Полный текст (6 324 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
٨٩٧٦ - ولأن الجمرة التي تلي المسجد ليست بركن، فلا يترتب عليها، كالذبح والحلق.
٨٩٧٧ - ولأنها إحدى الجمار، فجاز أن يبتدئ بها، كالأولى، وكجمرة العقبة.
٨٩٧٨ - احتجوا: بما روي: (أن النبي ﷺ بدأ بالجمرة الأولى، ثم بالثانية ثم بجمرة العقبة).
٨٩٧٩ - والجواب: أن فعله بمجرده لا يدل على الوجوب، فإنهم قالوا: إنه خرج مخرج البيان، فلما وفي الجمار الثلاث يقع بعد التحلل، فلم يكن ذلك من نفس الحج حتى يقع فعله بيانًا.
٨٩٨٠ - قالوا: معنى هذه العبادة لا يعقل، فجاز أن يقتصر على ما ورد به الشرع.
٨٩٨١ - قلنا: قد عقلنا معناها؛ لأنها مناسك المقصود منها فعلها، فإذا جاز أن ينفرد الآخر منها بنفسه لم يترتب على ما قلناه.
٨٩٨٢ - قالوا: بل مبني على التكرار؛ فوجب أن يكون موضع البداية به مستحقًا معينًا، أصله: الطواف.
٨٩٨٣ - قلنا: لا نسلم الأصل على ما قدمنا، ولو سلمنا على ظاهر الرواية.
стр. 1857
٨٩٨٤ - ولأن الطواف عبادة واحدة، جعل لها استفتاح، فما لم يأت بافتتاحها وهو البداية، فالركن لم يعتد به والرمي في الجمار عبادات، والثانية منها نسك بنفرد عما قبله، فلم يترتب عليها فرضًا.
٨٩٨٥ - ولأن الترتيب دلالة لنا: أن موضع الابتداء فيه لما تعين، لم يوجد الطواف فيه إلا على هذه الصفة، ولما جاز أن يوجد الرمي يوم النحر لا يقع الابتداء بما قبله، دل أن يكون الترتيب للشروع شرطًا في صحته قياسًا على ترتيب السعي على الصفا وعلى الطواف.
٨٩٨٦ - ولما أن قلتم: نسك واحد، لم نسلمه في الفرع ولا في الأصل، وإن قلتم: انتفض بالطواف/ والرمي ... .
٨٩٨٧ - ولأن المعنى في السعي: أنه لا ينفرد [عن الطواف بحال، فلهذا وجب أن يترتب عليه، ولما جاز أن تنفرد] الجمرة الأخيرة عما قبلها، لم يجب ترتيبها.
٨٩٨٨ - قالوا: وجوب الرمي ثبت باسم يقتضي الترتيب؛ لأنه قبل الأولى والوسطى.
٨٩٨٩ - قلنا: وجوب الصلاة بلفظ يقتضي الترتيب؛ لأن الظهور يتعلق بالظهر، والمغرب بغروب الشمس، ثم إذا جمعها وقت واحد، لم يجب الترتيب فيها عندهم.
* ... * ... *
стр. 1858
مسألة ٤٨٩
حكم تأخير رمي يوم إلى الليل
٨٩٩٠ - قال أبو حنيفة: إذا أخر رمي يوم إلى الليل: رماه ولا شيء عليه، وإن أخره إلى الغد رماه وعليه دم.
٨٩٩١ - وقال الشافعي في أحد قوليه: إذا غربت الشمس خرج وقت الرمي، وما الذي يلزمه؟ فيه ثلاثة أقوال، أحدها: يرمي ولا شيء عليه، والثاني: لا يرمي وعليه دم، والثالث: يرمي ويهرق دمًا.
٨٩٩٢ - والقول في أصل الرمي: أن الأيام الثلاثة كاليوم الواحد، لا يفوت الرمي بتأخره من يوم إلى يوم، ولا يلزمه شيء إذا ما أخر رمي يوم [من الثلاثة إلى اليوم الذي بعده]، فلا شيء عليه في قول أصحابنا جميعًا؛ لأن النبي ﷺ رخص للرعاء أن يرموها ليلاً، فدل: أنه وقت الرمي.
стр. 1859
٨٩٩٣ - ولأنه نسك، فإذا فعله بالليل؛ جاز أن يقع موقعه من غير دم، كالوقوف، والطواف، والتعليل لرمي يوم الثاني والثالث.
٨٩٩٤ - ولأن رمي كل يوم مؤقت بيوم، فإذا أخره إلى الليل، لم يلزمه شيء، كالوقوف.
٨٩٩٥ - ولا يلزم إذا أخر الطواف عن آخر أيام التشريق إلى الليل؛ لأن الطواف مؤقت بأيام.
٨٩٩٦ - ولأنه بالتأخير في أيام الرمي لم يبلغ إلى وقت مثله، فصار كما لو رمى قبل الغروب.
٨٩٩٧ - وأما إذا أخر الرمي إلى الغد؛ فوجه قول أبي حنيفة أنه أخر رمي يوم كامل عن يوم وليلة؛ فوجب أن يلزمه دم، أصله: إذا أخره عن أيام التشريق.
٨٩٩٨ - ولأن كل يوم وجب فيه الرمي تعلق بتأخيره إلى غده دم، أصله: اليوم الرابع.
٨٩٩٩ - احتجوا: بحديث ابن الدراج، عن أبيه عاصم بن عدي ﵁: (أن النبي ﷺ رخص للرعاء أن يرموا يومًا، ويدعوا يومًا).
٩٠٠٠ - وفي لفظ آخر: (أن يرموا يوم النحر، ثم يرموا يوم النفر). قلنا:
стр. 1860
هذا قاله في الرعاء الذين لا يتمكنون من الحضور، فجعل ذلك عذرًا لهم، واسقط الوقت في حقهم العذرُ، كما قدم ضعفة أهله، فتركوا الوقوف بالمزدلفة، والمناسك إذا تركت لعذر لا شيء فيها عندنا، أصله: إذا أخر الوقوف من النهار إلى الليل. قلنا: لا نسلم الوصف؛ لأنه أخر الرمي عن وقت الوقوف، والمعنى في تأخير الوقوف إلى الليل: أنه أخره إلى وقت يكمل النسك بفعله فيه. وفي مسألتنا خلاف.
٩٠٠١ - فإن قاسوا على تأخير الرمي إلى الليل، قلنا: النسك المؤقت بيوم فالليلة التي تليه وقته، وما بعد ذلك ليس بوقت له، كالوقوف.
٩٠٠٢ - قالوا: لو كان ما بعد اليوم الأول ليس بوقت، وجب أن لا يفعل، كسائر الأيام.
٩٠٠٣ - قلنا: هو وقت لمثله وإن لم يكن وقتًا له، فيجب عليه فعله لهذا المعنى، كما أن تكبير التشريق إذا فاتت صلاة فيذكرها في الأيام كبر وإن كانت فائتة، إلا أن الوقت وقت مثلها، أعنى من صلوات التكبير فيكبر، ولو فاتت حتى خرجت الأيام: قضاها، ولم يكبر عقبيها.
* ... * ... *
стр. 1861
مسألة ٤٩٠
إذا ترك حصاة واحدة فعليه إطعام مسكين،
نصف صاع من حنطة
٩٠٠٤ - قال أصحابنا: إذا ترك حصاة واحدة: فعليه إطعام مسكين، نصف صاع من حنطة، وفي حَصَاتين: صاع، وفي ثلاثة: صاع ونصف.
٩٠٠٥ - فإن بلغ ذلك دمًا، كان بالخيار، ولا يجب الدم عندنا حتى يترك رمي يوم كامل والأكثر من كل جمرة.
٩٠٠٦ - وقال الشافعي: إذا ترك ثلاثًا، ففيها دم، واختلف فيما دون الثلاث، كما اختلف في الأظفار والشعر، فقال في أحد أقاويله: في حصاة واحدة: مد، وفي قول آخر: في ثلاث دم، وفي قول: درهم.
٩٠٠٧ - ويتصور الخلاف في المسألة: إذا ترك حصاة من جمرة العقبة في اليوم الآخر، لزمه في أحد الأيام على القولين.
٩٠٠٨ - أما الكلام في الحصاة الواحدة، فلأنه إطعام مقدر تعلق بالحج، فلا يتقدر بأقل من نصف صاع، ككفارة الأذى؛ ولأن ما يتقدر به صدقة الفطر لا يتقدر به
стр. 1862
الإطعام الواجب بترك حصاة، كنصف المد. ولأن الدم لا يتبعض، فلا يجوز إيجاب بعضه، كالعتق. ولأنها كفارة، فلا يجب فيها الدراهم، [كسائر الكفارات، أو كفارة لحرمة عبادة] فلا يتقدر بالدراهم، ككفارة رمضان.
٩٠٠٩ - وإذا بطل تبعيض الدم وإيجاب الدرهم، لم يبق إلى وجوب الإطعام، ومن أصلنا: أن الإطعام في الكفارة يتقدر لكل مسكين بنصف صاع على كليته في موضعه.
٩٠١٠ - احتج المخالف: بأنها كفارة تتعلق بترك فعل ما يؤمر به، فوجب أن يكون حق المسكين الواحد مقدرًا بمد، قياسًا على ما ثبت بالشرع في كفارة اليمين.
٩٠١١ - قلنا: الأصل غير مسلم؛ لأن عندنا كفارة الجماع مقدرة لكل مسكين بنصف صاع، ثم إنهم احترزوا بهذا الوصف عن كفارة الأذى.
٩٠١٢ - قالوا: لأنها وجبت كما وجبت به كفارة الصوم؛ لأنه أمر في كل واحد من العبادتين بتجنب المحظورات، ففي الصوم بفعل ما حظر فيه، وفي الحج بفعل الحلق المطظور بترك كل واحد منهما ما أمر به من تجنب المحظورات.
٩٠١٣ - وهذا الاحتراز الذي ذكروه - مع أنه لم يدفع التقصير - فاسد؛ لأن سبب كفارة الأذى أُبيح في الشرع، وسبب كفارة الصوم لا يبيح، وكذلك ما يجب بترك الرمي، فإذا تقدر أخف الأمرين بنصف الصاع، فأعظمها شيئًا أولى.
٩٠١٤ - وهذا مقدار المد واجب بالإجماع، وما زاد عليه مختلف فيه فمن ادعى وجوبه فعليه الدلالة.
٩٠١٥ - قلنا: هذا استصحاب الحال، ونحن لا نقول به، ونقابله بمثله فنقول: أجمعنا أن فرض الدم لم يسقط، فمن زعم أنه سقط عنه بالحد، فعليه الدليل.
стр. 1863
٩٠١٦ - وأما الدليل على أن الثلاث حصيات لا دم فيها: أنه أتى بأكثر الرمي، فلم يجب عليه بأقله دم، كما لو ترك حصاتين.
٩٠١٧ - ولأنه نسك ذو عدد لا يتعلق بالثلاث، فلم يجب بترك أقله دم، كالسعي.
٩٠١٨ - احتجوا: بأنه ترك من عدد الحصيات ما يقع عليه اسم الجمع المطلق، فوجب أن يكون فيه دم، أصله: إذا كانت قيمة الطعام أكثر من قيمة الشاة.
٩٠١٩ - قلنا: لا نسلم؛ لأن الواجب الإطعام، فإذا اختار إخراج الشاة، وجبت باختياره ليسقط به الزيادة عن نفسه، فأما أن يؤخر ما عليه: فلا.
* ... * ... *
стр. 1864
مسألة ٤٩١
خطبة الإمام ثاني (أيام) النحر
٩٠٢٠ - قال أصحابنا: يخطب الإمام ثاني أيام النحر خطبة، يعلمهم فيها النفر، وطواف الصدر.
٩٠٢١ - وقال الشافعي: يخطب يوم النفر الأول.
٩٠٢٢ - لنا: أنه يوم نحر أُبيح فيه النفر، فلا يخطب فيه للحج، كاليوم الآخر.
٩٠٢٣ - ولأن الخطبة لتعليم المناسك، وإنما يفعل قبل يوم النسك، ليبلغ الناس بعضهم بعضًا، وهذه الخطبة لتعليم جواز النفر، فيجب أن يتقدم عليهم.
٩٠٢٤ - احتجوا: بما روى ابن أبي نجيح عن أبيه، عن رجلين من بني بكر، قالا: (رأينا رسول الله ﷺ يخطب بمنى أوسط أيام التشريق)، وكذلك سراء بنت نبهان.
стр. 1865
٩٠٢٥ - قلنا: يجوز أن يكون هذه الخطبة لبيان أحكام المناسك، ويجوز أن تكون لغيرها، كما بينا في خطبة يوم النحر، والخلاف في خطبة تختص الحج.
٩٠٢٦ - قالوا: يوم فيه نسك، ويحتاج إلى تعليم الناس تعجيل النفر وتأخيره.
٩٠٢٧ - قلنا: إنما يعلهم جواز النفر قبل يومه ليتأهبوا له، فأما إذا خطب بعد الظهر ليعلمهم النفر وهم يرمون لم يقع ذلك موقعه.
* ... * ... *
стр. 1866
مسألة ٤٩٢
حكم من ترك المبيت بمنى من غير عذر
٩٠٢٨ - قال أصحابنا: إذا ترك المبيت بمنى من غير عذر فقد أساء: ولا شيء عليه.
٩٠٢٩ - وقال الشافعي في أحد قوليه: إذا ترك الليالي الثلاث: فعليه دم، وفي القول الآخر: الدم عليه استحبابًا.
٩٠٣٠ - وأما إذا ترك ليلة واحدة: ففيها مد في أحد أقواله، وفي قول آخر: ثلث درهم، وفي قول آخر: درهم.
стр. 1867
٩٠٣١ - لنا: أم منى ليست مقصودة في نفسها، بدلالة المقام في غير هذه الأيام، وإنما يقيم للنسك المفعول في العدد، فصار كما لو بات ليلة عرفة بمكة.
٩٠٣٢ - ولأن المقام بها في الأيام هو المقصود، والثاني: تبع، بدلالة: أن لله تعالى نص على الأيام بقوله: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾. فإن كان أقام بها، أو ترك المقام بها نهارًا، أو جاء وقت الرمي فرمى: لم يلزمه شيء، فإذا ترك الليالي الذي هو تبع: أولى وأحرى.
٩٠٣٣ - ولأنه ترك البيتوتة في مكان النسك، فلم يلزمه دم. أصله: إذا ترك البيتوتة بعرفة.
٩٠٣٤ - ولا يلزمه إذا ترك البيتوتة بالمزدلفة؛ لأنه مثله. ولأنه نسك لو تركه للتشاغل بالسقاية، لم يلزمه دم، فإذا تركه من غير عذر، لم يلزمه دم، أصله: طواف القدوم.
٩٠٣٥ - احتجوا: بحديث ابن عمر ﵁: (أن العباس بن عبد المطلب استأذن رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فاذن له)، فدل: أن هذا لا يجوز تركه لغير عذر.
٩٠٣٦ - قلنا: التشاغل بالسقاية هو ترك للمبيت بالحاجة، والمناسك الواجبة لا يجوز تركها للحاجة.
٩٠٣٧ - ولأنه يجوز تركها للضرورة والمشقة. يبين ذلك: أن العباس لا يسقي بنفسه، وإنما يأمر به، وهذا يمكنه وإن لم يحضر.
٩٠٣٨ - وليس هذا كترك الوقوف بالمزدلفة؛ لأن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله،
стр. 1868
خوفًا عليهم من الزحام، وهذه مشقة، وليست بحاجة.
٩٠٣٩ - وكذلك الحائض في طواف الصدر إنما يجوز لها ترك الطواف للضرورة؛ لأنها لا تقدر أن تطوف من الحيض، ولا يمكنها المقام، والانقطاع عن الرفقة.
٩٠٤٠ - قالوا: نسك مشروع بعد كمال التحلل؛ فوجب أن يكون واجبًا يتعلق بتركه دم، كالرمي.
٩٠٤١ - قلنا: لا نسلم أنه نسك، وإنما يفعل على طريق التبع للنسك، ويبطل هذا على قولهم من ترك المقام بمنى نهارًا.
* ... * ... *
стр. 1869
مسألة ٤٩٣
حكم تعجيل النفر حتى غروب اليوم الثالث
٩٠٤٢ - قال أصحابنا: إذا لم يتعجل النفر حتى غربت الشمس من اليوم الثالث، فالأولى أن يقيم حتى يرمي اليوم الرابع، فإن نفر قبل طلوع الفجر: جاز.
٩٠٤٣ - وقال الشافعي: إذا غربت الشمس: لم يجز النفر.
٩٠٤٤ - لنا: أنه نفر قبل دخول وقت الرمي في اليوم الرابع وقد رمى قبله، فصار كما لو نفر قبل غروب الشمس.
٩٠٤٥ - ولأنه يوم يجوز النفر من نهاره، فجاز في الليلة التي تليه، كاليوم الرابع.
٩٠٤٦ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾، واليوم عبارة عن بياض النهار، فدل: أن التعجيل يختص النهار.
٩٠٤٧ - وروي: (أن النبي ﷺ أمر رجلاً، فنادى أيام منى ثلاثة: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾).
стр. 1870
٩٠٤٨ - قلنا: الظاهر متروك بالاتفاق؛ لأن التعجيل في يومين، وإنما يجوز في آخر اليوم الثاني منهما.
٩٠٤٩ - وعندنا تقديره: فمن تعجل برمي يومين فلا إثم عليه، وهذه الحروف يقوم بعضها مقام بعض.
٩٠٥٠ - على أنه روى عن ابن مسعود ﵁ في تأويل الآية: ﴿فلا إثم عليه﴾ بمعنى: غفرت أيامه بالحج المنذور، وهذا لا تعلق له بمسألتنا.
٩٠٥١ - قالوا: روى عن ابن عمر ﵄: أنه قال: (من أدركه المساء في اليوم الثاني بمنى، فليقم حتى ينفر مع الناس)، ولا يعرف له مخالف.
٩٠٥٢ - قلنا: هذا محمول عندنا على بيان الأولى والأفضل؛ بدلالة ما بينا.
٩٠٥٣ - قالوا: لم يتعجل في يومين، فلزمه المقام حتى يرمي قياسًا على من لم يرم حتى طلع الفجر.
٩٠٥٤ - قلنا: حكم الثلاثة التي تتوسط أيام الرمي حكم اليوم الذي قبلها، بدلالة: أنها وقت لذلك، كرمي ذلك اليوم. واليوم الثاني ليس حكمه حكم اليوم الذي قبله، بدلالة: أنه يجب فيه رمي آخر، وإذا فعل في الليل، فحكم الليلة حكم النهار، وإذا طلع الفجر، فقد زال حكم ذلك اليوم، ويجدد حكم الرمي في اليوم الآخر، فلذلك اختلفا.
* ... * ... *
стр. 1871
مسألة ٤٩٤
حكم نزول المحصب
٩٠٥٥ - قال أصحابنا: نزول المحصب سنة.
٩٠٥٦ - وقال الشافعي: إن شاء نزل فيه، وإن شاء لم ينزل فيه.
стр. 1872
٩٠٥٧ - لنا: ما روي عن ابن عمر ﵄ (أنه صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء، ثم هجع بها هجعة، ثم دخل مكة، وزعم أن رسول الله ﷺ كان يقول ذلك).
٩٠٥٨ - وروى ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ لما أراد أن ينفر من منى، قال: نحن نازلون غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر)، ومعنى ذلك: أن بني كنانة وقريشًا اجتمعوا بالمحصب، فتحالفوا أن لا يخالطوا بني هاشم، ولا يزوجوهم حتى يسلموا رسول الله ﷺ ، وما أخبره ﵊، أنه يفعله في حال النسك مخالفة للكفار، فهو نسك، كدفعه من عرفة بعد غروب الشمس.
٩٠٥٩ - احتجوا: بما روي عن ابن عباس ﵁: أنه قال: إنما هو منزل. وقالت عائشة ﵂: (إنما نزل رسول الله ﷺ المحصب؛ ليكون أسمح لروحه وليس بسنة، من شاء نزل، ومن شاء لم ينزل). وروى سليمان بن يسار قال: قال أبو رافع: (لم
стр. 1873
يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزله، ولكن ضربت قبته، فنزله)، يعني: بالأبطح.
٩٠٦٠ - قلنا: أما قول ابن عباس وعائشة ﵄، فمعارض بقول ابن عمر؛ ولأنها ظنت ذلك وكذلك أبو رافع، وقد بينا أن النبي ﷺ قصد النزول فيه وأخبر أنه يفعل ذلك مخالفة لأهل الشرك.
* ... * ... *
стр. 1874
مسألة ٤٩٥
حكم طواف الصدر
٩٠٦١ - قال أصحابنا: طواف الصدر واجب على الغرباء، فمن تركه لغير عذر، فعليه دم.
٩٠٦٢ - وقال الشافعي في الأم والقديم: مثل قولنا. وقال في الإملاء: لا دم عليه.
стр. 1875
٩٠٦٣ - لنا: ما روى سفيان، عن سليمان بن يسار، عن طاووس، عن بن عباس ﵁ قال: (كان الناس ينفرون في كل وجه، فقال النبي ﷺ : لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت).
٩٠٦٤ - ولأنه طواف شرع بعد الوقوف، فكان واجبًا كطواف الزيارة.
٩٠٦٥ - ولأنه نسك يتكرر بفعل بعد الإحلال، كرمي الجمار. الدليل على وجوب الدم بتركه: حديث ابن عباس ﵁ (أن النبي ﷺ قال: من ترك نسكًا فعليه دم).
٩٠٦٦ - ولأنه نسك ذو عدد، فجاز أن يجب بسببه دم، أصله: الرمي.
٩٠٦٧ - ولا يلزم على هذا طواف القدوم؛ لأن التعليل لجنس الطواف؛ ولأن المناسك على ضريين، منها: ما يتعلق بالبيت، ومنها: ما لا يتعلق بالبيت، فإذا كان في أحدهما ما يجب به الدم، وجب أن يكون في الآخر مثله.
٩٠٦٨ - احتجوا: بأنه إخلال لطواف؛ فلم يجب به دم، كطواف القدوم.
٩٠٦٩ - قلنا: طواف القدوم مقدم على الوقوف، كطواف النفل، وهذا الطواف
стр. 1876
يتأخر عن الوقوف بمقتضى الإحرام، فصار كطواف الزيارة.
٩٠٧٠ - قالوا: كل ما لم يكن نسكًا في حق المبكر؛ لم يكن نسكًا في حق غيره، كالتحصيب.
٩٠٧١ - قلنا: هو نسك في حق المبكر بالإجماع، والخلاف في الوجوب.
٩٠٧٢ - ولأن أهل مكة وغيرهم يختلفون في واجبات الإحرام، بدلالة دم التمتع.
٩٠٧٣ - ولأنه يجب لتوديع البيت، والمبكر غير مفارق للبيت، فلذلك لم يجب عليه توديعه، والغريب يفارق البيت، فجاز أن يجب توديعه.
٩٠٧٤ - قالوا: لو كان نسكًا يجب على تاركه الدم؛ لوجب على تاركه بالعذر، كترك اللباس.
٩٠٧٥ - قلنا: المناسك التي ليست بأركان إذا تركها من غير عذر: وجب عليه دم، والمحظورات إذا فعلها لعذر: وجب بها الفدية، فلذلك افترقا.
* ... * ... *
стр. 1877
مسألة ٤٩٦
حكم من طاف بعد الإفاضة
٩٠٧٦ - قال أصحابنا: إذا طاف بعد الإفاضة: وقع عن طواف الصدر، وإن أقام بعد ذلك لحاجة ثم خرج: لم يجب عليه طواف، والمستحب أن يطوف حتى يخرج من الخلاف.
٩٠٧٧ - وقال الشافعي: يعيد الطواف.
٩٠٧٨ - لنا: أنه طواف يجب بعد الوقوف، ولا يتكرر، كطواف الزيارة.
٩٠٧٩ - ولأن الطواف وقع موقعه، بدلالة: أنه لو خرج في الحال جاز، وكل طواف وقع عن المستحق، لم يتعين حكمه بالإفاضة، كطواف الزيارة.
٩٠٨٠ - ولأنه فعل النسك في وقته بكماله، فلم يلزمه إعادته. أصله: سائر المناسك.
٩٠٨١ - ولأنها إقامة لغير طواف الصدر، فإذا عزم بعدها على الانتقال، لم يجب عليه طواف من غير تجديد إحرام، أصله: إذا طاف ثم جعل مكة دارًا، ثم أراد الخروج منها لبعض حاجاته.
٩٠٨٢ - احتجوا: بحديث ابن عباس ﵁: (أن النبي ﷺ قال: لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت الطواف).
стр. 1878
٩٠٨٣ - قلنا: معناه: حتى يكون آخر مناسكه الطواف؛ بدلالة: أنه لو طاف ثم أقام متهيئًا للخروج، لم يلزمه طواف آخر، وإن لم يكن ما أورد آخر عهده بالبيت.
٩٠٨٤ - قالوا: هذا الطواف يسمى طواف الصدر وطواف الوداع، فإذا أقام بعده ولن يصدر: زال عنه الاسم؛ لأن الأفضل أن يفعله عند التوديع.
٩٠٨٥ - قلنا: زوال هذا الاسم لا يمنع وقوعه موقع الوجوب. ألا ترى: أن طواف الزيارة سمي طواف الإفاضة والزيارة، ثم لو أفاض ولم يطف حتى مضى عليه وهو بمكة شهر أو أكثر، ثم طاف وقع موقع الواجب، وإن زال الاسم عنه، وكذلك طواف القدوم لو أخره بعد قدومه شهرًا أو أكثر، ثم طاف وقع موقعه وإن كان الاسم زال عنه.
* ... * ... *
стр. 1879
مسألة ٤٩٧
إذا أحرم الصبي أو أحرم عنه وليه
٩٠٨٦ - قال أصحابنا: إذا أحرم الصبي، أو أحرم عنه وليه: لم يكن ذلك الإحرام فرضًا ولا نفلاً.
٩٠٨٧ - ثم اختلف أصحابنا/ المتأخرون، فمنهم من قال: لا ينعقد أصلاً، ومنهم من قال: ينعقد، ولكنه لا يكون نفلاً ولا فرضًا بل يكون حج اعتبار، وتمرين، وتعليم.
٩٠٨٨ - وقال أبو حنيفة: يجتنب ما يجتنب البالغ من المحظورات، فإن فعلها: فلا شيء عليه.
٩٠٨٩ - وروى ابن شجاع عن أبي مالك، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أنه قال: يجتنب الطيب، ولا يجتنب اللبس [وقد] أبيح لبعض المحرمين.
٩٠٩٠ - وقال الشافعي: إن لم يكن مميزًا: صح إحرامه بإحرام وليه عنه، وإن كان مميزًا؛ صح إحرامه بإذن وليه، وإن أحرم بغير إذن الولي، ففيه وجهان.
٩٠٩١ - والولي الذي يصح بإذنه إحرامه من أولي العصبة إذا كان وصيًّا، وأما الأخ، والعم إذا لم يكونا وصيين، ففيه: وجهان.
٩٠٩٢ - وأما الإحرام: فالصحيح أنه لا يلبي في الإحرام.
стр. 1880
٩٠٩٣ - ومن أصحابنا من قال في مال الصبي: وما أمكنه فعله من المناسك: فعلها بنفسه، وما لم يمكنه: فعله الولي عنه، وإن زوجه وليه: لم ينعقد النكاح، وإن تطيب، أو لبس، أو قبل بشهوة، أو وطئ فيما دون الفرج: ففي وجوب الفدية وجهان.
٩٠٩٤ - وأما حلق الشعر، وتقليم الأظفار، وقتل الصيد، ففيه الفدية على المذهب الصحيح.
٩٠٩٥ - ومنهم من قال: فيه قولان، ثم إذا وجبت الفدية نص الشافعي على: أنها تجب على الولي. قالوا: ففيها قول آخر: أن الفدية في مال الصبي، وإذا جامع عامدًا، فقد أفسد الحج. إذا قالوا: إن عمد الصبي عمد، وعليه بدنة.
٩٠٩٦ - وفي وجوب القضاء بالإفساد قولان، فعلى القول الأول الذي قال: يجب القضاء فهل يصح منه وهو صغير؟ المنصوص: أنه يصح منه، ومن أصحابه من قال: لا يصح منه حتى يبلغ.
٩٠٩٧ - لنا: قوله ﷺ : (رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم).
٩٠٩٨ - فإن قالوا: الخبر يمنع وجوب العبادات عليه، وعندنا الحج له وليس عليه.
٩٠٩٩ - قلنا: وعندكم إذا دخل فيه، كان عليه المضي في جميع أحكامه، وهذا ينفيه الخبر.
٩١٠٠ - ولأن الإحرام سبب يجب الحج به؛ فلا ينعقد للصبي وإن أذن وليه فيه، كالنذر.
стр. 1881
٩١٠١ - ولأن النذر تأكد في الإيجاب، بدلالة: أن العبادات تجب على البالغ بنية.
٩١٠٢ - واختلفوا في الدخول، فإذا لم يجب بنذر الصبي فلا يجب بدخوله أولى.
٩١٠٣ - فإن قيل: الدخول قد يجب بما لا يجب عليه بالنذر، يدل عليه: أن من حج حجة افسلام ونسيها فنذر حجة الإسلام: لم يتعلق بنذره حكم، ولو دخل فيها ينوي حجة الإسلام: وجبت عليه.
٩١٠٤ - قلنا: لأن نذر ما أوجبه تعالى [لا يصح، والنذر لا يجب به غير الموجب، وأما الدخول فيصح أن يقع المعنى من غير ما دخل فيه؛ بدلالة: أن] من افتتح الظهر، فأقام الإمام لها، قطع على شفع، وصارت نافلة، ودخل في الفرض.
٩١٠٥ - ولأنه غير مكلف؛ فلم يصح عقده الإحرام، كالمجنون.
٩١٠٦ - ولأن من لا يلزمه الحج بالنذر لا ينعقد إحرامه، كالمجنون.
٩١٠٧ - ولا يلزم المغمى عليه؛ لأن إحرامه لا يتعذر لعقله، وإنما يعقد له.
٩١٠٨ - فإن قيل: المعنى في المجنون: أنه لا يجتنب ما يجتنبه المحرم، ولا يقبل قوله في الإذن والهدية.
٩١٠٩ - قلنا: لما تبعه فيما يمنع منه المحرم لا نسلمه؛ لأنه إن عدد الإحرام؛ جاز، ويجب.
٩١١٠ - وأما قبول قوله في الهدية فيدل على أن المعنى قول صحيح، وهذا المعنى لا يدل على وجوب الحج بقوله الذي هو النذر، فالأولى أن لا يدل على وجوبه لفعله ونيته حجة الإسلام، أو لا يسقط بمجرد أو بمطلق إحرامه حجة افسلام قبل أدائها، فلا ينعقد إحرامه عن الحج أو بالصبي، كالصبي إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج، وعكسه البالغ الفقير. والدليل عليه: أنه لا يصير محرمًا بإحرام الولي لأن إحرام وليه يتضمن إيجاب الحج عليه، فصار كنذره.
٩١١١ - ولا يلزم المغمى عليه يهل عنه أصحابه؛ لأنه لا يصير محرمًا بفعلهم، بدلالة أنه لو أفاق، وقال: ما قصدت الحج، أو ما نويت، أو منعت أن يحرم عني
стр. 1882
غيري، لم يكن محرمًا.
٩١١٢ - ولأن الصبي لم يوجد منه قصد الحج؛ فلم يصر محرمًا بإحرام غيره، كالبالغ. ولأنه يلي عليه، فلم يصر محرمًا بإحرامه عنه، كالولي إذا أحرم عنه.
٩١١٣ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء﴾.
٩١١٤ - قلنا: هذا خطاب المكلفين؛ بدلالة: أنه خيرهم بين المثل والإطعام؛ والصبي لا يدخل في الصوم بالاتفاق.
٩١١٥ - وقال تعالى: ﴿ليذوق وبال أمره﴾، ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾، وهذا لا يتناول الصبي.
٩١١٦ - فإن قيل: الآية تناولت العبد وإن كان لا يصح منه المثل والإطعام.
٩١١٧ - قلنا: ما تناولته الآية، وإنما أوجبناه عليه بدليل آخر.
٩١١٨ - احتجوا: بحديث ابن عباس ﵁: (أنه قال: مر رسول الله ﷺ بإمرأة، وهي في محفتها، فقيل لها: هذا رسول الله ﷺ فأخذت بعضد صبي، فقالت: ألهذا حج؟، قال: نعم، ولك أجر). وروي: (فرفعت صبيًا من محفتها).
٩١١٩ - قلنا: عندنا له حج اعتبار وتمرين وتعليم؛ فقد قلنا بظاهر الخبر، والخلاف في حج الفرض والنفل، وليس في الخبر دلالة على ذلك.
٩١٢٠ - فإن قيل: هذا لا يخفى حتى تسأل عنه.
стр. 1883
٩١٢١ - قلنا: جواز هذا لا نعلمه إلا من طريق الشرع، فلأنه إلحاق لصبي عارٍ عن التكليف، فلولا الشرع، لم يجب أن نعرضه لذلك. يبين ذلك: أنه أضاف الأجر إليها، ولو كان نفلاً لكان أجره له، وإنما يجوز أن يحصل لغيره على طريق التبع، فلما أضاف الأجر إليها وسكت عن الصبي، دل على ما قلناه.
٩١٢٢ - ومن أصحابنا من قال: يحتمل أن يكون هو بلغ أو لم يبلغ، فقال رسول الله ﷺ : له حج، فإنه حكم ببلوغه.
٩١٢٣ - فإن قيل: في الخبر: (إنها رفعت صبيًّا).
٩١٢٤ - قلنا: إذا أشكلت حاله، فهو صبي حتى يعلم حاله، وقولهم: إنها رفعت بعضده، وهذا لا يكون إلا في الطفل.
٩١٢٥ - قلنا: رفعت يدًا منه، كما يقال: رفعت فلانًا إلى الحاكم.
٩١٢٦ - ولا يقال: في الخبر: إنها رفعته من محفة لها، ومحفة العرب لا تسع اثنين.
٩١٢٧ - قلنا: رفعته من محفتها لا يقتضي: أنها كانت هي في المحفة، فجاز أن يكون هو فيها دونها فرفعته إليه.
٩١٢٨ - قالوا: فكيف يشكل في البالغ أنه يجوز حجه؟
٩١٢٩ - قلنا: لا يشكل في البالغ، وإنما أشكل الشك في بلوغه.
٩١٣٠ - قالوا: روي عن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ قال: أيما صبي حج
стр. 1884
عشر حجج، ثم بلغ، فعليه حجة الإسلام).
٩١٣١ - قلنا: هذا يدل على: أنه يحج، وعندنا: الحج على ثلاثة أضرب: فرض، ونفل، وحج اعتبار وتمرين، فإضافة الحج إليه صحيحة.
٩١٣٢ - قالوا: روى ابن عباس ﵄ (أنه قال: حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان). وعن السائب بن يزيد (قال: حج بي أبي مع رسول الله ﷺ وأنا ابن سبع سنين)، فكان من فعل رسول الله ﷺ .
٩١٣٣ - قلنا: الحج بالصبي لا يمنع منه، فليس من فعل ذلك دلالة. وقول ابن عباس: (أحرمنا عن الصبيان)، ليس معناه: أن النبي ﷺ عرفه، فأقر عليه، وقد قال: (أحرمنا عن النساء)، وذلك لا يجوز بالإجماع.
٩١٣٤ - قالوا: يجتنب ما يجتنبه المحرم على الإطلاق، فكان محرمًا، كالمغمى عليه إذا أهل عنه.
٩١٣٥ - قلنا: لا نسلم، بل إنه يجتنب ما يحظره الإحرام على الإطلاق، ولا
стр. 1885
يجتنب المخيط، فلا يجتنب ما يشق عليه اجتنابه.
٩١٣٦ - ولأنا قلنا: إنه محرم إلا أنه إحرام لا يلزم المضي فيه، فقد قلنا بموجبها، وأصلهم: المغمى عليه، وهو ممن يلزمه العبادات، فجاز أن يتقدم بفعل غيره إذا انضم إليه قصده ونيته، وهذا لا يوجد في الصبي.
٩١٣٧ - ولأن المغمى عليه أنه متفق على وجوب الكفارة عليه بجناياته، قلنا اختلف في وجوب الكفارة على الصبي بجنايته، دل على أنه ليس بمحرم.
٩١٣٨ - قالوا: قربة لله! بل لها، فانعقدت للصبي، كالطهارة.
٩١٣٩ - قلنا: قد بينا أنه ينعقد، والخلاف فيما بعد الانعقاد؛ لأن الطهارة لا يقال لها: انعقدت؛ لأن العقد يقال فيما يشتمل على جملة تتعلق بعينها في الصحة ببعض، وهذا لا يوجد في الطهارة.
٩١٤٠ - ولأن الطهارة لما صحت منه، لم يكن لوليه فيها مدخل، ولما لم يصح دخوله في الإحرام بنفسه دون الولي، دل على: أنها عبادة لا تنعقد له.
٩١٤١ - قالوا: من صحت طهارته، انعقد إحرامه، كالبالغ.
٩١٤٢ - قلنا: انعقاد صلاته كانعقاد إحرامه؛ لأن من أصحابنا من يقول: لا ينعقد كل واحد منهما، ومنهم من يقول: ينعقد انعقاد تمرين واعتبار، انعقادًا لا يجب المضي فيه، ولا القضاء بإفساده. والمعنى في البالغ: أنه ممن يلزمه الحج بنذره، فلزمه بعقده، والصبي بخلافه.
٩١٤٣ - فإن قيل: إذا قلتم: إحرامه قد انعقد، فكيف لا توجبون الكفارات عليه؟.
٩١٤٤ - قلنا: إحرامه قد انعقد على وجه لا يلزمه إتمامه ولا المضي فيه. والكفارات تجب لجبران معنى آخر من العبادة ومن الإحرام/ ومن كان ذلك لا يجب عليه
стр. 1886
حكم غير الذي هو في حكمه.
٩١٤٥ - فإن قيل: إذا افتتح الصلاة لزمه جبرانها بسجود السهو، وكذلك يجب عليه جبران الإحرام.
٩١٤٦ - قلنا: جبران الصلاة من جنسها، ويجوز أن نكلفه أعمال البدن تمرينًا واعتبارًا [وجبران الحج مال، والصبي لا يجوز أن تكلفه حقوق المال تمرينًا واعتبارًا]، يدل على الفرق بينهما: أن جبران الصلاة عمل بدن، وهو مأمور به، وجبران الحج من [خلل] كان عمل به، والصوم لم يؤمر به، فالمال أولى وأحرى أن لا يؤمر به.
* ... * ... *
стр. 1887
مسألة ٤٩٨
حكم المغمى عليه في الميقات
٩١٤٧ - قال أبو حنيفة: إذا خرج الرجل حاجًا فأغمي عليه في الميقات، فإن أهل رفقته يحرمون عنه، [ويصير بفعلهم محرمًا، وكان أصحابنا يقولون: وليس في غير أهل رفقته رواية].
٩١٤٨ - قياس قوله يقتضي جواز ذلك لهم، وإن أمر الصحيح رجلاً يلبي عنه، فليس فيه نص، لكنهم قالوا: لو اشترى تسعة نفر بدنة، فقلدها أحدهم بأمرهم وهم نووا، صاروا محرمين، والتقليد مع النية، كالتلبية مع النية.
٩١٤٩ - وقال الشافعي ﵀: لا يصير بفعل الغير محرمًا.
٩١٥٠ - لنا: أنه ركن من أركان الحج، فجاز أن يتعلق بفعل الغير حال الإغفال، أصله: إذا طافوا به، ودفعوا عن عرفة، فإن فِعل هذا هو الطواف والوقوف.
٩١٥١ - قلنا: بل هم الفاعلون ذلك فيه؛ بدليل: أنه لو أعثر به إنسان فمات، ضمنوا دون المغمى عليه، ولو صدم إنسانًا، لزمهم الضمان.
стр. 1888
٩١٥٢ - ولأنهم لو وضعوا الحمل في يده وألقوها فأتلفت مالاً، ضمنوه دونه، فدل على: أنهم الفاعلون لذلك.
٩١٥٣ - ولأنه لو أمرهم بذلك الأغمي، صح إحرامهم [له]. يدل عليه: أن كل ما ملك الأب على ابنه بالولاية ملك الأجنبي على الأجنبي [بالإذن والأمر]، كسائر العقود، وإذن ثبت: أنه يملك الإحرام عنه بالأمر، ومعلوم: أن من خرج حاجًّا وأنفق ماله وبلغ الميقات فهو لا يختار أن يضيع قصده بل يؤثر أن يحرز له نفقته بفعل الإحرام عنه، والأمر بالعادة كالأمر بالنطق، بدلالة من ذبح أضحية غيره.
٩١٥٤ - احتجوا: بأنه بالغ؛ فوجب أن لا يصير محرمًا بعقد غيره عليه، أصله: النائم.
٩١٥٥ - قلنا: النائم لا ينعقد إحرامه بنفسه؛ لأنه يوقظ فيحرم، والمغمى عليه يتعذر عليه ذلك، فيقوم الركن مع قصده، فصار كما لو خافوا أن يفوته الوقوف.
٩١٥٦ - قالوا: عقد للإحرام على المغمى عليه؛ فوجب أن لا يجوز، أصله: إذا كان في بلده.
٩١٥٧ - قلنا: ليس لهم إخراجه وحمله إلى مكة، فجاز لهم الإحرام عنه إذا تقدم القصد إلى الإحرام.
* ... * ... *
стр. 1889
مسألة ٤٩٩
إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفة
٩١٥٨ - قال أصحابنا: إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفة، فسد حجه، وعليه شاة.
٩١٥٩ - وقال الشافعي: عليه بدنة.
٩١٦٠ - لنا: أنه سبب لوجوب القضاء؛ فلا يجب به بدنة، أصله: الفوات، والإحصار.
٩١٦١ - فإن قيل: الفوات أخف؛ لأنه يحصر بسبب فيه تفريط.
٩١٦٢ - قالوا: ولأن من فاته الحج لا دم عليه عندكم؟! والمفسد يجب عليه هدي بالإجماع، ومفسد الصوم يجب عليه الكفارة، وبفواته عن وقته لا كفارة عليه!
стр. 1890
٩١٦٣ - قلنا: لا فرق بين الفساد والفوات؛ لأن كل واحد منهما يجوز أن يحصل بسبب لا تفريط فيه، كالمرأة إذا أكرهت على الوطء.
٩١٦٤ - فأما الدم فلا يجب على من فاته الحج؛ لأنه لزمه طواف وسعي فقام مقام الدم.
٩١٦٥ - وأما الصوم فخالف الحج في الكفارة؛ لأن الكفارة تجب في الحج من غير إفساد، ولا تجب كفارة الصوم إلا بالإفساد، فلذلك اختلف [الفوات والإفساد فيه ولأنه وطء] في حال لا يؤمن فيها الفوات، فلم يلزمه بدنة، كما لو وطء ناسيًا.
٩١٦٦ - ولأنه من محظورات الإحرام، فلم يجب فيه القضاء مع الفدية، أصله: قتل النعامة، وسائر محظورات الإحرام.
٩١٦٧ - احتجوا: بما روى عبد العزيز بن رافع، قال: (سأل رجل ابن عباس عن محرم جامع امرأته؟، فقال: يمضيان في حجهما وينحر بدنة، وعليهما الحج من قابل).
٩١٦٨ - قلنا: هذا الخبر ذكره الطحاوي بإسناده عن حماد بن سلمة، عن جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير (أن رجلاً سأل ابن عباس عن رجل وقع بامرأته، وهما محرمان؟، فقال: يقضيان نسكهما، فإذا كان عامًا قابلاً حجًا وعليهما هدي). وكذلك رواه شعبة، عن أبي بشير، عن رجل من بني عبد الدار، وكذلك رواه هشيم عن أبي بشير.
стр. 1891
٩١٦٩ - كل هذه الأخبار إيجاب الهدي، ولذلك يتناول شاة، والمعروف من قول ابن عباس: أنه قال: لا يجب البُدن في الحج إلا في موضعين: من وصل بعد الوقوف، ومن طاف طواف الزيارة جنبًا، فأقل الأحوال أن تتعارض الرواية.
٩١٧٠ - قالوا: وطء عمد صادف إحرمًا لم يتحلل منه شيء، أو إحرامًا تامًا؛ فوجب به ندبة، كما لو كان بعد الوقوف؛ لأنه قبل الوقوف أجمعوا على أنه يفسد حجه، واختلفوا بعده، فإذا وجبت البدنة، في أحسن حالتيه، فلأن تجب في أسوأ حالتيه أولى.
٩١٧١ - قلنا: لا نسلم أن الوقوف للإحرام تام - لم يتم بعد - وإنما يتم ويكتمل بانضمام الوقوف إليه بذلك. على أن هذا قبل الوقوف إذا كان الإحرام منهما يجوز أن يصير حجة، ويجوز أن يصير عمرة، فإذا وقف لم تصر أبدًا، وقبل الوقوف يجوز أن يسقط أفعاله، ويتحلل منه بطواف وسعي، وبعد الوقوف لا يجوز أن يتحلل منه إلا بجميع أفعاله. وعلى أصلهم: إذا بلغ الصبي قبل الوقوف انقلب إحرامه فرضًا، وبعد الوقوف لا يجزئ عن الفرض، وعلى هذا: عقد البيع يقوى بانضمام القبض له، وهو ضعيف قبله، ولهذا يفسده قبل القبض مالا يفسده بعده، وتحريم الصلاة كذا بانضمام الأفعال إليها، فهي ضعيفة قبل ذلك، بدلالة: أن الإمام إذا افتتح الجمعة عندنا ثم نفر الناس عنه، بطلت صلاته، ولو نفروا بعد انضمام الأركان إليها لم يقدر عند مخالفنا، المدرك للإمام إذا أدرك مقدار التحريمة أن يبني عليها الجمعة. وإن أدرك معه الأركان بنى؛ فدل هذا كله على: أن الإحرام يتأكد بعد الوقوف غير تام قبله، فإذا صادف الوطء إحرمًا تامًا: تأكدت الكفارة، وإن صادف إحرامًا لم يتم ولم يكمل: ضعف حكمه، كما لو حصل الوطء بعد التحلل.
٩١٧٢ - ولأن الوطء قبل الوقوف يجب به القضاء، فلما تأكد حكمه في إيجاب القضاء لم يتغلظ بالكفارة، والوطء بعد الرمي لما لم يتغلظ حكمه في إيجاب القضاء جاز أن يتغلظ بإيجاب الكفارة.
стр. 1892
٩١٧٣ - قالوا: كل ما أوجب بدنة إذا فعله بعد الوقوف، فإذا فعله قبل الوقوف، وجبت تلك الفدية، كاللباس، والطيب، وقتل الصيد.
٩١٧٤ - وربما قالوا: فعل حرم بالإحرام، فوجب أن يكون حكمه قبل الوقوف وبعده سواء قياسًا على سائر المحظورات.
٩١٧٥ - قلنا: هذه المعاني التي ذكروها تجب بها كفارة الصغرى، فيستوي حكمها في الحالتين، فهذا الفعل يوجب الكفارة الكبرى فيجوز أن يختلف أحواله.
٩١٧٦ - ولأن سائر المحظورات لم تتغلظ قبل الوقوف وبعده بمعنى غير الدم، فلم تختلف صفة الدم، والوطء يتغلظ في إحدى الحالتين، فوجب القضاء. ويخفف في باب القضاء إذا حصل بعد الرمي بالإجماع؛ فجاز أن يغلظ إذا خف حكمه في معنى القضاء.
٩١٧٧ - قالوا: كفارة وجبت بإفساد عبادة، فكانت العظمى، كالتي يجب بإفسادها الصغرى.
٩١٧٨ - قلنا: الصوم يجب جبرانه بجنسه، والكفارة لا تجب لجبرانه، بدلالة: أنها لا تجب مع الفساد، وليس كذلك الحج؛ لأن جبرانه تارة يقع بجنسه، مثل: مجاوزة الميقات، فأحرم ثم عاد إليه وأحرم، ومن دفع من عرفات عاد إليه، ويقع جناية لغير جنسه أيضًا، فمتى وجب الجبران بجنسه خف جبرانه بالمعنى الآخر حتى لا يتغلظ جبرانه من وجهين. وهذا المعنى لا يوجد في الصوم؛ لأن الكفارة لا تكون جبرانًا، بدلالة: أنها لا تنفرد عن القضاء، فلم يكن التغليظ بالقضاء مؤثرًا في قضائها.
* ... * ... *
стр. 1893
مسألة ٥٠٠
حكم من وطئ بعد الوقوف بعرفة
٩١٧٩ - قال أصحابنا: إذا وطئ بعد الوقوف بعرفة، لم يفسد حجه، وعليه بدنة.
٩١٨٠ - وقال الشافعي: يفسد حجه إذا وطئ قبل الرمي.
٩١٨١ - لنا: قوله ﵊: (الحج عرفة، فمن أدرك عرفة، فقد أدرك الحج)، ظاهره يقتضي أنه لم يبق وإن جامع.
٩١٨٢ - وقال ﵊: (الحج عرفة، فمن أدرك عرفة، فقد تم حجه، وقضى تفثه)، ووصفه بالتمام يقتضي: أنه لم يبق عليه فرض من فروضه،
стр. 1894
وأن الفوات لا يلحقه.
٩١٨٣ - ولا يقال: المراد به: مقاربة؛ لأنه قال هذا بعد ما بين أفعال الحج، ومقاربة التمام لمن عرف المناسك معلومة بالمشاهدة.
٩١٨٤ - ولأن ذلك مجاز لا يصار إليه إلا بدليل. ولا يقال: نحمله على أنه أمر الفوات؛ لأن الظاهر يقتضي أنه أمر الأمرين جميعًا، فحمله على أحدهما تخصيص.
٩١٨٥ - فإن قيل: قد قال ﵊: (إذا رفعت رأسك من آخر السجدة/ وقعدت، فقد تمت صلاتك)، ولم يمنع ذلك ورود الفساد.
٩١٨٦ - قلنا: التمام أراد به هناك: أنه لم يبق عليه فرض من فروضها، ولا يجوز أن يكون هذا هو المراد به ههنا؛ لأنه بقي عليه فرض، فعلم أنه أراد به الأمن من فسادها، كما تقول: تم هذا الشيء إذا استقر وتأكد.
٩١٨٧ - ولأنه وطئ بعد الوقوف، فلا يفسد الحج، كوطء المكره.
٩١٨٨ - ولأن ما تعلق به وجوب الفدية، لم يفسد الحج، كقتل النعامة.
٩١٨٩ - ولأنه معنى يوجب القضاء؛ فلا يثبت بعد الوقوف، كالفوات.
٩١٩٠ - ولا يلزم الرده؛ لأنها [لا] توجب القضاء وإنما توجب الأداء.
٩١٩١ - ولأنه أمن من فوات الحج؛ فوجب أن يأمن من فساده، كما بعد الرمي.
٩١٩٢ - فإن قالوا: فعل العمرة قد أمن فواتها ولا يأمن فسادها.
٩١٩٣ - قلنا: الفساد يعتبر بالفوات فيما يلحقه الفوات، فأما ما لا يلحقه الفوات، فهو يعتبر بأصل آخر.
٩١٩٤ - قالوا: إذا نوة الصوم فقد أمن فواته، ولا يأمن فساده.
٩١٩٥ - قلنا: الصوم لا يلحقه فوات بعد الدخول فيه، وإنما يلحقه الفوات [قبل
стр. 1895
الدخول فيه قصدًا منه، وهو بحيث لا يلحقه الفوات]، ولا يعتبر الفساد به.
٩١٩٦ - ولأنه جامع في إحرام تأكد بفعل معظم أركانه، فصار كالوطء بعد الرمي، يبين ذلك: بمن قدم السعي حتى سلم أكثر الأفعال للأركان.
٩١٩٧ - ولأن الجماع يمنع ما بقي من العبادة على ما تقدم، ومعلوم: أن ترك الرمي لا يمنع من صحة ما تقدم، وتعلق حكم الجواز به إفساده بالوطء مثله.
٩١٩٨ - ولأنه بقي عليه بعد الوقوف ركن، وهو الطواف والرمي، فإذا كان الوطء مع بقاء الركن لا يفسد، فمع بقاء المنع أولى أن لا يفسد.
٩١٩٩ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾، والنهي يفيد الفساد.
٩٢٠٠ - [قلنا: قد قيل: المراد بالرفث: الكلام الفاحش، وهذا هو الظاهر؛ لأنه قرنه بالجدال، ولو ثبت أن المراد به: الجماع، حملناه على ما قبل الوقوف بدليل.
٩٢٠١ - قالوا: وطء عمد صادف إحرامًا لم يحل فيه شيء؛ فوجب أن يفسد الحج، كما لو كان قبل الوقوف].
٩٢٠٢ - قلنا: المعنى في الوطء قبل الوقوف: أن الوقوف لا يمكن أداؤه بما يوجب الإحرام على الوجه الذي اقتضاه التحريم، وعدم فعل الوقوف يمنع تمام الحج، وبعد الوقوف لا يجوز أن يفسد الإحرام لنقل فعل الطواف على الوجه الذي أوجبه الإحرام؛ [لأن بقاء الطواف لا يوجب الفساد، فلم يبق من الأفعال إلا الرمي، وتعذر فعله على الوجه الذي أوجبته التحريمة] يجري مجرى تركه، وذلك لا يمنع من صحة الحج.
٩٢٠٣ - ولأن ما قبل الوقوف حالة يجوز أن يجب فيها الحج بفواته، فجاز أن يجب
следующие страницы →