Полный текст (6 324 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
٩٣٧١ - فأما الكلام فيمن دخلها لحاجة، فلما روي [عن] ابن عباس ﵄: أنه قال: (لا يحل دخول مكة لأحد بغير إحرام، ورخص للحطابين)، والحظر والرخصة لا يملكها إلا صاحب الشرع، فكأنه روي عن النبي ﷺ . وذكر أبو الحسن، عن علي ﵁، قال: (لا يدخل أحد منكم إلا بإحرام)، ولا مخالف لهما.
٩٣٧٢ - قالوا: روي عن ابن عمر ﵄: (أنه دخل مكة بغير إحرام).
٩٣٧٣ - قلنا: يجوز أن يكون قصد ما قبل الحرم، فلما حصل هناك دخل مكة.
٩٣٧٤ - وقد روى خصيف عن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يجاوز أحد الميقات إلا وهو محرم، إلا من كان أهله دون الميقات)، ذكره أبو طاهر الدباس في شرح الجامع يإسناده.
стр. 1927
٩٣٧٥ - ولأن كل معنى إذا فعله المريد للنسك، أوجب دمًا، جاز أن يوجبه إذا لم يرده، أصله: قتل صيد الحرم.
٩٣٧٦ - ولأنه مسلم مكلف جاز الميقات لدخول مكة غير محرم، فجاز أن يلزمه إذا نسيه دم، أصله: المريد للحج.
٩٣٧٧ - احتجوا: بحديث ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ / قال: هذه المواقيت لأهلها، ولكل آت أتى عليها من غير أهلها ممن أراد حجًّا أو عمرة).
٩٣٧٨ - [و] قالوا: فمن لم [يرد] [حجًّا ولا عمرة؛ فليست بميقات له.
٩٣٧٩ - قلنا: يعلمه أنه ميقات لمن أراد النسك، ومن لم] يرده موقوف على الدليل.
٩٣٨٠ - وفائدة التخصيص: أن المريد للنسك يلزمه الإحرام بكل حال، ومن لا يريد النسك تارة يلزمه الإحرام إذا أراد مجاوزة الميقات إلى البستان وما قبله، فهذه فائدة التخصيص.
٩٣٨١ - ولأن قوله: (ممن أراد الحج أو العمرة) معناه: من أراد مكان الحج والعمرة، وقد سمى مكان العبادة باسمها، كقوله تعالى: ﴿وصلوات ومساجد﴾.
٩٣٨٢ - فإن قيل: هذا مجاز لا يحمل اللفظ عليه.
٩٣٨٣ - قلنا: قوله: (ممن أراد الحج والعمرة) يقتضي شرط إرادتهما، وذلك غير معتبر بالاتفاق، فكل منا قد ترك الظاهر من وجه.
٩٣٨٤ - قالوا: روى الأقرع بن حابس، قال: قلت: يا رسول الله الحج مرة أو أكثر؟، قال: بل مرة، وما زاد فهو تطوع).
стр. 1928
٩٣٨٥ - قلنا: لا نوجب الحج، وإنما يجب إحرام، فإن أدى به عمرة جاز، وإن أدى حجًّا جاز.
٩٣٨٦ - ولأن السؤال وقع عما وجب بإيجاب الله تعالى، وكلامنا وقع فيما وجب بسبب من جهة المكلف، والخبر لا يفيد نفي ذلك، ولهذا لم يفهم سقوط وجوب الحج المنذور.
٩٣٨٧ - قالوا: روى سراقة بن مالك قال: (قلت: يا رسول الله: عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟، فقال: بل للأبد).
٩٣٨٨ - قلنا: هذا إشارة إلى العمرة التي فسخوا الحج بها، وذلك للأبد، بمعنى: أنه لا يجوز الفسخ لأحد سواهم.
٩٣٨٩ - قالوا: تحية مشروعة لدخول بقعة شريفة، فوجب أن تكون مستحبة كتحية المسجد.
٩٣٩٠ - قلنا: يبطل بمن أراد دخولها للنسك، والمعنى في تحية المسجد: أنه لو أراد دخول المسجد [لعمرانه لم تجب التحية] كذلك إذا دخله لحاجة، وفي مسألتنا: لو أراد دخولها للنسك وجب الإحرام، كذلك إذا دخلها للحاجة.
٩٣٩١ - قالوا: دخول الحرم بغير نسك؛ فوجب أن لا يلزمه الإحرام للدخول، أصله: إذا كان داره في المواقيت ووراءها.
٩٣٩٢ - قلنا: وجوب الإحرام من الميقات لو كان للنسك لوجب على أهل مكة إذا أرادوا الإحرام أن يخرجوا إلى الوقت، فلما لم يلزمهم علم أن ذلك ليس هو لحرمة النسك، فلم يبق إلا أن يكون لحرمة الميقات في حق قاصد دخول الحرم.
٩٣٩٣ - والمعنى في اهل المواقيت ومن بعدهما: أنه يتكرر دخولهم الحرم؛ لأن مصالح أهل مكة تتعلق بهم، ومصالحهم تتعلق بالدخول، فلو كلفناهم الإحرام لشق ذلك عليهم، واستنصر أهل الحرم بذلك، وهذا لا يوجد في حق من بعد.
стр. 1929
مسألة ٥١٣
حكم من جاوز الميقات دون إحرام
٩٣٩٤ - قال أصحابنا: إذا جاوز الميقات غير محرم: لزمه إحرام. فإن أدى به حجة الإسلام في سنته: سقط عنه. وإن أخره إلى السنة الثانية: لم تجزه حجة الإسلام، ولزمه حجة أو عمرة.
٩٣٩٥ - وقال الشافعي على القول الذي قال: إن الإحرام من الميقات واجب: لا يلزمه شيء إذا تجاوزه ودخل مكة.
٩٣٩٦ - لنا: أنه سبب لوجوب إحرام، فإذا وجد: لزمه إحرام، ولم يسقط بمضي الوقت، كوجوب الزاد، والراحلة، والنذر.
٩٣٩٧ - فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الوجوب لا يسقط بحجة افسلام.
٩٣٩٨ - قلنا: إن كان الأصل وجود الزاد والراحلة: فهذه المعارضة لا تصح. وإن كان الأصل النذر، قلنا: ليس إذا سقط الوجوب بفعل واجب آخر ما يدل على سقوط الوجوب، كما أن الطهارة واجبة لصلاة الفرض، فلو توضأ لصلاة الجنازة سقط بذلك ما وجب عليه، ولم يدل على أن الطهارة لم تكن واجبة.
стр. 1930
٩٣٩٩ - ولأنه إحرام واجب؛ فجاز أن يلزمه فعله بعد مضي وقته، كإحرام حجة الإسلام.
٩٤٠٠ - ولأن كل من وجب عليه إحرام لم يسقط عنه مع بقاء الحياة والإسلام إلا بفعله، أصله: من وجد الزاد والراحلة، أو نذر.
٩٤٠١ - احتجوا: بالخبرين.
٩٤٠٢ - قلنا: أما حديث الأقرع بن حابس: فنفى وجوب أكثر من حجة واحدة، وقد بينا: أنه لا يوجب حجة.
٩٤٠٣ - وأما الخبر الآخر: فهو محمول على عمرة الفسخ، فلو أقربه مفعوله لحرمة المكان؛ فوجب أن لا يقضي. أصله: تحية المسجد ليست بواجبة، فلم يجب قضاؤها، والإحرام في مسألتنا قد وجب، فإذا لم يفعله لم يسقط وجوبه.
٩٤٠٤ - فإن قيل: النوافل التي في خلال الفرض كالاستفتاح تقضي وإن لم تكن واجبة؛ فانتقضت علة الأصل.
٩٤٠٥ - قلنا: غلط؛ لأن تحية المسجد لما لم تكن واجبة، لم يجب قضاؤها، وما في خلال الفرض من السنن لا يجب أن يقضى، كما لم يجب في الأصل، وإنما يجوز أن يقضي، وكلامنا وتعليلنا للوجوب، فما ذكروه طرد العلة.
٩٤٠٦ - قالوا: دخل الحرم على صفة لو حج من سنته لم يبق عليه القضاء، فكذلك وإن لم يحج من سنته، أصله: من كان من أهل المواقبت.
٩٤٠٧ - قلنا: يبطل بمن دخل مُهلا بحجته؛ ولأنه إذا حج فقد فعل المأمور به، وليس إذا لم يكن القضاء من أداء الفعل وجب أن لا يلزم من لم يفعل شيئًا.
стр. 1931
٩٤٠٨ - ولأن أهل المواقيت ومن دونها: فقدمنا أن مصالحهم متعلقة بدخول مكة، وكذلك مصالح أهل مكة بهم، ففي إيجاب الإحرام عليهم إلحاق مشقة، وهذا المعنى لا يوجد فيمن بعد.
٩٤٠٩ - قالوا: كل من لا يستقر علمه بدخول الحرم مهلا إذا كان من أهل المواقيت، فكذلك إذا كان من غير أهلها. أصله: إذا حج من سنته.
٩٤١٠ - قلنا: إذا حج من سنته فيه فعل ما اقتضاه الأمر، وإذا أخر الحج فلم يفعل ما يقتضيه الأمر. وفرق بين الأمرين في إيجاب القضاء، بدلالة: من أحرم بحجة الإسلام فأداها: سقط عنه مقتضى الأمر، ولو أفسدها لم يفعل مقتضى الأمر، واستقر عليه القضاء.
٩٤١١ - قالوا: الإحرام لا يجب عليه بالدخول، بدليل: أنه لو ورد ليدخل فأقام ف يمكانه أو انصرف إلى بلده: لم يجب عليه الإحرام، فثبت أنه يلزمه إذا أراد الدخول، [فصار كالطهارة لصلاة النافلة.
٩٤١٢ - قلنا: وجوب الإحرام يتعلق بإرادة الدخول، فإذا تم وجب عليه بالدخول] حتى إذا فسد وجب عليه القضاء. ولا فرق بين هذا وبين الطهارة لصلاة النافلة عندنا، فإنها تتعلق بالإرادة، فإذا دخل في الصلاة بطهارة وجبت، فإن أفسدها، لزمه القضاء بطهارة، وليس هذا كما إذا دخل في النافلة بغير الطهارة؛ لأن ذلك ليس بدخول، فلا يجب به شيء، ودخول الحرم قد صح، جواز به، كأن يدخل في الصلاة بطهارة.
٩٤١٣ - قالوا: لو وجب القضاء بترك الإحرام أدى إلى إيجاب الإحرام بغير نهاية؛ لأنه كلما حضر الميقات لزمه إحرام به، فوقع ما يفعله عن الحال دون الماضي، وهذا كمن نذر أن يصوم أبدًا، ثم أفطر لم يلزمه القضاء؛ لأن كل يوم مشغول بما
стр. 1932
وجب عليه من النذر عن القضاء.
٩٤١٤ - قلنا: له سبيل إلى القضاء من غير ما ذكروه، فإنه يأتي بإحرام من مكة فيسقط عن نفسه فوجب ما لزمه. ثم هذا ليس بصحيح؛ لأن عندنا إذا عاد إلى الميقات سنة أخرى فالذي يجب عليه به لحرمة الميقات أن يتجاوزه إلى مكة محرمًا، فليس عليه أن يأتي بالإحرام للميقات، فإذا حضره وأحرم بما عليه. لم يلزمه بمجاوزة الميقات معنى آخر، وهذا كما لو أحرم منه بحجة الإسلام وبالمنذورة صح.
٩٤١٥ - ولا يقال: قد لزمه بالدخول إحرام، وحجة الإسلام لزمة بالشرع، فيؤدي إلى إيجاب ما [لا] نهاية له.
٩٤١٦ - قالوا: فإذا كان يجري من حرمة الميقات حجة الإسلام، دل على أنه لا يوجب الإحرام.
٩٤١٧ - قلنا: هذا مغالطة؛ لأنا لا نتكلم في هذه المسألة إلا بعد تسليم وجوب الإحرام بالميقات، فإذا الوجوب ثابت بالاتفاق بما زعمتم، والقضاء يجب بأمر آخر، فموجبه يحتاج إلى دليل.
٩٤١٨ - قلنا: إذا اتفقنا على أن مجاوزة الميقات توجب إحرامًا، فهو كمن قال: لله على الحج في هذه السنة؛ لأن الإيجاب تعلق بسبب من جهته، فقد اتفقنا على أن النذر المؤقت لا يسقط بفوات الوقت، وكذلك هذه المسألة.
* ... * ... *
стр. 1933
مسألة ٥١٤
حكم مجاوزة النصراني للميقات ثم أسلم
٩٤١٩ - قال أصحابنا: إذا جاوز النصراني الميقات ثم أسلم وأحرم: لم يلزمه دم لترك الميقات.
٩٤٢٠ - وقال الشافعي: إذا جاوز مريدا للنسك وأحرم: وجب عليه دم، وإن أخر الإحرام عن سنته: فلا شيء عليه.
٩٤٢١ - لنا: أن ما جعل سبب وجوب حال الكفر من العبادات لم يخاطب به بعد الإسلام، كمضي وقت الصلاة، دخول الحول على المال، وقد دل على ذلك: قوله ﵊: (الإسلام يجب ما قبله).
٩٤٢٢ - ولأنه اسلم بعد مجاوزة الميقات، فصار كما لو دخل مكة ولم يحج [في] تلك السنة.
٩٤٢٣ - احتجوا: بأنه جاوز الميقات مريدًأ للنسك، وأحرم جونه من سنته/ ومضى [فيه] قبل رجوعه إلى الميقات فلزمه الدم، قياسًا على المسلم.
стр. 1934
٩٤٢٤ - قلنا: إرادة النسك مع الكفر لا يتعلق بها حكم لا يتعلق بالنذر وبفعل العبادة.
٩٤٢٥ - ولأن المعنى في المسلم: أنه ممن يجب عليه الإحرام بإيجابه، فجاز أن يلزمه بمجاوزة الوقت، والنصراني ممن لا يلزمه بإيجابه، فلم يلزمه بمجاوزة الوقت.
* ... * ... *
стр. 1935
مسألة ٥١٥
حكم بلوغ الصبي وإحرامه بعد مجاوزة الميقات
٩٤٢٦ - قال أصحابنا: إذا جاوز الصبي الميقات، ثم أحرم بعد بلوغه: لم يلزمه دم لترك الوقت.
٩٤٢٧ - وقال الشافعي في أحد قوليه: يلزمه.
٩٤٢٨ - لنا: أن سبب وجوب العبادة يصل فيه قبل البلوغ، فلم يلزمه بترك الفعل شيء، كما لو وجد الزاد والراحلة.
٩٤٢٩ - ولأن الحج وجب عليه بمكة، فصار كأهلها.
٩٤٣٠ - ولأنه إحرام وجد قبل البلوغ؛ فلم يلزمه بترك الوقت دم، أصله: إذا بلغ بعد الوقوف.
٩٤٣١ - وهم بنوا على أصلهم: أن إحرامه ينعقد، فصار كالبالغ.
٩٤٣٢ - قلنا: ينعقد إحرامه إلا أنه ليس من أهل الوجوب، فلم يلزمه بترك فعله شيء.
* * *
стр. 1936
مسألة ٥١٦
حكم إحرام الصبي ثم يبلغ
٩٤٣٣ - قال أصحابنا: إذا أحرم الصبي ثم بلغ، فإن جدد الإحرام ووقف بعرفة: أجزأه عن حجة الإسلام، وإن لم يجدد الإحرام: لم يجزئه.
٩٤٣٤ - وأما العبد إذا عتق: فإنه لا يجزيه ذلك الإحرام عن حجة الإسلام، جدد إحرامه، أو لم يجدد.
٩٤٣٥ - وقال الشافعي: إن عتق أو بلغ قبل الوقوف، أو في حال الوقوف، أجزأه الحج عن حجة الإسلام، وإن دفعا من عرفة، ثم بلغ الصبي وأعتق العبد، فإن رجعا فوقفا ليلاً: أجزأهما، وإن لم يرجعا: لم يجزئهما عن حجة الإسلام، وهذا هو المذهب.
٩٤٣٦ - قال: وحكي عن ابن سريج: أنه قال: يجزيه عن حجة الإسلام.
стр. 1937
٩٤٣٧ - لنا: قوله ﵊: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، ولم ينو الفرض في مسألتنا، فلا يكون له ذلك.
٩٤٣٨ - ولأن الصبي صار مكلفًا بعد الإحرام؛ فلم يجزئه عن حجة الإسلام، أصله: إذا بلغ بعد طلوع الفجر من يوم النحر.
٩٤٣٩ - ولأنه لو نوى حجة الإسلام، كالكافر يحرم ثم يسلم ويقف.
٩٤٤٠ - ولأن الصبي لم يتقدم إحرامه اعتقاد الإيمان، فصار كالكافر.
٩٤٤١ - ولأن سبب وجوب الحج طرأ على إحرامه، فلم ينعقد عن الفرض، فلا يجزئ عنه، كما لو تنفل بالإحرام، ثم نذر الحج ووقف.
٩٤٤٢ - ولأنه أحرم قبل البلوغ؛ فلم يجزئ ذلك عن حجة الإسلام، كما لو أحرم قبل أشهر الحج.
٩٤٤٣ - وأما العبد فنقول: إن الإحرام ركن من أركان الحج، فإذا فعله في حال الرق، فلا يؤدى به عن حجة الإسلام، أصله: إذا عتق بعد فوات وقت الوقوف.
٩٤٤٤ - ولأنه إحرام انعقد بنية الفرض لم يجزئه عن حجة الإسلام حال وقوعه؛ فلا يجزئ عنها في الثاني، أصله: إذا أحرم قبل الأشهر.
٩٤٤٥ - احتجوا: بما روى عبد الرحمن بن معمر الديلمي، قال: (أتيت رسول الله ﷺ بعرفة، وأتاه ناس من نجد، فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟، فقال: الحج عرفة، فمن جاء قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه).
٩٤٤٦ - قالوا: والألف واللام للعهد، فهذا يدل أنه أدرك حجة الإسلام.
٩٤٤٧ - قلنا: هذا البيان لجنس الحج، بدلالة: أن هذا الحكم الذي بينه لا يختص بحجة الإسلام، فكأنه قال: من وقف بعرفة قبل الفجر فهو حاج، وكذلك نقول، والكلام في أنه حج نفل أو فرض، وليس هذا في الخبر. يبين ذلك: أن السؤال
стр. 1938
لم يقع عن كيفية الحج؛ لأنه لو كان كذلك لبين جميع الأفعال، ولم يقتصر على وقت الإدراك، ولا وقع السؤال أيضًا عن حجة الإسلام؛ لأن الحكم الذي ذكره عام، فلم يبق إلا أن يكون السؤال وقع عما يقع به الإدراك، وعندنا: أنه مدرك للحج بهذا الوقوف، فقد قلنا بموجب الخبر.
٩٤٤٨ - قالوا: وقف بعرفة في إحرام صحيح وهو كامل، فوجب أن يدرك به حجة الإسلام، أصله: إذا أحرم وهو حر.
٩٤٤٩ - قلنا: المعنى فيه أن إحرامه لم ينعقد بحج عن حجة الإسلام، فلذلك أجزأ الوقوف. وفي مسألتنا: انعقد حجه بحج عن حجة الفرض، فلم يجزه عنه، كما لو أحرم بنفل ثم بنذر الحج.
٩٤٥٠ - فإن قيل: يجوز أن ينعقد الإحرام مراعى ثم يقع عن الفرض، كمن أحرم بشيء مبهم فإحرامه يقع لإحدى عبادتين، وكمن صلى عندكم في أول الوقت.
٩٤٥١ - قلنا: إذا أحرم بشيء مبهم فإحرامه يقع لإحدى عبادتين، فإذا تعينت للحج لم تتعين إلا للفرض، فحال ما صار الإحرام حجًا غير الفرض فلم يجزئ عنه.
٩٤٥٢ - وأما الصلاة في أول الوقت فالصحيح: أنها تقع واجبة على أحد أقوال أبي الحسن، ثم إن الشيء إنما يصح أن ينعقد مراعى إذا تقدمه سبب الوجوب. ومعلوم: أن الصبي والعبد لم يحصل سبب الوجوب في حقهما، فصورتهما صورة من عقد الصلاة قبل الوقت وعجل الزكاة قبل ملك النصاب.
٩٤٥٣ - قالوا: أتى بالأعمال الموجبة للإحرام في حال الكمال، فوجب أن يجزئ عن حجة الإسلام، قياسًا على الحر البالغ.
٩٤٥٤ - قلنا: الكمال إن كان شرطًا في صحة الأركان التي هي الوقوف والطواف، فكذلك يجب أن يكون شرطًا في صحة الركن الذي هو الإحرام. يبين ذلك: أن الأفعال تؤدى بمقتضى الإحرام وتترتب عليه، فإذا كان الكمال يعتبر في الأفعال فأولى أن يعتبر في الإحرام.
٩٤٥٥ - والمعنى في الحر البالغ: أن أفعاله [تقع عما انعقد إحرامه به، فلذلك
стр. 1939
العبد والصبي يجب أن يقع أفعالهما عما] انعقد إحرامهما به، كما بعد البلوغ والعتق. أو نقول: المعنى فيه أنه لو أحرم فرضًا وقع إحرامهما عنه، فإذا أبهم لم يقع عنه، والعبد إذا عقد الفرض لم يقع عنه، [فإذا أبهم لم يقع عنه].
٩٤٥٦ - وربما بنوا هذه المسألة على أصلهم ممن عليه فرضها، كذلك لا يقع الوقوف عن النفل ممن عليه، وهذا أصل نخالفهم فيه.
* * *
стр. 1940
مسألة ٥١٧
إذا أحرم العبد بإذن سيده
٩٤٥٧ - قال أصحابنا: إذا أحرم العبد بإذن سيده: كره للمولى أن يحلله، فإن حلله: تحلل.
٩٤٥٨ - وقال الشافعي: لا يجوز أن يحلله، فإن نهاه قبل الإحرام، فعلم بالنهي وأحرم: فله أن يحلله، وإن لم يعلم بالنهى حتى أحرم: ففيه وجهان.
٩٤٥٩ - لنا: أنه إحرام عقده في حال الرق، فكان للمولى فسخه، كما لو أحرم بغير إذن المولى.
٩٤٦٠ - ولأنه أذن لعبده في الإحرام، فجاز له الرجوع، كما لو رجع قبل أن يحرم.
٩٤٦١ - ولأنه مالك لمنافعه؛ فيملك أن يمنعه من فعل الحج، كالابتداء.
٩٤٦٢ - احتجوا: بأن الإحرام عقد لازم، فإذا عقد العبد بإذن سيده: لم يملك فسخه عليه، كالنكاح.
٩٤٦٣ - قلنا: منافع البضع يملكها العبد، فإذا أذن له في العقد ملك المنافع، فلم يجز للمولى فسخه، وليس كذلك منافع نفسه؛ لأن العبد لا يملكها وإن ملكه المولى،
стр. 1941
فبقيت على ملك المولى بعد الإذن، فجاز له الرجوع. يبين ذلك: أن أجنبيًا لو أعاره شيئا فملكه المولى، فإذا أباحه منافعه بقيت على ملكه كما كانت.
٩٤٦٤ - قالوا: من جاز له فسخ الإحرام إذا عقده بغير إذنه، لم يجز له فسخه إذا عقده بإذنه، أصله: الزوج إذا أذن لزوجته.
٩٤٦٥ - [قلنا: الزوج إذا أذن لزوجته]؛ فقد سقط حقه بالإذن، فملكت المنافع، فلا يجوز الرجوع فيها، والعبد لا يملك منافع نفسه، فبقيت على حكم المولى، فجاز له الرجوع فيها، كالمعير.
٩٤٦٦ - قالوا: لما كان للمولى أن يفسخ الإذن؛ لأنه في حكم المعير، جاز للعبد أن يفسخ؛ لأنه في حكم المستعير.
٩٤٦٧ - قلنا: العبد أوجب الإحرام بهذه المنافع، فلا يجوز فسخه مع القدرة على المضي فيه، وما لم يمنعه المولى فهو قادر على المضي فيه. يبين ذلك: أنه لو أحرم بغير إذن مولاه فلم يحلله المولى؛ لم يجز له التحليل وإن كانت المنافع على ملك المولى ولم يسقط حقه عنها، كذلك بعد الإذن، ولا يملك التحلل وإن ملك المولى ذلك.
* * *
стр. 1942
مسألة ٥١٨
إذا دخل العبد مكة بغير إحرام ثم اعتق فأحرم
٩٤٦٨ - قال أصحابنا: إذا دخل العبد مكة بغير إحرام، ثم أعتق فأحرم: لزمه دم بترك الوقت، وإن لم يعتق فأحرم: لزمه دم إذا أعتق.
٩٤٦٩ - وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يلزمه دم.
٩٤٧٠ - لنا: أنه جاوز الميقات غير محرم، وهو على صفة يصح إحرامه، فوجب أن يلزمه دم، كالحر الذي يريد النسك.
٩٤٧١ - ولأنه مكلف أحرم دون ميقاته، فلزمه لترك الوقت دم، كالحر.
٩٤٧٢ - ولا يلزم الكافر؛ لأن الدم يلزمه ويسقط بالإسلام.
* * *
стр. 1943
مسألة ٥١٩
إذا أحرم بحجتين أو عمرتين
٩٤٧٣ - قال أبو حنيفة: إذا أحرم بحجتين أو عمرتين: لزمتاه جميعًا، ومتى يصير رافضًا لإحداهما؟ إذا سار من مكانه.
٩٤٧٤ - وروى عنه: أنه لا يصير/ رافضًا] حتى يبتدئ بالطواف.
٩٤٧٥ - وقال الشافعي: ينعقد إحرامه بإحداهما.
٩٤٧٦ - لنا: قوله تعالى: ﴿فرض فيهن الحج﴾، وليس هاهنا عهد ينصرف إليه اللفظ؛ لأنه لم يرد باللفظ حجة الإسلام خاصة؛ لأن الحكم المذكور يتناول كل إحرام، فعلم أن المراد به: الجنس، فظاهره يقتضي: أنه لو أحرم بأكثر من حجة جاز.
٩٤٧٧ - فإن قالوا: المذكور فيها تحريم المحظورات، وهي عندنا محرمة إذا أحرم.
٩٤٧٨ - قلنا: المقصود بها بيان الانعقاد والتحريم جميعا؛ ولأنهما نسكان لو انفرد كل واحد منهما صح، فإذا اجتمع بينهما، انعقد، أصله: الحج والعمرة.
стр. 1944
٩٤٧٩ - قالوا: المعنى فيهما أن الزمان يتسع لفعلهما شرعًا، فلذلك انعقد إحرامه بهما، والحجتان لا يتسع الوقت لفعلهما شرعًا، فلم ينعقد إحرامه.
٩٤٨٠ - قلنا: لو كان هذا المعنى هو المانع من انعقادهما، [وهما يتساويان في المنع من انقضاء كل واحد منهما؛ لأن المعنى المانع] إذا وجد في شيئين متساويين، أثر فيهما جميعًا، فلما انعقد أحد الإحرامين، دل على أن الآخر أيضا انعقد؛ لأن الدخول سبب الوجوب، كالنذر.
٩٤٨١ - ولا يلزم الزاد والراحلة؛ لأنه لا يوجب حجًا ولا عمرة.
٩٤٨٢ - ولا يلزم الإحصار؛ لأن الحج يجب بالدخول لا بالإحصار.
٩٤٨٣ - فإن قيل: النذر يجوز أن يجب به صلاتان، ولا يصح الدخول فيهما؛ ولأنه يثبت المنذور في الذمة، والذمة تتسع لحجتين، والدخول يعلق الوجوب بالوقت، وهو لا يتسع لهما.
٩٤٨٤ - قلنا: الدخول في الحج إنما يراد للإيجاب، بدلالة: أن أفعاله لا يجب أن تبطل بالتحريم، كما لا يجب أن تتصل بالنذر فيهما سواء.
٩٤٨٥ - ولأن من دخل في حجتين لا يجوز أن يكون دخل ليفعل؛ لأنهما لا يجتمعان في الفعل، وإنما دخل للإيجاب خاصة.
٩٤٨٦ - فأما الصلاتان: فمن شرط أفعال الصلاة أن يتصل تحريمتهما، وإنما دخل في صلاتين، فلم يجز أن يكون الدخول للإيجاب؛ لأن أفعالهما لا
стр. 1945
يصح أن تتأخر عن إحرامهما، وأنه أتى بإحرام الحجة الثانية مع النية ممن يصح منه الإحرام، فصارت كالأولى.
٩٤٨٧ - ولأنهما عقدان متفقان في الحكم والصفة، فلم ينعقد أحدهما، كتزوج الأختين، وكالظهر مع العصر، وطرده يمنع العيدين.
٩٤٨٨ - احتجوا: بحديث الأقرع بن حابس: (قال: قلت: يا رسول الله الحج مرة أو أكثر؟، فقال: بل مرة، وما زاد فهو تطوع).
٩٤٨٩ - قلنا: قد بينا أن المراد: الحج الواجب بالشرع، وكلامنا وقع فيما يجب بفعله وإيجابه، والخبر لم يتناول نفي ذلك، بدلالة النذر.
٩٤٩٠ - قالوا: عبادتان لا يتسع الزمان لفعلهما معاً شرعاً، فوجب أن لا ينعقد إحرامه بهما، كالظهر والعصر.
٩٤٩١ - قلنا: ضيق الوقت منهما إنما يمنع من إيقاع فعلهما، وهذا المعنى لا يمنع من انعقاد الإحرام، كما لو أحرم يوم عرفة من الكوفة.
٩٤٩٢ - ولا معنى لقولهم: إن هناك يتسع الوقت شرعاً، وإنما ينعقد مع بعض المسافة؛ لأن الفعل إذا تعذر لبعد المسافة لم يمنع الانعقاد، كذلك إذا تعذر بالشرع لا يمنع الانعقاد.
٩٤٩٣ - والمعنى في الصلاتين: أنهما لو تساويا وكان تعذر المضي فيهما يؤثر منع كل واحد منهما من انعقاده، فلو كان هذا المعنى مانعاً من انعقاد الإحرام في مسألتنا مع تساويهما منع من كل واحد منهما.
٩٤٩٤ - ولا يلزم على هذا: إذا نوى صوم رمضان، وصوما آخر؛ لأنه لا ينعقد بهما وينعقد بأحدهما؛ لأن الصومين لم يتساويا، بدلالة: أن أحدهما مستحق في الزمان والآخر غير مستحق في الزمان، فلما لم يجتمعا صح أحدهما، كما لو جمع بين أمه وحرة في عقد، صح نكاح الحرة؛ لأنه لم يتناوله نكاح الأمة وبمثله لو جمع بين الأختين لم يصح واحد من النكاحين.
٩٤٩٥ - قالوا: عبادتان لا يصح المضي فيهما، ولا يصح الإحرام بهما، أصله:
стр. 1946
الصلاتان.
٩٤٩٦ - قلنا: إن أرتم أن المضي لا يصح حكماً: بطل بالعبد يحرم بغير إذن مولاه. وإن أردتم بالمضي من طريق المشاهدة: يبطل بمن أحرم ليلة النحر من الكوفة.
٩٤٩٧ - قالوا: هناك يمكنه أن يمضي؛ لأنه يصير فائت الحج، ويمضي يطوف ويسعى.
٩٤٩٨ - قلنا: معنى قوله: يمضي في العبادة: إنما هو أن يأتي بمقاصدها.
والمحرم بالحج لا يقصد بإحرامه أن يطوف ويسعى ويتحلل، فلا يكون هذا مضياً فيما أوجب. والمعنى في الصلاتين: أن إحرامهما إنما يراد ليتصل إحرامهما بالتحريمة، فإذا تعذر ذلك لم ينعقد. والحج يراد بحريمته لإيجاب الأفعال لا لاتصالهما بالتحريمة، فلذلك جاز أن لا يصح قبله بعد المضي فيه.
٩٤٩٩ - قالوا: الإحرام شرط من شرائط الحج، فوجب أن لا يصح فعله عن حجتين معاً، كالوقوف والطواف والسعي.
٩٥٠٠ - قلنا: لسنا نقول: إن الإحرام الواحد يقع لهما، بل هو محرم بإحرامين كل واحد منهما لحجة، كما نقول في القران، وكذلك الوقوف لا يجزئ وقوف واحد عنهما، بل يحتاج كل إحرام إلى وقوف وطواف.
٩٥٠١ - ولأن الإحرام يوجب الأفعال، وليس إذا كان الفعل الواحد يوجب عبادتين كانت الأفعال الموجبة تتداخل، كما أن النذر الواحد يوجب إحرامين، والأركان لا تتداخل.
стр. 1947
٩٥٠٢ - قالوا: حكم الإحرام يقتضي انعقاد النسك والمضي فيه، ثم قد ثبت: أنه إذا أحرم بحجتين سقط أحد ما اقتضياه وهو المضي فيهما، ووجب أن يسقط المقتضي الآخر، وهو الانعقاد.
٩٥٠٣ - قلنا: قد يحرم العبد بغير إذن المولى، فيسقط المضي، ولا يسقط الانعقاد، وكذلك إذا أحرمت المرأة بغير إذن زوجها.
٩٥٠٤ - ولأن سقوط المضي بمعنى حادث بعد الانعقاد، ولا يؤثر فيه بدلالة الإحصار.
٩٥٠٥ - قالوا: لو كانت الحجة الثانية قد انعقدت، لم يجز أن يتحلل منها إلا لسبب حادث، ولم يحدث في مسألتنا ما يوجب الفسخ.
٩٥٠٦ - قلنا: إنما يصير رافضاً لها في إحدى الروايتين: بالسير، وفي الرواية الأخرى: بالطواف؛ لأنها لو بقيت صارت الأفعال واقعة عن الإحرامين، إذا ليس أحدهما بأولى من الآخر، فلما لم يجز أن يقع عمل واحد لحجتين، ولا لعمرتين أن يتعين أحدهما ليقع العمل للآخرى.
***
стр. 1948
مسألة ٥٢٠
من احرم بحجة فأدخل عليها عمرة
٩٥٠٧ - قال أصحابنا: فيمن أحرم بحجة فأدخل عليها عمرة: جاز، ويكره له ذلك.
٩٥٠٨ - وهو قول الشافعي في القديم، وقال في الجديد: لا يجوز.
٩٥٠٩ - لنا: أنه أحد الإحرامين، فجاز إدخاله على الآخر، كما يجوز إدخال الحجة على العمرة.
٩٥١٠ - وقال الشافعي: إنه إذا كان أحرم بحجة قبل أن يدخل [في] طواف العمرة: جاز ذلك قولاً واحداً.
٩٥١١ - ولأن كل ما جاز إدخال الحج عليه جاز إدخاله على الحج، كالصيام.
٩٥١٢ - ولأنه يستفيد بإحرامها عملاً، وهو النسك، وهو الطواف والسعي ودم القران، فصار كإدخال الحج على العمرة.
٩٥١٣ - احتجوا: بأن القارن يطوف طوافاً واحداً، ولا يستفيد بالإحرام إلا ما أوجبه الحج من العمل. وهذا أصل نخالفهم فيه؛ لأن عندنا يستفيد به الطواف والسعي ودم القران، ثم هذا يبطل بالجمع بينهما ابتداء، فإنه يصح بالإجماع، ولا يستفيد بذلك عملا على قوله.
٩٥١٤ - فإن قيل: يقع الطواف والسعي للإحرامين.
стр. 1949
٩٥١٥ - قلنا: لو انضمت العمرة إلى الحج: وجب الطواف والسعي، فلا فائدة في الصم. ثم إذا أدخل العمرة على الحجة فما الذي يمنع من أن يكون الطواف لهما؟
٩٥١٦ - فإن قالوا: لأنه وجب للحج.
٩٥١٧ - قلنا: وكذلك إذا جمعهما ابتداء قد وجب الضم.
***
стр. 1950
مسألة ٥٢١
حكم الاستئجار على الحج
٩٥١٨ - قال أصحابنا: لا يجوز الاستئجار على الحج، وعلى سائر الطاعات، مثل: الأذان، والإمامة، وتعليم القرآنز
٩٥١٩ - وقال الشافعي: يجوز الاستئجار على الحج، والأذان.
٩٥٢٠ - قالوا: ويجوز استئجار الشاهد على أداء الشهادة إذا لم يتعين عليه، وإن تعينت عليه وكان فقيراً ينقطع عن كسبه جاز أن يأخذ على الشهادة عوضاً.
٩٥٢١ - لنا: قوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الأخرة نزد له في حريه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له/ في الأخرة من نصيب﴾، والأجبر: إنما أراد حرث الدنيا، فتبطل تلك القربة بفعله.
٩٥٢٢ - ولأنه بأخذ العوض تبطل القربة المقصودة بالعمل؛ بدلالة: العتق على مال لا يجزئ عن الكفارة.
٩٥٢٣ - ولأن كل فعل لا يجوز أن يستأجر عليه من يفعله، لا يجوز الأستئجار
стр. 1951
عليه كسائر العبادات.
٩٥٢٤ - فإن قيل: المعنى في الصلاة والصوم: أنه لا تصح النيابة فيهما.
٩٥٢٥ - قلنا: وكذلك نقول في الحج: ليس إذا جاز أن ينوب في الحج جاز الاستئجار.
٩٥٢٦ - ولأن الإمام يستنيب القاضي في الأحكام ولا يجوز أن يستأجره.
والأعمال المجهولة تصح النيابة فيها، ولا يصح الاستئجار عليه، ويستخلف الإمام في الصلاة إذا أحدث، ولا يجوز أن يستأجر عليه.
٩٥٢٧ - ولأن كل ما لا يجوز استئجار العبد عليه لا يجوز استئجار الحر [عليه]، كالجهاد، أو عبادة تفتقر إلى قطع مسافة، كالجهاد.
٩٥٢٨ - فإن قيل: المعنى في الجهاد: أنه لا تصح النيابة فيه، ولا يصح أن يضيفه إلى غيره.
٩٥٢٩ - قلنا: ليس كذلك؛ لأنه يصح أن ينوب فيه بنفقته ويضيفه الشاخص إلى القاعد.
٩٥٣٠ - فإن قيل: الجهاد من فروض الكفاية، فمن حضر الوقعة يلزمه فعل الجهاد عن نفسه، فلم يجز أن ينوب عن غيره.
٩٥٣١ - قلنا: فكذلك المستناب في الحج يلزم عليه المضي فيه بالدخول، فيصير واجباً عليه، فلا يصح أن يأخذ الأجرة عنه من غيره.
٩٥٣٢ - وإن من شرط الحج أن يكون قربة لفاعله، فلا يجوز الاستئجار عليه، كصلاة الجنازة.
٩٥٣٣ - ولأنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة؛ فلا يجوز الاستئجار على فعلها، كالصوم.
٩٥٣٤ - ولأنه يسقط بإحرامه ما لزمه بمجاوزة الميقات، وما أسقط به الإنسان فرض نفسه، لم يجز أن يخذ الأجرة عليه، كالجهاد.
стр. 1952
٩٥٣٥ - احتجوا: بأن كل ما جاز أن يفعله الغير عن الغير تطوعاً وتبرعاً؛ جاز أن يفعله عنه بعقد الإجارة، كالبناء.
٩٥٣٦ - قلنا: يجوز أن يتطوع عنه بالأعمال المجهولة، ولا يجوز أن يستأجر عليها.
والمعنى في النيابة: أنه يجوز أن يستأجر الكافر عليه، فجاز استئجار الحر المسلم عليه.
٩٥٣٧ - قالوا: لأنه من فرائض الأعيان يجب بوجود مال، فجاز أن يدخله النيابة، [أصله: الزكاة.
٩٥٣٨ - قلنا: الزكاة لما جاز أن ينوب فيها من عليه فرضها، جاز أن ينوب في أداء فرضها، وفي مسألتنا بخلافه.
٩٥٣٩ - قالوا: عمل تدخله النيابة]؛ فجاز عقد الإجارة عليه، كبناء المساجد.
٩٥٤٠ - قلنا: الوصف غير مسلم؛ لأن النيابة لا تدخله عندنا، ولو سلمنا ذلك انتقض بنيابة الشاخص عن القاعد في الجهاد.
٩٥٤١ - ولأن بناء المساجد قربة، ليس من شرطها: أن تكون في نسبة لفاعلها، ولهذا يجوز أن يتولاها الكافر، وفي مسألتنا: من شرط الحج: أن يكون قربة لفاعلها، فلم يجز الاستئجار عليه.
٩٥٤٢ - قالوا: يجوز أن يفعله عن غيره بنفقة يأخذها منه، فجاز أن ينوب عنه بالإجارة، كسائر الأعمال.
٩٥٤٣ - قلنا: إنما جاز أخذ النفقة؛ لأن الإنسان يجب عليه [بوجود المال أن يحج بنفسه وينفق المال، فإذا عجز عن أداء الحج بنفسه، وجب عليه] دفع المال إلى
стр. 1953
غيره ليصرفه في عمل الحج ليسقط عن المحجوج عنه ما وجب من الحج ويحصل له ثواب النفقة. وإذا استأجره بمال ملكه الأجير بعقد الإجارة، فصار منفقاً لمال نفسه في عمل الحج، فلا يسقط به فرض المجوج عنه، ولا يحصل له ثواب الإنفاق، ولهذا نقول: إن تطوع الحج عنه لم يسقط به فرصه.
***
стр. 1954
مسألة ٥٢٢
حكم المحرم إذا قتل صيدا
٩٥٤٤ - قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا قتل المحرم صيداً: وجب بقتله القيمة، يحكم بها ذوا عدل، والقاتل بالخيار، إن شاء صرفها إلى الهدي، وإن شاء إلى الإطعام، وإن شاء إلى الصيام.
٩٥٤٥ - وقال محمد: يلزمه مثله من جهة الخلقة إن كان له مثل، وإن لم يكن له مثل: فقوله مثل قولهما.
٩٥٤٦ - وقال الشافعي: الواجب مما له نظير: النظير، ومما لا نظير له: القيمة، فإن أراد إخراج الطعام يخرج الطعام بقيمة النظير.
٩٥٤٧ - لنا: قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾. وهذا عام فيما له نظير وفيما لا نظير له، ثم قال تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمداً﴾.
стр. 1955
والهاء في قوله: ﴿قتله﴾ كناية عن الصيود التي يتناولها العموم؛ فوجب أن يحمل المثل على ما يعم الجميع، وذلك هو القيمة التي تعم الجميع.
٩٥٤٨ - ولأن الله تعالى أوجب المثل، وذلك في الشرع عبارة عن مثل من جنسه أو مثله من قيمته، فوجب حمل المثل في مسألتنا على المثل المستقر في الشرع.
٩٥٤٩ - ولأنه تعالى قال: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، إن العدل إنما شرط فيما طريقه الخبر حتى لا يخبر من ليس بعدل بالكذب، والمثل من طريقة الخلقة يعلم بالمشاهدة؛ فلا معنى لشرط العدالة فيه، فدل أن المثل هو القيمة التي لا تدل عليها المشاهدة حتى يوثق بقول العدل فيها، كما يوثق بقوله في الشهادات وقيم المتلفات.
٩٥٥٠ - ولأنه تعالى قال: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً﴾، والتخيير إذا حصل بين أشياء، فكل واحد منها يتعلق بما يتعلق به الآخر، فكأنه قال: هو هدي أو مثل أهو صيام، وهذا لا يكون إلا على قول من أوجب القيمة، قال: فأي الأصناف الثلاثة صرفها كانت هي المثل.
٩٥٥١ - ولأن قوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ ظاهره يقتضي: أنه حكم غير باق أبداً، وهذا لا يكون إلا في القيمة التي تختلف باختلاف الأزمان، فأما المثل من طريق الخلقة: فإنهما إذا حكما به مره، كان ذلك تاماً أبداً، فلا يحتاج إلى الحكمين فيه أبداً.
٩٥٥٢ - فإن قيل: العلم بالمثل من طريق الخلقة أخفى من القيمة، فلذلك شرط العدالة فيهما.
٩٥٥٣ - قلنا: لكنهما إذا أثبتا مثل الظبي والضبع: حكم بمثله أبداً، ألا ترى: أنه ليس فيها عندهم ما يختلف، فتارة يكون اجتهاداً حتى يوجب في السمين سميناً
стр. 1956
وفي الكبير كبيراً. قلنا: هذا يعلم بالمشاهدة أيضاً، فلا يحتاج فيه إلى العدالة.
٩٥٥٤ - قال مخالفونا: هذه الآية حجه لنا؛ لأن قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قال من النعم﴾، لو اقتصر عليه لاقتضى مثله من جنسه، فلما قال: ﴿من النعم﴾ علم: أنه أراد مثله من النعم، فيكون تفسير الآية: فجزاء مثل ما قتل من النعم عن المقتول.
٩٥٥٥ - قلنا: هذه الآية قرئت بقراءتين، فقراءة أهل الكوافة بضم المثل، تقديرها: فعليه جزاء مثل الذي قتله من النعم، ويكون قوله: ﴿من النعم﴾ [بياناً] للبنى المحذوفة الراجعة من الصلة إلى الموصول، وهذا مرجح على كل تأويل في الآية؛ لأن الجار والمجرور في قوله، ﴿من النعم﴾ في موضع نصب، فعلى هذا التقدير هو معمول قوله جزاء. ومثل: هذا معمول يليه لا فصل بينهما.
٩٥٥٦ - وعلى قولهم: قوله: ﴿من النعم﴾ صفة للمثل، والعامل فيه المبتدأ، وهو قوله: ﴿فجزاء﴾ لم يفصل بين العامل والمعمول بشيء.
٩٥٥٧ - ومن تأول الآية فلم يفصل بين العامل والمعمول بشيء، فقوله أولى، بين ذلك: أن ما وصلها لإمكان نحره إلا وبعدها مفسر لها حتى إنه قد جاء بعدها مفسر لها هو أعم منها.
٩٥٥٨ - قال الله تعالى: ﴿إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء﴾، وما يدعون لابد أن يكون شيئاً، إلا أنه لم يحلها فيما يليها، فلما قال الله تعالى:
стр. 1957
﴿فجزاء مثل﴾، فقتل صلة، فالظاهر: أن قوله: ﴿من النعم﴾ بيان لها، فحمله على ذلك أولى من حمله على صفة المبتدأ.
٩٥٥٩ - وأما قراءة أهل الحرمين والشام، وهو قوله: (فجزاء مثل) بإضافة الجزاء إلى المثل، ففيه وجهان: إن شئت جعلت مثل على حقيقة إضافية؛ لأن جزاء مثل الشيء هو جزاء الشيء، ومثل هذا في القرآن، قال الله تعالى: ﴿فإن ءامنوا بمثل ما ءامنتم به فقد اهتدوا﴾، وذلك لأنهم إذا آمنوا بمثل ما آمنا به، فقد آمنوا بما آمنا.
٩٥٦٠ - والوجه الثاني: أن المثل إضافة لفظية، والمراد بها: نفس الشيء، من ذلك قولهم: لا يحسن بمثلك أن يفعل كذا، وأن يصنع كذا وكذا، أي: أنت.
٩٥٦١ - وقوله: أنا أكرم مثلك، أي أنا اكرمك، ومثله قوله تعالى: ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات﴾ والمثل [والمثل] والشبه والشبه واحد، قال الشاعر:
مثلى لا يحسن قولا فيعفى
أي: أنا لا أحسن، مكانه.
٩٥٦٢ - قال: فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم، فهذا الذي تبيناه على القراءتين، يقتضي أن النعم صفة للمقتول لا للمثل، فسقط استدلالهم من الآية.
٩٥٦٣ - فإن قيل: النعم لا يتناول الوحش/.
٩٥٦٤ - قلنا: غلط، قال أبو عبيدة: النعم، يتناول الوحش، قال الله تعالى:
стр. 1958
﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾، فلولا أن النعم بهائم غيرها لم يكن لإضافة البهيمة إلى الأنعام معنى، وإنما أباح من جملة الأنعام البهائم، ولم يبح السباع؛ لأنها لا تسمى بهائم، وإنما تسمى كواسر. وأكثر ما يلزمنا مخالفنا: أن نسلم له أن قوله: ﴿من النعم﴾ صفة المثل، فعند أبي حنيفة: يجب من النعم مثل المقتول في نيمته، وعندهم: في خلقته.
٩٥٦٥ - والمماثل لا يقتضي أكثر من مماثلة في وجه واحد، فإذا تساويا في اعتباره سقط استدلالهم.
٩٥٦٦ - قالوا: فقد قال الله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، والكناية عندكم نرجع إلى أقرب مذكور، وعندنا إلى الكل، فأي الأمرين كان فليس في الكلام فيه مذكور ترجع الكناية إليه.
٩٥٦٧ - قلنا: الكناية ترجع إلى المثل، وقد تنازعنا المراد به، فعندهم المراد به: المثل خلقة، والكناية ترجع إليه.
٩٥٦٨ - قالوا: قال الله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديا﴾ فثبت أن المراد به: يحكمان بالجزاء هدياً.
٩٥٦٩ - قلنا: قال الله تعالى: [هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين] كفأنه قال: جزاء هدياً، وجزاء طعاماً، فاقتضى: أن الطعام هو الجزاء، وعندهم: أنه بدل الجزاء.
٩٥٧٠ - قالوا: خير الله القاتل بين ثلاثة أشياء، وانتم تثبتون معنى رابعاً، وهو
стр. 1959
أن يتصدق بالقيمة نفسها، فيكون ذلك وجهاً رابعاً.
٩٥٧١ - قلنا: قد دللنا على أن المراد بالآية: القيمة، فكأنه قال: فجزاء قيمة [ما قتل يحكم به ذوا عدل يصرفه إلى الهدي أو الإطعام أو الصوم، فإذا دلت الآية على إخراج الإطعام بدلاً عن القيمة]، دل على إخراجها في نفسها.
٩٥٧٢ - قالوا: قراءة الإضافة وإن كان له إضافة الجزاء إلى المثل، فالجزاء هو المثل، والمثل هو الجزاء، وإن أضيف أحدهما إلى الآخر، كما قال: في الآية: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ فأضاف الكفارة في هذه القراءة إلى الطعام، ثم كانت الكفارة هي الطعام، والطعام هو الكفارة، وكما يقال خاتم حديد، وباب حديد. قلنا الإضافة على ضربين: إضافة الجزء إلى الجملة، كقوله: باب حديد، وإضافة الاختصاص، كقوله: غلام زيد، فقوله: (جزاء مثل) قد علمنا أن الجزاء ليس بعض المثل، فلم يبق إلا أن يكون إضافة اختصاص، فلا يكون الجزاء هو المثل.
٩٥٧٣ - وأما قراءة نافع ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾. المراد بالإضافة: إضافة اختصاص؛ لأن الكفارة تارة تكون طعاماً، وتارة تكون غيره، فأضافها إلى الطعام ليبين تخصيصها به إذا أخرجت.
٩٥٧٤ - ولأنه متلف، فلا يضمن بالمثل من طريق الصورة من غير جنسه، كسائر المتلفات.
٩٥٧٥ - ولأنه مضمون يضمن بغير جنسه؛ فضمن بالقيمة، كالصيد في حق الآدمي.
٩٥٧٦ - ولأنها جناية على الصيد؛ فوجب فيها القيمة، أصله: ما لا نظير له، وضمان جنس الصيد.
٩٥٧٧ - ولأن ما يضمن بالقيمة في حق الآدمي يضمن بها حق الله تعالى،
стр. 1960
أصله: ما نقول فيمن أتلف ما لا مثل له على آدمي، أو أتلفه من مال بيت المال؛ لأن ما يضمن بالمثل في حق الآدمي يضمن بذلك في حق الله تعالى، أصله: من أتلف طعاماً قد أخذه المصدق من العشر.
٩٥٧٨ - ولا يلزم الكفارة في قتل الصيد، أنه يضمن في حق الآدمي بالقيمة، وفي حق الله تعالى بالكفارة التي هي المثل؛ لأن العبد يضمن بالقيمة أيضا إذا أتلف عبداً من بيت المال، فأما الكفارة: فلا يضمن العبد بها، بدلالة: أنها لو وجبت ضماناً عنه لاختلفت باختلاف صفته.
٩٥٧٩ - احتجوا بحديث جابر ﵁: (أن النبي ﷺ قال: الضبع صيد يؤكل، فيه كبش إذا أصابه المحرم).
٩٥٨٠ - قالوا: أوجب فيه كبشاً، وعندكم تجب فيه قيمته، وهو أوجب كبشا، وظاهره يقتضى جواز كبش ينقص عن قيمته؛ لأنه اعتبر الاسم، وعندكم لا يجوز قدره بالكبس، فلو كان الواجب القيمة، كانت تختلف باختلاف الأزمان والبلدان.
٩٥٨١ - قلنا: هذا قاله على طريق التقويم؛ بدلالة: أن عندهم تعيين صفة الكبش بصفة الضبع، فلو كان تقديراً شرعاً، لبين صفته، فلما لم يبين علم أنه أراد القيمة، وفي الغالب أن قيمة الضبع في اللحم لا تزيد على شاة، فبين ﵊ ما يجب بقتل الضبع.
٩٥٨٢ - قالوا: أفتت الصحابة في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي
стр. 1961
الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة. روي هذا متفرقاً عن علي، وعثمان، وابن عمر، وابن عابس، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وجابر، ومعاوية ﵁. قضوا بذلك في أزمان مختلفة وبلدان مختلفة وأسفار مختلفة، فلو كان بالقيمة ما اتفقوا على ذلك. قلنا: إنما قضوا بذلك على طريق التقويم، بدلالة: أنهم لم يعتبروا الصفات، وما يجب بإتلافه المثل يعتبر صفاته، كالحنطة، فلما لم يعتبروا السمن والهزال والصغر والكبر؛ دل أنهم أوجبوا ذلك فيه.
يبين ذلك: أنهم أوجبوا في الحمار بقرة، ولا تشابه في الخلقة بين الحمار والبقرة.
٩٥٨٣ - وقولهم: أنه لم ينقل أحد منهم اعتبار القيمة، غلط؛ لأن غالب أموالهم الحيوان، وهذه الأشياء لا تزيد على ما أوجبوه في الغالب.
٩٥٨٤ - وقولهم: إن البدنة خير من النعامة، والشاة خير من الضبع: ليس بصحيح؛ لأن قيمة هذه الأشياء قد تبلغ البدنة والشاة في الغالب.
٩٥٨٥ - قالوا: أوجبت الصحابة عناقاً وجفرة، وعندكم لا يجزئ ذلك.
٩٥٨٦ - قلنا: لا يجب هذا، ويجزئ صدقة وإطعام، فالحيوان إنما كان على هذا الوجه، ثم ذد روي عن ابن عباس ﵁، وهذا بيان لما حكمت به الصحابة.
٩٥٨٧ - قالوا: حيوان مخرج في الكفارة، فوجب أن لا يكون بالقيمة، كالمخرج في فدية اللباس والطيب.
٩٥٨٨ - قلنا: المخرج في هذه الكفارات لا على سبيل البدل، ألا ترى: أنه
стр. 1962
ليس فيها معنى يقوم به، فلهذا لم يكن المخرج قيمة، ولما كان الواجب في مسألتنا عوضاً عن المتلف، جاز أن يعتبر بقيمته.
٩٥٨٩ - ولأن كفارة اللبس والطيب إذا عدل عن الهدي إلى غيره وجب بنفسه، لا على طريق القيمة كذلك الهدي. فلما كان في كفارة الصيد إذا عدل عن الهدي إخراج الإطعام بالقيمة عندنا بقيمة المقتول، وعندهم بقيمة النظير، كذلك الهدي نفسه يجوز أن يجب بالقيمة.
٩٥٩٠ - قالوا: حيوان مخرج في حق الله تعالى، فلم يكن للقيمة معنى، كعتق الرقبة بقتل الآدمي.
٩٥٩١ - قلنا: إنما يجب إن لم تختلف الرقبة باختلاف صفة المقتول في صغره وكبره، وسائر صفاته، فدل [على] أنها ليست بقيمة. ولما اختلف ما يجب في مسألتنا بصغر الصيد وكبره، وصفاته دل على أنه يدل عنه، ويدل المتلفات قد يكون بالقيمة.
٩٥٩٢ - قالوا: الأعيان المضمونة ثلاثة [أصناف]: آدميون، وأموال، وصيود. فالآدميون على ضربين: الحر يضمن بمثله، والعبد بقيمته، والأموال على ضربين: فالمثل فيما له مثل، والقيمة فيما لا مثل له؛ فوجب أن يكون الصيود على ضربين: ما يضمن بمثله، و [ما] يضمن بقيمته.
٩٥٩٣ - وتحريره: أنه أحد المتلفات؛ فوجب أن ينقسم ضمانها قسمني: بالقيمة، وغير القيمة. دليله: الأموال، والآدميون.
٩٥٩٤ - قلنا: هذه الأنواع كلها لا يضمن بمثلها من غير جنسها، كذلك الصيد أيضا لا يضمن بمثله من غير جنسه، وعلى أنا لا نسلم أن الآدمي يضمن بمثله؛ لأن الكفارات ليس بضمان عنه، ألا ترى: أنها لا تختلف باختلاف صفته، ولو كان ذلك على وجه الضمان لاختلف.
***
стр. 1963
مسألة ٥٢٣
إذا اختار إخراج الإطعام أو اختار الصيد
٩٥٩٥ - قال أصحابنا: إذا اختار إخراج الإطعام، أو اختار الصيد: فإنه يطعم عنه بقيمة المقتول.
٩٥٩٦ - وقال الشافعي: بقيمة النظير.
٩٥٩٧ - لنا: قوله تعالى: ﴿ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين﴾. [فكأنه] قال: يحكم به ذوا عدل منكم هدياً أو جزاء، هو إطعام.
٩٥٩٨ - ولأنه خير بين الأشياء الثلاثة، فلا يكون أحدها بدلاً عن الآخر، كالعتق، والإطعام، والكسوة في كفارة اليمين.
٩٥٩٩ - ولأنه طعام أخرجه في جزاء الصيد؛ فوجب أن يكون بدلاً عن المقتول،
стр. 1964
كالإطعام فيما لا نظير له.
٩٦٠٠ - ولأنها كفارة خير فيها بين الهدي والإطعام؛ فلا يكون الإطعام بدلا [عن الموتى، ككفارة الآدمي، وهم بنوا على أصلهم: أن الواجب هو النظير، فإذا أخرج غيره كان بدلاً عن] النظير؟! وقد تكلمنا على هذا الأصل.
***
стр. 1965
مسألة ٥٢٤
جزاء الصيد من الهدي
٩٦٠١ - قال أبو حنيفة: لا يجزئ في جزاء الصيد من الهدي إلا ما يجزئ/ في الأضحية.
٩٦٠٢ - وقال الشافعي: يجزئ العناق، والجفرة، والحمل.
٩٦٠٣ - لنا قوله تعالى: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾، فسمى ذلك هديا.
٩٦٠٤ - وقال النبي ﷺ في الهدي: (أدناه شاة).
следующие страницы →