٤٤٤ - قالوا: روي عن ابن عمر، وجابر، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس ﵁: (أنهم استلموا الركن اليماني وقبلوا أيديهم)، ولا يعرف لهم مخالف.
٨٤٤٥ - قلنا: إن استدللتم بهذا على الاستلام، فعندنا يستحب، وفعلهم يدل على هذا، فأما مساواته للحجر: فلا، وإن استدللتم به في تقبيل اليد: فقد روى ابن عباس ﵁: (أن النبي ﷺ قبله، فوضع خده عليه).
٨٤٤٦ - وهذا خلاف قولكم، والرجوع إلى فعل رسول الله ﵊ أولى.
٨٤٤٧ - قالوا: ركن مبني على قواعد إبراهيم ﵇، فوجب أن يكون استلامه مسنونًا؛ قياسًا على ركن الحجر.
٨٤٤٨ - قلنا: تقبيل المواضع الشريفة خلاف القياس، ولهذا قال عمر ﵁: (أما إنك لا تضر ولا تنفع)، فلم يجز القياس في نفس القياس؛ ولأن الحجر
стр. 1760
اختص بأحكام، منها: التقبيل، ووجوب الافتتاح به، والعود إليه، وهذه الأحكام لا توجد في الركن اليماني، فلذلك يجوز أن يخالفه في سنة الاستلام.
* ... * ... *
стр. 1761
مسألة ٤٦٣
إذا طاف جنبًا، أو على غير وضوء،
أو عليه نجاسة أو عريانًا، أجزأه
٨٤٤٩ - قال أصحابنا: إذا طاف جنبًا، أو على غير وضوء، أو عليه نجاسة، أو عريانًا، أجزأه.
٨٤٥٠ - وذكر ابن شجاع: أن الطهارة من سنة الطواف.
٨٤٥١ - وكان أبو بكر الرازي يقول: إنها واجبة. ولا يجزئ إلا بها لكنها ليست بشرط. لنا: حديث جابر: (أن النبي ﷺ قال: طوافك بالبيت يكفيك لحجك
стр. 1762
وعمرتك).
٨٤٥٢ - وروي: أنه ﵊ صلى صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالأبطح، ثم هجع هجعة، ثم دخل مكة فطاف بالبيت. ولم يذكر الطهارة.
٨٤٥٣ - ولأنه ركن من أركان الحج، فلم تكن الطهارة من شرطه، كالإحرام والوقوف.
٨٤٥٤ - قالوا: المعنى فيه: أن الطهارة معتبرة، ولما اعتبرت الطهارة: وجبت.
٨٤٥٥ - قلنا: إن أردتم به أنها معتبرة في الكمال والفضيلة، فلذلك هي في الإحرام والوقوف، وإن أردتم في الجواز، فهو موضع الخلاف.
٨٤٥٦ - ولأنها عبادة لا يبطلها حدث العمد، فلم تكن الطهارة من شرطها، كالاعتكاف، وعكسه الصلاة.
٨٤٥٧ - فإن قيل: ينتقض بالصلاة، في بدء الإسلام كان الكلام مباحًا فيها والطهارة شرط.
٨٤٥٨ - قلنا: النقض لا يكون بناسخ في الأحكام، وإنما يقع التعليل للأحكام المستقرة، والنقض يقع بها.
٨٤٥٩ - ولأن ما شرط في ركن واحد من أركان الحج فتركه لا يوجب فساده، كنزع المخيط وترط الطيب إذا فارق الإحرام.
٨٤٦٠ - فإن قيل: هذا شرط في جميع الأركان.
стр. 1763
٨٤٦١ - قلنا: هو شرط في الإحرام خاصة، بدلالة: أنه إذا وقف بعرفة لابسًا، متطيبًا؛ لم يجب عليه إلا دم واحد.
٨٤٦٢ - ولأنها عبادة تختص بالمسجد، فلم تفسد بترك الطهارة، كالاعتكاف.
٨٤٦٣ - احتجوا: بحديث ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ قال: (الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله تعالى أباح فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير).
٨٤٦٤ - قالوا: والصلاة في اللغة دعاء؛ لأن الطواف صلاة شرعية، فيدخل تحت قوله ﵊: (لا صلاة إلا بطهور).
٨٤٦٥ - والثاني: أنه قال: (إن الله تعالى أحل فيه النطق)، وظاهره يقتضي: أنه كالصلاة بكل حال إلا فيما استثناه.
٨٤٦٦ - قلنا: هذا خبر لا يصح الاحتجاج به على طريق أصحاب الحديث؛ لأنه لم يروه إلا الفضيل بن عياض، عن عطاء بن السائب، عن طاووس، عن ابن عباس، وسماع الفضيل بن عياض وأمثاله من عطاء بن السائب ضعيف [لا يحتج به، وإنما يحتج من حديث عطاء بن السائب] بما رواه المتقدمون عنه، كالثوري، وشعبة، وحماد بن سلمة.
стр. 1764
٨٤٦٧ - وأصل هذا الحديث إنما رواه ابن مالك، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاووس، عن رجل أدرك النبي ﷺ من قول ذلك الرجل، لا عن النبي ﷺ .
٨٤٦٨ - ولو ثبت فقوله: (الطواف بالبيت صلاة) لا يجوز أن يكون بيانًا للاسم؛ لأن الطواف لا يسمى صلاة، لا لغة، ولا شرعًا.
٨٤٦٩ - أما اللغة: فالصلاة فيها الدعاء، وأما الشرع: فلا يقول أحد من أهله: إن الطواف صلاة، ولهذا لو نذر أن يصلي فطاف لم يجزئه.
٨٤٧٠ - ولا يقال: صلاة الجنازة صلاة، ولو أطلق نذر الصلاة، لم يسقط نذره صلاة الجنازة؛ ولأن صلاة الجنازة يتعبد فيها ما لا يسقط بها النذر المطلق. وإذا بطل أن يكون هذا بيانًا للاسم: لم يدخل في قوله ﵊: (لا صلاة إلا بطهور)، فبقي أن يكون بيانًا للحكم، فكأنه قال: حكم الطواف حكم الصلاة، ونحن نعلم: أنهما لا يتفقان في كل الأحكام. لأن الصلاة يبطلها المشيُ والانحراف عن القبلة مع القدرة، والكلام وحدث العمد، ولا يبطل ذلك الطواف، فبقي أن يكون شبيهًا بها في حكم واحد، فاحتمل أن يكون تعلقه بالبيت ثواب الصلاة.
٨٤٧١ - فإن قيل: قوله: (الطواف بالبيت صلاة) معناه: مثل الصلاة، وحذف (مثل).
٨٤٧٢ - قولنا: المماثلة، لا تقتضي التماثل في كل الصلاة، فليس ما تقولونه بأولى مما نقوله.
٨٤٧٣ - فأما قوله: إلا أنه أبيح فيه الكلام) فليس المقصود منه بيان ما استثني من التشابه، وأما الغرض: فكان الكلام، وإذا صح فيه فيجب أن ينعقد جواز الكلام كله، وإنما يتكلم بما فيه القربة والثواب خاصة.
٨٤٧٤ - قالوا: روت عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ لما أن كان يطوف
стр. 1765
توضأ)، وفعله بيان، وقال: (خذوا عني مناسككم).
٨٤٧٥ - قلنا: قوله تعالى ﴿وليطوفوا﴾ ليس بمجمل حتى يكون فعله ﵊ بيانًا، أنه طاف بعد ما هجع، ولم ينقل: أنه توضأ.
٨٤٧٦ - قالوا: روي أنه ﵊ قال لعائشة ﵂: (اصنعي ما يصنع الحاج، غير أنك لا تطوفي بالبيت).
٨٤٧٧ - قلنا: يجوز أن يكون النهي للطواف، ويجوز أن يكون للمنع من دخول المسجد مع الحيض؛ ولأنها عبادة [منهن متممة] إلا أن ما نهى عنه في ركن من الحج لا يوجب فساده، كما ذكرنا.
٨٤٧٨ - قالوا: روي عن النبي ﷺ : أنه قال: (لا يطوفن بالبيت بعد اليوم مشرك ولا عريان).
٨٤٧٩ - قلنا: نهى عن الطواف، وقد بينا: أن أركان النهي إذا اختص بركن لا يمنع وقوعه، كالإحرام مع اللبس.
٨٤٨٠ - ولأن من المنهيات في الحج الوطء؛ لأنه يفسده، ومعلوم: أنه إذا صادف الوطء، لم يجعل وجوده وعدمه سواء، حتى يصير كأنه لم يفعل، بل لا يمنع
стр. 1766
اعتداد بالفعل، وإذا أفسد فما دونه مما لا يفسد الإحرام أولى أن لا يوجد بجعل وجود المفعول/ وعدمه سواء.
٨٤٨١ - قالوا: كل ما اعتبرت فيه الطهارة، [لا يقوم غيرها مقامها، كالصلاة.
٨٤٨٢ - قلنا: عندنا لا يقوم مقام الطهارة] غيرها، وإنما يدخل، ففقدها يقصر في الطواف، ويقوم الدم مقام ذلك البعض، فأما أن يقوم مقام الطهارة، فلا.
٨٤٨٣ - ومن أصحابنا من قال: يجب بفقد الطهارة الإعادة، فإن لم يعد قام الدم مقام الطواف الواجب، كما يقوم مقام العذر.
٨٤٨٤ - ولأن الصلاة مؤداة بتحريم، والطهارة شرط فيها، فكانت شرطًا فيما تؤدى فيه الأركان بها، وأفعال الحج مؤداة بها.
٨٤٨٥ - قالوا: عبادة تجب الطهارة لها، فكانت شرطًا فيها، كالصلاة.
٨٤٨٦ - قلنا: الوصف غير مسلم على ما بيناه، ولو سلمناه لم تصح العلة؛ لأن الطهارة من شرط الاعتداد بالطواف، كما أنها شرط في الاعتداد بصلاة النافلة، فإذا عدمت لم يعتد بالصلاة، كذلك عندنا لا يعتد بالطواف، بمعنى: أنه لا يقع موقع الواجب عليه حتى ينضم إليه غيره.
٨٤٨٧ - ولأن الطهارة لما شرطت في الصلاة أبطلها حدث العمد، ولما لم يبطل حدث العمد الطواف لم تكن الطهارة شرطًا فيه.
٨٤٨٨ - قالوا: كل عبادة وجب بترك الطهارة فيها معنى، كان ذلك المعنى للإعادة، كالصلاة.
٨٤٨٩ - قلنا: تجب الإعادة عندنا ويقوم الدم مقام الواجب، وينتقض هذا بمن قرأ القرآن مع الجنابة، فقراءة القرآن عبادة، وجب عليه بترك الغسل فيها معنى، وهو
стр. 1767
الإثم، وليس هو الإعادة. قالوا: وما افتقر إلى البيت، بدلالة: أن صلاة الخائف والمتنفل على الراحلة لا يشترط فيها التوجه إلى البيت، فالطهارة شرط فيها.
٨٤٩٠ - ولأن الصلاة منهياتها تفسدها، وترك الطهارة منهي فأفسدها، ومنهيات الإحرام كلها لا تفسده إلا الجماع، والنهي بترك الطهارة لا يفسد الطواف.
٨٤٩١ - قالوا: طواف على غير طهارة، فلم لا يكره؟ كما لو كان بمكة.
٨٤٩٢ - قلنا: هذا غير مسلم، فإنه إذا كان بمكة. قلنا: بإعادة الطواف فإن لم يعد، قامت الفدية مقامه، كما تقوم فيمن خرج من مكة.
* ... * ... *
стр. 1768
مسألة ٤٦٤
إذا سلك في الطواف الحجر، فالأولى أن يستأنف الطواف
٨٤٩٣ - قال أصحابنا: إذا سلك في الطواف الحجر: فالأولى أن يستأنف الطواف، ويمر خارج الحجر، فإن لم يفعل وطاف على الحجر خاصة: أجزأه، ولزمه دم.
٨٤٩٤ - وقال الشافعي: لا يجزئه إلا أن يستأنف الطواف، فيبني على الموضع الذي دخل منه الحجر.
٨٤٩٥ - وهذه مبنية على أن الدم يقوم مقام أقل الطواف، ومبنية على أن الترتيب في الطواف ليس بشرط، وفي طواف المنكوس، وسيأتي الكلام فيهما.
стр. 1769
٨٤٩٦ - ويدل في نفس المسألة: أنه مكان لا يقطع عن كونه من البيت، فالطواف عليه ليس بشرط، أصله: سائر البقاع. ولأن فرض الصلاة لا يسقط بالتوجه إليه، كسائر بقاع المسجد.
٨٤٩٧ - ولأنه ركن يتعلق بمكان، فلا يكون من شرطه استغراق جميع المكان بالكون فيه، كالوقوف بعرفة، والذي روى: (أنه ﵊ طاف من وراء الباب).
٨٤٩٨ - وكذلك نقول. والكلام في صفة فعله هل كان لأنه شرط، أو لأنه الأولى؟. ولأنه لو ثبت أنه من البيت، لم يكن تركه للأقل مما يمنع الاعتداد بالأكثر عندنا.
* ... * ... *
стр. 1770
مسألة ٤٦٥
إذا طاف منكوسًا، جاز وعليه دم
٨٤٩٩ - قال أصحابنا: إذا طاف منكوسًا: جاز وعليه دم، وإن ابتدأ بالطواف من غير ركن الحجر.
٨٥٠٠ - وذكر محمد في الرقيات: أنه [لا يعتد بطوافه حتى ينتهي إلى الركن.
٨٥٠١ - ومن أصحابنا من قال: يجوز.
٨٥٠٢ - وقال الشافعي]: لا يعتد بطواف المنكوس.
٨٥٠٣ - دليلنا: أنه حصل في أماكن الطواف مع النية، كما لو رتبه؛ ولأنه سبب للطواف فلا يمنع الاعتداد به، كما لو طاف راكبًا أو ترك الرَمَل.
٨٥٠٤ - فإن قيل: المعنى فيه: أنه ترك هيئة تسقط الركنين، وإذا ترك المشي أنه يسقط الركنين إلى غير بدل؛ لأنه إذا ترك المشي من غير عذر لزمه دم.
٨٥٠٥ - وعلة الفرع باطلة؛ لأنه ليس إذا كان الستر لا يسقط الركنين إلى بدل
стр. 1771
لم يقم غيره مقامه، كطواف [الإفاضة]، ورمي الجمار؛ ولأنه أحد أركان حج البيت، فجاز أن يبتدئ منه، أصله: ركن الحج.
٨٥٠٦ - ولأنها عبادة شرط فيها التيامن، فلا تبطل [بنكس] التيامن، كالوضوء.
٨٥٠٧ - احتجوا: بأنه ﵊ (طاف مرتبًا)، وفعله بيان؛ ولأنه قال: (خذوا عني مناسككم).
٨٥٠٨ - قلنا: هذا ليس بيان؛ لأن الآية ليست بمجملة.
٨٥٠٩ - وقوله: (خذوا عني مناسككم) يدل على وجوب الأخذ، وقد بينا أن ذلك لا يدل على وجوب المأخوذ.
٨٥١٠ - ومن أصحابنا من قال: الترتيب واجب، وإذا تركه عندنا قام مقامه الدم.
٨٥١١ - فإن قيل: إذا ثبت أنه واجب، لم يسقط الفرض إلا بفعله.
٨٥١٢ - قلنا: هذا لا يكون فيما ينفرد بنفسه، فأما الصفة التي تنفرد بنفسها: [فلا يصح أن تقضي حتى تبقي في ذمته.
٨٥١٣ - قالوا: عبادة تفتقر إلى البيت]، فكان الترتيب فيها شرطًا، كالصلاة.
٨٥١٤ - قلنا: الصلاة أفعال مختلفة، فالترتيب يجوز أن يكون شرطًا فيها، والطواف فعل واحد، والفعل الواحد لا يشترط فيه، كالابتداء بغسل اليد من
стр. 1772
المرفق، أو من الأصابع، أو كغسل اليدين، لما أجريا مجرى العضو الواحد، أو كجميع الأعضاء في الجنابة.
٨٥١٥ - ولأن الصلاة تجب ابتداء، ويؤمر بالفعل ابتداء، ثم لا يعتد به؛ لأنه يجب ترتيبه على غيره، كما يقال في المدرك للإمام في الركوع والسجود، وفي القعدة، فعلم أن الترتيب فيها شرط، والطواف لا يؤمر أن يبتدئ بشيء منه لا يعتد به لترك ترتيبه على غيره، فدل: أن الترتيب فيه ليس بشرط.
٨٥١٦ - ولأن الصلاة لا تشتمل على فروض يقوم غيرها مقامها، والحج يشتمل على واجبات يقوم الدم مقامها، فجاز أن يقوم مقامه هيئة أركانه.
٨٥١٧ - قالوا: ترك في الطواف ما لا يسقط إلى غير بدل، فصار كمن ترك أربعة أشواط.
٨٥١٨ - قلنا: هناك ترك أكثر العبادة فيها، وههنا ترك هيئة فيها فصار كترك غسل اليدين المانع من صحة الطهارة، ولو ترك الترتيب فيها لم يمنع صحة الطهارة.
٨٥١٩ - ولأن كونه لا يسقط إلى غير بدل لا يمنع من مقام الدم مقامه، كما ذكرنا في الرمي.
٨٥٢٠ - قالوا: ما وجب عليه إعادة طواف الزيارة إذا كان بمكة أوجب، وإن رجع، كما لو طاف منكسًا قبل طلوع الفجر.
٨٥٢١ - قلنا: لا نسلم وجوب الإعادة إذا كان بمكة، وإنما الأولى عندنا أن يعيد، وإن أقيم الدم مقامه جاز.
٨٥٢٢ - ولا يجوز في القياس على من افتتح الطواف من غير الركن؛ لأن من أصحابنا من جوز، وإن سلمنا ذلك على ما روي عن محمد، فلأن تنفسخ هذه العبادة من الركن، فإذا لم يأت بافتتاحها لم يعتد به [كما لو لم يفعله. وإن قاسوا على
стр. 1773
من ايتدأ السعي من المروة لم نسلم أن ذلك لا يعتد به]، ورواه ابن شجاع عن أبي حنيفة.
٨٥٢٣ - وإن سلمنا لم يكن المانع ترك الترتيب، لكن لأنه لا ينفسخ السعي؛ لأن افتتاحه من الصفا أولى به، إنما لا يجوز لأنه يقضي في الفعل؛ لأنه إذا بدأ من الصفا وقف أربع وقفات على الصفا، وإذا بدأ من المروة وقف ثلاث وقفات، فنقصان الفعل هو المانع، وفي مسألتنا: لم ينقص من أفعال الطواف شيء إنما ترك هيئة.
* ... * ... *
стр. 1774
مسألة ٤٦٦
إذا طاف أربعة أشواط وتحلل، وقع التحلل،
ويقوم الدم مقام الباقي
٨٥٢٤ - قال أصحابنا: إذا طاف أربعة أشواط وتحلل: وقع التحلل، ويقوم الدم مقام الباقي، وحكى ابن الحسن: أنه لو طاف ثلاثة أشواط وأكثر الرابع: جاز التحلل.
٨٥٢٥ - وقال الشافعي: إن ترك خطوة من الطواف: لم يتحلل من إحرامه.
٨٥٢٦ - والكلام يقع في مواضع:
٨٥٢٧ - أولها: أن الركن هو الأكثر، والدليل عليه: أنه ركن من أركان الحج، فالمداومة إلى آخره لا يكون ركنًا، كالوقوف.
٨٥٢٨ - ولأنه مفعول بعد أكثر الطواف: فلم يكن ركنًا، كالوقوف، وركعتي الطواف.
٨٥٢٩ - ولأنه يأتي بأكثر الأشواط، فصار كما وطاف وسعى وترك الرمل.
٨٥٣٠ - والدليل على جواز التحلل بعد أكثر الطواف: أن الجماع معنى يحظره الإحرام، فصار استباحته قبل استيفاء [طواف الحج من غير عذر، كالطيب،
стр. 1775
واللمس، والحلق. ولأنه أحد التحللين، فجاز أن يقع قبل استيفاء] الطواف، كالأول.
٨٥٣١ - ولأنه أتى بأكثر الطواف: فجاز له التحلل، كما لو طاف راكبًا.
٨٥٣٢ - ولأنه لو خالف في وقت الإحرام صح إحرامه، فإذا خالف في وقت التحلل جاز أن يصح؛ لأن كل واحد منهما ركن في أحد طرفي الحج.
٨٥٣٣ - ولأن ما يقع به التحلل يجوز أن يقوم الأكثر مقام جميعه في جواز التحلل، كذبح دم الإحصار إذا قطع أكثر العروق.
٨٥٣٤ - فإن قيل: الواجب هناك هو الجميع، وما زاد على الواجب لا يجوز قطعه.
٨٥٣٥ - والفصل الثالث/ أن الدم يقوم مقام بعض الأشواط؛ لقوله ﵊: (من ترك نسكًا فعليه دم). ولا نسك ذو عدد فجاز أن يقوم الدم مقام بعض أفعاله، كالرمي وطواف الصدر.
٨٥٣٦ - ولأنه ركن من أركان الحج: فجاز أن يقوم الدم مقام الجزء منه، كطواف الصدر.
٨٥٣٧ - ولأنه ركن من أركان الحج، فجاز أن يكون لجبرانه بغير جنسه مدخل فيه، كالإحرام والوقوف.
٨٥٣٨ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ وهذا مبهم، وقد بينه رسول الله ﷺ بفعله، فطاف سبعًا، فصار ذلك بيانًا للآية، فصار كأنه قال:
стр. 1776
وليطوفوا بالبيت سبعة أشواط.
٨٥٣٩ - وهذا كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾، وبينه ﵊ بعدد الركعات، وهذا وقد قال: (خذوا عني مناسككم).
٨٥٤٠ - قلنا: أما الآية فتقتضي وجوب شوط أوجبناه بالإجماع، فلم نسلم أن فعله بيان، ولو سلمنا ذلك اقتضى وجوب الأشواط السبعة، وكذلك نقول.
٨٥٤١ - وليس في الوجوب ما يدل على أنها ركن، وكذلك الجواب عن قوله: (خذوا عني مناسككم)، فأكثر الأحوال أن يدل على وجوب الأشواط، وليس ما كان واجبًا كان ركنًا على أنا بينا: أن وجوب الأخذ لا يقتضي وجوب المأخوذ.
٨٥٤٢ - فإن قيل: إذا ثبت وجوب الأشواط لم يسقط إلا بفعلها.
٨٥٤٣ - قلنا: واجبات الحج منقسمة، منها: ما لا يسقط الفرض إلا بفعلها، ومنها: ما يسقط فرضها بفعل ما يقوم مقامها، مثل: رمي الجمار، والإحرام من الميقات، والمداومة على الوقوف، والوقوف بالمزدلفة، وطواف الصدر.
٨٥٤٤ - قالوا: إنها عبادة تفتقر إلى النية فإذا أخل بعددها: لم يقم غيرها مقامها، كالصلاة.
٨٥٤٥ - قلنا: هذا يبطل بمسألتين، أحدهما: إذا صلى المسافر ركعتين، قامت نية القصر مقام ما أحل به من الظهر، والجمعة عندهم ظهر تقوم الخطبة مقام ما أحل به منها.
٨٥٤٦ - ويبطل بطواف الصدر.
٨٥٤٧ - والمعنى في الصلاة: أنه إذا أتى ببعض ركعاتها وتراخى الباقي عن المفعول: بطل، فاستحال أن يقوم غيره مقامه، فلم يجز أن يقوم عن بعض واجباتها غيرها،
стр. 1777
وجنس المناسك فيها ما يقوم الدم مقام جميعها، كالرمي والوقوف بالمزدلفة، فجاز أن يقوم مقام بعض الواجب منها.
٨٥٤٨ - قالوا: ترك من الطواف ما لا يسقط إلى غير بدل، كما لو ترك أربعة أشواط. ولأنه لم يستوف عدد طوافه، فوجب أن لا يخرجه؛ أصله: إذا طاف ثلاثًا.
٨٥٤٩ - قلنا: الأقل لا يقوم مقام الجميع في الأصول، والأكثر يقوم مقامه، بدلالة استصحاب النية في أكثر نهار الصوم يقوم مقام استصحابها في الجميع في النافلة عندنا وعندهم، وفي رمضان عندنا، والصوم في أكثر الحول كالصوم في جميعه، والمدرك في كل الركعة ولأكثر الرابعة وأفعالها سواء، وقطع أكثر العروق في الذكاة يقوم مقام جميعها، والأول يقوم مقام الجميع. وكذلك يجوز أن يكون أكثر فعل الأشواط في وقوع التحلل يقوم مقام الجميع، وإن كان فعل الأكثر لا يقوم مقام الجميع، يبين ذلك: أن من أحرم ووقف ورمى [لم يلحقه فساد فعل الركن الواحد، كفعل الركنين والرمي] في منع الفساد، واختلف في ذلك حكم القلة والكثرة، كذلك في مسألتنا.
٨٥٥٠ - فإن قيل: قيام الأكثر مقام [الجميع نادر، وأكثر الأصل على خلاف ذلك وإن كثر عدد الركعات لا يقوم مقام] الجميع، وكذلك أكثر أعضاء الوضوء، وأكثر غسل البدن من الجنابة، وأكثر الأذان والإقامة، وأكثر صيام رمضان، وسائر صيام الكفارات، وأكثر النصاب، وأكثر الزكاة.
٨٥٥١ - قلنا: نحن لا نستدل بأصول على جواز قيام الأكثر مقام الجميع، وإنما دللنا بما ذكرنا على أن حكم الإتيان بالأقل مخالف للإتيان بالأكثر في الأصول،
стр. 1778
فإذا بين أصولاً أخر لا يقوم الأكثر فيها مقام الجميع؛ لم يمنع ذلك فساد ما اعتبروه وذكروه من الاعتبار.
٨٥٥٢ - ثم الأصول إذا انقسمت: كان اعتبار مسألتنا بما ذكرنا أولى؛ لأنا بينا: أن في جنسها ما يقوم البدل عنه مقام جميعه، فأولى في مثله الخلاف أن يقوم مقام بعضه.
٨٥٥٣ - فإن قيل: لو قام الأكثر مقام الجميع، لم يحتج إلى الجبران.
٨٥٥٤ - قلنا: إنما يقوم مقام الجميع في وقوع التحلل، ويقوم الدم مقام ما بقي من الأشواط.
* ... * ... *
стр. 1779
مسألة ٤٦٧
إذا طاف طواف الفرض راكبًا من غير عذر
لزمه الإعادة
٨٥٥٥ - قال أصحابنا: إذا طاف طواف الفرض راكبًا من غير عذر: لزمه الإعادة، فإن لم يعد: فعليه دم.
٨٥٥٦ - وقال الشافعي: الأفضل أن يطوف ماشيًا، فإن طاف راكبًا من غير عذر: فلا شيء عليه، وإن نذر أن يحج ماشيًا فطاف راكبًا؛ فمنهم من قال: يجب عليه [الدم، ومنهم من قال: يجب] بمعنى الاستحباب.
٨٥٥٧ - لنا: أنه قد ترك المشي في الطواف من غير عذر: فكان تاركًا لواجب، كما لو طاف زحفًا.
٨٥٥٨ - ولأنه فرض يجب بالطهارة، فلا يجوز أداؤه راكبًا من غير عذر، كالصلاة.
стр. 1780
٨٥٥٩ - أو نقول: فلزمه بأدائه راكبًا مع القدرة ما يلزمه بأدائه قاعدًا، كالصلاة.
٨٥٦٠ - وغذا ثبت أنه لا يجوز فعلها قاعدًا من غير عذر، [فلا يجوز راكبًا على الراحلة من غير عذر]، كالصلاة المكتوبة.
٨٥٦١ - ولأنها عبادة مفروضة معلقة بالبيت، كالصلاة.
٨٥٦٢ - وإذا ثبت أنه لا يجوز فعلها راكبًا: ثبت وجوب الدم؛ لأن أحدًا لا يفصل بينهما.
٨٥٦٣ - فإن قيل: حكم الطواف مفارق للصلاة، بدلالة أن صلاة الراكب في الفرض لا يعتد بها من غير عذر.
٨٥٦٤ - قلنا: لا فرق بينهما عندنا؛ لأن الإعادة واجبة عندنا، إلا أنه إذا ترك القضاء في الصلاة لم يقم غيرها مقامها، وإذا ترك الإعادة في الطواف قام الدم مقامه.
٨٥٦٥ - وهذا الاختلاف يعود إلى أن المناسك لها بدل، والصلاة لا بدل لها.
٨٥٦٦ - فإن قيل: فلِمَ لم يقم الدم مقام الطواف في الأصل؟
٨٥٦٧ - قلنا: لو قام مقامه: لوقع التحلل به، والدم لا يتحلل به في غير الإحصار، وإذا طاف على وجه منهي عنه: وقع التحلل، وبقي طواف واجب بعد التحلل، فيقوم الدم مقامه، كما يقوم الدم مقام طواف الصدر.
٨٥٦٨ - احتجوا: بما روى جابر ﵁ قال: (طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبين الصفا والمروة، كي يراه الناس وليشرف عليهم، ويسألوه، فإن الناس غشوه).
стр. 1781
٨٥٦٩ - قلنا: قد بين جابر العذر الذي لأجله فعل ذلك، وهو حاجته إلى البيان لعشيرته وعندنا لو فعله لعذر جاز، وقد روى عكرمة، عن ابن عباس ﵁: (أن رسول الله ﷺ قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته)، فدل: أنه فعل ذلك لعذر.
٨٥٧٠ - قالوا: قال الشافعي: لا يعرف هذا.
٨٥٧١ - قلنا: يجب أن يعرف فإن أبا داود ذكره بإسناد صحيح، وذكر عن أم سلمة: أنها قالت: (شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة)، فذكرت الحكم والسبب.
٨٥٧٢ - قالوا: فجابر ﵁ نقل سببًا آخر.
٨٥٧٣ - قلنا: لا يمتنع أن يجتمع السببان.
٨٥٧٤ - قالوا: فقد طاف راكبًا حين اعتمر من الجعرانة، وفي حجة الوداع، فلابد أن يكون أحدهما لغير عذر.
٨٥٧٥ - قلنا: ما الذي يمنع من اتفاق العذر في الحالتين، ويكفي تجويز العذر وإن لم ينقل.
٨٥٧٦ - قالوا: ركن من أركان الحج، فجاز راكبًا وماشيًا، كالوقوف.
٨٥٧٧ - قلنا: نقلب، فنقول: فكان حكم المؤدى له [راكبًا حكم المؤدي له] قاعدًا.
٨٥٧٨ - ولأن الوقوف لما جاز قاعدًا من غير عذر، جاز راكبًا، والطواف بخلافه.
стр. 1782
ولأن حكم الركنين مختلف؛ لأنه يستحب للإمام الوقوف على راحلته في الوقوف، ويستحب للطائف أن لا يفعل ذلك.
٨٥٧٩ - قالوا: ركن لو أتى به المريض على صفته لم يجبره بدم، فكذلك الصحيح، كما لو ترك الرمل والاضطباع.
٨٥٨٠ - قلنا: حكم النسك إذا ترك لعذر مخالف لحكمه إذا ترك لغير عذر، بدلالة طواف الصدر.
٨٥٨١ - ولأن الرمل عند الركن والمشي نفس الفعل، بدلالة أن الناذر للرمل إذا تركه لم يجب به شيء، والناذر للمشي إذا تركه وجب عليه الدم، فدل على افتراقهما.
* ... * ... *
стр. 1783
مسألة ٤٦٨
إذا طاف حاملاً لغيره ونوى كل واحد منهما
الطواف، أجزأهما
٨٥٨٢ - قال أصحابنا: إذا طاف حاملاً لغيره ونوى كل واحد منهما الطواف: أجزأهما.
٨٥٨٣ - وقال الشافعي: الطواف للحامل دون المحمول، وقال في قول آخر: الطواف للمحمول دون الحامل.
٨٥٨٤ - لنا: أنه ركن من أركان الحج فإذا فعله حاملاً لغيره: سقط فرضه، كالوقوف؛ ولأن كل واحد منهما كائن في مواضع الطواف مع النية، فكأنه طاف بنفسه.
٨٥٨٥ - ولأن الحامل فاعل للطواف، وحمله لغيره كحمله لمتاع، فلا يمنع ذلك من صحة طوافه، والمحمول حاصل في أماكن الطواف، كالراكب.
٨٥٨٦ - احتجوا: بأن الفعل للحامل، فلا يجوز أن يتأدى بفعل واحد طوافان، وقد جاز فعله عن طواف نفسه، فلم يجز عن طواف المحمول.
٨٥٨٧ - قلنا: هذا يبطل بمن وقف بعرفة وهو حاملٌ لغيره.
٨٥٨٨ - ولأن هذه دعوى لا دلالة عليها؛ لأن الفعل الواحد يجوز أن يسقط به
стр. 1784
فرضان، كمن وقف وهو يصلي يسقط فرض الصلاة والوقوف، كذلك يسقط بالفعل فرضه وفرض غيره.
٨٥٨٩ - ولأن الراكب يجوز طوافه لحصوله في أماكن الطواف، لا لأن فعل الدابة قائم مقام فعله، ألا ترى: أن فعل البهائم لا تسقط به العبادة، فإذا لم يعتبر فعل الحامل في إسقاط فرض المحمول، فالحامل أسقط فرضه بفعله، والمحمول أيضًا، لحصوله في أماكن الطواف، فبطل ما قالوه.
* ... * ... *
стр. 1785
مسألة ٤٦٩
ركعتا الطواف واجبتان
٨٥٩٠ - قال أصحابنا: ركعتا الطواف واجبتان. وهو أحد قولي الشافعي ﵀، وقال في قول آخر: إنهما نافلتان.
٨٥٩١ - لنا: حديث جابر قال لما طاف رسول الله ﷺ بالبيت قرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصل﴾، فصلى ركعتين خلف المقام)، وهذا يدل: أنها مؤداة بالآية، وهو أمر بها، فاقتضت الوجوب.
٨٥٩٢ - قالوا: هذا أمر باتخاذ البقعة مصلى.
٨٥٩٣ - قلنا: البقعة متخذة مصلى قبل شريعتنا، وهو أمر لنا، فلا يجوز أن يحمل
стр. 1786
إلا على فعل الصلاة.
٨٥٩٤ - ولأنه ركن من أركان الحج يعني الطواف، فكان من توابعه ما هو واجب، كالوقوف.
٨٥٩٥ - فإن قيل: المعنى في الرمي: أنه يختص بوقت، فلذلك كان واجبًا، فالصلاة في مسألتنا ليس لها وقت راتب.
٨٥٩٦ - قلنا: واجبات الحج منها: ما له وقت راتب، ومنها: ما يتقدم فعله عليه، ولا يختص بنفسه في وقت، كالسعي.
٨٥٩٧ - ولأنها قربة لا يجوز تقديمها على فعل الطواف، كالسعي؛ ولأنها عبادة.
٨٥٩٨ - ولا يلزم صلاة الجنازة؛ لأن الصلاة المعهودة من جنسها ما يجب في الحج والعمرة؛ كالطواف، وقد أوجبناها.
٨٥٩٩ - احتجوا: بحديث طلحة بن عبيد الله) أن النبي ﷺ قال الأعرابي: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل علىَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع).
٨٦٠٠ - قلنا: خمس كتبهن الله تعالى، فقال: هل على غيرها مكتوبة؟ فركعتا الطواف واجبة غير مكتوبة.
٨٦٠١ - ولأنها وجبت عندنا بالآية، فيجوز أن يكون قبل نزول الآية.
٨٦٠٢ - قالوا: صلاة ذات ركوع ليس لها وقت راتب: فلم تكن واجبة بأصل الشرع، كصلاة الكسوف.
٨٦٠٣ - قلنا: إن كان التعليل للجملة: فلا نسلم الوصف؛ لأن طواف الحج عندنا موقت بأيام النحر، والركعتان تتعقبها، فهي مؤقتة بتوقيته.
٨٦٠٤ - ولأن المعنى في صلاة الكسوف: أنها لا ترتب على فعل هو [نسك] فلم تكن واجبة بحكم النسك، ولما كانت هذه الصلاة مرتبة على نسك وترتب عليها،
стр. 1787
جاز أن يجب بحكم النسك.
٨٦٠٥ - قالوا: الصلاة الواجبة بأصل الشرع ما كانت أصلاً بنفسها غير تبع لغيرها، كالصلاة الراتبة، فلما كانت هذه تبعًا لغيرها ثبت أنها غير واجبة بأصل الشرع.
٨٦٠٦ - قلنا: سائر التوابع لما كان تبعًا لغيرها ولا ترتب عليها واجب لم يجب، ولما كان هاهنا يترتب عليها، كانت الركعتان واجبتين وتبعها واجب؛ دل أن التفرقة بينهما ومفارقتهما لتوابع الصلوات.
* ... * ... *
стр. 1788
مسألة ٤٧٠
السعي بين الصفا والمروة ليس بركن بل هو واجب
٨٦٠٧ - قال أصحابنا: السعي بين الصفا والمروة ليس بركن، بل هو واجب، فإن تركه، فعليه دم.
٨٦٠٨ - وقال الشافعي: هو ركن، وإن ترك شوطًا منه لم يتحلل أبدًا.
٨٦٠٩ - لنا: قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ وهذا اللفظ يقتضي الإباحة.
стр. 1789
٨٦١٠ - وفي قراءة ابن مسعود، وابن عباس ﵁: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)، وهذا ينفي الوجوب.
٨٦١١ - فإن قيل: الآية خرجت على سبب، وهو أنه كان عليه أصنام إساف، ونائلة، وكانت الجاهلية تطوف بكل واحد منهما، فلما جاء الإسلام تخرج الناس عن الطواف، فنزل القرآن بإباحة ذلك.
٨٦١٢ - قلنا: خروجه على هذا السبب لا يمنع الاستدلال بالظاهر على نفي الوجوب؛ لأن السعي لو كان واجبًا لم يذكر لفظ الإباحة، بل يذكر الوجوب، فيفهم الإباحة بمضمونه.
٨٦١٣ - فإن قيل: قد اتفقنا على ترك ظاهرها؛ إذا السعي عندكم واجب، وليس بمباح.
٨٦١٤ - قلنا: قد دلت الآية على نفي الوجوب ومنعه من كونه ركنًا، فإن الدليل على غير الوجوب نفي المعنى الآخر، وهو الركن على ظاهره.
٨٦١٥ - قالوا: قوله تعالى: ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه﴾، كلام تام دل على جواز الإفراد والتمتع، وقوله: ﴿أن يطوف بهما﴾ ابتداء كلام، كأنه قال: عليه أن يطوف بهما.
٨٦١٦ - قلنا: هذا غلط؛ لأن قوله: ﴿فمن حج البيت﴾ جواب الشرط في قوله: ﴿إن الصفا والمروة﴾، فلا يجوز أن يحمل على إباحة الإفراد، والتمتع؛ لأنه ينقطع عن الشرط,
٨٦١٧ - ثم قوله: ﴿أن يطوف بهما﴾ لا يصح الابتداء به، فلابد أن تعلق بقوله: ﴿فلا جناح عليه﴾ حتى يستقل.
٨٦١٨ - قالوا: فالآية نزلت في الطواف بهما، والخلاف في الطواف بينهما.
٨٦١٩ - قلنا: لم يثبت في الإسلام طواف يتعلق بالصفا والمروة، إلا الطواف بينهما، يبين ذلك: ما روى ابن شهاب، عن عروة، قال: سألت عائشة
стр. 1790
[﵂]، فقلت: أرأيت قول الله : ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾؟ قال: فقلت لعائشة: والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بين الصفا والمروة، قالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أخي، لو كان كذا، لكانت الآية: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما إلى أن قالت: (ثم قد بين رسول الله ﷺ الطواف بهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بهما)؛ فقد فهمت عائشة، وعروة أن المراد بالآية: الطواف بينهما، وجعلت عائشة ذلك بيانًا.
٨٦٢٠ - فإن قيل: قوله تعالى:- ﴿من شعائر الله﴾، ثم قال: ﴿لا تحلوا شعائر الله﴾ يدل على الوجوب؛ قلنا: الشعائر العلامات، ومنه: الشعائر في الحرب، فجعلها من علامات الدين بقوله: ﴿لا تحلوا شعائر الله﴾، معناه: لا تتجاوزوا حدوده، ولا تضيعوها، وهذا يدل على الوجوب، لا على ما اختلفنا فيه.
٨٦٢١ - وقد روى الفريابي، عن سفيان، عن عاصم، قال: (سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة، فقال: كانا من مشاعر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرًا فإن الله شاكر عليم﴾.
следующие страницы →