Полный текст (6 324 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
١٠٣٩٢ - فإن قيل: المراد به: التطوع، بدلالة: قوله تعالى ﴿والبدن جعلناها لكم﴾.
١٠٣٩٣ - قلنا: هي لنا بمعنى استحقاقنا للثواب بها وإن كانت علينا.
١٠٣٩٤ - قالوا: قوله: فكلوا أمر، وأقل أحواله أن يحمل على الندب، وليس بمندوب إلى الأكل إلا من التطوع.
١٠٣٩٥ - قلنا: هو مندوب إلى الأكل من دم المتعة والأضحية والتطوع؛ ولأنا قد دللنا على أن النبي ﷺ كان قارنًا ونحر البدن، وأمر عليًّا: يأخذ من كل بدنة بضعة فأكل ﵊ من لحمها وحسا من مرقها.
١٠٣٩٦ - ولا يقال: بأن الواجب سبع بدنة، والباقي تطوع، فقد أكل من التطوع، وذلك لأن الواجب شاة، وإذا أخرج بدنة فقد تطوع بالإحرام، ووقع الجميع عن الواجب، كمن أحرم، وكمن أخرج في الزكاة جذعة عن حقة على قولهم، وكمن أخرج شاة سمينة عن شاة وسط. ولأنا لو سلمنا لهم ما قالوه؛ فالتطوع مختلط بالواجب، فلو لم يكن الأكل من الواجب لم يأكل من الجميع؛ لأن ما لا يجوز غير متميز لا يجوز من الجانب. ولأنه دم لم يجب بإيجابه ولا بأمر الإحرام جنسه، فجاز الأكل منه، كالأضحية. ولأن من جاز له أكل الأضحية جاز له أكل دم المتعة، كالفقير وزوجته.
١٠٣٩٧ - احتجوا: بأنه دم وجب بحرمة الإحرام، أو دم واجب فصار كفدية الأذى.
١٠٣٩٨ - قلنا: المعنى فيه: أنه وجب لارتكاب أمر لا يباح من غير عذر،
стр. 2102
وليس كذلك دم المتعة؛ لأنه لم يجب بإيجابه ولارتكاب أمر حظر الإحرام جنسه. قالوا: هدي له بدل، أو هو كصوم لحجر الصيد.
١٠٣٩٩ - قلنا: المعنى فيه: أنه وجب على طريق العوض عن المقتول، فلم يجز له الانتفاع به. وفي مسألتنا: دم لم يجب بإيجابه ولارتكاب ما حظر الإحرام جنسه.
١٠٤٠٠ - قالوا: تكفير، ولا يجوز الأكل منه، كالإطعام. قلنا: لا نسلم أنه تكفير؛ لأنه عندنا دم نسك، فالتمتع فضيلة ولا يجب بفعلها كفارة.
* ... * ... *
стр. 2103
مسألة ٥٦٢
حكم بيع الهدى المعين
١٠٤٠١ - قال أبو حنيفة: إذا أوجب هديًا معينًا جاز له بيعه ويكره.
١٠٤٠٢ - وقال الشافعي: زال ملكه عنه ولا يجوز بيعه.
١٠٤٠٣ - لنا: ما روي: (أن النبي ﷺ ساق الهدي، فلما أحصر جعلها للأنصار)، ومعلوم أنه ساقها تطوعًا، ثم صرفها إلى غير ذلك، فلولا أنها باقية على ملكه، ويجوز تصرفه فيها لم يجز ذلك. ولأنه حق الله تعالى تعلق بالغير، فلا يزيل الملك ما لم يتدبر كالتدبير. ولأنه عينه ليقيمه مقام فرض في ذمته فلا يزول ملكه بالتعيين، كما لو قال: لله على أن أعتق هذا العبد في كفارة يميني؛ ولأنه حيوان جعله هديًا، فجاز بيعه، كما لو ساقه للنافلة.
١٠٤٠٤ - احتجوا: بما روي سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه (أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله، إني أهديت بخنيًّا وأعطيت به ثلاثمائة دينار، أفأبيعه وأشتري مكانه؟ قال: لا، انحره).
١٠٤٠٥ - قالوا: ومعلوم أن البخت يقصد به الركوب، ولحم البدن أنفع للمساكين منه، ومع هذا أمره النبي ﷺ بنحره.
١٠٤٠٦ - قلنا: عندنا يكره له فسخ التعيين وإقامه غيره مقامه، فمنعه الشرع من ذلك لأجل الكراهة.
стр. 2104
١٠٤٠٧ - قالوا: اعتبر نذر إخراجها على وجه القربة، فإذا ألزم النذر لم يجز البيع. أصله: إذا نذر عتق عبد بعينه.
١٠٤٠٨ - قلنا: لا نسلم؛ لأنه ممنوع من بيعه، فإن باعه جاز، كما أنه ممنوع من بيع الهدي، فإن باعه جاز.
١٠٤٠٩ - قالوا: الهدى معني يحصل بها السراية من الأم إلى الولد، فوجب إذا صح أن يمنع البيع، كالاستيلاد.
١٠٤١٠ - قلنا: لا نسلم أن الهدي يسري إلى الولد، ولهذا لا يجب عن الولد، وإنما يتصدق به؛ لأنه متعلق بها بجلالها وقلادتها: والمعني في الاستيلاد: أنه حق، ومتى تعلق برقبتها واستقر منع البيع كالرهن. وفي مسألتنا: حق الله تعالى تعلق بالرؤية، وإذا تم لم يمنع المبيع، كمن نذر أن يتصدق بما يعينه.
* ... * ... *
стр. 2105
مسألة ٥٦٣
حكم عمرة القارن إذا وقف بعرفة قبل الطواف
١٠٤١١ - قال أصحابنا: إذا وقف القارن بعرفة قبل أن يطوف للعمرة صار رافضًا.
١٠٤١٢ - وقال الشافعي: لا يصير رافضًا، ويطوف لها طوافًا واحدًا.
١٠٤١٣ - لنا: ما روي أن عائشة ﵂ لما دخلت مكة حاضت، وأمرها النبي ﷺ بالرفض)، فلو جاز بقاء أفعال العمرة مع الوقوف لم يكن لأمرها بالرفض معنى، ولا يجوز أن يحمل ذلك على تأخير الأفعال لما دللنا عليه فيما مضى.
١٠٤١٤ - فإن قيل: عندكم تصير رافضة بالوقوف، فلم أمرها بتعجيل الرفض؟.
١٠٤١٥ - قلنا: حتى لا يقع رفض لعبادة أخرى، فيوجب نقصًا في الوقوف. لأنه يقع بغير ما وضع له. ولا يجوز له الحلق يوم النحر، وكل من جوز له الحلق من غير عذر لم يكن ماضيًا في العمرة، كمن طاف. ولأن الوقوف ركن من أركان الحج، فإذا أتي به القارن قبل أن يفرد العمرة بطواف لم يبق للعمرة. أصله: طواف
стр. 2106
الزيارة والسعي. ولأنه جمع بين إحرامين، فإذا وقف بعرفة لم يكن ماضيًا فيهما، كمن أحرم بحجتين.
١٠٤١٦ - احتجوا: بأن الوقوف فعل من أفعال الحج أو نسك لا يتم الحج إلا به، فوجب أن لا يتعلق به رفض العمرة قياسًا على الإحرام.
١٠٤١٧ - قلنا: الإحرام إذا فعله فقد فعل ما لا يمنع لأن إدخال الحج على إحرام العمرة غير ممنوع منه، فلم يصر بذلك رافضًا. وأما الوقوف فهو فعله قبل الطواف/ فصارت العمرة داخلة على الحجة، ومضافة إليها، وهذا معنى ممنوع منه، فجاز أن يقع به الرفض.
١٠٤١٨ - قالوا: عبادة لا تبطل بفعل محظوراتها، ولا تبطل بفعل نسك فيها قياسًا على الحج.
١٠٤١٩ - قلنا: النسك الذي يفعله في الحج إن كان من جملة أفعالها فأفعال العبادة لا تنافيها. وإن كان من أفعال العمرة فلا يخلو أن يكون قبل أن يأتي بعمل الحج أو بعد العمل، فإن كان قبل العمل لم يصر رافضًا؛ لأنه يقدم أفعال العمرة ويتبعها الحج، وذلك غير ممنوع منه. وإن كان بعد أن عمل للحج عملاً، فإنه منهي عن أعمال العمرة، فيصير رافضًا للعمرة، كما يصير رافضًا في مسألتنا. والله أعلم.
* ... * ... *
стр. 2107
موسوعة القواعد الفهية
المسماة
التجريد
كتاب البيوع
стр. 2108
مسألة ٥٦٤
بيع وشراء ما لم يره
١٠٤٢٠ - قال أصحابنا: إذا باع ما لم يره أو اشترى ما لم يره، فالبيع جائز، وللمشتري الخيار إذا رآه. وأما البائع فهل له الخيار، فيه روايتان.
١٠٤٢١ - وقال الشافعي: إذا قال: بعتك ما في كمي، أو ما في البيت، فالبيع فاسد قولًا واحدًا. وإن ذكر الجنس والصفة، وقال: بعتك عبدي الرومي، ففيها قولان: قال في القديم، والصلح، والصرف، والإملاء: جائز، وقال في الأم والبويطي: باطل.
١٠٤٢٢ - واتفق أصحابه إذا شاهده البائع دون المشتري أنه على قولين: وأما إذا شاهده المشتري دون البائع، أو لم يشاهده واحد منهما، فمنهم من قال: باطل قولًا واحدًا، ومنهم من قال على قولين. وأما إذا ذكر جنس المبيع وصفته جاز العقد في أحد
стр. 2109
القولين، ولم يحتج إلى ذكر صفات السلم.
١٠٤٢٣ - ومن أصحابه من قال: يحتاج إلى ذكر معظمها، ومنهم من قال: يحتاج إلى ذكر جميعها، فإذا رآه كما وصف فله الخيار، نص عليه، ومن أصحابه من قال: لا خيار له.
١٠٤٢٤ - لنا: ما روى أبو هريرة، والنعمان بن بشير، وسلمة بن المحبق ﵃، وروى الحسن، وعطاء، ومجاهد مرسلا أن النبي ﷺ قال: (من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه)، فلولا أنه يجوز البيع لم يكن لذكر الخيار معنى.
١٠٤٢٥ - فإن قيل: قال الدارقطني مدار هذا الحديث على عمر بن إبراهيم ابن
стр. 2110
خالد الكردي، عن القاسم بن الحكم، عن أبي حنيفة، عن الهيثم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: وعمر بن إبراهيم غير صالح الحديث.
١٠٤٢٦ - قلنا: هذا حديث ذكره محمد في مزارعة الصغير، وذكره محمد الحاكم في المنتقى، عن هشام، عن محمد، ولا يضرنا الطعن على عمر بن إبراهيم.
١٠٤٢٧ - فإن قيل معناه: فهو بالخيار إن شاء اشتراه، وإن شاء لم يشتره.
١٠٤٢٨ - قلنا: ظاهر الخيار إذا ذكر عقيب العقد، أنه خيار الإجارة والتصحيح، فأما الخيار في ابتداء الشراء فلا تعلق له بالرؤية.
١٠٤٢٩ - فإن قيل: نحمله على من كان رأى المبيع ثم ابتاعه ولم يره عند العقد، فهو بالخيار إن كانت صفته تغيرت.
١٠٤٣٠ - قلنا: ذكر ﵊ خيارًا يتعلق بالرؤية، وهذا الخيار يتعلق بتغيير صفة المبيع لا بالرؤية.
١٠٤٣١ - ولأن الخبر يقتضي ثبوت الخيار عند الرؤية في جميع الأحوال، تغيرت صفة المبيع أو لم تتغير، ويدل عليه إجماع الصحابة.
١٠٤٣٢ - روى ابن أبي مليكة عن علقمة بن وقاص الليثي، قال: اشترى طلحة بن عبيد الله من عثمان بن عثمان مالًا بالكوفة، وهو لطلحة اليوم بالكوفة، فقيل لعثمان: أرى قد غبنت، قال: لي الخيار؛ لأني بعت ما لم أر فقال طلحة: إلى الخيار؛ لأني اشتريت ما لم أر فحكما بينهما جبير بن مطعم فقضى أن الخيار
стр. 2111
لطلحة، ولا خيار لعثمان)، وهذا اتفاق منهم على جواز العقد مع عدم الرؤية.
١٠٤٣٣ - فإن قيل: عمر ﵁ مخالف؛ لأنه قال: (إنما البيع صفقة أو خيار).
١٠٤٣٤ - قلنا: ليس في ذلك دلالة على الخلاف؛ لأنه جعل [البيع صفقة أو خيارًا]، هذا من نوع الخيار.
١٠٤٣٥ - ولأنه نوع عقد لوجود الرؤية وعدمها في انعقاده سواء، كالنكاح، أو عقد فلم يكن من شرطه، رؤية المعقود عليه، كالكتابة.
١٠٤٣٦ - فإن قيل: المعنى في النكاح: أنه فقد فيه ما لا تأثير له في العقد، فإنه حين يشاهدها غررًا قطعًا لا خيار له، فلهذا لم يقدح في النكاح.
١٠٤٣٧ - قلنا: ولو وجدها برصاء أو مجذومة نفذ الخيار عنده، فهو الرؤية يتوصل إلى العلم بهذه الصفات، ولهذا تأثير في العقد.
١٠٤٣٨ - ولأنه إذا كان لا يثبت الخيار إلا بتغير الصفات، فأولى أن يعتبر الرؤية ليستدرك مقاصد العقد التي لا يستدركها بثبوت الخيار.
١٠٤٣٩ - فإن قيل: المقصود بالنكاح الوصلة، فلذلك لا يعتبر فيه الرؤية، والمقصود بالبيع المعاينة، فلهذا اعتبر فيه الرؤية.
١٠٤٤٠ - قلنا: المقصود بالتزويج الوصلة إلا أنه يقصد وصلة من كان على صفة دون صفة، وهذا معنى مقصود بالعقد، بدلالة) قوله ﵊: (إذا أراد أحدكم أن يتزوج امرأة فلينظر إليها).
стр. 2112
١٠٤٤١ - ولأنها جهالة تؤثر في تسليم المبيع فأشبهت جهالة الصورة والقيمة، وإذا رأى المبيع فلم يعرفه.
١٠٤٤٢ - وجهالة القيمة لا تلزم إلا الوصية وجهالة رأس المال المجهول في السلم. لأنا قلنا: جهالة لا تؤثر في تسليم المبيع؛ [لأن جهالة رأس المال عندنا تؤثر في التسليم]؛ لأنه يجد بعضه زيوفًا فيرده، ولا يدري كم الباقي من المسلم فيه.
١٠٤٤٣ - قالوا: يبطل إذا باع ذرة في صدفه.
١٠٤٤٤ - قلنا: المانع من المبيع هناك الجهالة لا المانع في العبد، فإنه باع ما يتضمنه خلقة حيوان، والثوم باعه ما في مضمون الخلقة مما يفسد بتسليمه [ظاهر النواة]، ولهذا لو ظهر بعض النواة لم يجز البيع وإن زالت الجهالة بظهور بعضها؛ لأن الجهالة لعدم الرؤية جهالة لو حصلت في بعض المبيع لم يمنع صحة العقد، وكذلك إذا حصلت في جميعه، كجهالة القيمة، وعكسه، أو جهالة العين، بيان ذلك: أنه يبيع الصبرة وقد رأى المشتري ظاهرها، ورأى الدار ولا يرى داخل البئر وسائر الحيطان.
١٠٤٤٥ - فإن قيل: رؤية ظاهرة الصبرة تصير به معلومة، ولهذا لم يثبت له الخيار.
١٠٤٤٦ - قلنا: الخيار عندنا لا يثبت للجهالة، بدلالة أنه: لو وصف له المبيع ووجده على تلك الصفات وأفضل ثبت الخيار عند الرؤية، فكيف يستدل السقوط على العلم بالمبيع.
١٠٤٤٧ - ولأنه أحد البدلين في البيع، فلم يكن رؤيته شرطًا في صحة العقد،
стр. 2113
كالثمن إذا كان غير معين.
١٠٤٤٨ - فإن قيل: المعنى فيه: أنه في الذمة، فهو كالمبيع إذا كان من الذمة.
١٠٤٤٩ - قلنا: إن كانت الرؤية شرطًا لم يصح العقد على ما في الذمم، لعدم الرؤية فيه.
١٠٤٥٠ - فإن قيل: عدم الرؤية لا تأثير له في الثمن؛ لأن عندكم لا يثبت الخيار.
١٠٤٥١ - قلنا: لأنا لا نثبت خيار الرؤية؛ لأنه لا يستدرك برده فائدة، والأعيان مستدرك بردها فائدة، فاستويا في وجود العلل واختلفنا في الخيار لهذا المعنى.
١٠٤٥٢ - ولأن رؤية ما يقصد بالعقد ليس بشرط في صحة العقد، وهو ما في داخل الجوز واللوز مستتر بما له من الستارة فائدة، وفي مسألتنا استتر بما لا فائدة له فيه.
١٠٤٥٣ - قلنا: علة الأصل تبطل باللبن في الضرع والحمل، وعلة الفرح تبطل بداخل الصبرة.
١٠٤٥٤ - فإن قيل: الجوز يصير معلومًا برؤية قشره، ولهذا لا يثبت خيار الرؤية إذا رأى ما في داخله.
١٠٤٥٥ - قلنا: إنما لا يثبت الخيار لأنه دخل عيب الكسر، فمنع ذلك الرد.
١٠٤٥٦ - احتجوا: بما روى أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر)، ورواه علي، وعبد الله بن عمر.
стр. 2114
١٠٤٥٧ - قالوا: فالغرر مال تردد بين جائزين، سلامة المال، وهلاكه. وفي هذا البيع غرر من وجهين، أحدهما: أن العبد الغائب لا يدري هل هو باق أم لا، وإن كان باقيًا فلا يدرى أيسلم له أم لا؟.
١٠٤٥٨ - قلنا: الغرر ما كان الغالب منه عدم السلامة، بدلالة: أن الخارج من المفازة بغير صحبة، يقال له: غرر بماله، ولا يقال للخارج في صحبة: قد غرر، وإن جاز أن يسلم وجاز أن يهلك؛ لأن الغالب منه السلامة، فلو كان الغرر عبارة عما تردد بين السلامة والهلاك، كانت البياعات كلها غررًا لجواز أن تهلك قبل القبض، ولكان ما عليه بم ابتاعه، فكانت المخاطرة قائمة.
١٠٤٥٩ - وقيل: إن معنى الغرر ما ذكرناه، وليس الغالب في بيع ما لم يره عدم التسليم، بل الغالب منه إمكان التسليم، فلم يكن ذلك غرورًا. فإن الغرر ما كان الغالب منه عدم السلامة، والعين الغائبة الأصل وجودها، وجواز أن تكون هالكة ويجوز أن تكون باقية، فلم يتعذر عدم التسليم/ فيها.
١٠٤٦٠ - قالوا: روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، (أن النبي ﷺ قال: لا يحل شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس
стр. 2115
عندك).
١٠٤٦١ - قالوا: ومن باع عبدًا بالبصرة فقد باع ما ليس عنده.
١٠٤٦٢ - [قلنا: البيع في مسألتنا يجوز فيما ليس عنده] باتفاق، إذا كان قد رآه، فعلم أن الفساد عندهم لمعنى آخر، وهو الجهالة، أو عدم الرؤية، فأما أن يكون لما ذكر من الخبر فلا، فلم يبق إلا أن يحمل الخبر على بيع ما ليس في ملكه؛ لأن العقد لا ينفذ فيه للمعنى المذكور في الخبر دون غيره.
١٠٤٦٣ - فبين ذلك أن الخبر خرج على هذا السبب، وهو: (أن حكيم بن حزام قال: كنت أدخل السوق واستحسن السلع ثم أخرج وأبيعها، ثم أرجع فأبتاعها ثم أسلمها)، فبان بهذا السبب أن معنى الخبر ما ذكرنا.
١٠٤٦٤ - قلنا: نخصه بسببه، ولكنا لما اختلفنا في معناه جعلنا السبب شاهدًا لما ذكر من التأويل.
١٠٤٦٥ - لأنه مبيع مجهول الصفة عند التعاقد، فوجب أن يكون باطلًا، أصله: إذا قال: بعتك ثوبًا.
١٠٤٦٦ - قلنا: المعنى من الأصل: أنه مجهول في عينه، فأما أن يكون مجهول الصفة فلا؛ ألا ترى: أن النكاح لا ينعقد على هذا الوجه؛ لأنه لو قال: زوجتك أمة
стр. 2116
لم يصح. وجهالة العقد لا تمنع صحة النكاح، وإنما تمنعه جهالة العين، ومع ذلك لا يعقد على هذا الوجه حتى يقول: زوجتك أمتي، أو هذه الأمة، فبان أنه مجهول العين، فلا يصح أن تعتبر جهالة الصفة بجهالة العين.
١٠٤٦٧ - ولأن هذه الجهالة لو حصلت من بعض المعقود عليه منعت العقد، كذلك إذا حصلت من جميعه لم يمنع.
١٠٤٦٨ - أو نقول: هذه الجهالة تمنع التسليم؛ لأن كل عبد يحضره البائع يلتمس المشتري غيره. وفي مسألتنا إذا قال: بعتك الثوب الذي في كمي، لم يتعذر التسليم؛ لأن القاضي يأمره بإخراج ما في كمه، فإن رضيه المشتري أخذه وإن لم يرضه تركه.
١٠٤٦٩ - فإن قيل: إن هذه الجهالة لا تمنع التسليم؛ لأنه يعطيه ما يقع عليه اسم الثوب، كالوصية، والإقرار، كما لو أسلم في ثوب جيد أعطاه ما يقع عليه الاسم، أو يعطيه ثوبًا وسطًا، كما لو تزوج على ثوب.
١٠٤٧٠ - قلنا: هذا مخالف للوصية والإقرار؛ لأن الجهالة لا تؤثر فيهما ولأن المرجع إلى قول المقر والورثة، فلا يؤدى تصحيح الوصية والإقرار إلى تعذر التسليم.
١٠٤٧١ - وأما النكاح فلا تصح التسمية فيه إذا ذكر ثوبًا، وإنما تصح إذا سمى عبدًا؛ لأن الجهالة لا تؤثر في ثبوت المهر، بدلالة: ثبوته مجهول الوزن، ويقضى منه بالوسط، كذلك هبة مجهول الصفة، وأما السلم فيصح إذا سمى جيدًا ويؤمر بتسليم ما يقع عليه اسم الجيد، إلا أنه لا يصح السلم مع جهالة المقدار، وفي
стр. 2117
مسألتنا مقدار مجهول، وكل ثوب يحضره يخالفه المشتري في قدره ويتعذر التسليم؛ لأن الحاكم لا يمكنه قطع الخصومة في ذلك.
١٠٤٧٢ - وقالوا: أخبار مجهولة، تقتضي لا تتعلق بكل بيع، فوجب أن يبطل البيع، أصله: إذا قال: بعتك على أن الخيار متى شئت.
١٠٤٧٣ - قلنا: الخيار إذا أثبت حكمًا لم تؤثر الجهالة فيه، بدلالة: خيار العيب، وخيار المجلس عندهم. وإنما تؤثر الجهالة في الخيار الذي يثبت من جهة الشرط، والمعنى في الأصل: أن الخيار يثبت شرطا، فالجهالة مؤثرة فيه.
١٠٤٧٤ - وفي مسألتنا: يثبت الخيار حكمًا، فالجهالة لا تؤثر فيه، كخيار العيب، يبين ذلك: أن الخيار يلحق بالعقد، كالأجل، ثم لو شرط أجلًا مجهولًا بطل العقد، ولو تأجل الثمن حكمًا لم تؤثر جهالته في العقد، مثل أن يفلس المشتري أو يأبق العبد فيتأخر تسلم الثمن حتى يتمكن البائع من التسليم، ومدة ذلك مجهولة، فلا تؤثر في العقد.
١٠٤٧٥ - قالوا: بيع عين لم يرها ولا شيئًا منها، فكان باطلًا، كما لو باع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والنوي في التمر، والحمل، واللبن في الضرع.
١٠٤٧٦ - قلنا: قولهم لم ير شيئًا منها، لا يؤثر في الأصل؛ لأنه لو رأى السمك في الماء، والطير في الهواء لم يجز بيعه، وكذلك النوى في التمر لو ظهر بعضه لم يجز البيع، وكذلك الحمل لو ظهر بعض الولد فباعه لم يصح، وكذلك اللبن لو حلب بعضه ثم باع جميعه لم يجز وإن كان قد رأى بعضه، ومثله لو أخرج بعض اللبن من المرجل فرآه، ثم
стр. 2118
باعه جميعه جاز، فعلم أن الوصف غير مؤثر في الأصول التي قاسوا عليها.
١٠٤٧٧ - قالوا: بل مؤثر عندنا؛ لأن السمك لو كان في حفرة حصل فيها فرآه جاز البيع.
١٠٤٧٨ - إن كان هذا هو الأصل فالبيع جائز عندنا إذا أمكن أخذه بغير صيد، وإنما الأصل الذي نسلمه هو الموضع الذي يستوي فيه الرؤية وعدمها.
١٠٤٧٩ - قالوا: تأثيره في جميع الصبرة والجوز واللوز، فإنه لو رأى بعض ذلك جاز.
١٠٤٨٠ - قلنا: فنحن نطالبكم بالتأثير في الأصل الذي قستم عليه، فإذا لم يؤثر الوصف فيه لم ينفع أن سؤالنا التأثير في غيره، ثم المعنى في بيع الصيد: ما يتعذر تسلمه في وقت وجوب التسليم، وليس كذلك العين المعاينة؛ لأن تسلمها لا يتعذر في وقت وجوب تسليمها، فأما النوى في التمر فإن تسليمه لا يكن إلا بضرب ما لم يستحق بالعقد، وهو تكسير التمر.
١٠٤٨١ - فإن قيل: يبطل إذا باع أحد المصراعين.
١٠٤٨٢ - قلنا: لا ضرر هناك من التسليم، وإنما وقع الضرر لعقد البيع حين أفرده بالتمليك. فأما اللبن والحمل فالمعنى فيهما: أنه باع بعض ما تضمنته خلقة الحيوان غير شائع في جميعه، فصار كبيع يده ورجله.
١٠٤٨٣ - قالوا: بيع عين بصفة، يوجب أن يكون باطلًا، كالسلم في الأعيان.
١٠٤٨٤ - قلنا: إذا جاز السلم في الموصوف وهو غير معين، فجواز البيع في العين
стр. 2119
الموصوفة أولى؛ لأن الصفة تكون في العين المشاهدة ما لا تكون في المعدوم، فأما إذا أسلم في عين ولم يشترط جاز، وكان بيعا عبر عنه بالسلم، فإن أسلم فيها مؤجلًا بطل العقد لدخول التأجيل في العقد؛ لأنه عقد على عين موصوفة.
١٠٤٨٥ - قالوا: الرؤية معنى يتوصل به إلى معرفة المبيع لها تأثير في العقد، فصار وجودها شرطًا لذلك.
١٠٤٨٦ - قلنا: يبطل بمشاهدة العيب بالمبيع، فإنه معنى يتوصل به إلى معرفة المبيع؛ لأنه يعلم مقدار المعقود عليه إذا رأى العين، ولذلك تأثير في العقد؛ لأنه إن وقف على العيب لزم العقد، وليس وجوده شرطًا.
١٠٤٨٧ - ثم المعني في صفات السلم: أن جهالته تمنع التسليم، وهذه الجهالة لا تمنع، والأصول موضوعة.
١٠٤٨٨ - على أن الجهالة إذا أثرت في التسليم منعت العقد، وإن لم تمنع لا تؤثر. ألا ترى: أنه لو باع صبرة مجهولة القدر، جاز البيع؛ لأن جهالتها لا تمنع التسليم، ولو باع صبرة غير معينة لم يجز العقد؛ لأن الجهالة تؤثر في التسليم.
١٠٤٨٩ - وأما قولهم: إن الرؤية كالصفة، فليس بصحيح؛ لأن الصفة يعلم بها الموصوف، والرؤية فيه لا يعلم بها، ألا ترى: أن من باع فصًا فرآه المشتري وهو لا يعلم أجوهر هو أو زجاج جاز العقد وإن كانت الجهالة باقية مع الرؤية. وكذلك إذا باع الدرياق فإنه متى رآه من ليس يطيقه لم يعرفه. فقولهم إن الرؤية كالصفة، غير مسلم فسقط بهذا.
стр. 2120
مسألة ٥٦٥
ما يتم تحقيق البيع به
١٠٤٩٠ - قال أصحابنا: إذا تبايعا تم البيع بالإيجاب والقبول. ولا خيار لواحد منهما، إلا أن يشترط الخيار، أو يكون في المعقود عليه عيب، أو وقع العقد على عين لم يرها.
١٠٤٩١ - وقال الشافعي: خيار المجلس ثبت في كل عقد لازم يقصد به العوض.
١٠٤٩٢ - ومتى يقع الملك؟، فيه ثلاثة أقوال، أحدهما: يقع بالعقد، والثاني: يقع بالعقد وسقوط الخيار، والثالث: موقوف مراعى، وينقطع الخيار بالافتراق، وأن يخير أحدهما الآخر، فيقول له في المجلس: اختر، فإن قال الآخر: اخترت. تم البيع. فإن سكت الآخر فخياره بحاله، وخيار الذي خيره على وجهين، الصحيح منهما وهو المذهب: أن خياره ينقطع. فأما إن تعاقدا على أنه لا يثبت خيار المجلس ففيه قولان، أحدهما: لا خيار والآخر لا يسقط الخيار ولا يبطل البيع بهذا الشرط.
وقيل فيه وجهان، أحدهما: يبطل البيع، والآخر: يبطل الشرط، ويصح البيع بالخيار.
١٠٤٩٣ - قالوا: فإن تصرف البائع نفذ تصرفه على الأقوال كلها، وإن تصرف المشتري، فإن أعتق الجارية تم البيع فيها ونفذ عتقه علي قول، فإن فسخ البيع لم ينفذ العتق.
١٠٤٩٤ - وإن قالوا: إن الملك لا يقع بالعقد، أو قالوا: مراعى، وإن قالوا: ملك بالعقد.
стр. 2121
١٠٤٩٥ - قال الشافعي لا ينفذ عتقه؛ لأن ملكه لم يتم، وقال ابن سريج ينفذ.
١٠٤٩٦ - وإذا باع الأب مال الصغير لنفسه، قال بعضهم: يتم البيع، بأن يقوم من المجلس، وقال بعضهم: لا يتم أبدًا حتى يقول: اخترت.
١٠٤٩٧ - لنا: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ /، هذا يقتضي بالعقد إذا وجد جاز للمشتري الأكل، وهذا خلاف قولهم.
١٠٤٩٨ - قالوا: قصد بالآية الفرق بين الأكل والتجارة، والأكل بالباطل لا يمتنع أن يقصد بها هذا، وبين بها الإباحة بما يسمى تجارة.
١٠٤٩٩ - قالوا: أباح الله تعالى الأكل بالتجارة، والتجارة التي تستبيح وجوه التفريق.
١٠٥٠٠ - قلنا: لسنا نرجع في وجود التجارة إلى الحكم وإنما نرجع إلى اللغة بالعرف، والعرف يسمى العقد تجارة وإن لم يوجد فيه الافتراق.
١٠٥٠١ - ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾، فأمر بالإشهاد
стр. 2122
على البيع توثيقًا، فلو كان الاستحقاق لا يتعلق به حتى يفترق [العاقدان] ولاختص الأمر بالإشهاد على البيع عند التفريق في الحال التي يصح أن توجد الوثيقة.
١٠٥٠٢ - ويدل عليه: ما روي (أن النبي ﷺ نهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري).
١٠٥٠٣ - وهذا يقتضي: أنه إذا جري الصاعان جاز بيع المشتري وإن لم يفترقا.
١٠٥٠٤ - ويدل عليه: قوله ﵊: (لا يجزي ولد والده، إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه)، أي يعتق عليه. وظاهر هذا يقتضي: أنه يعتق بنفس الشراء وإن لم يوجد الافتراق.
١٠٥٠٥ - ويدل عليه: ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: (إن الناس قائلون غدا: ما قال عمر. ألا إن البيع صفقة أو خيار).
١٠٥٠٦ - فجعل البيع على ضربين: بيع خيار، وبيع صفقة، وعندهم البيع كله ضرب واحد، وهو بيع خيار.
١٠٥٠٧ - ولأنه نوع خيار لا يثبت لغير المجلس، فلا يثبت في حال المجلس في فسخ
стр. 2123
البيع. أصله: خيار المعاينة فيما اشتراه من المصر، وعكسه خيار العيب، وخيار الشرط اعتبار ما بعد المجلس بحال المجلس لا يصح؛ لأن حال المجلس قد جعلت كحال العقد، بدلالة: أنها محل لقبض ثمن الصرف وإنما جاز القبض بعده، فكيف يكون حال المجلس كحال العقد بهذا الدليل؟.
١٠٥٠٨ - ولأن ما بعد المجلس بحاله لقبض ثمن الصرف؛ لأنهما لو قاما من مجلس العقد ثم تقابضا في موضوع آخر من غير افتراق جاز.
١٠٥٠٩ - قالوا: المعنى في خيار المعاينة: أنه لا يثبت من جنسه شرطًا فلم يثبت شرعًا، ولما كان خيار المجلس يثبت من جنسه شرطًا، جاز أن يثبت شرعًا.
١٠٥١٠ - فإن خيار المعاينة يثبت شرطًا إذا باع عبدًا على أنه كاتب فوجده بخلاف ذلك لا يثبت له خيار المعاينة.
١٠٥١١ - وعلة الفرع تبطل بالأجل؛ لأنه يثبت شرطًا؛ ولأنه عقد فلا يثبت فيه خيار المجلس، كالنكاح، والكتابة، والخلع، والرهن والهبة.
١٠٥١٢ - فإن قيل: المقصود بالنكاح: الوصلة، والمقصود بالبيع: المغالبة والمماسكة.
١٠٥١٣ - قلنا: لو صح هذا لوجب أن يختلف العقدان في خيار العيب، ومع هذا فقد ثبت خيار العيب عندهم في العقدين.
١٠٥١٤ - ولأن النكاح يتأبد، فهو أولى العقود بثبوت الخيار، حتى تثبت الوصلة، ثم بخيار الوصلة بهذا دون غيرها.
١٠٥١٥ - قالوا: النكاح في الغالب يقع بعد البحث من كل واحد من الزوجين عن حال الآخر، فلم يحتج إلى ثبوت خيار المجلس، والبيع يقع من غير بحث، فاحتاج إلى خيار المجلس، ليستدرك به حقه، لإمكان يمكنه أن ينظر إليه عند العقد، ويمكنه
стр. 2124
أن يشترط الخيار فيستدرك في مدة الخيار هذا المعني، فإذا عدل عن ذلك بسقط حق نفسه، فلم يثبت له خيار.
١٠٥١٦ - قالوا: المعنى في النكاح أنه لا يثبت فيه خيار الشرط، كما لا يثبت الخيار بكل عيب؛ لأن المقصود الوصلة، ولهذا يفتقر الوكيل بالنكاح إلى تسمية موكله؛ لأن عينة المعقودة، وليس كذلك البيع؛ لأن خيار الشرط يصح فيه ويرد بكل عيب ولا يفتقر الوكيل إلى ذكر موكله.
١٠٥١٧ - قلنا: أما اختلافهما في خيار الشرط، والصرف، فالبيع يختلف في جواز شرط الخيار ولكن يثبت خيار المجلس فيهما جميعًا، وأما اختلافهما في خيار العيب [فيثبت في البيع] لفوات المقصود بالعقد بنقصانه، أما في النكاح فقولان والمقصود: وهو ما أوجب نقصان الثمن.
١٠٥١٨ - وأما اختلافهما في إضافة الوكيل البيع إلى نفسه، وإضافة النكاح إلى موكله.
١٠٥١٩ - ولأن المعقود عليه في البيع يصح أن ينتقل إلى واحد ثم منه إلى غيره، فجاز أن يضاف إلى واحد وإن وقع العقد لغيره، والنكاح لا ينتقل العقد عليه إلى واحد ثم ينتقل منه إلى غيره، فلذلك لا يضاف إلى واحد، والعقد يقع لغيره.
١٠٥٢٠ - قالوا: المعتبر في الكفاية أن المولى قد تحقق العين؛ لأنه باع بماله، والمكاتب له الخيار على التأبيد.
١٠٥٢١ - فقلنا: هذا غير مسلم؛ لأن المكاتب لا خيار له مع إمكان الأداء، وأما تحقق المولى الغبن فلا يمنع ثبوت خياره، كمن باع ما يساوي مائة بدرهم، فهو متحقق الغبن وإن ثبت له الخيار عندهم.
١٠٥٢٢ - ولأنهما أثبتا العقد الصحيح من طريق القول فيما شاهداه، فلم يثبت
стр. 2125
لهما خيار من غير نقص كما بعد الافتراق.
١٠٥٢٣ - ولأنه خيار مختص بفرقة، فلا يثبت في العقد حكمًا، كخيار الشرط.
١٠٥٢٤ - ولأنه عقد صحيح فيه الإيجاب والقبول، فلا يقف تمامه على الافتراق، كالهبة.
١٠٥٢٥ - ولأن التراضي بالعقد لو لم يقم به العقد لم يجز أن يتم التراضي بغيره.
١٠٥٢٦ - فلما قالوا: إنه لو خيره بعد الافتراق فاختار تم البيع: دل على أن التراضي الأول أتم البيع.
١٠٥٢٧ - فإن قيل: رضا البائع بالبيع لا يسقط منفعته، ولو رضي بعد البيع سقطت.
١٠٥٢٨ - قلنا: حقه يثبت بعد البيع فرضاه قبل ثبوت حقه لا يسقط، وفي مسألتنا: حق كل واحد من العاقدين أن لا يلزمه العقد بغير رضاه، وإذا رضي بالعقد فقد استدرك حقه، فلا معني لاعتبار تكرار الرضا.
١٠٥٢٩ - ولأن خيار المجلس لو ثبت في البيع منع من صحة قبض ثمن الصرف في المجلس؛ لأنه يقتضيه مع ثبوت الفسخ فيه، والافتراق قبل صحة القبض يبطل عقد الصرف، كما لو افترقا وقد شرط الخيار، وهذا يوجب أن لا يصح صرف أبدًا.
١٠٥٣٠ - ولأنه إذا شرط الخيار في البيع مدة معلومة لم يخل أن يكون ابتداء المدة عقيب العقد أو عقيب الافتراق، ولا يجوز أن يكون عقيب العقد لأنه ليس بقول لهم.
ولأن كل حالة لا يثبت فيها خيار الشرط لم يثبت فيها خيار المجلس كما بعد الافتراق، ولا يجوز أن يكون ابتداء المدة عقيب الافتراق؛ لأن المجلس يطول ويقصر فيؤدى ذلك إلى جهالة مدة الخيار، وهذا لا يصح.
١٠٥٣١ - واحتج المخالف: بما روي مالك عن نافع، عن ابن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ قال: إذا تبايع المتبايعان فلكل واحد منهما الخيار من بيعه، أو يكون بيعهما على
стр. 2126
خيار).
١٠٥٣٢ - وروى حكيم بن حزام، وأبو برزة الأسلمي (أن النبي ﷺ قال: المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا).
١٠٥٣٣ - وذكر البخاري حديث الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، فإن تفرقا بعد أن يتبايعا، فلم ينو واحد منهما البيع، فقد وجب البيع).
١٠٥٣٤ - قالوا: وقولنا بائع: اسم مشتق من فعل، فلا يطلق اسم البائع إلا بعد وجود الفعل، كالقاتل، والشاتم، فصار حقيقة الاسم بعد وجود البيع منهما، لهما الخيار ما لم يتفرقا.
١٠٥٣٥ - والجواب: أن الخبر خبر واحد، وقد اختلف على نافع فيه ونعلم أن النبي ﷺ لم يقل جميع هذه الألفاظ، وإنما تكلم بواحد منها، فوجب التوقف حتى يعرف لفظ رسول الله ﷺ منها فيعمل بمقتضاه.
١٠٥٣٦ - وقد روى مالك هذا الحديث ولم يعمل بظاهره؛ لأن أهل المدينة لم
стр. 2127
يعلموا به، وهذه طريقة صحيحة؛ لأن حديث عدي بن بركة عمل به أهل المصر، وعمل العلماء أولى أن يرجع إليه من خبر واحد يجوز أن يكون على غير ظاهره، وقد عارض ظاهره أخبار متفق على استعمالها، وهو نهيه عليه [الصلاة] والسلام: عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان. وقوله من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع.
١٠٥٣٧ - وقد تمسك أبو يوسف بما روى عنه بشر بن الوليد من تأويل هذا الحديث أنه محمول على المشترى إذا ساوم، فقال: بعني هذا العبد بألف. فقال البائع بعتك، فكل واحد منهما بالخيار، إن شاء البائع رجع عن الإيجاب وإن شاء أقام عليه، والمشترى بالخيار، إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل، فإذا افترقا عن مجلسهما بطل خيار كل واحد منهما، وهذا تأويل صحيح لأن حقيقة المتابعين المشتغلان بالبيع كالمتفاعلين/، وإن تم البيع فقد يقضى بينهما بالاسم، فهما مجاز لأنهما كانا متبايعين وعمل اللفظ على الحقيقة أولى، وإلى هذه الطريقة ذهب عيسى بن أبان.
١٠٥٣٨ - قلنا هذا قول ترده اللغة والشرع؛ لأن في اللغة من لم يوجد منه الفعل لا يسمى فاعلًا، وفي الشرع لو قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، فقال له المشترى: بعني، فقال بعتك، لم يعتق.
١٠٥٣٩ - قلنا: أما اللغة فقد وجد من كل واحد منهما لفظ البيع، وذلك بيع لفظي، والاسم تابع لما يفعله أهل اللغة دون الأحكام الشرعية.
١٠٥٤٠ - ثم أهل اللغة لا يقولون فاعلًا بعد انقضاء فعله، إلا مجازًا، بمعنى: كان فاعلًا.
١٠٥٤١ - وأما الشريعة فإن الأيمان محمولة على العرف لا على مطلق الاسم، وسقط هذا.
١٠٥٤٢ - قالوا: لا حقيقة لهذا الاسم بحال؛ أما في العقل، فإنما يقال: كانا متبايعين، وحال تشاغلهما بالعقد مجازًا أيضًا؛ لأن البائع إذا أوجب البيع لا يقال:
стр. 2128
باع قبل قبول المشتري، ولا يقال للمشتري: مبتاع قبل القبول، وإنما سيصير مشتريًا، فالحالان جميعًا مجاز.
١٠٥٤٣ - قلنا هذا كلام من لا يعرف اللغة؛ لأن الاسم لا يكون مجازًا، وبعد الفعل قد تلف الاسم. وحال التلبس به والتشاغل هي الحقيقة، والمجاز عنها فرع، وعليها حمل الخبر وكنا أولى به.
١٠٥٤٤ - فأما قولهم: كيف يكون فاعلًا ولم يوجد الفعل فلا يصح؛ لأن جزءًا قد وجد في الإيجاب والقبول، وقد يكمل الفعل به، فتلك الحالة هي الحقيقة إلا أنها مع ما قبلها من أجزاء الزمان الذي تشاغلا بالفعل، كالشيء الواحد؛ لأنه بجميع تلك الأجزاء قد يكون الفعل، فجعلوها كالحالة الواحدة، والشيء الواحد، وصار الاسم حقيقة في جميعها، وليس يمكن أن يجعل أهل اللغة الحقائق إلا هكذا.
١٠٥٤٥ - قال مخالفنا: فإذا ثبت أن الاسم في الموضعين مجاز لا حقيقة له، قالوا لنا: فقد تساوينا.
١٠٥٤٦ - قلنا: بل معنا ترجيح من ستة أوجه:
١٠٥٤٧ - أحدها: أنا استعملنا المجاز من وجه واحد، وهو: أنا سميناهما بعد الفعل، وحملتم اللفظ على المجاز من ثلاثة أوجه فجعلتموه بائعًا قبل البيع، ومشتريًا قبل الشراء، وسميتموه بائعًا ولا بيع وهذا مجاز، كمن سمى قاتلًا ولا مقتول.
١٠٥٤٨ - قلنا: هذا كلام أسقطناه؛ لأنا لم نسلم التساوي في المجاز، بل بينا أن الحقيقة معنى، ولا وجه للترجيح على ما قالوه، وفاسد؛ لأنهم إذا حملوا اسم البائع على ما بعد البيع، فقد سموا البائع بائعًا بعد بيعه، والمشتري مشتريًا بعد
стр. 2129
شرائه، وحملوا الاسم المشتق من الفعل على حال تقضيه وهذا استعمال المجاز من ثلاثة أوجه أيضًا، والترجيح للثاني.
١٠٥٤٩ - قالوا: نستفيد بما ذكرنا حكمًا شرعيًا في مسألة الخلاف، وما ذكروه لا يفيد حكمًا إلا ثبوت الخيار قبل تمام العقد، وهذا ثابت بالإجماع.
١٠٥٥٠ - قلنا: بل نستفيد بهذا الخبر أن الموجب للبيع يجوز له الرجوع عن إيجابه، ولولا الخبر لم يقل ذلك، ولجاز أن يكون كإيجاب الطلاق والعتاق، لا يرجع فيه.
١٠٥٥١ - وفائدة أخرى: أن الإيجاب يبطل بالافتراق، فلولا ذلك لم يبطل حكم الإيجاب بعد المجلس.
١٠٥٥٢ - قالوا: والثالث: أن النبي ﷺ أوجب لهما الخيار بمعنى واحد، وهو أن لكل واحد منهما خيار الفسخ، وعندكم معنى الخيار لهما مختلف؛ لأن البائع له خيار المنع من القبول، والمشتري له خيار، هو القبول.
١٠٥٥٣ - قلنا: الظاهر يقتضي ثبوت الخيار إلى غاية، فأما أن يدل الظاهر على أن الخيار [بعينه لمعنى واحد، فلا دلالة فيه.
١٠٥٥٤ - ولأن عندنا يثبت الخيار] لمعنى واحد، وهو أن العقد لم يثبت بالإيجاب والقبول، فيثبت الخيار لكل واحد منهما في إثباته أو فسخه.
١٠٥٥٥ - قالوا: والرابع: أن النبي ﷺ جعل الخيار إلى غاية، وعندكم التبايع إلى غاية.
١٠٥٥٦ - قلنا: بل الخيار عندنا من تمام العقد يثبت إلى غاية.
١٠٥٥٧ - قالوا: والخامس: أن الخبر إذا احتمل أمرين، وقد فسره الراوي بأحدهما، وجب حمله علي ما فسره الراوي، وقد فسره ابن عمر بما قلنا.
стр. 2130
١٠٥٥٨ - قيل لهم: الذي روى عن ابن عمر أنه كان يفارق إذا باع حكاية فعل فيكون فعل ذلك احترازا من قول من يجوز أن يحمل الخبر على هذا، ليس أنه مذهبه، وفعل النبي ﷺ المحتمل لا يحتج به، فكيف ابن عمر.
١٠٥٥٩ - وقد روى يحيى بن معبد عن محمد تأويلًا آخر، فقال: الخبر محمول على المتساويين المتقابلين في البيع، وأن لهما الخيار ما لم يتفرقا بأقوالهما، يوجب هذا ويقبل هذا، وإذا افترقا بالقول سقط خيارهما، ولزم البيع لكل واحد منهما.
١٠٥٦٠ - قال محمد: وهذا قول أبي حنيفة، والمتساومان يسميان متبايعين لغة وشرعًا.
١٠٥٦١ - فأما الشرع: فروي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يبيع الرجل على بيع أخيه)، كما روى أنه قال: (لا يسوم الرجل على سوم أخيه)، فسمى ﵊: السوم بيعًا.
١٠٥٦٢ - وأما اللغة: فيقولون: هذا مشتر لهذه السلعة، وفلان بائع لها، وفي السوق باعة المشترى قليل، تناول اسم المتساومين، والافتراق بالأقوال
стр. 2131
يسمى افتراقًا كما يسمى الافتراق بالأبدان، بدلالة (أنه يقال للمجتمعين في مكان واحد، أو المفترقة أقوالهم في شيء: افترقوا، كما يقال: اختلفوا. وقال الله تعالى: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب﴾. وقال ﵊: (تفترق أمتي نيفًا وسبعين فرقة).
١٠٥٦٤ - وإذا تناول اللفظ أمرين وجب حمله على أولهما، وهذه فرقة الأقوال؛ لأن قوله: (حتى يفترقا) إذا حملناه على [هذا حملناه على] ما جري له ذكر، وإذا حملوه على المجلس حملوه على ما لم يجز له ذكر.
١٠٥٦٥ - ولأن الخيار ما وقف على رأيهما، وما نقوله من التتابع يعود إلى فعلهما، واختيارهما. وما يقولونه من التفرق بالأبدان لا يعود إلى رأيهما. ألا ترى: أن أحدهما لو أراد أن يفارق الآخر ليتم العقد لم يقدر على ذلك؛ لأن الآخر قد يقوم معه.
١٠٥٦٦ - فإن قيل: حقيقة التفرق تفيد تباعد الأشخاص.
١٠٥٦٧ - قلنا: لا نسلم ذلك، بل قد بينا أن التفرق يطلق في الأقوال، والأصل في الاستعمال الحقيقة.
١٠٥٦٨ - فإن قيل: التفرق ما كان عن اجتماع، وذلك يوجد في تفرق الأبدان دون الأقوال.
١٠٥٦٩ - قلنا: ويؤثر أيضًا في الأقوال؛ لأن المتفقين على قول واحد إذا اختلفا فقد تفرقا بعد اجتماعهما. وفي مسألتنا: اتفقا على التساوي ثم افترقا، فصارا باتفاق [متبايعين]، وانتقل إلى كل واحد منهما ما كان على ملك الآخر فافترقا بهذا المعنى بعد الاجتماع.
стр. 2132
١٠٥٧٠ - فإن قيل: فالبيع ليس بافتراق بل هو اجتماع واتفاق؛ لأن البائع أوجب البيع فقبل المشتري.
١٠٥٧١ - فإن قيل: فقد وافقه، وهكذا فارقه.
١٠٥٧٢ - قلنا: هذا اختلاف من الوجه الذي ذكرنا، وإن كان اتفاقًا في وجه لم يعتبر للمعنى الافتراق من كل الوجوه.
١٠٥٧٣ - فإن قيل: النبي ﷺ مد الخيار إلى التفرق وعندكم يمتد إلى الإيجاب والقبول.
١٠٥٧٤ - قلنا: قد بينا أن الإيجاب يفرق عن التساوي، وأن الواجب أن يجعل غاية الخيار أولى ما يتناوله الاسم.
١٠٥٧٥ - قالوا: ومن حديث الليث: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا. فإن تفرقا بعد أن تبايعا فلم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع).
١٠٥٧٦ - قلنا: هذا محمول على ما قررنا؛ لأن التبايع والتساوم، والتفرق بعده هو التعاقد، حتى حصل التفرق بالإيجاب والقبول بعد التلاقي، من غير أن يترك أحدهما البيع بإبطال الإيجاب [فقد] وجب البيع.
١٠٥٧٧ - قالوا: روي من حديث عبد الله بن عمرو (حتى يتفرقا من مكانهما).
١٠٥٧٨ - قلنا: هذا صحيح على تأويل أبي يوسف، وهو معارض بما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا من بيعهما أو يكون بيعهما بخيار)، وهذا شاهد لتأويل محمد.
стр. 2133
١٠٥٧٩ - فإن قيل: إذا اختلفا في تأويل الخبر وجب حمله على تأويل الراوي؛ لأنه شاهد التنزيل، وقد بينا أن ابن عمر حمل الخبر على التفرق بالأبدان.
١٠٥٨٠ - قلنا: هذا أصل لكم، والذي نقول: أن الواجب اعتبار ما دل عليه الدليل، وتشهد له الأصول.
١٠٥٨١ - ثم راوي هذا الخبر أبو برزة، وقد حمل الخبر على التفرق في السفر.
١٠٥٨٢ - وقد روى حماد بن زيد، عن حميد بن مرة عن أبي الوضيء (قال: نزلنا منزلًا، فباع رجل صاحب لنا من رجل فرسًا، فأقمنا في منزلنا يومنا وليلتنا، فلما كان الغد قام الرجل يسرج فرسه، فقال له صاحبنا: إنك قد/ بعتني فاختصما إلى أبي برزة، فقال: إن شئتما قضيت بينكما بقضاء رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، وما أراكما تفرقتما).
١٠٥٨٣ - ومعلوم أن قيام البائع إلى فرسه مفارقة ولم يعتبر [رضا بالبيع]، فلم يجب الرجوع إلى تأويل ابن عمر، دون تأويل أبي برزة. وقد بينا أن ابن عمر جاز أن يكون فعل ذلك تحرزًا من حاكم بتأويل الخبر؛ لأنه مذهبه.
стр. 2134
١٠٥٨٤ - فإن قيل: حمل الخبر على ما يقولون يبطل تخصيص البيع؛ لأن العقود كلها يجوز الرجوع فيها عن الإيجاب.
١٠٥٨٥ - قلنا: وكذلك لزوم الثمن لا بحضور خيار المجلس بل بثبوته كما في عقود أخرى كثيرة. ونحن نثبت ما يذكره من الخيار في البيع وما في معناه ليكون فرقًا بين هذه العقود وبين الطلاق والعتاق.
١٠٥٨٦ - فإن قيل: ذكر الدارقطني حديث ابن عباس ﵁ (أن النبي ﷺ قال: من اشترى بيعًا، فوجب له، فهو بالخيار ما لم يفارقه صاحبه، إن شاء أخذ، فإن فارقه فلا خيار له).
١٠٥٨٧ - قلنا: روى هذا الخبر عن أبي معيد، عن سليمان بن موسى عن نافع، عن ابن عمر. وعن عطاء، عن ابن عباس.
١٠٥٨٨ - وأبو معيد هو حفص بن غيلان ساقط الحديث، وسليمان بن موسى ذكره البخاري من الضعفاء لا يثبت بروايتهما حجة؛ ولأن قوله: (فوجب له) متروك الظاهر؛ لأن عندهم لا يجب له ما داما في المجلس من غير تغيير؛ فعندنا معناه: من طلب الشراء فأوجب له، فهو الخيار. وعندهم معناه: من عقد له فلم
стр. 2135
يجب فله الخيار، ولنا فيها في تركه الظاهر.
١٠٥٨٩ - احتجوا: بقوله ﷺ (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار).
١٠٥٩٠ - قالوا: بيع الخيار، هو أن يطلق البيع ثم يخير أحدهما الآخر.
١٠٥٩١ - ومن أصحابه من قال: بيع الخيار أن يقع العقد على شرط ألا خيار فيه، فإذا تقرر هذا فالاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، فلما قال: (المتبايعان بالخيار) فقد أثبت، ثم قال: (إلا بيع الخيار) فيجب أن يكون الاستثناء في الخيار، وهذا لا يكون إلا قولنا؛ لأن العقد لا يلزم حتى يتفرقا إلا بيع الخيار الذي بيناه، فإن العقد يلزم من غير افتراق.
١٠٥٩٢ - الجواب: أن قوله: (المتبايعان) اسم الفاعل، فقوله: (إلا بيع الخيار) مصدر، ولم يتقدم ذكر مصدر حتى يخرج بعضه بالاستثناء، فكان هذا الاستثناء منقطعا بمعنى: (لكن)، ولا يلزم أن يكون إثباتًا من (لكن) أو نفيا من إثبات؛ لأن هذا لا يكون من الاستثناء الصحيح. فأما المنقطع: فالذي يلزمه فيه أن يخالف الأول ضربًا من الخلاف، فتقدير الخبر كل متبايعين أو كل متشاغلين على ما قدمنا، فلا بيع بينهما حتى يفترقا، لكن بيع الخيار، وإن افترقا لا يتم البيع بينهما، فإن إثبات الخلاف من وجه يكفي في عدم الاستثناء المنقطع.
١٠٥٩٣ - وحملنا قوله ﵊: (إلا بيع الخيار) على ظاهره في البيع المشروط فيه الخيار، وهذا هو المفهوم من الخيار في الشرع، فأما الذي قالوه فلا يعرف.
١٠٥٩٤ - وكيف يصح أن يحمل اللفظ على البائع بشرط أن لا خيار، ويسمي ذلك بيع خيار، وهو بيع نفي الخيار فيه.
١٠٥٩٥ - فأما قوله بعد العقد: (اختر) فهو تخيير من أحدهما للآخر بعد وقوع العقد لا يوصف العقد به، وقد خلا العقد منه، وتأخر عنه.
стр. 2136
١٠٥٩٦ - وأجاب أصحابنا بجواب آخر، فقالوا: قوله: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا (غاية، وحكم الغاية: أن يكون ما بعدها بخلاف ما قبلها فصار ذلك كالمنطوق. فكأنه قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) فيتم البيع بينهما إلا بيع الخيار، فإنهما وإن تفرقا لم يتم البيع بينهما. وهذا كقوله تعالى ﴿إني لا يخاف لدى المرسلون (١٠) إلا من ظلم﴾، فقد فسره، لكن يخاف الظالمون إلا من ظلم ثم بدل حسنًا بعد سوء، فهذا تأويل الاستثناء على وجه الصحيح، وحمل بيع الخيار على ما يتناوله إطلاق اسم الخيار، ويعرفه أهل الشرع.
١٠٥٩٧ - فإن قيل: روى موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يكون بيعهما عن خيار، فإن كان بيعهما عن خيار، فقد وجب البيع).
١٠٥٩٨ - قالوا: وهذا يدل أن بيع الخيار ما ذكرناه.
١٠٥٩٩ - قلنا: لا يدل، إنما معنى قوله: (أو يكون بيعهما عن خيار) فلا يتم الأمران.
١٠٦٠٠ - وقد تكلمنا على الأخبار التي أوردوها، فقد ذكر الدارقطني في هذا الحديث عن ابن وهب، عن الليث أن نافعا حدثه، عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعًا، أو يخير أحدهما الآخر فيتبايعان على ذلك، فقد وجب البيع)، وهذا يدل على أن التخيير المذكور قبل التبايع، وأنه لا خيار بعده.
١٠٦٠١ - وقد روى في حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ولا يحل له أن
стр. 2137
يفارقه خشية يستقيله)، فلو كان البيع لا يلزم قبل الفرقة لم تدخله الاستقالة؛ لأنها لا تدخل في بيع تام صحيح، وإنما نهاه عن المفارقة خشية الاستقالة عن طريق الأولى؛ لأن الإنسان مندوب على الإقالة.
١٠٦٠٢ - فإن قيل: فكيف يلزم البيع على تأويلكم بقوله: (اختر)؟.
١٠٦٠٣ - قلنا: هذا عندنا يقوم مقام الإيجاب إن قاله البائع، ومقام القبول عن قاله المشتري فيتم به البيع إذا تقدمه فينظر العقد.
١٠٦٠٤ - قالوا: روى مثل قولنا عن علي، وابن عمر، وابن عباس، وأبي برزة، وأبي هريرة ﵁.
١٠٦٠٥ - قلنا: نعم؛ لأنه مخالف؛ لأنه قال: البيع صفقة، أو خيار، فحصل أن البيع نوعان وعندهم الخيار ثابت في جميع البياعات.
١٠٦٠٦ - فإن قيل: معناه صفقة، بمعنى شرط في العقد أن لا خيار، أو أطلق، فكان فيه الخيار.
١٠٦٠٧ - قلنا: سقوط الخيار بالشرط بقوله: (بعضكم (ولا يختارونه، ثم الصفقة هي مطلق العقد، فأما ما وقع على شرط فليس بصفقة.
١٠٦٠٨ - قالوا: عقد معاوضة محضة، فوجب أن يكون للتفرق تأثير فيه، أصله: الصرف.
١٠٦٠٩ - قلنا: الافتراق في الصرف يبطل العقد، ولا يجوز أن يكون ما يبطل نوعًا من البيع يصح به نوع آخر، كهلاك المعقود عليه.
١٠٦١٠ - ثم نقول: ولا يقف تمامه على الافتراق، كالصرف؛ لأن عقد الصرف لا يتم بالافتراق عندهم حتى يتقدمه القبض.
١٠٦١١ - ولأن في الصرف دلالة؛ لأن الافتراق لما أثر فيه كان تأثيره الفساد، فلو كان
стр. 2138
للافتراق تأثير في مسألتنا: وجب أن [يؤثر فيه الفساد، فأما أن يؤثر صحة العقد فلا.
١٠٦١٢ - قالوا: معارضة محضة فجاز أن] يلحقها الفسخ مع الإطلاق والسلامة من وجهين، كالصرف.
١٠٦١٣ - قلنا: نقول بموجبه؛ لأن بيوع الأعيان يلحقها الفسخ مع الإطلاق، والسلامة من وجهين: تلف المبيع قبل القبض، وخيار الرؤية.
١٠٦١٤ - قالوا: الخيار على ضربين: خيار نقص وغيره، ثم كان خيار النقص يثبت شرعًا وشرطًا، وتحريره أحد نوعي الخيار، فانقسم شرعًا وشرطًا.
١٠٦١٥ - قلنا: نقول بموجبه من خيار القبول، وخيار الرؤية.
١٠٦١٦ - فإن قالوا: خيار الرؤية لا يتعلق بمضي الزمان.
١٠٦١٧ - قلنا: وكذلك خيار المجلس لا يتعلق بمضي الزمان، وإنما يقع على شرط. ثم ثبوت الشيء بالشرط لا يدل على ثبوته بالشرع، بدلالة: الأجل. ثم نعكس فنقول أحد نوعي الخيار، فكان حكمه في المجلس حكمه بعده.
١٠٦١٨ - ولأن خيار النقص لما ثبت حكمًا وشرطًا استوت مدتها؛ لأن كل واحد من الخيار يثبت في المدة وبعدها، فلو كان هذا الخيار يثبت حكمًا وشرطًا لاستوت مدتها، فيثبت كل واحد منهما في المجلس وبعده.
١٠٦١٩ - قالوا: عقد يقصد به تمليك المال، فلا يتم بالإيجاب والقبول، كالهبة.
١٠٦٢٠ - قلنا: الهبة من عقود الشرع وهي أضعف من إيجاب المال في البيع، بدلالة وقوف الملك فيها على القبض، فلم يجز اعتبار البيع بها. والمعنى فيها: أن العقد لا يتم منها بالتخاير بعد، فلا يتم بالتراضي ابتداء. ولما كان البيع يتم بالتخاير بعد العقد تم بالتراضي على العقد؛ لأن الرضا في الوجهين موجود.
١٠٦٢١ - قالوا: قول أحد المتبايعين، فوجب أن يتعقبه الخيار أصله ما ذكروا.
стр. 2139
١٠٦٢٢ - قلنا: عندنا كل واحد من الطرفين يتعقبه الخيار على الوجه الذي يتعينه الآخر؛ لأنه إن ابتدأ البائع فالإيجاب يثبت الخيار لكل واحد منهما، وإذا ابتدأ المشتري بالقبول يثبت الخيار/ لكل واحد منهما، وإنما لا ينعقد القبول خيارًا؛ لأنه اجتمع به الإيجاب والقبول معا، ولا يقال: لما لزم قبل تراضي المتعاقدين به، يثبت بعد تراضيها.
١٠٦٢٣ - قالوا: زمان يصح قبض رأس المال وعوض الصرف، فوجب أن يثبت فيه الخيار. أصله: عقيب الإيجاب وقت لقبض رأس المال، لأن العقد لم ينعقد، فكيف يقبض بدله ولا عقد.
١٠٦٢٤ - ولأن عقيب الإيجاب حالة يثبت الخيار في النكاح فيثبت في البيع، وما بعد الإيجاب والقبول حالة لا يثبت الخيار في النكاح، فلم يثبت في البيع.
* * *
стр. 2140
مسألة ٥٦٦
حكم جعل البائع الخيار لنفسه
١٠٦٢٥ - قال أصحابنا: إذا شرط البائع الخيار لنفسه لم يزل ملكه عن المبيع.
١٠٦٢٦ - وللشافعي: أقوال، أحدها: أن الملك موقوف مراعى. والثاني: أنه ينتقل بالعقد وإسقاط الخيار، والثالث: أنه ينتقل بنفس العقد. وهل يأخذ الشفيع بالشفعة مع ثبوت خيار البائع، فيه قولان، هذا على القول الذي يقول: إن الملك ينتقل بالعقد.
следующие страницы →