Полный текст (6 324 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
إلا على فعل الصلاة.
٨٥٩٤ - ولأنه ركن من أركان الحج يعني الطواف، فكان من توابعه ما هو واجب، كالوقوف.
٨٥٩٥ - فإن قيل: المعنى في الرمي: أنه يختص بوقت، فلذلك كان واجبًا، فالصلاة في مسألتنا ليس لها وقت راتب.
٨٥٩٦ - قلنا: واجبات الحج منها: ما له وقت راتب، ومنها: ما يتقدم فعله عليه، ولا يختص بنفسه في وقت، كالسعي.
٨٥٩٧ - ولأنها قربة لا يجوز تقديمها على فعل الطواف، كالسعي؛ ولأنها عبادة.
٨٥٩٨ - ولا يلزم صلاة الجنازة؛ لأن الصلاة المعهودة من جنسها ما يجب في الحج والعمرة؛ كالطواف، وقد أوجبناها.
٨٥٩٩ - احتجوا: بحديث طلحة بن عبيد الله) أن النبي ﷺ قال الأعرابي: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل علىَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع).
٨٦٠٠ - قلنا: خمس كتبهن الله تعالى، فقال: هل على غيرها مكتوبة؟ فركعتا الطواف واجبة غير مكتوبة.
٨٦٠١ - ولأنها وجبت عندنا بالآية، فيجوز أن يكون قبل نزول الآية.
٨٦٠٢ - قالوا: صلاة ذات ركوع ليس لها وقت راتب: فلم تكن واجبة بأصل الشرع، كصلاة الكسوف.
٨٦٠٣ - قلنا: إن كان التعليل للجملة: فلا نسلم الوصف؛ لأن طواف الحج عندنا موقت بأيام النحر، والركعتان تتعقبها، فهي مؤقتة بتوقيته.
٨٦٠٤ - ولأن المعنى في صلاة الكسوف: أنها لا ترتب على فعل هو [نسك] فلم تكن واجبة بحكم النسك، ولما كانت هذه الصلاة مرتبة على نسك وترتب عليها،
стр. 1787
جاز أن يجب بحكم النسك.
٨٦٠٥ - قالوا: الصلاة الواجبة بأصل الشرع ما كانت أصلاً بنفسها غير تبع لغيرها، كالصلاة الراتبة، فلما كانت هذه تبعًا لغيرها ثبت أنها غير واجبة بأصل الشرع.
٨٦٠٦ - قلنا: سائر التوابع لما كان تبعًا لغيرها ولا ترتب عليها واجب لم يجب، ولما كان هاهنا يترتب عليها، كانت الركعتان واجبتين وتبعها واجب؛ دل أن التفرقة بينهما ومفارقتهما لتوابع الصلوات.
* ... * ... *
стр. 1788
مسألة ٤٧٠
السعي بين الصفا والمروة ليس بركن بل هو واجب
٨٦٠٧ - قال أصحابنا: السعي بين الصفا والمروة ليس بركن، بل هو واجب، فإن تركه، فعليه دم.
٨٦٠٨ - وقال الشافعي: هو ركن، وإن ترك شوطًا منه لم يتحلل أبدًا.
٨٦٠٩ - لنا: قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ وهذا اللفظ يقتضي الإباحة.
стр. 1789
٨٦١٠ - وفي قراءة ابن مسعود، وابن عباس ﵁: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)، وهذا ينفي الوجوب.
٨٦١١ - فإن قيل: الآية خرجت على سبب، وهو أنه كان عليه أصنام إساف، ونائلة، وكانت الجاهلية تطوف بكل واحد منهما، فلما جاء الإسلام تخرج الناس عن الطواف، فنزل القرآن بإباحة ذلك.
٨٦١٢ - قلنا: خروجه على هذا السبب لا يمنع الاستدلال بالظاهر على نفي الوجوب؛ لأن السعي لو كان واجبًا لم يذكر لفظ الإباحة، بل يذكر الوجوب، فيفهم الإباحة بمضمونه.
٨٦١٣ - فإن قيل: قد اتفقنا على ترك ظاهرها؛ إذا السعي عندكم واجب، وليس بمباح.
٨٦١٤ - قلنا: قد دلت الآية على نفي الوجوب ومنعه من كونه ركنًا، فإن الدليل على غير الوجوب نفي المعنى الآخر، وهو الركن على ظاهره.
٨٦١٥ - قالوا: قوله تعالى: ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه﴾، كلام تام دل على جواز الإفراد والتمتع، وقوله: ﴿أن يطوف بهما﴾ ابتداء كلام، كأنه قال: عليه أن يطوف بهما.
٨٦١٦ - قلنا: هذا غلط؛ لأن قوله: ﴿فمن حج البيت﴾ جواب الشرط في قوله: ﴿إن الصفا والمروة﴾، فلا يجوز أن يحمل على إباحة الإفراد، والتمتع؛ لأنه ينقطع عن الشرط,
٨٦١٧ - ثم قوله: ﴿أن يطوف بهما﴾ لا يصح الابتداء به، فلابد أن تعلق بقوله: ﴿فلا جناح عليه﴾ حتى يستقل.
٨٦١٨ - قالوا: فالآية نزلت في الطواف بهما، والخلاف في الطواف بينهما.
٨٦١٩ - قلنا: لم يثبت في الإسلام طواف يتعلق بالصفا والمروة، إلا الطواف بينهما، يبين ذلك: ما روى ابن شهاب، عن عروة، قال: سألت عائشة
стр. 1790
[﵂]، فقلت: أرأيت قول الله : ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾؟ قال: فقلت لعائشة: والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بين الصفا والمروة، قالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أخي، لو كان كذا، لكانت الآية: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما إلى أن قالت: (ثم قد بين رسول الله ﷺ الطواف بهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بهما)؛ فقد فهمت عائشة، وعروة أن المراد بالآية: الطواف بينهما، وجعلت عائشة ذلك بيانًا.
٨٦٢٠ - فإن قيل: قوله تعالى:- ﴿من شعائر الله﴾، ثم قال: ﴿لا تحلوا شعائر الله﴾ يدل على الوجوب؛ قلنا: الشعائر العلامات، ومنه: الشعائر في الحرب، فجعلها من علامات الدين بقوله: ﴿لا تحلوا شعائر الله﴾، معناه: لا تتجاوزوا حدوده، ولا تضيعوها، وهذا يدل على الوجوب، لا على ما اختلفنا فيه.
٨٦٢١ - وقد روى الفريابي، عن سفيان، عن عاصم، قال: (سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة، فقال: كانا من مشاعر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرًا فإن الله شاكر عليم﴾.
стр. 1791
٨٦٢٢ - ولأنها قربة لا يجوز تقديمها على الطواف: فلم يكن ركنًا، كالركعتين.
٨٦٢٣ - ولأنه نسك ذو عدد لا يتعلق باليت كالرمي.
٨٦٢٤ - ولأنه نسك لا يتكرر في الإحرام، فلم يكن ركنًا فيه، كالحلق.
٨٦٢٥ - ولأنه لو كان ركنًا، لتكرر من جنسه ما هو واجب ليس بركن، كالوقوق بعرفة والطواف، فلما لم يتكرر في الإحرام، لم يكن ركنًا.
٨٦٢٦ - ولا يلزم على هذا الإحرام؛ لأنا قلنا: ركن في الإحرام.
٨٦٢٧ - ولأنه يقع عندنا بالتلبية، وهي تتكرر.
٨٦٢٨ - ولأنه نسك يفعل بعد طواف الزيارة وقبله، فلم يكن ركنًا، كالرمي.
٨٦٢٩ - ولأنهما نسكان اتفقا في الاسم واختلفا في المكان، فكان أحدهما ركنًا، والآخر ليس بركن، كالوقوف بعرفة والمزدلفة.
٨٦٣٠ - قالوا: المعنى في الوقوف والرمي: أنه من توابع الوقوف بعرفة، بدلالة أنه يسقط بسقوطه، فرمي به الحج، وليس كذلك/ السعي، فإنه أصل في نفسه غير تابع لغيره، ألا ترى: أنه يصح بعد طواف القدوم وبعد طواف الزيارة.
٨٦٣١ - قلنا: والسعي إنما هو تابع، بدلالة: أنه لا يفعل إلا بعد تقدم طواف [عليه، إما طواف] القدوم، أو طواف الزيارة، وإذا كان تبعًا: لم يكن ركنًا، يبين ذلك: أنه لا يصح فعله إلا بعد تقدم طواف، فلما انفرد الطواف عنه لم يصح إلا بتقدمه، ويجوز أن يكون الطواف المتقدم عليه فرضًا، ويجوز أن يكون نفلاً، فلو كان نفلاً، لم يقف على ما تقدم ما ليس بفرض عليه.
стр. 1792
٨٦٣٢ - فإن قيل: [الطواف لا يصح بتقدم الوقوف وإن كان ركنًا.
٨٦٣٣ - قلنا: تقدم الوقوف يفسد التحريمة التي بها يصح الطواف، فيسقط الطواف لذلك.
٨٦٣٤ - فإن قيل]: السجود لا يصح إلا بعد تقدم الركوع، وهو ركن.
٨٦٣٥ - قلنا: صحة كل واحد منهما تتعلق بصحة الآخر، فجريا مجرى واحدًا، وصحة الطواف لا تقف على السعي.
٨٦٣٦ - ولأن عدم كل واحد من الركوع والسجود بعد التحريمة التي بها يصح الآخر، فلذلك لا يصح، وهذا لا يوجد في الطواف والسعي.
٨٦٣٧ - وأما الدليل على أن الدم يقوم مقام السعي؛ لأنه نسك ذو عدد لا يتعلق بالبيت، فجاز أن يقوم الدم مقامه، [كالرمي.
٨٦٣٨ - ولأنه نسك يختص بالحرم لا يجب فيه الطهارة: فجاز أن يقوم الدم مقامه]، كالوقوف بالمزدلفة.
٨٦٣٩ - ولأنه نسك في الإحرام، وكان من جنسه ما يقوم مقامه، كالوقوف والطواف.
٨٦٤٠ - احتجوا: بحديث عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجراة، إحدى نساء بني عبد الدار، قالت: (دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى، وإن مئزره ليدور من شدة السعي، حتى لأقول: إني لا أرى ركبتيه وسمعته يقول: (اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي).
стр. 1793
٨٦٤١ - قلنا: مدار هذا الحديث على عبد الله بن المؤمل، قال ابن المنذر: وقد تكلم فيه، فرواه عن صفية بنت شيبة مرة، ومرة يرويه عن امرأة أدركت النبي ﷺ ، ومرة عن نسوة من بني عبد الدار، ومرة عن صفية بنت أبي تجراة، وفي بعض الأخبار حبيبة بنت أبي تجراة، فهذا اضطرب في إسناده، وفي متنه أيضًا؛ لأنها مرة تقول: دخلت دار آل أبي حسين ومرة تقول: كنت في خوخة، وعامة الأخبار فيها: أن النبي ﷺ لما انتهى إلى السعي قال: (اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي).
٨٦٤٢ - وفي بعض الأخبار عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدثتني صفية بنت شيبه عن امرأة، يقال لها حبيبة بنت أبي تجراة، قالت: دخلت دار آل أبي حسين ومعي نسوة من قريش، والنبي ﷺ يطوف بالبيت، حتى إن ثوبه ليدور به، وهو يقول لأصحابه: اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي)، وهذا يقتضي السعي الذي في الطواف، فهذا اضطراب في المتن، ثم هذه المرأة مجهولة لا تعرف، وكيف يقول رسول الله ﷺ ذلك لأصحابه: (اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي)، ولا ينقله أحد منهم حتى تنقله امرأة لا تعرف، ولا ينقله عنها إلا امرأة، ثم لو ثبت اقتضى [وجوب السعي في بطن الوادي الذي أشار ﵊ إليه، وذلك
стр. 1794
السعي ليس بواجب بالاتفاق، فإذا سقط وجوب النظر سقط] وجوب ما دل عليه.
٨٦٤٣ - ولأن أكثر ما فيه أنه يدل على الوجوب، وقد بينا أن واجبات الحج تنقسم، فمنها: ما يقوم الدم مقامه، ومنها: ما لا يقوم الدم مقامه، فليس في ثبوت الحج ووجوبه ما يدل على أن الدم لا يقوم مقامه.
٨٦٤٤ - قالوا: مشي ذو عدد، أو مشي متكرر في مكان واحد، فكان ركنًا في الحج، كالطواف.
٨٦٤٥ - قلنا: المعنى في الطواف: أنه متعلق بالبيت، أو يجب له الطهارة، [فلما كان السعي نسكًا متكررًا، أو لا يتعلق بالبيت، أو نسكًا متكررًا لم تجب له الطهارة]، لم يكن ركنًا، كالرمي.
٨٦٤٦ - أو نقول: المعنى في الطواف: أن صحته لا تقف على تقدم ما ليس بواجب عليه، فجاز أن يكون ركنًا، ولما كان صحة السعي موقوفة على تقدم نسك تامة يكون ركنًا وتارة يكون عند ركن لم يكن في نفسه ركنًا.
٨٦٤٧ - ولأن السعي لو كان ركنًا كالطواف، صار أفعال العمرة كلها أركانًا، وكل عبادة لها تحليل وتحريم، فإنها تشتمل: على بعضها ركن وبعضها ليس بركن، كالصلاة وغيرها. ولأن الطواف لما كان ركنًا في الحج يكون من جنسه ما هو واجب ليس بركن، ولما لم يتكرر في الحج سعي ليس بركن، [دل: أنه ليس بركن]
٨٦٤٨ - قالوا: نسك في الحج والعمرة على صفة واحدة، فوجب أن لا ينوب عنه، [الدم، كالإحرام.
٨٦٤٩ - وربما قالوا: نسك يدخل في الحج والعمرة، فوجب أن لا ينوب عنه]؛
стр. 1795
أصله: الطواف.
٨٦٥٠ - قالوا: ولا يلزم الحلق؛ لأنه ليس بنسك على أحد القولين، وعلى القول الآخر: لا يقوم مقامه الدم، ولا يتحلل إلا بالحلق أو التقصير.
٨٦٥١ - قلنا: الإحرام والطواف كل واحد منهما نوع لا يفعل على طريق التبع لغيره، وليس كذلك السعي؛ لأنا بينًا: أنه تابع للطواف، فلم يجز أن يسوي بين التابع والمتبوع؛ ولأن استلام الركن نسك في الحج والعمرة على هيئة واحدة ثم سقط من غير أن يقوم مقامه شيء آخر، فلا يمنع أن يكون هذا نسكًا يدخل في الإحرامين ويقوم مقامه الدم.
* ... * ... *
стр. 1796
مسألة ٤٧١
الحلق نسك يقع به التحلل
٨٦٥٢ - قال أصحابنا: الحلق نسك يقع به التحليل من الإحرام.
٨٦٥٣ - وهو أحد قولي الشافعي، وقال في قول آخر: الحلق محظور، وليس بنسك.
٨٦٥٤ - لنا: قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين﴾، فعبر عن الإحرام بالحلق والتقصير، ولا يعبر عن العبادة إلا بما هو من أفعالها ومقصوده فيها، كقوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر﴾.
٨٦٥٥ - وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ [قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟] قال:
стр. 1797
اللهم ارحم المقصرين)، والدعاء لا يستحب إلا بفعل مباح.
٨٦٥٦ - فإن قيل: إنما دعا؛ لأن الحلق ترفة، وهو بطانة الطواف.
٨٦٥٧ - قلنا: هذا المعنى لا يوجد في المقصرين، وقد دعا لهم.
٨٦٥٨ - ولأنها عبادة لها تحليل وتحريم، فوجب أن يقع التحليل منها بمعنى محظور عليه فيها، كالصلاة.
٨٦٥٩ - ولأن الإحرام أحد نوعي النسك: فوجب أن يكون فيها واجب ليس بركن لإحرام. ولأن العمرة والحج يتساويان فيما يقع به التحريم: فوجب أن يتساويا فيما وقع به التحليل كالصلاة. ولو قلنا: إن الحج يقع التحليل منه بالرمي، اختلفا فيما يقع به التحليل.
٨٦٦٠ - احتجوا: بأن الحلق فعل حرمه الإحرام ويجب به الفدية، فإذا استباحه وجب أن لا يكون نسكًا؛ أصله: الطيب، واللباس، والاستمتاع.
٨٦٦١ - قلنا: ليس إذا لم يشرع بعض محظورات العبادة التحلل منها لم يشرع جميعها، كما أن الصلاة وضع للتحليل منها السلام، وهو محظور قبل موضوعه، - ثم لم [يدل ذلك على أن جميع محظوراتها مشروعة للتحلل.
٨٦٦٢ - والمعنى فيما ذكروه: أن الشرع لم] يرد باستحقاق الثواب عليه: فلم يكن نسكًا، ولما ورد الشرع باستحقاق الثواب على الحلق والتقصير:
стр. 1798
دل على أنه نسك.
٨٦٦٣ - قالوا: لو كان الحلق نسكًا، كان إذا فعله قبل وقته: لا يوجب الفدية ولكان لا يعتد به كسائر المناسك، وكنسك أفعال الصلاة إذا قدمها على موضعها، إما أن يفسدها، أو لا يجب الجبران.
٨٦٦٤ - قلنا: سائر المناسك الحظر فيها قبل وقتها، فأما الحلق فهو محظور قبل وقته، فإذا فعله: [تعلق به الجبران، وأما الصلاة] فقد حظر [فيها فعل ما ليس منها، أو فعل ما هو منها قبل وقته]، فإذا فعله: وجب الجبران.
* ... * ... *
стр. 1799
مسألة ٤٧٢
مقدار الحلق الذي يقع به التحليل
٨٦٦٥ - قال أصحابنا: لا يقع التحليل بحلق أقل من ربع الرأس.
٨٦٦٦ - وقال الشافعي على القول الذي يقول: إن الحلق نسك، إذا حلق ثلاث شعرات، أجزأه.
٨٦٦٧ - لنا: قوله ﵊: (أول نسكنا في هذا اليوم الرمي، ثم الذبح، ثم الحلق).
٨٦٦٨ - وقد روي: أنه قال لأصحابه: (اذبحوا واحلقوا)، وإطلاق اسم الحلق لا يتناول ثلاث شعرات.
стр. 1800
٨٦٦٩ - ولأنه قدر لو غطاه المسلم من رأسه: لم يجب به الدم، فلا يقع التحليل بحلقه، أصله: الشعرتان.
٨٦٧٠ - ولأنه حكم يتعلق بالرأس: فلا يتعلق بثلاث شعرات، أصله [الموضحة، والمسح.
٨٦٧١ - ولأن كل حكم لا يتعلق بحلق الرأس، لا يتعلق بثلاث شعرات؛ أصله]: وجوب الدمين.
٨٦٧٢ - ولا يقال: المعنى فيه: أنه لا تعلق بحلق الربع؛ لأن عندنا يجب على القارن بحلق ربع رأسه دمان.
٨٦٧٣ - ولم يذكروا في هذه المسألة ما يجوز؛ لأنه أصلية؛ لأنهم قالوا: إن اسم الحلق يقع على هذا، وهذا موضع لا نسلمه، اللهم إلا أن يقولوا قوله تعالى: ﴿محلقين رءوسكم ومقصرين﴾ المراد به: شعر رءوسكم، فيجب أن يحلق ما هو جميع.
٨٦٧٤ - قلنا: إذا أضاف النكرة، تعرفت بالإضافة، وكأنه قال: جميع شعر رءوسكم، فيقتضي ذلك وجوب الجميع إلا ما منع منه مانع.
* ... * ... *
стр. 1801
مسألة ٤٧٣
٨٦٧٥ - قال أصحابنا: من لم يكن على رأسه شعر، له أن يجري الموسى على رأسه.
٨٦٧٦ - وقال الشافعي: إن كان على رأسه ولو شعرة لزمه حلقها أو نتفها، وإن لم يكن فليس عليه إمرار الموسى.
٨٦٧٧ - لنا: ما روى ابن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال في المحرم) إذا حضره وجوب الحلق أو التقصير وليس على رأسه شعر، أجرى الموسى على رأسه).
٨٦٧٨ - وقولهم: إنه موقوف على ابن عمر: فقد رواه الدارقطني مسندًا، ولو ثبت أنه موقوف: فلا يعرف لابن عمر في ذلك مخالف.
٨٦٧٩ - فإن قيل: نحمله على من بقي على رأسه شعرات؛ لأن في العادة لابد أن يبقى.
стр. 1802
٨٦٨٠ - قلنا: ذلك حلق وإجراء والحلق يقتضي وجوب الإجراء.
٨٦٨١ - ولأن كل قربة تتعلق بشعر الرأس عند وجوده، تتعلق بالبشرة حال عدمه كالمسح.
٨٦٨٢ - فإن قيل: المسح يتعلق بالبشرة لا بالشعر، بدلالة: أنه لو أجرى على موضع الحلق وهنالك شعر عدل عنه، لم يجز.
٨٦٨٣ - قلنا: الحكم الذي يؤيده في الأصل الجواز، وهو حكم يتعلق بالشعر عند وجوده، بدلالة: [أنه لو مسح على الشعر] وبعض رأسه أصلع، جاز.
٨٦٨٤ - وهذا الحكم الذي هو الجواز تعلق بالبشرة إذا عدم الشعر، ويؤيد الحكم في الفرع الوجوب، وهو حكم متعلق بالشعر، فوجب أن يتعلق بالبشرة إذا عدم الشعر.
٨٦٨٥ - ولأنه محرم، فلا يتحلل إلا بالحلق، أو ما يقوم مقامه، كمن على رأسه شعر.
٨٦٨٦ - ولأنها عبادة يجب بإفسادها الكفارة، فجاز أن يؤمر بالسنة ببعض أفعالها، كالصوم
٨٦٨٧ - احتجوا: بأنه فرض يتعلق بجزء من بدنه، فإذا عدم الجزء: وجب أن يسقط الفرض؛ [أصله: إذا قطع عضو من أعضاء الطهارة.
٨٦٨٨ - قلنا: هناك زال ما يتعلق به الفرض]: فلم يبق له محل، أما هنا ما يتعلق به الفرض باق: فتعلق الفرض بالمحل، كمن ستر جلده في موضع الطهارة،
стр. 1803
فإنه يتعلق الفرض بمحل الجلد.
٨٦٨٩ - قالوا: الشعر محرم أخذه في أثناء الإحرام، ويجب أخذه في آخره، فإذا حرمناه، لم يقم إمرار الموسى من غير حلق مقامه في [التحريم، وكذلك إذا أوجبناه، وجب أن لا يلزم إمرار الموسى من يأمر حلق مقامه في] الوجوب.
٨٦٩٠ - قلنا: لا نسلم أن المحرم أبيح له إجراء الموسى في حال الإحرام إذا كان أصلعًا بل يحرم ذلك عليه.
٨٦٩١ - فإن قيل: لا يلزمه به فدية.
٨٦٩٢ - قلنا: لأنها تتعلق بالترفه الذي يحصل بالحلق أو يتعلق بإتلاف الشعر، وهذا لا يوجد في إمرار الموسى.
* ... * ... *
стр. 1804
مسألة ٤٧٤
طواف القارن وسعيه
٨٦٩٣ - قال أصحابنا: القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين.
٨٦٩٤ - وقال الشافعي: طوافًا (واحدًا)، وسعيًا (واحدًا).
٨٦٩٥ - لنا: قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، والحج يشتمل على أفعال معروفة، والعمرة كذلك فإتمامهما أن يستوفي أفعالهما والأمر على الوجوب.
стр. 1805
٨٦٩٦ - فإن قيل: روى عن عمر، وعلي: (إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك).
٨٦٩٧ - قلنا: ذكرا ما لا يدل ظاهر الآية عليه، وسكتا عما يدل عليه الظاهر من الإتمام، ويدل عليه: ما روى عمر، وعلي، وابن مسعود، وعمران بن الحصين: (أن النبي ﷺ قرن بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين وسعى سعيين).
٨٦٩٨ - قالوا: ذكر الدارقطني أن حديث علي، يرويه حفص بن أبي داود، وهو ضعيف، وابن أبي ليلى ردئ الحفظ.
٨٦٩٩ - قلنا: حفص بن أبي داود، وهو حفص بن سليمان المقرئ، إمام القراء، قال يحيى بن معين: ثقة؛ فلا يلتفت إلى طعن الدارقطني معه، فأما ابن أبي ليلى: فهو فقيه ثقة، يروي أصحابنا عنه.
стр. 1806
٨٧٠٠ - قال الدارقطني في حديث عمران بن الحصين: رواه محمد بن يحيى الأزدي من حفظه، فوهم فيه، والصواب بهذا الإسناد: أن النبي ﷺ قرن الحج والعمرة، وقد حدث به محمد بن يحيى الأزدي على الصواب.
٨٧٠١ - قلنا: هذا حديث صحيح، فلما لم يجد طريقًا يطعن به في رجاله جاء بشيء من عنده ليس بطعن، فإنه ذكر: أنه رواه مرة بهذه الزيادة، وسكت عنها مرة.
٨٧٠٢ - وهذه رواية بعض الحديث تارة، وتمامه أخرى، والحديث إسناده أحسن إسناد روي في هذا الباب؛ لأنه يرويه شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف، عن عمران بن الحصين، وهذا إسناد لا مزيد عليه.
٨٧٠٣ - فإن قيل: فعله ﵊ لا يدل على الوجوب.
٨٧٠٤ - قلنا: فعله ورد مورد البيان؛ لأن القرآن مجمل.
٨٧٠٥ - ولأنه إنما يصح هذا السؤال لو كان عندهم مخيرًا بين الأمرين، فأما الطواف والسعي، فلا يجوز أن ينتقل به، فمن فعله لم يقع فعله إلا واجبًا.
٨٧٠٦ - قالوا: قرن بمعنى: أتى بأحد الإحرامين بعد الآخر.
٨٧٠٧ - قلنا: اسم القران في الشرع موضوع للجمع بين الإحرامين، فلم يجز حمل الاسم على ما لم يوضع له في الشرع.
٨٧٠٨ - ولأنه محرم بالحج والعمرة، فوجب أن يلزمه لكل واحد منهما طواف وسعي مفرد، كالتمتع.
٨٧٠٩ - ولأنه أحد نوعي التمتع، فكان فيه طوافان ركنان، كالتمتع الآخر.
стр. 1807
٨٧١٠ - واحتج محمد بن الحسن، فقال: هذا القول يوجب أن يحرم الإنسان بعبادة، ولا يعمل لها عملاً حتى يتحلل منها، ثم يأتي بأفعالها، وهذا لا يصح كسائر العبادات، يبين ذلك: أنه يحرم بالعمرة ثم يحلل منها، ويقع في أعمالها بعد التحلل، وهذا الطواف والسعي.
٨٧١١ - ولأن بقاء طواف العمرة يمنع التحلل، [وبقاء طواف الحج لا يمنع التحلل، فلو قام طواف الحج مقام طواف العمرة: لم يصح التحلل] من الطيب والمخيط.
٨٧١٢ - ولأن الوطء متى حصل في العمرة قبل الطواف أفسدها، والوطء قبل طواف الحج لا يفسده، فلما اختلف وقت الطوافين وحكمهما: لم يقم أحدهما مقام الآخر.
٨٧١٣ - فإن قيل: هذه الأحكام تثبت للعمرة إذا انفردت، فإذا أتى الحج، صارت تبعًا، فتعين ترتيبها الذي ثبت لها في حال الانفراد، وصار الحكم لترتيب المتبوع، كما نقول في الوضوء والغسل، إذا اجتمعا، تداخلا، وسقط ترتيب الوضوء.
٨٧١٤ - قلنا: عندكم لا يتبع أحد الإحرامين، فلم يقع الطواف والسعي للعمرة كما يقع للحجة، وإذا لم يتبع أحدهما، لم يجز أن يتعين ترتيبهما.
٨٧١٥ - وأما الوضوء فيسقط مع الغسل، وتسقط أحكامه لسقوطه.
٨٧١٦ - ولأن القران جمع الحج إلى العمرة، فإذا لم يتعين ترتيب أفعال أحدهما بالجمع، كذلك لا يتعين ترتيب أفعال الآخر.
٨٧١٧ - ولأن كل ما اسقط به وجوب الحج والعمرة، كان الركن فيها طوافين، أصله: الإفراد.
٨٧١٨ - وهذه المسألة مبنية على: أن القارن إذا وقف بعرفات قبل أن يطوف: صار رافضًا العمرة، فلا يجوز أن يقوم طواف الحج مقام العمرة التي قد بطلت.
стр. 1808
٨٧١٩ - احتجوا: بما روى سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة [﵂] (أن النبي ﷺ قال لها: طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجتك وعمرتك).
٨٧٢٠ - قلنا: عائشة ﵂ كانت مفردة بالحج؛ بدلالة: أنها لما حاضت (أمرها رسول الله ﷺ أن تنقض رأسها، وتمتشط، وترفض العمرة، وتقصر الرأس)، والامتشاط يمنع منه الإحرام، وأنه لا يخلو من قطع الشعر، يبين ذلك: أنه لو لم يكن الرفض، لم يكن للأمر معنى.
٨٧٢١ - ولا يقال: قوله: (ارفضي عنك العمرة) بمعنى أخري أفعالها؛ لأن هذا ليس [برفض ولا يقال: قد قال الشافعي: لا يعرف في الشرع رفض العمرة بالحيض].
٨٧٢٢ - قلنا: ما رفضت بالحيض، لكنها أفعالها تعددت وأرادت الإحرام بالحج، وكانت تصير رافضة بالوقوف، وأمرها بتعجيل الرفض، حتى لا تدخل في الوقوع لوقوع الرفض.
٨٧٢٣ - فإن قيل: لو كان كذلك، لأمرها بالقضاء من الميقات، وأمرها بالدم.
٨٧٢٤ - قلنا: لا يجب القضاء عندنا من الميقات، وأما الذبح: (فقد ذبح النبي ﷺ عن نسائه في ذلك العام)؛ فإذا قد ذبح عنها.
стр. 1809
٨٧٢٥ - فإن قيل: روى الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، القصة بطولها، وذكر فيها: أن النبي ﷺ دخل على عائشة يوم التروية، فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ فقالت: شأني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى البيت الآن وإلى الحج. فقال ﵊: فإن هذا أمر كتبه الله تعالى على بنات آدم فاغتسلي، ثم أهلي بالحج، ففعلت، ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة، ثم قال: (قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا، فقالت: يا رسول الله إني أجد من نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وذلك ليلة الحصبة)، فلم يذكر هذا الحديث للرفض، وذكر التحليل بالطواف منهما.
٨٧٢٦ - قلنا: قد روى هذا الحديث عطاء بن أبي رباح، عن جابر، وخالف أبا الزبير فيه، فقال: (لما طهرت وأفاضت، قالت: يا رسول الله أتنطلقون بحجة وعمرة، وأنطلق بالحج، فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر: أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج في ذي الحجة)، وهذا يدل على رفضها لعمرتها، حتى قالت: (ارجع بحجة واحدة، فإذا ثبت أنها رفضت عمرتها، فقوله ﵊ طوافك بالبيت يكفيك بحجك وعمرتك)، يعني: لعمرتك المرفوضة، فإنه لا
стр. 1810
يجب للرفض طواف.
٨٧٢٧ - ويحتمل: طوافك بحجك وعمرتك في الثواب، فجعل ثواب هذا الطواف/ والسعي كطواف الحج وثواب طواف العمرة؛ لأنها قصدت النسكين، [وإنما رفضت بغير اختيارها.
٨٧٢٨ - فإن قيل: قولها (أكل نسائك يرجعن بنسكين)، يعني نسكين] مفردين: لم يصح؛ لأنا قد روينا: أنها أحرقت بحجة وعمرة وإنما أرجع بحج.
٨٧٢٩ - قالوا: روى مالك عن ابن عمر ﵃: (أن رسول الله ﷺ قال: (من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف، وسعي واحد، ولا يحل من واحد منهما حتى يحل منهما جميعًا).
٨٧٣٠ - قلنا: هذا الحديث رواه عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر.
٨٧٣١ - وقد أجمع أهل العلم بالحديث، على أن حديث الدراوردي مضطرب، ولا يحتج به، ولا يلتفت إليه.
٨٧٣٢ - وقد روي هذا الحديث من لا طعن في روايته من أصحاب عبيد الله بن
стр. 1811
هشيم، وأوقفه على ابن عمر.
٨٧٣٣ - وقول ابن عمر ليس بحجة؛ لأنه خالفه علي، وابن مسعود، وعمران ابن الحصين، ثم لو ثبت، احتمل أن يكون طوافًا على صفة واحدة، وسعيًا على صفة واحدة، كما تقول: (أكرمتكما إكرامًا واحدًا، وخلع الأمير على فلان خلعة واحدة، معناه: أنها واحدة في الصفة والمقدار وإن كانت أكثر من واحدة في العدد.
٨٧٣٤ - ولأن طواف القارن يتأخر عن التحلل، والنبي ﷺ ذكر طوافًا وسعيًا يتقدم على التحلل، وذلك طواف القدوم، وعندنا لا يجب على القارن إلا واحد للقدوم.
٨٧٣٥ - فإن قيل: ذلك الطواف للحج، والنبي ﷺ ذكر طوافًا لهما.
٨٧٣٦ - قلنا: يجوز أن يقول لهما ويريد أحدهما، كقوله تعالى ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾.
٨٧٣٧ - احتجوا: بقوله ﵊: (أدخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة).
٨٧٣٨ - قلنا: يحتمل أنه أراد: أنه دخل وجوبها في وجوب الحج، ويحتمل: دخل وقت العمرة في وقت الحج؛ لأن المشركين كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج.
٨٧٣٩ - ويجوز أن يذكر العمرة والحج ويريد وقتهما، كما قال تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾، معناه: وقت الحج أشهر، فلا يجوز أن يكون المراد به: دخل
стр. 1812
أفعال العمرة في أفعال الحج؛ لأن الطواف يقع لهما، فليس بأن يقال: دخلت العمرة في الحج بأولى من أن يقال: دخلت الحجة والعمرة.
٨٧٤٠ - قالوا: يكفيه حلق واحد، فوجب أن يكفيه طواف واحد وسعي واحد، كالمفرد للحج والعمرة.
٨٧٤١ - قلنا: المتمتع إذا ساق الهدي لا يجوز عندنا أن يتحلل إلى يوم النحر، وعندهم إن أحرم بالحج ولم يتحلل، كفاه حلق واحد، ولم يكفه طواف واحد.
٨٧٤٢ - ولأن الحلق إنما تداخل للضرورة؛ بدلالة: أنه إذا حلق عند فراغه من العمرة صار جنسًا في إحرام الحج، فلم يكن بد من، تأخر الحلق، حتى يصح التحلل منهما، وإذا حلق تحلل من كل واحدة من العبادتين، فالحلق الثاني لا يقع به التحلل، فلذلك لم يؤمر به.
٨٧٤٣ - وأما الطواف: فإنه إذا طاف للعمرة لم يصر جانيًا في إحرام الحج، فلم يكن بنا ضرورة إلى التداخل.
٨٧٤٤ - والمعنى في المفرد: أنه يكتفي بنية واحدة، فكفاه طواف واحد، والقارن يلزمه نيتان، فلزمه طوافان، كالمتمتع.
٨٧٤٥ - قالوا: نسك من كل واحد من النسكين، فوجب أن يكتفي القارن بواحد منهما، كالحلق.
٨٧٤٦ - قلنا: المعنى في الحلق: أن وقت الإحرامين وقت واحد، فلذلك جاز أن يقع فيه التداخل، ووقت طواف العمرة [غير طواف الحج، ووقت طواف الحج] غير وقت طواف العمرة، بدلالة ما قدمنا، فلما اختلف وقتهما لم يتداخلا.
٨٧٤٧ - ولأن الحلق خروج من العبادتين بفعل واحد، كما يخرج بالأقل من الصلاة والصوم، ولم يوجب ذلك تداخل أفعالهما.
стр. 1813
٨٧٤٨ - ولأن الحلق اختلف في كونه نسكًا، فضعف حكمه، فتداخل، والطواف أجمع على كونه ركنًا، فقوي حكمه، فلم يتداخل.
٨٧٤٩ - قالوا: القارن يكتفي بقطع مسافة واحدة لهما، وإذا أفرد افتقر إلى قطع مسافتين، ويقتصر على إحرام واحد [وحلق واحد]، فثبت أنه على التداخل.
٨٧٥٠ - قلنا: لو أفرد لم يحتج إلى قطع مسافتين؛ لأنه يحرم بالعمرة من الميقات، وبالحج من مكة، فإذا اجتمع قدم إحرام الحج، فلم يتداخل بالمسافة.
٨٧٥١ - وأما الإحرام: فعندنا لا يتداخل، وإنما يحرم بإحرامين؛ لأن قوله: (لبيك بحجة وعمرة) اختصار، وتقديره: لبيك بعمرة ولبيك بحجة، فهو كقوله: رأيت الزيدين معناه: رايت زيدًا، ورأيت زيدًا، وإنما اختصرت كذلك التلبية.
٨٧٥٢ - ولأن التلبية إجابة دعوة إبراهيم ﵇، ويصح أن يجيب لجماعة بلفظ واحد عن شيئين استدعاهما منه.
٨٧٥٣ - على: أن القارن قد يأتي بإحرامين بالاتفاق، وإن أحرم بالعمرة ثم أدخل الحج عليها. ومع هذا لم يلزمه عندهم إلا طواف واحد؛ فلو كان التداخل كما ذكروه، لاحتاج ههنا إلى طوافين.
٨٧٥٤ - وأما الحلق فقد بينا: أنا تداخله ضرورة، وهذه الضرورة لا توجد في الطواف.
٨٧٥٥ - قالوا: ولو لم يكن على التداخل، لما صح أن يتلبس بهما: ألا ترى: أن الصلاتين لما لم تتداخلا، لم يصح أن يتلبس بهما معًا، كذلك الصوم والصلاة معًا، فلما ثبت أنه يتلبس بهما، دل على أنهما يتداخلان، كما قلنا في الوضوء والغسل.
٨٧٥٦ - قلنا: هذا دليل العكس، ومخالفنا لا يقول به، ثم هذا هو الدليل عليه؛ لأن الأمة اجتمعت على أن المضي في حجتين أو عمرتين لا يصح، وإن اختلفوا في
стр. 1814
انعقادهما.
٨٧٥٧ - وإنما لم يصح المضي؛ لأنه لو صح: تداخلت الأفعال، فوقع الوقوف عن الحجتين، والطواف عن العمرتين، ثم لا يصح ذلك، على أن موجب الجمع أن لا يتداخلا بخلاف ما نحن فيه. ولهذه العلة نقول: إنه لا يصح الدخول في ظهر وعصر، وفرض ونفل؛ لأنه لو صح الدخول فيهما: تداخلت أفعالهما؛ لأن القيام والقراءة لكل واحد من الصلاتين ينعقد بالتحريم، فركوعهما يتعقب القيام، ولهذا نقول لو أتى ينوي الصلاة والحج، دخل بالتلبية فيهما جميعًا؛ لأن أفعالهما لا تتداخل.
* ... * ... *
стр. 1815
مسألة ٤٧٥
لا يجوز الجمع بين الظهر والعصر بعرفة إلا مع الإمام
٨٧٥٨ - قال أبو حنيفة: لا يجوز الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، إلا مع الإمام، ويجوز للمقيم والمسافر مع الإمام.
٨٧٥٩ - وقال الشافعي: يُجمع بينهما مع الإمام ومفردًا، فأما إذا لم يكن مسافرًا سفرًا صحيحًا؛ ففيه قولان.
٨٧٦٠ - لنا: أن فرض العصر ثبت في وقتها بالإجماع، ولا يجوز إسقاطها أو إسقاط فرضها إلا بمثله.
٨٧٦١ - وقد أجمعوا: أنه إذا جمع مع الإمام جاز، واختلفوا فيه إذا انفرد، فلم يجز إسقاط فرض الوقت إلا باليقين.
٨٧٦٢ - ولأنها صلاة يدخل وقتها بالزوال؛ فجاز أن يشترط فيه الإمام، كالجمعة.
٨٧٦٣ - ولأن الظهر والعصر كل واحد منهما فرض نهار مقصود، فجاز أن يشترط
стр. 1816
فيه الإمام، كالجمعة.
٨٧٦٤ - ولأنه جمع بين صلاتي عرفة بغير إذن الإمام، كما لو صلاهما بنية مطلقة.
٨٧٦٥ - ولأن الصلاة على هذه الصفة اختصت بمكان وزمان في الشرع، فكان الإحرام شرطًا فيها، كالجمعة.
٨٧٦٦ - والدليل على أن الإمام يجمع المسافر والمقيم: (أن النبي ﷺ جمع بينهما، ولم يأمر أهل مكة أن يصلوا كل واحدة في وقتها)، ولو خالف حالهم فيها حاله لبين لهم، كما بين لهم وجوب الإتمام، كقوله ﵊: (أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر).
٨٧٦٧ - ولأن كل جمع لا يجوز للمقيم لا يجوز للمسافر، كالجمع بين الفجر والظهر.
٨٧٦٨ - ولأنه يحرم بالحج، فجاز له الجمع، كالمسافر.
٨٧٦٩ - احتجوا: بما روي عن ابن عمر ﵄: (أنه جمع بينهما مع الإمام على الانفراد)، ولا مخالف له.
٨٧٧٠ - قلنا: يجوز أن يكون لأجل السفر، وخلافًا للجمع المتعلق بإحرام الحج دون السفر.
٨٧٧١ - قالوا: كل صلاتين جاز الجمع بينهما بإمام، جاز بغير إمام، كالمزدلفة.
٨٧٧٢ - قلنا: هذا لا يسقط فرضًا من فروضها؛ لأن المغرب قد مضى وقتها
стр. 1817
والعشاء في وقتها، فلما لم يُسقط فرضًا من فورضها؛ لم يفتقر إلى الإمام، وفي مسألتنا: سقط فرض من فروضها، وهو الوقت، فافتقر إلى الإمام، كالجمعة.
٨٧٧٣ - قالوا: كل صلاتين جازتا مع الإمام على صفة، جازتا منفردتين على تلك الصفة، كالمنفرد.
٨٧٧٤ - قلنا: لا يمتنع أن يجوز مع الإمام من الصلاة ما لا يجوز مع الانفراد، كالجمعة، والمعنى في الصلاة المنفردة: أنه لم يسقط فرض من فروضها، فلم يفتقر إلى الإمام، وفي مسألتنا بخلافه.
* ... * ... *
стр. 1818
مسألة ٤٧٦
لا يجوز الجمع إلا لمحرم بالحج
٨٧٧٥ - قال أصحابنا: لا يجوز الجمع إلا لمحرم بالحج.
٨٧٧٦ - وقال الشافعي: يجوز للمحرم، والمحل بالعمرة إذا كان مسافرًا.
٨٧٧٧ - وهذه المسألة مبنية على: أن الجمع بين الصلاتين لأجل السفر لا يجوز.
٨٧٧٨ - ولأنهما صلاتا فرض؛ فلا يجوز الجمع بينهما في وقت إحداهما لغير الحاج، كالعشاء والفجر.
٨٧٧٩ - ولأن كل جمع لا يجوز للمقيم لا يجوز للمسافر، كالفجر والظهر.
٨٧٨٠ - قالوا: كل مسافر جاز له القصر، جاز له الجمع، كالمحرم.
٨٧٨١ - قلنا: المحرم يجوز له الجمع ليصل الوقوف والدعاء من غير فصل، وهذا لا يوجد في المحرم بالعمرة.
* ... * ... *
стр. 1819
مسألة ٤٧٧
إذا أفاض من عرفة قبل غروب الشمس فعليه دم
٨٧٨٢ - قال أصحابنا: إذا أفاض من عرفة قبل غروب الشمس: فعليه دم. فإن عاد والإمام واقف فوقف معه: سقط عنه الدم. وإن عاد بعد مجاوزة الإمام عرفة: يسقط عنه الدم في إحدى الروايتين.
٨٧٨٣ - وذكر ابن شجاع عن أصحابنا: أنه يشقط. فمن أصحابنا من قال: إن الركن هو جزء من وقوف، نهارًا أو ليلاً، فإن عينه بالنهار فجزء من الليل واجب.
٨٧٨٤ - ومن أصحابنا من قال: استدامة الوقوف إلى الليل أحب.
٨٧٨٥ - وقال الشافعي في القديم، والأم: إذا دفع قبل غروب الشمس: فعليه دم.
٨٧٨٦ - وقال في الإملاء: يستحب له الهدي، ولا يجب عليه.
стр. 1820
٨٧٨٧ - والدليل على وجوب الوقوف في جزء من الليل: ما روي في حديث محمد بن قيس بن مخرمة: (أن رسول الله ﷺ قال وهو بعرفة: أيها الناس، إن هذا يوم الحج الأكبر، وإن أهل الجاهلية كانوا يفيضون من عرفات قبل أن تغيب الشمس حتى تعمم على رؤوس الجبال، كأنها عمائم الرجال في وجوههم، فلا تعجلوا، فإنا ندفع بعد غيوبها، هدينا يخالف هدي أهل الشرك والأوثان).
٨٧٨٨ - ولأن (النبي ﷺ وقف إلى غروب الشمس ثم دفع)، وفعله بيان.
стр. 1821
٨٧٨٩ - ولأن الحج يشتمل على أركان وغير أركان، فإذا كان في غير الأركان، كما يختص الليل وهي البيتوتة ليلة المزدلفة وليالي منى، وجب أن يكون في الأركان، كما يختص الليل أيضًا.
٨٧٩٠ - ولأنه أحد الزمانين، فوجب فيه الوقوف، كالآخر.
٨٧٩١ - والدليل على الطريقة الأخرى: وهو أن المداومة واجبة، أن ما ترتب على ركن في الحج كان واجبًا، كالسعي.
٨٧٩٢ - ولأنه ركن في الإحرام، فوجب امتداده، كالطواف.
٨٧٩٣ - وإذا ثبت وجوب الوقوف ليلاً، أو وجوب المداومة إلى الليل، فإذا ترك ذلك: لزمه دم؛ لحديث ابن عباس ﵁: (أن النبي ﷺ قال: من ترك نسكًا فعليه دم).
٨٧٩٤ - ولأنه ركن من أركان الحج، فجاز أن يجب الدم متى أخل به في المكان المأمور به فيه، كالإحرام إذا تجاوز به الوقت.
٨٧٩٥ - ولأنه دم مأمور بإراقته لترك فعل في الإحرام، فكان واجبًا، كدم المأمور به لترك الإحرام في الوقت، وترك الرمي.
٨٧٩٦ - احتجوا: بأن الوقوف شرع نهارًا، والليل تابع، فإذا كان من وقف ليلاً لم يدرك النهار، لم يلزمه شيء، فإذا ترك الليل ووقف النهار أولى أن لا يجب.
٨٧٩٧ - قلنا: الركن إما أن يقف بالنهار أو الليل، والواجب جزء من الليل، فإذا وقف نهارًا، فقد فعل الركن وترك الواجب، وإذا وقف ليلاً، فالجزء الأول هو الركن، والثاني هو الواجب، فقد أتى بالأمرين.
٨٧٩٨ - تبين الفرق بينهما: أنه يُستحب الدم عندهم في مسألتنا، فلا يُستحب عندهم إذا وقف ليلاً، فكل فرق يفرقون في معنى الاستحباب، فهو فرقنا في الوجوب.
стр. 1822
٨٧٩٩ - قالوا: دفع من موقف قبل الإمام، كما لو دفع من مزدلفة قبل الإمام.
٨٨٠٠ - قلنا: لا فرق بينهما؛ لأنه لو دفع من عرفة قبل الإمام وقد وقف حتى غربت الشمس، لم يجب عليه شيء؛ لأنه فعل الوقوف الواجب، وكذلك إذا وقف بمزدلفة بعد الفجر ثم دفع قبل الإمام، فقد دفع بعد الوقوف فالواجب لا يلزمه شيء، وإن أفاض قبل غروب الشمس، فعليه دم؛ لأنه ترك وقوفًا واجبًا، فهو كما لو دفع من المزدلفة قبل وقت الوقوف بالمزدلفة، يقوم الدم مقام جميعه، فلا يجوز أن يقوم مقامه شبه الدم منه، والوقوف بعرفة لا يقوم الدم مقامه، فجاز أن يقوم مقامه شبه الدفع منه.
* ... * ... *
стр. 1823
مسألة ٤٧٨
يجمع بين المغرب والعشاء بأذان وإقامة
٨٨٠١ - قال أصحابنا: يجمع بين المغرب والعشاء بأذان وإقامة.
٨٨٠٢ - وقال الشافعي في القديم: بأذان وإقامتين، وقال في الجديد: يجمع بينهما بإقامتين من غير أذان.
٨٨٠٣ - لنا: ما روى الزهري، عن سالم، عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ جمع بينهما بإقامة واحدة)، وهذا خلاف قرانه، ذكر هذا أبو داود عن مسدد.
стр. 1824
٨٨٠٤ - وذكر أبو الأحوص قال: حدثنا أشعث بن سليم، عن أبيه، قال: أقبلت مع ابن عمر من عرفات إلى المزدلفة، فلم يكن يفتر من التكبير والتهليل، حتى أتيت المزدلفة، فأذَّن وأقام، فصلى بنا المغرب ثلاث ركعات، ثم التفت إلينا، فقال: الصلاة، فصلى بنا العشاء ركعتين، قال: وأخبرني علاج بن عمرو بمثل هذا الحديث أي حديث ابن عمر، فقيل لابن عمر في ذلك، فقال: (صليت مع النبي ﷺ هكذا).
٨٨٠٥ - وروى أبو أيوب: (أن النبي ﷺ صلى بنا المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان وإقامة).
٨٨٠٦ - وروي سعيد بن جبير قال: (أفضنا مع عبد الله بن عمر من عرفات، فصلى بنا المغرب والعشاء بإقامة واحدة، والتفت إلينا، فقال: هكذا صلى بنا رسول الله ﷺ ).
٨٨٠٧ - ولأنه جمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، فوجب أن يؤديهما كصلاتي عرفة.
٨٨٠٨ - ولأنه وقت يجمع صلاتين: شفع ووتر؛ فوجب أن يؤذن فيه، كالعشاء والوتر.
٨٨٠٩ - ولأن الثانية مفعولة في وقتها، فإذا لم تفرد بالأذان لم تفرد بالإقامة، كالوتر.
стр. 1825
٨٨١٠ - احتجوا: بحديث ابن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامتين).
٨٨١١ - قلنا: قد ذكر أبو داود عنه إقامة واحدة، ورواه عن النبي ﷺ قولاً وفعلاً مفردًا، فإن ثبت ما قالوه عنه فيريد به أذانًا وإقامة، ويكون قد سمى الأذان إقامة، كما يسمى الإقامة أذانًا؛ قال ﵊: (بين كل أذانين صلاة)، أي: بين كل أذان وإقامة.
٨٨١٢ - قالوا: روى جابر ﵁ (أن النبي ﷺ جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان وإقامتين لم يسبح بينهما).
٨٨١٣ - قلنا: قد عارضه حديث أبي أيوب، وابن عمر، ورواية الاثنين أولى، وقد وافق حديث ابن عمر عمل الصحابة. روى أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي جعفر، قال: (اتفق علي وعبد الله بن مسعود: أن صلاة الجمع بأذان وإقامة)، وروي الأسود، عن عمر بن الخطاب مثله، وقد بينًا ذلك من فعل
следующие страницы →